← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

أهله فيه دائمًا، أو لإنبات (١) الله إيَّاه فيه (بِرِكَازٍ) لأنَّه لا يدخل تحت اسم الرِّكاز ولا له حكمه (وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) كما وصله في آخر الباب من حديث أبي هريرة [خ¦١٤٩٩]: (فِي المَعْدِنِ جُبَارٌ) بضمِّ الجيم وتخفيف المُوحَّدة، آخره راءٌ؛ يعني: إذا حفر معدنًا في ملكه أو في مواتٍ، فوقع فيه شخصٌ ومات، أو استأجره لعملٍ في المعدن فهلك؛ لا يضمنه بل دمه هدرٌ، وليس المراد أنَّه لا زكاة فيه (وَفِي الرِّكَازِ) دِفْن الجاهليَّة (الخُمُسُ) ففرَّق بينهما، وجعل لكلٍّ منهما حكمًا، ولو كانا بمعنًى واحدٍ؛ لجمع بينهما، فلمَّا فرَّق بينهما؛ دلَّ على التَّغاير. (وَأَخَذَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ مِنَ المَعَادِنِ) وهي المستخرجة من موضع خلقها (مِنْ كُلِّ (٢) مئتين) من الدَّراهم (خَمْسَةً) منها، وهي رُبع العُشر، وفي قولٍ: الخمس كالرِّكاز؛ بجامع الخفاء في الأرض، وهذا التَّعليق وصله أبو عُبيدٍ في «كتاب الأموال». (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ، ممَّا وصله ابن أبي شيبة بمعناه: (مَا كَانَ مِنْ رِكَازٍ) دِفْن الجاهليَّة (فِي أَرْضِ الحَرْبِ؛ فَفِيهِ الخُمُسُ، وَمَا كَانَ في (٣) أَرْضِ السِّلْمِ) بكسر السِّين وسكون اللَّام، أي: الصُّلح، ولأبي الوقت: «وما كان من أرض السِّلمْ (٤)» (فَفِيهِ الزَّكَاةُ) المعهودة؛ وهي رُبع العُشر، قال ابن المنذر: لا أعرف أحدًا فرَّق هذه التَّفرقة غير الحسن (وَإِنْ وُجِدَت اللُّقَْطَةَ) بضمِّ الواو، مبنيًّا للمفعول، و «اللُّقَْطة» بضمِّ اللَّام المُشدَّدة وفتح القاف وسكونها، وهذا من قول الحسن، ولأبي الوقت: «وُجِدَت لقطةٌ» (فِي أَرْضِ العَدُوِّ؛ فَعَرِّفْهَا) لاحتمال أن تكون للمسلمين، وفي الفرع كأصله: «وإن وَجَدْتَ» بفتح الواو، مبنيًّا (٥) للفاعل «اللَّقطةَ» مفعولٌ (٦) (وَإِنْ كَانَتْ مِنَ العَدُوِّ) أي: من ماله؛ فلا حاجة إلى تعريفها؛ لأنَّها صارت ملكه (فَفِيهَا الخُمُسُ، وَقَالَ بَعْضُ

стр. 3537

النَّاسِ) هو الإمام أبو حنيفة، وهذا أوَّل موضعٍ ذكره فيه المؤلِّف بهذه الصِّيغة، ويحتمل أن يكون أراد أبا حنيفة (١) وغيره من الكوفيِّين ممَّن قال بذلك: (المَعْدِنُ رِكَازٌ مِثْلُ دِفْنِ الجَاهِلِيَّةِ) بكسر الدَّال (٢) وفتحها، على ما مرَّ، فيجب فيه أيضًا الخُمس، قال الزُّهريُّ (٣) وأبو عبيدٍ: الرِّكاز: المال (٤) المدفون والمعدن جميعًا (لأَنَّهُ يُقَالُ) ممَّا سُمِع من العرب: (أَرْكَزَ المَعْدِنُ) بفتح الهمزة، فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للفاعل، والضَّمير في «لأنَّه» للشَّأن، واللَّام للتَّعليل (إِذَا خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ) بفتح الخاء المعجمة بغير همزةٍ (٥) قبلها، ولأبي ذرٍّ: «أُخْرِجَ» بهمزةٍ مضمومةٍ (قِيلَ لَهُ) أي: لبعض النَّاس: (قَدْ يُقَالُ لِمَنْ وُهِبَ لَهُ شَيْءٌ) بضمِّ الواو وكسر الهاء مبنيًّا للمفعول، «شيءٌ» رفع نائبٍ عن (٦) الفاعل (أَوْ رَبِحَ رِبْحًا كَثِيرًا، أَوْ كَثُرَ ثَمَرُهُ: أَرْكَزْتَ) بتاء الخطاب، أي: فيلزم أن يُقال: كلُّ (٧) واحدٍ من الموهوب والرِّبح والثَّمر (٨) ركازٌ، ويُقال لصاحبه: أركزت، ويجب فيه الخُمس، لكنَّ الإجماع على خلافه، وإنَّه ليس فيه إلَّا ربع العشر، فالحكم مختلفٌ وإن اتَّفقت التَّسمية، واعترضه بعضهم بأنَّه لم يُنقَل عن بعض النَّاس ولا عن العرب أنَّهم قالوا: أركز المعدن، وإنَّما قالوا: أركز الرَّجل، فإذا لم يكن هذا صحيحًا؛ فكيف يتوجَّه الإلزام بقول القائل: قد يُقال لمن وُهِبَ (٩) .... إلى آخره. ومعنى أركز الرَّجل: صار له ركازٌ من قطع الذَّهب، ولا يلزم منه أنَّه إذا وُهِبَ له شيءٌ أن يُقال له: أركزت؛ بالخطاب، وكذا إذا ربح

стр. 3538

ربحًا كثيرًا أو كثر ثمره، ولو علم المعترض أنَّ معنى «أفعل» هنا ما هو؛ لمَا اعترض ولا أفحش فيه، ومعنى «أفعل» هنا: للصَّيرورة؛ يعني: لصيرورة الشَّيء، منسوبًا إلى ما اشتقَّ منه الفعل كـ «أغدَّ البعير» أي: صار ذا غدَّةٍ، ومعنى أركز الرَّجل، أي (١): صار له ركازٌ من قطع الذَّهب -كما مرَّ- ولا يُقال إلَّا بهذا القيد لا مطلقًا (ثُمَّ نَاقَضَ) أي: بعض النَّاس؛ لأنَّه قال أوَّلًا: المعدن ركازٌ ففيه الخُمس (وَقَالَ) ثانيًا: (لَا بَأْسَ أَنْ يَكْتُمَهُ) عن السَّاعي (فَلَا يُؤَدِّيَ الخُمُسَ) في الزّكاة (٢)، وهو عنده شاملٌ للمعدن، وقد اعترض ابن بطَّالٍ المؤلِّفَ في هذه المناقضة بأنَّ الذي أجاز أبو حنيفة كتمانه إنَّما هو إذا كان محتاجًا إليه؛ بمعنى: أنَّه يتأوَّل أنَّ له حقًّا في بيت المال، ونصيبًا في الفيء، فأجاز له (٣) أن يأخذ الخُمس لنفسه عوضًا عن ذلك، لا أنَّه أسقط الخُمس عن المعدن بعدما أوجبه فيه. ١٤٩٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بفتح لام «سلَمة»، كلاهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: العَجْمَاءُ) بفتح العين المهملة وسكون الجيم والمدِّ، أي: البهيمة؛ لأنَّها لا تتكلَّم (جُبَارٌ) بضمِّ الجيم وتخفيف المُوحَّدة، أي: هدرٌ غير مضمونٍ، ولمسلمٍ: «جرحها جبارٌ»، ولا بدَّ في رواية البخاريِّ من تقديرٍ؛ إذ لا معنى لكون (٤) العجماء نفسها هدرًا، وقد دلَّت رواية مسلمٍ على أنَّ ذلك المُقدَّر هو «الجرح»، فوجب المصير له (٥)،

стр. 3539

لكنَّ الحكم غير مختصٍّ به، بل هو مثالٌ نبَّه به (١) على غيره، ولو لم تكن روايةٌ أخرى على تعيين ذلك المُقدَّر؛ لم يكن لرواية البخاريِّ عمومٌ في جميع المُقدَّرات التي يستقيم الكلام بتقدير واحدٍ منها، هذا هو الصَّحيح في الأصول: أنَّ (٢) المقتضى (٣) لا عموم له، والمراد أنَّها إذا انفلتت فصدمت (٤) إنسانًا، فأتلفته أو أتلفت مالًا؛ فلا غرم على مالكها، أمَّا إذا كان معها؛ فعليه ضمان ما أتلفته، سواءٌ أتلفته (٥) ليلًا أو نهارًا، وسواءٌ كان سائقها أو راكبها أو قائدها، وسواءٌ كان مالكها أو أجيره أو مستأجرًا أو مستعيرًا أو غاصبًا، وسواءٌ أتلفت بيدها أو رجلها أو عضِّها أو ذنبها، وقال مالكٌ: القائد والرَّاكب والسَّائق كلُّهم ضامنون لما أصابت الدَّابَّة إلَّا أن ترمح الدَّابَّة من غير أن يُفعَل بها شيءٌ ترمح له، وقال الحنفيَّة: إنَّ الرَّاكب والقائد لا يضمنان ما نفحت الدَّابَّة برجلها أو ذنبها إلَّا إن أوقفها (٦) في الطَّريق، واختلفوا في السَّائق؛ فقال القدوريُّ وآخرون: إنَّه ضامنٌ لما أصابت بيدها ورجلها؛ لأنَّ النَّفحة بمرأى عينه، فأمكنه الاحتراز عنها، وقال أكثرهم (٧): لا يضمن النَّفحة أيضًا وإن كان يراها؛ إذ ليس على رجلها ما يمنعها به، فلا يمكنه التَّحرُّز عنه؛ بخلاف الكدم (٨)؛ لإمكان كبحها (٩) بلجامها، وصحَّحه صاحب «الهداية»، وكذا قال الحنابلة: إنَّ الرَّاكب لا يضمن ما تتلفه البهيمة برجلها (وَالبِئْرُ) يحفرها الرَّجل في ملكه أو في مواتٍ، فيسقط فيها رجلٌ، أو تنهار على من استأجره لحفرها، فيهلك (جُبَارٌ) لا ضمانٌ، أمَّا

стр. 3540

إذا حفرها في طريق المسلمين، أو في ملك غيره بغير إذنه، فتلف فيها إنسانٌ؛ وجب ضمانه على عاقلة حافرها، والكفَّارة في مال الحافر، وإن تلف بها غير الآدميِّ؛ وجب ضمانه في مال الحافر (وَالمَعْدِنُ) إذا حفره في ملكه، أو في مواتٍ أيضًا؛ لاستخراج ما فيه، فوقع فيه إنسانٌ أو انهار على حافره (جُبَارٌ) لا ضمان فيه أيضًا (وَفِي الرِّكَازِ) دِفْن (١) الجاهليَّة (الخُمُسُ) في عطف (٢) الرِّكاز على المعدن دلالةٌ على تغايرهما، وأنَّ الخُمس في الرِّكاز لا في المعدن، واتَّفق الأئمَّة الأربعة وجمهور العلماء على أنَّه سواءٌ كان في دار الإسلام أو في (٣) دار الحرب؛ خلافًا للحسن حيث فرَّق -كما مرَّ- وشرطه النِّصاب والنَّقدان (٤) لا الحول، ومذهب أحمد أنَّه لا فرق بين النَّقدين فيه وغيرهما؛ كالنُّحاس والحديد والجواهر؛ لظاهر هذا الحديث، وهو مذهب الحنفيَّة أيضًا؛ لكنَّهم أوجبوا الخُمس وجعلوه فيئًا، والحنابلة أوجبوا رُبع العُشر وجعلوه زكاةً، وعن مالكٍ روايتان؛ كالقولين، وحُكِيَ كلٌّ منهما عن ابن القاسم. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الحدود»، والنَّسائيُّ في «الزَّكاة»، وأورده البخاريُّ في «الأحكام» [خ¦٦٩١٢]. (٦٧) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠]) أي: على الصَّدقات، وهم السُّعاة الذين يبعثهم الإمام لقبضها (وَمُحَاسَبَةِ المُصَدِّقِينَ مَعَ الإِمَامِ).

стр. 3541

١٥٠٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى) بن راشدٍ القطَّان قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) بضمِّ الهمزة، حمَّاد بن أسامة (١) قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) عبد الرَّحمن أو المنذر (السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا مِنَ الأَسْدِ) بفتح الهمزة وسكون السِّين، ويُقال: الأزد؛ بالزَّاي (عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ) بضمِّ السِّين وفتح اللَّام (يُدْعَى ابْنَ اللَُّتَْبِيَّةِ) بضمِّ اللَّام وسكون المُثنَّاة الفوقيَّة، وفي بعض الأصول بفتحها، وحكاه المنذريُّ، وقِيلَ: بفتح اللَّام والمُثنَّاة، حكاه في «الفتح»، اسمه: عبد الله، وكان من بني لتبٍ؛ حيٌّ من الأزد، وقِيلَ: اللُّتبيَّة أمُّه (فَلَمَّا جَاءَ) من عمله (حَاسَبَهُ) ﵊؛ لما وجد معه من جنس مال الصَّدقة، وادَّعى أنَّه أُهدِي إليه؛ كما يظهر من مجموع طرق الحديث، ويأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى في «الأحكام» [خ¦٧١٩٧] و «ترك الحيل» [خ¦٦٩٧٩]، وأخرجه مسلمٌ في «المغازي»، وأبو داود في «الخراج» (٢). (٦٨) (بابُ) جواز (اسْتِعْمَالِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَ) شرب (أَلْبَانِهَا لأَبْنَاءِ السَّبِيلِ) دون غيرهم، خلافًا للشَّافعيِّ حيث قال: يجب استيعاب الأصناف الثَّمانية. ١٥٠١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَي) بالإفراد (يَحْيَى) القطَّان (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ نَاسًا) ثمانيةً (مِنْ عُرَيْنَةَ)

стр. 3542

بضمِّ العين وفتح الرَّاء المهملتين وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح النُّون: قبيلةٌ، وعند المؤلِّف في «المغازي» [خ¦٤١٩٢]: «من عُكْلٍ وعُرَيْنة»؛ بواو العطف، وسبق في «باب أبوال الإبل» من «الطَّهارة» [خ¦٢٣٣] بلفظ: «من عُكْلٍ أو عُرَينة» بالشَّكِّ (اجْتَوَوُا المَدِينَةَ) بسكون الجيم وفتح المثنَّاة الفوقيَّة والواو الأولى، من باب «الافتعال» أي: كرهوا المقام بها؛ لِما فيها من الوخم، أو أصابهم الجوى، وهو داء الجوف إذا تطاول (فَرَخَّصَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ) وكانت خمس عشرة، كما عند ابن سعدٍ (فَيَشْرَبُوا (١) مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا) تمسَّك به من قال: إنَّ بول ما أُكِلَ طاهرٌ، ودُفِع بأنَّ الدَّواء يبيح ما كان حرامًا، وهذا موضع التَّرجمة، قال ابن بطَّالٍ: والحجَّة -يعني: للمؤلِّف- للتَّرجمة بحديث الباب قاطعةٌ؛ لأنَّه ﵊ أفرد أبناء السَّبيل بإبل الصَّدقة وألبانها دون غيرهم. انتهى. وعُورِض باحتمال أن يكون ما أباح لهم من الانتفاع إلَّا بما هو قدر حصَّتهم، على أنَّه ليس في الخبر أيضا أنَّه ملَّكهم رقابها، وإنَّما فيه أنَّه أباح لهم شرب ألبان الإبل للتَّداوي. واستنبط منه المؤلِّف جواز استعمالها في بقيَّة المنافع إذ لا فرقَ، وأمَّا تمليك رقابها فلم يقع، وغاية ما يُفهَم من حديث الباب: أنَّ للإمام أن يخصَّ بمنفعة مال الزَّكاة دون الرَّقبة صنفًا دون صنفٍ، بحسب الاحتياج على أنَّه ليس في الخبر أيضًا تصريحٌ بأنَّه لم يصرف من ذلك شيئًا لغير العرنيِّين، فليست الدَّلالة منه لذلك ظاهرةً أصلًا، قاله في «فتح الباري». (فَقَتَلُوا) أي: فلمَّا شربوا منهما وصَحَوا قتلوا (الرَّاعِيَ) يسارًا النُّوبيَّ (وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ) سوقًا عنيفًا، وفي نسخةٍ: «واستاقوا الإبل» (فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) سريَّةً عشرين نفسًا، وكان أميرهم كرز بن جابرٍ أو سعيد بن سعيدٍ، فأدركوهم في ذلك اليوم (فَأُتِيَ بِهِمْ) بضمِّ الهمزة (فَقَطَّعَ) بتشديد الطَّاء، وفي نسخةٍ بتخفيفها، أي: فأمر فقطع (٢) (أَيْدِيَهُمْ) جمع يدٍ، فإمِّا أن يُراد أقلُّ الجمع؛ وهو اثنان؛ لأنَّ لكلٍّ منهم يدين، وإمَّا أن يريد التَّوزيع عليهم بأن تُقطَع (٣) من كلِّ واحد منهم يدٌ (٤) واحدةٌ، والجمع في مقابلة الجمع يفيد التَّوزيع (وَأَرْجُلَهُمْ) من خلافٍ (وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ) بفتح السِّين والميم، مُخفَّفةً، أي: كحَّلها بمسامير

стр. 3543

محميَّةً؛ لأنَّهم فعلوا ذلك بالرَّاعي، ولأبي ذرٍّ: «وسمَّر» بتشديد الميم، والأوَّل أشهر وأوجه، كما نبَّه عليه المنذريُّ (وَتَرَكَهُمْ بِالحَرَّةِ) بفتح الحاء وتشديد الرَّاء المهملتين: أرضٌ ذات حجارةٍ سُودٍ (يَعَضُّونَ الحِجَارَةَ) بفتح الياء والعين المهملة. (تَابَعَهُ) أي: تابع قتادة (أَبُو قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله بن زيدٍ الجرميُّ، فيما (١) وصله المؤلِّف في «كتاب الطَّهارة» [خ¦٢٣٣] (وَحُمَيْدٌ) الطَّويل فيما وصله مسلمٌ والنَّسائيُّ وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة (وَثَابِتٌ) البنانيُّ، فيما وصله المؤلِّف في «كتاب الطِّبِّ» [خ¦٥٦٨٦] (عَنْ أَنَسٍ) ﵁. (٦٩) (بابُ وَسْمِ الإِمَامِ إِبِلَ الصَّدَقَةِ) بالكيِّ ونحوه (بِيَدِهِ). ١٥٠٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزاميُّ -بالحاء المهملة والزَّاي- القرشيُّ الأسديُّ قال: (حَدَّثَنَا الوَلِيدُ) بن مسلمٍ القرشيُّ، قال (٢): (حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو) عبدُ الرَّحمن (الأَوْزَاعِيُّ) قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) اسمه: زيد بن سهلٍ الأنصاريُّ، ابن أخي أنس بن مالكٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: غَدَوْتُ) أي: رُحت أوَّل النَّهار (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) هو أخو أنسٍ لأمِّه، وهو صحابيٌّ، وقال النَّوويُّ: تابعيٌّ، قال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: هو سهوٌ (لِيُحَنِّكَهُ) تبرُّكًا به وبِرِيقه ويده ودعائه، وهو أن يمضغ التَّمرة، ويجعلها في فم الصَّبيِّ، ويحكَّ بها في حنكه بسبَّابته حتَّى تتحلَّل في حنكه (فَوَافَيْتُهُ) أي: أتيته في مربد الغنم (فِي يَدِهِ المِيسَمُ) بكسر الميم وفتح السِّين المهملة: حديدةٌ

стр. 3544

يُكوَى بها (يَسِمُ) يعلِّم (إِبِلَ الصَّدَقَةِ) لتتميَّز (١) عن الأموال (٢) المملوكة، وليردَّها من أخذها، ومن التقطها، وليعرفها صاحبها فلا يشتريها إذا تصدَّق بها مثلًا؛ لئلَّا يعود في صدقته، فهو مخصوصٌ من عموم النَّهي عن تعذيب الحيوان، وقد نقل ابن الصَّبَّاغ من الشَّافعيَّة إجماع الصَّحابة على أنَّه يُستحَبُّ أن يكتب في ماشية الزَّكاة زكاةً أو صدقةً، وسيأتي في «الذَّبائح» [خ¦٥٥٤٦] إن شاء الله تعالى عن أنسٍ: أنَّه رآه يَسِمُ غنمًا في آذانها، ولا يَسِمُ في الوجه للنَّهي عنه. وفي هذا (٣) الحديث التَّحديثُ بالإفراد والجمع والقول، وأخرجه مسلمٌ في «اللِّباس».

стр. 3545

((٢٤ م)) (بسم الله الرحمن الرحيم. باب فَرْضِ صَدَقَةِ الفِطْرِ) أي: من رمضان، فأُضِيفت الصَّدقة للفطر؛ لكونها تجب بالفطر منه، أو مأخوذةٌ من الفطرة التي هي الخِلْقة المرادة بقوله تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] وهذا قاله ابن قتيبة، والمعنى أنَّها وجبت على الخِلْقة تزكيةً للنَّفس، أي: تطهيرًا لها (١) وتنميةً لعملها، ويُقال للمخرَج في زكاة الفطر: فُطرة -بضمِّ الفاء- كما في «الكفاية»، وهو غريبٌ، والذي في «شرح المُهذَّب» وغيره: كسر الفاء لا غير، قال: وهي مُولَّدةٌ لا عربيَّةٌ ولا مُعرَّبةٌ، بل اصطلاحيَّةٌ للفقهاء. انتهى. فتكون حقيقةً شرعيَّةً على المختار كالصَّلاة، قال ابن العربيِّ: هو اسمها على لسان صاحب الشَّرع، ويُقال لها: صدقة الفطر وزكاة الفطر وزكاة رمضان وزكاة الصَّوم وصدقة الرُّؤوس وزكاة الأبدان، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «أبواب صدقة الفطر، باب فرض صدقة الفطر»، وكان فرضها في السَّنة الثَّانية من الهجرة في شهر رمضان قبل العيد بيومين. (وَرَأَى أَبُو العَالِيَةِ) رفيع بن مهران الرِّياحيُّ، بالمُثنَّاة التَّحتيَّة (وَعَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ (وَابْنُ سِيرِينَ) محمَّد، فيما وصله عنه، وعن الأوَّل ابن أبي شيبة من طريق عاصمٍ الأحول، وعبد الرَّزَّاق عن ابن جريجٍ عن عطاءٍ (صَدَقَةَ الفِطْرِ فَرِيضَةً) وهو مذهب الشَّافعيَّة والجمهور، ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على ذلك؛ لكنَّه مُعارَضٌ بأنَّ الحنفيَّة يقولون بالوجوب دون

стр. 3546

الفرض، وهو مقتضى قاعدتهم في أنَّ الواجب ما ثبت بدليلٍ ظنِّيٍّ، وقال المرداويُّ من الحنابلة في «تنقيحه»: وهي واجبةٌ، وتُسمَّى أيضًا فرضًا نصًّا، ونقل المالكيَّة عن أشهب: أنَّها سنَّةٌ مُؤكَّدةٌ، قال بهرام: ورُوِي ذلك عن مالكٍ، وهو قول بعض أهل الظَّاهر وابن اللَّبَّان من الشَّافعيَّة، وحملوا «فَرَضَ» في الحديث [خ¦١٥٠٣] على التَّقدير؛ كقولهم: فرض القاضي نفقة اليتيم، وهو ضعيفٌ مخالفٌ للظَّاهر، وقال إبراهيم ابن عُلَيَّة وأبو بكر بن كيسان الأصمُّ: نُسِخَ وجوبُها، واستُدِلَّ لهما بحديث النَّسائيِّ عن قيس بن سعد بن عبادة قال: «أمرنا رسول الله ﷺ بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزَّكاة، فلمَّا نزلت الزَّكاة؛ لم يأمرنا ولم ينهَنا، ونحن نفعله» لكن في إسناده راوٍ مجهولٌ، وعلى تقدير الصِّحَّة، فلا دليل (١) فيه على النَّسخ؛ لأنَّ الزِّيادة في جنس العبادة لا توجب نسخ الأصل المزيد عليه، غير أنَّ محلَّ سائر الزَّكوات الأموالُ، ومحلَّ زكاة الفطر الرِّقابُ؛ كما نبَّه عليه الخطَّابيُّ. ١٥٠٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّكَنِ) بفتح السِّين والكاف، آخره نونٌ، البزَّار -بالزَّاي المعجمة ثمَّ الرَّاء المهملة- القرشيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ) بفتح الجيم والضَّاد المعجمة، بينهما هاءٌ ساكنةٌ آخره ميمٌ، ابن عبد الله الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا (٢) إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ (عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ) بضمِّ العين وفتح الميم (عَنْ أَبِيهِ) نافعٍ مولى عبد الله بن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: فَرَضَ) أي: أوجب (رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) وما أوجبه فبأمر الله،

стр. 3547

وما كان ينطق عن الهوى (زَكَاةَ الفِطْرِ) من صوم رمضان، ووقتُ وجوبها غروبُ الشَّمس ليلة العيد؛ لكونه أضافها إلى الفطر، وذلك وقت الفطر، وهذا قول الشَّافعيِّ في (١) الجديد، وأحمد ابن حنبل، وإحدى الرِّوايتين عن مالكٍ، وقال أبو حنيفة: طلوع الفجر يوم العيد، وهو قولُ الشَّافعيِّ في القديم (صَاعًا مِنْ تَمْرٍ) بنصب «صاعًا» على التَّمييز، أو هو (٢) مفعولٌ ثانٍ، وهو خمسة أرطالٍ وثلث رطلٍ بالبغداديِّ، وهذا (٣) مذهب مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمد وعلماء الحجاز، وهو مئةٌ وثلاثون درهمًا على الأصحِّ عند الرَّافعيِّ، ومئةٌ وثمانيةٌ وعشرون درهمًا (٤) وأربعة أسباع درهمٍ على الأصحِّ عند النَّوويِّ، فالصَّاع على الأوَّل: ستُّ مئةِ درهمٍ وثلاثةٌ وتسعون درهمًا وثلث درهمٍ، وعلى الثَّاني: ستُّ مئةِ درهمٍ وخمسةٌ وثمانون درهمًا وخمسةُ أسباعِ درهمٍ، والأصل الكيل، وإنَّما قدِّر بالوزن استظهارًا، قال في «الرَّوضة»: وقد يشكل (٥) ضبط الصَّاع بالأرطال، فإنَّ الصَّاع المُخرَج به في زمن النَّبيِّ ﷺ مكيالٌ معروفٌ، ويختلف قدره وزنًا باختلاف جنس ما يخرج، كالذُّرة والحمُّص وغيرهما (٦)، والصَّواب ما قاله الدَّارميُّ: إنَّ الاعتماد على الكيل بصاعٍ مُعايَرٍ بالصَّاع الذي كان يُخرَج به في عصر النَّبيِّ ﷺ ، ومن لم يجده لزمه إخراج قدرٍ يُتيقَّن أنَّه لا ينقص عنه، وعلى هذا فالتَّقدير بخمسة أرطالٍ وثُلثٍ تقريبٌ، وقال جماعةٌ من العلماء: الصَّاع: أربع حفناتٍ بكفَّي رجلٍ معتدل الكفَّين، حكاه النَّوويُّ في «الرَّوضة»، وذهب أبو حنيفة ومحمَّدٌ إلى أنَّه ثمانيةُ أرطالٍ بالرَّطل المذكور، وكان أبو يوسف يقول كقولهما، ثمَّ رجع إلى قول الجمهور لمَّا تناظر مع (٧) مالكٍ بالمدينة، فأراه الصِّيعان التي توارثها أهل المدينة عن أسلافهم من (٨) زمن النَّبيِّ ﷺ (أَوْ

стр. 3548

صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) ظاهره أنَّه يُخرِج من أيِّهما شاء صاعًا، ولا يجزئ غيرهما، وبذلك قال ابن حزمٍ، لكن ورد في رواياتٍ أخرى ذكرُ أجناسٍ أُخَر، تأتي -إن شاء الله تعالى-[خ¦١٥٠٦] (عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ) وظاهره أنَّ العبد يُخرِج عن نفسه، وهو قول داود الظَّاهريِّ منفردًا به، ويردُّه قوله ﵊: «ليس على المسلم في عبده صدقةٌ إلَّا صدقة الفطر»، وذلك يقتضي أنَّها ليست عليه، بل على سيِّده، وقال القاضي البيضاويُّ: وجعل وجوب زكاة الفطر على السَّيِّد كالوجوب على العبد مجازًا، إذ ليس هو أهلًا لأن (١) يُكلَّف بالواجبات الماليَّة، ويؤيِّد ذلك عطف «الصَّغير» عليه (وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى) والخنثى (وَالصَّغِيرِ) أي: وإن كان يتيمًا، خلافًا لمحمَّد بن الحسن وزُفَر (وَالكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ) دون الكفَّار؛ لأنَّها طهرةٌ والكفَّار ليسوا من أهلها، نعم؛ لا زكاة على أربعةٍ: من لا يفضل عن منزله، وخادمٌ يحتاج إليهما ويليقان به، وعن قوته وقوت من تلزمه نفقته ليلة العيد ويومَه ما يخرجه فيها، وامرأةٌ غنيَّةٌ لها زوجٌ معسرٌ وهي في طاعته، فلا يلزمها إخراج فطرتها، بخلاف ما إذا لم تكن في طاعته، وبخلاف الأَمَة فإنَّ فطرتها تلزم سيِّدها، والفرق تسليم الحرَّة نفسها، بخلاف الأمة؛ بدليل أنَّ لسيِّدها أن يسافر بها ويستخدمها، والمكاتب لا تجب فطرته عليه لضعف ملكه، ولا على سيِّده؛ لأنَّه معه كالأجنبيِّ والمغصوب أو الآبق؛ لتعطُّل فائدتهما على السَّيِّد؛ لكنَّ الأصحَّ وجوبُ الإخراج عليه عنهما تبعًا لنفقتهما، وعن منقطع الخبر إذا لم تمضِ مدَّةٌ لا يعيش في مثلها؛ لأنَّ الأصل بقاؤه حيًّا، فإن مضت مدَّةٌ لا يعيش في مثلها؛ لم تجب فطرته، ويُستثنَى أيضًا عبد بيت المال، والعبد الموقوف فلا تجب فطرتهما؛ إذ ليس لهما مالكٌ مُعيَّنٌ يُلزَم بها (وَأَمَرَ) ﵊ (بِهَا) أي بالفطرة (أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ) أي: صلاة العيد. تنبيهٌ: قوله: «من المسلمين» ذكر غيرُ واحدٍ أنَّ مالكًا تفرَّد بها من بين الثِّقات، وفيه نظرٌ، فقد رواها جماعةٌ ممَّن يُعتمَد على حفظهم، منهم: عمر بن نافعٍ، والضَّحَّاك بن عثمان، وكثير ابن فَرْقَدٍ، والمُعلَّى بن إسماعيل، ويونس بن يزيد، وابن أبي ليلى، وعبد الله بن عمر العمريُّ، وأخوه عبيد الله بن عمر، وأيُّوب السَّختيانيُّ على اختلافٍ عنهما في زيادتها، فأمَّا رواية عمر بن نافعٍ؛ فأخرجها البخاريُّ في «صحيحه» [خ¦١٥٠٣] وأمَّا رواية الضَّحَّاك بن عثمان؛ فأخرجها مسلمٌ في «صحيحه»، وأمَّا رواية كثير بن فَرْقَدٍ؛ فرواها الدَّارقطنيُّ في «سننه» والحاكم، وأمَّا رواية المُعلَّى

стр. 3549

بن إسماعيل؛ فرواها ابن حبَّان في «صحيحه»، وأمَّا رواية يونس بن يزيد؛ فرواها الطَّحاويُّ في «بيان المشكل»، وأمَّا رواية ابن أبي ليلى وعبد الله بن عمر العمريِّ وأخيه عبيد الله التي فيها بزيادة قوله: «من المسلمين»؛ فرواها الدَّارقطنيُّ في «السُّنن» (١)، وأمَّا رواية أيُّوب السَّختيانيِّ؛ فذكرها الدَّارقطنيُّ، وهذه الزِّيادة تدلُّ على اشتراط الإسلام في وجوب زكاة الفطر، ومقتضى ذلك أنَّه لا تجب على الكافر زكاة الفطر (٢) لا عن نفسه ولا عن غيره، فأمَّا عن نفسه؛ فمتَّفَقٌ عليه، وأمَّا عن غيره من عبدٍ (٣) وقريبٍ؛ فمُختلَفٌ فيه، وللشَّافعيَّة وجهان مبنيَّان على أنَّها تجب على المؤدِّي ابتداءً أو على المُؤدَّىَ عنه، ثمَّ يتحمَّلها المؤدِّي، والأصحُّ الوجوب بناءً على الأصحِّ، وهو وجوبها على المُؤدَّى عنه، ثمَّ يتحمَّلها المؤدِّي، وهو المحكيُّ عن أحمد، أمَّا عكسه -وهو إخراج المسلم عن قريبه وعبده الكافرين- فلا تجب عند مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمد، وقال أبو حنيفة بالوجوب. وفي هذا الحديث التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أبو داود والنَّسائيُّ والتِّرمذيُّ، وقال: حديثٌ (٤) حسنٌ صحيحٌ. (٧١) (بابُ) وجوب (صَدَقَةِ الفِطْرِ عَلَى العَبْدِ وَغَيْرِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ) اختُلِف: هل تجب على العبد ابتداءً ثمَّ يتحمَّلها السَّيِّد عنه، أو تجب على السَّيِّد ابتداءً؟ وجهان للشَّافعيَّة، وإلى الأوَّل نحا البخاريُّ، قاله في «الفتح»، وقال ابن بطَّالٍ: إنَّه يقول بمذهب أهل الظَّاهر في (٥) أنَّها تلزم العبد في نفسه، وعلى سيِّده تمكينه من اكتساب ذلك وإخراجه عن نفسه، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّ البخاريَّ لم يُرِدْ هذا، وإنَّما أراد التَّنبيه على اشتراط الإسلام فيمن تُؤدَّى عنه

стр. 3550

زكاة الفطر لا غير، ولذا لم يترجم ترجمةً أخرى على اشتراط الإسلام، وعبَّر بـ «على» دون «عن»؛ ليطابق لفظ الحديث، وقد سقط لفظ «من المسلمين» لابن عساكر. ١٥٠٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ (١) بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام الأعظم (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الفِطْرِ) من صوم رمضان (صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ) قال القاضي أبو الطَّيِّب وغيره: «على» بمعنى: «عن» لأنَّ العبد لا يُطالَب بأدائها، وأُجيب بأنَّه لا يلزم من فرض شيءٍ على شخصٍ مطالبته به؛ بدليل الفطرة المُتحمَّلة عن غير من لزمته، والدِّية الواجبة بقتل الخطأ أو شبهه (ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) أخذ بظاهره أبو حنيفة، فأوجب زكاة (٢) الفطر (٣) على الأنثى، سواءٌ كان لها زوجٌ أم لا، وذهب مالكٌ والشَّافعيُّ وأحمد (٤) إلى أن المتزوِّجة تجب فطرتها على زوجها بالقياس على النَّفقة، واستأنسوا بحديث ابن عمر: «أمر رسول الله ﷺ بزكاة الفطر عن (٥) الصَّغير والكبير والحرِّ والعبد ممَّن تَمُونُون»، رواه الدَّارقطنيُّ والبيهقيُّ، وقال: إسناده غير قويٍّ، قال في «المجموع»: والحاصل أنَّ هذه اللَّفظة: «ممَّن تمونون» ليست بثابتةٍ (مِنَ المُسْلِمِينَ) فلا تجب على المسلم فطرة عبده الكافر، قال في «شرح المشكاة»: «من المسلمين» حالٌ من «العبد» وما عُطِف عليه، وتنزيلها على المعاني المذكورة على ما يقتضيه علم البيان أنَّ المذكورات جاءت مزدوجةً على التَّضادِّ للاستيعاب لا للتَّخصيص؛ لئلَّا يلزم التَّداخل، فيكون المعنى فرض رسول الله ﷺ على جميع النَّاس من المسلمين، أمَّا كونها فيم وجبت وعلى من وجبت، فيُعلَم من نصوصٍ أخرى، وقال في «المصابيح»: هو نصٌّ ظاهرٌ في أنَّ قوله: «من المسلمين» صفةٌ

стр. 3551

لما قبله من النَّكرات المتعاطفات بـ «أو»، فيندفع قول الطَّحاويِّ أنَّه خطابٌ متوجِّهٌ معناه إلى السَّادة، يقصد بذلك الاحتجاج لمن ذهب إلى أنَّ (١) إخراج زكاة الفطر عن العبد الكافر. (٧٢) (بابُ صَدَقَةِ الفِطْرِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ) برفع «صاعٌ» خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هي صاعٌ، ولغير أبي ذرٍّ: «باب صاعٍ من شعيرٍ»، وفي بعض الأصول: «صاعًا» بالنَّصب، خبر «كان» محذوفةً، أو حكايةً عمَّا في الحديث. ١٥٠٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف وكسر المُوحَّدة، ولأبي ذرٍّ: «قبيصة بن عُقْبة» بضمِّ العين وسكون القاف، العامريُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) مولى عمر بن الخطَّاب (عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) العامريِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ (¬﵁ قَالَ: كُنَّا نُطْعِمُ الصَّدَقَةَ) أي: زكاة الفطر، فـ «أل» للعهد (صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) «من» بيانيَّةٌ، والحديث أخرجه السِّتَّة، وله حكم الرَّفع على الصَّحيح؛ كما قطع به الحاكم والجمهور؛ لأنَّ الظَّاهر أنَّه ﷺ اطَّلع على ذلك وأقرَّه، ومثل (٢) هذا لا يُقال فيه (٣) من قِبَل الرَّأي. (٧٣) (بابُ صَدَقَةِ الفِطْرِ) هي (٤) (صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ) ولغير أبي ذرٍّ: «صاعًا» بالنَّصب، خبر «كان»، كما مرَّ.

стр. 3552

١٥٠٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ) بسكون عين «سعْدٍ»، وراء «سرْحٍ» (العَامِرِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁ يَقُولُ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ) هو البُرُّ؛ لقوله: (أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) قال التُّوربشتيُّ: والبُرُّ أعلى ما كانوا يقتاتونه في الحضر والسَّفر، فلولا أنَّه أراد بالطَّعام البُرُّ؛ لذكره عند التَّفصيل، وحكى المنذريُّ في «حواشي السُّنن» عن بعضهم اتِّفاقَ العلماء على أنَّه المرادُ هنا، وقال بعضهم: كانت لفظة «الطَّعام» تُستعمَل في الحنطة عند الإطلاق حتَّى إذا قِيلَ: اذهب إلى سوق الطَّعام؛ فُهِمَ منه سوقُ القمح، وإذا غلب العُرف؛ نُزِّل اللَّفظ عليه؛ لأنَّ ما غلب استعمال اللَّفظ فيه؛ كان خطوره عند الإطلاق أقرب، وتعقَّبه ابن المنذر بما جاء (١) في حديث أبي سعيدٍ الآتي -إن شاء الله تعالى- في «باب صاعٍ من زبيبٍ» [خ¦١٥٠٨]: فلمَّا جاء معاوية وجاءت السَّمراء؛ لأنَّه يدلُّ على أنَّها لم تكن قُوتًا لهم قبل هذا، ثمَّ قال: ولا نعلم في القمح خبرًا ثابتًا عن النَّبيِّ ﷺ نعتمد (٢) عليه، ولم يكن البُرُّ يومئذٍ بالمدينة إلَّا الشَّيء اليسير منه، فكيف يُتوهَّم أنَّهم أخرجوا ما لم يكن موجودًا؟ وأمَّا ما أخرجه ابن خزيمة والحاكم في «صحيحيهما» (٣) من طريق إسحاق، عن عبد الله بن عبد الله بن عثمان بن حكيمٍ، عن عياض بن عبد الله قال: قال أبو سعيدٍ -وذكروا عنده صدقة رمضان- فقال: لا أُخرِج إلَّا ما كنت أُخرِج في عهد رسول الله ﷺ ، صاعَ تمرٍ أو صاع حنطةٍ أو صاعَ شعيرٍ أو صاعَ أقِطٍ، فقال له رجلٌ من القوم: أو مُدَّين من قمحٍ، فقال: لا، تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعمل بها، فقال ابن خزيمة بعد أن ذَكَره: ذِكْرُ الحنطة في خبر أبي سعيدٍ غيرُ محفوظٍ، ولا أدري ممَّن الوهم، وقوله: «فقال رجلٌ … » إلى آخره، دالٌّ على أنَّ ذكر الحنطة في أوَّل القصَّة خطأٌ؛ إذ لو كان أبو سعيدٍ أخبر أنَّهم كانوا يُخرجون منها على عهد

стр. 3553

رسول الله ﷺ صاعًا؛ لَمَا كان الرَّجل يقول له: «أو مُدَّين من قمحٍ»، وقد أشار أبو داود إلى رواية ابن إسحاق هذه وقال: إنَّ ذكر الحنطة فيها غير محفوظٍ (أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ) وهو لبنٌ جامدٌ فيه زبده، فإن أفسد الملح جوهره؛ لم يجز، وإن ظهر عليه ولم يفسده؛ وجب بلوغ خالصه صاعًا (أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ). (٧٤) هذا (بابُ صَدَقَةِ الفِطْرِ صَاعًا) وفي نسخةٍ: «صاعٌ» (مِنْ تَمْرٍ). ١٥٠٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمد بن عبد الله بن يونس التَّميميُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (أَنَّ عَبْدَ اللهِ قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «أنَّ عبد الله بن عمر ﵄ قال»: (أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِزَكَاةِ الفِطْرِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر ﵄: (فَجَعَلَ النَّاسُ) أي: معاوية ومن معه؛ كما صرَّح به في الرِّواية الأخرى [خ¦١٥٠٨] (عِدْلَهُ) قال في «القاموس»: العَدل-أي: بالفتح-: المِثْل والنَّظير؛ كالعِدل -أي: بالكسر- والعَديل، والجمع: أَعْدَالٌ وعُدَلاءُ والكيلُ. انتهى (٢). وقال الأخفش: بالكسر: المثل، وبالفتح: مصدرٌ، وقال الفرَّاء: بالفتح: ما عادل (٣) الشَّيء من غير جنسه، وبالكسر: المثل، وقال غيره بالعكس (مُدَّيْنِ) تثنية مُدٍّ؛ وهو رُبع الصَّاع (مِنْ حِنْطَةٍ) وظاهره أنَّه فعل ذلك بالاجتهاد بناءً على أنَّ قِيَمَ ما عدا الحنطة متساويةٌ، وكانت الحنطة إذ ذاك غالية الثَّمن؛ لكن يلزم عليه أن تُعتبَر القيمة في كلِّ زمانٍ فيختلف الحال، ولا ينضبط، وربَّما لزم في بعض الأحيان إخراج آصُعٍ من الحنطة، ويدلُّ على أنَّهم لحظوا ذلك ما روى جعفرٌ الفريابيُّ في «كتاب صدقة الفطر»: أنَّ ابن عبَّاس لمَّا كان أمير البصرة؛ أمرهم بإخراج زكاة الفطر، وبيَّن لهم أنَّها صاعٌ من تمرٍ إلى أن قال: أو نصفُ صاعٍ من بُرٍّ، قال: فلمَّا جاء عليٌّ ورأى رُخْصَ أسعارِهم؛ قال: اجعلوها صاعًا

стр. 3554

من كلٍّ، فدلَّ على أنَّه كان ينظر إلى القيمة في ذلك، قاله في «فتح الباري»، لكن في حديث ثعلبة بن أبي صُعَيرٍ (١) عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ «زكاة الفطر صاعٌ من بُرٍّ أو قمحٍ عن كلِّ اثنين»، رواه أبو داود، أي: مجزئٌ (٢) عنهما، وهذا نصٌّ صريحٌ، ولا اجتهاد مع النَّصِّ (٣)، وهو مذهب أبي حنيفة ﵀ -كما مرَّ- لكنَّ حديث ثعلبة فيه: النُّعمان بن راشدٍ، لا يُحتَجُّ به، وقال البخاريُّ فيه: يَهِمُ (٤) كثيرًا، وقال أحمد: ليس حديثه بصحيحٍ، وبقيَّة مباحث هذا الحديث (٥) تأتي قريبًا إنْ شاء الله تعالى. (٧٥) (بابُ صَاعٍ مِنْ زَبِيبٍ) في صدقة الفطر مجزئٌ. ١٥٠٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ) بضمِّ الميم وكسر النُّون، الزَّاهد المروزيُّ، أنَّه (سَمِعَ يَزِيدَ العَدَنِيَّ) بفتح العين والدَّال المهملتين، ولأبي ذرٍّ: «يزيد بن أبي حَكِيمٍ» بفتح الحاء وكسر الكاف، «العدنيَّ» (قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ) بسكون الرَّاء بعد السِّين المهملة المفتوحة، آخره حاءٌ مُهمَلةٌ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُعْطِيهَا) أي: زكاة الفطر (فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) هذا له حكم

стр. 3555

الرَّفع؛ لإضافته إلى الزَّمن النَّبويِّ (١) (صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان، وزاد مسلمٌ في روايته: فلم نَزَلْ نخرِجه حتَّى قَدِم معاوية حاجًّا أو معتمرًا، فكلَّم النَّاس على المنبر، وزاد ابن خزيمة: وهو يومئذٍ خليفةٌ (وَجَاءَتِ السَّمْرَاءُ) أي: كثرت الحنطة الشَّاميَّة ورَخُصَت (قَالَ: أُرَى) بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّ، ولأبي ذرٍّ: «أَرَى» (مُدًّا) واحدًا (مِنْ هَذَا) الحبِّ أو القمح (يَعْدِلُ مُدَّيْنِ) من سائر الحبوب، وبهذا ونحوه تمسَّك أبو حنيفة رحمه الله تعالى، وأُجيب بأنَّه قال في أوَّل الحديث: «صاعًا من طعامٍ»، وهو في الحجاز: الحنطة، فهو صريحٌ في أنَّ الواجب منها صاعٌ، وقد عدَّد الأقوات، فذكر أفضلها قوتًا عندهم، وهو البُرُّ -لا سيَّما- وعُطِفت بـ «أو» الفاصلة، فالنَّظر إلى ذواتها لا قيمتها، ومعاوية إنَّما صرَّح بأنَّه رأيه، فلا يكون حجَّةً على غيره. انتهى. لكن نازع ابن المنذر في كون المراد بالطَّعام: الحنطة -كما مرَّ- قريبًا، وقد زاد مسلمٌ: قال أبو سعيدٍ: أمَّا أنا فلا أزال أخرجه أبدًا ما عشت، وله من طريق ابن عجلان عن عياضٍ: فأنكر ذلك أبو سعيدٍ، وقال: لا أُخرج إلَّا ما كنت أُخرج في عهد رسول الله ﷺ ، ولابن خزيمة والحاكم والدَّارقطنيِّ: فقال له رجلٌ: مُدَّين من قمحٍ، فقال: لا، تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعمل بها، فدلَّ على أنَّه لم يوافق على ذلك، وحينئذٍ فليس في المسألة إجماعٌ سكوتيٌّ، قال النَّوويُّ: وكيف يكون ذلك، وقد خالفه أبو سعيدٍ وغيره ممَّن هو أطول صحبةً وأعلم بأحوال النَّبيِّ ﷺ ؟! (٧٦) (بابُ) استحباب إخراج (الصَّدَقَةِ) أي: صدقة (٢) الفطر (قَبْلَ) خروج النَّاس إلى صلاة (العِيدِ) وقد صرَّح بذلك الفقهاء من المذاهب الأربعة، بل زاد الحنابلة، فقالوا بكراهة تأخيرها عن الصَّلاة. ١٥٠٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ) ضدَّ الميمنة،

стр. 3556

الصَّنعانيُّ، نزيل الشَّأم، قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِزَكَاةِ الفِطْرِ) أن تُخرَج (قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ) أي: قبل صلاة العيد وبعد صلاة الفجر، عن عمرو بن دينارٍ عن عكرمة فيما قاله ابن عيينة في «تفسيره»: يقدِّم الرَّجل زكاته يوم الفطر بين يدي صلاته، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥] والأمر هنا للنَّدب، فيجوز تأخيرها إلى غروب شمس يوم العيد، نعم؛ يحرم تأخير أدائها عنه بلا عذرٍ؛ كغيبة ماله أو الآخذ؛ لأنَّ القصدَ إغناءُ الفقراء عن الطَّلب فيه، وفي حديث ابن عمر عند سعيد بن منصورٍ: «أغنوهم -يعني: المساكين- عن طواف هذا اليوم»، ويلزم قضاؤها على الفور، والتَّعبير بـ «الصلاة» جرى على الغالب من فعلها أوَّل النَّهار، فإن أُخِّرت، أي: الصَّلاة؛ استُحِبَّ الأداء قبلها أوَّل النَّهار؛ للتَّوسعة على المستحقِّين. ١٥١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بضمِّ (١) الميم وفتح الضَّاد المعجمة المُخفَّفة، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ) بضمِّ العين، ولأبي ذرٍّ: «أبو عمر حفص بن ميسرة» (عَنْ زَيْدٍ) ولأبي ذرٍّ: «زيد بن أسلم» (عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن أبي سَرْحٍ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الفِطْرِ) صادقٌ بجميعه، فلذا حمل الإمام الشَّافعيُّ التَقييد في الحديث السَّابق بقبل صلاة العيد على الاستحباب (صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدريُّ مفسِّرًا ما أجمله في (٢) قوله: «من طعامٍ»: (وَكَانَ طَعَامُنَا الشَّعِيرَ) بالنَّصب، خبر «كان»، وفي رواية غير أبي ذَرٍّ: «طَعَامَنَا الشَّعِيرُ» بنصب «الطَّعامَ» (٣) ورفع

стр. 3557

«الشَّعيرُ»، اسم «كان» مُؤخَّرًا (وَالزَّبِيبَ وَالأَقِطَ وَالتَّمْرَ) عُطِف على «الشَّعير»، زاد الطَّحاويُّ من طريقٍ أخرى عن عياضٍ: فلا نُخْرِج غيره، وهو يؤيِّد تغليط ابن المنذر لمن قال: إنَّ قوله: «صاعًا من طعامٍ» حجَّةٌ لمن قال: «صاعًا من حنطةٍ» كما سبق تقريره، وحمل البرماويُّ كالكِرمانيِّ «الطَّعام» هنا على اللُّغويِّ الشَّامل لكلِّ مطعومٍ، قال: ولا ينافي تخصيص الطَّعام -فيما سبق- بالبُرِّ؛ لأنَّه قد عطف عليه «الشَّعير»، فدلَّ على التَّغاير، وهذا كالوعد، فإنَّه عامٌّ في الخير والشَّرِّ، وإذا عُطِف عليه الوعيد؛ خُصَّ بالخير، وليس هو من عطف الخاصِّ على العامِّ؛ نحو: ﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] وملائكته وجبريل، فإنَّ ذلك إنَّما هو فيما إذا كان الخاصُّ أشرف، وهنا بالعكس. انتهى. فليُتأمَّل مع (١) ما سبق عن ابن المنذر وغيره. (٧٧) (باب) وجوب (صَدَقَةِ الفِطْرِ عَلَى الحُرِّ وَالمَمْلُوكِ) سبق قبل خمسة أبوابٍ: «باب صدقة الفطر على العبد وغيره»؛ لكنَّه (٢) قيَّدها في رواية غير ابن عساكر «بالمسلمين» (٣)، وأسقط ذلك هنا، قال الزَّين بن المُنيِّر: غرضه من التَّرجمة الأولى: أنَّ الصَّدقة لا تُخرَج عن كافرٍ؛ ولذا قيَّدها بقوله: «من المسلمين»، وغرضه من هذه: تمييز من تجب عليه أو عنه بعد وجود الشَّرط المذكور؛ وهو الإسلام (٤)؛ ولذا استغنى عن ذكره هنا فيها. (وقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (فِي المَمْلُوكِينَ) بكسر الكاف، حال كونهم (لِلتِّجَارَةِ: يُزَكَّى) بفتح الكاف، مبنيًّا للمفعول، أو بكسرها مبنيًّا للفاعل، أي: يؤدِّي الزَّكاة (فِي التِّجَارَةِ) زكاة قيمتهم آخر الحول (وَيُزَكَّى) بفتح الكاف أو بكسرها -كما مرَّ- أيضًا (٥) (فِي) زكاة (الفِطْرِ) زكاة أبدانهم، وهذا قول الجمهور، وقال الحنفيَّة: لا يلزم السَّيِّد زكاة الفطر عن

стр. 3558

عبيد التِّجارة؛ إذ لا يلزم في مالٍ واحدٍ زكاتان، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذا التَّعليق وصله ابن المنذر، ولم أقف على إسناده، وذكر بعضه أبو عبيدٍ في «كتاب الأموال». ١٥١١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل، السَّدوسيُّ البصريُّ، المُلقَّب عارمٌ (١)؛ بالعين والرَّاء المهملتين، قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو ابن درهمٍ، الجهضميُّ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ قَالَ: فَرَضَ النَّبِيُّ ﷺ صَدَقَةَ الفِطْرِ -أَوْ قَالَ:) صدقة (رَمَضَانَ-) شكَّ الرَّاوي في المقول منهما، وكلاهما صحيحٌ؛ لتعلُّق الصَّدقة بهما، وفي روايةٍ في «الصَّحيحين» الجمع بينهما؛ وهي: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان» (٢) (عَلَى الذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالحُرِّ وَالمَمْلُوكِ) قنًّا كان أو مُدبَّرًا أو أمَّ ولدٍ أو مُعلَّق العتق بصفةٍ، ولو آبقًا ومغصوبًا ومُؤجَّرًا ومرهونًا يؤدِّيها السَّيِّد عنه (صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) أمَّا المُكاتَب فلا فطرة عليه؛ لضعف ملكه، ولا على سيِّده عنه؛ لنزوله منه (٣) منزلة الأجنبيِّ، وأمَّا المُبعَّض؛ فقال الشَّافعيُّ: يخرج هو من الصَّاع بقدر حرِّيَّته، وسيِّده بقدر رقِّه، وهو إحدى الرِّوايتين عن أحمد، والمشهور عند المالكيَّة: أنَّ على المالك بقدر نصيبه ولا شيء على العبد، وقال

стр. 3559

أبو حنيفة: لا شيء فيه عليه ولا على السَّيِّد (فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ) أي: بصاع التَّمر، أي (١): جعلوا (٢) مثله (نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ) ولمَّا كان الكلام متضمِّنًا ترك المعدول به (٣)؛ أدخل الباء عليه؛ لأنَّها تدخل على المتروك، ففي الباء معنى: البدليَّة، والمراد بـ «النَّاس»: معاوية ومن معه -كما مرَّ- لا جميع النَّاس حتَّى يكون إجماعًا، كما نُقِل عن أبي حنيفة أنَّه استدلَّ به، وقد مرَّ ما فيه (فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي التَّمْرَ) وفي رواية مالكٍ في «المُوطَّأ» عن نافعٍ: كان ابن عمر لا يُخرج إلَّا التَّمر في زكاة الفطر إلَّا مرَّةً واحدةً فإنَّه أخرج شعيرًا (فَأَعْوَزَ) بفتح الهمزة والواو، بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، آخره زايٌ، أي: احتاج، ولأبي ذرٍّ: «فأُعوِز» بضمِّ الهمزة وكسر الواو (أَهْلُ المَدِينَةِ مِنَ التَّمْرِ) فلم يجدوه (فَأَعْطَى شَعِيرًا) وهو يدلُّ على أنَّ التَّمر أفضل ما يخرج في صدقة الفطر، ومذهب الشَّافعيَّة أنَّ الواجب جنس القوت المُعشَّر، وكذا الأَقِط؛ لحديث أبي سعيدٍ السَّابق [خ¦١٥١٠] وفي معناه: اللَّبن والجبن، فيجزئ كلٌّ من الثَّلاثة لمن هو قُوته، ولا يجزئ المخيض والمصل والسَّمن والجبن المنزوع الزَّبد؛ لانتفاء الاقتيات بها، ولا المُملَّح من الأَقِط الذي أفسد كثرةُ الملح جوهرَه، ويجب من غالب قوت بلده، فـ «أو» في قوله في الحديث: «صاعًا من تمر أو صاعًا من شعيرٍ» ليست للتَّخيير، بل لبيان الأنواع التي يخرج منها، وذُكِرا لأنَّهما الغالب في قوت أهل المدينة، وجاءت أحاديث أُخَر (٤) بأجناسٍ أخرى، فعند الحاكم: أو صاعًا من قمحٍ، ولأبي داود والنَّسائيِّ: أو سُلْتٍ، وللمؤلِّف وغيره -كما سبق-: أو زبيبٍ أو أَقِطٍ [خ¦١٥٠٦] وكلُّها محمولةٌ على أنَّها غالب أقوات المخاطبين بها، ويجزئ الأعلى عن الأدنى ولا عكس، والاعتبار بزيادة الاقتيات في الأصحِّ، فالبُرُّ خيرٌ من التَّمر (٥) والأرزِّ، والشَّعير خيرٌ من التَّمر؛ لأنَّه أبلغ في الاقتيات، والتَّمر خيرٌ من الزَّبيب، وقال الحنفيَّة: يتخيَّر بين البُرِّ والدَّقيق والسَّويق والزَّبيب والتَّمر، والدَّقيق أَوْلى من البُرِّ، والدَّراهم أَوْلى من الدَّقيق فيما يُروَى

стр. 3560

عن أبي يوسف، وقال المالكيَّة: من أغلب قوت المزكِّي أو قوت البلد الذي هو فيه من مُعشَّرٍ؛ وهو القمح والشَّعير والأرزُّ والذُّرة والدُّخن والتَّمر والزَّبيب والأَقِط غير العلس (١) إلَّا أن يقتات غير المُعشَّر، والأَقِط كالتِّين والقَطَانيِّ والسَّويق واللَّحم واللَّبن، فإنَّه يخرج منه على المشهور. قال نافعٌ: (فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ (يُعْطِي) زكاة الفطر (عَنِ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، حَتَّى أَإِنْ كَانَ يُعْطِي) الفطرة (عَنْ بَنِيَّ) بفتح المُوحَّدة وكسر النُّون وتشديد التَّحتيَّة، أي: الذين رُزِقهم، وهو في الرِّقِّ، أو بعد أن أعتق على سبيل التَّبرُّع، أو كان يرى وجوبها على جميع من يموِّنه ولو لم تكن نفقته واجبةً عليه، وهمزة «إنَّ» مكسورةٌ ومفتوحةٌ، فقال الكِرمانيُّ: شرطُ المكسورة اللَّامُ في الخبر، أي: نحو: ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣] والمفتوحةُ «قد» ونحوه (٢)، وأجاب بأنَّهما مُقدَّرتان أو تُجعَل (٣) «أن» مصدريَّةً، و «كان» زائدةً. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ فقال: هذا تعسُّفٌ، والأوجه أن يُقال: إنَّ «أنْ» مُخفَّفةٌ من الثَّقيلة، وأصله: حتَّى أنَّه كان، أي: حتَّى أنَّ ابن عمر كان يعطي، وأجاب في «المصابيح» عن اللَّام بأنَّه إذا دلَّ على قصد الإثبات؛ جاز تركها؛ كقوله: إن كنت قاضي نحبي يوم بينكِم … لو لم تمنُّوا بوعدٍ يوم توديعِ إذ (٤) المعنى فيه لا يستقيم إلَّا على إرادة الإثبات، والدَّليل في الحديث موجودٌ؛ لأنَّه قال: وكان ابن عمر يعطي عن الصَّغير والكبير وغيَّاه (٥) بقوله: «حتَّى إن كان يعطي عن بَنِيَّ»، ولا تأتي

стр. 3561

الغاية مع قصد النَّفي أصلًا. انتهى. لكن ثبت في رواية أبي ذرٍّ؛ كما في «اليونينيَّة»: «لَيعطي»؛ باللَّام، ولم يضبط الهمزة إلَّا بالكسر، وصحَّح عليها. قال نافعٌ: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُعْطِيهَا) أي: زكاة الفطر (الَّذِينَ يَقْبَلُونَهَا) أي: الذين تجتمع عندهم ويتولَّون تفرقتها (١) صبيحة العيد؛ لأنَّه السُّنَّة، قاله ابن بطَّالٍ، أو الذين يدَّعون الفقر من غير أن يتجسَّس، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يقبلون» بإسقاط ضمير المفعول (وَكَانُوا) أي: النَّاس (يُعْطُونَ) بضمِّ أوَّله وثالثه، أي: صدقة الفطر (قَبْلَ) يوم (الفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ) فيه جواز تقديمها قبل يوم العيد، فله تعجيلها من أوَّل رمضان ليلًا، والصَّحيح منعه قبل رمضان؛ لأنَّه تقديمٌ على السَّبب. (٧٨) (باب) وجوب (صَدَقَةِ الفِطْرِ عَلَى الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ). ١٥١٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) ابن عمر العمريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَدَقَةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ عَلَى) وليِّ (الصَّغِيرِ) الذي لم يحتلم من ماله إن كان له مالٌ (٢)، أو على من تلزمه نفقته، وبه قال الأئمَّة الأربعة والجمهور؛ خلافًا لمحمَّد بن الحسن؛ حيث قال: على الأب مطلقًا (وَالكَبِيرِ وَالحُرِّ وَالمَمْلُوكِ). تنبيهٌ: لا فطرة على جنين؛ خلافًا لابن حزمٍ؛ حيث قال بوجوبها مستدلًّا بقوله: «أو صاعًا

стр. 3562

من التَّمر على الصَّغير»، قال: لأنَّ الجنين في بطن أمِّه يقع عليه اسم «صغيرٍ»، فإذا أكمل مئةً وعشرين يومًا في بطن أمِّه قبل انصداع الفجر من ليلة العيد؛ وجب أن تُؤدَّى (١) عنه صدقة الفطر، واستدلَّ بما رواه بكر بن عبد الله المزنيُّ وقتادة: أنَّ عثمان ﵁ كان يعطي صدقة الفطر عن الصَّغير والكبير حتَّى عن الحمل في بطن أمِّه، وعُورِض بأنَّ ما ذُكِر عن عثمان لا حجَّة فيه؛ لأنَّه منقطعٌ، فإنَّ بكرًا وقتادة روايتهما عن عثمان مُرسَلةٌ، وأمَّا قوله: «على (٢) الصَّغير والكبير»؛ فلم يفهم عاقلٌ منه إلَّا الموجودين في الدُّنيا، وأمَّا المعدوم؛ فلا نعلم أحدٌ أوجب عليه، والله أعلم. وهذا آخر «كتاب الزَّكاة»، والله أسأل بوجهه الكريم وبنبيِّه (٣) العظيم عليه أفضل الصَّلاة والتَّسليم أن يمنَّ عليِّ بإكماله (٤) وتحريره على ما يحبُّه الله تعالى ويرضاه وينفعني به والمسلمين في عافيةٍ بلا محنةٍ، أستودع الله تعالى ذلك، فإنَّه لا تخيب ودائعه وكذا جميع مآربي، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين (٥) وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

стр. 3563

ولَّما فرغ المؤلِّف من «الزَّكاة» عقَّبها بـ «الحَِجِّ» لما بينهما من المناسبة؛ لأنَّ كلًّا منهما عبادةٌ ماليَّةٌ، فقال (١): ((٢٥)) (كِتَابُ الحَِجِّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) (باب وُجُوبِ الحَِجِّ وَفَضْلِهِ) وكذا (٢) لأبي ذرٍّ: تقديم البسملة على «كتاب» (٣)، وسقط لغيره: البسملة وباب، نعم ثبت لفظ (٤): «باب» لابن عساكر في «اليونينيَّة» (٥)، وفي نسخة: تقديم البسملة، وللأَصيليِّ فيما حكاه في «فتح الباري»: «كتاب المناسك»، و «الحَِجُّ»: بفتح الحاء وكسرها، وبهما قُرِئ، فالفتح لغة أهل العالية، والكسر لغة نجدٍ، وفرَّق سيبويه بينهما؛ فجعل المكسور (٦) مصدرًا واسمًا للفعل، والمفتوحَ: مصدرًا فقط، وقال ابن السِّكِّيت: بالفتح: القصد، وبالكسر: القوم الحجُّاج، وقال الجوهريُّ:

стр. 3564

والحِجَّة بالكسر: المرَّة الواحدة، وهو من الشَّواذِّ؛ لأنَّ القياس بالفتح، وهو مبنيٌّ على اختياره أنَّه بالفتح الاسم، ومعنى الحجِّ في اللُّغة: القصد، وفي الشَّرع: عبادةٌ يلزمها وقوف بعرفة ليلة عاشر ذي الحجَّة، وطوافٌ ذي طُهْرٍ اختصَّ بالبيت عن يساره سبعًا، والمناسك -جمع منسَِكٍ-: بفتح السِّين وكسرها، والنُّسك: العبادة، والنَّاسك: العابد، واختصَّ بأعمال الحجِّ والمناسك مواقف النُّسك وأعمالها، والنَّسيكة مختصَّةٌ بالذَّبيحة (وَقَوْلِ اللهِ) تعالى (١) بالجرِّ، عطفًا على سابقه، وسقط ذلك لغير أبي ذرٍّ (٢) (﴿وَلِلّهِ﴾) فرضٌ واجبٌ (﴿عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾) قصدُه للزِّيارة على الوجه المخصوص الآتي بيانه إن شاء الله تعالى (﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]) بدلٌ من ﴿النَّاسِ﴾ مخصِّصٌ له، والضَّمير في ﴿إِلَيْهِ﴾ للبيت أو للحجِّ، وكلُّ مأتىَ إلى الشَّيء فهو سبيله، وحذف الرَّابط لفهمه، أي: من استطاع منهم، كذا أعربه جمهور المعربين، لكن قال البدر الدَّمامينيُّ: يلزم عليه فصل البدل (٣) والمُبدَل منه بالمبتدأ، وفيه نظرٌ. انتهى. وقال ابن هشامٍ: زعم ابن السِّيْد أنَّ ﴿مَنِ﴾ فاعلٌ بالمصدر، ويردُّه أنَّ المعنى حينئذٍ: ولله على النَّاس أن يحجَّ المستطيع، فيلزم إثم جميع النَّاس إذا تخلَّف المستطيع، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه بناه على أنَّ الألف واللَّام لاستغراق الجنس، وهو ممنوعٌ لجواز كونها للعهد الذِّكريِّ، والمراد حينئذٍ بـ ﴿النَّاسِ﴾: مَنْ جرى ذكره وهم المستطيعون، وذلك لأنَّ «حجُّ البيت» مبتدأٌ، والخبر قوله: «لله على النَّاس»، والمبتدأ مُقدَّمٌ على الخبر رتبةً وإن تأخَّر لفظًا، فإذا قدّمت المبتدأ وما هو من متعلَّقاته كان التَّقدير: حجُّ البيت المستطيعون حقٌّ ثابتٌ لله على النَّاس، أي: هؤلاء المذكورين، ويدلُّ عليه أنَّك لو أتيت بالضَّمير؛ سدَّ مسدَّ «أل» ومصحوبها، وهو علامة الأداة التي للعهد الذِّكريِّ؛ بل جعلُها كذلك مُقدَّمٌ على جعلها للعموم، فقد صرَّح كثيرون بأنَّه: إذا احتمل كون «أل» للعهد وكونها لغيره؛ كالجنس أو العموم فإنَّا نحملها على العهد للقرينة المرشدة إليه، ووجوب الحجِّ معلومٌ من الدِّين بالضَّرورة، ولهذه الآية، وهو أحد أركان

стр. 3565

الإسلام الخمس، ولا يتكرَّر وجوبه إلَّا لعارض نذرٍ أو قضاءٍ عارضٍ، روى مسلمٌ حديث أبي هريرة: خطبنا رسول الله ﷺ ، فقال: «يا أيُّها النَّاس، قد فرض الله عليكم الحجَّ فحجُّوا»، فقال رجلٌ: يا رسول الله، أكلَّ عامٍ؟ فسكت حتَّى قالها ثلاثًا، فقال النَّبيُّ ﷺ : «لو قلتُ: نعم لوجبت ولَما استطعتم» أي: أتأمرنا أن نحجَّ كلَّ عامٍ؟ وهذا يدلُّ على أنَّ مُجرَّد الأمر لا يفيد التَّكرار ولا المرَّة، وإلَّا لمَا صحَّ الاستفهام، وإنَّما سكت ﷺ حتَّى قالها ثلاثًا زجرًا له عن السُّؤال، فإنَّ التَّقدُّم بين يدي رسول الله ﷺ منهيٌّ عنه لقوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] لأنَّه ﷺ مبعوثٌ لبيان الشَّرائع وتبليغ الأحكام (١)، فلو وجب الحجُّ كلَّ سنةٍ لَبيَّنه ﵊ لهم لا محالة، ولا يقتصر على الأمر به مطلقًا، سواءٌ سُئِل عنه أو لم يُسأَل عنه، فيكون استعجالًا ضائعًا، ثمَّ لمَّا رأى أنَّه لا يُزجَر به ولا يقنع إلَّا بالجواب الصَّريح أجاب عنه بقوله: «لو قلت: نعم لوجبت» كل عامٍ حجَّةٌ (٢)، فأفاد به أنَّه لا يجب في كلِّ عامٍ لِما في «لو» من الدَّلالة على انتفاء الشَّيء لانتفاء غيره، وأنَّه (٣) لم يتكرَّر لِما فيه من الحرج والكلف الشَّاقَّة، قاله البيضاويُّ. وتعقَّبه الطِّيبيُّ بأنَّ: الاستدلال بسؤال الرَّجل على أنَّ الأمر لا يفيد التَّكرار ولا (٤) المرَّة ضعيفٌ لأنَّ الإنكار واردٌ على السُّؤال الذي لم يقع موقعه، ولهذا زجره، وقال: «ذروني ما تركتكم» يعمُّ (٥) الخطاب؛ يعني: اقتصِروا على ما أمرتكم (٦) به (٧) على قدر استطاعتكم، فقد علم أنَّ الرَّجل لو لم يسأل لم يُفِدِ الأمر غير المرَّة، وأنَّ التَّكرار يفتقر إلى دليلٍ خارجيٍّ. انتهى. ثمَّ إنَّ الحجَّ مطلقًا إمَّا فرض عينٍ أو فرض كفايةٍ أو تطوُّعٍ، واستُشكِل تصويره، وأُجيب بأنَّه يُتصوَّر في العبيد والصِّبيان لأنَّ الفرضين لا يتوجَّهان إليهما (٨)، وبأنَّ في حجِّ من ليس عليه

стр. 3566

فرض عينٍ جهتين: جهة تطوُّعٍ من حيث إنَّه ليس عليه فرض عين، وجهة فرض كفايةٍ من حيث إحياء الكعبة، قال الزَّركشيُّ: وفيه التزام السُّؤال؛ إذ لم يخلص لنا حجُّ تطوُّعٍ على حدته، وفي الأوَّل التزامه بالنِّسبة للمُكلَّفين، ثمَّ إنَّه لا يبعد وقوعه من غيرهم فرضًا، ويسقط به فرض الكفاية عن المُكلَّفين كما في الجهاد وصلاة الجنازة. انتهى. واختُلِف: هل هو على الفور أو على (١) التَّراخي؟ فعند الشَّافعيَّة على التَّراخي لأنَّ الحجَّ فُرِض سنة خمسٍ كما جزم به الرَّافعيُّ في «كتاب الحجِّ»، أو سنة ستٍّ كما صحَّحه في «السِّير» (٢)، وتبعه عليه في «الرَّوضة»، ونقله في «شرح المُهذَّب» عن الأصحاب، وعليه الجمهور لأنَّه نزل فيها قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وهذا ينبني على أنَّ المراد بالإتمام ابتداء الفرض، ويؤيِّده ما أخرجه الطَّبريُّ بأسانيد صحيحةٍ عن علقمة ومسروقٍ وإبراهيم النَّخعيِّ أنَّهم قرؤوا: «وأقيموا الحجَّ»، وقِيلَ: المراد بالإتمام: الإكمال بعد الشُّروع، وهو يقتضي تقدُّم فرضه قبل ذلك، وقد أخَّره ﷺ إلى سنة عشرٍ من غير مانعٍ، فدلَّ على التَّراخي، وإليه ذهب اللَّخميُّ وصاحب المقدِّمات والتِّلمسانيُّ من المالكيَّة، وحكى ابن القصَّار عن مالكٍ: أنَّه على الفور، وتابعه العراقيُّون، وشهَّره صاحب «الذَّخيرة» (٣) وصاحب «العدَّة» وابن بَزِيزَة، لكنَّ القول بالتَّراخي مُقيَّدٌ بعدم خوف الفوات، والاستطاعة: الزَّاد والرَّاحلة كما فسَّره ﷺ ، وهو يؤيِّد قول الشَّافعيِّ: إنَّها بالمال، ولذلك أوجب الاستنابة على الزَّمِن إذا وجد أجرة من ينوب عنه، وقال مالكٌ: بالبدن، فيجب على من قدر على المشي والكسب في الطَّريق، وقال أبو حنيفة: بمجموع الأمرين. ثمَّ إنَّ اليهود حين أُمِروا بالحجِّ قالوا: ما وجب علينا؟ فنزل قوله تعالى: (﴿وَمَن كَفَرَ﴾) أي: جحد فريضة الحجِّ (﴿فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]) فلا يضرُّه كفرهم

стр. 3567

ولا ينفعه إيمانهم، وقال البيضاويُّ: وضع ﴿كَفَرَ﴾ موضع من لم يحجَّ تأكيدًا لوجوبه وتغليظًا على تاركه، ولذلك قال ﵊: «من مات ولم يحجَّ فليمت إن شاء يهوديًّا أو نصرانيًّا»، وقد أكَّد أمر الحجِّ في هذه الآية من وجوه الدَّلالة على وجوبه بصيغة الخبر، وإبرازه في الصُّورة الاسميَّة، وإيراده على وجهٍ يفيد أنَّه حقٌّ واجبٌ لله في رقاب النَّاس (١)، وتعميم الحكم أوَّلًا وتخصيصه ثانيًا (٢)، فإنَّه كإيضاحٍ بعد إبهامٍ، وتثنيةٍ (٣) وتكريرٍ للمراد، وتسمية ترك الحجِّ كفرًا من حيث إنَّه فعل الكَفَرة، وذكر الاستغناء عنه بالبرهان والإشعار بعظم (٤) السُّخط؛ لأنَّه تكليفٌ شاقٌّ جامعٌ بين كسر النَّفس وإتعاب البدن وصرف المال والتَّجرُّد عن الشَّهوات والإقبال على الله. انتهى. وهذا أخذه من قول الزَّمخشريِّ، لكنَّ عبارته: جعل ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ عوضًا عن «ومن لم يحجَّ» تغليظًا إلى آخر الحديث، واستشكله ابن المُنيِّر بأنَّ تاركه لا يكفر بمُجرَّد تركه، فتعيَّن حمله على تاركه جاحدًا لوجوبه، فالكفر يرجع إلى الاعتقاد، قال: والزَّمخشريُّ سهل عليه ذلك لأنَّه يعتقد أنَّ تارك الحجِّ يخرج عن الإيمان ويخلد في النَّار، ويحتمل أن يكون قوله: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ استئنافَ وعيدٍ للكافرين. ١٥١٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) ضدَّ اليمين (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ الفَضْلُ) اختُلِف على الزُّهريِّ في هذا الإسناد، فرواه ابن جريجٍ كما في «باب الحجِّ عمَّن لا يستطيع الثُّبوت على الرَّاحلة» [خ¦١٨٥٣] عنه، عن سليمان بن يسارٍ، عن ابن عبَّاسٍ، عن

стр. 3568

الفضل بن عبَّاسٍ، وروى ابن ماجه من طريق محمَّد بن كُرَيبٍ عن أبيه عن ابن عبَّاسٍ: أخبرني حُصَين بن عوفٍ عن الخثعميِّ قال: قلت: يا رسول الله، إنَّ أبي، وسأل التِّرمذيُّ البخاريَّ عنه فقال: أصحُّ شيءٍ فيه ما روى ابن عبَّاسٍ عن الفضل قال: فيحتمل أن يكون ابن عبَّاسٍ سمعه من الفضل ومن غيره، ثمَّ رواه بغير (١) واسطةٍ. انتهى. قال في «الفتح»: وإنَّما رجَّح البخاريُّ الرِّواية عن الفضل لأنَّه كان رديف (٢) النَّبيِّ ﷺ حينئذٍ، وكان ابن عبَّاسٍ قد تقدَّم من مزدلفة إلى منًى مع الضَّعفة، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى-[خ¦١٦٧٨] والفضل هو شقيق عبد الله، أمُّهما أمُّ الفضل لُبَابة الكبرى (رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) راكبًا خلفه على الدَّابَّة (فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ) بفتح الخاء المعجمة وسكون المُثلَّثة وفتح العين المهملة غير منصرفٍ، قال (٣) البرماويُّ كالزَّركشيِّ: للعلميَّة ووزن الفعل؛ حيٌّ من بجيلة من قبائل اليمن، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: إن لم يُحمَل هذا على سبق قلمٍ من المُصنِّف أو الغلط من النَّاسخ، فهو عجيبٌ؛ إذ ليس فيه وزن الفعل المُعتبَر عندهم، ولو قِيلَ بأنَّه على وزن: دحرج لَلَزِمَ منع صرف جعفرٍ، وهو باطلٌ بالإجماع. انتهى. (فَجَعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ) وفي رواية شُعَيبٍ الآتية في «الاستئذان» [خ¦٦٢٢٨]-إن شاء الله تعالى-: «وكان الفضل رجلًا وضيئًا، أي: جميلًا، وأقبلت امرأةٌ من خَثْعَمَ وضيئةٌ وطَفِق الفضل ينظر إليها وأعجبه حُسْنُها» (وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ الفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ) بكسر الشِّين وفتح الخاءِ (فَقَالَتْ) أي: المرأة: (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي) حال كونه (شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ) صفةٌ لـ «شيخًا»، أو حالٌ متداخلةٌ للتي قبلها، أي: وجب عليه الحجُّ بأن أسلم وهو شيخٌ كبيرٌ، أو حصل له المال في هذه الحالة، والأوَّل أوجه كما قاله الطِّيبيُّ، واختلفت طرق الأحاديث في السَّائل عن ذلك، هل هو امرأةٌ أو رجلٌ؟ وفي المسؤول عنه أيضًا أن يُحجَّ عنه، هل هو أبٌ أو أمٌّ أو أخٌ؟ فأكثر طرق الأحاديث الصَّحيحة دالَّةٌ على أنَّ السَّائل امرأةٌ سألت عن أبيها كما هو في أكثر طرق حديث الفضل وحديث عبد الله أخيه وحديث عليٍّ، وفي النَّسائيِّ من حديث الفضل أنَّ السَّائل رجلٌ

стр. 3569

سأل (١) عن أمِّه (٢)، وفي «صحيح ابن حبَّان» من حديث ابن عبَّاسٍ أنَّ السَّائل رجلٌ يسأل (٣) عن أبيه، وعند النَّسائيِّ أيضًا: أنَّ امرأةً سألته (٤) عن أبيها، وفي حديث بريدة عند التِّرمذيِّ: أنَّ امرأةً سألته عن أمِّها، وفي حديث حُصَين بن عوفٍ عند ابن ماجه: أنَّ السَّائل رجلٌ سأل عن أبيه، وفي حديث سنان بن عبد الله: أنَّ عمَّته قالت: «يا رسول الله؛ تُوفِّيت أمِّي» وهذا محمولٌ على التَّعدُّد (أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟) أي: أيجوز لي أن أنوب عنه فأحجَّ عنه، فالفاء بعد همزة الاستفهام عاطفةٌ على مُقدَّرٍ لأنَّ الاستفهام له الصَّدر (قَالَ) ﵊: (نَعَمْ) حُجِّي عنه (وَذَلِكَ) أي: ما ذكر وقع (فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ) وفيه: جواز الحجِّ عن الغير، وتمسَّك الحنفيَّة بعمومه على صحَّة حجِّ من لم يحجَّ نيابةً عن غيره، وخالف الجمهور فخصُّوه بمن حجَّ عن نفسه لحديث «السُّنن» و «صحيح ابن خزيمة» عن ابن عبَّاسٍ: أنَّه ﷺ رأى رجلًا يلبِّي عن شُبْرُمَةَ، فقال: «أفحججت (٥) عن نفسك؟» فقال (٦): لا، قال (٧): «هذه عن نفسك، ثمَّ احجج عن شُبْرُمَةَ» ومنع مالكٌ الحجَّ عن المعضوب (٨) مع أنَّه راوي الحديث، وقال الشَّافعيُّ: لا يستنيب الصَّحيح لا في فرضٍ ولا في نفلٍ، وجوَّزه أبو حنيفة وأحمد في النَّفل. وأمَّا المطابقة بين الحديث والتَّرجمة فقالوا: تُدرَك بدقَّة النَّظر من (٩) دلالة الحديث على تأكيد الأمر بالحجِّ، حتَّى إنَّ المُكلَّف لا يُعذَر بتركه عند عجزه عن المباشرة بنفسه، بل يلزم أن يستنيب غيره، وهو يدلُّ على أنَّ في مباشرته فضلًا عظيمًا، ويأتي إن شاء الله تعالى (١٠) إفراد فضل الحجِّ ببابٍ.

стр. 3570

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٣٩٩] و «الاستئذان» [خ¦٦٢٢٨]، ومسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه. (٢) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾) نُصِبَ على الحال من (١) الضَّمير الذي في ﴿يَأْتُوكَ﴾ وهو مجزومٌ، جواب قوله: ﴿وَأَذِّن﴾ أي: يأتوك مشاةً (﴿وَ﴾) ركبانًا (﴿وَعَلَى كُلِّ﴾) بعير (﴿ضَامِرٍ﴾) مهزولٍ أتعبه بُعدُ السَّفر فهزله، والضَّامر يُستعمَل بغير هاءٍ للمُذكَّر والمُؤنَّث (﴿يَأْتِينَ﴾) صفةٌ لـ ﴿كُلِّ ضَامِرٍ﴾ لأنَّه في معنى الجمع (﴿مِن كُلِّ فَجٍّ﴾) طريقٍ (﴿عَمِيقٍ﴾) بعيدٍ (﴿لِيَشْهَدُوا﴾) ليحضروا (﴿مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٧ - ٢٨]) دينيَّةً ودنيويَّةً، ونكَّرها لأنَّ المراد بها نوعٌ من المنافع مخصوصةٌ بهذه العبادة، وسبب نزول هذه الآية كما ذكره الطَّبريُّ من طريق عمر بن ذَرٍّ قال: قال مجاهدٌ: كانوا لا يركبون، فأنزل الله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ فأمرهم بالزَّاد ورخَّص لهم في الرُّكوب والمَتْجَر، ومن ثمَّ ذكر المؤلِّف هذه الآية هنا (٢) مترجمًا بها لينبِّه على أنَّ اشتراط الرَّاحلة في وجوب الحجِّ لا ينافي جواز الحجِّ ماشيًا مع القدرة على الرَّاحلة وعدم القدرة لأنَّ الآية اشتملت على المشاة والرُّكبان، قال المؤلِّف مفسِّرًا لقوله تعالى في سورة نوحٍ: (﴿فِجَاجًا﴾ [نوح: ٢٠]) جمع: فجٍّ، أي: (الطُّرُقُ الوَاسِعَةُ) (٣) وهو الموافق لقول الفرَّاء وأبي عبيدٍ والأزهريِّ، وهو الذي ذكره البيضاويُّ وغيره من أئمَّة التَّفسير، وقال ثعلبٌ: ما انخفض من الطُّرق. ١٥١٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) التُّستريُّ المصريُّ الأصل قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ)

стр. 3571

عبد الله (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن عمر» (أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ (١) ﵄ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَرْكَبُ رَاحِلَتَهُ بِذِي الحُلَيْفَةِ) بضمِّ الحاء المهملة وفتح اللَّام وسكون التَّحتيَّة وفتح الفاء آخره هاءٌ، وهي أبعد المواقيت من مكَّة (ثُمَّ يُهِلُّ) بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه من الإهلال؛ وهو رفع الصَّوت بالتَّلبية، أي: مع الإحرام (حَتَّى تَسْتَوِي) أي: الرَّاحلة، ولأبي ذرٍّ: «حين تستوي» (بِهِ) حال كونها (قَائِمَةً). وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ. ١٥١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) ولأبي ذرٍّ: «إبراهيم بن موسى التَّميميُّ» الحافظ المعروف بالفرَّاء الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا الوَلِيدُ) بن مسلمٍ القرشيُّ الأمويُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن أنَّه (سَمِعَ عَطَاءً) هو ابن أبي رباحٍ (يُحَدِّثُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄: أَنَّ إِهْلَالَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ) قال ابن المُنيِّر: أراد المؤلِّف أن يردَّ على من زعم أنَّ الحجَّ ماشيًا أفضل لأنَّ الله تعالى قدَّم الرِّجال على الرُّكبان، فبيَّن أنَّه لو كان أفضل لفعله النَّبيُّ (٢) ﷺ ، وإنَّما حجَّ ﵊ قاصدًا لذلك، ولذا لم يُحْرِم حتَّى استوت به راحلته.

стр. 3572

وفي هذا (١) الحديث: التَّحديثُ والإخبار والسَّماع والعنعنة (رَوَاهُ) أي: إهلاله حين استوت به راحلته (أَنَسٌ) فيما وصله في «باب من بات بذي الحليفة حتَّى أصبح» [خ¦١٥٤٦] (وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃¬) في «باب ما يلبس المحرم من الثِّياب» [خ¦١٥٤٥] كما سيأتي إن شاء الله تعالى. (٣) (بَابُ الحَجِّ عَلَى الرَّحْلِ) (٢) للتَّواضع، و «الرَّحْل»: بفتح الراء وسكون الحاء المهملة، وهو للبعير كالسَّرج للفرس. ١٥١٦ - (وَقَالَ أَبَانُ) بن يزيد العطَّار البصريُّ ممَّا وصله أبو نُعيمٍ في «مُستخرَجه»، و «أَبَانُ» بفتح الهمزة وتخفيف المُوحَّدة آخره نونٌ مصروفٌ وغير مصروفٍ، وفي «المصابيح»: قال القرافيُّ: المحدِّثون والنُّحاة على عدم صرفه، قال: ونقله ابن يعيش في «شرح المُفصَّل» عن الجمهور، وقال: إنَّ وزنه «أفعل»، وأصله: أَبْيَن، صيغة مبالغةٍ في البيان الذي هو الظُّهور، فتقول: هذا أبين من هذا: أظهر منه وأوضح، فلُوحِظ أصله مع العلميَّة (٣) التي فيه فلم يُصرَف، هكذا في «شرح المنهاج الأصليِّ» للسُّبكيِّ في فصل (٤) «الخصوص»، قال الدَّمامينيُّ: صرَّح ابن مالكٍ في «التَّوضيح» بأنَّه منقولٌ من «أبانَ» ماضي «يبينُ»، ولو لم يكن منقولًا لوجب أن يُقال فيه: أبين بالتَّصحيح، وهو كلامٌ متَّجهٌ يتقرَّر به الرَّدُّ على ما نقله القرافيُّ، وأقرَّه عليه السُّبكيُّ من كونه «أفعل» تفضيلٍ، فتأمَّله، قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) هو ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مَعَهَا أَخَاهَا) شقيقها (عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْمَرَهَا)

стр. 3573

حملها على العمرة حتَّى اعتمرت (مِنَ التَّنْعِيمِ) بفتح الفوقيَّة وسكون النُّون وكسر العين المهملة: موضعٌ عند طرف حرم (١) مكَّة من جهة المدينة على ثلاثة أميالٍ من مكَّة (وَحَمَلَهَا عَلَى) مُؤخَّر (قَتَبٍ) أي: أردفها وكان هو على قَتَبٍ لأنَّه قال في الرِّواية الموصولة آخر الباب [خ¦١٥١٨]: فأحقبها، أي: أردفها على الحقيبة، وهي الزِّيادة التي تُجعَل في مُؤخَّر القتب، فإنَّ القصَّة واحدةٌ، والقَتَب: بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة، آخره مُوحَّدةٌ: هو خشب الرَّحل، وقِيلَ: القَتَب للجمل بمنزلة الإكاف للحمار. (وَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب (¬﵁¬) فيما وصله عبد الرَّزَّاق وسعيد بن منصورٍ: (شُدُّوا الرِّحَالَ فِي الحَجِّ، فَإِنَّهُ أَحَدُ الجِهَادَيْنِ) إمَّا على جهة التَّغليب أو الحقيقة لأنَّه يجاهد نفسه بالصَّبر على مشقَّة السَّفر وترك الملاذ. ١٥١٧ - (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ) بفتح الدَّال المهملة المُشدَّدة، ممَّا وصله الإسماعيليُّ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت بدل قوله: «قال»: «حدَّثنا محمَّد بن أبي بكرٍ» قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بالتَّصغير و «يزيد» من الزِّيادة، قال: (حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ) بفتح العين والرَّاء بينهما زايٌ معجمةٌ (٢) ساكنةٌ، ابن ثابتٍ بالمُثلَّثة والمُوحَّدة (عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ) بضمِّ المُثلَّثة وتخفيف الميم ابن مالكٍ الأنصاريِّ البصريِّ قاضيها (قَالَ: حَجَّ أَنَسٌ عَلَى رَحْلٍ، وَلَمْ) ولابن عساكر: «فلم» (يَكُنْ شَحِيحًا) أي: لم يُؤْثِر الرَّحل على المحمل لبخلٍ (وَ) إنَّما (حَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَجَّ عَلَى رَحْلٍ، وَكَانَتْ) أي: الرَّاحلة التي ركبها (زَامِلَتَهُ) بالزَّاي، أي: حاملته وحاملة متاعه لأنَّ الزَّاملة (٣) البعير الذي يستظهر به الرَّجل لحمل متاعه وطعامه،

стр. 3574

فاقتدى به ﵊ أنسٌ، وقد رُوِيَ: حجُّ الأبرار على الرِّحال، وفيه: تركُ التَّرفُّه حيث جعل متاعه تحته وركب فوقه، وروى سعيد بن منصورٍ من طريق هشام بن عروة قال: كان النَّاس يحجُّون وتحتهم أزودتهم، وكان أوَّل من حجَّ على رحلٍ وليس تحته شيءٌ عثمان بن عفَّان ﵁. ١٥١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم، الفلَّاس قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك ابن مخلدٍ النَّبيل شيخ المؤلِّف، رَوَىَ عنه (١) هنا بواسطةٍ، قال: (حَدَّثَنَا أَيْمَنُ بْنُ نَابِلٍ) بنونٍ ومُوحَّدةٍ بينهما ألفٌ آخره لامٌ و «أَيْمَنُ»: بفتح الهمزة وسكون التَّحتيَّة وفتح الميم آخره نونٌ غير منصرفٍ، قال: (حَدَّثَنَا القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، اعْتَمَرْتُمْ وَلَمْ أَعْتَمِرْ، فَقَالَ) ﵊: (يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ اذْهَبْ بِأُخْتِكَ فَأَعْمِرْهَا) بقطع الهمزة (٢) وكسر الميم أمرٌ مِنَ الإعمار (مِنَ التَّنْعِيمِ فَأَحْقَبَهَا) عبد الرَّحمن؛ بهمزةٍ مفتوحةٍ وسكون الحاء المهملة وفتح القاف والمُوحَّدة، أي: حملها على حقيبة الرَّحل وأردفها خلفه، ولغير أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فأحقِبْها» بكسر القاف وسكون المُوحَّدة (عَلَى نَاقَةٍ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «على ناقته» (فَاعْتَمَرَتْ). (٤) (بَابُ فَضْلِ الحَجِّ المَبْرُورِ) اسم مفعولٍ من «برَّ» المتعدِّي، يقال: برَّ الله حجَّك، فهو متعدٍّ بنفسه، ويُبنَى للمفعول فيُقال: بُرَّ حجُّك، فهو مبرورٌ.

стр. 3575

١٥١٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى الأويسيُّ (١) المدنيُّ الأعرج قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بفتح الياء على المشهور، وقِيلَ: بكسرها، وكان يَكرَه فتحها (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) السَّائل أبو ذرٍّ (أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟) أي: أكثر ثوابًا، وفي حديث ابن مسعودٍ عند الشَّيخين [خ¦٧٥٣٤]: أيُّ الأعمال أحبُّ إلى الله؟ قال: «الصَّلاة لوقتها»، وفي حديث أبي سعيدٍ: سُئِل رسول الله ﷺ : أيُّ النَّاس أفضل؟ قال: «رجلٌ يجاهد في سبيل الله»، إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في هذا المعنى، واستُشكِلت للمعارضة الظَّاهرة، وأُجيب بأنَّه ﷺ أجاب كُلًّا بما يوافق غرضه وما يرغِّبه فيه، أو على حسب ما عُرِف من حاله، وبما (٢) يليق به، وأصلح له؛ توقيفًا له على ما خفي عليه، وقد يقول القائل: خير الأشياء كذا، ولا يريد تفضيله في نفسه على جميع الأشياء، ولكن يريد أنَّه خيرها في حالٍ دون حالٍ، ولواحدٍ دون آخر (قَالَ) ﵊: أفضل الأعمال: (إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ) ونكَّر الإيمان ليُشعِر بالتَّعظيم والتَّفخيم، أي: التَّصديق المُقارَن بالإخلاص المستتبع للأعمال الصَّالحة (قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟) أي: أيُّ شيءٍ أفضل بعده؟ (قَالَ: جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللهِ) أي: قتالُ الكفَّار لإعلاء كلمة الله (قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟) أفضل؟ (قَالَ: حَجٌّ مَبْرُورٌ) مقبولٌ، أو لم يخالطه إثمٌ، أو لا رياء فيه، أو لا يقع (٣) فيه معصيةٌ، وفي حديث جابرٍ عند (٤) أحمد بإسنادٍ فيه ضعفٌ: قالوا: يارسول الله ما برُّ الحجِّ؟ قال: «إطعام الطَّعام وإفشاء السَّلام»، وقوله: «إيمانٌ بالله … » إلى آخره، أخبار مبتدآتٍ محذوفةٍ لا مبتدآتٌ محذوفةُ (٥)
следующие страницы →