← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

أحدهما: أَجَأٌ، بفتح الهمزة والجيم ثمَّ همزةٌ، على وزن «فَعَل» (١)، وقد لا يُهمَز، فيكون بوزن «عصا» واسم الآخر: سلمى (٢). (وَأَهْدَى) يُوحَنَّا -بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الحاء المهملة وتشديد النُّون- ابن رُوبة، واسم أمِّه: العَلْماء بفتح العين وسكون اللَّام وبالمدِّ (مَلِكُ أَيْلَةَ) بفتح الهمزة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، بعدها لامٌ مفتوحةٌ: بلدةٌ قديمةٌ بساحل البحر (لِلنَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةً بَيْضَاءَ) واسمها -كما جزم به النَّوويُّ-: دُلْدُل، وقال: لكنَّ ظاهر اللَّفظ هنا أنَّه أهداها للنَّبيِّ ﷺ في غزوة تبوك، وكانت سنة تسعٍ من الهجرة، وقد كانت هذه البغلة عند النَّبيِّ (٣) ﷺ قبل ذلك، وحضر عليها غزوة حُنَينٍ كما هو مشهورٌ في الحديث، وكانت حُنَينٌ عقب فتح مكَّة سنة ثمانٍ، قال القاضي: ولم يُرْوَ أنَّه كان له ﷺ بغلةٌ غيرها، فيُحمَل قوله على أنَّه أهداها له قبل ذلك، وقد عطف الإهداء على المجيء بالواو، وهي لا تقتضي التَّرتيب. انتهى كلام النَّوويِّ. وتعقَّبه الجلال البلقينيُّ بأنَّ البغلة التي كان عليها يوم حُنَيْنٍ غير هذه، ففي «مسلمٍ»: أنَّه كان ﵊ على بغلةٍ بيضاء أهداها له فَروة الجُذاميُّ، وهذا يدلُّ على المغايرة، قال: وفيما قاله القاضي من التَّوحيد نظرٌ، فقد قِيلَ: إنَّه كان له من البغال دُلْدُلُ وفضَّةُ والتي أهداها له (٤) ابن العَلْماء والأيليَّة، وبغلةٌ أهداها له كِسْرى وأخرى من دومة الجندل وأخرى من عند النَّجاشيِّ، كذا في «السِّيرة» لمغلطاي، قال: وقد وهم في تفريقه بين بغلة ابن العَلْماء والأيليَّة، فإنَّ ابن العَلْماء هو صاحب أَيْلَة، ونقص ذكر البغلة التي

стр. 3502

أهداها له (١) فَروة الجُذاميُّ. (وَكَسَاهُ) النَّبيُّ ﷺ (بُرْدًا) الضَّمير المنصوب عائدٌ على (٢) ملك أيلة، وهو المكسوُّ (وَكَتَبَ) ﵊ (لَهُ) أي: لملك أَيْلَة (بِبَحْرِهِمْ) أي: ببلدهم، والمراد: أهل بحرهم؛ لأنَّهم كانوا سكَّانًا بساحل البحر، والمعنى أنَّه أقرَّه عليهم بما التزمه من الجزية، ولفظ الكتاب كما ذكره ابن إسحاق بعد البسملة: هذه أمنةٌ من الله، ومحمَّدٍ النَّبيِّ رسولِ الله ليوحَنَّا (٣) بن رُوبة، وأهلِ أيلةَ أساقفِتهم وسائرِهم (٤) في البرِّ والبحر لهم ذمَّة الله وذمَّة النَّبيِّ، ومن كان معه من أهل الشَّام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثًا؛ فإنَّه لا يحول ماله دون نفسه، وإنَّه طيِّبٌ لمن أخذه من النَّاس، وإنَّه لا يحلُّ أن يمنعوه ماءً يردونه من برٍّ أو بحرٍ (٥)، هذا كتاب جهيم بن الصَّلت وشُرَحْبيلَ بن حسنة بإذن رسول الله ﷺ . (فَلَمَّا أَتَى) النَّبيُّ ﷺ (وَادِيَ القُرَى) المدينة السَّابق ذكرُها قريبًا (قَالَ لِلْمَرْأَةِ) صاحبة الحديقة المذكورة قبل: (كَمْ جَاءَت) وفي نسخةٍ: «جاء» بإسقاط تاء التَّأنيث، و «جاء» هنا بمعنى: «كان» أي: كم كان (حَدِيقَتُكِ) أي: ثمرها (٦)؟ ولمسلمٍ: فسأل المرأة عن حديقتها: «كم بلغ ثمرها»؟ (قَالَتْ: عَشَرَةَُ أَوْسُقٍ) بنصب «عشرةَ» على نزع الخافض، أي: بمقدار عشرة أوسقٍ، أو على الحال، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه ليس المعنى على أنَّ ثمر الحديقة جاء في حال كونه عشرة أوسقٍ، بل لا معنى له أصلًا. انتهى. (خَرْصَُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) مصدرٌ منصوبٌ بدلٌ من «عشرة أوسق» (٧)، أو عطف بيانٍ لها، ولأبي ذرٍّ: «خرصُ» بالرَّفع، خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هي خرصُ، ويجوز رفع «عشرةُ»، و «خرصُ» على تقدير: الحاصلُ عشرةُ أوسق، وهو (٨) خرص رسول الله ﷺ ، كذا قاله الكِرمانيُّ والبرماويُّ وابن حجرٍ والعينيُّ والزَّركشيُّ، وتعقَّبه الدَّمامينيُّ بأنَّه مُنَافٍ لتقديره أوَّلًا: جاءت بمقدار عشرة أوسقٍ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ :

стр. 3503

إِنِّي مُتَعَجِّلٌ إِلَى المَدِينَةِ، فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَعَجَّلَ) إليها (مَعِي فَلْيَتَعَجَّلْ) وفي تعليق سليمان بن بلالٍ الآتي قريبًا [خ¦١٤٨٢] الموصول عند أبي عليِّ بن خزيمة: أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتَّى إذا دنا من المدينة أخذ طريق غُرَابٍ؛ لأنَّها أقرب إلى المدينة، وترك الأخرى، قال في «الفتح»: ففيه بيان قوله: «إنِّي متعجِّلٌ إلى المدينة» أي: إنِّي سالكٌ الطَّريق القريبة، فمن أراد فليأتِ معي؛ يعني: ممَّن له اقتدارٌ على ذلك دون بقيَّة الجيش، قال ابن بكَّارٍ شيخ المؤلِّف: (فَلَمَّا) بالفاء وتشديد الميم، قال المؤلِّف: (قَالَ ابْنُ بَكَّارٍ كَلِمَةً) مقول ابن بكَّار (١)، ولأبي ذرٍّ: «كلمةٌ» بالرَّفع، خبر مبتدأٍ محذوفٍ (مَعْنَاهَا) ولأبي ذرٍّ: «معناه»: (أَشْرَفَ عَلَى المَدِينَةِ قَالَ) ﵊: (هَذِهِ طَابَةُ) غير منصرفةٍ (فَلَمَّا رَأَى أُحُدًا قَالَ: هذا جُبَيْلٌ) بضمِّ الجيم وفتح المُوحَّدة مُصغَّرًا، وللأربعة: «جبلٌ» (يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ) حقيقةً، ولا يُنكَر وصفُ الجماد أنَّه يحبُّ الرَّسول، كما حنَّت الأسطوانة على مفارقته ﷺ حتَّى سمع القوم حنينها حتَّى سكَّنها [خ¦٣٥٨٣] وكما أخبر أنَّ حجرًا كان يسلِّم عليه قبل الوحي، فلا يُنكَر أن يكون جبل أُحدٍ وجميع أجزاء المدينة تحبُّه، وتحنُّ إلى لقائه حال مفارقته إيَّاها، وقال الخطَّابيُّ: أراد به أهل المدينة وسكَّانها، كقوله (٢) تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أي: أهلَها، فيكون على حذف مضافٍ، وأهل المدينة الأنصار، ثمَّ قال ﵊ لمن كان معه من أصحابه: (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأَنْصَارِ؟) «ألا» للتَّنبيه، و «دور»: جمعُ دارٍ، يريد (٣) بها: القبائل الذين يسكنون الدُّور، وهي المَحَالّ (قَالُوا: بَلَى) أَخْبِرْنا (قَالَ) ﵊: خيرُهم (دُورُ بَنِي النَّجَّارِ) بفتح النُّون والجيم المُشدَّدة، تيم (٤) بن ثعلبة، وسُمِّي بالنَّجار -فيما قِيلَ- لأنَّه اختتن بَقُدومٍ (ثُمَّ دُورُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ) بفتح الهمزة وسكون الشِّين

стр. 3504

المعجمة وفتح الهاء، بعدها لامٌ (١) (ثُمَّ دُورُ بَنِي سَاعِدَةَ) بكسر العين المهملة (أَوْ دُورُ بَنِي الحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ) بفتح الخاء وسكون الزَّاي المعجمتين، وفتح الرَّاء، بعدها جيمٌ (وَفِي كُلِّ دُورِ (٢) الأَنْصَارِ -يَعْنِي- خَيْرًا) أي: كأنَّ لفظ «خيرًا» محذوفٌ من كلام الرَّسول ﷺ ، وهو مرادٌ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «خيرٌ» بالرَّفع. (وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) القرشيُّ التَّيميُّ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) يعني: ابن يحيى، المازنيُّ، بالسَّند المذكور، وهو موصولٌ في «فضائل الأنصار» [خ¦٣٧٩١]: (ثُمَّ دَارُ بَنِي (٣) الحَارِثِ ثُمَّ) دار (٤) (بَنِي سَاعِدَةَ) فقدَّم بني الحارث على بني ساعدة. (وَقَالَ سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ المذكور أيضًا، ممَّا وصله أبو عليِّ بن خزيمة في «فوائده»: (عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ) بسكون العين في الأوَّل (٥)، الأنصاريِّ أخي يحيى بن سعيدٍ (عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ) بفتح المعجمة وكسر الزَّاي وتشديد التَّحتيَّة، وعُمَارة بضمِّ العين (٦) وتخفيف الميم، المازنيِّ الأنصاريِّ (عَنْ عَبَّاسٍ) بالمُوحَّدة، آخره سينٌ مهملةٌ (عَنْ أَبِيهِ) سهل بن سعدٍ، وهو آخر من مات من الصَّحابة بالمدينة ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ) فخالف عُمَارة بن غزيَّة (٧) عمرو بن يحيى في إسناد (٨) الحديث فقال: عمرٌو عن عبَّاسٍ عن أبي حُمَيْدٍ، كما سبق أوَّلًا، وقال: عُمَارة عن عبَّاسٍ عن أبيه، فيحتمل -كما قاله في «الفتح» - أن يسلك طريق الجمع، بأن يكون عبَّاسٌ أخذ القَدْر المذكور - «وهو أُحدٌ جبلٌ يحبُّنا ونحبُّه» - عن أبيه وعن أبي حُمَيْدٍ معًا، أو حَمَلَ الحديث عنهما معًا، أو كلُّه عن أبي حُمَيْدٍ ومعظمه عن أبيه، وكان

стр. 3505

يحدِّث به تارةً عن هذا وتارةً عن هذا، ولذلك كان لا يجمعهما. (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريّ، وفي نسخةٍ: «وقال أبو عُبيدٍ» بضمِّ العين وفتح المُوحَّدة مُصغَّرًا، وعليها شرح الحافظ ابن حجرٍ، وقال كغيره: إنَّه القاسم بن سلامٍ الإمام المشهور صاحب «الغريب» مفسِّرًا لما سبق من قوله: «الحديقةُ»: (كُلُّ بُسْتَانٍ عَلَيْهِ حَائِطٌ فَهْوَ حَدِيقَةٌ، وَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَائِطٌ، لَمْ يَقُلْ) فيه: (حَدِيقَةٌ) وقال في «القاموس»: الحديقة: الرَّوضة ذات الشَّجر، أو القطعة من النَّخل. وفي هذا الحديث مشروعيَّة الخرص، واختُلِف: هل يختصّ بالنَّخل، أو يُلحَق به العنب، أو يعمُّ كلَّ ما يُنتفَع به رطبًا وجافًّا؟ فقال بالأوَّل شُرَيْحٌ القاضي وبعض أهل الظَّاهر، وبالثَّاني الجمهور، وإلى الثَّالث نحا البخاريُّ، وهل يكفي خارصٌ واحدٌ أهلٌ للشَّهادات (١) عارفٌ بالخرص أو لا بدَّ من اثنين؟ قولان للشَّافعيِّ، والجمهور على الأوَّل؛ لحديث أبي داود بإسنادٍ حسنٍ: أنَّه ﷺ كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر خارصًا. وفي حديث الباب التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٨٧٢] و «المغازي» [خ¦٤٤٢٢] وفي «فضل الأنصار» [خ¦٣٧٩١] ببعضه، ومسلمٌ في «فضل النَّبيِّ ﷺ » و «الحجِّ»، وأبو داود في «الخراج». (٥٥) (بابُ) أخذ (العُشْرِ فِيمَا يُسْقَى مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ) وهو المطر (وَبِالمَاءِ الجَارِي) كماء العيون والآبار، ولفظ «سنن أبي داود»: «فيما سقت السَّماء والأنهار والعيون»، ولأبي ذرٍّ: «والماء الجاري» بإسقاط المُوحَّدة (وَلَمْ يَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) ﵀ (فِي العَسَلِ شَيْئًا) من الزَّكاة، وهذا وصله مالكٌ في «المُوطَّأ» عن عبد الله بن أبي بكر بن حزمٍ قال: جاء كتابٌ من عمر بن عبد العزيز

стр. 3506

إلى أبي وهو بمنًى (١): ألَّا يأخذ من الخيل ولا من العسل صدقةً، وحديث: «إنَّ في العسل العُشْرَ» ضعَّفه الشَّافعيُّ. ١٤٨٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن الحكم بن محمَّد بن أبي مريم، أبو محمَّدٍ الجمحيُّ بالولاء، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) بفتح الواو وسكون الهاء، القرشيُّ المصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «عن ابن شهابٍ الزُّهريِّ» (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ) من باب ذكر المحلِّ وإرادة الحالِّ، أي: المطر (وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا) بفتح العين المهملة والمُثلَّثة المُخفَّفة وكسر الرَّاء وتشديد التَّحتيَّة، ما يُسقَى بالسَّيل الجاري في حفرٍ، وتُسمَّى الحفرة (٢) عاثوراء؛ لتعثُّر المارِّ بها إذا لم يعلمها، قاله الأزهريُّ، وهو المُسمَّى بالبعليِّ في الرِّواية الأخرى (العُشْرُ) مبتدأٌ، خبره: «فيما سقت السَّماء» أي: العُشْرُ واجبٌ فيما سقت السَّماء (٣) (وَمَا سُقِيَ (٤) بِالنَّضْحِ) بفتح النُّون وسكون المعجمة بعدها مُهمَلةٌ: ما سُقِي من الآبار (٥) بالغرب أو بالسَّانية (٦) فواجبُه (نِصْفُ العُشْرِ) والفرق ثقل

стр. 3507

المؤنة هنا (١)، وخفَّتها في الأوَّل، والنَّاضح: اسمٌ لِما يُسقَى عليه من بعيرٍ أو بقرةٍ ونحوهما. (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي (٢): البخاريّ: (هَذَا) أي: حديث الباب (تَفْسِيرُ) الحديث (الأَوَّلِ) وهو حديث أبي سعيدٍ السَّابق في «باب ما أُدِّي زكاته فليس بكنزٍ» [خ¦١٤٠٥] واللَّاحق لهذا الباب، ولفظه: «ليس فيما دون خمسة أوسقٍ صدقةٌ» [خ¦١٤٨٤] (لأَنَّهُ لَمْ يُوَقِّتْ) بكسر القاف، ولأبي ذرٍّ: «يُوقَّت» بفتحها (فِي) الحديث (الأَوَّلِ) يريد لم يحدِّد بالعُشْر أو نصفه، وكان الأصل أن يقول: لأنَّه لم يوقِّت فيه، لكنَّه عبَّر بالظَّاهر موضع المضمر - (يَعْنِي) أي: البخاريُّ بقوله: هذا (حَدِيثَ ابْنِ (٣) عُمَرَ- «وَفِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ») جملةٌ معترضةٌ من كلام الرَّاوي بين قوله: «لأنَّه لم يوقِّت في الأوَّل»، وبين قوله: (وَبَيَّنَ فِي هَذَا) أي: في حديث ابن عمر ما يجب فيه العُشْر أو نصفه (وَوَقَّتَ) أي: حدَّد به. هذا ما ظهر (٤) لي من شرح هذا القول، والذي مشى عليه الكِرمانيُّ وغيره من الشُّرَّاح ممَّن علمته أنَّ مراده أنَّ حديث أبي سعيدٍ مفسِّرٌ لحديث ابن عمر، والزِّيادةَ والتَّوقيتَ تعيينُ النِّصابِ، وفي هذا نظرٌ لا يخفى؛ لأنَّه يصير المعنى، قال أبو عبد الله: هذا تفسير الأوَّل، يعني: حديث أبي سعيدٍ السَّابق؛ لأنَّه لم يوقِّت في الأوَّل الذي هو حديث أبي سعيدٍ، وهو خلاف المُدَّعى، فليُتأمَّل، نعم حديث ابن عمر هذا بعمومه ظاهرٌ في عدم اشتراط النِّصاب، فحديث أبي سعيدٍ مُقيِّدٌ لإطلاقه، كما أنَّ حديث ابن عمر مُقيِّدٌ لإطلاق حديث أبي سعيدٍ، فكلٌّ منهما مفسِّرٌ للآخر بما فيه من الزِّيادة (وَالزِّيَادَةُ) من الثِّقة (مَقْبُولَةٌ، وَالمُفَسَّرُ) بفتح السِّين (يَقْضِي عَلَى المُبْهَمِ) بفتح الهاء، أي: الخاصُّ يقضي على

стр. 3508

العامِّ بالتَّخصيص؛ لأنَّ قوله: «ليس فيما دون خمسة أوسقٍ صدقةٌ» يشمل ما يُسقَى بمؤنةٍ وغير مؤنةٍ، وقوله: «فيما سقت السَّماء» خاصٌّ (إِذَا رَوَاهُ أَهْلُ الثَّبْتِ) بسكون المُوحَّدة في فرع «اليونينيَّة»، وقال الحافظ ابن حجرٍ -كالكِرمانيِّ- وغيره بفتحها، «وإذا رواه» متعلِّقٌ (١) بقوله: «مقبولةٌ»، وقال التَّيميُّ والإسماعيليُّ: إنَّ هذا القول في نسخة الفَِرَبْريِّ إنَّما هو عقب حديث أبي سعيدٍ [خ¦١٤٨٤] في الباب التَّالي لهذا الباب، وإنَّ وقوعه هنا غلطٌ من النَّاسخ، ويشكل عليه ثبوته في الأصول المعتمدة في كلٍّ من البابين عقب حديث ابن عمر، وفي روايةٍ عن أبي ذرٍّ وابن عساكر عقب حديث أبي سعيدٍ، وإن اختلف بعض اللَّفظ فيهما على أنَّ نسبة الغلط للنَّاسخ إنَّما تتأتَّى على تقدير إرادة المؤلِّف أنَّ حديث أبي سعيدٍ مفسِّرٌ لحديث ابن عمر، وقد مرَّ ما في ذلك، وأمَّا على ما ذكرته من أنَّ حديث الباب مفسِّرٌ لحديث أبي سعيدٍ فلا، وحينئذٍ فالمصير إلى ما ذكرته أَوْلى من العكس على ما لا يخفى، وفي رواية غير أبي ذرٍّ: «قال أبو عبد الله: هذا الأوَّل؛ لأنَّه لم يوقِّت في الأوَّل»، فأسقط لفظ «تفسير»، لكن في فرع (٢) «اليونينيَّة» ضبَّب على لفظة: «الأوَّل» الأولى (٣)، وكتب في الهامش صوابهُ: «أولى، أو المفسِّر للأوَّل» (٤) بفتح الهمزة وسكون الواو، من الأولويَّة، والمفسِّر بكسر السِّين، قلت: ومعناه: حديث الباب أَوْلى من حديث أبي سعيدٍ السَّابق؛ لما فيه من زيادة التَّمييز بين ما يسقى بمؤنةٍ وبغير مؤنةٍ، أو هو المفسِّر لحديث أبي سعيدٍ (٥) حيث بيَّن (٦) فيه -كما مرَّ-، وهو يؤيِّد ما شرحته، فليُتأمَّل. (كَمَا رَوَى الفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ) ﵄، فيما وصله أحمد: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُصَلِّ فِي الكَعْبَةِ) يوم فتح مكَّة (وَقَالَ بِلَالٌ) المؤذِّن، فيما وصله المؤلِّف في «الحجِّ» [خ¦١٥٩٩]: (قَدْ

стр. 3509

صَلَّى) فيها يومئذٍ (فَأُخِذَ بِقَوْلِ بِلَالٍ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، لِما معه من الزِّيادة (وَتُرِكَ قَوْلُ الفَضْلِ) بضمِّ تاء «تُرِك» مبنيًّا للمفعول، كـ «أُخِذ»، وليس قول بلالٍ منافيًا لقول الفضل: «لم يصلِّ»، بل مراده أنَّه لم يره؛ لاشتغاله بالدُّعاء ونحوه في ناحيةٍ من نواحي البيت غير التي صلَّى فيها النَّبيُّ ﷺ . (٥٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ) من المقتات في حال الاختيار، وهو من الثِّمار الرُّطَب والعنب، ومن الحبِّ الحنطة والشَّعير والسُّلْت والأرزُّ والعدس والحِمَّص والباقلَّاء والدُّخَن والذُّرة واللُّوبياء (١) والماش والجُلْبَان ونحوها (صَدَقَةٌ) والوسق: ستُّون صاعًا، والصَّاع: أربعة أمدادٍ، والمدُّ: رطلٌ وثلثٌ بالبغداديِّ، فالأوسق: الخمسة ألفٍ وستُّ مئةِ رطلٍ بالبغداديِّ، والأصحُّ اعتبار الكيل لا الوزن إذا اختلفا، وإنَّما قدِّر بالوزن استظهارًا، قال القموليُّ: وقدّر النِّصاب بأرْدَبِّ مصر: ستَّة أرادِبَّ ورُبعٌ، بجعل القدحين صاعًا، كزكاة الفطر وكفَّارة اليمين. وقال السُّبكيُّ: خمسةُ أرادِبَّ ونصفٌ وثلثٌ، فقد اعتبرتَ القَدَح المصريَّ بالمُدِّ الذي حرَّرته فَوَسِع مُدَّين وسُبْعًا تقريبًا، فالصَّاع: قدحان إلَّا سُبْعَي مدٍّ، وكلُّ خمسةَ عشرَ مُدًّا سبعةُ أقداحٍ، وكلُّ خمسةَ عشرَ صاعًا وَيْبَةٌ ونصفٌ ورُبعٌ، فثلاثون صاعًا: ثلاثُ وَيْبَاتٍ ونصفٌ، فثلاثُ مئة صاعٍ: خمسةٌ وثلاثون وَيْبَةً، وهي خمسةُ أرادِبَّ ونصفٌ وثلثٌ، فالنِّصاب على قوله خمسُ مئةٍ وستُّون قدحًا، وعلى قول القَمُوليِّ: ستُّ مئةٍ.

стр. 3510

١٤٨٤ - بالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَيْسَ فِيمَا أَقَلَّ) «ما»: زائدةٌ، و «أقلَّ»: مجرورٌ بـ «في» بالفتحة؛ لأنَّه لا ينصرف بدليل قوله بعد: و «لا في أقلَّ»، وقيَّده بعضهم فيما حكاه في «التَّنقيح» بالرَّفع، قال في «اللَّامع» و «المصابيح»، واللَّفظ له: فتكون «ما» موصولةً، حُذِف صدر صلتها، وهو المبتدأ الذي (١) «أقلُّ» خبره، أي: فيما هو أقلُّ، وجاز الحذف هنا؛ لطول صلة ذلك بمُتعلَّق الخبر (مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ) بفتح الهمزة وضمِّ السِّين، جمع وسقٍ، وسبق (٢) الكلام فيه [خ¦١٤٠٥] (وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ مِنَ الإِبِلِ الذَّوْدِ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ أَوَاقٍ) بغير ياءٍ؛ كـ «جوارٍ»، ولأبي ذرٍّ: «خمسة أواقيِّ» بتاء التَّأنيث في «خمس»، و «أواقيِّ» بالياء المُشدَّدة (مِنَ الوَرِقِ) أي: الفضَّة (صَدَقَةٌ) أي: زكاةٌ. (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (هَذَا) الحديث (تَفْسِيرُ) حديث ابن عمر [خ¦١٤٨٣] (الأَوَّلِ) المذكور في الباب السَّابق (إِذَا) بألفٍ بعد الذَّال؛ كذا في الفرع وأصله (٣)، والنُّسخة المقروءة على الميدوميِّ، وجميع ما وقفت عليه من الأصول المعتمدة: «إذا» بألفٍ بعد المعجمة، ولعلَّها سبق قلمٍ، وإلَّا فالمراد: «إذ» التَّعليليَّة، ولا وقفت (٤) على أنَّ «إذا» تَرِدُ بمعنى: «إذ» التَّعليليَّة بعد

стр. 3511

الفحص التَّامِّ، نعم، يحتمل أن تكون ظرفيَّةً، أي: حين (قَالَ) في حديث أبي سعيدٍ: (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ) لكونه لم يبيِّن في حديث ابن عمر قدر النِّصاب (وَيُؤْخَذُ أَبَدًا فِي العِلْمِ بِمَا زَادَ أَهْلُ الثَّبَتِ (١) أَوْ بَيَّنُوا) وسقط من قوله «قال أبو عبد الله … » إلى آخر قوله: «أو بيَّنوا» في رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر. (٥٧) (بابُ أَخْذِ صَدَقَةِ التَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ) بكسر الصَّاد المهملة، أي: الجذاذ والقطاف عند أوان إدراكه (وَ) باب (هَلْ يُتْرَكُ الصَّبِيُّ؟) بضمِّ الياء من «يُترَك»، مبنيًّا للمفعول، أي: هل يترك وليُّ الصَّبيِّ الصَّبيَّ؟ (فَيَمَسَُّ تَمْرَ الصَّدَقَةِ) بنصب «فيمسَّ» جواب الاستفهام، والذي في «اليونينيَّة»: «فيمسُّ» بالرَّفع، ولم يجزم بالحكم؛ لاحتمال أن يكون النَّهي خاصًّا بمن لا يحلُّ له تناول الصَّدقة. ١٤٨٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ الأَسَدِيُّ) بفتح السِّين المهملة، المعروف بابن التَّلِّ؛ بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وتشديد اللَّام، قال النَّسائيُّ وأبو حاتمٍ: صدوقٌ، ووثَّقه الدَّارقطنيُّ وغيره، وقال ابن حبَّان: في حديثه إذا حدَّث بعض المناكير، وضعَّف يعقوب الفسويُّ (٢) أباه محمَّدًا، وقال العقيليُّ: لا يُتابَع، وقال ابن عديٍّ: لم أر بحديثه بأسًا، لكنَّ

стр. 3512

الذي رواه البخاريُّ عن (١) عمر عن أبيه حديثان: أحدهما هذا وهو عنده بمتابعة شعبة عن محمَّد بن زيادٍ؛ يعني: في «باب ما يُذكَر في الصَّدقة للنَّبيِّ ﷺ » [خ¦١٤٩١] والحديث الثَّاني في «المناقب» [خ¦٣٨١٦] عن حفص بن غياثٍ عن هشامٍ عن أبيه عن عائشة: ما غِرْتُ على امرأةٍ، وهو عنده بمتابعة حُميد بن عبد الرَّحمن واللَّيث وغيرهما، عن هشامٍ. وروى له أبو داود والنَّسائيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) محمَّد بن الحسن قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ) بفتح الطَّاء وسكون الهاء (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) بكسر الزَّاي وتخفيف الياء (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُؤْتَى بِالتَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ) أي: قطع التَّمر منه (٢) (فَيَجِيءُ هَذَا بِتَمْرِهِ وَهَذَا مِنْ تَمْرِهِ) «من» بيانيَّةٌ، وعبَّر في الأولى: «بتمره» بالمُوحَّدة، قال الكِرمانيُّ: لأنَّ في الأوَّل: ذكر المجيء به، وفي الثَّاني: المجيء منه، وهما متلازمان وإن تغايرا مفهومًا (حَتَّى يَصِيرَ عِنْدَهُ كَوْمًا مِنْ تَمْرٍ) بفتح الكاف-ولأبي ذرٍّ بضمِّها- (٣) وسكون الواو، والنَّصب خبر «يصير»، واسمها ضميرٌ عائدٌ إلى التَّمر، أي: حتَّى يصير التَّمر عنده كومًا، وهو ما اجتمع كالعَرَمَة، ولأبي ذرٍّ أيضًا: «كَوْمٌ» بالرَّفع، اسم «يصير» على أنَّها تامَّةٌ فلا تحتاج إلى خبرٍ، وقال في «المصابيح»: الخبر «عنده»، و «من» في قوله: «من تمرٍ» للبيان (فَجَعَلَ الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ) ابنا فاطمة (¬﵄¬) وعنها (يَلْعَبَانِ بِذَلِكَ التَّمْرِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا) وهو الحَسن، بفتح الحَاء (تَمْرَةً فَجَعَلَه) أي: المأخوذ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فجعلها» أيَّ: التَّمرة (فِي فِيهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَخْرَجَهَا مِنْ فِيهِ، فَقَالَ) ﵊: (أَمَا عَلِمْتَ) بهمزة الاستفهام، وفي بعض النُّسخ: «ما علمت» بحذفها، قال ابن مالكٍ: وقد كثر حذف الهمزة إذا كان معنى ما حُذِفت منه لا يستقيم إلَّا بتقديرها، وذكر مثلًا. قال في «المصابيح»: وقد وقع في كلام سيبويه ما يقتضي أنَّ حذفها من الضَّرائر، وذلك أنَّه قال: وزعم الخليل أنَّ قول الأخطل: كَذَبَتْكَ عينُك أمْ رأيتَ بواسطٍ (٤) … غَلَسَ الظَّلام من الرَّباب خيالًا

стр. 3513

كقوله: إنَّها لإبلٌ أم شاءٌ، ويجوز في الشِّعر أن يريد بـ «كذبتك» الاستفهام، وتُحذَف (١) الألف، هذا كلامه. وقال ابن أمِّ قاسم في «الجنى الدَّاني»: المختار اطِّراد حذفها إذا كان بعدها «أم» المتَّصلة؛ لكثرته نظمًا ونثرًا. انتهى (أَنَّ آلَ مُحَمَّدٍ) هم بنو هاشمٍ وبنو المطَّلب عند الشَّافعيِّ، وعند أبي حنيفة ومالكٍ: بنو هاشمٍ فقط، وقِيلَ: قريشٌ كلُّها، زاد أبو ذرٍّ في نسخةٍ (٢) « ﷺ » (لَا يَأْكُلُونَ الصَّدَقَةَ) بالتَّعريف، ولأبي ذرٍّ «صدقةً»، وظاهره يعمُّ الفرض والنَّفل؛ لكنَّ السِّياق يخصُّها بالفرض؛ لأنَّ الذي يحرم على آله إنَّما هو الواجب. وفي الحديث: أنَّ الطِّفل يُجنَّب الحرام كالكبير، ويُعرَّف لأيِّ شيءٍ نُهِيَ عنه؛ لينشأ على العلم، فيأتي عليه وقت التَّكليف، وهو على علمٍ من الشَّريعة. (٥٨) (باب مَنْ بَاعَ ثِمَارَهُ أَوْ) باع (نَخْلَهُ) التي عليها الثِّمار (أَوْ) باع (أَرْضَهُ) التي عليها الزَّرع (أَوْ) باع (زَرْعَهُ وَ) الحال أنَّه (قَدْ وَجَبَ فِيهِ العُشْرُ أَوِ الصَّدَقَةُ) أي: الزَّكاة، وهو تعميمٌ بعد تخصيصٍ، وفيه إشارةٌ إلى الرَّدِّ على من جعل في الثِّمار العُشْر مطلقًا من غير اعتبار نصابٍ (فَأَدَّى الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِهِ) أي: من غير ما ذُكِر (أَوْ بَاعَ ثِمَارَهُ، وَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الصَّدَقَةُ) أي: جاز بيعه فيها، فجواب الشَّرط محذوفٌ، وإنَّما جوَّزوا ذلك؛ لأنَّه إذا باع بعد وجوب الزَّكاة، فقد فعل أمرًا جائزًا، فتعلَّقت الزَّكاة بذمَّته، فله أن يعطيها من غيره (وَ) باب (قَوْل النَّبِيِّ ﷺ ¬) ممَّا (٣)

стр. 3514

سيأتي -إن شاء الله تعالى- موصولًا قريبًا [خ¦١٤٨٦]: (لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَةَ) بدون النَّخل (حَتَّى يَبْدُوَ) يظهر (صَلَاحُهَا) قال البخاريُّ: (فَلَمْ يَحْظُرِ البَيْعَ) بالظَّاء المعجمة، أي: لم يمنع النَّبيُّ ﷺ البيع (بَعْدَ) بدوِّ (الصَّلَاحِ عَلَى أَحَدٍ، وَلَمْ يَخُصَّ) ﵊ (مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ مِمَّنْ لَمْ تَجِبْ) عليه؛ لعموم قوله: «حتَّى يبدو صلاحها»، وهو وقت الزَّكاة، ولم يقيِّد الجواز بتزكيتها من عينها، بل عمَّم وأطلق في سياق البيان، وهذا أحد القولين في هذه المسألة، والقول الثَّاني -وهو مذهب الشَّافعيِّ-: لا يجوز لأنَّه باع ما يملك وما لا يملك، وهو نصيب المساكين فتفسد الصَّفقة، وهذا إذا لم يضمِّن الخارص المالك التَّمر، فلو ضمَّنه بصريح اللَّفظ؛ كأن يقول: ضمَّنتك نصيب المستحقِّين من الرُّطَب بكذا تمرًا وقَبِلَ المالك ذلك التَّضمين جاز له التَّصرُّف بالبيع والأكل وغيرهما؛ إذ بالتَّضمين انتقل الحقُّ إلى ذمَّته، ولا يكفي الخرص بل لا بدَّ من تصريح الخارص بتضمين المالك، فإن انتفى الخرص أو التَّضمين أو القبول؛ لم ينفذ تصرُّف المالك في الكلِّ، بل فيما عدا الواجب شائعًا؛ لبقاء حقِّ المستحقِّين في العين، ولا يجوز له أكل شيءٍ منه. ١٤٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) هو ابن منهالٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ قال: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄¬) يقول: (نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ) بالواو من غير همزٍ: يظهر (١) (صَلَاحُهَا، وَكَانَ) أي: ابن عمر، كما في «مسلمٍ» (إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاحِهَا قَالَ: حَتَّى تَذْهَبَ عَاهَتُهُ) أي: آفته، والتَّذكير باعتبار الثَّمر، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «عاهتها» أي: الثَّمرة، أي: فيصير على الصِّفة المطلوبة كظهور (٢) النُّضج ومبادئ الحلاوة بأن يتلوَّن ويلين أو يتلوَّن بحمرةٍ أو صفرةٍ أو سوادٍ أو (٣) نحوه، فإنَّه حينئذٍ يأمن من (٤) العاهة، وقبل ذلك ربَّما يتلف لضعفه، فلم يبق شيءٌ في مقابلة الثَّمن،

стр. 3515

فيكون من أكل أموال النَّاس بالباطل؛ لكن يخصُّ من عموم ذلك (١) ما إذا شرط القطع، فإنَّه جائزٌ إجماعًا. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «البيوع»، وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه، وهو من رباعيَّات البخاريِّ. ١٤٨٧ - وبه قال (٢): (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قال: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (قال: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ) من الزِّيادة (عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ) بفتح الرَّاء والمُوحَّدة، آخره مُهمَلةٌ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄¬) قال: (نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ) يظهر (صَلَاحُهَا). ١٤٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ الثَّقفيُّ (عَنْ مَالِكٍ) هو ابن أنسٍ الإمام (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ) بضمِّ أوَّله وكسر الهاء (قَالَ: حَتَّى تَحْمَارَّ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون المهملة، وبعد الميم ألفٌ ثمَّ راءٌ مُشدَّدةٌ، قال في «القاموس»: زها النَّخلُ: طال، كأزهى، والبُسْرُ: تلوَّن، كأزهى وزهَّى، وقال غيره: زها النَّخل: ظهرت ثمرته، وأزهى: احمرَّ أو اصفرَّ، وقال الأصمعيُّ: لا يُقال: «أزهى» بل «زُهِي»، وقال الجوهريُّ: و «أزهى» لغةٌ حكاها أبو زيدٍ، ولم يعرفها الأصمعيُّ، وقال ابن الأثير: منهم من أنكر: «يُزهي»، ومنهم من أنكر: «يزهو»، وقال الكِرمانيُّ: الحديث الصَّحيح يبطل قول من أنكر الإزهاء، وقوله: «تحمارَّ» أي: أو تصفرَّ أو تسودَّ، فهو للتَّمثيل.

стр. 3516

(٥٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يَشْتَرِي) الرَّجل (صَدَقَتَهُ؟) فيه خلافٌ. (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ صَدَقَتَهُ غَيْرُهُ) ولأبي ذرٍّ: «صدقة غيره» (لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا نَهَى المُتَصَدِّقَ خَاصَّةً عَنِ الشِّرَاءِ، وَلَمْ يَنْهَ غَيْرَهُ) هذا يوضِّحه حديث بريرة [خ¦١٤٩٣] (١): «هو لها صدقةٌ ولنا هديَّةٌ»؛ لأنَّه إذا كان هذا جائزًا مع خلوِّه من العوض؛ فبالعوض أَوْلى بالجواز (٢). ١٤٨٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بُكَيْرٍ، المصريُّ، قال ابن عديٍّ: هو أثبت النَّاس في اللَّيث، وقال أبو حاتمٍ: يُكتَب حديثه، وقال مسلمة: تُكلِّم في سماعه عن (٣)

стр. 3517

مالكٍ، وضعَّفه النَّسائيُّ مطلقًا، وقال البخاريُّ في «تاريخه الصَّغير»: ما روى يحيى ابن بُكَيْرٍ عن أهل الحجاز في «التَّاريخ» فإنِّي انتقيته (١)، وهذا الحديث (٢) يدلُّ على أنَّه ينتقي حديث شيوخه، ولهذا ما أخرج له عن مالكٍ سوى خمسة أحاديث مشهورةً متابعةً، ومعظم (٣) ما أخرج له عن (٤) اللَّيث قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف مُصغَّرًا، هو (٥) ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمٍ أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ) أباه (عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ) أي: حمل عليه رجلًا في الغزو، والمعنى أنَّه ملَّكه له ليغزو عليه (فِي سَبِيلِ اللهِ) وليس المراد أنَّه وقفه (٦) بدليل قوله: (فَوَجَدَهُ) أي: أصابه، حال كونه (يُبَاعُ) بضمِّ الياء مبنيًّا للمفعول؛ إذ لو وقفه عليه؛ لمَا صحَّ أن يبتاعه (فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ) بإثبات ضمير المفعول، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «أن يشتري» (ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَاسْتَأْمَرَهُ) أي: استشاره (فَقَالَ) له ﵊: (لَا تَعُدْ) أي: لا ترجع (فِي صَدَقَتِكَ) واقطع طمعك منها ولا ترغب فيها (فَبِذَلِكَ) أي: فبسبب ذلك (كَانَ ابْنُ عُمَرَ) عبدُ الله (¬﵄ لَا يَتْرُكُ أَنْ يَبْتَاعَ شَيْئًا تَصَدَّقَ بِهِ إِلَّا جَعَلَهُ صَدَقَةً) أي: إذا اتَّفق (٧) له أن يشتري شيئًا ممَّا تصدَّق به؛ لا يتركه في ملكه حتَّى يتصدَّق به ثانيًا، فكأنَّه فهم أنَّ النَّهي عن شراء الصَّدقة إنَّما هو لمن أراد أن يتملَّكها لا لمن يردُّها صدقةً، وقال الكِرمانيُّ وتبعه البرماويُّ والعينيُّ: التَّرك بمعنى: التَّخلية، وكلمة «من» مُقدَّرةٌ، أي: لا يخلو الشَّخص من أن يبتاعه في حالٍ إلَّا في حال الصَّدقة، أو لغرضٍ من أغراض الصَّدقة. انتهى. وهذه رواية أبي ذرٍّ؛ كما قاله في «فتح الباري» وغيره، ولغير أبي ذرٍّ بحذف حرف النَّفي.

стр. 3518

١٤٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) الإمام، وسقط لأبي ذرٍّ «ابن أنسٍ» (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِيهِ) أسلم المخضرم، مولى عمر، المُتوفَّى سنة ستِّين، وهو ابن أربع عشرة (١) ومئة سنةٍ (قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵁ يَقُولُ: حَمَلْتُ) رجلًا (عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ) أي: جعلته حمولةَ من لم تكن له حمولةٌ من المجاهدين (٢)، ملَّكه إيَّاه، وكان اسم الفرس فيما ذكره ابن سعدٍ في «الطَّبقات»: الورد، وكان لتميمٍ الدَّاريِّ، فأهداه للنَّبيِّ ﷺ فأعطاه لعمر، ولم يعرف الحافظ ابن حجرٍ اسم الرَّجل (فَأَضَاعَهُ) الرَّجل (الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ) بترك القيام عليه بالخدمة والعلف والسَّقي وإرساله للرَّعي حتَّى صار كالشَّيء الهالك (فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ، فظَنَنْتُ) وفي نسخةٍ: «وظننت» بالواو بدل الفاء (أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) عن ذلك (فَقَالَ: لَا تَشْتَرِ) بحذف ضمير (٣) المفعول، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «لا تشتره» بإثباته، ولابن عساكر: «لا تشتريه» بإشباع كسرة الرَّاء والياء، وظاهر النَّهي التَّحريمُ، لكنَّ الجمهور على أنَّه للتَّنزيه، فيُكرَه لمن تصدَّق بشيءٍ أو أخرجه في زكاةٍ أو كفَّارةٍ أو نذرٍ و (٤) نحو ذلك من القربات أن يشتريه ممَّن دفعه هو إليه أو يتَّهبه أو يتملَّكه باختياره منه، فأمَّا إذا ورثه منه فلا كراهة فيه، وكذا لو انتقل إلى ثالثٍ ثمَّ اشتراه منه المتصدِّق فلا كراهة، وحكى الحافظ العراقيُّ في «شرح التِّرمذيِّ»: كراهة شرائه من ثالثٍ انتقل إليه من المُتصدِّق به عليه عن بعضهم؛ لرجوعه فيما تركه لله، كما حَرُم على المهاجرين سكنى مكَّة بعد هجرتهم منها لله تعالى، وأشار ﵊ إلى العلَّة في نهيه عن الابتياع بقوله: (وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ) أي: لا تَعُدْ في صدقتك بطريق الابتياع ولا غيره، فهو من عطف العامِّ على الخاصِّ (وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ) متعلِّقٌ بقوله: «لا تشتره»

стр. 3519

أي: لا ترغب فيه (١) ألبتَّة، ولا تنظر إلى رخصه، ولكن انظر إلى أنَّه صدقتك، وقد أورد ابن المُنيِّر هنا سؤالًا، وهو أن الإغياء في النَّهي عادته أن يكون بالأخفِّ أو الأدنى، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] ولا خفاء بأنَّ (٢) إعطاءه إيَّاه بدرهمٍ أقرب إلى الرُّجوع في الصَّدقة ممَّا إذا باعه بقيمته، وكلام الرَّسول ﷺ هو الحجَّة في الفصاحة، وأجاب بأنَّ المراد: لا تغلِّب (٣) الدُّنيا على الآخرة وإن وفَّرها معطيها، فإذا زهد فيها وهي مُوفَّرةٌ، فلأن (٤) يزهد فيها وهي مُقتَّرةٌ أَحْرى وأَوْلى، فهذا على وفق القاعدة (٥). انتهى. (فَإِنَّ العَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالعَائِدِ فِي قَيْئِهِ) الفاء للتَّعليل، أي: كما يقبح أن يقيء ثمَّ يأكل كذلك يقبح أن يتصدَّق بشيءٍ، ثمَّ يجرَّه إلى نفسه بوجهٍ من الوجوه، وفي روايةٍ للشَّيخين (٦): «كالكلب يعود في قيئه» [خ¦٢٦٢٣] فشُبِّه بأخسِّ الحيوان في أخسِّ أحواله تصويرًا للتَّهجين وتنفيرًا منه، قال في «المصابيح»: وفي ذلك دليلٌ على المنع من الرُّجوع في الصَّدقة؛ لما اشتمل عليه من التَّنفير الشَّديد؛ من حيث شبَّه الرَّاجع بالكلب، والمرجوع فيه بالقيء، والرُّجوع في الصَّدقة برجوع الكلب في قيئه. انتهى. وجزم بعضهم بالحرمة، قال قتادة: لا نعلم القيء إلَّا حرامًا (٧)، والصَّحيح أنَّه للتَّنزيه؛ لأنَّ فعل الكلب لا يُوصَف بتحريمٍ؛ إذ لا تكليف عليه، فالمراد: التَّنفيرُ من العَوْد بتشبيهه (٨) بهذا المستقذر (٩).

стр. 3520

(٦٠) (بابٌ مَا يُذْكَرُ) من الحرمة (فِي الصَّدَقَةِ) مطلقًا الفرض والتَّطوُّع (لِلنَّبِيِّ ﷺ ¬) وهل تحريم الصَّدقة عليه من خصائصه دون الأنبياء أو الحكم شاملٌ لهم أيضًا؟ ولأبي ذرٍّ زيادة: «وآله» أي: تحرم عليهم الصَّدقة أيضًا؛ لأنَّها مطهِّرةٌ، كما قال تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] ولمسلمٍ: «إنَّ هذه الصَّدقات إنَّما هي أوساخ النَّاس، وإنَّها لا تحلُّ لمحمَّدٍ ولا لآل محمَّدٍ»، وآل محمَّدٍ مُنزَّهون عن أوساخ النَّاس، وصيانةً لمنصبه الشَّريف؛ لأنَّها تنبئ عن ذلِّ الآخذ وعزِّ المأخوذ منه؛ لقوله ﵊: «اليد العليا خيرٌ من اليد السُّفلى» [خ¦١٤٢٧] وأبدل بها الفيء الذي يُؤخَذ على سبيل القهر والغلبة المنبئ عن عزِّ (١) الآخذ وذلِّ المأخوذ منه، وتَعقَّب ابن المُنيِّر التَّعليل بأنَّها مذلَّةٌ بأنَّ مقتضاه تحريم الهبة عليهم، ولا قائل به؛ ولأنَّ الواهب أيضًا له اليد العليا، وقد جاء في بعض الطُّرق: «اليد العليا هي المعطية»، ولم يقل: المتصدِّقة، فتدخل الهبات، والأصحُّ عند أصحابنا أنَّ المُحرَّم على الآل الفرضُ دون التَّطوُّع؛ لقول جعفر بن محمَّدٍ عن أبيه: أنَّه كان يشرب من سقاياتٍ بين مكَّة والمدينة، فقيل له: أتشرب من الصَّدقة؟ فقال: «إنَّما حُرِّم علينا الصَّدقة المفروضة»، رواه الشَّافعيُّ والبيهقيُّ، وهو الصَّحيح عند الحنابلة، وبه قال الحنفيَّة (٢) وأصبغ عن ابن القاسم في «العتبيَّة».

стр. 3521

١٤٩١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) الجمحيُّ مولاهم (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَخَذَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵄ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ) زاد أبو مسلمٍ الكجِّيُّ: فلم يفطن له النَّبيُّ ﷺ حتَّى قام ولعابه يسيل، فضرب النَّبيُّ ﷺ شدقه (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : كَِخٍ، كَِخٍ، لِيَطْرَحَهَا) بفتح الكاف وكسرها وبسكون الخاء المعجمة (١)، مُثقَّلًا ومُخفَّفًا، وبكسرها مُنوَّنةً وغير مُنوَّنةٍ، فهي ستُّ لغاتٍ، ورواية أبي ذرٍّ: «كِخْ كِخْ» بكسر الكاف وسكون الخاء مُخفَّفةً، وقال ابن مالكٍ في «التَّسهيل»: إنَّها (٢) من أسماء الأفعال، وفي «التُّحفة»: إنَّها من أسماء الأصوات، وبه قطع ابن هشامٍ في حواشيه على «التَّسهيل»، وقِيلَ: هي عربيَّةٌ، وقِيلَ: عجميَّةٌ، وزعم الدَّاوديُّ أنَّها مُعرَّبةٌ، وأوردها البخاريُّ في «باب من تكلَّم بالفارسيَّة» في آخر «الجهاد» [خ¦٣٠٧٢] والثَّانية تأكيدٌ للأولى، وهي كلمةٌ تُقال عند زجر الصَّبيِّ عن تناول شيءٍ وعند التَّقذُّر من شيءٍ (ثُمَّ قَالَ) ﵊ له (٣): (أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ) لحرمتها علينا لما ذُكِر. (٦١) (بابُ الصَّدَقَةِ عَلَى مَوَالِي أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أي: عتقائهنَّ. ١٤٩٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضمِّ العين المهملة وفتح الفاء، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ

стр. 3522

وَهْبٍ) عبدُ الله (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بتصغير «عبد» الأوَّل، ابن عتبة بن مسعودٍ، أحد الفقهاء السَّبعة (عَنِ ابْنِ عَبِّاسٍ ﵄ قَالَ: وَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ شَاةً مَيِّتَةً أُعْطِيَتْهَا مَوْلَاةٌ) لم تُسَمَّ هذه المولاة، وهمزة «أُعطِيتها» مضمومةٌ، مبنيًّا (١) لما لم يُسَمَّ فاعله، و «مولاةٌ» رفع نائبٍ عن الفاعل، أي: عتيقةٌ (لِمَيْمُونَةَ) أمِّ المؤمنين ﵂ (٢) (مِنَ الصَّدَقَةِ) متعلِّقٌ (٣) بـ «أُعطِيت» أو (٤) صفةٌ لـ «شاةً»، وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّ مولاة ميمونة أُعطِيت صدقةً، فلم ينكر عليها النَّبيُّ ﷺ ، فدلَّ على أنَّ موالي أزواجه ﵊ تحلُّ لهم الصَّدقة كهنَّ؛ لأنَّهنَّ لسن من جملة الآل، ونقل ابن بطَّالٍ الاتِّفاق عليه؛ لكن فيه نظرٌ، فقد روى الخلَّال فيما ذكره ابن قدامة من طريق ابن أبي مُليكة عن عائشة ﵂ قالت: إنَّا -آلَ محمَّدٍ- لا تحلُّ لنا الصَّدقة، قال ابن قدامة: وهذا يدلُّ على تحريمها، وإسناده حسنٌ، وأخرجه ابن أبي شيبة (٥)، نعم هي حرامٌ على مواليه صلوات الله وسلامه عليه وموالي آله، وهم بنو هاشمٍ وبنو المطَّلب؛ لأنَّه ﷺ لمَّا سُئِل عن ذلك قال: «إنَّ الصَّدقة لا تحلُّ لنا، وإنَّ مولى القوم من أنفسهم»، رواه التِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ، وإنَّما لم يترجم المؤلِّف لأزواجه؛ لأنَّه لم يَثبت عنده في ذلك شيءٌ (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (النَّبِيُّ ﷺ : هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا؟ قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، قَالَ: إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا) أي: اللَّحم حرامٌ لا الجلدُ.

стр. 3523

١٤٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا الحَكَمُ) بفتحتين، ابن عُتيبة (١) (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد (عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ لِلْعِتْقِ) بفتح المُوحَّدة وكسر الرَّاء الأولى (وَأَرَادَ مَوَالِيهَا) ساداتها بنو هلالٍ أو أهل بيتٍ من الأنصار (أَنْ يَشْتَرِطُوا) على عائشة (وَلَاءَهَا) (٢) أن يكون لهم، وواو «وَلاءها» مفتوحةٌ مع المدِّ، مأخوذةٌ (٣) من الوَلْي -بفتح الواو وسكون اللَّام- وهو القرب، والمراد به هنا وصفٌ حكميٌّ (٤) ينشأ عنه ثبوت حقِّ الإرث من العتيق الذي لا وارث له من جهة نسبٍ أو زوجيَّةٍ أو الفاضل عن ذلك، وحقِّ العقل عنه إذا جنى، والتَّزويج للأنثى بشروط ذلك كلِّه واستثناء غايته (٥)؛ فلذلك قال الشَّافعيُّ: إنَّ المسلم إذا أعتق النَّصرانيَّ، وبالعكس؛ حقُّ الولاء ثابتٌ، ولا إرث لاختلاف الدِّينين، وقد قال ﵊ [خ¦٦٧٦٤]: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم»، ووجود مانع الإرث منه (٦) لا يلزم منه عدم المقتضى؛ بدليل الأب القاتل أو الرَّقيق أو مخالفٌ في الدِّين، فإنَّ عدم إرثه لا يقدح في أبوَّته، فلم يخرج عن كونه أباه (٧)، فكذا هنا لا يخرج عن كونه مولاه، هذا تقرير الشَّافعيِّ في «الأمِّ» وغيرها من كتبه، فتأمَّله؛ فإنَّه نفيسٌ جدًّا، وقد كانت العرب تبيع (٨) هذا الحقَّ وتهبه (٩)، فنهى الشَّرع عنه؛ لأنَّ الولاء كالنَّسب ولُحْمةٌ كلُحْمة النَّسب، فلا يقبل الزَّوال بالإزالة، والمولى يُطلَق على المعتِق من أعلى، وعلى العتيق

стр. 3524

أيضًا لكن من أسفل، وهل ذلك حقيقةٌ فيهما أو في الأعلى أو في الأسفل؟ أقوالٌ مشهورةٌ، وذكر ابن الأثير في «النِّهاية»: أنَّ اسم المولى يقع على معانٍ كثيرةٍ، وذكر منها ستَّة عشر معنًى؛ وهي: الرَّبُّ والمالك والسَّيِّد والمُنعِم والمعتِق والنَّاصر والمُحِبُّ والتَّابع والجار وابن العمِّ والحَلِيف والعَقيد (١) والصِّهر والعبد والمُنعَم عليه والمُعتَق، قال: وأكثرها قد جاء في الحديث، فيُضاف كلُّ واحدٍ إلى ما يقتضيه الحديث (٢) الوارد فيه، وكلُّ من وَلِيَ أمرًا أو قام (٣) به فهو مولاه ووليُّه، وتختلف مصادر هذه الأسماء، فالوَلاية بالفتح في: النَّسب والنُّصرة والعتق، والوِلاية بالكسر في: الإمارة، والوَلاء: في العتق، والمُوالاة: مِنْ والى القومَ (فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (لِلنَّبِيِّ ﷺ ¬) حُذِف المفعول، أي: ذلك (فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : اشْتَرِيهَا) منهم على ما يقصدون من اشتراط كون الولاء لهم، واستُشكِل هذا؛ لأنَّ المُقرَّر أنَّه لو شرط مع العتق الولاء؛ لم يصحَّ البيع؛ لمخالفته نصَّ الشَّارع: «أنَّ الولاء لمن أعتق» [خ¦٤٥٦] وأُجيب بأنَّ الشرط لم يقع في العقد، وبأنَّه خاصٌّ بقصَّة عائشة هذه لمصلحة قطع عادتهم؛ كما خُصَّ فسخ الحجِّ إلى العمرة بالصَّحابة؛ لمصلحة بيان جوازها في أشهُره (فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) أي (٤): فلا تبالي، سواءٌ شَرَطْتِيه (٥) أم لا، فإنَّه شرطٌ باطلٌ، وكلمة: «إنَّما» هنا للحصر؛ لأنَّها لو لم تكن للحصر؛ لمَا لزم من إثبات الولاء لمن أعتق نفيه عمَّن لم يعتِق، لكنَّ هذه الكلمة ذُكِرت في الحديث لبيان نفيه عمَّن لم يعتِق، فدلَّ على أنَّ مقتضاه (٦) الحصر، قاله ابن دقيق العيد. (قَالَتْ) عائشة ﵂: (وَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، و «النَّبيُّ (٧)» رفع نائبٍ عن (٨) الفاعل (بِلَحْمٍ، فَقُلْتُ: هَذَا مَا) ولأبي الوقت: «ممَّا» (تُصُدِّقَ بِهِ) بضمِّ أوَّله وثانيه (عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ) ﵊:

стр. 3525

(هُوَ) أي: اللَّحم المُتصدَّق به على بريرة (١) (لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ) قال ابن مالكٍ: يجوز في «صدقةٌ» الرَّفع على أنَّه خبر «هو»، و «لها» صفةٌ قدِّمت فصارت حالًا؛ كقوله: والصَّالحات عليها مغلقًا بابُ فلو قُصِدَ بَقاءُ الوصفيَّة لها؛ لقِيلَ: والصَّالحات عليها بابٌ مغلَقٌ، وكذا الحديث لو قُصِدَت (٢) فيه الوصفيَّة بـ «لها»؛ لقِيلَ: هو صدقةٌ لها، ويجوز النَّصب فيها (٣) على الحال والخبر «لها». انتهى. والصَّدقة منحةٌ لثواب الآخرة، والهديَّة تمليكُ الغير شيئًا؛ تقرُّبًا إليه وإكرامًا له، ففي الصَّدقة نوعُ ذلٍّ للآخذ، فلذلك حَرُمت الصَّدقة عليه ﷺ دون الهديَّة، وقِيلَ: لأنَّ الهديَّة يُثاب عليها في الدُّنيا فتزول (٤) المنَّة، والصَّدقة يُراد بها ثواب الآخرة فتبقى المنَّة، ولا ينبغي لنبيٍّ أن يمنَّ عليه غير الله، وقال البيضاويُّ: إذا تصدَّق على المحتاج بشيءٍ ملكه، وصار له كسائر ما يملكه، فله أن يهدي به غيره، كما له أن يهدي سائر أمواله بلا فرقٍ، وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّ بريرة من جملة موليات عائشة، وتُصدِّق عليها. وهذا الحديث قد سبق في «باب ذكر البيع والشِّراء على المنبر في المسجد» [خ¦٤٥٦]، وقد أخرجه البخاريُّ أيضًا في «كتاب الكفَّارات» [خ¦٦٧١٧] وفي «الطَّلاق» [خ¦٥٢٨٤] و «الفرائض» [خ¦٦٧٥١]، والنَّسائيُّ في «الزَّكاة» و «الطَّلاق». (٦٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا تَحَوَّلَتِ الصَّدَقَةُ) أي: عن كونها صدقةً بأن دخلت في ملك المُتصدَّق عليه؛ يجوز تناول الهاشميِّ لها، ولأبي ذرٍّ: «إذا حُوِّلت» بضمِّ الحاء وحذف التَّاء، مبنيًّا للمفعول.

стр. 3526

١٤٩٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضمِّ الزَّاي وفتح الرَّاء، مُصغَّرًا، و «يزيد» من الزِّيادة، قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ) أخت محمَّد بن سيرين، سيِّدة التَّابعيَّات (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نُسَيبة (الأَنْصَارِيَّةِ ﵂¬) أنَّها (١) (قَالَتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ) من الطَّعام؟ (فَقَالَتْ: لَا) شيءَ من الطَّعام عندنا (إِلَّا شَيْءٌ بَعَثَتْ بِهِ إِلَيْنَا) أمُّ عطيَّة (نُسَيْبَةُ) بضمِّ النُّون وفتح السِّين المهملة والمُوحَّدة، بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ، والجملة من فعلٍ وفاعلٍ، صفةٌ لـ «شيء» وكلمة: «من» في قوله: (مِنَ الشَّاةِ) (٢) للبيان والدَّلالة على التَّبعيض (الَّتِي بَعَثْتَ بِهَا) أنت لها (مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ) ﵊ (إِنَّهَا) أي: الصَّدقة (قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا) بكسر الحاء، أي: وصلت إلى الموضع الذي تحلُّ؛ وذلك أنَّه لمَّا تُصدِّق بها على نُسيبة؛ صارت ملكًا لها فصحَّ لها التَّصرُّف بالبيع وغيره، فلمَّا أهدتها له ﵊؛ انتقلت عن حكم الصَّدقة، فجاز له القبول والأكل. وفي هذا الحديث التَّحديث والعنعنة، ورواته كلُّهم بصريُّون، وفيه رواية التَّابعيَّة عن الصَّحابيَّة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الزَّكاة» [خ¦١٤٤٦] و «الهبة» [خ¦٢٥٧٩]، ومسلمٌ في «الزَّكاة».

стр. 3527

١٤٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى) المعروف بَختٍّ؛ بمُعجَمةٍ مفتوحةٍ، فمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مُشَدَّدةٍ، قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) هو ابن الجرَّاح الرُّؤاسيُّ (١) -بضمِّ الراء وهمزةٍ ثمَّ مُهمَلةٍ- الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالكٍ (¬﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِلَحْمٍ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: هُوَ) أي: اللَّحم (عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ) قُدِّم لفظ «عليها» على المبتدأ؛ لإفادة الاختصاص، أي: لا علينا؛ لزوال وصف الصَّدقة وحكمها؛ لكونها صارت ملكًا لبريرة ثمَّ صارت هديَّةً، فالتَّحريم ليس لعين اللَّحم، كما لا يخفى. (وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ) الطَّيالسيُّ، ممَّا أخرجه في «مُسنَده»: (أَنْبَأَنَا) خصَّها المتأخِّرون بالإجازة (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة أنَّه (٢) (سَمِعَ أَنَسًا) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ساق السَّند دون المتن؛ لتصريح قتادة فيه بالسَّماع؛ لأنَّه مدلِّسٌ، فزال توهُّم تدليسه في السَّند السَّابق حيث عنعن فيه. (٦٣) (بابُ أَخْذِ الصَّدَقَةِ) المفروضة (مِنَ الأَغْنِيَاءِ، وَتُرَدَُّ) بالرَّفع؛ كما في الفرع وغيره ممَّا وقفت (٣) عليه من الأصول المعتمدة، وقال العينيُّ: بالنَّصب؛ بتقدير: «أن»، فيكون في حكم المصدر، ويكون التَّقدير: وأن تُرَدَّ، وهو الذي في «اليونينيَّة» فقط، أي: والرَّدِّ (في الفُقَرَاءِ حَيْثُ كَانُوا) ظاهره أنَّ المؤلِّف يختار جواز نقل الزَّكاة من بلد المال، قاله ابن المُنيِّر، وهو مذهب الحنفيَّة، والأصحُّ عند الشَّافعيَّة والمالكيَّة عدم الجواز، نعم؛ لو نقل أجزأ عند المالكيَّة؛ لكن لو نقل لدون أهل بلد الوجوب في الحاجة؛ لم يجزئه، وهو المشهور عندهم، ولم يجز النَّقل عند الشَّافعيَّة إلَّا عند فقد المستحقِّين.

стр. 3528

١٤٩٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) ولأبي ذرٍّ: «محمَّد بن مقاتلٍ المروزيُّ» قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ) المكِّيُّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ) بفتح الصَّاد المهملة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر الفاء (عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ) نافدٍ (١)، بالنُّون والفاء والدَّال المهملة أو المعجمة (مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ) وفي رواية إسماعيل بن أميَّة عند المؤلِّف في «التَّوحيد» [خ¦٧٣٧٢] عن يحيى أنَّه سمع أبا معبدٍ يقول: سمعت ابن عبَّاسٍ يقول: (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) ولمسلمٍ عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كُرَيْبٍ وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن وكيعٍ، وقال فيه: عن ابن عبَّاسٍ عن معاذ بن جبلٍ قال: بعثني رسول الله ﷺ ، وعلى هذا يكون الحديث من مسند معاذٍ، لكنَّه في جميع الطُّرق من مُسنَد ابن عبَّاسٍ، كما عند المؤلِّف، وليس حضور ابن عبَّاسٍ لذلك ببعيدٍ؛ لأنَّه كان في (٢) أواخر حياة النَّبيِّ ﷺ ، وهو إذ ذاك مع أبويه بالمدينة، قاله الحافظ ابن حجرٍ (لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ) واليًا كما عند العسكريِّ، أو قاضيًا كما عند ابن البرِّ: (إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ) بنصب «أهلَ» بدلًا (٣) من «قومٍ» لا صفةً، وهذا كالتَّوطئة للوصيَّة؛ لتقوى همَّتُه عليها؛ لكون (٤) أهل الكتاب أهل علمٍ في الجملة؛ ولذا خصَّهم بالذِّكر تفضيلًا لهم على غيرهم من عبدة الأوثان، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أهل الكتاب» بالتَّعريف (فَإِذَا جِئْتَهُمْ) عبَّر

стр. 3529

بـ «إذا» دون «إن» تفاؤلًا بالوصول إليهم (فَادْعُهُمْ إِلَى (١) أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) بدأ بهما؛ لأنَّهما أصل الدِّين الذي لا يصحُّ شيءٌ غيرهما إلَّا بهما، واستدلَّ به على أنَّه لا يكفي في الإسلام الاقتصار على شهادة أن لا إله إلَّا الله حتَّى يضيف الشَّهادة لمحمَّدٍ بالرِّسالة، وهو قول الجمهور (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا) أي: شهدوا وانقادوا (لَكَ بِذَلِكَ) وعدَّى «أطاع» باللَّام وإن كان يتعدَّى بنفسه؛ لتضمُّنه معنى «انقاد» (٢)، ولابن خزيمة: «فإن هم أجابوا لذلك (٣)» (فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ) بأن أقرُّوا بوجوب الخمس عليهم و (٤) فعلوها (فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً) في أموالهم (تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ) يأخذها الإمام أو نائبه (فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ) خصَّهم بالذِّكر -وإن كان مستحقُّ الزَّكاة أصنافًا أخر- لمقابلة الأغنياء، ولأنَّ الفقراء هم الأغلب، والضَّمير في «فقرائهم» يعود على (٥) أهل اليمن، فلا يجوز النَّقل لغير فقراء أهل بلد الزَّكاة؛ كما سبق أوَّل «الزَّكاة» [خ¦١٣٩٥] (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ) أي: نفائسَ (أَمْوَالِهِمْ) بنصب «كرائمَ» بفعلٍ مُضمَرٍ لا يجوز إظهاره؛ للقرينة الدَّالَّة عليه، وقال ابن قتيبة: لا يجوز حذف واو: «وكرائم». انتهى. وعلَّل بأنَّها حرف عطفٍ، فيختلُّ الكلام بالحذف. (وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ) أي: تجنَّب جميع أنواع الظُّلم؛ لئلَّا يدعو عليك المظلوم، وإنَّما ذكره عقب المنع من أخذ الكرائم؛ للإشارة إلى أنَّ أخذَها ظلمٌ (فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ) أي: المظلوم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ:

стр. 3530

«فإنَّها (١) ليس بينها» أي: دعوة المظلوم (وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ) وإن كان المظلوم عاصيًا؛ لحديث أحمد عن أبي هريرة بإسنادٍ حسنٍ مرفوعًا: «دعوة المظلوم مستجابةٌ، وإن كان فاجرًا ففجوره على نفسه (٢)» وليس لله حجابٌ يحجبه عن خلقه، فإن قلت: إنَّ بعث معاذٍ كان بعد فرض الصَّوم والحجِّ، فلِمَ لم يذكرهما؟ أُجيب بأنَّه اختصارٌ من بعض الرُّواة، وقِيلَ: إنَّ اهتمام الشَّارع بالصَّلاة والزَّكاة أكثر؛ ولذا كُرِّرا (٣) في القرآن، فمن ثمَّ لم يذكرهما في هذا الحديث، وقال الإمام البلقينيُّ: إذا كان الكلام في بيان الأركان؛ لم يُخِلَّ الشَّارع منها (٤) بشيءٍ؛ كحديث ابن عمر [خ¦٨]: «بني الإسلام على خمسٍ … »، فإذا كان في الدُّعاء إلى الإسلام؛ اكتُفِي بالأركان الثَّلاثة: الشَّهادة والصَّلاة والزَّكاة، ولو كان بعد وجود فرض الصَّوم والحجِّ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: ٥] في موضعين من «براءة» مع أنَّ نزولها بعد فرض الصَّوم والحجِّ قطعًا، والحكمة في ذلك: أنَّ الأركان الخمسة: اعتقاديٌّ؛ وهو الشَّهادة، وبدنيٌّ؛ وهو الصَّلاة، وماليٌّ؛ وهو الزَّكاة، فاقتصر في الدُّعاء إلى الإسلام عليها؛ لتفرُّع الرُّكنين الأخيرين عليها، فإنَّ الصَّوم بدنيٌّ محضٌ، والحجَّ بدنيٌّ وماليٌّ. وهذا الحديث قد مرَّ في أوَّل «باب وجوب الزَّكاة» [خ¦١٣٩٥]. انتهى (٥). (٦٤) (باب صَلَاةِ الإِمَامِ وَدُعَائِهِ لِصَاحِبِ الصَّدَقَةِ) كأن يقول: آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت، ونحو ذلك، والمرادُ من الصَّلاة معناها اللَّغويُّ؛ وهو الدُّعاء، وعطف الدُّعاء على الصَّلاة؛ ليبيِّن أنَّ لفظ الصَّلاة ليس بحتمٍ، بل غيره من الدُّعاء ينزل منزلته، قاله ابن المُنيِّر، ويؤيِّده ما في حديث وائل بن حُجْرٍ عند النَّسائيِّ أنَّه ﷺ قال في رجلٍ بعث بناقةٍ حسناء (٦) في

стр. 3531

الزَّكاة: «اللَّهمَّ بارك فيه وفي إبله» (وَقَوْلِهِ) تعالى، بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق: (﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾) من الذُّنوب (﴿وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾) وتنمِّي بها حسناتهم، وترفعهم إلى منازل المخلصين (﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾) أي: ادع لهم، رواه ابن أبي حاتمٍ وغيره بإسنادٍ صحيحٍ عن السُّدِّيِّ (﴿إِنَّ صَلَاتَكَ﴾) وفي بعض الأصول: «﴿إنَّ صَلاتَكَ﴾» بالإفراد؛ كقراءة حمزة والكسائيِّ وحفصٍ (﴿سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]) تسكن إليها نفوسهم، وتطمئنُّ بها قلوبهم، وجمعها؛ لتعدُّد المدعوِّ لهم، ولأبي ذرٍّ: «﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿سَكَنٌ لَّهُمْ﴾». ١٤٩٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين، الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين وسكون الميم، ابنُ مُرَّة -بضمِّ الميم وتشديد الرَّاء- ابن عبد الله بن طارقٍ، الكوفيِّ التَّابعيِّ الصَّغير (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى) بفتح الهمزة وسكون الواو وفتح الفاء، مقصورًا، اسمه: علقمة بن خالد بن (١) الحارث، الأسلميِّ، وهو آخر من مات من الصَّحابة بالكوفة سنة سبعٍ وثمانين، وفي «المغازي» عند المؤلِّف [خ¦٤١٦٦]: سمعت ابن أبي أوفى ﵄ (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ) أي: بزكاة أموالهم (قَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى فُلَانٍ) أي: اغفر له وارحمه، ولغير أبي ذرٍّ: «على آل فلانٍ» يريد أبا أوفى نفسه، لأنَّ الآل يُطلَق على ذات الشَّيء، كما قال ﵊ عن أبي موسى الأشعريِّ: «لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود» [خ¦٥٠٤٨] يريد داود نفسه (فَأَتَاهُ أَبِي) أبو أوفى (بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى) امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إ﴾ [التوبة: ١٠٣] وهذا (٢) من خصائصه ﷺ ؛ إذ يُكرَه لنا كراهة تنزيهٍ على الصَّحيح الذي عليه الأكثرون -كما قاله النَّوويُّ- إفرادُ الصَّلاة على غير الأنبياء؛ لأنَّه صار شعارًا لهم إذا ذُكِروا فلا يلحق غيرهم بهم، فلا يُقال: أبو بكرٍ ﷺ وإن كان المعنى صحيحًا؛ كما لا يُقال: قال (٣) محمَّدٌ ، وإن كان عزيزًا جليلًا؛ لأنَّ هذا من شعار

стр. 3532

ذكر (١) الله تعالى. وفي هذا الحديث التَّحديثُ والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤١٦٦] و «الدَّعوات» [خ¦٦٣٣٢]، ومسلمٌ في «الزَّكاة»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه. (٦٥) (بابُ) حكم (مَا يُسْتَخْرَجُ مِنَ البَحْرِ) بسهولةٍ؛ كالموجود بساحله، أو بصعوبةٍ؛ كالموجود (٢) بالغوص عليه، ونحو ذلك، هل تجب فيه زكاةٌ أم لا؟ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄¬) ممَّا وصله الشَّافعيُّ، ورواه البيهقيُّ من طريقه: (لَيْسَ العَنْبَرُ بِرِكَازٍ) بفتح العين والمُوحَّدة، بينهما نونٌ ساكنةٌ؛ نوعٌ من الطِّيب، قال في «القاموس»: روثُ دابَّةٍ بحريَّةٍ، أو نبع عينٍ فيه. انتهى. وقِيلَ: هو زبد البحر، أو نباتٌ في قعره (٣) يأكله بعض دوابِّه، ثمَّ يقذفه رجيعًا، لكن قال ابن سينا: وما يُحكَى -أنَّه روث دابَّةٍ (٤) أو قيئها أو من زبد البحر- بعيدٌ (٥)، وقِيلَ: هو نبتٌ في البحر بمنزلة

стр. 3533

الحشيش في البرِّ، وقِيلَ: إنَّه شجرٌ ينبت في البحر، فينكسر فيلقيه الموج إلى السَّاحل، وقال الشَّافعيُّ في «كتاب السَّلم» من «الأمِّ»: أخبرني عددٌ ممَّن أثق بخبرهم، أنَّه نباتٌ يخلقه الله تعالى في جنبات البحر (هُوَ شَيْءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ) بفتح المهملات، أي: دفعه ورمى به إلى السَّاحل. (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ، ممَّا وصله ابن أبي شيبة: (فِي العَنْبَرِ وَاللُّؤْلُؤِ) وهو قطر الرَّبيع يقع في الصَّدف (١) (الخُمُسُ) قال البخاريُّ رادًّا على قوله هذا: (فَإِنَّمَا) كذا في «اليونينيَّة»، وفي غيرها: «وإنَّما» (جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) الحديث الذي سيأتي قريبًا -إن شاء الله تعالى - موصولًا [خ¦١٤٩٩] (فِي الرِّكَازِ) الذي هو من دفين الجاهليَّة في الأرض (الخُمُسَ، لَيْسَ فِي الَّذِي يُصَابُ فِي المَاءِ) لأنَّ الذي يُستخرَج من البحر لا يُسمَّى في لغة العرب ركازًا. ١٤٩٨ - (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ، ممَّا وصله المؤلِّف في «البيوع» [خ¦٢٠٦٣]: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن شرحبيل المصريُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ) الأعرج (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «عن رسول الله» (¬ ﷺ ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنْ) ولأبي ذرٍّ: «أن» (يُسْلِفَهُ) بضمِّ أوَّله، من أسلف (أَلْفَ دِينَارٍ) زاد في «باب الكفالة في القرض والدُّيون» [خ¦٢٢٩١]: «فقال: ائتني بالشُّهداء أُشْهِدُهم، قال: كفى بالله شهيدًا، قال: فائتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلًا، قال: صدقت» (فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ) وزاد أيضًا فيه (٢): «إلى أجلٍ مُسمًّى» (فَخَرَجَ فِي البَحْرِ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا) بفتح الكاف، أي: سفينةً يركب عليها، ويجيء إلى صاحبه، أو يبعث فيها قضاء دينه (فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا) قوَّرها (فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ) زاد أيضًا في «الكفالة» [خ¦٢٢٩١]: «وصحيفةً منه إلى صاحبه» (فَرَمَى بِهَا) أي: بالخشبة

стр. 3534

(فِي البَحْرِ) بقصد أنَّ الله تعالى يوصلها لربِّ المال (فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ) الألف دينارٍ (فَإِذَا بِالخَشَبَةِ) أي: فإذا هو مُفاجَأٌ بالخشبة (فَأَخَذَهَا لأَهْلِهِ حَطَبًا) نُصِبَ على أنَّ «أخذ» من أفعال المقاربة، فتعمل عمل «كان»، أو بفعل مُقدَّرٍ، أي: يستعملها استعمال الحطب في الوقود (١) (فَذَكَرَ الحَدِيثَ) بتمامه، ويأتي -إن شاء الله تعالى- في «باب الكفالة في القرض» [خ¦٢٢٩١] (فَلَمَّا نَشَرَهَا) أي: قطع الخشبة بالمنشار (وَجَدَ المَالَ) الذي كان أسلفه. وموضع التَّرجمة قوله: «فإذا بالخشبة فأخذها لأهله حطبًا» وأدنى الملابسة في التَّطابق كافٍ، وقال ابن المُنيِّر: موضع الاستشهاد إنَّما هو أخذُ الخشبة على أنَّها حطبٌ، فدلَّ على إباحة مثل ذلك ممَّا يلفظه البحر، إمَّا ممَّا (٢) ينشأ فيه؛ كالعنبر، أو ممَّا سبق فيه ملكٌ وعَطِبَ (٣)، وانقطع ملك صاحبه منه على اختلافٍ بين العلماء في تمليك هذا مطلقًا أو مُفصَّلًا، وإذا جاز تمليك (٤) الخشبة، وقد تقدَّم عليها ملك متملِّكٍ؛ فنحو العنبر الذي لم يتقدَّم عليه ملكٌ أَوْلى. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الكفالة» [خ¦٢٢٩١] و «الاستقراض» [خ¦٢٤٠٤] و «اللُّقطة» [خ¦٢٤٣٠] و «الشُّروط» [خ¦٢٧٣٤] و «الاستئذان» [خ¦٦٢٦١]، والنَّسائيُّ في «اللُّقطة» وتأتي بقيَّة مباحثه إن شاء الله تعالى في محالِّه، بعون الله وقوَّته.

стр. 3535

(٦٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (فِي الرِّكَازِ الخُمُسُ) بالرَّفع، مبتدأٌ مُؤخَّرٌ، و «الرِّكَاز» بكسر الرَّاء وتخفيف الكاف، آخره زايٌ؛ هو (١) من دفين الجاهليَّة، كأنَّه رُكِز في الأرض ركزًا، أي: غُرِز، وإنَّما كان فيه الخمس؛ لكثرة نفعه وسهولة أخذه. (وَقَالَ مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ، إمام دار الهجرة، ممَّا رواه أبو عُبيدٍ في «كتاب الأموال» (وَابْنُ إِدْرِيسَ) هو الشَّافعيُّ، الإمام الأعظم صاحب المذهب، كما جزم به أبو زيدٍ المروزيُّ أحد الرُّواة عن الفَِرَبْريِّ، وتابعه البيهقيُّ وجمهور الأئمَّة، وعبارة البيهقيِّ كما رأيته في كتابه «معرفة السُّنن والآثار»: قد حكى محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ مذهبَ مالكٍ والشَّافعيِّ في الرِّكاز والمعدن في «كتاب الزَّكاة» من «الجامع»، فقال (٢): وقال مالكٌ وابن إدريس؛ يعني: الشَّافعيُّ، وقِيلَ: المراد بابن إدريس: عبد الله بن إدريس، الأوديُّ الكوفيُّ: (الرِّكَازُ دِفْنُ الجَاهِلِيَّةِ) بكسر الدَّال وسكون الفاء، أي: الشَّيء المدفون، كذِبْحٍ بمعنى: مذبوحٍ، وبالفتح: المصدر، ولا يُراد هنا؛ كذا قاله ابن حجرٍ كالزَّركشيِّ (٣)، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه يصحُّ الفتح على أن يكون مصدرًا أُرِيد به المفعول؛ مثل: الدِّرهم ضَرْبُ الأمير، وهذا الثَّوب نسجُ اليمن (فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ الخُمُْسُ) بضمَّتين، وقد تُسكَّن الميم، وهذا (٤) قول أبي حنيفة ومالكٍ وأحمد، وبه قال إمامنا الشَّافعيُّ في القديم، وشرط في الجديد النِّصاب، فلا تجب الزَّكاة فيما دونه إلَّا إذا كان في ملكه من جنس النَّقد الموجود (وَلَيْسَ المَعْدِنُ) بكسر الدَّال، أي: المكان من الأرض يخرج منه شيءٌ من الجواهر والأجساد؛ كالذَّهب والفضَّة والحديد والنُّحاس والرَّصاص والكبريت وغير ذلك، مأخوذٌ من: عدن بالمكان؛ إذا أقام به، يعدِن -بالكسر- عُدُونًا، سُمِّي بذلك؛ لعدون ما أنبته الله فيه، قاله الأزهريُّ، وقال في «القاموس»: والمَعْدِن كمَجْلِسٍ: مَنْبِتُ الجواهر من ذهبٍ ونحوه؛ لإقامة

стр. 3536

أهله فيه دائمًا، أو لإنبات (١) الله إيَّاه فيه (بِرِكَازٍ) لأنَّه لا يدخل تحت اسم الرِّكاز ولا له حكمه (وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) كما وصله في آخر الباب من حديث أبي هريرة [خ¦١٤٩٩]: (فِي المَعْدِنِ جُبَارٌ) بضمِّ الجيم وتخفيف المُوحَّدة، آخره راءٌ؛ يعني: إذا حفر معدنًا في ملكه أو في مواتٍ، فوقع فيه شخصٌ ومات، أو استأجره لعملٍ في المعدن فهلك؛ لا يضمنه بل دمه هدرٌ، وليس المراد أنَّه لا زكاة فيه (وَفِي الرِّكَازِ) دِفْن الجاهليَّة (الخُمُسُ) ففرَّق بينهما، وجعل لكلٍّ منهما حكمًا، ولو كانا بمعنًى واحدٍ؛ لجمع بينهما، فلمَّا فرَّق بينهما؛ دلَّ على التَّغاير. (وَأَخَذَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ مِنَ المَعَادِنِ) وهي المستخرجة من موضع خلقها (مِنْ كُلِّ (٢) مئتين) من الدَّراهم (خَمْسَةً) منها، وهي رُبع العُشر، وفي قولٍ: الخمس كالرِّكاز؛ بجامع الخفاء في الأرض، وهذا التَّعليق وصله أبو عُبيدٍ في «كتاب الأموال». (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ، ممَّا وصله ابن أبي شيبة بمعناه: (مَا كَانَ مِنْ رِكَازٍ) دِفْن الجاهليَّة (فِي أَرْضِ الحَرْبِ؛ فَفِيهِ الخُمُسُ، وَمَا كَانَ في (٣) أَرْضِ السِّلْمِ) بكسر السِّين وسكون اللَّام، أي: الصُّلح، ولأبي الوقت: «وما كان من أرض السِّلمْ (٤)» (فَفِيهِ الزَّكَاةُ) المعهودة؛ وهي رُبع العُشر، قال ابن المنذر: لا أعرف أحدًا فرَّق هذه التَّفرقة غير الحسن (وَإِنْ وُجِدَت اللُّقَْطَةَ) بضمِّ الواو، مبنيًّا للمفعول، و «اللُّقَْطة» بضمِّ اللَّام المُشدَّدة وفتح القاف وسكونها، وهذا من قول الحسن، ولأبي الوقت: «وُجِدَت لقطةٌ» (فِي أَرْضِ العَدُوِّ؛ فَعَرِّفْهَا) لاحتمال أن تكون للمسلمين، وفي الفرع كأصله: «وإن وَجَدْتَ» بفتح الواو، مبنيًّا (٥) للفاعل «اللَّقطةَ» مفعولٌ (٦) (وَإِنْ كَانَتْ مِنَ العَدُوِّ) أي: من ماله؛ فلا حاجة إلى تعريفها؛ لأنَّها صارت ملكه (فَفِيهَا الخُمُسُ، وَقَالَ بَعْضُ

стр. 3537

النَّاسِ) هو الإمام أبو حنيفة، وهذا أوَّل موضعٍ ذكره فيه المؤلِّف بهذه الصِّيغة، ويحتمل أن يكون أراد أبا حنيفة (١) وغيره من الكوفيِّين ممَّن قال بذلك: (المَعْدِنُ رِكَازٌ مِثْلُ دِفْنِ الجَاهِلِيَّةِ) بكسر الدَّال (٢) وفتحها، على ما مرَّ، فيجب فيه أيضًا الخُمس، قال الزُّهريُّ (٣) وأبو عبيدٍ: الرِّكاز: المال (٤) المدفون والمعدن جميعًا (لأَنَّهُ يُقَالُ) ممَّا سُمِع من العرب: (أَرْكَزَ المَعْدِنُ) بفتح الهمزة، فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للفاعل، والضَّمير في «لأنَّه» للشَّأن، واللَّام للتَّعليل (إِذَا خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ) بفتح الخاء المعجمة بغير همزةٍ (٥) قبلها، ولأبي ذرٍّ: «أُخْرِجَ» بهمزةٍ مضمومةٍ (قِيلَ لَهُ) أي: لبعض النَّاس: (قَدْ يُقَالُ لِمَنْ وُهِبَ لَهُ شَيْءٌ) بضمِّ الواو وكسر الهاء مبنيًّا للمفعول، «شيءٌ» رفع نائبٍ عن (٦) الفاعل (أَوْ رَبِحَ رِبْحًا كَثِيرًا، أَوْ كَثُرَ ثَمَرُهُ: أَرْكَزْتَ) بتاء الخطاب، أي: فيلزم أن يُقال: كلُّ (٧) واحدٍ من الموهوب والرِّبح والثَّمر (٨) ركازٌ، ويُقال لصاحبه: أركزت، ويجب فيه الخُمس، لكنَّ الإجماع على خلافه، وإنَّه ليس فيه إلَّا ربع العشر، فالحكم مختلفٌ وإن اتَّفقت التَّسمية، واعترضه بعضهم بأنَّه لم يُنقَل عن بعض النَّاس ولا عن العرب أنَّهم قالوا: أركز المعدن، وإنَّما قالوا: أركز الرَّجل، فإذا لم يكن هذا صحيحًا؛ فكيف يتوجَّه الإلزام بقول القائل: قد يُقال لمن وُهِبَ (٩) .... إلى آخره. ومعنى أركز الرَّجل: صار له ركازٌ من قطع الذَّهب، ولا يلزم منه أنَّه إذا وُهِبَ له شيءٌ أن يُقال له: أركزت؛ بالخطاب، وكذا إذا ربح

стр. 3538

ربحًا كثيرًا أو كثر ثمره، ولو علم المعترض أنَّ معنى «أفعل» هنا ما هو؛ لمَا اعترض ولا أفحش فيه، ومعنى «أفعل» هنا: للصَّيرورة؛ يعني: لصيرورة الشَّيء، منسوبًا إلى ما اشتقَّ منه الفعل كـ «أغدَّ البعير» أي: صار ذا غدَّةٍ، ومعنى أركز الرَّجل، أي (١): صار له ركازٌ من قطع الذَّهب -كما مرَّ- ولا يُقال إلَّا بهذا القيد لا مطلقًا (ثُمَّ نَاقَضَ) أي: بعض النَّاس؛ لأنَّه قال أوَّلًا: المعدن ركازٌ ففيه الخُمس (وَقَالَ) ثانيًا: (لَا بَأْسَ أَنْ يَكْتُمَهُ) عن السَّاعي (فَلَا يُؤَدِّيَ الخُمُسَ) في الزّكاة (٢)، وهو عنده شاملٌ للمعدن، وقد اعترض ابن بطَّالٍ المؤلِّفَ في هذه المناقضة بأنَّ الذي أجاز أبو حنيفة كتمانه إنَّما هو إذا كان محتاجًا إليه؛ بمعنى: أنَّه يتأوَّل أنَّ له حقًّا في بيت المال، ونصيبًا في الفيء، فأجاز له (٣) أن يأخذ الخُمس لنفسه عوضًا عن ذلك، لا أنَّه أسقط الخُمس عن المعدن بعدما أوجبه فيه. ١٤٩٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بفتح لام «سلَمة»، كلاهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: العَجْمَاءُ) بفتح العين المهملة وسكون الجيم والمدِّ، أي: البهيمة؛ لأنَّها لا تتكلَّم (جُبَارٌ) بضمِّ الجيم وتخفيف المُوحَّدة، أي: هدرٌ غير مضمونٍ، ولمسلمٍ: «جرحها جبارٌ»، ولا بدَّ في رواية البخاريِّ من تقديرٍ؛ إذ لا معنى لكون (٤) العجماء نفسها هدرًا، وقد دلَّت رواية مسلمٍ على أنَّ ذلك المُقدَّر هو «الجرح»، فوجب المصير له (٥)،

стр. 3539

لكنَّ الحكم غير مختصٍّ به، بل هو مثالٌ نبَّه به (١) على غيره، ولو لم تكن روايةٌ أخرى على تعيين ذلك المُقدَّر؛ لم يكن لرواية البخاريِّ عمومٌ في جميع المُقدَّرات التي يستقيم الكلام بتقدير واحدٍ منها، هذا هو الصَّحيح في الأصول: أنَّ (٢) المقتضى (٣) لا عموم له، والمراد أنَّها إذا انفلتت فصدمت (٤) إنسانًا، فأتلفته أو أتلفت مالًا؛ فلا غرم على مالكها، أمَّا إذا كان معها؛ فعليه ضمان ما أتلفته، سواءٌ أتلفته (٥) ليلًا أو نهارًا، وسواءٌ كان سائقها أو راكبها أو قائدها، وسواءٌ كان مالكها أو أجيره أو مستأجرًا أو مستعيرًا أو غاصبًا، وسواءٌ أتلفت بيدها أو رجلها أو عضِّها أو ذنبها، وقال مالكٌ: القائد والرَّاكب والسَّائق كلُّهم ضامنون لما أصابت الدَّابَّة إلَّا أن ترمح الدَّابَّة من غير أن يُفعَل بها شيءٌ ترمح له، وقال الحنفيَّة: إنَّ الرَّاكب والقائد لا يضمنان ما نفحت الدَّابَّة برجلها أو ذنبها إلَّا إن أوقفها (٦) في الطَّريق، واختلفوا في السَّائق؛ فقال القدوريُّ وآخرون: إنَّه ضامنٌ لما أصابت بيدها ورجلها؛ لأنَّ النَّفحة بمرأى عينه، فأمكنه الاحتراز عنها، وقال أكثرهم (٧): لا يضمن النَّفحة أيضًا وإن كان يراها؛ إذ ليس على رجلها ما يمنعها به، فلا يمكنه التَّحرُّز عنه؛ بخلاف الكدم (٨)؛ لإمكان كبحها (٩) بلجامها، وصحَّحه صاحب «الهداية»، وكذا قال الحنابلة: إنَّ الرَّاكب لا يضمن ما تتلفه البهيمة برجلها (وَالبِئْرُ) يحفرها الرَّجل في ملكه أو في مواتٍ، فيسقط فيها رجلٌ، أو تنهار على من استأجره لحفرها، فيهلك (جُبَارٌ) لا ضمانٌ، أمَّا

стр. 3540

إذا حفرها في طريق المسلمين، أو في ملك غيره بغير إذنه، فتلف فيها إنسانٌ؛ وجب ضمانه على عاقلة حافرها، والكفَّارة في مال الحافر، وإن تلف بها غير الآدميِّ؛ وجب ضمانه في مال الحافر (وَالمَعْدِنُ) إذا حفره في ملكه، أو في مواتٍ أيضًا؛ لاستخراج ما فيه، فوقع فيه إنسانٌ أو انهار على حافره (جُبَارٌ) لا ضمان فيه أيضًا (وَفِي الرِّكَازِ) دِفْن (١) الجاهليَّة (الخُمُسُ) في عطف (٢) الرِّكاز على المعدن دلالةٌ على تغايرهما، وأنَّ الخُمس في الرِّكاز لا في المعدن، واتَّفق الأئمَّة الأربعة وجمهور العلماء على أنَّه سواءٌ كان في دار الإسلام أو في (٣) دار الحرب؛ خلافًا للحسن حيث فرَّق -كما مرَّ- وشرطه النِّصاب والنَّقدان (٤) لا الحول، ومذهب أحمد أنَّه لا فرق بين النَّقدين فيه وغيرهما؛ كالنُّحاس والحديد والجواهر؛ لظاهر هذا الحديث، وهو مذهب الحنفيَّة أيضًا؛ لكنَّهم أوجبوا الخُمس وجعلوه فيئًا، والحنابلة أوجبوا رُبع العُشر وجعلوه زكاةً، وعن مالكٍ روايتان؛ كالقولين، وحُكِيَ كلٌّ منهما عن ابن القاسم. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الحدود»، والنَّسائيُّ في «الزَّكاة»، وأورده البخاريُّ في «الأحكام» [خ¦٦٩١٢]. (٦٧) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠]) أي: على الصَّدقات، وهم السُّعاة الذين يبعثهم الإمام لقبضها (وَمُحَاسَبَةِ المُصَدِّقِينَ مَعَ الإِمَامِ).
следующие страницы →