← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

يُفهَم منه (وَإِنَّ هَذَا المَالَ) زهرة الدُّنيا (خَضِرَةٌ) من حيث المنظر (حُلْوَةٌ) من حيث الذَّوق، و «خَضِرةٌ» بفتح الخاء وكسر الضَّاد المعجمتين، آخره تاء تأنيثٍ، وأُنِّث مع أنَّ المال مُذكَّرٌ باعتبار أنَّه زهرة الدُّنيا، أو باعتبار البقلة، أي: أنَّ هذا المال كالبقلة الخضرة أو كالفاكهة، فالتَّأنيث وقع على التَّشبيه، أو أنَّ التَّاء للمبالغة كـ «راويةٍ (١)» و «علَّامةٍ»، وخصَّ الأخضر؛ لأنَّه أحسن الألوان، ولمَّا ذكر لهم ﷺ ما يخاف عليهم من فتنة المال أخذ يعرِّفهم دواء داء تلك الفتنة بقوله: (فَنِعْمَ صَاحِبُ المُسْلِمِ مَا أَعْطَى مِنْهُ المِسْكِينَ وَاليَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ -أَوْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ) شكٌّ من يحيى، وفي «الجهاد» [خ¦٢٨٤٢] من طريق فُلَيْحٍ بلفظ: «فجعله في سبيل الله واليتامى والمساكين وابن السَّبيل» (وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ) أي: المال (بِغَيْرِ حَقِّهِ) بأن يجمعه من الحرام أو من غير احتياجٍ إليه، ولم يُخرِج منه حقَّه الواجب فيه فهو (كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ) لأنَّه كلَّما نال منه شيئًا ازدادت رغبته، واستقلَّ ما عنده ونظر إلى ما فوقه (وَيَكُونُ) ماله (شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ) بأن يُنطِق الله الصَّامت منه بما فعل به، أو يمثِّل مثاله، أو يشهد عليه المُوكَّلون بكتب الكسب والإنفاق. وفي هذا الحديث التَّحديث والعنعنة والسَّماع، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الرِّقاق» [خ¦٦٤٢٧]، ومسلمٌ في «الزَّكاة» (٢)، وكذا النَّسائيُّ. (٤٨) (باب الزَّكَاةِ عَلَى الزَّوْجِ وَالأَيْتَامِ فِي الحَِجْرِ) بفتح الحاء وكسرها (قَالَهُ) أي: ما ذكره في

стр. 3467

التَّرجمة (أَبُو سَعِيدٍ) الخدريُّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) كما سبق موصولًا في «باب الزَّكاة على الأقارب» [خ¦١٤٦٢]. ١٤٦٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياث بن طَلْقٍ، قال (١): (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (شَقِيقٌ) أبو وائلٍ (عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ) بفتح العين وسكون الميم، ابن أبي ضِرارٍ -بكسر الضَّاد المعجمة- الخزاعيِّ، له صحبةٌ، وهو أخو جويرية بنت الحارث أمِّ المؤمنين (عَنْ زَيْنَبَ) بنت معاوية، أو بنت عبد الله ابن معاوية بن عتَّابٍ الثَّقفيَّة، وتُسمَّى أيضًا برايطة (امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵄ قَالَ) الأعمش: (فَذَكَرْتُهُ) أي: الحديث (لإِبْرَاهِيمَ) بن يزيد النَّخعيِّ (فَحَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ (عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ) بضمِّ العين وفتح المُوحَّدة، عامر بن عبد الله بن مسعودٍ (عَنْ عَمْرِو ابْنِ الحَارِثِ، عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (بِمِثْلِهِ) أي (٢): بمثل هذا (٣) الحديث (سَوَاءً، قَالَتْ: كُنْتُ فِي المَسْجِدِ) النَّبويِّ (فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ:) يا معشر النِّساء (تَصَدَّقْنَ وَلَوْ

стр. 3468

مِنْ حَُلِْيِّكُنَّ) بضمِّ الحاء وكسر اللَّام وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، جمعًا، كذا في الفرع وأصله، ويجوز فتح الحاء وسكون اللَّام، مفردًا (وَكَانَتْ زَيْنَبُ تُنْفِقُ عَلَى) زوجها (عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (وَأَيْتَامٍ فِي حَجْرِهَا) لم يعرف الحافظ ابن حجرٍ اسمهم (فَقَالَتْ) ولغير أبي ذرٍّ وابن عساكر: «قال: فقالت» (لِعَبْدِ اللهِ) زوجها: (سَلْ رَسُولَ اللهِ ﷺ : أَيَُجْزِئ) بضمِّ الياء وآخره همزةٌ، وفي بعض الأصول -وهو الذي في «اليونينيَّة» -: «أيَجزي» بفتح الياء، أي: هل يكفي (عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَيْتَامِي) بياء الإضافة، ولأبي ذرٍّ: «على أيتامٍ» (فِي حَجْرِي مِنَ الصَّدَقَةِ؟) الواجبة أو أعمُّ (فَقَالَ) ابن مسعودٍ: (سَلِي أَنْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) قالت زينب: (فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «إلى رسول الله» (¬ ﷺ ، فَوَجَدْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ) هي زينب امرأة أبي مسعودٍ، يعني: عقبة بن عمرٍو الأنصاريَِّ، كما عند ابن الأثير في «أسد الغابة»، وفي رواية الطَّيالسيِّ: فإذا امرأةٌ من الأنصار يُقال لها: زينب (عَلَى البَابِ، حَاجَتُهَا مِثْلُ حَاجَتِي، فَمَرَّ عَلَيْنَا بِلَالٌ) المؤذِّن (فَقُلْنَا) له: (سَلِ النَّبِيَّ ﷺ : أَيَُجْزِي) بضمِّ الياء أو فتحها (عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي وَأَيْتَامٍ لِي فِي حَجْرِي؟) بإفراد الضَّمير فيها، وكان الظَّاهر أن يُقال: «عنَّا» و «ننفق»، وكذا باقيها، وأجاب الكِرمانيُّ بأنَّ المراد كلُّ واحدةٍ منا، أو اكتفت في الحكاية بحال نفسها، لكن قال البرماويُّ: فيه نظرٌ (١)، وفي رواية النَّسائيِّ: على أزواجنا وأيتامٍ في حجورنا، وللطَّيالسيِّ: أنَّهم بنو أخيها وبنو أختها، وللنَّسائيِّ أيضًا من طريق علقمة: لإحداهما فضل مالٍ وفي حجرها بنو أخٍ لها أيتامٌ، وللأخرى: فضل مالٍ وزوجٌ خفيفُ ذاتِ اليد، أي: فقيرٌ. (وَقُلْنَا) أي: السَّائلتان، وللحَمُّويي والمُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «فقلنا» بالفاء بدل الواو، لبلالٍ: (لَا تُخْبِرْ بِنَا) بجزم الرَّاء، أي: لا تعيِّن اسمينا (٢)، بل قل: تسألك امرأتان (فَدَخَلَ) بلالٌ على رسول الله ﷺ (فَسَأَلَهُ) عن ذلك (فَقَالَ) ﵊: (مَنْ هُمَا) المرأتان؟ (قَالَ) بلالٌ معيِّنًا لإحداهما لوجوبه عليه بطلب الرَّسول ﵊: هي (زَيْنَبُ، قَالَ) ﵊: (أَيُّ الزَّيَانِبِ؟) أي: أيُّ زينب منهنَّ (٣)؟ فعُرِّف باللَّام مع كونه علمًا لما نُكِّر حتَّى جُمِع (قَالَ)

стр. 3469

بلالٌ: زينب (امْرَأَةُ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ، ولم يذكر بلالٌ في الجواب معها زينب امرأة أبي مسعودٍ الأنصاريِّ؛ اكتفاءً باسم من هي أكبر وأعظم (قَالَ) ﵊، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «فقال»: (نَعَمْ) يجزي عنها (وَلَهَا أَجْرَانِ: أَجْرُ القَرَابَةِ) أي: صلة الرَّحم (وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ) أي: ثوابها (١)، قال المازريُّ: الأظهر حمله على الصَّدقة الواجبة لسؤالها عن الإجزاء، وهذا اللَّفظ إنَّما يُستعمَل في الواجبة. انتهى. وعليه يدلُّ تبويب البخاريِّ، لكنَّ ما ذكره من أنَّ الإجزاء إنَّما يُستعمَل في الواجب إن أراد قولًا واحدًا فليس كذلك؛ لأنَّ الأصوليِّين اختلفوا في المسألة، فذهب قومٌ إلى أنَّ الإجزاء يعمُّ الواجب والمندوب، وخصَّه آخرون بالواجب ومنعوه في المندوب، واعتمده المازريُّ ونصره القرافيُّ (٢) والأصفهانيُّ، واستبعده الشَّيخ تقيُّ الدِّين السُّبكيُّ، وقال: إنَّ كلام الفقهاء يقتضي أنَّ المندوب يُوصَف بالإجزاء كالفرض، وقد تعقَّب القاضي عياضٌ المازريَّ بأنَّ قوله: «ولو من حليِّكن»، وقوله فيما ورد في بعض الرِّوايات عند الطَّحاويِّ وغيره: أنَّها كانت امرأةً صنعاء اليدين (٣)، فكانت تنفق عليه وعلى ولده، يدلَّان على أنَّها صدقة تطوُّعٍ، وبه جزم النَّوويُّ وغيره، وتأوَّلوا قوله: «أيجزئ عنِّي»؟ أي: في الوقاية من النَّار، كأنَّها خافت أنَّ صدقتها على زوجها لا تحصِّل لها المراد.

стр. 3470

وقد سبق الحديث في «باب الزَّكاة على الأقارب» [خ¦١٤٦٢] وفيه: أنَّها شافهت النَّبيَّ ﷺ بالسُّؤال وشافهها، وههنا (١) لم تقع مشافهةٌ، فقِيلَ: تُحمَل الأولى على المجاز، وإنَّما هي على لسان بلالٍ، والظَّاهر أنَّهما قضيَّتان: إحداهما: في سؤالها عن تصدُّقها بحليِّها على زوجها وولده، والأخرى: في سؤالها عن النَّفقة. وفي هذا الحديث التَّحديث والعنعنة والقول، ورواته كلُّهم كوفيُّون إلَّا عمرو بن الحارث، وفيه رواية صحابيٍّ عن صحابيَّةٍ وتابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وفي الطَّريق الثَّانية: أربعةٌ من التَّابعين، وهم: الأعمش وشقيقٌ وإبراهيم وأبو عبيدة، وأخرجه مسلمٌ في «الزَّكاة»، والنَّسائيُّ في «عِشْرة النِّساء»، وابن ماجه في «الزَّكاة». ١٤٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عثمان بن محمَّد بن أبي شَيبة -بفتح المعجمة- واسمه: إبراهيم، وعثمان أخو أبي بكر ابن أبي شيبة قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَةُ) بفتح العين وسكون المُوحَّدة، ابن سليمان (٢) (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ زَيْنَبَ) بَرَّة، بفتح المُوحَّدة وتشديد الرَّاء (ابْنَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أُمِّ سَلَمَةَ) بفتح السِّين واللَّام، أمِّ المؤمنين، وهي بنت أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال (٣) بن عبد الله بن عمر بن مخزومٍ، المخزوميَّة، ربيبة رسول الله ﷺ ، وُلدِت بأرض الحبشة، وحفظت عن النَّبيِّ ﷺ ، وروت عنه وعن أزواجه، وذكرها العجليُّ في «ثقات التَّابعين»، قال في «الإصابة»: كأنَّه كان يشترط للصُّحبة البلوغ، وذكرها ابن سعدٍ فيمن لم يرو عن النَّبيِّ ﷺ شيئًا، وروى (٤) عن أزواجه (قَالَتْ) أي: زينب، ولأبي ذرٍّ: «عن أمِّ سلمة»، وهو الصَّواب، كما لا يخفى، وأمُّ سلمة هي أمُّ

стр. 3471

المؤمنين هندٌ، قالت: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِيَ) بفتح الياء، أي (١): هل لي (أَجْرٌ أَنْ أُنْفِقَ عَلَى بَنِي أَبِي سَلَمَةَ)؟ ابن عبد الأسد، وكان تزوَّجها النَّبيُّ ﷺ بعده، ولها من أبي سلمة: سلمة وعمر ومحمَّد وزينب ودرَّة (إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ) منه، بفتح المُوحَّدة وكسر النُّون وتشديد الياء، وأصله بنونٍ، فلمَّا أُضِيف إلى ياء المتكلِّم، سقطت نون الجمع، فصار «بنوي»، فاجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسُّكون، فأُدغِمت الواو بعد قلبها ياءً في الياء، فصار «بَنُيَّ» بضم النُّون وتشديد الياء، ثمَّ أبدل من ضمَّة النُّون كسرةً؛ لأجل الياء، فصار «بَنِيَّ» (فَقَالَ) ﵊: (أَنْفِقِي عَلَيْهِمْ) بفتح الهمزة وكسر الفاء (فَلَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ) بإضافة «أجر» لتاليه، فـ «ما»: موصولةٌ، وجوَّز بعضهم التَّنوين، فتكون «ما» ظرفيَّةً، قال في «فتح الباري»: وليس في الحديث تصريحٌ بأنَّ الذي كانت تنفقه عليهم من الزَّكاة، فكان القدر المشترك من الحديث حصول الإنفاق على الأيتام. انتهى. وفي هذا الحديث التَّحديث والعنعنة والقول، ورواته ما بين كوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ -هشامٌ وأبوه- وصحابيَّةٌ عن صحابيَّةٍ -زينب وأمُّها-. (٤٩) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ (٢)﴾) أي: وللصَّرف في فكِّ الرِّقاب، بأن يعاون المُكاتَب الذي ليس له ما يفي بالنُّجوم بشيءٍ من الزَّكاة على أداء النُّجوم، وقِيلَ بأن تُباع الرِّقاب فتُعتَق، وبه قال مالكٌ في المشهور، وإليه مال البخاريُّ وابن المنذر، واحتجَّ له بأنَّ شراء الرِّقيق ليُعتَق أَوْلى من إعانة المُكاتَب؛ لأنَّه قد يُعان ولا يُعتَق، ولأنَّ المُكاتَب عبدٌ ما بقي

стр. 3472

عليه درهمٌ، والزَّكاة لا تُصرَف للعبد، والأوَّل مذهب الشَّافعيِّ واللَّيث والكوفيِّين وأكثر أهل العلم، ورواه ابن وهبٍ عن مالكٍ وقال المرداويُّ من الحنابلة في «مقنعه»: وللمُكاتَب الأخذُ، أي: من الزَّكاة قبل حلول نجمٍ (١)، ويجزئ أن يشتري منها رقبةً لا تُعتَق عليه فيعتقها، ولا يجزئ عتق عبده ومكاتبه عنها، وهو موافقٌ لما رواه ابن أبي حاتمٍ وأبو عُبيدٍ في «الأموال» بسندٍ (٢) صحيحٍ عن الزُّهريِّ: أنَّه كتب لعمر بن عبد العزيز: أنَّ سهم الرِّقاب يُجعَل نصفين: نصفٌ لكلِّ مُكاتَبٍ يدَّعي الإسلام، ونصفٌ يشتري به رقاب من صلَّى وصام، وعدل عن (٣) اللَّام إلى «في» في (٤) قوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ للدَّلالة على أنَّ الاستحقاق للجهة لا للرِّقاب، وقِيلَ: للإيذان بأنَّهم (٥) أحقُّ بها (﴿وَفِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]) أي: وللصَّرف في الجهاد بالإنفاق على المتطوِّعة به ولو كانوا أغنياء؛ لقوله ﵊: «لا تحلُّ الصَّدقة لغنيٍّ إلَّا لخمسةٍ: لغازٍ في سبيل الله»، وخصَّه أبو حنيفة بالمحتاج، وعن أحمد: الحجُّ من سبيل الله. (وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) ممَّا وصله أبو عبيدٍ في «كتاب الأموال» عن مجاهدٍ عنه: (يُعْتِقُ) الرَّجل، بضمِّ التَّحتيَّة وكسر الفوقيَّة (مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ) الرَّقبة (وَيُعْطِي) منها (فِي الحَجِّ) المفروض للفقير، وبه قال أحمد محتجًّا بقول ابن عبَّاسٍ هذا مع عدم ما يدفعه، ثمَّ رجع عنه -كما في رواية الميمونيِّ- لاضطرابه؛ لكونه اختُلِف في إسناده على الأعمش، ومن ثمَّ لم يجزم به المؤلِّف، بل أورده بصيغة التَّمريض؛ لكن جزم المرداويُّ بصحَّته في العتق والحجِّ، وعلى قوله الفتوى عند الحنابلة.

стр. 3473

(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ: (إِنِ اشْتَرَى أَبَاهُ مِنَ الزَّكَاةِ جَازَ) هذا بمفرده (١) وصله ابن أبي شيبة بلفظ: سُئِل الحسن عن رجلٍ اشترى أباه من الزَّكاة فأعتقه، قال: اشترى خير الرِّقاب (وَيُعْطِي فِي المُجَاهِدِينَ) في سبيل الله (وَالَّذِي لَمْ يَحُجَّ) إذا كان فقيرًا (ثُمَّ تَلَا) الحسن قوله تعالى: (﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء﴾ الاية [التوبة: ٦٠]) ومفهوم تلاوته للآية (٢): أنَّه يرى أنَّ اللَّام في ﴿لِلْفُقَرَاء﴾ لبيان المصرف لا للتَّمليك، فلو صرف الزَّكاة في صنفٍ واحدٍ كفى (فِي أَيِّهَا) أي: أيِّ مصرفٍ من المصارف الثَّمانية (أَعْطَيْتَ، أَجْزَأْتَ) بسكون الهمزة وفتح التَّاء، ولأبي ذرٍّ: «أَجْزَأَتْ»، بفتح الهمزة وسكون التَّاء، وفي بعض النُّسخ: «أجزت (٣)» بغير (٤) همزةٍ مع تسكين التَّاء، أي: قضت عنه، وفي بعضها: «أُجِرْتَ» بضمِّ الهمزة وسكون الرَّاء، من الأجر. (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) ممَّا يأتي موصولًا في هذا الباب -إن شاء الله تعالى-[خ¦١٤٦٨]: (إِنَّ خَالِدًا احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ) بفتح الرَّاء، وألفٌ بعدها، ولأبي ذرٍّ: «أدرُعه» بضمِّها من غير ألفٍ (وَيُذْكَرُ) بصيغة التَّمريض (عَنْ أَبِي لَاسٍ) بسينٍ مهملةٍ منوَّنةٍ بعد ألفٍ مسبوقةٍ بلامٍ، ولأبي الوقت زيادة: «الخزاعيِّ»، قال في «فتح الباري»، وتبعه العينيُّ: اختُلِف في اسمه، فقِيلَ: عبد الله، وقِيلَ: زياد بن عَنَمة، بمهملةٍ ونونٍ مفتوحتين، وكذا قال في «الإصابة»، وقال في «المقدِّمة» (٥): يُقال: اسمه: عبد الله بن عَنَمة، ولا يصحُّ، وقال في «تقريب التَّهذيب»: والصَّواب أنَّه غيره. انتهى. ولأبي لاسٍ هذا صحبةٌ وحديثان، هذا أحدهما، وقد وصله أحمد وابن خزيمة والحاكم (حَمَلَنَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ لِلْحَجِّ) (٦)، ولفظ أحمد: على إبلٍ من إبل الصَّدقة ضعافٍ للحجِّ، فقلنا: يا رسول الله، ما نرى (٧) أن تحمل هذه؟ فقال: «إنَّما يحمل الله … » الحديث، ورجاله ثقاتٌ إلَّا أنَّ فيه عنعنة ابن إسحاق، ولهذا توقَّف ابن المنذر في ثبوته، وأورده المؤلِّف بصيغة التَّمريض.

стр. 3474

١٤٦٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالصَّدَقَةِ) الواجبة أو صدقة التَّطوُّع، ورجَّحه بعضهم تحسينًا للظَّنِّ بالصَّحابة، إذ لا يُظَنُّ بهم منعُ الواجب، وعلى هذا فعذر خالدٍ واضحٌ؛ لأنَّه أخرج ماله في سبيل الله، فما بقي له مالٌ يحتمل المواساة، وتُعقِّب بأنَّهم ما منعوه جحدًا ولا عنادًا، أمَّا ابن جميلٍ، فقد قِيلَ: إنَّه كان منافقًا ثمَّ تاب بعد، كما حكاه المُهلَّب، قِيلَ: وفيه نزلت: ﴿وَمَا نَقَمُواْ﴾ … الآية إلى قوله: ﴿فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ [التوبة: ٧٤] فقال: استتابني الله، فتاب وصَلُحَ حاله، والمشهور نزولها في غيره (١)، وأمَّا خالدٌ، فكان متأوِّلًا بإجزاء ما حبسه عن الزَّكاة، فالظَّاهر أنَّها الصَّدقة الواجبة؛ لتعريف الصَّدقة باللَّام العهديَّة، وقال النَّوويُّ: إنَّه الصَّحيح المشهور، ويؤيِّده ما في رواية مسلمٍ من طريق ورقاء عن أبي الزِّناد: بعث رسول الله ﷺ عمر ساعيًا على الصَّدقة، فهو مشعرٌ بأنَّها صدقة الفرض؛ لأنَّ صدقة التَّطوُّع لا يُبعَث عليها السُّعاة، ولأبي ذرٍّ: «بصدقةٍ» (فَقِيلَ): القائل عمر ﵁؛ لأنَّه المرسَل (مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ) بفتح الجيم وكسر الميم، قال ابن منده: لم يُعرَف اسمه، ومنهم من سمَّاه حميدًا، وقِيلَ: عبد الله، وذكره الذَّهبيُّ فيمن عُرِف بأبيه ولم يُسَمَّ (وَخَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ) بالرَّفع في «عبَّاسُ» عطفًا على «وخالدُ» المعطوف على «ابنُ جميل» المرفوع على الفاعليَّة، زاد في رواية أبي عبيدٍ: «أن

стр. 3475

يعطوا»، وهو مُقدَّرٌ هنا؛ لأنَّ «منع» يستدعي مفعولًا، وقوله: «أن يعطوا» في محلِّ نصبٍ على المفعوليَّة، وكلمة «أن» مصدريَّةٌ، أي: مَنَعَ هؤلاءِ الإعطاءَ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بيانٌ لوجه الامتناع، ومن ثمَّ عبَّر بالفاء: (مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ) بكسر القاف، مضارع «نقَم» بالفتح، أي: ما يكره وينكر (إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللهُ وَرَسُولُهُ) من فضله بما أفاء الله على رسوله، وأباح لأمَّته من الغنائم ببركته ﵊، والاستثناء مُفرَّغٌ، فمحلُّ «أن» وصلتها نُصِبَ على المفعول به، أو على أنَّه مفعولٌ لأجله، والمفعول به حينئذٍ محذوفٌ، ومعنى الحديث -كما قاله غير واحدٍ-: أنَّه ليس ثَمَّ شيءٌ ينقم ابن جميلٍ، فلا موجب للمنع، وهذا ممَّا تقصد (١) العرب في مثله تأكيد النَّفي والمبالغة فيه بإثبات شيءٍ، وذلك الشَّيء لا يقتضي إثباته، فهو منتفٍ أبدًا، ويُسمَّى مثل ذلك عند البيانيِّين: تأكيد المدح بما يشبه الذَّمَّ وبالعكس، فَمِنَ الأوَّل: نحو قول الشَّاعر: ولا عيبَ فيهم غير أنَّ سيوفهم … بهنَّ فُلولٌ من قِراع (٢) الكتائبِ ومن الثَّاني: هذا الحديث وشبهه، أي: ما ينبغي لابن جميلٍ أن ينقم شيئًا إلَّا هذا، وهذا لا يوجب له أن ينقم شيئًا، فليس ثَمَّ شيءٌ ينقمه، فينبغي أن يعطي ممَّا أعطاه الله ولا يكفر بأنعمه. (وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا) عبَّر بالظَّاهر دون أن يقول: «تظلمونه» بالضَّمير على الأصل، تفخيمًا لشأنه وتعظيمًا لأمره، نحو: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣] والمعنى: تظلمونه بطلبكم منه زكاة ما عنده، فإنَّه (قَدِ احْتَبَسَ) أي: وقف قبل الحول (أَدْرَاعَهُ) جمع دِرْعٍ، بكسر الدَّال، وهو الزَّرديَّة (وَأَعْتُدَهُ) التي كانت للتِّجارة على المجاهدين (فِي سَبِيلِ اللهِ) فلا زكاة عليه فيها، وتاء «أعتُده» مضمومةٌ، جمع «عَتَدٍ» -بفتحتين-: ما يعدُّه (٣) الرَّجل من السِّلاح والدَّوابِّ وآلات الحرب، ولأبي ذرٍّ: «وأعتِده» بكسرها، قِيلَ: ورواه بعض رواة البخاريِّ: «وأعبده» بالمُوحَّدة جمع «عبدٍ»، حكاه عياضٌ، وهو موافقٌ لرواية: «واحتبس رقيقه»، ويحتمل أنَّه ﵊ لم يقبل قول من أخبره (٤) بمنع خالدٍ، حملًا على أنَّه لم يصرِّح بالمنع،

стр. 3476

وإنَّما نقله عنه، بناءً على ما فهمه، ويكون قوله ﵊: «تظلمون خالدًا» أي: بنسبتكم إيَّاه إلى المنع، وهو لم يمنع، وكيف يمنع الفرض وقد تطوَّع بوقف خيله وسلاحه؟! أو يكون ﵊ احتسب له ما فعله من ذلك من الزَّكاة؛ لأنَّه في سبيل الله، وذلك من مصارف الزَّكاة، لكن يلزم منه إعطاء الزَّكاة لصنفٍ واحدٍ، وهو قول مالكٍ وغيره؛ خلافًا للشَّافعيِّ في وجوب قسمتها على الأصناف الثَّمانية، وقد سبق استدلال البخاريِّ به على إخراج العروض في الزَّكاة، واستشكله ابن دقيق العيد بأنَّه إذا حُبِس (١) على جهةٍ مُعيَّنةٍ؛ تعيَّن صرفه إليها واستحقَّه أهلُ تلك الصِّفة مضافًا إلى جهة الحبس، فإن كان قد طلب من خالدٍ زكاة ما حبسه (٢) فكيف يمكن ذلك مع تعيُّن ما حبسه لمصرفه؟ وإن كان طلب منه زكاة المال الذي لم يحبسه من العين والحرث والماشية فكيف يُحاسَب بما وجب عليه في ذلك؟ وقد تعيَّن صرف ذلك المحبس إلى جهته، ثمَّ انفصل عن ذلك باحتمال أن يكون المراد بالتَّحبيس الإرصاد لذلك لا الوقف، فيزول الإشكال، لكنَّ هذا الإشكال إنَّما يتأتَّى على القول بأنَّ المراد بالصَّدقة المفروضةُ، أمَّا على القول بأنَّ المرادَ التَّطوُّعُ، فلا إشكال كما لا يخفى. (وَأَمَّا العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَعَمُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) وللحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «عمُّ» بغير فاءٍ، وفي وصفه بأنَّه عمُّه تنبيهٌ على تفخيمه واستحقاق إكرامه، ودخول اللَّام على «عبَّاسٍ» مع كونه علمًا؛ لِلَمْحِ الصِّفة (فَهْيَ) أي: الصَّدقة المطلوبة منه (عَلَيْهِ صَدَقَةٌ) ثابتةٌ سيتصدَّق بها (وَمِثْلُهَا مَعَهَا) أي: ويضيف إليها مثلها كرمًا منه، فيكون النَّبيُّ ﷺ ألزمه بتضعيف صدقته؛ ليكون ذلك أرفعَ لقدره وأنبهَ لذكره وأنفى للذَّبِّ (٣) عنه، أو المعنى: أنَّ أمواله كالصَّدقة عليه؛ لأنَّه استدان في مُفاداة نفسه وعقيلٍ، فصار من الغارمين الذين لا تلزمهم الزَّكاة، وهذا التَّأويل على تقدير ثبوت لفظة (٤) «صدقة»، واستبعدها البيهقيُّ؛ لأنَّ العبَّاس من بني هاشمٍ فتحرم عليهم الصَّدقة، أي (٥): وظاهر هذا الحديث أنَّها صدقةٌ عليه ومثلها معها،

стр. 3477

فكأنَّه أخذها منه وأعطاها له، وحمل غيره: على أنَّ ذلك كان قبل تحريم الصَّدقة على آله ﵊، وفي رواية مسلمٍ من طريق ورقاء: «وأمَّا العبَّاس فهي عليَّ ومِثْلُها معها (١)» ثمَّ قال: «يا عمر، أما (٢) شعرت أنَّ عمَّ الرَّجل صِنْوُ أبيه؟» فلم يقل فيه: صدقةٌ، بل فيه دلالةٌ على أنَّه ﷺ التزم بإخراج ذلك عنه؛ لقوله: «فهي عليَّ»، ويرجِّحه قوله: «إنَّ عمَّ الرَّجل صِنْو أبيه» أي: مِثْلُه، ففي هذه اللَّفظة إشعارٌ بما ذكرنا، فإنَّ كونه صنو الأب يناسب أن يحمل عنه، أي: هي عليَّ إحسانًا إليه وبرًّا به، هي عندي قرضٌ (٣)؛ لأنِّي استسلفت (٤) منه صدقة عامين، وقد وَرَد ذلك صريحًا في حديث عليٍّ عند التِّرمذيِّ، لكن في إسناده مقالٌ، وفي حديث ابن عبَّاسٍ عند الدَّارقطنيِّ بإسنادٍ فيه ضعفٌ: بعث النَّبيُّ ﷺ عمر ساعيًا، فأتى العبَّاسَ فأغلظَ له، فأخبرَ النَّبيَّ ﷺ ، فقال: «إنَّ العبَّاس قد استلفنا (٥) زكاة ماله العامَ والعامَ المُقْبِل». وعن الحكم بن عقبة (تَابَعَهُ) أي: تابع شعيبًا (٦) (ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ) عبدُ الرَّحمن (عَنْ أَبِيهِ) أبي الزِّناد عبد الله بن ذكوان، على ثبوت لفظ «الصَّدقة»، وهذا وصله أحمد وغيره، وذلك يردُّ على الخطَّابيِّ، حيث قال: إنَّ لفظ «الصَّدقة» لم يتابع عليها شعيب بن أبي حمزة -كما ترى-، وكذا تابعه موسى بن عقبة، فيما رواه النَّسائيُّ (وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ) محمَّد إمام المغازي، فيما وصله الدَّارقطنيُّ (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان: (هِيَ عَلَيْهِ وَمِثْلُهَا مَعَهَا) من غير ذكر «الصَّدقة» (وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك: (حُدِّثْتُ) بضمِّ الحاء مبنيًّا للمفعول (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن (بِمِثْلِهِ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «مثله» أي: مثل رواية ابن إسحاق، بدون لفظ الصَّدقة، وهي أَوْلى؛ لأنَّ العبَّاس لا تحلُّ له الصَّدقة -كما مرَّ-، ورواية ابن جريجٍ هذه وصلها عبد الرَّزَّاق في «مُصنَّفه»، لكنَّه خالف النَّاس في ابن جميلٍ، فجعل مكانه أبا جهم بن حذيفة.

стр. 3478

(٥٠) (بابُ الاِسْتِعْفَافِ عَنِ المَسْأَلَةِ) في غير المصالح الدِّينيَّة. ١٤٦٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ) بالمُثلَّثة، و «يزيد» من الزِّيادة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ) قال الحافظ (١) ابن حجرٍ: لم أعرف اسمهم، لكن في حديث النَّسائيِّ ما يدلُّ على أنَّ أبا سعيدٍ المذكور منهم (سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ) زاد أبو ذرٍّ: «ثمَّ سألوه فأعطاهم» (حَتَّى نَفِدَ) بكسر الفاء وبالدَّال (٢) المهملة، أي: فرغ وفني (مَا عِنْدَهُ فَقَالَ: مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ) «ما» موصولةٌ متضمِّنةٌ معنى الشَّرط، وجوابه: (فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ) بتشديد الدَّال المهملة، أي: لن أجعله ذخيرةً لغيركم، أو لن أحبسه وأخبأه وأمنعكم إيَّاه (وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ) بفاءين، وللحَمُّويي والمُستملي: «ومن يستعفَّ» بفاءٍ واحدةٍ مُشدَّدةٍ، أي: ومن طلب العفَّة عن السُّؤال (يُعِفَّهُ اللهُ) بنصب الفاء، أي: يرزقه الله العفَّة، أي: الكفَّ عن الحرام (٣)، ولأبي ذرٍّ: «يعفُّه الله» برفع الفاء (وَمَنْ يَسْتَغْنِ) يُظْهِر الغِنى (يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ) يعالج الصَّبر ويتكلَّفه على ضيق العيش وغيره من مكاره الدُّنيا، قال في «شرح المشكاة»: قوله: «يعفَّه الله» يريد: أنَّ من طلب من نفسه العفَّة عن السُّؤال، ولم يظهر الاستغناء يعفَّه الله، أي: يصيِّره عفيفًا، ومن ترقَّى من هذه المرتبة إلى ما هو أعلى من إظهار الاستغناء عن

стр. 3479

الخلق؛ لكن إن أُعطِي شيئًا لم يردَّه يملأ الله قلبه غنًى، ومن فاز بالقدح المُعلَّى وتصبَّر وإن أُعطِي لم يقبل، فهو هو؛ إذ الصَّبر جامعٌ لمكارم الأخلاق (يُصَبِّرْهُ اللهُ) يرزقه الله الصَّبر (وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، و «أحدٌ» رُفِعَ، نائبٌ عن الفاعل (عَطَاءً) نُصِبَ، مفعولٌ ثانٍ لـ «أُعطِي» (خَيْرًا) صفة «عطاءً» (وَأَوْسَعَ) عُطِفَ على «خيرًا» (مِنَ الصَّبْرِ) لأنَّه جامعٌ لمكارم الأخلاق، أعطاهم ﷺ لحاجتهم، ثمَّ نبَّههم على موضع الفضيلة (١). ١٤٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن (٢) بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: وَ) الله (الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) إنَّما حلف لتقوية الأمر وتأكيده (لأَنْ يَأْخُذَ) بلام التَّأكيد (أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ) وفي روايةٍ: «أحبله» بالجمع (فَيَحْتَطِبَ) بتاء الافتعال، وفي «مسلمٍ»: «فيحطب» بغير تاءٍ، أي: فإن يحتطب، أي: يجمع الحطب (عَلَى ظَهْرِهِ) فهو (خَيْرٌ لَهُ) وليست «خيرٌ» هنا من «أَفْعَلَ» التَّفضيل، بل هي كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤] (مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا) أعطاه الله من فضله (فَيَسْأَلَهُ، أَعْطَاهُ) فحمَّله ثقل المنَّة مع ذلِّ السُّؤال (أَوْ مَنَعَهُ) فاكتسب الذُّلَّ والخيبة والحرمان، أعاذنا الله من كلِّ سوءٍ.

стр. 3480

١٤٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو (١) وفتح الهاء، ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنِ الزُّبَيْرِ) أبيه (بْنِ العَوَّامِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ) بالإفراد أيضًا، واللَّام في «لَأنْ» ابتدائيَّةٌ، أو جواب قسمٍ محذوفٍ (فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الحَطَبِ) بالتَّعريف، و «حُزْمة» بضمِّ المهملة وسكون الزَّاي، ولأبي ذرٍّ: «بحزمة حطبٍ» (عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ) بنصب الفعلين (اللهُ) أي: فيمنع الله (بِهَا وَجْهَهُ) من أن يريق ماءه بالسُّؤال، قاله المظهريُّ، ومن فوائد الاكتساب الاستغناءُ والتَّصدُّق كما في «مسلمٍ»، فيتصدَّق به ويستغني عن النَّاس فهو (خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ) أي: من سؤال النَّاس ولو كان الاكتساب بعملٍ شاقٍّ كالاحتطاب، وقد رُوِي عن عمر -فيما ذكره ابن عبد البرِّ-: مكسبةٌ فيها بعض الدَّناءة خيرٌ من مسألة النَّاس (أَعْطَوْهُ) ما سأل (أَوْ مَنَعُوهُ) وفي الحديث: فضيلة الاكتساب بعمل اليد، وقد ذكر بعضهم: أنَّه أفضل المكاسب، وقال الماورديُّ: أصول المكاسب (٢) الزِّراعة والتِّجارة والصِّناعة، قال: ومذهب الشَّافعيِّ (٣): أنَّ التِّجارة أطيب، والأشبه عندي: أنَّ الزِّراعة أطيب؛ لأنَّها أقرب إلى التَّوكُّل، قال النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب»: في «صحيح البخاريِّ»، عن المِقْدام بن مَعدِ يْكَرب عن النَّبيِّ ﷺ قال: «ما أكل أحدٌ طعامًا قطُّ خيرًا من أن يأكل من عمل يده … » الحديث [خ¦٢٠٧٢] فالصَّواب ما نصَّ عليه الرَّسول ﷺ ، وهو عمل اليد، فإذا (٤) كان زَرَّاعًا فهو أطيب المكاسب وأفضلها؛ لأنَّه عمل يده، ولأنَّ فيه توكُّلًا، كما ذكره الماورديُّ، ولأنَّ فيه نفعًا عامًّا للمسلمين والدَّوابِّ (٥)، ولأنَّه لابدَّ في العادة أن يُؤكَل منه بغير عوضٍ، فيحصل له أجره، وإن لم يكن ممَّن يعمل بيده، بل يعمل له غلمانه وأجراؤه، فاكتسابه بالزِّراعة أفضل؛ لِما ذكرنا، وقال في «الرَّوضة» بعد ذكر (٦) حديث المقدام هذا: فهذا (٧) صريحٌ في ترجيح الزِّراعة

стр. 3481

والصَّنعة؛ لكونهما من عمل يده، ولكنَّ الزِّراعة أفضلُهما؛ لعموم النَّفع بها للآدميِّ وغيره، وعموم الحاجة إليها، والله أعلم. وغاية ما في حديث هذا الباب (١): تفضيل الاحتطاب على السُّؤال، وليس فيه أنَّه أفضل المكاسب، فلعلَّه ذكره لتيسُّره -لا سيَّما في بلاد الحجاز- لكثرة ذلك فيها. ١٤٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح العين المهملة وسكون المُوحَّدة، عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد، الأيليُّ (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ) بفتح الحاء (٢) المهملة في الأوَّل، وكسرها في الثَّاني، وتخفيف الزَّاي المعجمة (¬﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي) بتكرير الإعطاء ثلاثًا (ثُمَّ قَالَ: يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا المَالَ) في الرَّغبة والميل إليه وحرص النُّفوس عليه، كالفاكهة التي هي (خَضِرَةٌ) في المنظر (حُلْوَةٌ) في الذَّوق، وكلٌّ منهما يُرغَب فيه على انفراده، فكيف إذا اجتمعا؟! وقال في «التَّنقيح»: تأنيث الخبر تنبيهٌ على أنَّ المبتدأ مُؤنَّثٌ، والتَّقدير: أنَّ صورة هذا المال، أو يكون التَّأنيث للمعنى؛ لأنَّه اسمٌ جامعٌ لأشياء كثيرةٍ، والمراد بالخضرة: الرَّوضة الخضراء أو الشَّجرة النَّاعمة، والحلوة المستحلاة الطَّعم، قال في «المصابيح»: إذا كان

стр. 3482

قوله: «خَضِرَةٌ» صفةً للرَّوضة، أو المراد بها نفس الرَّوضة الخضرة؛ لم يكنْ ثمَّ إشكالٌ ألبتَّة، وذلك أنَّ توافق المبتدأ والخبر في التَّأنيث إنَّما يجب إذا كان الخبر صفةً مُشتقَّةً غير سببيَّةٍ، نحو: هندٌ حسنةٌ، أو في حكمها، كالمنسوب، أمَّا في الجوامد فيجوز نحو: هذه الدَّار مكانٌ طيِّبٌ، وزيدٌ نسمةٌ عجيبةٌ. انتهى. (فَمَنْ أَخَذَهُ) أي: المال، وللحَمُّويي: «فمن أخذ» (بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ) من غير حرصٍ عليه، أو بسخاوة نفس المعطي (بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ) أي: مكتسبًا له بطلب النَّفس وحرصها عليه وتطلُّعها إليه (لَمْ يُبَارَكْ لَهُ) أي: الآخذ (١) (فِيهِ) أي: في المُعطَى (وكان) أي (٢): الآخذ (كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ) أي: كذي الجوع الكاذب، بسبب سقمٍ من غلبة خلطٍ سوداويٍّ أو آفةٍ، ويُسمَّى جوع الكلب، كلمَّا ازداد أكلًا ازداد جوعًا، فلا يجد شبعًا ولا ينجع فيه الطَّعام. وقال في «شرح المشكاة»: لمَّا وصف المال بما تميل إليه النَّفس الإنسانيَّة بجبلَّتها، رتَّب عليه بالفاء أمرين: أحدهما: تركه مع ما هي مجبولةٌ عليه (٣) من الحرص والشَّره والميل إلى الشَّهوات، وإليه أشار بقوله: «ومن أخذه بإشراف نفسٍ»، وثانيهما: كفُّها (٤) عن الرَّغبة فيه (٥) إلى (٦) ما عند الله من الثَّواب، وإليه أشار بقوله: «بسخاوة نفسٍ»، فكنَّى في الحديث بالسَّخاوة عن كفِّ النَّفس عن الحرص والشَّره؛ كما كنَّى في الآية بتوقِّي النَّفس من الشُّحِّ والحرص المجبولة عليه (٧) عن (٨) السَّخاء؛ لأنَّ من توقَّى من

стр. 3483

(١) الشُّحَّ يكون سخيًّا (٢) مفلحًا في الدَّارين، ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦]. وسقط من «اليونينيَّة» -كما نبَّه عليه بحاشية فرعها- لفظة: «وكان» فإمَّا أن يكون سهوًا أو الرِّواية كذلك (اليَدُ العُلْيَا) المنفقة (خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى) السَّائلة (فقَالَ حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَا أَرْزَأُ) بفتح الهمزة وسكون الرَّاء وفتح الزَّاي وضمِّ الهمزة، أي: لا أنقص (أَحَدًا بَعْدَكَ) أي: بعد سؤالك أو لا أرزأ غيرك (شَيْئًا) من ماله، أي: لا آخذ من أحدٍ شيئًا بعدك، وفي رواية إسحاق: «قلت: فوالله، لا تكون يدي بعدك تحت أيدي العرب» (حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (¬﵁ يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى العَطَاءِ فَيَأْبَى) أي: يمتنع (أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ) خوف الاعتياد، فتتجاوز به نفسه إلى ما لا يريد، ففطمها عن ذلك وترك ما يَريبه إلى ما لا يَريبه (ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ) ابن الخطَّاب (¬﵁ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى) أي: امتنع (أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا، فَقَالَ عُمَرُ) لمن حضره مبالغةً في براءة سيرته العادلة من الحيف والتَّخصيص والحرمان بغير مُستَندٍ: (إِنِّي أُشْهِدُكُمْ -يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ- عَلَى حَكِيمٍ أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ هَذَا الفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ) فيه: أنَّه لا يستحقُّ من بيت المال شيئًا إلَّا بإعطاء الإمام، ولا يُجبَر أحدٌ على الأخذ، وإنَّما أشهد عمر على حكيمٍ (٣) لِما مرَّ (فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى تُوُفِّي) لعشر سنين من إمارة معاوية مبالغةً في الاحتراز؛ إذ مقتضى الجبلَّة الإشراف (٤) والحرص، والنَّفس سرَّاقةٌ، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. قال النَّوويُّ: اتَّفق العلماء على النَّهي عن السُّؤال من غير ضرورةٍ، واختلف أصحابنا في مسألة القادر على الكسب على وجهين: أصحُّهما أنَّها (٥) حرامٌ؛ لظاهر الأحاديث، والثَّاني: حلالٌ مع الكراهة بثلاثة شروطٍ: ألَّا يذلَّ نفسه ولا (٦) يلحَّ في السُّؤال ولا يؤذي المسؤول، فإن فُقِد واحدٌ (٧) من هذه الشُّروط؛ فحرامٌ بالاتِّفاق. انتهى. وقد مثَّل (٨) القاضي أبو بكر ابن العربيِّ للواجب بالمريدين في

стр. 3484

ابتداء أمرهم، ونازعه العراقيُّ بأنَّه لا يُطلَق على سؤال المريدين في ابتدائهم اسم الوجوب، وإنَّما جرت عادة المشايخ (١) في تهذيب أخلاق المبتدئين بفعل ذلك؛ لكسر أنفسهم إذا كان في ذلك إصلاحُهم، فأمَّا الوجوب الشَّرعيُّ فلا، وفي حديث ابن الفِرَاسِيِّ (٢) ممَّا رواه أبو داود والنَّسائيُّ أنَّه قال: يا رسول الله، أسأل؟ فقال: «لا، وإن كنت سائلًا لا بدَّ، فاسأل الصَّالحين» أي: من أرباب الأموال الذين لا يمنعون ما عليهم من الحقِّ، وقد لا يعلمون المستحقَّ من غيره، فإذا عرفوا بالسُّؤال المحتاج أعطَوه ممَّا عليهم من حقوق الله، أو المراد: من يُتبرَّك بدعائهم وتُرجَى إجابتهم، وحيث جاز السُّؤال، فيجتنب فيه الإلحاح والسُّؤال بوجه الله تعالى (٣) لحديث «المعجم الكبير» عن أبي موسى بإسنادٍ حسنٍ عنه ﷺ أنَّه قال: «ملعونٌ من سأل بوجه الله، وملعونٌ من سُئِل بوجه الله، فمنع سائله ما لم يسأل هجرًا». وفي حديث الباب التَّحديثُ والإخبار والعنعنة، وثلاثةٌ من التَّابعين، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الوصايا» [خ¦٢٧٥٠] وفي «الخمس» [خ¦٣١٤٣] و «الرِّقاق» [خ¦٦٤٤١]، ومسلمٌ في «الزَّكاة»، والتِّرمذيُّ في «الزُّهد»، والنَّسائيُّ في «الزَّكاة». (٥١) (بابٌ مَنْ أَعْطَاهُ اللهُ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ) فليقبله (﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ﴾) أي: المتَّقين المذكورين قبل هذه الآية (﴿حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩]) المتعفِّف الذي لا يسأل، رواه الطَّبريُّ من طريق ابن شهابٍ، وفي رواية المُستملي تقديم الآية، وسقطت للأكثر؛ كذا قاله في «الفتح»، والذي في الفرع وأصله: «باب من أعطاه (٤) الله شيئًا من غير مسألةٍ ولا إشراف نفسٍ»، وفي هامشها لأبي ذرٍّ عن المُستملي: «بابٌ» بالتَّنوين «﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾».

стр. 3485

١٤٧٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الكاف، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) ابن سعدٍ الإمام (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ) ابن شهابٍ (١) (الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ) أبي (عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ (يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ (٢) ﷺ يُعْطِينِي العَطَاءَ) أي: بسبب العُمالة -كما في «مسلمٍ» - لا من الصَّدقات، فليست من جهة الفقر (فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي) عبَّر بـ «أفقر» ليفيد نكتةً حسنةً، وهي كون الفقير هو الذي يملك شيئًا ما؛ لأنَّه إنَّما يتحقَّق فقيرٌ وأفقرُ؛ إذا كان الفقير له شيءٌ يقلُّ ويكثر، أمَّا لو كان الفقير هو الذي لا شيء له ألبتَّة؛ لكان (٣) الفقراء كلُّهم سواءً ليس فيهم أفقر، قاله صاحب «المصابيح» (فَقَالَ) ﵊: (خُذْهُ) أي: بالشَّرط المذكور بعد، وزاد في رواية شُعيبٍ عن الزُّهريِّ في «الأحكام» [خ¦٧١٦٣]: «فتموَّله وتصدَّق به» أي: اقبله وأدخله في ملكك ومالك، وهو يدلُّ على أنَّه ليس من أموال الصَّدقات؛ لأنَّ الفقير لا ينبغي أن يأخذ من الصَّدقات ما يتَّخذه مالًا (إِذَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا المَالِ شَيْءٌ) أي: من جنس المال (وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ) بسكون الشِّين المعجمة بعد الميم المضمومة، والجملة حاليَّةٌ، أي: غير طامعٍ، والإشراف أن يقول مع نفسه: يبعث إليَّ فلانٌ بكذا (وَلَا سَائِلٍ) أي: ولا طالبٍ له، وجواب الشَّرط في قوله: «إذا جاءك» قولُه: (فَخُذْهُ) وأطلق الأخذ أوَّلًا وعلَّقه (٤) ثانيًا بالشَّرط، فحمل المُطلَق على المُقيَّد، وهو مُقيَّدٌ أيضًا بكونه حلالًا، فلو شكَّ فيه فالاحتياط الرَّدُّ، وهو الورع نعم يجوز أخذه عملًا بالأصل، وقد رهن الشَّارع ﵊ درعه عند يهوديٍّ، مع

стр. 3486

علمه بقوله تعالى في اليهود: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] وكذلك أخذ منهم الجزية مع العلم بأنَّ أكثر أموالهم من ثمن الخنزير والخمر والمعاملة الفاسدة، وقِيلَ: يجب أن يُقبَل من السُّلطان دون غيره، لحديث سَمُرَة المرويِّ في «السُّنن»: «إلَّا أن يسأل ذا سلطانٍ» (وَمَا لَا) يكون على هذه الصِّفة بأن لم يجئ إليك، ومالت نفسك إليه (فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ) في الطَّلب واتركه، وأخرجه المؤلِّف أيضًا [خ¦٧١٦٣]، ومسلمٌ في «الزَّكاة»، وكذا النَّسائيُّ. (٥٢) (بَابُ مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكَثُّرًا) نُصِب على المصدر، أي: سؤال تكثُّرٍ، أي: مستكثر المال بسؤاله لا يريد به سدَّ الخَلَّة، قاله في «التَّنقيح»، أو نُصِب على الحال، إمَّا بأن يُجعَل المصدر نفسه حالًا على جهة المبالغة، نحو: زيدٌ عدلٌ، أو بأن يُقدَّر مُضافٌ، أي: ذا تكثُّرٍ، ويجوز أن يكون منصوبًا على المصدر التَّأكيديِّ لا النَّوعيِّ، أي: يتكثَّر تكثُّرًا، والجملة الفعليَّة حالٌ أيضًا، قاله في «المصابيح»، وجواب الشَّرط محذوفٌ، أي: من سأل لأجل التَّكثُّر (١) فهو مذمومٌ. ١٤٧٤ - ١٤٧٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ) بضمِّ العين وفتح المُوحَّدة مُصغَّرًا، واسم أبي جعفرٍ: يسارٌ (قَالَ: سَمِعْتُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بالحاء المهملة والزَّاي، و «عُمَر»: بضمِّ العين وفتح الميم (قَالَ: سَمِعْتُ)

стр. 3487

أبي (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (١) ﷺ : مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ) أي: تكثُّرًا، وهو غنيٌّ (حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ) بل كلُّه عظمٌ، و «مُزْعَة»: بضمِّ الميم وسكون الزَّاي وفتح العين المهملة، وزاد في «القاموس»: كسر الميم، وحكى ابن التِّين: فتح الميم والزَّاي، القطعة من اللَّحم أو النُّتفة منه، وخصَّ الوجه لمشاكلة العقوبة في موضع الجناية من الأعضاء لكونه أذلَّ وجهه بالسُّؤال، أو أنَّه يأتي ساقط القدر والجاه، وقد يؤيِّده حديث مسعود بن عمرو عند الطَّبرانيِّ والبزَّار مرفوعًا: «لا يزال العبد يسأل، وهو غنيٌّ، حتَّى يَخْلَقَ وجهُه، فلا يكون له عند الله وجهٌ»، وقال التُّورِبِشْتِيُّ: قد عرَّفنا الله تعالى أنَّ الصُّور في الدَّار الآخرة تختلف باختلاف المعاني، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] فالذي يبذل وجهه لغير الله في الدُّنيا من غير بأسٍ وضرورةٍ، بل للتَّوسُّع والتَّكثُّر (٢) يصيبه شينٌ في وجهه بإذهاب اللَّحم عنه؛ ليظهر للنَّاس عنه صورة المعنى الذي خفي عليهم منه. انتهى. ولفظ «النَّاس» يعمُّ المسلم وغيره، فيُؤخَذ منه جوازُ سؤال غير المسلم، وكان بعض الصَّالحين إذا احتاج يسأل ذمِّيًّا لئلَّا يُعاقَب المسلم بسببه لو ردَّه (٣)، قاله ابن أبي جمرة، وظاهر قوله: «ما يزال الرَّجل يسأل … » إلى آخره، الوعيدُ لمن سأل سؤالًا كثيرًا، والمؤلِّف فهم أنَّه وعيدٌ لمن سأل تكثُّرًا، والفرق بينهما ظاهرٌ، فقد يسأل الرَّجل دائمًا وليس متكثِّرًا لدوام افتقاره واحتياجه، لكنَّ القواعد تبيِّن أنَّ المُتوعَّد هو السَّائل عن غنًى وكثرةٍ؛ لأنَّ سؤال الحاجة مباحٌ، وربَّما ارتفع عن هذه الدَّرجة، وعلى هذا نزَّل البخاريُّ الحديث، قاله في «المصابيح»، وسبقه إليه ابن المُنيِّر في «الحاشية». (وَقَالَ) ﵊: (إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو) أي: تقرب (يَوْمَ القِيَامَةِ) فيسخن النَّاس من دنوِّها فيعرقون (حَتَّى يَبْلُغَ العَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ) فإن قلت: ما وجه اتِّصال قوله: «إنَّ الشَّمس … » إلى آخره بما سبق؟ أُجيب بأنَّ (٤) الشَّمس إذا دنت يكون أذاها لمن لا لحم له في

стр. 3488

وجهه أكثر وأشدَّ من غيره (فَبَيْنَا (١) هُمْ كَذَلِكَ) أصله «بين»، فزِيدت الألف بإشباع فتحة النُّون، وهو ظرفٌ بمعنى المفاجأة، ويحتاج إلى جوابٍ يتمُّ به المعنى، وهو هنا قوله: (اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ، ثُمَّ) استغاثوا (بِمُوسَى، ثُمَّ) استغاثوا (بِمُحَمَّدٍ ﷺ ¬) فيه اختصارٌ إذ يُستغاث أيضًا بغير ما (٢) ذُكِر من الأنبياء كما لا يخفى. (وَزَادَ عَبْدُ اللهِ) بن صالحٍ كاتب اللَّيث، أو عبد الله بن وهبٍ، فيما ذكره ابن شاهين، فيما وصله البزَّار والطَّبرانيُّ في «الأوسط» وابن منده في «الإيمان» له: قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ (قال: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ) عبيد الله، بتصغير «عبد» (فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الخَلْقِ، فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ البَابِ) بسكون لام «حلْقة»، والمراد: حلقة باب الجنَّة (فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللهُ مَقَامًا مَحْمُودًا) هو مقام الشَّفاعة العظمى (يَحْمَدُهُ أَهْلُ الجَمْعِ) أي: أهل المحشر (كُلُّهُمْ). وحديث الباب أخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ. (وَقَالَ مُعَلًّى) بضمِّ الميم وفتح العين المهملة وتشديد اللَّام، مُنوَّنًا (٣) عند أبي ذرٍّ، ابن أسدٍ، ممَّا وصله البيهقيُّ: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) تصغير «وهبٍ» (عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ مُسْلِمٍ، أَخِي) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ) بن عبد الله بن عمر، أنَّه (سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي المَسْأَلَةِ) أي: في الجزء الأوَّل من الحديث دون الزِّيادة، وآخره: «مزعة لحمٍ». (٥٣) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]) أي: إلحاحًا؛ وهو أن

стр. 3489

يلازم المسؤولَ حتَّى يعطيه، من قولهم: لحفني من فضل لحافه، أي: أعطاني من فضل ما عنده، ومعناه: أنَّهم لا يسألون، وإن سألوا عن ضرورةٍ لم يلحُّوا، وقِيلَ: هو نفيٌّ للسُّؤال والإلحاح، كقوله: على لاحبٍ لا يُهتَدى بمنارهِ فمراده لا منار ولا اهتداء (١) به، ولا ريب أنَّ نفي السُّؤال والإلحاح أدخل في التَّعفُّف (وَكَمِ الغِنَى) أي: مقداره المانع للرَّجل من السُّؤال، وليس في الباب ما فيه تصريحٌ بالقدر، إمَّا لكونه لم يجد ما هو على شرطه، أو اكتفاءً بما يُستفاد من قوله في الحديث الآتي -إن شاء الله تعالى-[خ¦١٤٧٩]: «ولا يجد» أي (٢): الرَّجل «غنًى يغنيه». وعن سهل ابن الحنظليَّة مرفوعًا: «من سأل وعنده ما يغنيه، فإنَّما يستكثر من النَّار»، قال النُّفيليُّ (٣) -أحد رواته- قالوا: وما الغنى الذي لا ينبغي معه المسألة؟ قال: «قدر ما يُغدِّيه (٤) ويعشِّيه»، رواه أبو داود، وعند ابن خزيمة: «أن يكون له شبعُ يومٍ وليلةٍ أو ليلةٍ ويومٍ»، قال الخطَّابيُّ: اختلف النَّاس في تأويل حديث سهلٍ، فقِيلَ: من وجد غداء يومه وعشاءه، لم تحلَّ له المسألة على ظاهر الحديث، وقِيلَ: إنَّما هو فيمن وجد غداءً وعشاءً على دائم الأوقات، فإذا كان عنده ما يكفيه لقوته المدَّة الطَّويلة، حَرُمَت عليه المسألة، وقِيلَ: إنَّه منسوخٌ بالأحاديث التي فيها تقدير الغنى بملك خمسين درهمًا أو قيمتها، أو بملك أوقيةٍ أو قيمتها، وعُورِض بأنَّ ادِّعاء النَّسخ مشتركٌ بينهما؛ لعدم العلم بسبق أحدهما على الآخر. (وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بجرِّ «قولِ» أي: في حديث أبي

стр. 3490

هريرة الآتي في هذا الباب [خ¦١٤٧٩]-إن شاء الله تعالى-: (وَلَا يَجِدُ) أي: الرَّجل (غِنًى يُغْنِيهِ) بكسر غين «غِنًى» والقصر، ضدَّ الفقر، زاد أبو ذرٍّ: «لقول الله تعالى»: (﴿لِلْفُقَرَاء﴾) متعلِّقٌ بمحذوفٍ، أي: اعمدوا (١) للفقراء أو اجعلوا ما تنفقون للفقراء أو صدقاتكم للفقراء (﴿الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾) أحصرهم الجهاد (﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ﴾) أي: ذهابًا فيها للتِّجارة والكسب، وقِيلَ: هم أهل الصُّفَّة، كانوا نحوًا من أربع مئةٍ من فقراء المهاجرين، يسكنون صفَّة المسجد، يستغرقون أوقاتهم بالتَّعلُّم (٢) والعبادة، وكانوا يخرجون في كلِّ سريَّةٍ يبعثها رسول الله ﷺ ، ووصفُهم بعدم استطاعة الضَّرب في الأرض يدلُّ على عدم الغنى؛ إذ من استطاع ضربًا فيها، فهو واجدٌ لنوعٍ من الغنى (إِلَى قَولِهِ: ﴿فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٧٣]) ترغيبٌ في الإنفاق خصوصًا على هؤلاء، وسقط قوله: «﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ﴾» في غير رواية أبي ذرٍّ. ١٤٧٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم، السُّلَمِيُّ البصريُّ الأنماطيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قال: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَيْسَ المَِسْكِينُ) بكسر الميم وقد تُفتَح، أي: الكامل في المسكنة (الَّذِي تَرُدُّهُ الأُكْلَةُ وَالأُكْلَتَانِ) عند طوافه على النَّاس للسُّؤال؛ لأنَّه قادرٌ على تحصيل قُوتِه، وربَّما يقع له زيادةٌ عليه، وليس المراد نفي المسكنة عن الطَّوَّاف، بل نفي كمالها؛ لأنَّهم أجمعوا على أنَّ السَّائل الطَّوَّاف المحتاج مسكينٌ، وهمزة «الأُكلة» و «الأُكلتان» مضمومةٌ، أي: اللُّقمة واللُّقمتان، كما صرَّح به في الرِّواية الأخرى [خ¦١٤٧٩] تقول: «أكلت أكلةً واحدة» أي: لقمةً،

стр. 3491

وأمَّا بالفتح، فالأكل (١) مرَّة واحدةً حتَّى يشبع (وَلَكِنَِّ المِسْكِينَُ) الكامل، بتخفيف نون «لكنْ»، فـ «المسكينُ» مرفوعٌ وبتشديدها، فـ «المسكينَ» منصوبٌ، والأخيرة لأبي ذرٍّ (٢) (الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى) بكسر الغين، مقصورًا، أي: يسارٌ، وزاد الأعرج [خ¦١٤٧٩]: «يغنيه»، وهي صفةٌ له، وهو قدرٌ زائدٌ على اليسار، إذ لا يلزم من حصول اليسار للمرء أن يغنى به بحيث (٣) لا يحتاج إلى شيءٍ آخر، واللَّفظ محتملٌ لأن يكون المراد نفي أصل اليسار، ولأن يكون المراد نفي اليسار المُقيَّد بأنه (٤) يغنيه مع وجود أصل اليسار، وعلى الاحتمال الثَّاني ففيه: أنَّ المسكين هو الذي يقدر على مالٍ أو كسبٍ يقع موقعًا من حاجته، ولا يكفيه كثمانيةٍ من عشرةٍ، وهو حينئذٍ أحسن حالًا من الفقير، فإنَّه الذي لا مال له أصلًا، أو يملك ما لا يقع موقعًا (٥) من كفايته كثلاثةٍ من عشرةٍ، واحتجُّوا له بقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩] فسمَّاهم مساكين (٦) مع أنَّ لهم سفينةً، لكنَّها لا تقوم بجميع حاجتهم (وَيَسْتَحْيِي) بياءين أو بياءٍ واحدةٍ، زاد همَّامٌ: «أن يسأل النَّاس»، وزاد الأعرج [خ¦١٤٧٩]: «ولا يُفطَن له» (أَوْ لَا يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا) نُصِبَ على الحال، أي: ملحفًا (٧)، أو صفةُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: سؤال الإلحاف (٨)، أو عامله محذوفٌ، أي: ولا يلحف إلحافًا.

стр. 3492

١٤٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الدَّورقيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو إسماعيل بن (١) إبراهيم، وعُلَيَّة -بضمِّ العين وفتح اللَّام وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة-: اسم أمِّه، قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ) بفتح الحاء المهملة وتشديد الذَّال المعجمة، ممدودٌ (٢)، البصريُّ (عَنِ ابْنِ أَشْوَعَ) بفتح الهمزة وسكون الشِّين المعجمة وفتح الواو، آخره عينٌ مهملةٌ غير منصرفٍ، واسمه: سعيد بن عمرو بن أَشْوَعَ، الهَمْدانيُّ قاضي الكوفة (٣)، ونُسِبَ (٤) لجدِّه، وثَّقه ابن معينٍ والنَّسائيُّ والعجليُّ وإسحاق بن رَاهُوْيَه، ورماه الجوزجانيُّ (٥) بالتَّشيُّع، لكن احتجَّ به الشَّيخان والتِّرمذيُّ، له عنده حديثان؛ أحدهما متابعةٌ [خ¦٥٢/ ٢٨ - ٤١٩٠] ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ابن الأشوع» (عَنِ الشَّعْبِيِّ) بفتح المعجمة، عامر بن شراحيل (قال: حَدَّثَنِي) بالإفراد (كَاتِبُ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) ومولاه وَرَّادٍ؛ بفتح الواو وتشديد الرَّاء وبالدَّال المهملة آخرُه (قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان ﵄ (إِلَى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) ﵁ (أَنِ اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «من النَّبيِّ» (¬ ﷺ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ) يجوز أن يكونا ماضيين، وأن يكونا مصدرين (٦)، وكُتِبا بغير ألفٍ على لغة ربيعة، والمراد المقاولة بلا ضرورةٍ وقصد ثوابٍ، فإنَّها تقسِّي القلوب، أو المراد ذكر الأقوال الواقعة في الدِّين؛ كأن يقول: قال الحكماء كذا، وقال أهل السُّنَّة كذا، من غير بيان ما هو الأقوى، ويقلِّد من سمعه من غير أن يحتاط، وقال في «المُحكَم»: القول: في الخير، والقيل والقال: في الشَّرِّ خاصَّةً، وقال في «المصابيح»: «قيل وقال» وما بعدها (٧) بدلٌ من «ثلاثًا». فإن قلت: «كَرِهَ» لا يتسلَّط على «قيل وقال» ضرورة أنَّ

стр. 3493

كلًّا منهما فعلٌ ماضٍ، فلا يصحُّ وقوعه مفعولًا به، فكيف صحَّ البدل بالنِّسبة إليهما؟ قلت: لا نسلِّم أنَّ واحدًا منهما فعلٌ، بل كلُّ واحدٍ منهما اسمٌ مسمَّاه الفعل الذي هو: «قيل» أو «قال»، وإنَّما فُتِحَ آخره على الحكاية، وذلك مثل قولك: ضرب: فعلٌ ماضٍ، ولهذا أخبر عنه، والإخبار عنه باعتبار مُسمَّاه، وهو «ضربَ» الذي يدلُّ على الحدث والزَّمان، وغاية الأمر أنَّ هذا لفظٌ مُسمَّاه لفظٌ، ولا نكير فيه، كأسماء السُّور وأسماء حروف المعجم، قال: وقول ابن مالكٍ: إنَّ الإسناد اللَّفظيَّ يكون في الكَلِم الثَّلاث، والذي يختصُّ به الاسم هو الإسناد المعنويُّ ضعيفٌ. انتهى. (وَ) كره الله لكم (إِضَاعَةَ المَالِ) بإنفاقه في المعاصي والإسراف فيه، كدفعه لغير رشيدٍ، أو تركه من غير حافظٍ له، أو يتركه حتَّى يفسد، أو يموِّه أوانيه بالذَّهب، أو يُذهِّب سقف بيته، أو غير ذلك، وللحَمُّويي والمُستملي: «وإضاعة الأموال» (وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ) للنَّاس في أخذ أموالهم صدقةً، وهذا موضع التَّرجمة، ويحتمل أن يكون المراد السُّؤال عن المشكلات التي تعبَّدنا بظاهرها، أو عمَّا لا حاجة للسَّائل به (١)؛ لكنَّ حملَه على المعنى الأعمِّ أَوْلى. ١٤٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ) بضمِّ الغين المعجمة وفتح الرَّاء الأولى، مُصغَّرًا، ابن الوليد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، القرشيُّ المدنيُّ (الزُّهْرِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ

стр. 3494

إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، الزُّهريِّ المدنيِّ، نزيل بغداد (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) بفتح الكاف (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين (عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقَّاصٍ ﵁ (قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ رَهْطًا) وهو دون العشرة من الرِّجال ليس فيهم امرأةٌ، وحذف مفعول «أعطى» الثَّاني ليعمَّ (وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ) في الرَّهط، والجملة حاليَّةٌ (قَالَ: فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْهُمْ) أي: من الرَّهط، ولأبي ذرٍّ: «فيهم» (رَجُلًا) هو جُعَيل بن سراقة -فيما ذكره الواقديُّ- الضَّمريُّ أو الغفاريُّ أو الثَّعلبيُّ، فيما ذكره أبو موسى، وروى ابن إسحاق في «مغازيه» عن محمَّد بن إبراهيم التَّيميِّ قال: قِيلَ: يا رسول الله، أعطيت عُيَيْنة بن حصنٍ والأقرع بن حابسٍ مئةً مئةً وتركت جُعَيلًا، قال: «والذي نفسي بيده، لَجُعَيلُ بن سراقة خيرٌ من طلائع (١) الأرض مثل عُيَيْنة والأقرع، ولكنِّي أتألَّفهما وأَكِل جُعَيلًا إلى إيمانه»، وهذا مُرسَلٌ حسنٌ، لكن له شاهدٌ موصولٌ، روى الرُّويانيُّ وابن عبد الحكم في «فتوح مصر» من طريق بكر بن سوادة عن أبي سالمٍ الجيشانيِّ عن أبي ذرٍّ: أنَّ رسول الله ﷺ قال له: «كيف ترى جُعَيلًا؟» قلتُ (٢): مسكينًا كشكله من النَّاس، قال: «وكيف ترى فلانًا؟» قلت: سيِّدًا من السَّادات، قال: «فجُعَيلٌ خيرٌ من ملء الأرض مثل هذا»، قال: قلت: يا رسول الله، ففلانٌ هكذا وتصنع به ما تصنع؟! قال: «إنَّه رأس قومه فأتألَّفهم»، وإسناده صحيحٌ، وأخرجه ابن حبَّان من وجهٍ آخر عن أبي ذرٍّ، لكن لم يسمِّ جُعَيلًا، وأخرجه البخاريُّ [خ¦٥٠٩١] من حديث سهل بن سعدٍ: فأبهم جُعَيلًا وأبا ذرٍّ، قاله في «الإصابة». (لَمْ يُعْطِهِ وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ) أي: أفضل الرَّهط وأصلحهم (إِلَيَّ) أي: في اعتقادي، قال في «المصابيح»: أضاف «أفعل» التَّفضيل إلى ضمير الرَّهط المُعطَين، وأوقعه على الرَّجل الذي لم يُعْطَ، و «أفعل» التَّفضيل إذا قُصِدت به الزِّيادة على من أُضِيف إليه -كما قاله (٣) ابن الحاجب- اشترط أن يكون منهم، وقد بيَّنا أنَّه ليس من الرَّهط ضرورة كونه لم يُعْطَ، فيمتنع كما يمتنع: «يوسف

стр. 3495

أحسن إخوته» مع إرادة هذا المعنى، والمَخلَصُ من ذلك: أعجبُ الرَّهطِ الحاضرين الذين منهمُ المُعطَى والمتروك، فإن قلت: لِمَ لا يجوز (١) أن يكون المقصود بـ «أفعل» التَّفضيل زيادةً مطلقةً، والإضافة للتَّخصيص والتَّوضيح، فينتفي المحذور، فيجوز التَّركيب كما أجازوا: «يوسف أحسن إخوته» بهذا الاعتبار، قلت: المراد بالزِّيادة المطلقة أن يقصد تفضيله على (٢) كلِّ ما سواه مطلقًا، لا على المضاف إليه وحده، وظاهرٌ أنَّ هذا المعنى غيرُ مرادٍ هنا. انتهى. قال سعدٌ: (فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ)؟ أي: أيُّ شيءٍ حصل لك أعرضت به عن فلانٍ فلا تعطيه (وَاللهِ، إِنِّي لأُرَاهُ مُؤْمِنًا) بضمِّ الهمزة، أي: لَأظنُّه، وفي غير الفرع: بفتح الهمزة، أي: أعلمه، قال النَّوويُّ: ولا يُضَمُّ على معنى أظنُّه؛ لأنَّه قال: غلبني ما أعلم، ولأنَّه رَاجَعَ النَّبيَّ ﷺ مرارًا، فلو لم يكن جازمًا، لَمَا كرَّر المراجعة، وتُعقِّب بأنَّ «ما أعلم» معناه: ما أظنُّ، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] والمراجعة لا تدلُّ على الجزم؛ لأنَّ الظَّنَّ يلزم اتِّباعه اتِّفاقًا، وحلف على غلبة ظنِّه (قَالَ) ﵊: (أَوْ مُسْلِمًا) بإسكان الواو على الإضراب عن قوله، والحكم بالظَّاهر؛ كأنَّه قال: بل مسلمًا، ولا تقطع بإيمانه، فإنَّ الباطن لا يطَّلع عليه إلَّا الله تعالى (٣)، فالأولى أن يعبِّر بالإسلام، وليس حكمًا بعدم إيمانه، بل نهيٌ عن الحكم بالقطع به (قَالَ) سعدٌ: (فَسَكَتُّ) سكوتًا (قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ فِيهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ وَاللهِ إِنِّي لأُرَاهُ) أظنُّه (مُؤْمِنًا، قَالَ) ﵊: (أَوْ مُسْلِمًا) كذا لأبي ذرٍّ، في حاشية (٤) الفرع، وفيه: «والله إنِّي لأراه مؤمنًا -أو قال: مسلمًا-» (قَالَ: فَسَكَتُّ) سكوتًا (قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ فِيهِ) ولأبي ذرٍّ: «منه» بالميم والنُّون بدل الفاء والياء (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ وَاللهِ إِنِّي لأُرَاهُ) أظنُّه (مُؤْمِنًا، قَالَ) ﵊: (أَوْ مُسْلِمًا) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره (٥): «والله (٦) إنِّي لأراه مؤمنًا -أو قال: مسلمًا-» (يَعْنِي: فَقَالَ) وهاتان الكلمتان ساقطتان عند أبي ذرٍّ: (إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ) مفعوله الثَّاني محذوفٌ، أي: الشَّيءَ (وَغَيْرُهُ أَحَبُّ

стр. 3496

إِلَيَّ مِنْهُ) مبتدأٌ وخبره في موضع الحال (خَشْيَةَ) نصب مفعولٍ له لقوله: «لأعطي» أي: لأجل خشية الله (١) (أَنْ يُكَبَّ) بضمِّ أوَّله وفتح الكاف (فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ). وهذا الحديث سبق في «باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة» من «كتاب الإيمان» [خ¦٢٧]. (وَعَنْ أَبِيهِ) عطفًا على السَّابق، أي: قال يعقوب بن إبراهيم عن أبيه إبراهيم (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) محمَّد بن سعد بن أبي وقَّاصٍ (يُحَدِّثُ هَذَا) الحديث، ولأبي ذرٍّ: «بهذا» فهو مُرسَلٌ، لأنَّه لم يذكر سعدًا، لكن قال الكِرمانيُّ: إنَّ الإشارة في قوله: «هذا» إلى قول سعدٍ، فهو متَّصلٌ (فَقَال: فِي) جملة (حَدِيثِهِ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ فَجَمَعَ بَيْنَ عُنُقِي وَكَتِفِي) «فجمع» بالفاء والفعل الماضي كذا في «اليونينيَّة» (٢)، وفي بعض الأصول: «بجُمْعٍ» بالباء الجارَّة وضمِّ الجيم وسكون الميم، أي: ضرب بيده حال كونها مجموعةً، و «بينَ»: اسمٌ لا ظرفٌ، كقوله تعالى: (لَقَدْ تَقَطَّعُ بَيْنُكُمْ) [الأنعام: ٩٤] على قراءة الرَّفع. (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (أَقْبِلْ) بكسر المُوحَّدة، فعل أمرٍ، من الإقبال، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «اِقبَلْ» بفتح المُوحَّدة، فعل أمرٍ، من القبول، فهمزته همزة وصلٍ تُكسَر في الابتداء، كأنَّه لمَّا قال له ذلك تولَّى ليذهب، فأمره بالإقبال ليبيِّن له وجه الإعطاء والمنع (أَيْ سَعْدُ) منادًى مُفرَدٌ مبنيٌّ على الضَّمِّ، و «أي»: حرف نداءٍ (إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ) الحديث (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ جريًا على عادته في إيراد تفسير اللَّفظة الغريبة إذا وافق ما في الحديث ما في القرآن: (﴿فَكُبْكِبُوا﴾ [الشعراء: ٩٤]) في سورة «الشُّعراء» أي (٣): (قُلِبُوا) بضمِّ القاف وكسر اللَّام وضمِّ المُوحَّدة، ولأبي ذرٍّ: «فَكُبُّوا» بضمِّ (٤) الكاف، من الكبِّ، وهو الإلقاء على الوجه، وقوله تعالى في سورة «الملك»: (﴿مُكِبًّا﴾ [الملك: ٢٢]) بكسر الكاف لأبي ذرٍّ (٥)، يُقال: (أَكَبَّ الرَّجُلُ، إِذَا كَانَ فِعْلُهُ غَيْرَ وَاقِعٍ عَلَى أَحَدٍ) أي: لازمًا (فَإِذَا وَقَعَ الفِعْلُ) أي: إذا كان متعدِّيًا (قُلْتَ: كَبَّهُ اللهُ لِوَجْهِهِ، وَكَبَبْتُهُ أَنَا) يريد أنَّ «أكبَّ» لازمٌ، و «كبَّ» متعدٍّ، وهو غريبٌ أن يكون القاصر بالهمزة والمتعدِّي بحذفها.

стр. 3497

١٤٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) هو ابن أبي أويسٍ المدنيُّ، ابن أخت الإمام مالكٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَيْسَ المِسْكِينُ) الكامل (الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ) ليسألهم صدقةً عليه (تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ) بالمُثنَّاة الفوقيَّة فيهما (وَلَكِنِ المِسْكِينُ) الكامل في المسكنة (الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ) أي: شيئًا يقع موقعًا من حاجته (وَلَا يُفْطَنُ بِهِ) بضمِّ الياء وفتح الطَّاء، أي: لا يُعلَم بحاله، ولأبي ذرٍّ: «له» باللَّام بدل المُوحَّدة (فَيُتَصَدَّقَُ عَلَيْهِ) بضمِّ الياء، مبنيًّا للمفعول (وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلَُ النَّاسَ) برفع المضارع الواقع بعد الفاء في الموضعين، عطفًا على المنفيِّ المرفوع، فينسحب النَّفي عليه، أي: لا يُفطَن له فلا يُتصدَّق (١) عليه، ولا يقوم فلا يسأل (٢) النَّاس، وبالنَّصب فيهما بـ «أن» مُضمَرةً وجوبًا؛ لوقوعه في جواب النَّفي بعد الفاء، وقد يُستدَلُّ بقوله: «ولا يقوم فيسأل النَّاس» على أحد محملي (٣) قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] أنَّ معناه: نفيُ السُّؤال أصلًا، وقد يُقال: لفظة: «يقوم» تدلُّ (٤) على التَّأكيد في السُّؤال، فليس فيه نفي أصل السُّؤال، والتَّأكيد في السُّؤال هو الإلحاف.

стр. 3498

١٤٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) بكسر الغين المعجمة، آخره مُثلَّثةٌ، قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصٌ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (١)) أنه (قَالَ: لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، ثُمَّ يَغْدُوَ) (٢) يذهب، قال أبو هريرة: (أَحْسِبُهُ) أي: أظنُّه (قَالَ: إِلَى الجَبَلِ) موضع الحطب (فَيَحْتَطِبَ فَيَبِيعَ فَيَأْكُلَ وَيَتَصَدَّقَ) بواو العطف؛ ليدلَّ على أنَّه يجمع بين البيع والصَّدقة، وبالفاء في الأوَّلين؛ لأنَّ الاحتطاب يكون عقب الغدوِّ إلى الجبل، والبيع يكون عقب الاحتطاب (خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ) أعطَوه أو منعوه، وفيه الاكتسابُ بالمباحات، كالحطب والحشيش النَّابتين في مَوَاتٍ. (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ أَكْبَرُ) سنًّا (مِنَ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ قَدْ أَدْرَكَ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب، يعني: أدرك السَّماع منه، وأمَّا الزُّهريُّ فاختُلِف في لقيِّه له، والصَّحيح أنَّه لم يَلْقَه، وإنَّما يروي عن ابنه سالمٍ عنه، وعند أبي ذرٍّ: تقديم «قال أبو عبد الله … » إلى آخره، على قوله: «حدَّثنا إسماعيل» (٣) [خ¦١٤٧٩]. (٥٤) (بابُ) مشروعيَّة (خَِرْصِ التَّمْرِ) بالمُثنَّاة وسكون الميم، ولأبي ذرٍّ: «الثَّمَر» بالمُثلَّثة وفتح الميم، والخَِرْص: بفتح الخاء المعجمة، وقد تُكْسَر، وسكون (٤) الرَّاء، بعدها صادٌ مُهمَلةٌ، هو حزرُ ما على النَّخل من الرُّطَب تمرًا؛ ليُحصَى على مالكه، ويُعرَف مقدار عُشْره، فيثبت (٥) على مالكه، ويُخلَّى بينه وبين التَّمر، فإذا جاء وقت الجداد، أخذ العُشْر، والخرص: سنَّةٌ عند الشَّافعيَّة، وفي قولٍ جزم به الماورديُّ: أنَّه واجبٌ، وأنكره الحنفيَّة، وفائدة الخرص التَّوسعة

стр. 3499

على أرباب الثِّمار في التَّناول منها، وإيثار الأهل والجيران والفقراء؛ لأنَّ في منعهم منها تضييقًا لا يخفى، وخرج بالتَّمر الحبُّ لاستتاره (١)، ولأنَّه يُؤكَل غالبًا رطبًا (٢) بخلاف التَّمر. ١٤٨١ - ١٤٨٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ) بفتح المُوحَّدة وتشديد الكاف، أبو بِشْرٍ الدَّارميُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مُصغَّرًا، ابن خالدٍ (عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى) بفتح العين وسكون الميم (٣)، المازنيِّ (عَنْ عَبَّاسٍ) بتشديد المُوحَّدة، آخره سينٌ مُهمَلةٌ، ابن سهل (السَّاعِدِيِّ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) المنذر أو عبد الرَّحمن (السَّاعِدِيِّ) ﵁ (قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ) غير

стр. 3500

منصرفٍ، وكانت في رجب سنة تسعٍ (فَلَمَّا جَاءَ وَادِيَ القُرَى) بضمِّ القاف: مدينةٌ قديمةٌ بين المدينة والشَّام (إِذَا امْرَأَةٌ) لم يعرف الحافظ ابن حجرٍ اسمها (فِي حَدِيقَةٍ لَهَا) مبتدأٌ وخبرٌ، قال ابن مالكٍ في «التَّوضيح»: لا يمتنع الابتداء بالنَّكرة المحضة (١) على الإطلاق، بل إذا لم تحصل فائدةٌ، نحو: رجلٌ يتكلَّم، إذ لا تخلو الدُّنيا من رجلٍ متكلِّمٍ، فلو اقترن بالنَّكرة قرينةٌ تحصل بها الفائدة جاز الابتداء بها، ومن تلك القرائن الاعتمادُ على «إذا» الفجائيَّة، نحو: انطلقت فإذا سبعٌ في الطَّريق، والحَديقة: بفتح الحاء المهملة والقاف، قال ابن سِيْدَه: هي من (٢) الرِّياض، كلُّ أرضٍ استدارت، وقِيلَ: البستان (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَصْحَابِهِ: اخْرُصُوا) بضمِّ الرَّاء، زاد سليمان بن بلالٍ عند مسلمٍ: فخرصنا، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أقف على اسم من خرص منهم (وَخَرَصَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، فَقَالَ لَهَا (٣): أَحْصِي) بفتح الهمزة، من الإحصاء، وهو العدُّ، احفظي (٤) قدر (مَا يَخْرُجُ مِنْهَا) كيلًا (فَلَمَّا أَتَيْنَا تَبُوكَ قَالَ) ﵊: (أَمَا) بتخفيف الميم (إِنَّهَا) بكسر الهمزة إن جعلت «أَمَا» بمعنى: حقًّا، وبفتحها إن جُعِلت استفتاحيَّةً (سَتَهُبُّ اللَّيْلَةَ) زاد سليمان: «عليكم» (رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَلَا يَقُومَنَّ أَحَدٌ) منكم (وَمَنْ كَانَ مَعَهُ بَعِيرٌ فَلْيَعْقِلْهُ) أي: يشدَّه بالعقال، وهو الحبل (فَعَقَلْنَاهَا) ولغير أبي ذرٍّ: «ففعلنا» من الفعل (وَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقَامَ رَجُلٌ فَأَلْقَتْهُ بِجَبَلِ طَيِّئٍ) بتشديد الياء، بعدها همزةٌ، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «جبلي» بالتَّثنية، واسم

стр. 3501

أحدهما: أَجَأٌ، بفتح الهمزة والجيم ثمَّ همزةٌ، على وزن «فَعَل» (١)، وقد لا يُهمَز، فيكون بوزن «عصا» واسم الآخر: سلمى (٢). (وَأَهْدَى) يُوحَنَّا -بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الحاء المهملة وتشديد النُّون- ابن رُوبة، واسم أمِّه: العَلْماء بفتح العين وسكون اللَّام وبالمدِّ (مَلِكُ أَيْلَةَ) بفتح الهمزة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، بعدها لامٌ مفتوحةٌ: بلدةٌ قديمةٌ بساحل البحر (لِلنَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةً بَيْضَاءَ) واسمها -كما جزم به النَّوويُّ-: دُلْدُل، وقال: لكنَّ ظاهر اللَّفظ هنا أنَّه أهداها للنَّبيِّ ﷺ في غزوة تبوك، وكانت سنة تسعٍ من الهجرة، وقد كانت هذه البغلة عند النَّبيِّ (٣) ﷺ قبل ذلك، وحضر عليها غزوة حُنَينٍ كما هو مشهورٌ في الحديث، وكانت حُنَينٌ عقب فتح مكَّة سنة ثمانٍ، قال القاضي: ولم يُرْوَ أنَّه كان له ﷺ بغلةٌ غيرها، فيُحمَل قوله على أنَّه أهداها له قبل ذلك، وقد عطف الإهداء على المجيء بالواو، وهي لا تقتضي التَّرتيب. انتهى كلام النَّوويِّ. وتعقَّبه الجلال البلقينيُّ بأنَّ البغلة التي كان عليها يوم حُنَيْنٍ غير هذه، ففي «مسلمٍ»: أنَّه كان ﵊ على بغلةٍ بيضاء أهداها له فَروة الجُذاميُّ، وهذا يدلُّ على المغايرة، قال: وفيما قاله القاضي من التَّوحيد نظرٌ، فقد قِيلَ: إنَّه كان له من البغال دُلْدُلُ وفضَّةُ والتي أهداها له (٤) ابن العَلْماء والأيليَّة، وبغلةٌ أهداها له كِسْرى وأخرى من دومة الجندل وأخرى من عند النَّجاشيِّ، كذا في «السِّيرة» لمغلطاي، قال: وقد وهم في تفريقه بين بغلة ابن العَلْماء والأيليَّة، فإنَّ ابن العَلْماء هو صاحب أَيْلَة، ونقص ذكر البغلة التي

стр. 3502

أهداها له (١) فَروة الجُذاميُّ. (وَكَسَاهُ) النَّبيُّ ﷺ (بُرْدًا) الضَّمير المنصوب عائدٌ على (٢) ملك أيلة، وهو المكسوُّ (وَكَتَبَ) ﵊ (لَهُ) أي: لملك أَيْلَة (بِبَحْرِهِمْ) أي: ببلدهم، والمراد: أهل بحرهم؛ لأنَّهم كانوا سكَّانًا بساحل البحر، والمعنى أنَّه أقرَّه عليهم بما التزمه من الجزية، ولفظ الكتاب كما ذكره ابن إسحاق بعد البسملة: هذه أمنةٌ من الله، ومحمَّدٍ النَّبيِّ رسولِ الله ليوحَنَّا (٣) بن رُوبة، وأهلِ أيلةَ أساقفِتهم وسائرِهم (٤) في البرِّ والبحر لهم ذمَّة الله وذمَّة النَّبيِّ، ومن كان معه من أهل الشَّام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثًا؛ فإنَّه لا يحول ماله دون نفسه، وإنَّه طيِّبٌ لمن أخذه من النَّاس، وإنَّه لا يحلُّ أن يمنعوه ماءً يردونه من برٍّ أو بحرٍ (٥)، هذا كتاب جهيم بن الصَّلت وشُرَحْبيلَ بن حسنة بإذن رسول الله ﷺ . (فَلَمَّا أَتَى) النَّبيُّ ﷺ (وَادِيَ القُرَى) المدينة السَّابق ذكرُها قريبًا (قَالَ لِلْمَرْأَةِ) صاحبة الحديقة المذكورة قبل: (كَمْ جَاءَت) وفي نسخةٍ: «جاء» بإسقاط تاء التَّأنيث، و «جاء» هنا بمعنى: «كان» أي: كم كان (حَدِيقَتُكِ) أي: ثمرها (٦)؟ ولمسلمٍ: فسأل المرأة عن حديقتها: «كم بلغ ثمرها»؟ (قَالَتْ: عَشَرَةَُ أَوْسُقٍ) بنصب «عشرةَ» على نزع الخافض، أي: بمقدار عشرة أوسقٍ، أو على الحال، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه ليس المعنى على أنَّ ثمر الحديقة جاء في حال كونه عشرة أوسقٍ، بل لا معنى له أصلًا. انتهى. (خَرْصَُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) مصدرٌ منصوبٌ بدلٌ من «عشرة أوسق» (٧)، أو عطف بيانٍ لها، ولأبي ذرٍّ: «خرصُ» بالرَّفع، خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هي خرصُ، ويجوز رفع «عشرةُ»، و «خرصُ» على تقدير: الحاصلُ عشرةُ أوسق، وهو (٨) خرص رسول الله ﷺ ، كذا قاله الكِرمانيُّ والبرماويُّ وابن حجرٍ والعينيُّ والزَّركشيُّ، وتعقَّبه الدَّمامينيُّ بأنَّه مُنَافٍ لتقديره أوَّلًا: جاءت بمقدار عشرة أوسقٍ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ :

стр. 3503

إِنِّي مُتَعَجِّلٌ إِلَى المَدِينَةِ، فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَعَجَّلَ) إليها (مَعِي فَلْيَتَعَجَّلْ) وفي تعليق سليمان بن بلالٍ الآتي قريبًا [خ¦١٤٨٢] الموصول عند أبي عليِّ بن خزيمة: أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتَّى إذا دنا من المدينة أخذ طريق غُرَابٍ؛ لأنَّها أقرب إلى المدينة، وترك الأخرى، قال في «الفتح»: ففيه بيان قوله: «إنِّي متعجِّلٌ إلى المدينة» أي: إنِّي سالكٌ الطَّريق القريبة، فمن أراد فليأتِ معي؛ يعني: ممَّن له اقتدارٌ على ذلك دون بقيَّة الجيش، قال ابن بكَّارٍ شيخ المؤلِّف: (فَلَمَّا) بالفاء وتشديد الميم، قال المؤلِّف: (قَالَ ابْنُ بَكَّارٍ كَلِمَةً) مقول ابن بكَّار (١)، ولأبي ذرٍّ: «كلمةٌ» بالرَّفع، خبر مبتدأٍ محذوفٍ (مَعْنَاهَا) ولأبي ذرٍّ: «معناه»: (أَشْرَفَ عَلَى المَدِينَةِ قَالَ) ﵊: (هَذِهِ طَابَةُ) غير منصرفةٍ (فَلَمَّا رَأَى أُحُدًا قَالَ: هذا جُبَيْلٌ) بضمِّ الجيم وفتح المُوحَّدة مُصغَّرًا، وللأربعة: «جبلٌ» (يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ) حقيقةً، ولا يُنكَر وصفُ الجماد أنَّه يحبُّ الرَّسول، كما حنَّت الأسطوانة على مفارقته ﷺ حتَّى سمع القوم حنينها حتَّى سكَّنها [خ¦٣٥٨٣] وكما أخبر أنَّ حجرًا كان يسلِّم عليه قبل الوحي، فلا يُنكَر أن يكون جبل أُحدٍ وجميع أجزاء المدينة تحبُّه، وتحنُّ إلى لقائه حال مفارقته إيَّاها، وقال الخطَّابيُّ: أراد به أهل المدينة وسكَّانها، كقوله (٢) تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أي: أهلَها، فيكون على حذف مضافٍ، وأهل المدينة الأنصار، ثمَّ قال ﵊ لمن كان معه من أصحابه: (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأَنْصَارِ؟) «ألا» للتَّنبيه، و «دور»: جمعُ دارٍ، يريد (٣) بها: القبائل الذين يسكنون الدُّور، وهي المَحَالّ (قَالُوا: بَلَى) أَخْبِرْنا (قَالَ) ﵊: خيرُهم (دُورُ بَنِي النَّجَّارِ) بفتح النُّون والجيم المُشدَّدة، تيم (٤) بن ثعلبة، وسُمِّي بالنَّجار -فيما قِيلَ- لأنَّه اختتن بَقُدومٍ (ثُمَّ دُورُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ) بفتح الهمزة وسكون الشِّين

стр. 3504

المعجمة وفتح الهاء، بعدها لامٌ (١) (ثُمَّ دُورُ بَنِي سَاعِدَةَ) بكسر العين المهملة (أَوْ دُورُ بَنِي الحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ) بفتح الخاء وسكون الزَّاي المعجمتين، وفتح الرَّاء، بعدها جيمٌ (وَفِي كُلِّ دُورِ (٢) الأَنْصَارِ -يَعْنِي- خَيْرًا) أي: كأنَّ لفظ «خيرًا» محذوفٌ من كلام الرَّسول ﷺ ، وهو مرادٌ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «خيرٌ» بالرَّفع. (وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) القرشيُّ التَّيميُّ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) يعني: ابن يحيى، المازنيُّ، بالسَّند المذكور، وهو موصولٌ في «فضائل الأنصار» [خ¦٣٧٩١]: (ثُمَّ دَارُ بَنِي (٣) الحَارِثِ ثُمَّ) دار (٤) (بَنِي سَاعِدَةَ) فقدَّم بني الحارث على بني ساعدة. (وَقَالَ سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ المذكور أيضًا، ممَّا وصله أبو عليِّ بن خزيمة في «فوائده»: (عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ) بسكون العين في الأوَّل (٥)، الأنصاريِّ أخي يحيى بن سعيدٍ (عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ) بفتح المعجمة وكسر الزَّاي وتشديد التَّحتيَّة، وعُمَارة بضمِّ العين (٦) وتخفيف الميم، المازنيِّ الأنصاريِّ (عَنْ عَبَّاسٍ) بالمُوحَّدة، آخره سينٌ مهملةٌ (عَنْ أَبِيهِ) سهل بن سعدٍ، وهو آخر من مات من الصَّحابة بالمدينة ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ) فخالف عُمَارة بن غزيَّة (٧) عمرو بن يحيى في إسناد (٨) الحديث فقال: عمرٌو عن عبَّاسٍ عن أبي حُمَيْدٍ، كما سبق أوَّلًا، وقال: عُمَارة عن عبَّاسٍ عن أبيه، فيحتمل -كما قاله في «الفتح» - أن يسلك طريق الجمع، بأن يكون عبَّاسٌ أخذ القَدْر المذكور - «وهو أُحدٌ جبلٌ يحبُّنا ونحبُّه» - عن أبيه وعن أبي حُمَيْدٍ معًا، أو حَمَلَ الحديث عنهما معًا، أو كلُّه عن أبي حُمَيْدٍ ومعظمه عن أبيه، وكان

стр. 3505

يحدِّث به تارةً عن هذا وتارةً عن هذا، ولذلك كان لا يجمعهما. (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريّ، وفي نسخةٍ: «وقال أبو عُبيدٍ» بضمِّ العين وفتح المُوحَّدة مُصغَّرًا، وعليها شرح الحافظ ابن حجرٍ، وقال كغيره: إنَّه القاسم بن سلامٍ الإمام المشهور صاحب «الغريب» مفسِّرًا لما سبق من قوله: «الحديقةُ»: (كُلُّ بُسْتَانٍ عَلَيْهِ حَائِطٌ فَهْوَ حَدِيقَةٌ، وَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَائِطٌ، لَمْ يَقُلْ) فيه: (حَدِيقَةٌ) وقال في «القاموس»: الحديقة: الرَّوضة ذات الشَّجر، أو القطعة من النَّخل. وفي هذا الحديث مشروعيَّة الخرص، واختُلِف: هل يختصّ بالنَّخل، أو يُلحَق به العنب، أو يعمُّ كلَّ ما يُنتفَع به رطبًا وجافًّا؟ فقال بالأوَّل شُرَيْحٌ القاضي وبعض أهل الظَّاهر، وبالثَّاني الجمهور، وإلى الثَّالث نحا البخاريُّ، وهل يكفي خارصٌ واحدٌ أهلٌ للشَّهادات (١) عارفٌ بالخرص أو لا بدَّ من اثنين؟ قولان للشَّافعيِّ، والجمهور على الأوَّل؛ لحديث أبي داود بإسنادٍ حسنٍ: أنَّه ﷺ كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر خارصًا. وفي حديث الباب التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٨٧٢] و «المغازي» [خ¦٤٤٢٢] وفي «فضل الأنصار» [خ¦٣٧٩١] ببعضه، ومسلمٌ في «فضل النَّبيِّ ﷺ » و «الحجِّ»، وأبو داود في «الخراج». (٥٥) (بابُ) أخذ (العُشْرِ فِيمَا يُسْقَى مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ) وهو المطر (وَبِالمَاءِ الجَارِي) كماء العيون والآبار، ولفظ «سنن أبي داود»: «فيما سقت السَّماء والأنهار والعيون»، ولأبي ذرٍّ: «والماء الجاري» بإسقاط المُوحَّدة (وَلَمْ يَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) ﵀ (فِي العَسَلِ شَيْئًا) من الزَّكاة، وهذا وصله مالكٌ في «المُوطَّأ» عن عبد الله بن أبي بكر بن حزمٍ قال: جاء كتابٌ من عمر بن عبد العزيز
следующие страницы →