الفريضة التي تُؤخَذ في زكاة الحيوان (الَّتِي أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ ﷺ ¬) بها، وثبت لفظ: «التي» للكُشْمِيْهَنِيِّ (١) (وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ مَخَاضٍ) بأن كان عنده من الإبل خمسٌ وعشرون إلى خمسٍ وثلاثين، وبنت المَخاض -بفتح الميم وبالخاء والضَّاد المعجمتين- الأنثى من الإبل؛ وهي التي تمَّ لها عامٌ، سُمِّيت به؛ لأنَّ أمَّها آن لها أن تلحق بالمخاض، وهو وجع الولادة وإن لم تحمل، و «بنتَ» بالنَّصب على المفعوليَّة، وفي نسخةٍ بإضافة «صدقة» إلى «بنت» (وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ) (٢) أي: والحال أنَّ بنت المخاض ليست موجودةً عنده (وَ) الحال أنَّ الموجود (عِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ) أنثى، وهي التي آن لأمِّها (٣) أن تلد فتصير لبونًا (فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ) أي: من المالك من الزَّكاة (وَيُعْطِيهِ المُصَدِّقُ) بضمِّ الميم وتخفيف المهملة وكسر الدَّال، كمحدِّثٍ، آخذ الصَّدقة، وهو السَّاعي الذي يأخذ الزَّكاة (عِشْرِينَ دِرْهَمًا) فضَّةً من النُّقرة الخالصة، وهي المراد بالدَّراهم الشَّرعيَّة حيث أُطلِقت (أَوْ شَاتَيْنِ) بصفة الشَّاة المُخرَجة عن خمسٍ من الإبل (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ) أي: المالك (بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا) المفروض (وَعِنْدَهُ ابْنُ لَبُونٍ) ذكرٌ (فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ) وإن كان أقلَّ قيمةً منها، ولا يُكلَّف تحصيلها (وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ) وهذا طرفٌ من حديث الصَّدقات، ويأتي -إن شاء الله تعالى- معظمه في «باب زكاة الغنم» [خ¦١٤٥٤] ودلالته على التَّرجمة من جهة قبول ما هو أَنْفس ممَّا يجب على المتصدِّق وإعطاؤه التَّفاوت من جنسٍ غير الجنس الواجب (٤)، وكذا العكس، وأُجيب بأنَّه لو كان كذلك؛ لكان يُنظَر إلى (٥) ما بين السِّنَّين في القيمة، فكان العرض يزيد تارةً، وينقص أخرى؛ لاختلاف ذلك في الأمكنة والأزمنة، فلمَّا قدَّر الشَّارع التَّفاوت بمقدارٍ مُعيَّنٍ لا يزيد ولا ينقص؛ كان ذلك هو الواجب في مثل ذلك، قاله في «فتح الباري».
ورواة هذا الحديث بصريُّون، وفيه التَّحديث، وأخرجه المؤلِّف في مواضع، قال المزِّيُّ في
стр. 3432
«الأطراف»: ستَّةٌ في «الزَّكاة» أي (١): هنا، و «باب لا يُجمَع بين متفرِّقٍ» (٢) [خ¦١٤٥٠] و «باب ما كان من خليطين» [خ¦١٤٥١] و «باب من بلغت عنده صدقة بنت (٣) مخاض» [خ¦١٤٥٣] و «باب زكاة الغنم» [خ¦١٤٥٤] و «باب لا تُؤخَذ في الصَّدقة هَرِمةٌ» [خ¦١٤٥٥] وفي «الخمس» [خ¦٣١٠٦] و «الشَّركة» [خ¦٢٤٨٧] و «اللِّباس» [خ¦٥٨٧٨] و «ترك الحيل» [خ¦٦٩٥٥] وقال صاحب «التَّلويح»: في عشرة مواضع بإسنادٍ واحدٍ مُقطَّعًا من حديث ثمامة عن أنسٍ، وأخرجه أبو داود في «الزَّكاة»، وكذا النَّسائيُّ وابن ماجه.
١٤٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ) بضمِّ الميم الأولى وفتح الثَّانية مُشدَّدةً، بلفظ المفعول، ابن هشامٍ، البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) ابن عُلَيَّة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قال: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَصَلَّى) بفتح اللَّامين، والأولى جواب قسمٍ محذوفٍ يتضمَّنه لفظ: «أشهد» أي: واللهِ، لقد صلَّى صلاة العيد (قَبْلَ الخُطْبَةِ فَرَأَى) ﵊ (أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ) خطبته لبعدهنَّ (فَأَتَاهُنَّ) أي: فجاء إليهنَّ (وَمَعَهُ بِلَالٌ) حال كونه (نَاشِرَ ثَوْبِهِ) بالإضافة، ولأبي ذرٍّ (٤): «ناشرٌ ثوبَه» بغير إضافةٍ مع الرَّفع (فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي، وَأَشَارَ أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ بيده (إِلَى أُذُنِهِ وَإِلَى حَلْقِهِ) يريد إلى (٥) ما فيهما من حلقٍ وقرطٍ وقلادةٍ.
стр. 3433
ومطابقته للتَّرجمة، قِيلَ: من جهة أمره ﵊ النِّساء بدفع الزَّكاة، فدفعن الحلق والقلائد، وهو يدلُّ على جواز أخذ العرض في الزَّكاة، وجوابه ما مرَّ في هذا الباب (١) قريبًا.
(٣٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ) بتقديم المُثنَّاة الفوقيَّة على الفاء وتشديد الرَّاء، وللحَمُّويي والمُستملي: «مفترقٌ» بتأخيرها (وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ) بكسر الميم الثَّانية (وَيُذْكَرُ عَنْ سَالِمٍ) هو ابن عبد الله بن (٢) عمر، ممَّا وصله أحمد وأبو يَعلى والتِّرمذيُّ وغيرهم (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُهُ) أي: مثل لفظ التَّرجمة.
١٤٥٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عبد الله ابن المُثنَّى (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، عمِّي (ثُمَامَةُ: أَنَّ) جدَّه (أَنَسًا ﵁ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ) الفريضة (الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَلَا يُجْمَعُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه، أي: لا يجمع المالك والمُصَّدِّق (بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ) بتقديم التَّاء على الفاء (وَلَا يُفَرَّقُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مُشدَّدًا (بَيْنَ مُجْتَمِعٍ) (٣) بكسر الميم الثَّانية (خَشْيَةَ) المالكِ كثرةَ (الصَّدَقَةِ) فيقلُّ ماله، أو خشية المُصِّدِّق قلَّتها، فأمر كلَّ واحدٍ منهما ألَّا (٤) يُحْدِث في المال شيئًا من الجمع والتَّفريق، و «خشيةَ» نُصِبَ على أنَّه مفعولٌ لأجله، وقد تنازع فيه الفعلان «يُجمَع» و «يُفرَّق»، وقال في
стр. 3434
«المصابيح»: ويحتمل أن يُقدَّر: لا يفعل شيئًا من ذلك خشية الصَّدقة، فيحصل المراد من غير تنازعٍ، وهذا التَّأويل السَّابق قاله الشَّافعيُّ، وقال مالكٌ في «المُوطَّأ»: معناه: أن يكون النَّفر الثَّلاثة لكلِّ واحدٍ منهم أربعون شاةً وجبت فيها الزَّكاة، فيجمعونها حتَّى لا يجب عليهم كلُّهم فيها إلَّا شاةٌ واحدةٌ، أو يكون للخليطين مئتا شاةٍ وشاتان فيكون عليهما فيها ثلاث شياهٍ، فيفرِّقانها (١) حتَّى لا يكون على كلِّ واحدٍ إلَّا شاةٌ واحدةٌ، فصرف الخطاب للمالك، وقال أبو حنيفة: معنى «لا يُجمَع بين متفرِّقٍ»: أن يكون بين رجلين أربعون شاةً، فإذا جمعاها فشاةٌ، وإذا فرَّقاها فلا شيء، و «لا يُفرَّق بين مجتمعٍ»: أن يكون لرجلٍ مئةٌ (٢) وعشرون شاةً (٣)، فإذا (٤) فرَّقها المصَّدِّق أربعين أربعين فثلاث شياهٍ، وقال أبو يوسف: معنى الأوَّل: أن يكون للرَّجل ثمانون شاةً، فإذا جاء المصَّدِّق قال: هي بيني وبين إخوتي، لكلِّ واحدٍ عشرون فلا زكاة، أو يكون له أربعون ولإخوته أربعون، فيقول: كلُّها لي، فشاةٌ.
(٣٥) هذا (٥) (بابٌ) بالتَّنوين (مَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَقَالَ طَاوُسٌ) هو ابن كيسان اليمانيُّ (وَعَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ، ممَّا وصله أبو عبيدٍ في «كتاب
стр. 3435
الأموال»: (إِذَا عَلِمَ الخَلِيطَانِ) بكسر لام «علِم» مُخفَّفةً، ولأبي الوقت من غير «اليونينيَّة»: «علَّم الخليطان» بفتحها مُشدَّدةً (أَمْوَالَهُمَا فَلَا يُجْمَعُ مَالُهُمَا) في الصَّدقة، فلو كان لكلِّ واحدٍ منهما عشرون شاةً، مميَّزةً، فلا زكاة (وَقَالَ سُفْيَانُ) الثَّوريُّ: (لَا يجبُ (١)) في الخليطين زكاةٌ (حَتَّى يَتِمَّ لِهَذَا أَرْبَعُونَ شَاةً وَلِهَذَا أَرْبَعُونَ شَاةً) فيجب على كلِّ واحدةٍ (٢) شاةٌ، وهذا مذهب أبي حنيفة، وحاصله: أنَّه لا يجب على أحد الشَّريكين فيما يملك إلَّا مثل الذي كان يجب عليه، لو لم تكن خلطةٌ، فلم يعتبروا خلطة الجوار، واعتبرها الشَّافعيُّ كخلطة الشُّيوع، لكن تختصُّ خلطة الجوار باتِّحاد المَشْرَع (٣)، و (٤) المَسْرَح والمرعى والمُراح -بضمِّ الميم- وموضع الحلَب -بفتح اللام- والرَّاعي والفحل.
١٤٥١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عبد الله بن المُثنَّى، الأنصاريُّ، وثَّقه العجليُّ والتِّرمذيُّ، واختلف فيه قول الدَّارقطنيِّ، وقال ابن معينٍ وأبو زُرْعة وأبو حاتمٍ: صالحٌ، وقال النَّسائيُّ: ليس بالقويِّ، وقال السَّاجيُّ (٥): فيه ضعفٌ، ولم يكن من أهل الحديث، وروى مناكير، وقال العقيليُّ: لا يُتابَع على أكثر حديثه. انتهى. نعم. تابعه على حديثه هذا حمَّاد بن سلمة، فرواه عن ثمامة أنَّه أعطاه كتابًا، وزعم أنَّ أبا بكرٍ كتبه … الحديث، رواه أبو داود، ورواه أحمد في «مُسنَده»، فانتفى كونه لم يُتابَع عليه، وبالجملة: فلم يحتجَّ به (٦) البخاريُّ إلَّا في روايته عن عمِّه ثمامة، وأخرج له من روايته عن ثابتٍ عن أنسٍ حديثًا تُوبِع فيه عنده (٧) [خ¦٥٠٠٤]
стр. 3436
وأخرج له أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٩٢١] عن مسلم بن إبراهيم حدثنا عبد الله بن المثنى (١) عن عبد الله بن دينارٍ في «النَّهي عن القزع» بمتابعة نافعٍ وغيره عن ابن عمر، وروى له التِّرمذيُّ وابن ماجه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (ثُمَامَةُ: أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ) فريضة الصَّدقة (الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ) يريد أنَّ المصَّدِّق إذا أخذ من أحد الخليطين ما وجب أو بعضه من مال أحدهما فإنَّه يرجع المخالط الذي أخذ منه الواجب أو بعضه بقدر حصَّة الذي خالطه من مجموع المالين مثلًا في المثليِّ كالثِّمار والحبوب، وقيمةً في المُتقوَّم (٢) كالإبل والبقر والغنم، فلو كان لكلٍّ منهما عشرون شاةً رجع الخليط على خليطه بقيمة نصف شاةٍ لا بنصف (٣) شاةٍ؛ لأنَّها غير مثليَّةٍ، ولو كان لأحدهما مئةٌ وللآخر (٤) خمسون (٥)، فأخذ السَّاعي الشَّاتين الواجبتين من صاحب المئة رجع بثلث قيمتهما، أو من صاحب الخمسين رجع بثلثي قيمتهما، أو من كلِّ واحدٍ شاةٌ رجع صاحب المئة بثلث قيمة شاته، وصاحب الخمسين بثلثي قيمة شاته.
(٣٦) (باب زَكَاةِ الإِبِلِ، ذَكَرَهُ) أي: حكم زكاة الإبل (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (وَأَبُو ذَرٍّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وحديث كلٍّ منهم يأتي إن شاء الله تعالى في «الزَّكاة» [خ¦١٤٥٣] [خ¦١٤٥٧] [خ¦١٤٦٠] وحديث أبي ذرٍّ في «النُّذور (٦)» [خ¦٦٦٣٨] أيضًا.
стр. 3437
١٤٥٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) بسكون السِّين وكسر اللَّام، القرشيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ) من الزِّيادة، اللَّيثيِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الهِجْرَةِ) أي: أن يبايعه على الإقامة بالمدينة، ولم يكن من أهل مكَّة الذين وجبت عليهم الهجرة قبل الفتح (فَقَالَ) له ﵊: (وَيْحَكَ) كلمة رحمةٍ وتوجُّعٍ لمن وقع في هلكةٍ لا يستحقُّها (إِنَّ شَأْنَهَا) أي: القيام بحقِّ الهجرة (شَدِيدٌ) لا يستطيع القيام بها إلَّا القليل (٢)، ولعلَّها كانت متعذِّرةً على السَّائل شاقَّةً عليه، فلم يجبه إليها (فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ تُؤَدِّي صَدَقَتَهَا)؟ زكاتها (قَالَ: نَعَمْ) لي إبلٌ أؤدِّي زكاتها (قَالَ: فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ البِحَارِ) بمُوحَّدةٍ ومُهمَلةٍ، أي: من وراء القرى والمدن، وكأنَّه قال: إذا كنت تؤدِّي فرض الله عليك في نفسك ومالك فلا تبالِ أن تقيم في بيتك ولو كنت في أبعد مكانٍ (فَإِنَّ اللهَ لَنْ يَتِرَكَ) بكسر المُثنَّاة الفوقيَّة، أي: لن ينقصك (مِنْ) ثواب (عَمَلِكَ شَيْئًا) وللحَمُّويي والمُستملي: «لم يَتِرْكَ» بـ «لم» الجازمة بدل «لن» النَّاصبة، وفي بعض النُّسخ: «لم يتْرك» بسكون المُثنَّاة الفوقيَّة، من التَّرك.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الهجرة» [خ¦٣٩٢٣] و «الأدب» [خ¦٦١٦٥] و «الهبة» [خ¦٢٦٣٣]، ومسلمٌ في «المغازي»، وأبو داود في «الجهاد»، والنَّسائيُّ في «البيعة» و «السِّير».
стр. 3438
(٣٧) (باب مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ بِنْتِ مَخَاضٍ) برفع «صدقةُ» فاعلُ «بلغت» من غير تنوينٍ، لإضافته إلى بنت مخاضٍ (١)، ولأبي ذَرٍّ: «صدقةٌ» بالتَّنوين «بنتَ مخاضٍ» نُصِبَ مفعول «بلغت» (وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ).
١٤٥٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عبد الله بن المُثنَّى (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (ثُمَامَةُ) بضمِّ المُثلَّثة (أَنَّ أَنَسًا ﵁ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ) (رَسُولَهُ ﷺ ¬) بها (مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةُ الجَذَعَةِ) بفتح الجيم والذَّال المُعجَمة، التي لها أربع سنين وطعنت في الخامسة (وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ) الواو للحال (وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ) بكسر الحاء (٢) المهملة وفتح القاف المُشدَّدة، التي (٣) لها ثلاث سنين وطعنت في الرَّابعة، وخبرُ المبتدأ الذي هو «من بلغت» قولُه: (فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الحِقَّةُ وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ) بصفة الشَّاة المُخرَجة عن خمسٍ (٤) من الإبل يدفعهما (٥) للمُصَدِّق
стр. 3439
(إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ) أي: وُجِدتا في ماشيته (١) (أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا) فضَّةً من النُّقرة، وكلٌّ منهما أصلٌ في نفسه لا بدلٌ، لأنَّه قد خُيِّر فيهما، وكان ذلك معلومًا لا يجري مجرى تعديل القيمة، لاختلاف ذلك في الأزمنة والأمكنة، فهو تعويضٌ قدَّره الشَّارع، كالصَّاع (٢) في المُصَرَّاة (وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الحِقَّةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الحِقَّةُ وَعِنْدَهُ الجَذَعَةُ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الجَذَعَةُ وَيُعْطِيهِ المُصَدِّقُ) بتخفيف الصَّاد (٣)، أي: السَّاعي (عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلَّا بِنْتُ لَبُونٍ) أنثى (فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ لَبُونٍ، وَيُعْطِي) المصَّدِّق، بالتَّشديد (٤)، وهو المالك (شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ) بنصب «بنتَ» على المفعوليَّة، وهي التي لها سنتان وطعنت في الثَّالثة (وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الحِقَّةُ وَيُعْطِيهِ المُصَدِّقُ) بالتَّخفيف، وهو السَّاعي (عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ) نُصِبَ (وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ) وهي التي لها سنةٌ وطعنت في الثَّانية (فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ (٥) وَيُعْطِي) أي: المالك (مَعَهَا) المصدِّق (عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ) فيه أنَّ جبر كلِّ مرتبةٍ بشاتين أو عشرين درهمًا، وجواز النُّزول والصُّعود من الواجب عند فقده إلى سنٍّ آخرَ يليه، والخيار في الشَّاتين والدَّراهم لدافعها، سواءٌ كان مالكًا أو ساعيًا، وفي الصُّعود والنُّزول للمالك في الأصحِّ.
وهذا الحديث طرفٌ من حديث أنسٍ وليس فيه ما ترجم له، نعم، أورده في «باب العرض في الزَّكاة» [خ¦١٤٤٨] ولفظه كما مرَّ قريبًا: «ومن بلغت صدقته بنتَ مخاضٍ وليست عنده، وعنده بنتُ لبونٍ، فإنَّها تُقبَل منه، ويعطيه المصَدِّق عشرين درهمًا أو شاتين، فإن لم تكن عنده بنتُ مخاضٍ على وجهها، وعنده ابنُ لَبونٍ، فإنَّه يُقبَل منه وليس معه شيءٌ»، وحذفه هنا، فقِيلَ: جرى في ذلك على عادته في تشحيذ الأذهان بخلوِّ حديث الباب عن موضع التَّرجمة، كما رواه اكتفاءً
стр. 3440
بذكر أصل الحديث في موضعٍ آخر ليبحث (١) الطَّالب عنه، وقِيلَ غير ذلك ممَّا عزي لابن رُشَيدٍ وابن المُنيِّر، وفيما ذُكِرَ كفايةٌ في الاعتذار عنه، والله الموفِّق والمعين.
стр. 3441
(٣٨) (باب زَكَاةِ الغَنَمِ).
١٤٥٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ المُثَنَّى الأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عبدُ الله (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ: أَنَّ) جدَّه (أَنَسًا) ﵁ (حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيق (¬﵁ كَتَبَ لَهُ) أي: لأنسٍ (هَذَا الكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى البَحْرَيْنِ) عاملًا عليها، وهو اسمٌ لإقليمٍ مشهورٍ يشتمل على مدنٍ معروفةٍ، قاعدتها هجر: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذِهِ فَرِيضَةُ) أي: نسخة فريضة (الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى المُسْلِمِينَ) بفرض الله (وَالَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا) بحرف العطف، ولأبي داود: «التي» بدونه، على أنَّ الجملة بدلٌ من الجملة الأولى، ولغير أبي ذرٍّ: «به» (رَسُولَهُ) ﵊، أي: بتبليغها، وأُضيف الفرض إليه لأنَّه دعا إليه وحمل النَّاس عليه، أو معنى «فَرَضَ» قَدَّرَ؛ لأنَّ الإيجاب بنصِّ القرآن على سبيل الإجمال، وبيَّن ﷺ مُجمَله بتقدير الأنواع والأجناس (فَمَنْ سُئِلَهَا) بضمِّ السِّين، أي: فمن سُئِلَ الزَّكاة (مِنَ المُسْلِمِينَ) حال كونها (عَلَى (١) وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا) على الكيفيَّة المذكورة في الحديث من غير تعدٍّ، بدليل قوله (٢): (وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا) أي: زائدًا على الفريضة المعيَّنة في السِّنِّ أو العدد (فَلَا يُعْطِ) الزَّائد على الواجب، وقِيلَ: لا يعط شيئًا من الزَّكاة لهذا المصَدِّق، لأنَّه خان بطلبه فوق الزَّائد، فإذا ظهرت خيانتهُ سقطت طاعته، وحينئذٍ يتولَّى إخراجه أو يعطيه لساعٍ آخر، ثمَّ شرع في بيان كيفيَّة الفريضة وكيفيَّة أخذها، وبدأ بزكاة الإبل؛ لأنَّها غالب أموالهم فقال: (فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ) زكاةٌ (فَمَا دُونَهَا) أي: فما دون أربعٍ وعشرين (مِنَ الغَنَمِ) يتعلَّق بالمبتدأ المُقدَّر (مِنْ كُلِّ خَمْسٍ) خبر المبتدأ الذي هو (شَاةٌ) وكلمة «من» للتَّعليل، أي: لأجل كلِّ خمسٍ من الإبل، وسقط في رواية ابن السَّكن كلمة «من» الدَّاخلة على الغنم، وصوَّبه بعضهم، وقال القاضي عياضٌ: كلٌّ صوابٌ، فمن أثبتها فمعناه (٣): زكاتها من الغنم، و «من» للبيان لا للتَّبعيض، وعلى إسقاطها فـ «الغنم» مبتدأٌ خبرُه «في أربعٍ وعشرين»، وإنَّما قُدِّم الخبر لأنَّ المراد بيان النُّصب (٤)؛ إذ الزَّكاة إنَّما تجب بعد
стр. 3442
النِّصاب، فكان تقديمه أهمَّ لأنَّه السَّابق في التَّسبُّب (إِذَا) وفي نسخةٍ «فإذا» (بَلَغَتْ) إبله (خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى) قيَّد بالأنثى للتَّأكيد، كما يُقال: رأيت بعيني وسمعت بأذني (فَإِذَا بَلَغَتْ) إبله (١) (سِتًّا وَثَلَاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى) آن لأمِّها أن تلد (فَإِذَا بَلَغَتْ) إبله (سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ (٢) فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الجَمَلِ) بفتح الطَّاء، «فعولةٌ» بمعنى: «مفعولةٌ»، صفةٌ لـ «حقَّةٌ»، استحقَّت أن يغشاها الفحل (فَإِذَا بَلَغَتْ) إبله (وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ) بفتح الجيم والذَّال (٣) المعجمة، سُمِّيت بذلك لأنَّها أجذعت (٤) مُقدَّم أسنانها، أي: أسقطته (٥)، وهي غاية أسنان الزَّكاة (٦) (فَإِذَا بَلَغَتْ) إبله (-يَعْنِي- سِتًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ) بزيادة «يعني» وكأنَّ العدد حُذِف من الأصل؛ اكتفاءً بدلالة الكلام عليه فذكره بعض رواته، وأتى بلفظ: «يعني» لينبِّه على أنَّه مزيدٌ، أو شكَّ أحد رواته فيه (فَإِذَا بَلَغَتْ) إبله (إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ) إبله (عَلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ) واحدةً فصاعدًا (فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ) فواجبُ مئةٍ وثلاثين بنتا لبونٍ وحقَّةٌ، وواجبُ مئةٍ وأربعين بنتُ لبونٍ وحقَّتان، وهكذا (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا) أن (٧) يتبرَّع ويتطوَّع (فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنَ الإِبِلِ فَفِيهَا شَاةٌ، وَ) فرض ﵊ (فِي صَدَقَةِ الغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا) أي: راعيتها، لا (٨) المعلوفة، و «في سائمتها» -كما قاله في «شرح المشكاة» - بدلٌ من «الغنم» بإعادة الجارِّ المُبدَل في حكم الطَّرح، فلا يجب في مطلق الغنم شيءٌ، وهذا
стр. 3443
أقوى في الدَّلالة من أن لو قِيلَ ابتداءً في سائمة الغنم أو في (١) الغنم السَّائمة؛ لأنَّ دلالة البدل على المقصود بالمنطوق، ودلالة غيره عليه بالمفهوم، وفي تكرار الجارِّ إشارةٌ إلى أنَّ للسَّوم في هذا الجنس مدخلًا قويًّا وأصلًا يُقاس عليه بخلاف جنسي (٢) الإبل والبقر. انتهى. (إِذَا كَانَتْ) غنم الرَّجل، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «إذا بلغت» (أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ) فزكاتها (شَاةٌ) جذعةُ ضأنٍ، لها سنةٌ ودخلت في الثَّانية، وقِيلَ: ستَّة أشهرٍ، أو ثنيَّة معزٍ، لها سنتان، ودخلت في الثَّالثة، وقِيلَ: سنةٌ، و «شاةٌ» رُفِعَ، خبر مبتدأٍ مُضمَرٍ، أو مبتدأٌ، و «في صدقة الغنم» خبرُه (فَإِذَا زَادَتْ) غنمه (عَلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ) واحدةً فصاعدًا (إِلَى مئتين) فزكاتها (شَاتَانِ) مرفوعٌ على الخبريَّة أو الابتدائيَّة كما مرَّ (فَإِذَا زَادَتْ) غنمه (عَلَى مئتين) ولو واحدةً (إِلَى ثلاث مئةٍ فَفِيهَا ثَلَاثٌ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ثلاث شياهٍ» (فَإِذَا زَادَتْ) غنمه (عَلَى ثلاث مئةٍ) مئةً أخرى لا دونها (فَفِي كُلِّ مِئَةٍ شَاةٌ) ففي أربع مئةٍ أربعُ شياهٍ، وفي خمس مئةٍ خمسٌ، وفي ستِّ مئةٍ ستٌّ، وهكذا (فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً) نُصِبَ، خبر «كان» (مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً) صفة «شاةً» الذي هو تمييز «أربعين» كذا أعربه في «التَّنقيح»، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه لا فائدة في هذا (٣) الوصف مع كون الشَّاة تمييزًا، وإنَّما «واحدةً» منصوبٌ على أنَّه مفعولٌ بـ «ناقصةً» أي: إذا كان عند الرَّجل سائمةٌ تنقص واحدةً من أربعين فلا زكاة عليه فيها، وبطريق الأولى إذا نقصت زائدًا (٤) على ذلك، ويحتمل أن يكون «شاةً» مفعولًا بـ «ناقصةً»، و «واحدةً» وصفٌ لها، والتَّمييز محذوفٌ للدَّلالة عليه. انتهى. (فَلَيْسَ فِيهَا) أي: النَّاقصة عن الأربعين (صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا) أن يتطوَّع (وَفِي) مئتي درهمٍ من (الرِّقَةِ) بكسر الرَّاء وتخفيف القاف: الوَرِق، والهاء عوضٌ عن الواو؛ نحو: العِدَة والوعد؛ الفضَّة المضروبة وغيرها (رُبْعُ العُشْرِ) خمسة دراهم، وما زاد على المئتين فبحسابه، فيجب ربع عُشْره، وقال أبو حنيفة: لها وقصٌ فلا شيء على ما زاد على مئتي درهمٍ
стр. 3444
حتَّى تبلغ (١) أربعين درهمًا فضَّةً، ففيه حينئذٍ درهمٌ واحدٌ، وكذا في كلِّ أربعين (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ) أي: الرِّقَة (إِلَّا تِسْعِينَ وَمئةً فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ) لعدم النِّصاب، والتَّعبير بالتِّسعين يوهم إذا زادت على المئة والتِّسعين قبل بلوغ المئتين أنَّ فيها زكاةً وليس كذلك، وإنَّما ذكر التِّسعين؛ لأنَّه آخر عقدٍ قبل المئة، والحساب إذا جاوز الآحاد كان تركيبه بالعقود كالعشرات والمئين والألوف، فذكر (٢) التِّسعين ليدلَّ على أنْ لا صدقة فيما نقص عن المئتين، ولو بعض حبَّةٍ؛ لحديث الشَّيخين: «ليس فيما دون خمسِ أواقٍ من الوَرِقِ صدقةٌ» [خ¦١٤٥٩] (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا) وهذا كقوله في حديث الأعرابيِّ في «الإيمان» [خ¦٤٦]: «إلَّا أن تطوَّع».
(٣٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا تُؤْخَذُ (٣) فِي الصَّدَقَةِ) المفروضة (هَرِمَةٌ) بفتح الهاء وكسر الرَّاء (وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ) بفتح العين (وَلَا تَيْسٌ إِلَّا مَا شَاءَ المُصَدِّقُ) بتخفيف الصَّاد المهملة وتشديدها، والتَّشديد مكشوطٌ في (٤) «اليونينيَّة» (٥).
١٤٥٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ (٦): حَدَّثَنِي أَبِي) عبد الله بن المُثنَّى (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد فيهما (ثُمَامَةُ) بن عبد الله (أَنَّ أَنَسًا) جدَّه (¬﵁ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيق (¬﵁ كَتَبَ لَهُ الَّتِي) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «الصَّدقة التي» (أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ ﷺ ¬) بها: (وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ) المفروضة (هَرِمَةٌ) الكبيرة التي سقطت أسنانها (وَلَا ذَاتُ عَُوَارٍ) بفتح العين، وألفٌ
стр. 3445
بعد الواو، أي: معيبةٌ بما تُرَدُّ به في البيع، وهو شاملٌ للمريض وغيره، وبالضَّمِّ: العور في العين إلَّا من مثلها من الهرمات وذات العوار، وتكفي (١) مريضةٌ متوسِّطةٌ ومعيبةٌ من الوسط، وكذا لا تُؤخَذ صغيرةٌ (٢) لم تبلغ سنَّ الإجزاء (وَلَا تَيْسٌ) وهو فحل الغنم، أو مخصوصٌ بالمعز؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] (إِلَّا مَا شَاءَ (٣) المُصَدِّقُ) بتخفيف الصَّاد وكسر الدَّال؛ كـ «محدِّثٍ»: آخذ الصَّدقات الذي هو وكيل الفقراء في قبض الزَّكوات بأن يؤدِّي اجتهاده إلى أنَّ ذلك خيرٌ لهم (٤)، وحينئذٍ فالاستثناء راجعٌ لما ذكر من الهرم والعُوَار (٥) والذُّكورة، نعم يُؤخَذ ابن اللَّبون أو الحِقُّ عن خمسٍ وعشرين من الإبل عند فقد بنت المخاض والذَّكر من الشِّياه فيما دون خمسٍ وعشرين من الإبل، والتَّبيع في ثلاثين من البقر للنَّصِّ على الجواز فيها (٦) إلَّا في الحِقِّ فللقياس (٧)، وخرج بعيب البيع عيبُ الأضحية، ولو انقسمت الماشية إلى صحاحٍ ومراضٍ أو إلى سليمةٍ ومَعِيبةٍ أخذ صحيحةً بالقسط، ففي أربعين شاةً نصفُها صحاحٌ ونصفُها مراضٌ، وقيمة كلِّ صحيحةٍ ديناران، وكلِّ مريضةٍ دينارٌ، تُؤخَذ صحيحةٌ بقيمة نصفِ صحيحةٍ ونصفِ مريضةٍ؛ وهو دينارٌ ونصفٌ، وكذا لو كان نصفها سليمًا ونصفها معيبًا كما ذُكِر، ثمَّ إنَّ الأكثرين -كما قاله ابن حجرٍ- على تشديد صاد «المصَّدِّق» أي: المتصِّدق، فأُبدِلت التَّاء صادًا وأُدغِمت في الصَّاد.
وتقدير الحديث حينئذٍ ولا تُؤخَذ هرمةٌ ولا ذات عوارٍ أصلًا، ولا يُؤخَذ التَّيس إلَّا برضا المالك لكونه محتاجًا إليه، ففي أخذه بغير رضاه (٨) إضرارٌ به، وحينئذٍ فالاستثناء مختصٌّ
стр. 3446
بالتَّيس، واستدلَّ به للمالكيَّة (١) في تكليف المالك سليمًا وهو مذهب المُدوَّنة، وعن ابن عبد الحكم لا (٢) يُؤخَذ من المعيبة إلَّا أن يرى السَّاعي أخذ المعيبة لا الصَّغيرة.
(٤٠) (بابُ أَخْذِ العَنَاقِ فِي الصَّدَقَةِ) بفتح العين: الأنثى من ولد المعز إذا أتى (٣) عليها حولٌ ودخلت في الثَّاني، والجمع أَعْنُقٌ وعُنُوقٌ.
١٤٥٦ - ١٤٥٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، ح) للتَّحويل (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ ممَّا وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات» عن أبي صالحٍ عن اللَّيث قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) الفهميُّ، أمير مصر (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بتصغير الأوَّل (ابْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (¬﵁¬) في حديث قصَّته مع عمر بن الخطَّاب في قتال مانعي الزَّكاة السَّابق في أوَّل «الزَّكاة» [خ¦١٤٠٠]: (وَاللهِ، لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا) فيه دلالةٌ على أنَّ العناق مأخوذةٌ في الصَّدقة، وهو (٤) مذهب البخاريِّ كالشَّافعيِّ وأبي يوسف، وهو موضع التَّرجمة.
стр. 3447
(قَالَ عُمَرُ ﵁: فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ أَنَّ اللهَ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ بِالقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَقُّ) أي: بما ظهر له من الدَّليل، والمستثنى منه غير مذكورٍ (١)، أي: ليس الأمر شيئًا من الأشياء إلَّا علمي أنَّ أبا بكرٍ مُحِقٌّ، وصورة إخراج الصَّغير أن يمضي على أربعين مَلَكَها من صغار المعز حولٌ أو تنتج ماشيته، ثمَّ تموت، فإنَّ حول نتاجها يُبْنى على حولها، وكذا صغار الغنم، وقال مالكٌ في «المدوَّنة»: وإذا (٢) كانت الغنم سِخالًا أو البقر عجاجيل أو الإبل فصلانًا كلُّها، كُلِّف ربُّها أن يشتري ما يجزئ منها، ففي الغنم جذعةٌ أو ثنيَّةٌ، وفي الإبل والبقر ما في الكبار منها، وبه قال زفر، وقال أبو حنيفة ومحمد: لا شيء في الفصلان والعجاجيل ولا في صغار الغنم لا منها ولا من غيرها، لقول عمر: اُعدد السَّخْلة عليهم ولا تأخذها، وإنَّما خرج قول الصِّدِّيق على المبالغة، بدليل الرِّواية الأخرى: «لو (٣) منعوني عِقَالًا» [خ¦٧٢٨٤] والعِقَال لا زكاة فيه، فالعِقَال تنبيهًا بالأدنى على الأعلى، وربَّما قدَّر المستحيل، لأجل الملازمة نحو: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وكأنَّ الصِّدِّيق قال: من منع حقًّا ولو عقالًا أو عناقًا، يعني: قليلًا أو كثيرًا، فقتالنا له متعيِّنٌ، وهؤلاء منعوا، فقتالهم متعيِّنٌ.
(٤١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا تُؤْخَذُ كَرَائِمُ أَمْوَالِ النَّاسِ فِي الصَّدَقَةِ) أي: نفائس أموالهم من أيِّ صنفٍ كان.
стр. 3448
١٤٥٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ) بكسر المُوحَّدة، مصروفًا، العَيْشِيُّ، بفتح العين وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر المعجمة، قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضمِّ الزَّاي وفتح الرَّاء قال: (حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ القَاسِمِ) بفتح الرَّاء (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ) الأمويِّ المكِّيِّ (عَنْ يَحْيَى ابْنِ عَبْدِ اللهِ (١) بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ) بفتح الميم، نافذٍ، بالنُّون والفاء والذَّال المعجمة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا) ﵁ واليًا (عَلَى) أهل الجَنَد من (اليَمَنِ) سنة عشرٍ قبل حجَّة الوداع، يعلِّمهم القرآن وشرائع الإسلام، ويقضي بينهم ويقبض الصَّدقات من عمَّال (٢) أهل اليمن، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «إلى اليمن» (قَالَ: إِنَّكَ تَقْدَمُ) بفتح الدَّال، مضارع «قدِم» بكسرها (عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ) التَّوراة والإنجيل، وقاله تنبيهًا له على الاهتمام بهم، لأنَّهم أهل علمٍ، فليست مخاطبتهم كمخاطبة جهَّال المشركين وعبدة الأوثان (فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ) بنصب «أوَّلَ» على أنَّه خبر «كان»، ورفع «عبادةُ» على أنَّه اسمها، أي: معرفة الله، وفي رواية الفضل بن العلاء [خ¦٧٣٧٢]: «إلى أن يُوحِّدوا الله»، قال الله (٣) تعالى:
стр. 3449
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ويؤيِّده قوله: (فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ) بالتَّوحيد ونفي الألوهيَّة عن غيره، وفيه دليلٌ على أنَّ أهل الكتاب لا يعرفون الله (فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا) الصَّلاة (فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ (١) فَرَضَ عَلَيْهُمْ زَكَاةً تُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ) يحتمل عود الضَّمير على أهل البلد، فلا يجوز نقل الزَّكاة، وأن يعود عليهم بوصف إسلامهم (فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا فَخُذْ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «خذ» (مِنْهُمْ) زكاة أموالهم (وَتَوَقَّ) أي: احذر (كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ) جمع كريمةٍ، وهي العزيزة عند ربِّ المال، إمَّا باعتبار كونها أكولةً، أي (٢): مُسمَّنةً للأكل، أو رُبَّى، بضمِّ الرَّاء وتشديد المُوحَّدة، أي: قريبة العهد بولادةٍ، وقال الأزهريُّ: إلى خمسة عشر يومًا من ولادتها، لأنَّ الزَّكاة لمواساة الفقراء، فلا يناسب الإجحاف بمال الأغنياء إلَّا إن رضوا بذلك.
(٤٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ) من الإبل (صَدَقَةٌ) مفروضةٌ، وأنكر ابن قتيبة أن يُقال: «خمس ذودٍ» كما لا يُقال: خمس ثوبٍ، وكأنَّه يرى أنَّ الذَّود يُطلَق على الواحد، وغلط في ذلك؛ لشيوع هذا اللَّفظ في الحديث الصَّحيح، وسماعه من العرب كما صرَّح به أهل اللُّغة، نعم؛ القياس في (٣) تمييز (٤) ثلاثة إلى عشرة أن يكون جمع تكسيرٍ جمع قلَّةٍ، فمجيئه اسم جمعٍ؛ كما في هذا الحديث قليلٌ (٥)، والذَّود يقع على المُذكَّر والمُؤنَّث والجمع والمُفرَد؛ فلذا أضاف «خمس» إليه.
стр. 3450
١٤٥٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ المَازِنِيِّ) نسبه (١) إلى جدِّه، ونسب جدَّه إلى جدِّه، كما وقع في رواية مالكٍ، والمعروف أنَّه: محمَّد بن عبد الله بن عبد الرَّحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة، ورواه البيهقيُّ في «معرفة السُّنن والأخبار» عن الشَّافعيِّ قال: أخبرنا مالكٌ عن محمَّد بن عبد الله بن عبد الرَّحمن ابن أبي صعصعة، فنسب محمَّدًا لأبيه، وعبد الرَّحمن لجدِّه (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله، ونقل البيهقيُّ عن محمَّد بن يحيى الذُّهليِّ: أنَّ محمَّد ابن أبي صعصعة هذا سمع هذا (٢) الحديث من ثلاثة أنفسٍ. انتهى. وقد رواه إسحاق بن رَاهُوْيَه في «مُسنَده»: عن أبي أسامة عن الوليد بن كثيرٍ، عن محمَّدٍ هذا، عن عمرو بن يحيى وعبَّاد بن تميمٍ كلاهما، عن أبي سعيدٍ، ورواه البيهقيُّ في «معرفة السُّنن» عن الشَّافعيِّ، عن مالكٍ، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ) كـ «جوارٍ» (مِنَ الوَرِقِ) بكسر الرَّاء: الفضَّة (صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ) وهذا موضع التَّرجمة، والحديث دليلٌ على سقوط الزَّكاة فيما دون هذه المقادير من هذه الأعيان المذكورة، خلافًا لأبي حنيفة في زكاة الحرث، وتعلُّق الزَّكاة في كلِّ قليلٍ وكثيرٍ منه، واستدلَّ له بقوله ﷺ : «فيما سقت السَّماء العُشْرُ، وفيما سُقِي بنضحٍ أو داليةٍ نصفُ العُشْر» وهذا عامٌّ في القليل والكثير، وأُجيب بأنَّ المقصود من الحديث بيانُ قدر المُخرَج، لا بيان المُخرَج منه، قاله ابن دقيق العيد.
стр. 3451
(٤٣) (بابُ) إيجاب (زَكَاةِ البَقَرِ) اسم جنسٍ، واحده بقرةٌ، وباقورةٌ: للذَّكر والأنثى (وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ) عبد الرَّحمن السَّاعديُّ ﵁، ممَّا وصله في «ترك الحيل» [خ¦٦٩٧٩]: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لأَعْرِفَنَّ) أي: لأرينَّكم غدًا (مَا جَاءَ اللهَ رَجُلٌ) رفعُ فاعلِ «جاء»، و «اللهَ» نُصِب بـ «جاء»، و «ما»: مصدريَّةٌ، أي: لأعرفنَّ مجيءَ رجلٍ اللهَ (بِبَقَرَةٍ لَهَا خُوَارٌ) بخاءٍ مُعجَمةٍ مضمومةٍ وتخفيف الواو: صوتٌ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «لا أعرفنَّ» بزيادة همزةٍ قبل العين، فـ «لا» نفيٌ، أي: لا ينبغي أن تكونوا على هذه الحالة، فأعرفكم بها يوم القيامة وأراكم عليها، قال البخاريُّ: (وَيُقَالَ: جُؤَارٌ) بضمِّ الجيم مهموزًا، بدل «خوارٌ» بالخاء المعجمة، وقال تعالى: (﴿تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]) أي: (تَرْفَعُونَ أَصْوَاتَكُمْ) ولأبي الوقت: «أصواتهم» (كَمَا تَجْأَرُ البَقَرَةُ) رواه ابن أبي حاتمٍ عن السُّدِّيِّ، وذكر هذه الآية على عادته عند وقوفه على غريبٍ يقع مثله في القرآن أن يذكر تفسيره تكثيرًا للفائدة.
١٤٦٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصٌ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (عَنِ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ) بفتح الميم وسكون العين المهملة وبتكرير الرَّاء، و «سُوَيْدٍ» بضمِّ السِّين مُصغَّرًا (عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «انتهيت إليه» يعني: النَّبيَّ (¬ ﷺ قَالَ: وَ) الله (الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ -أَوْ) قال: (وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، أَوْ كَمَا حَلَفَ-) لم يضبط أبو ذرٍّ اللَّفظ الذي حلف به ﵊، وقول الحافظ ابن حجرٍ في «الفتح»: إنَّ
стр. 3452
الضَّمير في قوله: «انتهيت إليه» يعود على أبي ذرٍّ، وهو الحالف، وأنَّ قوله: «انتهيت إليه» مقول المعرور غير ظاهرٍ، ولعلَّه سبق قلمٍ، ويؤيِّد ذلك مع ما سبق رواية مسلمٍ عن المعرور عن أبي ذرٍّ: انتهيت إلى رسول الله ﷺ ، وهو جالسٌ في ظلِّ الكعبة، فلمَّا رآني قال: «هم الأخسرون وربِّ الكعبة … » الحديث، ورواية التِّرمذيِّ عن المعرور عن أبي ذرٍّ قال: جئت إلى رسول الله ﷺ وهو جالسٌ في ظلِّ الكعبة (١)، قال: فرآني مقبلًا، فقال: «هم الأخسرون، وربِّ الكعبة … » الحديث، وفيه: ثُمَّ (٢) قال: والذي نفسي بيده (مَا مِنْ رَجُلٍ تَكُونُ لَهُ إِبِلٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ غَنَمٌ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا) أي: زكاتها (إِلَّا أُتِيَ بِهَا) بضمِّ الهمزة (يَوْمَ القِيَامَةِ) حال كونها (أَعْظَمَ مَا تَكُونُ وَأَسْمَنَهُ) عطفٌ على المنصوب السَّابق (تَطَؤُهُ) ذوات الأخفاف منها (بِأَخْفَافِهَا) جمع خفٍّ (وَتَنْطَِحُهُ) بكسر الطَّاء وتُفتَح، ذوات القرون (بِقُرُونِهَا) فالضَّمير في كلِّ قَسَمٍ عائدٌ على بعض الجملة لا على الكلِّ، والخفُّ للإبل، والقرن للبقر، والظَّلف للغنم والبقر، وفي حديث أبي هريرة السَّابق في «باب إثم مانع الزَّكاة» [خ¦١٤٠٢]: «وتأتي الغنم على صاحبها على خير ما كانت إذا لم يُعْطِ فيها حقَّها، تطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها … » الحديث، والتَّقدير بذوات الأخفاف، وذوات القرون الذي ذكرته لابن المُنيِّر، وبه يُجاب عمَّا استشكله: من أنَّه قِيلَ في الإبل والبقر: «تطؤه بأخفافها»، وهو أحسن من قول بعضهم: في روايةٍ «بأظلافها»، وهو يدلُّ على أنَّ كلَّ واحدٍ منهما يوضع موضع الآخر، وأجاب القاضي عياضٌ بأنَّه لمَّا اجتمعا غلب أحدهما على الآخر، وردَّ بقوله: «وتنطحه بقرونها» لأنَّه لا إشكال أنَّ الإبل لا قرون لها ولا شيء يقوم مقام القرون، والتَّغليب إنَّما يكون إذا وُجِد شيئان متقاربان (كُلَّمَا جَازَتْ) بالجيم والزَّاي، أي: مرَّت (أُخْرَاهَا رُدَّتْ (٣) عَلَيْهِ أُولَاهَا) بضمِّ راء «رُدَّت» مبنيًّا للمفعول، والضَّمير في «عليه» للرَّجل، أي: فهو مُعاقَبٌ بذلك (حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ) إلى أن يفرغ الحساب. (رَوَاهُ بُكَيْرٌ) هو ابن عبد الله بن الأشجِّ، ممَّا وصله مسلمٌ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ومراد المؤلِّف بهذا موافقةُ هذه الرِّواية لحديث أبي ذرٍّ في ذكر البقر؛ لأنَّ (٤) الحديثين مستويان في جميع ما وردا فيه، قاله في «الفتح».
стр. 3453
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّ الحديث يتضمَّن الوعيد فيمن لم يؤدِّ زكاة البقر، فيدلُّ على وجوب زكاتها، ولم يذكر المؤلِّف شيئًا ممَّا يتعلَّق بنصابها؛ لكونه لم يقع له شيءٌ على شرطه، وروى التِّرمذيُّ وحسَّنه وصحَّحه الحاكم عن معاذٍ: بعثني النَّبيُّ ﷺ إلى اليمن، وأمرني أن آخذ من أربعين بقرةً مُسِنَّةً، ومن كلِّ ثلاثين بقرةً تبيعًا، وروى الحاكم أيضًا من حديث عمرو بن حزمٍ عن كتاب النَّبيِّ ﷺ : «وفي كلِّ أربعين باقورةً بقرةٌ»، وقد حكم بعضهم بتصحيح حديث معاذٍ واتِّصاله، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ مسروقًا لم يلقَ معاذًا، وإنَّما حسَّنه التِّرمذيُّ لشواهده، والتَّبيع: ما له سنةٌ كاملةٌ وسُمِّي به؛ لأنَّه يتبع أمه، وتجزئ عنه تبيعةٌ، بل أَوْلى للأنوثة، والمسنَّة هي الثَّنيَّة، أي: ذات سنتين، وسُمِّيت بذلك (١)، لتكامل أسنانها، ويجزئ عنها تبيعان، لإجزائهما عن ستِّين (٢).
(٤٤) (باب الزَّكَاةِ عَلَى الأَقَارِبِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَهُ أَجْرَانِ: أَجْرُ القَرَابَةِ وَ) أجر (الصَّدَقَةِ) وصله فيما يأتي قريبًا -إن شاء الله تعالى- في حديث زينب امرأة عبد الله بن مسعودٍ في «باب الزَّكاة على الزَّوج» [خ¦١٤٦٦] لكنَّه قال فيه: «لها» بتأنيث الضَّمير، وسقط لأبي ذرٍّ لفظة (٣): «أجر» (٤).
стр. 3454
١٤٦١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام الأئمَّة (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ) زيدٌ الأنصاريُّ ﵁ (أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ) بنصب «أكثرَ» خبر «كان»، و «مالًا»: تمييزٌ، أي: من حيث المال، والجارُّ للبيان (وَكَانَ أَحَبَُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ) بنصب «أحبَّ»، خبر «كان» (بَيْرَُحَاءَ) برفع الرَّاء اسمها، أو «أحبُّ» اسمها، و «بيرَ»: خبرها، لكن قال الزَّركشيُّ وغيره: إنَّ الأوَّل أحسن؛ لأنَّ المُحدَّث عنه البير، فينبغي أن يكون هو الاسم، وقد اختُلِف في «بيرحا» هل هو بكسر المُوحَّدة أو بفتحها (١)؟ وهل بعدها همزةٌ ساكنةٌ أو مُثنَّاةٌ تحتيَّةٌ؟ وهل الرَّاء مضمومةٌ أو مفتوحةٌ؟ وهل هو معربٌ أم لا؟ وهل «حا» ممدودٌ أو مقصورٌ؟ منصرفٌ أو غير منصرفٍ؟ وهل هو اسمُ (٢) قبيلةٍ أو امرأةٍ أو (٣) بئرٍ أو بستانٍ أو أرضٍ؟ فنقل في «فتح الباري» وتبعه العينيُّ عن «نهاية» ابن الأثير: فتح المُوحَّدة وكسرها، وفتح (٤) الرَّاء وضمِّها مع المدِّ والقصر، قال: فهذه ثمان لغاتٍ. انتهى. والذي رأيته في «النِّهاية»: «بيرحا» بفتح الباء وكسرها، وبفتح الرَّاء وضمِّها والمدِّ فيهما، وبفتحهما والقصر، هذا نصُّه بحروفه في غير ما نسخةٍ، ونقله عنه الطِّيبيُّ كذلك بلفظه، وعلى هذا فتكون خمسةً، وقال القاضي (٥) عياضٌ: رويناه بفتح الباء والرَّاء، وبفتح الرَّاء وضمِّها مع كسر الباء، وقد حكى القاضي عياضٌ عن المغاربة كما نقله عنه في «المصابيح»: ضمَّ الرَّاء في الرَّفع، وفتحها في النَّصب، وجرَّها في الجرِّ مع الإضافة أبدًا (٦) إلى «حا»، ونسبه لخطِّ الأَصيليِّ، لكن قال بعضهم: من رفع الرَّاء وألزمها حكم الإعراب فقد أخطأ، وجزم التَّيميُّ بأنَّ المراد به في الحديث: البستان، معلِّلًا بأنَّ بساتين المدينة تُدعَى بآبارها، أي: البستان الذي فيه «بيرحاء»، وقال عياضٌ: حائطٌ سُمِّي به، وليس اسم بئرٍ، وقال الصَّغانيُّ: بيرحا «فَيْعَلَى»، من البَرَاح، اسم أرضٍ كانت لأبي طلحة بالمدينة، وأهل
стр. 3455
الحديث يصحِّفون ويقولون: «بئرحا»، ويحسبون أنَّها بئرٌ من آبار المدينة، ونحوه في «القاموس»، وقال في «اللَّامع»: ولا تنافي بين ذلك؛ فإنَّ الأرض أو البستان تُسمَّى باسم البئر التي فيه، كما سبق، والذي لخَّصته من كلامهم في هذه الكلمة أنَّ «بِيرُحا» بكسر المُوحَّدة وضمِّ الرَّاء اسم «كان»، وبفتحها: خبرها، مع الهمزة السَّاكنة بعد المُوحَّدة وإبدالها ياءً، ومدِّ «حا» مصروفًا وغير مصروفٍ؛ لأنَّ تأنيثه معنويٌّ، كهندٍ، ومقصورٌ، فهو اثنا عشر، و «بَيْرَُحا» بفتح المُوحَّدة وسكون التَّحتيَّة من غير همزةٍ، وفتح الرَّاء وضمِّها خبر «كان» أو اسمها، ومدِّ «حا» مصروفًا وغير مصروفٍ ومقصور، فهي ستَّةٌ، اثنان منها مع القصر على أنَّه اسمٌ مقصورٌ لا تركيبَ فيه، فيُعرَب كسائر المقصور، وصوَّب الصَّغانيُّ والزَّمخشريُّ والمجد الشِّيرازيُّ منها فتح المُوحَّدة والرَّاء على سائرها من الممدود والمقصور، بل قال الباجيُّ: إنَّها المُصحَّحة على أبي ذرٍّ وغيره. (وَكَانَتْ) أي: بيرحاء (مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ) النَّبويِّ، أي: مقابلته قريبةً منه (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا) أي: في بيرحا (طَيِّبٍ) بالجرِّ، صفةٌ للمجرور السَّابق. (قَالَ أَنَسٌ) ﵁ (فَلَمَّا أُنْزِلَتْ (١) هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ﴾) أي: لن تبلغوا حقيقة البرِّ الذي هو كمال الخير، أو لن تنالوا برَّ الله، الذي هو الرَّحمة والرِّضا والجنَّة (﴿حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]) أي: من بعض ما تحبُّون من المال، أو ممَّا (٢) يعمُّه وغيره، كبذل الجاه في معاونة النَّاس، والبدن في طاعة الله، والمهجة في سبيل الله (قَامَ أَبُو طَلْحَةَ) ﵁ (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ ﵎ يَقُولُ: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرَُحَاءَ) رفع خبر «إنَّ» (٣) (وَإِنَّهَا
стр. 3456
صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا) أي: خيرها (١) (وَذُخْرَهَا) بضمِّ الذَّال المعجمة، أي: أقدِّمها فأدَّخرها لأجدها (عِنْدَ اللهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ) فوَّض (٢) تعيين مصرفها إليه ﵊، لكن ليس فيه تصريحٌ بأنَّ أبا طلحة جعلها حبسًا (قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : بَخْ) بفتح المُوحَّدة وسكون المُعجَمة، كـ «هل» و «بل»، غير مُكرَّرةٍ هنا، قال في «القاموس»: قُلْ في الإفراد: «بَخْ» ساكنةً، و «بَخِ» مكسورةً، و «بَخٍ» مُنوَّنًة، و «بخٌ» مُنوَّنةً (٣) مضمومةً، وتُكرَّر بخٍ بخْ للمبالغة، الأوَّل مُنوَّنٌ، والثَّاني مُسكَّنٌ، ويُقال: بخْ بخْ مُسكَّنين، وبخٍ بخٍ مُنوَّنين، وبخٍّ بخٍّ مُشدَّدين (٤): كلمةٌ تُقال عند الرِّضا والإعجاب بالشَّيء أو الفخر والمدح. انتهى. فمن نوَّنه شبَّهه بأسماء الأصوات؛ كـ «صه» و «مه» (ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ) بالمُوحَّدة فيهما، أي (٥): ذو ربحٍ كـ «لابنٍ» و «تامرٍ» أي: يربح صاحبه في الآخرة، أو مالٌ مربوحٌ، «فاعلٌ» بمعنى: «مفعولٍ» (وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ) برفع لام «أفعلُ» فعلًا مستقبلًا (فَقَسَمَهَا) أي: بيرحاء (أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ) من عطف الخاصِّ على العامِّ (٦)، وهذا يدلُّ على أنَّ إنفاق أحبِّ الأموال على أقرب الأقارب أفضل، وأنَّ الآية تعمُّ الإنفاق الواجب والمُستحَبَّ، قاله البيضاويُّ، لكن استُشكِل وجه دلالة الحديث على التَّرجمة؛ لأنَّها للزَّكاة على الأقارب، وهذا ليس زكاةً، وأُجيب بأنَّه أثبتَ للزَّكاة حكمَ الصَّدقة بالقياس عليها، قاله الكِرمانيُّ، فليُتأمَّل، وقال ابن المُنيِّر: إنَّ صدقة التَّطوُّع على الأقارب لمَّا لم ينقص أجرها بوقوعها موقع الصَّدقة والصِّلة معًا، كانت صدقة الواجب كذلك، لكن
стр. 3457
لا يلزم من جواز صدقة التَّطوُّع على من يلزم المرء نفقته أن تكون الصَّدقة الواجبة كذلك.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الوصايا» [خ¦٢٧٥٨] و «الوكالة» [خ¦٢٣١٨] و «الأشربة» [خ¦٥٦١١] و «التَّفسير» [خ¦٤٥٥٤]، ومسلمٌ في «الزَّكاة»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير».
(تَابَعَهُ) أي: تابع عبدَ الله بن يوسف (رَوْحٌ) بفتح الرَّاء وسكون الواو ثمَّ مُهمَلةٍ، ابن عبادة البصريُّ، عن مالكٍ في قوله: «رابح» بالمُوحَّدة، فيما وصله المؤلِّف في «كتاب البيوع» [خ¦٢٣١٨]. (وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) النَّيسابوريُّ، ممَّا وصله في «الوصايا» (١) [خ¦٢٧٦٩] (وَإِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ، ممَّا وصله في «التَّفسير» [خ¦٤٥٥٤] كلاهما (عَنْ مَالِكٍ: رَايِحٌ) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة بدل المُوحَّدة، اسم فاعلٍ، من الرَّواح، نقيض الغدوِّ، أي: إنَّه قريب الفائدة يصل نفعه إلى صاحبه كلَّ رواحٍ لا يحتاج أن يتكلَّف فيه إلى مشقَّةٍ وسيرٍ، أو يروح بالأجر ويغدو به، واكتفى بالرَّواح عن الغدوِّ، لعلم السَّامع أو مَنْ شأنه الرَّواح، وهو الذَّهاب والفوات، فإذا ذهب في الخير، فهو أَوْلى.
١٤٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن محمَّد بن الحكم بن أبي مريم الجمحيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي كثيرٍ، الأنصاريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (زَيْدٌ) أبو أسامة
стр. 3458
العدويُّ، ولأبي ذرٍّ: «هو ابن أسلم» (عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن سعدٍ، القرشيِّ العامريِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك (الخُدْرِيِّ ﵁¬) قال: (خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي) عيد (أَضْحًى) بفتح الهمزة وتنوين الحاء (أَوْ) عيد (فِطْرٍ إِلَى المُصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَعَظَ النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ فَقَالَ (١): أَيُّهَا النَّاسُ، تَصَدَّقُوا (٢)، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقْنَ؛ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ) وللحَمُّويي والمُستملي: «أُريتكنَّ» بهمزةٍ مضمومةٍ قبل الرَّاء، و «أرى» يتعدَّى إلى ثلاثة مفاعيل، والتَّاء هي المفعول الأوَّل، وهي في (٣) محلِّ رفعٍ نائبٌ عن الفاعل، والكاف والنُّون في موضع نصب المفعول الثَّاني، والثَّالث قوله: (أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ، فَقُلْنَ: وَبِمَ) استفهامٌ حُذِفَ منه الألف (ذَلِكَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ذاك» بألفٍ بدل اللَّام باسم الإشارة للمتوسِّط (٤) (يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ) الشَّتم (وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ) الزَّوج، أي: تسترن إحسان الأزواج إليكنَّ وتجحدنه (مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ) أي: لعقله، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «بلبِّ» بالمُوحَّدة بدل اللَّام (الحَازِمِ) بالحاء المهملة والزَّاي: الضَّابط لأمره (مِنْ إِحْدَاكُنَّ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ) يعني: أنَّهنَّ إذا أردن شيئًا غَالَبْنَ الرِّجال عليه حتَّى يفعلوه، سواءٌ كان صوابًا أو خطأً (ثُمَّ انْصَرَفَ) ﵊ (فَلَمَّا صَارَ) انصرف (٥) (إِلَى مَنْزِلِهِ جَاءَتْ زَيْنَبُ) بنت معاوية أو بنت عبد الله بن معاوية بن عتَّابٍ الثَّقفيَّة، ويُقال لها أيضًا: رايطة، وقع ذلك
стр. 3459
في «صحيح ابن حبَّان» نحو هذه القصَّة، ويُقال: هما ثنتان عند الأكثر، وممَّن جزم به ابن سعدٍ، وقال الكلاباذيُّ: رايطة هي المعروفة بزينب، وبه جزم الطَّحاويُّ فقال: رايطة هي زينب (امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ) عبد الله (تَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ) القائل بلالٌ (هَذِهِ زَيْنَبُ، فَقَالَ) ﵊: (أَيُّ الزَّيَانِبِ (١)؟) أي: أيُّ زينبٍ منهنَّ؟ فعُرِّف باللَّام مع كونه علمًا لما نُكِّر حتَّى جُمِعَ (فَقِيلَ: امْرَأَةُ ابْنِ (٢) مَسْعُودٍ، قَالَ: نَعَمِ، ائْذَنُوا لَهَا، فَأُذِنَ لَهَا) بضمِّ الهمزة وكسر الذَّال (٣)، فلمَّا دخلت (قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَ اليَوْمَ بِالصَّدَقَةِ، وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ) بضمِّ المهملة وكسر اللَّام (لِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدَهُ) بالنَّصب، عطفًا على الضَّمير (أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ) وهذا يحتمل أن يكون من مسند أبي سعيدٍ بأن كان حاضرًا عند النَّبيِّ ﷺ عند المراجعة، ويحتمل أن يكون حمله عن زينب صاحبة القصَّة (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ).
ووجهُ مطابقته للتَّرجمة شمولُ الصَّدقة للفرض والنَّفل وإن كان السِّياق قد يرجِّح النَّفل، لكنَّ القياس يقتضي عمومه، قاله البرماويُّ كغيره، واحتجَّ به على جواز دفع زكاة المرأة لزوجها الفقير، وهو مذهب الشَّافعيَّة وأحمد في روايةٍ، ومنعه أبو حنيفة ومالكٌ وأحمد في روايةٍ، وأجابوا عن الحديث بأنَّ قوله في الرِّواية الآتية -إن شاء الله تعالى- في «باب الزَّكاة على الزَّوج والأيتام في الحجر»: «ولو من حُليِّكنَّ» [خ¦١٤٦٦] يدلُّ على التَّطوُّع، وبه جزم النَّوويُّ، واحتجُّوا أيضًا بظاهر قوله: «زوجكِ وولدكِ أحقُّ من تصدَّقت به عليهم» لأنَّه يدلُّ على أنَّها صدقة تطوُّعٍ؛ لأنَّ الولد لا يُعطَى من الزَّكاة الواجبة إجماعًا، وأُجيب بأنَّ الذي يمتنع إعطاؤه من الصَّدقة الواجبة من يلزم المعطي نفقته، والأمُّ لا يلزمها نفقة ولدها (٤) مع وجود أبيه، وأُجيب بأنَّ الإضافة للتَّربية
стр. 3460
لا للولادة، فكأنَّه ولده من غيرها، وتعليل منعها من إعطاء الزَّوج -بعَوْدِ ما تعطيه له إليها في النَّفقة، فكأنَّها لم تخرج عنها- مُعارَضٌ بوقوع ذلك في التَّطوُّع أيضًا، ويلزم منه إبطاله، فتأمَّل.
والحديث يأتي قريبًا في «باب الزَّكاة على الزَّوج والأيتام في الحجر» [خ¦١٤٦٦] إن شاء الله تعالى.
(٤٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي) عين (فَرَسِهِ) الشَّامل للذَّكر والأنثى، وجمعه «الخيل» من غير لفظه (صَدَقَةٌ) خلافًا لأبي حنيفة في إناثها أو ذكورها وإناثها، حيث أوجب في كلِّ فرسٍ دينارًا أو ربع عشر قيمتها على التَّخيير.
١٤٦٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة والمهملة المُخفَّفة (عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ) بكسر العين وتخفيف الرَّاء (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (١) ﷺ : لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَغُلَامِهِ) أي: عبده (صَدَقَةٌ) والمراد بالفرس: اسم الجنس، وإلَّا فالواحدة لا خلاف أنَّه لا زكاة فيها، نعم، إذا كانت الخيل للتِّجارة فتجب فيها الزَّكاة بالإجماع، فيُخَصُّ به عموم هذا الحديث، وخُصَّ المسلم وإن كان الصَّحيح عند الأصوليِّين
стр. 3461
والفقهاء تكليف الكافر بالفروع؛ لأنَّه ما دام كافرًا فلا يجب عليه الإخراج حتَّى يسلم، فإذا أسلم سقطت؛ لأنَّ الإسلام يجبُّ ما قبله.
(٤٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ صَدَقَةٌ) إلَّا صدقة الفطر وزكاة التِّجارة في قيمته إن كان للتِّجارة.
١٤٦٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ خُثَيْمِ بْنِ عِرَاكٍ) بخاءٍ معجمةٍ مضمومةٍ ومُثلَّثةٍ مفتوحةٍ مُصغَّرًا (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عِرَاكٌ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وبه قال المؤلِّف أيضًا: «ح»: (وحَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ) بضمِّ الواو وفتح الهاء، تصغير وهبٍ، قال: (حَدَّثَنَا خُثَيْمُ بْنُ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : قَالَ: لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ صَدَقَةٌ فِي) عين (عَبْدِهِ) زاد مسلمٌ: «إلَّا صدقة الفطر» (وَلَا) في (١) عين (فَرَسِهِ) ولأبي ذرٍّ: «ولا في فرسه» واحترز بالتَّقييد بالعين فيهما عن وجوبها في قيمتهما إذا كانا للتِّجارة، كما مرَّ [خ¦١٤٦٥].
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الزَّكاة»، وكذا أبو داود والتِّرمذي والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(٤٧) (بابُ الصَّدَقَةِ عَلَى اليَتَامَى) عبَّر بـ «الصَّدقة» لشمولها الفرض والنَّفل، والصَّدقة على اليتيم تُذهِب قساوة القلب، كما رُوِي.
стр. 3462
١٤٦٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء والضَّاد المعجمة المُخفَّفة، قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ) هو هلال بن عليِّ بن أسامة، المدنيُّ، من صغار التَّابعين، قال: (حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) بتخفيف السِّين المهملة (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁ يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ) أي: قطعةً من الزَّمان، فـ «ذاتَ يومٍ» صفةٌ للقطعة المُقدَّرة، ولم يتصرَّف؛ لأنَّ إضافتها من قبيل إضافة المُسمَّى إلى الاسم، وليس له تمكُّنٌ في الظَّرفيَّة الزَّمانيَّة؛ لأنَّه ليس من أسماء الزَّمان (عَلَى المِنْبَرِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ فَقَالَ: إِنِّي) وللمُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «إنَّ» (مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ
стр. 3463
مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا) حسنها وبهجتها الفانية، كَمالِ الغنائمِ وغيرها (فَقَالَ رَجُلٌ) لم أعرف اسمه: (يَا رَسُولَ اللهِ، أَوَيَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ؟) بفتح الواو، والهمزة للاستفهام، أي: أتصير نعمة الله التي هي زهرة الدُّنيا عقوبةً ووبالًا؟ (فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) انتظارًا للوحي (فَقِيلَ لَهُ) أي: للسَّائل: (مَا شَأْنُكَ، تُكَلِّمُ النَّبِيَّ (١) ﷺ وَلَا يُكَلِّمُكَ؟) ظنُّوا أنَّه ﵊ أنكر مسألته، قال أبو سعيدٍ: (فَرَأَيْنَا) بفتح الرَّاء ثمَّ الهمزة، من الرُّؤية، وللحَمُّويي والمُستملي: «فرُئِينا» بضمِّ الرَّاء ثمَّ كسر (٢) الهمزة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فأُرِينا» بتقديم الهمزة المضمومة على الرَّاء المكسورة، أي: فظننَّا (أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ) الوحيُ، بضمِّ أوَّله وفتح الزَّاي مبنيًّا للمفعول (قَالَ) أبو سعيدٍ: (فَمَسَحَ) ﵊ (عَنْهُ الرُّحَضَاءَ) بضمِّ الرَّاء وفتح الحاء المهملة والضَّاد المعجمة والمدِّ: العرق الكثير (فَقَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ؟ وَكَأَنَّهُ) ﵊ (حَمِدَهُ) أي: السَّائل، فهموا (٣) أوَّلًا من سكوته عند سؤاله إنكارَه، ومن قوله ﵊: «أين السَّائل» حمدَه لِما رأوا (٤) فيه من البشرى؛ لأنَّه ﵊ كان إذا سُرَّ استنار وجهه (فَقَالَ) ﵊: (إِنَّهُ لَا يَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ) أي: ما قدَّر الله أن يكون خيرًا يكون خيرًا، وما قدَّر الله أن يكون شرًّا يكون شرًّا، وإنَّ الذي أخاف عليكم تضييعُكم نعمةَ الله وصرفكم إيَّاها في غير ما أمر الله، فلا يتعلَّق ذلك بنفس النِّعمة (وَ) أضرب لكم مَثَلين: أحدهما: مَثَل المفرط في جمع (٥) الدُّنيا هو (إِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة، من الإنبات، و «الرَّبيع» رفع فاعلٍ، وهو الجدول الذي يُستسقى به ما (يَقْتُلُ) قتلًا حَبطًا (أَوْ يُلِمُّ) بضمِّ أوَّله وكسر اللَّام، أي: يقرب من القتل، وسقط في «البخاريِّ» هنا لفظة «ما» قبل «يقتل» و «حبطًا» بعدها، فـ «يقتل» (٦): صفةٌ لمفعولٍ محذوفٍ، أي: شيئًا أو نباتًا، و «حَبطًا» بفتح الحاء المهملة والمُوحَّدة، نُصِبَ على
стр. 3464
التَّمييز، وهو داءٌ يصيب البعير من أحرار العشب أو من كلأٍ طيِّبٍ يكثر منه، فينتفخ، فيهلك أو يقارب الهلاك، وكذلك الذي يكثر من جمع الدُّنيا -لا سيِّما من غير حلِّها-، ويمنع ذا الحقِّ حقَّه يهلك في الآخرة بدخوله النَّار، وفي الدُّنيا بأذى النَّاس له وحسدهم إيَّاه وغير ذلك من أنواع الأذى، وإسناد الإنبات للرَّبيع مجازٌ على رأي الشَّيخِ عبد القاهر الجرجانيِّ؛ إذ المُسنَد إليه ملابسٌ للفعل وليس فاعلًا حقيقيًّا له؛ إذ الفاعل هو الله تعالى، والسَّكَّاكيُّ يرى أنَّ الإسناد ليس مجازيًّا، وأنَّ المجاز في «الرَّبيع»، فجعله استعارةً بالكناية على أنَّ المراد به الفاعل الحقيقيُّ بقرينة نسبة الإسناد إليه (إِلَّا) بالتَّشديد (آكِلَةَ الخَضْرَاءِ) بفتح الخاء وسكون الضَّاد المعجمتين، وألفٍ ممدودةٍ بعد الرَّاء، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي: «الخضِرِ» بكسر الضَّاد والرَّاء (١) من غير ألفٍ، و «آكلةَ» بمدِّ الهمزة، والاستثناءُ مُفرَّغٌ، والأصل ممَّا ينبت الرَّبيع ما يقتل آكله إلَّا آكل الخضراء (٢)، وقال الطِّيبيُّ: الأظهر أنَّه منقطعٌ لوقوعه في الكلام المثبت، وهو غير جائزٍ عند الزَّمخشريِّ إلَّا بالتَّأويل، ويجوز أن يكون متَّصلًا لكن يجب التَّأويل في المستثنى، والمعنى: إنَّ (٣) من جملة ما ينبت الرَّبيع شيئًا يقتل آكله إلَّا الخضر (٤) منه إذا اقتصد فيه آكله وتحرَّى دفع ما يؤدِّيه إلى الهلاك، وفي بعض النُّسخ: «أَلَا» بتخفيف اللَّام وفتح الهمزة على أنَّها استفتاحيَّةٌ، كأنَّه قال: ألا انظروا آكلة الخضراء (٥) واعتبروا شأنها (أَكَلَتْ) وفي بعض النُّسخ: «فإنَّها أكلت» أي: فإنَّ آكلة الخضراء أكلت (حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا) أي: جنباها، أي: امتلأت شبعًا وعَظُمَ جنباها، ثمَّ
стр. 3465
أقلعت عنه سريعًا (اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ) تستمرئ بذلك ما أكلت وتجترُّه (فَثَلَطَتْ) بفتح المُثلَّثة واللَّام، أي: ألقت السِّرقين سهلًا رقيقًا (وَبَالَتْ) فيزول عنها الحبط، وإنَّما تُحبَط الماشية؛ لأنَّها تمتلئ بطونها ولا تثلط ولا تبول، فتنتفخ بطونها (١) فيعرض لها المرض فتهلك (وَرَتَعَتْ) اتَّسعت في المرعى، وهذا مَثَلُ المقتصد في جمع الدُّنيا المؤدِّي حقَّها، النَّاجي من وبالها؛ كما نجت (٢) آكلة الخضر الذي ليس من أحرار البقول وجيِّدها التي ينبتها الرَّبيع بتوالي أمطاره، فتحسن وتنعم، ولكنَّه من البقول التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول ويبسها حيث لا تجد سواها، فلا ترى الماشية تُكثِر من أكلها ولا تستمريها، وقِيلَ: الرَّبيع قد يُنبِت أحرار العشب والكلأ، فهي كلُّها خيرٌ في نفسها، وإنَّما يأتي الشَّرُّ من قِبَلِ آكلٍ مستلذٍّ مُفْرِطٍ منهمكٍ فيها، بحيث تنتفخ أضلاعه منه وتمتلئ خاصرتاه ولا يقلع عنه فيهلكه سريعًا، فهذا مَثَلٌ للكافر، ومن ثمَّ أكَّد القتل بالحَبط، أي: يقتل قتلًا حبطًا، والكافر: هو الذي تُحبَط أعماله، أو من قِبَلِ (٣) آكلٍ كذلك، فيشرفه إلى الهلاك، وهذا مثالٌ للمؤمن الظَّالم لنفسه المنهمك في المعاصي، أو من آكلٍ مسرفٍ (٤) حتَّى تنتفخ خاصرتاه، ولكنَّه يتوخَّى إزالة ذلك ويتحيَّل في دفع مضرَّته حتَّى يهضم ما أكل، وهذا مثال المقتصد، أو من آكلٍ غير مفرطٍ ولا مسرفٍ، يأكل منها ما يسدُّ جوعه ولا يسرف فيه حتَّى يحتاج إلى دفعه، وهذا مثال السَّابق الزَّاهد في الدُّنيا الرَّاغب في الآخرة، لكنَّ هذا ليس صريحًا في الحديث، لكنَّه ربَّما
стр. 3466
يُفهَم منه (وَإِنَّ هَذَا المَالَ) زهرة الدُّنيا (خَضِرَةٌ) من حيث المنظر (حُلْوَةٌ) من حيث الذَّوق، و «خَضِرةٌ» بفتح الخاء وكسر الضَّاد المعجمتين، آخره تاء تأنيثٍ، وأُنِّث مع أنَّ المال مُذكَّرٌ باعتبار أنَّه زهرة الدُّنيا، أو باعتبار البقلة، أي: أنَّ هذا المال كالبقلة الخضرة أو كالفاكهة، فالتَّأنيث وقع على التَّشبيه، أو أنَّ التَّاء للمبالغة كـ «راويةٍ (١)» و «علَّامةٍ»، وخصَّ الأخضر؛ لأنَّه أحسن الألوان، ولمَّا ذكر لهم ﷺ ما يخاف عليهم من فتنة المال أخذ يعرِّفهم دواء داء تلك الفتنة بقوله: (فَنِعْمَ صَاحِبُ المُسْلِمِ مَا أَعْطَى مِنْهُ المِسْكِينَ وَاليَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ -أَوْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ) شكٌّ من يحيى، وفي «الجهاد» [خ¦٢٨٤٢] من طريق فُلَيْحٍ بلفظ: «فجعله في سبيل الله واليتامى والمساكين وابن السَّبيل» (وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ) أي: المال (بِغَيْرِ حَقِّهِ) بأن يجمعه من الحرام أو من غير احتياجٍ إليه، ولم يُخرِج منه حقَّه الواجب فيه فهو (كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ) لأنَّه كلَّما نال منه شيئًا ازدادت رغبته، واستقلَّ ما عنده ونظر إلى ما فوقه (وَيَكُونُ) ماله (شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ) بأن يُنطِق الله الصَّامت منه بما فعل به، أو يمثِّل مثاله، أو يشهد عليه المُوكَّلون بكتب الكسب والإنفاق.
وفي هذا الحديث التَّحديث والعنعنة والسَّماع، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الرِّقاق» [خ¦٦٤٢٧]، ومسلمٌ في «الزَّكاة» (٢)، وكذا النَّسائيُّ.
(٤٨) (باب الزَّكَاةِ عَلَى الزَّوْجِ وَالأَيْتَامِ فِي الحَِجْرِ) بفتح الحاء وكسرها (قَالَهُ) أي: ما ذكره في
стр. 3467
التَّرجمة (أَبُو سَعِيدٍ) الخدريُّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) كما سبق موصولًا في «باب الزَّكاة على الأقارب» [خ¦١٤٦٢].
١٤٦٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياث بن طَلْقٍ، قال (١): (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (شَقِيقٌ) أبو وائلٍ (عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ) بفتح العين وسكون الميم، ابن أبي ضِرارٍ -بكسر الضَّاد المعجمة- الخزاعيِّ، له صحبةٌ، وهو أخو جويرية بنت الحارث أمِّ المؤمنين (عَنْ زَيْنَبَ) بنت معاوية، أو بنت عبد الله ابن معاوية بن عتَّابٍ الثَّقفيَّة، وتُسمَّى أيضًا برايطة (امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵄ قَالَ) الأعمش: (فَذَكَرْتُهُ) أي: الحديث (لإِبْرَاهِيمَ) بن يزيد النَّخعيِّ (فَحَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ (عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ) بضمِّ العين وفتح المُوحَّدة، عامر بن عبد الله بن مسعودٍ (عَنْ عَمْرِو ابْنِ الحَارِثِ، عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (بِمِثْلِهِ) أي (٢): بمثل هذا (٣) الحديث (سَوَاءً، قَالَتْ: كُنْتُ فِي المَسْجِدِ) النَّبويِّ (فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ:) يا معشر النِّساء (تَصَدَّقْنَ وَلَوْ
стр. 3468
مِنْ حَُلِْيِّكُنَّ) بضمِّ الحاء وكسر اللَّام وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، جمعًا، كذا في الفرع وأصله، ويجوز فتح الحاء وسكون اللَّام، مفردًا (وَكَانَتْ زَيْنَبُ تُنْفِقُ عَلَى) زوجها (عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (وَأَيْتَامٍ فِي حَجْرِهَا) لم يعرف الحافظ ابن حجرٍ اسمهم (فَقَالَتْ) ولغير أبي ذرٍّ وابن عساكر: «قال: فقالت» (لِعَبْدِ اللهِ) زوجها: (سَلْ رَسُولَ اللهِ ﷺ : أَيَُجْزِئ) بضمِّ الياء وآخره همزةٌ، وفي بعض الأصول -وهو الذي في «اليونينيَّة» -: «أيَجزي» بفتح الياء، أي: هل يكفي (عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَيْتَامِي) بياء الإضافة، ولأبي ذرٍّ: «على أيتامٍ» (فِي حَجْرِي مِنَ الصَّدَقَةِ؟) الواجبة أو أعمُّ (فَقَالَ) ابن مسعودٍ: (سَلِي أَنْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) قالت زينب: (فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «إلى رسول الله» (¬ ﷺ ، فَوَجَدْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ) هي زينب امرأة أبي مسعودٍ، يعني: عقبة بن عمرٍو الأنصاريَِّ، كما عند ابن الأثير في «أسد الغابة»، وفي رواية الطَّيالسيِّ: فإذا امرأةٌ من الأنصار يُقال لها: زينب (عَلَى البَابِ، حَاجَتُهَا مِثْلُ حَاجَتِي، فَمَرَّ عَلَيْنَا بِلَالٌ) المؤذِّن (فَقُلْنَا) له: (سَلِ النَّبِيَّ ﷺ : أَيَُجْزِي) بضمِّ الياء أو فتحها (عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي وَأَيْتَامٍ لِي فِي حَجْرِي؟) بإفراد الضَّمير فيها، وكان الظَّاهر أن يُقال: «عنَّا» و «ننفق»، وكذا باقيها، وأجاب الكِرمانيُّ بأنَّ المراد كلُّ واحدةٍ منا، أو اكتفت في الحكاية بحال نفسها، لكن قال البرماويُّ: فيه نظرٌ (١)، وفي رواية النَّسائيِّ: على أزواجنا وأيتامٍ في حجورنا، وللطَّيالسيِّ: أنَّهم بنو أخيها وبنو أختها، وللنَّسائيِّ أيضًا من طريق علقمة: لإحداهما فضل مالٍ وفي حجرها بنو أخٍ لها أيتامٌ، وللأخرى: فضل مالٍ وزوجٌ خفيفُ ذاتِ اليد، أي: فقيرٌ. (وَقُلْنَا) أي: السَّائلتان، وللحَمُّويي والمُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «فقلنا» بالفاء بدل الواو، لبلالٍ: (لَا تُخْبِرْ بِنَا) بجزم الرَّاء، أي: لا تعيِّن اسمينا (٢)، بل قل: تسألك امرأتان (فَدَخَلَ) بلالٌ على رسول الله ﷺ (فَسَأَلَهُ) عن ذلك (فَقَالَ) ﵊: (مَنْ هُمَا) المرأتان؟ (قَالَ) بلالٌ معيِّنًا لإحداهما لوجوبه عليه بطلب الرَّسول ﵊: هي (زَيْنَبُ، قَالَ) ﵊: (أَيُّ الزَّيَانِبِ؟) أي: أيُّ زينب منهنَّ (٣)؟ فعُرِّف باللَّام مع كونه علمًا لما نُكِّر حتَّى جُمِع (قَالَ)
стр. 3469
بلالٌ: زينب (امْرَأَةُ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ، ولم يذكر بلالٌ في الجواب معها زينب امرأة أبي مسعودٍ الأنصاريِّ؛ اكتفاءً باسم من هي أكبر وأعظم (قَالَ) ﵊، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «فقال»: (نَعَمْ) يجزي عنها (وَلَهَا أَجْرَانِ: أَجْرُ القَرَابَةِ) أي: صلة الرَّحم (وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ) أي: ثوابها (١)، قال المازريُّ: الأظهر حمله على الصَّدقة الواجبة لسؤالها عن الإجزاء، وهذا اللَّفظ إنَّما يُستعمَل في الواجبة. انتهى. وعليه يدلُّ تبويب البخاريِّ، لكنَّ ما ذكره من أنَّ الإجزاء إنَّما يُستعمَل في الواجب إن أراد قولًا واحدًا فليس كذلك؛ لأنَّ الأصوليِّين اختلفوا في المسألة، فذهب قومٌ إلى أنَّ الإجزاء يعمُّ الواجب والمندوب، وخصَّه آخرون بالواجب ومنعوه في المندوب، واعتمده المازريُّ ونصره القرافيُّ (٢) والأصفهانيُّ، واستبعده الشَّيخ تقيُّ الدِّين السُّبكيُّ، وقال: إنَّ كلام الفقهاء يقتضي أنَّ المندوب يُوصَف بالإجزاء كالفرض، وقد تعقَّب القاضي عياضٌ المازريَّ بأنَّ قوله: «ولو من حليِّكن»، وقوله فيما ورد في بعض الرِّوايات عند الطَّحاويِّ وغيره: أنَّها كانت امرأةً صنعاء اليدين (٣)، فكانت تنفق عليه وعلى ولده، يدلَّان على أنَّها صدقة تطوُّعٍ، وبه جزم النَّوويُّ وغيره، وتأوَّلوا قوله: «أيجزئ عنِّي»؟ أي: في الوقاية من النَّار، كأنَّها خافت أنَّ صدقتها على زوجها لا تحصِّل لها المراد.
стр. 3470
وقد سبق الحديث في «باب الزَّكاة على الأقارب» [خ¦١٤٦٢] وفيه: أنَّها شافهت النَّبيَّ ﷺ بالسُّؤال وشافهها، وههنا (١) لم تقع مشافهةٌ، فقِيلَ: تُحمَل الأولى على المجاز، وإنَّما هي على لسان بلالٍ، والظَّاهر أنَّهما قضيَّتان: إحداهما: في سؤالها عن تصدُّقها بحليِّها على زوجها وولده، والأخرى: في سؤالها عن النَّفقة.
وفي هذا الحديث التَّحديث والعنعنة والقول، ورواته كلُّهم كوفيُّون إلَّا عمرو بن الحارث، وفيه رواية صحابيٍّ عن صحابيَّةٍ وتابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وفي الطَّريق الثَّانية: أربعةٌ من التَّابعين، وهم: الأعمش وشقيقٌ وإبراهيم وأبو عبيدة، وأخرجه مسلمٌ في «الزَّكاة»، والنَّسائيُّ في «عِشْرة النِّساء»، وابن ماجه في «الزَّكاة».
١٤٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عثمان بن محمَّد بن أبي شَيبة -بفتح المعجمة- واسمه: إبراهيم، وعثمان أخو أبي بكر ابن أبي شيبة قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَةُ) بفتح العين وسكون المُوحَّدة، ابن سليمان (٢) (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ زَيْنَبَ) بَرَّة، بفتح المُوحَّدة وتشديد الرَّاء (ابْنَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أُمِّ سَلَمَةَ) بفتح السِّين واللَّام، أمِّ المؤمنين، وهي بنت أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال (٣) بن عبد الله بن عمر بن مخزومٍ، المخزوميَّة، ربيبة رسول الله ﷺ ، وُلدِت بأرض الحبشة، وحفظت عن النَّبيِّ ﷺ ، وروت عنه وعن أزواجه، وذكرها العجليُّ في «ثقات التَّابعين»، قال في «الإصابة»: كأنَّه كان يشترط للصُّحبة البلوغ، وذكرها ابن سعدٍ فيمن لم يرو عن النَّبيِّ ﷺ شيئًا، وروى (٤) عن أزواجه (قَالَتْ) أي: زينب، ولأبي ذرٍّ: «عن أمِّ سلمة»، وهو الصَّواب، كما لا يخفى، وأمُّ سلمة هي أمُّ