عبد الله (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن عمر» (أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ (١) ﵄ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَرْكَبُ رَاحِلَتَهُ بِذِي الحُلَيْفَةِ) بضمِّ الحاء المهملة وفتح اللَّام وسكون التَّحتيَّة وفتح الفاء آخره هاءٌ، وهي أبعد المواقيت من مكَّة (ثُمَّ يُهِلُّ) بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه من الإهلال؛ وهو رفع الصَّوت بالتَّلبية، أي: مع الإحرام (حَتَّى تَسْتَوِي) أي: الرَّاحلة، ولأبي ذرٍّ: «حين تستوي» (بِهِ) حال كونها (قَائِمَةً). وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ.
١٥١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) ولأبي ذرٍّ: «إبراهيم بن موسى التَّميميُّ» الحافظ المعروف بالفرَّاء الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا الوَلِيدُ) بن مسلمٍ القرشيُّ الأمويُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن أنَّه (سَمِعَ عَطَاءً) هو ابن أبي رباحٍ (يُحَدِّثُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄: أَنَّ إِهْلَالَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ) قال ابن المُنيِّر: أراد المؤلِّف أن يردَّ على من زعم أنَّ الحجَّ ماشيًا أفضل لأنَّ الله تعالى قدَّم الرِّجال على الرُّكبان، فبيَّن أنَّه لو كان أفضل لفعله النَّبيُّ (٢) ﷺ ، وإنَّما حجَّ ﵊ قاصدًا لذلك، ولذا لم يُحْرِم حتَّى استوت به راحلته.
стр. 3572
وفي هذا (١) الحديث: التَّحديثُ والإخبار والسَّماع والعنعنة (رَوَاهُ) أي: إهلاله حين استوت به راحلته (أَنَسٌ) فيما وصله في «باب من بات بذي الحليفة حتَّى أصبح» [خ¦١٥٤٦] (وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃¬) في «باب ما يلبس المحرم من الثِّياب» [خ¦١٥٤٥] كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
(٣) (بَابُ الحَجِّ عَلَى الرَّحْلِ) (٢) للتَّواضع، و «الرَّحْل»: بفتح الراء وسكون الحاء المهملة، وهو للبعير كالسَّرج للفرس.
١٥١٦ - (وَقَالَ أَبَانُ) بن يزيد العطَّار البصريُّ ممَّا وصله أبو نُعيمٍ في «مُستخرَجه»، و «أَبَانُ» بفتح الهمزة وتخفيف المُوحَّدة آخره نونٌ مصروفٌ وغير مصروفٍ، وفي «المصابيح»: قال القرافيُّ: المحدِّثون والنُّحاة على عدم صرفه، قال: ونقله ابن يعيش في «شرح المُفصَّل» عن الجمهور، وقال: إنَّ وزنه «أفعل»، وأصله: أَبْيَن، صيغة مبالغةٍ في البيان الذي هو الظُّهور، فتقول: هذا أبين من هذا: أظهر منه وأوضح، فلُوحِظ أصله مع العلميَّة (٣) التي فيه فلم يُصرَف، هكذا في «شرح المنهاج الأصليِّ» للسُّبكيِّ في فصل (٤) «الخصوص»، قال الدَّمامينيُّ: صرَّح ابن مالكٍ في «التَّوضيح» بأنَّه منقولٌ من «أبانَ» ماضي «يبينُ»، ولو لم يكن منقولًا لوجب أن يُقال فيه: أبين بالتَّصحيح، وهو كلامٌ متَّجهٌ يتقرَّر به الرَّدُّ على ما نقله القرافيُّ، وأقرَّه عليه السُّبكيُّ من كونه «أفعل» تفضيلٍ، فتأمَّله، قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) هو ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مَعَهَا أَخَاهَا) شقيقها (عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْمَرَهَا)
стр. 3573
حملها على العمرة حتَّى اعتمرت (مِنَ التَّنْعِيمِ) بفتح الفوقيَّة وسكون النُّون وكسر العين المهملة: موضعٌ عند طرف حرم (١) مكَّة من جهة المدينة على ثلاثة أميالٍ من مكَّة (وَحَمَلَهَا عَلَى) مُؤخَّر (قَتَبٍ) أي: أردفها وكان هو على قَتَبٍ لأنَّه قال في الرِّواية الموصولة آخر الباب [خ¦١٥١٨]: فأحقبها، أي: أردفها على الحقيبة، وهي الزِّيادة التي تُجعَل في مُؤخَّر القتب، فإنَّ القصَّة واحدةٌ، والقَتَب: بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة، آخره مُوحَّدةٌ: هو خشب الرَّحل، وقِيلَ: القَتَب للجمل بمنزلة الإكاف للحمار.
(وَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب (¬﵁¬) فيما وصله عبد الرَّزَّاق وسعيد بن منصورٍ: (شُدُّوا الرِّحَالَ فِي الحَجِّ، فَإِنَّهُ أَحَدُ الجِهَادَيْنِ) إمَّا على جهة التَّغليب أو الحقيقة لأنَّه يجاهد نفسه بالصَّبر على مشقَّة السَّفر وترك الملاذ.
١٥١٧ - (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ) بفتح الدَّال المهملة المُشدَّدة، ممَّا وصله الإسماعيليُّ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت بدل قوله: «قال»: «حدَّثنا محمَّد بن أبي بكرٍ» قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بالتَّصغير و «يزيد» من الزِّيادة، قال: (حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ) بفتح العين والرَّاء بينهما زايٌ معجمةٌ (٢) ساكنةٌ، ابن ثابتٍ بالمُثلَّثة والمُوحَّدة (عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ) بضمِّ المُثلَّثة وتخفيف الميم ابن مالكٍ الأنصاريِّ البصريِّ قاضيها (قَالَ: حَجَّ أَنَسٌ عَلَى رَحْلٍ، وَلَمْ) ولابن عساكر: «فلم» (يَكُنْ شَحِيحًا) أي: لم يُؤْثِر الرَّحل على المحمل لبخلٍ (وَ) إنَّما (حَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَجَّ عَلَى رَحْلٍ، وَكَانَتْ) أي: الرَّاحلة التي ركبها (زَامِلَتَهُ) بالزَّاي، أي: حاملته وحاملة متاعه لأنَّ الزَّاملة (٣) البعير الذي يستظهر به الرَّجل لحمل متاعه وطعامه،
стр. 3574
فاقتدى به ﵊ أنسٌ، وقد رُوِيَ: حجُّ الأبرار على الرِّحال، وفيه: تركُ التَّرفُّه حيث جعل متاعه تحته وركب فوقه، وروى سعيد بن منصورٍ من طريق هشام بن عروة قال: كان النَّاس يحجُّون وتحتهم أزودتهم، وكان أوَّل من حجَّ على رحلٍ وليس تحته شيءٌ عثمان بن عفَّان ﵁.
١٥١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم، الفلَّاس قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك ابن مخلدٍ النَّبيل شيخ المؤلِّف، رَوَىَ عنه (١) هنا بواسطةٍ، قال: (حَدَّثَنَا أَيْمَنُ بْنُ نَابِلٍ) بنونٍ ومُوحَّدةٍ بينهما ألفٌ آخره لامٌ و «أَيْمَنُ»: بفتح الهمزة وسكون التَّحتيَّة وفتح الميم آخره نونٌ غير منصرفٍ، قال: (حَدَّثَنَا القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، اعْتَمَرْتُمْ وَلَمْ أَعْتَمِرْ، فَقَالَ) ﵊: (يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ اذْهَبْ بِأُخْتِكَ فَأَعْمِرْهَا) بقطع الهمزة (٢) وكسر الميم أمرٌ مِنَ الإعمار (مِنَ التَّنْعِيمِ فَأَحْقَبَهَا) عبد الرَّحمن؛ بهمزةٍ مفتوحةٍ وسكون الحاء المهملة وفتح القاف والمُوحَّدة، أي: حملها على حقيبة الرَّحل وأردفها خلفه، ولغير أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فأحقِبْها» بكسر القاف وسكون المُوحَّدة (عَلَى نَاقَةٍ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «على ناقته» (فَاعْتَمَرَتْ).
(٤) (بَابُ فَضْلِ الحَجِّ المَبْرُورِ) اسم مفعولٍ من «برَّ» المتعدِّي، يقال: برَّ الله حجَّك، فهو متعدٍّ بنفسه، ويُبنَى للمفعول فيُقال: بُرَّ حجُّك، فهو مبرورٌ.
стр. 3575
١٥١٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى الأويسيُّ (١) المدنيُّ الأعرج قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بفتح الياء على المشهور، وقِيلَ: بكسرها، وكان يَكرَه فتحها (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) السَّائل أبو ذرٍّ (أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟) أي: أكثر ثوابًا، وفي حديث ابن مسعودٍ عند الشَّيخين [خ¦٧٥٣٤]: أيُّ الأعمال أحبُّ إلى الله؟ قال: «الصَّلاة لوقتها»، وفي حديث أبي سعيدٍ: سُئِل رسول الله ﷺ : أيُّ النَّاس أفضل؟ قال: «رجلٌ يجاهد في سبيل الله»، إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في هذا المعنى، واستُشكِلت للمعارضة الظَّاهرة، وأُجيب بأنَّه ﷺ أجاب كُلًّا بما يوافق غرضه وما يرغِّبه فيه، أو على حسب ما عُرِف من حاله، وبما (٢) يليق به، وأصلح له؛ توقيفًا له على ما خفي عليه، وقد يقول القائل: خير الأشياء كذا، ولا يريد تفضيله في نفسه على جميع الأشياء، ولكن يريد أنَّه خيرها في حالٍ دون حالٍ، ولواحدٍ دون آخر (قَالَ) ﵊: أفضل الأعمال: (إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ) ونكَّر الإيمان ليُشعِر بالتَّعظيم والتَّفخيم، أي: التَّصديق المُقارَن بالإخلاص المستتبع للأعمال الصَّالحة (قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟) أي: أيُّ شيءٍ أفضل بعده؟ (قَالَ: جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللهِ) أي: قتالُ الكفَّار لإعلاء كلمة الله (قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟) أفضل؟ (قَالَ: حَجٌّ مَبْرُورٌ) مقبولٌ، أو لم يخالطه إثمٌ، أو لا رياء فيه، أو لا يقع (٣) فيه معصيةٌ، وفي حديث جابرٍ عند (٤) أحمد بإسنادٍ فيه ضعفٌ: قالوا: يارسول الله ما برُّ الحجِّ؟ قال: «إطعام الطَّعام وإفشاء السَّلام»، وقوله: «إيمانٌ بالله … » إلى آخره، أخبار مبتدآتٍ محذوفةٍ لا مبتدآتٌ محذوفةُ (٥)
стр. 3576
الأخبار لأنَّ (١) المُقدَّر في الكلِّ «أفضلُ الأعمال» وهو أعرف من إيمانٍ بالله ولاحقَيْه، وقوله: «مبرورٌ» قال المازريُّ: هو من البرِّ.
١٥٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبَارَكِ) العَيْشِي (٢) بفتح العين المهملة وكسر الشِّين المعجمة (٣) بينهما مُثنَّاةٌ تحتيَّةٌ ساكنةٌ، وليس أخًا لعبد الله بن المبارك الفقيه المشهور، قال (٤): (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو ابن عبد الله الطَّحَّان قال: (أَخْبَرَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ) بفتح العين وسكون الميم وفتح الرَّاء آخره هاء تأنيثٍ القصَّاب (عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ) التَّميميَّة القرشيَّة أجلِّ نساء قريشٍ، أَصْدَقَها مصعب بن الزُّبير ألفَ ألفِ درهمٍ (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ نَرَى) بفتح النُّون: نعتقد (الجِهَادَ أَفْضَلَ العَمَلِ) لكثرة ما نسمع من فضائله في الكتاب والسُّنَّة، وعند النَّسائيِّ من رواية جريرٍ عن حبيبٍ: فإنِّي لا أرى في القرآن أفضل من الجهاد (أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: لَا) تُجاهِدْنَ، وسقط لفظ «لا» عند أبي ذرٍّ (لَكُنَّ) بضمِّ الكاف وتشديد النُّون واللَّام حرف جرٍّ دخل على جماعة المخاطبات، خبر قوله: (أَفْضَلُ الجِهَادِ) كذا لأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ، وللحَمُّويي كما في «الفتح» وغيره: «لَكِنَّ» بكسر الكاف وزيادة ألفٍ بعد اللَّام مع تشديد النُّون بلفظ الاستدراك (٥)، وحينئذٍ فـ «أفضل» منصوبٌ على أنَّه اسمها، وفي روايةٍ: «لَكِنْ» بسكون النُّون مُخفَّفةً، فـ «أفضلُ» مرفوعٌ بالابتداء، خبره (٦): (حَجٌّ مَبْرُورٌ) وعلى هذين يكون الاستدراك مستفادًا من
стр. 3577
السِّياق، أي: ليس لكُنَّ الجهاد، ولكنْ (١) أفضل منه في حقِّكن حجٌّ مبرورٌّ، وقول الزَّركشيِّ: «لكُنَّ»: بضمِّ الكاف وتشديد النُّون، والوجه حينئذٍ رفع «أفضلُ» على أنَّه مبتدأٌ خبره: «حجٌّ مبرورٌ»، تعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ بأنَّه ظنَّ أنَّ «لَكُنَّ» ظرف فهو متعلِّقٌ بـ «أفضل» أي: أفضل الجهاد لكُنَّ حجٌّ مبرورٌ، والمانع من ذلك قائمٌ، فالصَّواب أنَّ الخبر قوله: «لَكُنَّ»، وأمَّا «حجٌّ مبرورٌ» فخبرٌ لمبتدأٍ (٢) محذوفٍ، أي: هو حجٌّ مبرورٌ.
ورواة هذا الحديث ما بين مروزيٍّ وبصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه (٣): رواية المرأة عن خالتها، فإنَّ عائشةَ أمَّ المؤمنين خالةُ عائشة بنت طلحة لأنَّ أمَّها أمُّ كلثومٍ بنت أبي بكرٍ الصِّدِّيق، وأخرجه أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٨٦١] و «الجهاد» [خ¦٢٧٨٤]، والنَّسائيُّ في «الحجِّ»، وكذا ابن ماجه.
١٥٢١ - وبه قال (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي أياسٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا سَيَّارٌ) بفتح السِّين المهملة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة (أَبُو الحَكَمِ) العَنَزِيُّ -بنونٍ وزايٍ- وأبوه يُكنَّى أبا سيَّارٍ، واسمه: وردان (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، سَلْمان -بفتح السِّين وسكون اللَّام- الأشجعيَّ، وليس هو أبا حازمٍ سلمة بن دينارٍ، صاحب سهل بن سعدٍ لأنَّه لم يسمع من أبي هريرة (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ) بلفظ الماضي كالذي (٤) قبله: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَنْ حَجَّ لِلَّهِ) وللمؤلِّف فيما يأتي: «من حجَّ هذا البيت» [خ¦١٨١٩] ولمسلمٍ: «من أتى هذا البيت»، وهو يشمل الإتيان للحجِّ والعمرة، وللدَّارقطنيِّ من طريق الأعمش عن أبي حازمٍ بسندٍ فيه ضعفٌ إلى الأعمش: «من حجَّ أو اعتمر» (فَلَمْ يَرْفَُِثْ) بتثليث الفاء في المضارع والماضي، لكنَّ الأفصحَ الضَّمُّ في المضارع، والفتح في الماضي، أي:
стр. 3578
الجماع أو الفحش في القول، أو خطاب الرَّجل المرأة فيما يتعلَّق بالجماع، وقال الأزهريُّ: كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ ما يريده الرَّجل من المرأة (وَلَمْ يَفْسُقْ) لم يأتِ بسيِّئةٍ ولا معصيةٍ، وقال سعيد بن جُبيرٍ في قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] الرَّفث: إتيان النِّساء، والفسوق: السِّباب، والجدال: المراء؛ يعني: مع الرُّفقاء والمُكَارِين (١)، ولم يذكر في الحديث الجدال في الحجِّ اعتمادًا على الآية، ويحتمل أن يكون ترك الجدال قصدًا لأنَّ وجوده لا يؤثِّر في ترك مغفرة ذنوب الحاجِّ إذا كان المراد به المجادلة في أحكام الحجِّ لما يظهر من الأدلَّة، أو المجادلة بطريق التَّعميم لا تؤثِّر أيضًا لأنَّ الفاحش منها دخل في عموم الرَّفث، والحسن منها ظاهرٌ في عدم التَّأثير، والمستوي الطَّرفين لا يؤثِّر أيضًا، قاله في «فتح الباري». والفاء في قوله: «فلم يرفث» عطفٌ على الشَّرط، وجوابه: (رَجَعَ) أي: من ذنوبه (كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) بجرِّ «يومِ»: على الإعراب، وبفتحه: على البناء، وهو المختار في مثله لأنَّ صدر الجملة المضاف إليها مبنيٌّ، أي: رجع مشابهًا لنفسه في أنَّه يخرج بلا ذنبٍ كما خرج بالولادة، وهو يشمل الصَّغائر والكبائر والتَّبعات، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو من أقوى الشَّواهد لحديث العبَّاس بن مِرْداسٍ المصرِّح بذلك، وله شاهدٌ من حديث ابن عمر في «تفسير الطَّبريِّ». انتهى. لكن قال الطَّبريُّ: إنَّه محمولٌ بالنِّسبة إلى المظالم على من تاب (٢) وعجز عن وفائها، وقال التِّرمذيُّ: هو مخصوصٌ بالمعاصي المتعلِّقة بحقوق الله خاصَّةً دون العباد، ولا (٣) تسقط الحقوق أنفسها، فمن كان عليه صلاةٌ أو كفَّارةٌ ونحوها من حقوق الله تعالى لا تسقط عنه لأنَّها حقوقٌ لا ذنوبٌ، إنَّما الذُّنوب تأخيرها، فنفس التَّأخير يسقط بالحجِّ، لا هي أنفسها، فلو أخَّرها بعده تجدَّد إثمٌ آخر، فالحجَّ المبرور يُسقِط إثم المخالفة لا الحقوق.
(٥) (بَابُ فَرْضِ مَوَاقِيتِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ) المكانيَّة، جمع ميقاتٍ «مِفْعَالٍ» من الوقت المحدود،
стр. 3579
واستُعير هنا للمكان اتِّساعًا، وقد لزم شرعًا تقديم الإحرام للآفاقيِّ على وصوله إلى البيت تعظيمًا للبيت وإجلالًا، كما تراه في الشَّاهد من ترجُّل الرَّاكب القاصد إلى عظيمٍ من الخلق إذا قرب من ساحته خضوعًا له، فلذا (١) لزم القاصد إلى بيت الله تعالى أن يحرم قبل الحلول بحضرته إجلالًا، فإنَّ الإحرام تشبُّهٌ (٢) بالأموات، وفي ضمن جَعْلِ نفسِه كالميِّت سلب اختياره، وإلقاء قياده متخلِّيًا عن نفسه فارغًا عن اعتبارها شيئًا من الأشياء.
١٥٢٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بن زياد بن درهمٍ النَّهديُّ قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابن معاوية الجعفيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) (٣) بالإفراد (زَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح المُوحَّدة الجُشَميُّ (أَنَّهُ أَتَى عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ فِي مَنْزِلِهِ وَلَهُ فُسْطَاطٌ) بيتٌ من شَعَرٍ ونحوه (وَسُرَادِقٌ) حول الفسطاط، وهو بضمِّ السِّين وكسر الدَّال: كلُّ ما أحاط بشيءٍ، ومنه: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩] أو هو الخيمة، أو لا يُقال لها ذلك إلَّا إذا كانت من قطنٍ، أو ما يُغطَّى به صحن الدَّار من الشَّمس وغيرها، قال في «عمدة القاري»: والظَّاهر أنَّ ابن عمر كان معه أهله، وأراد سترهم بذلك لا التَّفاخر (فَسَأَلْتُهُ) مقتضى السِّياق أن يقول: فسأله، لكنَّه وقع على سبيل
стр. 3580
الالتفات، وللإسماعيليِّ: «فدخلت عليه فسألته»: (مِنْ أَيْنَ يَجُوزُ أَنْ أَعْتَمِرَ؟ قَالَ: فَرَضَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أي: قدَّرها أو بيَّنها (١) أو أوجبها، والضَّمير المنصوب للمواقيت للقرينة الحاليَّة (لأَهْلِ نَجْدٍ) ساكنيها، ومن سلك طريق سفرهم فمرَّ على ميقاتهم، و «نَجْد»: بفتح النُّون وسكون الجيم آخره دالٌ مهملةٌ: ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق، قاله في «الصِّحاح». وقال في «المشارق»: ما بين جرش إلى سواد الكوفة وَحَدُّه ممَّا يلي المغرب (٢) الحجاز، وعن يسار الكعبة اليمن قال: ونجدٌ كلُّها من عمل اليمامة، وقال في «النِّهاية»: النَّجد: ما ارتفع من الأرض، وهو اسمٌ خاصٌّ لما دون الحجاز ممَّا يلي العراق، قال في «القاموس»: النَّجد: ما أَشْرفَ من الأرض وما خالف الغور، أي: تِهامة وتُضَمُّ جيمُه مُذكَّرٌ (٣)، أعلاه تِهامة واليمن، وأسفله العراق والشَّام (٤)، وأوَّله من جهة الحجاز ذات عرقٍ (٥) (قَرْنًا) قال النَّوويُّ: على نحوٍ من (٦) مرحلتين من مكَّة، قال في «القاموس»: قريةٌ عند الطَّائف، أو اسم الوادي كلِّه، وغلط الجوهريُّ في تحريكه وفي نسبة أويسٍ القرنيِّ إليه لأنَّه منسوبٌ إلى قَرَنِ بن رَدْمان (٧) بن ناجية بن مرادٍ، أحد أجداده. انتهى. وثبت في «مسلمٍ» نحوه، لكن قال القابسيُّ: من سكَّن أراد الجبل، ومن فَتَحَ أراد الطَّريق الذي يقرب منه، ولأبي ذرٍّ: «مِنْ قَرْنٍ».
(وَلأَهْلِ المَدِينَةِ) يثربَ سكَّانِها، ومن سلك طريقهم فمرَّ على ميقاتهم (ذَا الحُلَيْفَةِ) بضمِّ الحاء المهملة وفتح اللَّام مُصغَّرًا: موضعٌ بُعْده من (٨) المدينة ميلٌ كما عند الرَّافعيِّ، لكن في «البسيط»: إنَّها على ستَّة أميالٍ، وصحَّحه في «المجموع»، وهو الذي قاله في «القاموس»، وقِيلَ:
стр. 3581
سبعة، وفي «المهمَّات»: الصَّواب المعروف بالمشاهدة أنَّها على ثلاثة أميالٍ أو تزيد قليلًا.
(وَلأَهْلِ الشَّأْمِ) من العريش إلى بالِس، وقِيلَ: إلى الفرات، قاله النَّوويُّ، ومن سلك طريقهم (الجُحْفَةَ) بضمِّ الجيم وإسكان الحاء المهملة وفتح الفاء: قريةٌ (١) على ستَّة أميالٍ من البحر، وثماني مراحل من المدينة، ومن مكَّة خمس مراحل أو ستَّة أو ثلاثة، قال ابن الكلبيِّ: كان العماليق يسكنون يثرب، فوقع بينهم وبين بني عَبِيلٍ -بفتح المهملة وكسر المُوحَّدة؛ وهم إخوة عادٍ- حربٌ، فأخرجوهم من يثرب، فنزلوا مَهْيَعَةَ، فجاء سيلٌ فاجتحفهم، أي: استأصلهم، فسُمِّيت الجحفة، وهي الآن خربةٌ لا يصل إليها أحدٌ لوخمها، وإنَّما يُحْرِم النَّاس الآن من رابغ لكونها محاذيةً لها، وفي حديث عائشة عند النَّسائيِّ مرفوعًا: «ولأهل الشَّام (٢) ومصر الجحفة»، قال الوليُّ ابن العراقيِّ: وهذه زيادةٌ يجب الأخذ بها، وعليها العمل. وزاد نافعٌ في الباب الآتي بعد بابين -إن شاء الله تعالى-[خ¦١٥٢٥]: قال عبد الله: وبلغني أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ويهلُّ أهل اليمن من يلملم»، وبقيَّة مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في محالِّها.
(٦) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ﴾) أي: ما يكفُّ وجوهكم عن النَّاس، ولمَّا أمرهم بزاد الدُّنيا أرشدهم إلى زاد (٣) الآخرة فقال: (﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]).
стр. 3582
١٥٢٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ) بكسر المُوحَّدة وسكون الشِّين المعجمة، قال ابن خُلْفون: هو الحَريريُّ -بفتح الحاء المُهمَلة- البلخيُّ الزَّاهد، روى عنه البخاريُّ في «الحجِّ» و «هجرة النَبيِّ ﷺ » [خ¦٣٩١٥] وروى عنه مسلمٌ، مات لخمسٍ خلَوْن من المُحرَّم سنة اثنتين (١) وثلاثين ومئتين، قال: وقد فرَّق بعض النَّاس بين يحيى بن بشرٍ البلخيِّ الزَّاهد (٢) وبين يحيى بن بشرٍ الحريريِّ، فجعلهما رجلين يروي البخاريُّ عن البلخيِّ، ويروي مسلمٌ عن الحريريِّ. انتهى. وكذا جعلهما ابن طاهرٍ وأبو عليٍّ الجيَّانيُّ واحدًا، والصَّواب التَّفرقة، قال: (حَدَّثَنَا شَبَابَةُ) بفتح الشِّين المعجمة وتخفيف المُوحَّدة الأولى، ابن سوَّارٍ (عَنْ وَرْقَاءَ) بفتح الواو وسكون الرَّاء ممدودًا، ابن عمرو بن كليبٍ اليشكريِّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) بفتح العين وسكون الميم (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ أَهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ) زاد ابن أبي حاتمٍ عن ابن عبَّاسٍ من وجهٍ آخر: يقولون: نحجُّ بيت الله، أفلا يطعمنا؟ (وَيَقُولُونَ: نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ) على الله تعالى (فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ) ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «المدينة» والأوَّل أصوب، لكنَّه (٣) ضُبِّب في «اليونينيَّة» عليه (٤) (سَأَلُوا النَّاسَ) الزَّاد (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى (٥): ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]) وليس فيه ذمُّ التَّوكُّل لأنَّ ما فعلوه تآكلٌ لا توكُّلٌ، لأنَّ التَّوكُّلَ قطعُ النَّظر عن الأسباب مع تهيئتها، لا ترك الأسباب بالكلِّيَّة، فدفع الضَّرر المُتوقَّع أو الواقع لا يناقض (٦) التَّوكُّل، بل هو واجبٌ كالهرب من الجدار الهاوي وإساغة
стр. 3583
اللُّقمة بالماء والتَّداوي، وأمَّا ما رُوِي عن جماعةٍ من الصَّحابة والتَّابعين من ترك التَّداوي فيحتمل أن يكون المريض قد كُوشِف بأنَّه لا يبرأ، وعليه يُحمَل ترك الصِّدِّيق التَّداوي، أو يكون مشغولًا بخوف العاقبة، وعليه يُحمَل ما رُوِي أنَّ أبا الدَّرداء قِيلَ له: ما تشتكي؟ فقال: ذنوبي، فقِيلَ له: ألا ندعو لك طبيبًا؟ قال: الطَّبيب أمرضني، وقِيلَ غير ذلك.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود في «الحجِّ»، والنَّسائيُّ في «السِّير» و «التَّفسير».
(رَوَاهُ) أي: الحديثَ المذكور (ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ (عَنْ عَمْرٍو) يعني (١): ابن دينارٍ (عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا) لم يُذكرَ فيه ابن عبَّاسٍ، وكذا رواه سعيد بن منصور عن ابن عُيَيْنَة، وأخرجه الطَّبريُّ عن عمرو بن عليٍّ، وابنُ أبي حاتمٍ عن محمَّد بن عبد الله بن يزيد المقري (٢)، كلاهما عن ابن عيينة مُرسَلًا، قال ابن أبي حاتمٍ: وهو أصحُّ من رواية ورقاء، قال الحافظ ابن حجرٍ: قد اختُلِف فيه على ابن عيينة، فأخرجه النَّسائيُّ عن سعيد بن عبد الرَّحمن المخزوميِّ عنه موصولًا بذكر (٣) ابن عبَّاسٍ فيه؛ لكن حكى الإسماعيليُّ عن ابن صاعدٍ: أنَّ سعيدًا حدَّثهم به في «كتاب المناسك» موصولًا، قال: وحدَّثنا به في حديث عمرو بن دينارٍ، فلم يجاوز به عكرمة. انتهى. والمحفوظ عن ابن عُيَيْنَةَ ليس فيه ابن عبَّاسٍ؛ لكن لم ينفرد شَبَابةُ بوصله، فقد أخرجه الحاكم في «تاريخه» من طريق الفرات بن خالدٍ عن سفيان الثَّوريِّ عن ورقاء موصولًا، وأخرجه ابن أبي حاتمٍ من وجهٍ آخر عن ابن عبَّاسٍ، كما سبق.
(٧) (بَابُ مُهَلِّ أَهْلِ مَكَّةَ لِلْحَجِّ وَالعُمْرَةِ) بضمِّ الميم وفتح الهاء (٤) وتشديد اللَّام، أي: موضع إهلالهم، وهو في الأصل: رفع الصَّوت بالتَّلبية، ثمَّ أُطلِق على نفس الإحرام اتِّساعًا، قال أبو البقاء: وهو مصدرٌ بمعنى الإهلال؛ كالمُدخَل والمُخرَج بمعنى: الإدخال والإخراج، قال البدر الدَّمامينيُّ: جعله هنا مصدرًا يحتاج إلى حذفٍ أو تأويلٍ ولا داعي إليه.
стр. 3584
١٥٢٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ التَّبوذكيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) -بضمِّ الواو وفتح الهاء- ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ) عبد الله اليمانيُّ (عَنْ أَبِيهِ) طاوسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ) أي: حدَّد المواضع الآتية للإحرام، وجعلها ميقاتًا وإن كان مأخوذًا من الوقت إلَّا أنَّ العُرف يستعمله في مُطلَق التَّحديد اتِّساعًا، ويحتمل أن يريد به تعليق الإحرام بوقت الوصول إلى هذه الأماكن بالشَّرط المعتبر، وقد يكون بمعنى: «أوجب» كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] ويؤيِّده الرِّواية الماضية بلفظ: فرضها رسول الله ﷺ (لأَهْلِ المَدِينَةِ) النَّبويَّة، ومن سلك طريق سفرهم ومرَّ على ميقاتهم (ذَا الحُلَيْفَةِ) مفعول «وقَّت»، و «الحُليفة»: بضمِّ الحاء المهملة، تصغير حَلْفَةٍ: نبتٌ (١) معروفٌ، وهي قريةٌ خربةٌ، وبها مسجدٌ يُعرَف بمسجد الشَّجرة خرابٌ، وبئرٌ يُقال لها: بئر عليٍّ، وقال في «القاموس»: هو ماءٌ لبني جُشَمٍ على ستَّة أميالٍ، وهو الذي صحَّحه النَّوويُّ كما مرَّ، وقولُ من قال -كابن الصَّبَّاغ في «الشَّامل» والرُّويانيِّ في «البحر» -: إنَّه على ميلٍ من المدينة وهمٌ يردُّه الحسُّ، ولهم موضعٌ آخر بين حاذة وذات عرقٍ، و «حاذة»: بالحاء المهملة والذَّال المعجمة المُخفَّفة، وهو المراد في حديث رافع بن خديجٍ: كنَّا مع النَّبيِّ ﷺ بذي الحُلَيفة من تهامة فأصبنا نهبَ إبلٍ (وَلأَهْلِ الشَّأْمِ) (٢) زاد النَّسائيُّ في حديث عائشة: «ومصر»، وزاد الشَّافعيُّ في روايته: «والمغرب» (الجُحْفَةَ) (٣) وقول النَّوويِّ في «شرح المُهذَّب»: أنَّ بُعْدها عن مكَّة ثلاث مراحل فيه نظرٌ؛ كما قاله الحافظ ابن حجرٍ (وَلأَهْلِ نَجْدٍ) أي: نجد الحجاز أو اليمن، ومن سلك طريقهم في السَّفر (قَرْنَ المَنَازِلِ) ويُسمَّى: قرن الثَّعالب، وسُمِّي بذلك لكثرة ما كان يأوي إليه من الثَّعالب، وحكى الرُّويانيُّ
стр. 3585
عن بعض قدماء الشَّافعيَّة بأنَّهما (١) موضعان، أحدهما في هبوطٍ وهو الذي يُقال له: قرن المنازل، والآخر في صعودٍ وهو الذي يُقال له: قرن الثَّعالب، والمعروف الأوَّل، لكن في «أخبار مكَّة» للفاكهيِّ: أنَّ قرن الثَّعالب جبلٌ مشرفٌ على أسفل مِنًى، بينه وبين مِنًى ألفٌ وخمس مئة ذراعٍ، فظهر أنَّ قرن الثَّعالب ليس من المواقيت (وَلأَهْلِ اليَمَنِ) إذا مرُّوا بطريق تهامة، ومن سلك طريق سفرهم ومرَّ على ميقاتهم (يَلَمْلَمَ) بفتح الياء واللَّامين (٢) وسكون الميم الأولى بينهما غير منصرفٍ: جبلٌ من جبال تهامة، ويُقال فيه: ألملم بهمزةٍ بدل الياء، على مرحلتين من مكَّة، فإن مرَّ أهل اليمن من طريق الجبال فميقاتهم نجدٌ (هُنَّ) أي: المواقيت المذكورة (لَهُنَّ) بضمير المُؤنَّثات، وكان مقتضى الظَّاهر أن يكون «لهم» بضمير المُذكَّرين، فأجاب ابن مالكٍ بأنَّه عدل إلى ضمير المُؤنَّثات (٣) لقصد التَّشاكل، وكأنَّه يقول: ناب ضميرٌ عن ضميرٍ بالقرينة لطلب التَّشاكل، وأجاب غيره بأنَّه على حذف مضافٍ، أي: هنَّ لأهلهنَّ، أي: هذه المواقيت لأهل هذه البلدان بدليل قوله في حديثٍ آخر [خ¦١٥٢٦]: «هنَّ لهنَّ ولمن أتى عليهنَّ من غير أهلهنَّ» فصرَّح بالأهل ثانيًا، ولأبي ذرٍّ: «هنَّ لهم» بضمير المُذكَّرين، وهو واضحٌ (وَلِمَنْ أَتَى) مرَّ (عَلَيْهِنَّ) أي: على (٤) المواقيت (مِنْ غَيْرِهِنَّ) أي: من غير أهل البلاد المذكورة، فلو مرَّ الشَّاميُّ على ذي الحُلَيفة كما يفعل الآن لزمه الإحرام منها، وليس له مجاوزتها إلى الجحفة التي هي ميقاته، فإن أخَّرَ أساء ولزمه دمٌ عند الجمهور، وأطلق النَّوويُّ الاتِّفاق ونفي الخلاف في شرحَيه لـ «مسلمٍ» و «المُهذَّب» في هذه المسألة، فإن أراد نفي الخلاف في مذهب الشَّافعيِّ فمُسلَّمٌ، وإن أراد نفي الخلاف مطلقًا فلا؛ لأنَّ مذهب مالكٍ أنَّ له مجاوزةَ ذي الحليفة إلى الجحفة إن كان من أهل الشَّام أو مصر، وإن كان الأفضل خلافه، وبه قال الحنفيَّة وابن المنذر من الشَّافعيَّة، وأمَّا استشكال ابن دقيق العيد
стр. 3586
قوله: «ولأهل الشَّام (١) الجحفة» فإنَّه شاملٌ من مرَّ من أهل الشَّام بذي الحليفة ومن لم يمرَّ، وقوله: «ولمن أتى عليهنَّ من غير أهلهنَّ» فإنَّه شاملٌ للشَّاميِّ إذا مرَّ بذي الحليفة وغيره، فهما عمومان قد تعارضا، فأجاب عنه الوليُّ ابن العراقيِّ بأنَّ المرادَ بأهل المدينة من سلك طريق سفرهم ومن مرَّ على ميقاتهم، وحينئذٍ فلا إشكال ولا تعارض.
(مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ) معًا بأن يقرن بينهما، أو الواو بمعنى: «أو»، وفيه دلالةٌ على جواز دخول مكَّة بغير إحرامٍ (وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ) أي: بين الميقات ومكَّة (فَمِنْ) أي: فميقاته من (حَيْثُ أَنْشَأَ) الإحرام أو السَّفر من مكانه إلى مكَّة (حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ) وغيرهم ممَّن هو بها يهلُّون (مِنْ مَكَّةَ) كالآفاقيِّ الذي بين مكَّة والميقات، فإنَّه يُحْرِم من مكانه ولا يحتاج إلى الرُّجوع إلى الميقات، وهذا خاصٌّ بالحجِّ، أمَّا العمرة فمن أدنى الحِلِّ، وقوله: «حتَّى أهلُ مكَّة من مكَّة» عامٌّ للحجِّ والعمرة، ولذا (٢) قال المؤلِّف: «باب مُهَلِّ أهل مكَّة للحجِّ والعمرة» لكنَّ قضيَّة (٣) عُمرة عائشة حين أرسلها ﵊ مع أخيها عبد الرَّحمن إلى التَّنعيم لتحرم (٤) منه بالعمرة تخصِّص عموم هذا الحديث، لكنَّ البخاريَّ نظر إلى عموم اللَّفظ، نَعَم القارنُ حكمُه حكمُ الحاجِّ في الإهلال من مكَّة تغليبًا للحجِّ لاندراج العمرة تحته، فلا يحتاج إلى الإحرام بها من الحِلِّ مع أنه يجمع بين الحلِّ والحرم بوقوفه بعرفة، و «حتَّى» هذه ابتدائيَّةٌ، و «أهلُ مكَّة»: مبتدأٌ، والخبر محذوفٌ، والجملة لا محلَّ لها من الإعراب.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الحجِّ».
(٨) (بَابُ مِيقَاتِ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَلَا يُهِلُّوا (٥) قَبْلَ ذِي الحُلَيْفَةِ) لأنَّه لم ينقل عن أحدٍ ممن حج مع النبي ﷺ أنه أحرم قبلها، والظاهر أن المصنف كان يرى المنع من الإحرام قبل الميقات.
стр. 3587
١٥٢٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ) ومن سلك طريقهم في سفره (مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَأَهْلُ الشَّأْمِ) (١) ولأبي ذرٍّ: «ويهلُّ أهل الشَّأم» (٢) أي (٣): ومن اجتاز في سفره بميقاتهم (مِنَ الجُحْفَةِ، و) يهلُّ (أَهْلُ نَجْدٍ) ومن مرَّ في سفره بميقاتهم (مِنْ قَرْنٍ، قَالَ عَبْدُ اللهِ) هو ابن عمر: (وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ) وفي رواية سالمٍ عنه [خ¦١٥٢٨]: «زعموا أنَّ رسول الله ﷺ قال، ولم أسمعه» (وَيُهِلُّ أَهْلُ اليَمَنِ) تهامته دون نجده (٤)، ومن مرَّ بطريقهم (مِنْ يَلَمْلَمَ) قال ابن عبد البرِّ: اتَّفقوا على أنَّ ابن عمر لم يسمع من النَّبيِّ ﷺ قوله: «ويهلُّ أهل اليمن من يلملم» ولا خلاف بين العلماء أنَّ مُرسَل الصَّحابيِّ (٥) صحيحٌ حجَّةٌ، نعم خالف في ذلك الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايينيُّ فذهب إلى أنَّه ليس بحجَّةٍ، وقد ورد ميقات اليمن مرفوعًا من غير إرسالٍ من حديث ابن عبَّاسٍ في «الصَّحيحين» وغيرهما، ومن حديث جابرٍ في «مسلمٍ» إلَّا أنَّه قال: أحسبه رفعه، ومن حديث عائشة عند النَّسائيِّ، ومن حديث الحارث بن عمرٍو عند أبي داود والنَّسائيِّ.
(٩) (باب مُهَلِّ أَهْلِ الشَّامِ).
стр. 3588
١٥٢٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو (١) ابن زيدٍ (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: وَقَّتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَهْلِ المَدِينَةِ) ساكنيها، ومن مرّ في سفره بميقاتهم (ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّأْمِ) ولأهل مصر والمغرب سكَّانها، ومن مرَّ في طريقهم بميقاتهم (الجُحْفَةَ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ) نجد الحجاز أو اليمن، ومن مرَّ في سفره بميقاتهم (قَرْنَ المَنَازِلِ، وَلأَهْلِ اليَمَنِ) تهامة، ومن مرَّ بميقاتهم (يَلَمْلَمَ) بفتح الأوَّل والثَّاني والرَّابع وسكون الثَّالث (فَهُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ) الضَّمائر كلُّها إلَّا الثَّاني للمواقيت، وأمَّا الثَّاني وهو المجرور باللَّام، وهو قوله: «لهنَّ» فلأهل البلدان أو غير ذلك -كما مرَّ- ولأبي ذرٍّ: «لهم» بضمير المُذكَّرين (٢)، وهو الأصل (لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ) وفي الرِّواية السَّابقة: «ممَّن يريد» بالميم بدل اللَّام وإسقاط «كان» (فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ) أي: أقرب إلى مكَّة (فَمُهَلُّهُ) بضمِّ الميم وفتح الهاء، أي: مكان إحرامه (مِنْ) دويرة (أَهْلِهِ، وَكَذَاكَ) بإسقاط اللَّام، وزاد أبو ذرٍّ: «وكذاك» فتصير مرَّتين؛ أي (٣): وكذا من كان أقرب من هذا الأقرب (حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ) وغيرهم ممَّن هو بها (يُهِلُّونَ مِنْهَا) برفع «أهلُ» على أنَّ «حتَّى» ابتدائيَّةٌ، وذكر الكِرمانيُّ: أنَّه رُوِي فيها أيضًا الجرُّ (٤).
(١٠) (بابُ مُهَلِّ أَهْلِ نَجْدٍ).
стр. 3589
١٥٢٧ - ١٥٢٨ - بالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابن المدينيِّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ قال: (حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب أنَّه قال: (وَقَّتَ النَّبِيُّ ﷺ ¬).
قال المصنِّف: «ح»: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ) ولأبي ذرٍّ: «أحمد بن عيسى» أي: الهَمْدانيُّ المصريُّ الأصل قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب (عَنْ أَبِيهِ ﵁¬) أنَّه قال: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مُهَلُّ) بضمِّ الميم وفتح الهاء، أي: موضع إهلال (أَهْلِ المَدِينَةِ ذُو الحُلَيْفَةِ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الشَّأْمِ) (١) ومصر والمغرب (مَهْيَعَةُ) بفتح الميم وسكون الهاء وفتح التَّحتيَّة والعين المهملة، وقيَّدها بعضهم: بفتح الميم وكسر الهاء وسكون الياء فعيلة كجميلة، وفسَّرها بقوله: (وَهِيَ الجُحْفَةُ، وَ) مهلُّ (أَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ) عبد الله (¬﵄: زَعَمُوا) أي: قالوا لأنَّ الزَّعم يُستعمَل بمعنى: القول المُحقَّق (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: -وَلَمْ أَسْمَعْهُ-) جملةٌ معترضةٌ بين قوله: «قال» ومَقُولِه وهو: (وَمُهَلُّ أَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمُ) بالرَّفع خبر المبتدأ (٢).
(١١) (بابُ مُهَلِّ مَنْ كَانَ دُونَ المَوَاقِيتِ) أي: دونها إلى مكَّة.
стр. 3590
١٥٢٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابن زيدٍ (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ (عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّأْمِ الجُحْفَةَ، وَلأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، فَهُنَّ لَهُنَّ) ولأبي ذرٍّ: «لهم» (وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ، مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ) أي: بين مكَّة والميقات (فَمِنْ) فإحرامه من دويرة (أَهْلِهِ، حَتَّى إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا) بالحجِّ، وأمَّا العمرة فمن أدنى الحِلِّ، ولو كان الآفاقيُّ أمامه ميقاتٌ فهو ميقاته؛ كساكن الصَّفراء أو بدرٍ فإنَّه بين ذي الحليفة والجحفة، فميقاته الجُحْفَةُ لا مَسْكنُه لأنَّه ليس دون المواقيت.
(١٢) (بابُ مُهَلِّ أَهْلِ اليَمَنِ).
١٥٣٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) العَمِّيُّ (١) أبو الهيثم أخو بهز بن أسدٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو وفتح الهاء ابن خالدٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ) طاوسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّأْمِ (٢) الجُحْفَةَ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ، وَلأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ) ويُقال: «ألملم» بالهمزة وهو الأصل، والياء بدلٌ منها.
стр. 3591
وهذا الحديث وإنَّ أطلق فيه أن ميقات أهل اليمن يلملم، لكنَّ المراد أنَّه ميقات تهامة خاصَّةً، فإنَّ نجد اليمن ميقات أهلها ميقات نجد الحجاز بدليل أنَّ ميقات أهل نجدٍ قرنٌ، فأطلق اليمن وأُريد بعضه وهو تهامة منه خاصَّةً (هُنَّ) أي: المواقيت (لأَهْلِهِنَّ) أي: أهل (١) البلاد المذكورة (وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ) أي: المواقيت (مِنْ غَيْرِهِمْ) بضمير (٢) جماعة المُذكَّرين، ولأبي ذرٍّ: «من غيرهنَّ» بضمير جماعة المُؤنَّثات (مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ) أي: دون ما ذكر، وإلَّا فحقُّ الإشارة هنا أن تكون جمعًا لتطابق المشار إليه (فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ) النُّسك أو نحوه (حَتَّى أَهْلُِ مَكَّةَ) ينشئون النُّسك (مِنْ مَكَّةَ) برفع «أهلُ» على أنَّ «حتَّى» ابتدائيَّةٌ، وبجرِّه على أنَّها جارَّةٌ.
(١٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (ذَاتُ عِرْقٍ) بكسر العين وسكون الرَّاء آخره قافٌ: ميقاتٌ (لأَهْلِ العِرَاقِ).
١٥٣١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنِي (٣)) بالإفراد (عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ) بضمِّ الميم وسكون السِّين المهملة (٤)، ابن سعيدٍ (٥) الطُّوسيُّ، سكن بغداد (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) بضمِّ النُّون وفتح الميم مُصغَّرًا، قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بتصغير «عبد» ابن عمر (٦) بن حفص بن عاصم (٧)
стр. 3592
بن عمر بن الخطَّاب (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ) عبد الله (١) (ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ قَالَ: لَمَّا (٢) فُتِحَ هَذَانِ المِصْرَانِ) بضمِّ فاء «فُتِح» (٣) مبنيًّا للمفعول و «هذان»: نائبٌ عن الفاعل، و «المصران» -البصرة والكوفة-: صفةٌ له، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فَتَحَ هذين المصرين»، بفتح الفاء مبنيًّا للفاعل، و «هذين المصرين» بالنَّصب على حذف الفاعل، أي: لمَّا (٤) فتح الله، وكذا ثبت في رواية أبي نُعيمٍ في «مُستخرَجه»، وجزم به عياضٌ (أَتَوْا عُمَرَ) ﵁ (فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَدَّ لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَهُوَ جَوْرٌ) بفتح الجيم وسكون الواو ثمَّ راءٌ، أي: مائلٌ (عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا، قَالَ) عمر: (فَانْظُرُوا حَذْوَهَا) بفتح الحاء المهملة وسكون الذَّال المعجمة وفتح الواو، أي: ما يحاذيها (مِنْ طَرِيقِكُمْ) التي تسلكونها إلى مكَّة من غير ميلٍ فاجعلوها (٥) ميقاتًا (٦) (فَحَدَّ لَهُمْ) عمر ﵁ (ذَاتَ عِرْقٍ) وهو الجبل الصَّغير، وقِيلَ: العِرق من الأرض: السَّبخة تُنبِت الطَّرفاء، وبينها وبين مكَّة اثنان وأربعون ميلًا باجتهاده، ويؤيِّده رواية الشَّافعيِّ من طريق أبي الشَّعثاء قال: لم يوقِّت (٧) رسول الله ﷺ لأهل المشرق شيئًا،
стр. 3593
فاتَّخذ بحيال قَرْنٍ ذاتَ عِرْقٍ. انتهى. نعم روى مسلمٌ في «صحيحه» عن أبي الزُّبير: أنَّه سمع جابر بن عبد الله يُسأَل عن المُهَلِّ، فقال: سمعت -أحسبه رَفَعَ الحديث إلى رسول الله ﷺ … فذكر الحديث، وفيه: «ومُهَلُّ أهل العراق ذات عِرْقٍ» لكن قال النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»: إنَّه غير ثابتٍ لعدم جزمه برفعه، وأُجيب بأنَّ قوله: «أحسبه» معناه: أظنُّه، والظَّنُّ في باب الرِّواية يتنزَّل (١) منزلة اليقين، وليس ذلك قادحًا في رفعه، وأيضًا فلو لم يصرِّح برفعه لا يقينًا ولا ظنًّا فهو مُنزَّلٌ منزلة المرفوع (٢) لأنَّ هذا لا يُقال من قِبَل الرَّأي، وإنَّما يُؤخَذ توقيفًا من الشَّارع، لا سيَّما وقد ضمَّه جابرٌ إلى المواقيت المنصوص عليها يقينًا باتِّفاقٍ، وقد أخرجه أحمد من رواية ابن لهيعة، وابن ماجه من رواية إبراهيم بن يزيد، كلاهما عن أبي الزُّبير فلم يشكَّا في رفعه (٣)، ووقع في حديث عائشة عند أبي داود والنَّسائيِّ بإسنادٍ صحيحٍ -كما قاله النَّوويُّ-: «أنَّ رسول الله ﷺ وقَّت لأهل العراق ذات عرقٍ»، لكنَّ الإمام أحمد كان ينكر على أفلح بن حُمَيْدٍ هذا الحديث. نعم قال ابن عديٍّ: قد حدَّث عنه ثقات النَّاس، وهو عندي صالحٌ، وأحاديثه مستقيمةٌ كلُّها، وصحَّحه الذَّهبيُّ، وقال العراقيُّ: إنَّ إسناده جيِّدٌ، وروى أحمد والدَّارقطنيُّ من حديث الحجَّاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه قال: «وقَّت رسول الله ﷺ … » فذكر الحديث، وفيه: وقال: «لأهل العراق ذات عِرْقٍ»، فهذه الأحاديث وإن كان في كلٍّ منها ضعفٌ فمجموعها لا يقصر عن درجة الاحتجاج به، وأمَّا ما أخرجه أبو داود والتِّرمذيُّ عن ابن عبَّاسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ وقَّت لأهل المشرق العقيق» فقد تفرَّد به يزيد بن أبي زيادٍ، وهو ضعيفٌ باتِّفاق المحدِّثين (٤) وإن كان حَفِظَهُ فقد يُجمَع بينه وبين بقيَّة الأحاديث في التَّوقيت من ذات عرقٍ بأنَّ ذات عرقٍ ميقات الإيجاب، والعقيق ميقات الاستحباب، فالإحرام منه أفضل وأحوط لأنَّه أبعد من (٥) ذات عرقٍ، فإن جاوزه وأحرم من ذات
стр. 3594
عرقٍ جاز، وبأنَّ ذات عرقٍ ميقاتٌ لبعض أهل العراق، والعقيق ميقاتٌ لبعضهم، ويؤيِّده حديث الطَّبرانيِّ في «الكبير» عن أنسٍ: «أنَّ رسول الله ﷺ وقَّت لأهل المدائن العقيقَ، ولأهل البصرة ذاتَ عِرْقٍ … » الحديثَ، وفيه أبو ظلالٍ هلال بن يزيدَ (١)، وثقَّه ابن حبَّان (٢) وضعَّفه الجمهور، والعقيق: وادٍ فوق ذات عرقٍ، بينه وبين مكَّة مرحلتان.
(١٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين بغير (٣) ترجمةٍ، فهو بمنزلة الفصل من سابقه، ووجه المناسبة بينهما دلالة الحديث الآتي -إن شاء الله تعالى- على استحباب صلاة ركعتين عند إرادة الإحرام من الميقات، ولأبي الوقت -كما رأيته في بعض الأصول المعتمدة-: «باب الصَّلاة بذي الحليفة».
١٥٣٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنَاخَ) بخاءٍ معجمةٍ، أي: أبرك راحلته (بِالبَطْحَاءِ بِذِي الحُلَيْفَةِ) ونزل عنها (فَصَلَّى بِهَا) في ذهابه ركعتي الإحرام، أو العصر ركعتين، أو في الرُّجوع لحديث ابن عمر الذي بعد [خ¦١٥٣٣]: «وإذا رجع صلَّى بذي الحليفة» ولا مانع من (٤) أنَّه كان يفعل ذلك ذهابًا وإيابًا (وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يَفْعَلُ ذَلِكَ) المذكور من الصَّلاة.
(١٥) (بابُ خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى طَرِيقِ الشَّجَرَةِ).
стр. 3595
١٥٣٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) القرشيُّ الحزاميُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ) المدنيُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بتصغير «عبد» ابن عمر العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ) من المدينة (مِنْ طَرِيقِ الشَّجَرَةِ) التي عند مسجد ذي الحليفة (وَيَدْخُلُ) إلى المدينة (١) (مِنْ طَرِيقِ المُعَرَّسِ) بالمهملات والرَّاء مُشدَّدةٌ مفتوحةٌ: موضع نزول المسافر آخر اللَّيل أو مطلقًا، وهو أسفل من مسجد ذي الحليفة، فهو أقرب إلى المدينة منها (وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ يُصَلِّي) بلفظ المضارع، ولأبي ذرٍّ: «صلَّى» (فِي مَسْجِدِ الشَّجَرَةِ، وَإِذَا رَجَعَ) من مكَّة (صَلَّى بِذِي الحُلَيْفَةِ بِبَطْنِ الوَادِي، وَبَاتَ) بذي الحليفة (حَتَّى يُصْبِحَ) ثمَّ يتوجَّه إلى المدينة لئلَّا يفجأ النَّاس أهاليهم ليلًا.
(١٦) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : العَقِيقُ وَادٍ مُبَارَكٌ) برفع «مُبارَكٌ» صفةٌ لـ «وادٍ»، وهو خبر العقيق (٢).
стр. 3596
١٥٣٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) بضمِّ الحاء المهملة وفتح الميم أبو بكرٍ (١) بن عبد الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا الوَلِيدُ) بن مسلمٍ (وَبِشْرُ بْنُ بَكْرٍ) بكسر المُوحَّدة وسكون الشِّين، و «بَكْرٍ»: بفتح المُوحَّدة وسكون الكاف (التِّنِّيسِيُّ) بكسر المُثنَّاة الفوقيَّة والنُّون المُشدَّدة وكسر المهملة نسبةً إلى تنِّيس، بلدةٌ معروفةٌ ببحيرة تنيس شرقي مصر (قَالَا: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاسٍ (أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: إِنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ (٢) ﷺ ¬) حال كونه (بِوَادِي العَقِيقِ) أي: فيه، وهو بقرب البقيع، بينه وبين المدينة أربعة أميالٍ (يَقولُ: أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي) هو جبريل (فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ) أي: وادي العقيق، لكن ليس هذا من قوله ﵊ حتَّى يطابق التَّرجمة، بل حكاه عن قول الآتي الذي أتاه، وقد روى ابن عديٍّ من طريق يعقوب بن إبراهيم الزُّهريِّ عن هشام بن عروة (٣) عن أبيه عن عائشة مرفوعًا: «تخيَّموا بالعقيق فإنَّه مباركٌ»، فكأنَّ المؤلِّف أشار إلى هذا، وقوله: «تخيَّموا» بالخاء المعجمة والمُثنَّاة التَّحتيَّة، أمرٌ بالتَّخييم، أي: النُّزول هناك، لكن حكى ابن الجوزيِّ في «الموضوعات»: أنَّه تصحيفٌ، وأنَّ الصَّواب: بالمُثنَّاة
стр. 3597
الفوقيَّة، من الخاتم، وقد وقع في حديث عمر: «تختَّموا بالعقيق فإنَّ جبريل أتاني به من الجنَّة … » الحديث، وهو ضعيفٌ، قاله الحافظ ابن حجرٍ (وَقُلْ: عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ) بنصب «عمرةً» لأبي ذرٍّ على حكاية اللَّفظ، أي: قل: جعلتها عمرةً، قاله في «اللَّامع» كـ «التَّنقيح»، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: إذا كان هذا هو التَّقدير فعمرةً منصوبٌ بـ «جعل»، والكلام بأسره محكيٌّ بالقول، لا شيء من أجزائه من حيث هو جزءٌ، ولعلَّه يشير إلى أنَّ فعل القول قد يعمل في المفرد الذي يُراد به مُجرَّد اللَّفظ نحو: قلت زيدًا، وهي مسألة خلافٍ، لكن فرض المسألة حيث لا يُراد به مدلول اللَّفظ، فإنَّما (١) يُراد به مُجرَّد اللَّفظ وههنا ليس المراد هذا، وإنَّما المراد: جعلُها (٢) عمرةً كما اعترف به، فالحكاية متسلِّطةٌ (٣) على مجموع الجملة كما قرَّرناه. انتهى. ولغير أبي ذرٍّ: «عمرةٌ» بالرَّفع، خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: قل: هذه عمرةٌ في حجَّةٍ، وهو يفيد أنَّه ﵊ كان قارنًا، أو يكون أمر بأن يقول (٤) ذلك لأصحابه، ليعلِّمهم مشروعيَّة (٥) القِران (٦).
وهذا الحديث أخرجه أيضًا المؤلِّف في «المزارعة» [خ¦٢٣٣٧] و «الاعتصام» [خ¦٧٣٤٣]، وأبو داود في «الحجِّ» (٧)، وكذا ابن ماجه.
стр. 3598
١٥٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) المُقدَّميُّ قال: (حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بضمِّ الفاء والسِّين فيهما النُّميريُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) الأسديُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب (عَنْ أَبِيهِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ رُئِيَ) بتقديم الرَّاء المضمومة على الهمزة المكسورة، أي: رآه غيره، لكن في نسختين من فروع «اليونينيَّة»: «رُئِّيَ»؛ بتشديد الهمزة المكسورة (٢)، بل رأيته كذلك فيها (٣)، ولأبي ذرٍّ: «أُرِيَ» بتأخير الرَّاء مكسورةً وضمِّ الهمزة، أي: في المنام (وَهُوَ مُعَرِّسٌ) بكسر الرَّاء، على لفظ اسم الفاعل مِنَ التَّعريس، والجملة حاليَّةٌ، كذا للحَمُّويي والمُستملي، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «وهو في مُعرَّسٍ» بزيادة «في» وفتح الرَّاء؛ لأنَّه اسم مكانٍ (بِذِي الحُلَيْفَةِ بِبَطْنِ الوَادِي) أي: وادي العقيق كما دلَّ عليه حديث ابن عمر السَّابق [خ¦١٥٣٣] (قِيلَ لَهُ) ﵊: (إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ) قال موسى بن عقبة: (وَقَدْ أَنَاخَ بِنَا سَالِمٌ، يَتَوَخَّى بِالمُنَاخِ) بضمِّ الميم وبالخاء (٤) المعجمة فيهما، أي: يقصد المبرك (الَّذِي كَانَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر (يُنِيخُ) فيه راحلته، حال كونه (يَتَحَرَّى) بالحاء المهملة وتشديد الرَّاء يقصد (مُعَرَّسَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) بفتح راء «مُعرَّس» لأنَّه اسم مكانٍ (وَهُوَ أَسْفَلُ) بالرَّفع: خبرٌ، وهو كذا في فرعين لـ «اليونينيَّة» كهي (٥)، لكن قال في «اللَّامع» -كـ «الكواكب» - الرِّواية بالنَّصب (٦)، وكذا رأيته في بعض الأصول المعتمدة، وهو ظاهر كلام «فتح الباري»، وعبارته: بالنَّصب، ويجوز الرَّفع (مِنَ المَسْجِدِ الَّذِي) كان هناك في ذلك الزَّمان (بِبَطْنِ الوَادِي، بَيْنَهُمْ) أي: «بين المُعرِّسين» بكسر الرَّاء؛ كذا للحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ، وللمُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ أيضًا: «بينه» أي: بين المُعرِّس (وَبَيْنَ الطَّرِيقِ) خبرٌ ثانٍ (وَسَطٌ) بفتح السِّين، أي: متوسِّطٌ بين بطن الوادي وبين الطَّريق، خبرٌ ثالثٌ أو بدلٌ، ولأبي ذرٍّ: «وسطًا» بالنَّصب، أي: حال كونه متوسِّطًا (مِنْ ذَلِكَ) وأتى بقوله:
стр. 3599
«وسطًا» بعد قوله: «بين» وإن كان معلومًا منه ليبيِّن أنَّه (١) في حاقِّ الوسط من غير قربٍ لأحد الجانبين.
(١٧) (بابُ غَسْلِ الخَلُوقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنَ الثِّيَابِ) بفتح الخاء وضمِّ اللَّام مُخفَّفةً وآخره قافٌ: ضربٌ من الطِّيب يُعمَل فيه زعفرانٌ.
١٥٣٦ - وبالسَّند قال: (قَالَ أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلدٍ النَّبيل، كذا أورده (٢) بصيغة التَّعليق، وبه جزم الإسماعيليُّ وأبو نُعيمٍ، وقِيلَ: إنَّه وقع في نسخةٍ أو روايةٍ: «حدَّثنا أبو عاصمٍ» قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ: (أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ يَعْلَى أَخْبَرَهُ: أَنَّ) أباه (يَعْلَى) يعني: ابن أميَّة التَّميميَّ، المعروف بابن مُنْيَة؛ بضمِّ الميم وسكون النُّون
стр. 3600
وفتح التَّحتيَّة وهي أمُّه، وقيل: جدَّته (قَالَ لِعُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵁: أَرِنِي النَّبِيَّ ﷺ حِينَ يُوحَى إِلَيْهِ، قَالَ: فَبَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ بِالجِعِْرَانَةِ) بكسر الجيم وإسكان العين وتخفيف الرَّاء، كما ضبطه جماعةٌ من اللُّغويِّين ومحقِّقي المحدِّثين، ومنهم من ضبطه بكسر العين وتشديد الرَّاء، وعليه أكثر المحدِّثين، قال صاحب «المطالع»: أكثر المحدِّثين يشدِّدونها، وأهل الأدب يخطِّئونهم ويخفِّفونها، وكلاهما صوابٌ (وَمَعَهُ) ﵊ (نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) جماعةٌ منهم، والواو للحال، وكان ذلك في سنة ثمانٍ، وجواب «بينما» قوله: (جَاءَهُ رَجُلٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أعرف اسمه، لكن ذكر ابن فتحون في «الذَّيل» عن «تفسير الطُّرطوشيِّ» أنَّ اسمَه: عطاءُ ابن منية، قال ابن فتحون: فإن ثبت ذلك فهو أخو يعلى الرَّاوي (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَهْوَ مُتَضَمِّخٌ) بالضَّاد والخاء المعجمتين، أي: متلطِّخٌ (١) (بِطِيبٍ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ سَاعَةً، فَجَاءَهُ الوَحْيُ، فَأَشَارَ عُمَرُ ﵁ إِلَى يَعْلَى، فَجَاءَ يَعْلَى وَعَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ) بضمِّ الهمزة وكسر الظَّاء المعجمة مبنيًّا للمفعول، والنَّائب عن الفاعل ضميرٌ يعود على النَّبيِّ ﷺ ، أي: جُعِل الثَّوب له كالظُّلَّة يستظلُّ به (٢) (فَأَدْخَلَ) يعلى (رَأْسَه) ليراه ﵊ حال نزول الوحي، وهو محمولٌ على أنَّ عمر ويعلى عَلِمَا أنَّه ﷺ لا يكره الاطِّلاع عليه في ذلك الوقت لأنَّ فيه تقوية الإيمان بمشاهدة حال الوحي الكريم (فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مُحْمَرُّ الوَجْهِ وَهُوَ يَغِطُّ) بغينٍ معجمةٍ مكسورةٍ وطاءٍ مهملةٍ مُشدَّدةٍ من الغطيط؛ وهو صوت النَّفَس المتردِّد من النَّائم من شدَّة ثقل الوحي (ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ) ﵊؛ بسينٍ مهملةٍ مضمومةٍ وراءٍ مُشدَّدةٍ، أي: كُشِف عنه شيئًا فشيئًا، ورُوِي بتخفيف الرَّاء، أي: كُشِف عنه ما يتغشَّاه من ثقل الوحي، يُقال: سروتُ الثَّوب وسَرَيْتُه: نزعته، والتَّشديد أكثر لإفادة التَّدريج (فَقَالَ: أَيْنَ الَّذِي سَأَلَ عَنِ العُمْرَةِ؟ فَأُتِيَ بِرَجُلٍ فَقَالَ) ﵊: (اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) استُدِلَّ به على منع استدامة الطِّيب بعد الإحرام، للأمر بغسل أثره من
стр. 3601
الثَّوب والبدن لعموم قوله: «اغسل الطِّيب الذي بك» وهو قول مالكٍ ومحمَّد بن الحسن، وأجاب الجمهور بأنَّ قصَّة يعلى كانت بالجعرانة سنة ثمانٍ بلا خلافٍ -كما مرَّ- وقد ثبت عن عائشة [خ¦٥٩٣٠]: أنَّها طيَّبته ﷺ بيدها في حجَّة الوداع سنة عشرٍ بلا خلافٍ، وإنَّما يؤخذ بالآخِر فالآخر من الأمر، والظَّاهر أنَّ العامل في «ثلاثَ مرَّاتٍ» أقرب الفعلين إليه وهو «اغسل»، وعليه فيكون قوله: «ثلاثَ مرَّاتٍ» من جملة مقول النَّبيِّ ﷺ ، وهو نصٌّ في تكرار (١) الغسل، ويحتمل أن يكون العامل فيه «قال» أي: قال له النَّبيُّ ﷺ : ثلاث مرَّاتٍ اغسل الثَّوب (٢)، فلا يكون فيه تنصيصٌ على أمره بثلاث غسلاتٍ؛ إذ ليس في قوله: «اغسل الطِّيب» تصريحٌ بالغسلات الثَّلاث لاحتمال كون المأمور به غسلةً واحدةً، لكنَّه أكَّد في شأنها، وعلى الأوَّل فهمه ابن المُنيِّر، فإنَّه قال: في الحديث ما يدلُّ على أنَّ المعتبرَ في هذا الباب ذهابُ الجرم الظَّاهر لا الأثر بالكلِّيَّة لأنَّ الصِّباغ لا يزول لونه ولا رائحته بالكلِّيَّة بثلاث مرَّاتٍ، فعلى هذا من غسل الدَّم من ثوبه لم يضرَّه بقاء طبعه. انتهى. لكن لو كان في الحديث ما يدلُّ على أنَّ الخلوق كان في الثَّوب أمكن ما قاله، ولكنَّ ظاهره أنَّ الخلوق كان في بدنه لا في ثيابه لقوله: «وهو متضمِّخٌ بطيبٍ»، وإذا كان الخلوق في البدن أمكن أن تزول رائحته ولونه بالكلِّيَّة بغسله ثلاث مرَّاتٍ؛ لأنَّ علوق الطِّيب بالبدن أخفُّ من علوقه بالثَّوب، قاله في «المصابيح».
(وَانْزِعْ عَنْكَ الجُبَّةَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجَّتِكَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ما تصنع في حجِّك» بإسقاط كاف «كما» وتاء «حجَّتك»، وفيه: دلالةٌ على أنَّه كان يعرف أعمال (٣) الحجِّ قبل ذلك، وعند مسلمٍ والنَّسائيِّ من طريق سفيان عن عمرو بن دينارٍ عن عطاءٍ في هذا الحديث، فقال: «ما كنتَ صانعًا في حجِّك؟ قال: أنزع عنِّي هذه الثِّياب، وأغسل عنِّي هذا الخلوق، فقال: ما كنت صانعًا في حجِّك فاصنعه في عمرتك» أي: فلمَّا ظنَّ أنَّ العمرة ليست كالحجِّ قال له: إنَّها كالحجِّ في ذلك، وقد تبيَّن (٤) أنَّ المأمور به في قوله: «اصنع» الغسلُ والنَّزعُ.
قال ابن جريجٍ: (قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَرَادَ) ﵊ (الإِنْقَاءَ حِينَ أَمَرَهُ) ﵊ (أَنْ يَغْسِلَ ثَلَاثَ
стр. 3602
مَرَّاتٍ، قَالَ: نَعَمْ) أراد الإنقاء، وهو يؤيِّد الاحتمال الأوَّل، وهو أن يكون (١) «ثلاث مرَّاتٍ» معمولًا لـ «اغسل»، وأنَّه من كلام النَّبيِّ ﷺ ، وقال الإسماعيليُّ: ليس في الخبر أنَّ الخلوق كان على الثَّوب كما في التَّرجمة، وإنَّما فيه أنَّ الرَّجل كان متضمِّخًا، ولا يُقال لمن طيَّب ثوبه أو صبغه به: متضمِّخٌ (٢)، وقوله ﷺ : «اغسل الطِّيب الذي بك» يبيِّن أنَّ الطِّيب لم يكن في ثوبه، ولو كان على الجبَّة لكان في نزعها كفايةٌ من جهة الإحرام. انتهى. يعني: فليس بين (٣) الحديث والتَّرجمة مطابقةٌ، وأُجيب بأنَّ المؤلِّف جرى على عادته أن يشير إلى ما وقع في بعض طرق الحديث الذي يورده، وقد أورده في «محرَّمات الإحرام» (٤) [خ¦١٨٤٧] من وجهٍ آخر بلفظ: «عليه قميصٌ فيه أثر صُفْرَةٍ» والخلوق في العادة إنَّما يكون في الثَّوب، ولأبي داود الطَّيالسيِّ في «مُسنَده» عن شعبة عن قتادة عن عطاءٍ: رأى النَّبيُّ ﷺ (٥) رجلًا عليه جبَّةٌ، عليها أثر خلوقٍ، ولـ «مسلمٍ» مثله من طريق رباح بن أبي معروفٍ عن عطاءٍ.
ورواة حديث الباب مكِّيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف عاصم النَّبيل فبصريٌّ، وفي سنده (٦) انقطاعٌ إلَّا إن كان صفوان حضر مراجعة يعلى وعمر، فيكون متَّصلًا؛ لأنَّه قال: «أنَّ يعلى» ولم يقل: إنَّ يعلى أخبره أنَّه قال لعمر.
وأخرجه أيضًا في «فضائل القرآن» [خ¦٤٩٨٥] و «المغازي» [خ¦٤٣٢٩]، ومسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.
(١٨) (بابُ) استحباب استعمال (الطِّيبِ عِنْدَ الإِحْرَامِ) في البدن والثَّوب ولو للنِّساء (وَمَا يَلْبَسُ)
стр. 3603
الشَّخص (إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ، وَيَتَرَجَّلَُ) بتشديد الجيم والرَّفع عطفًا على قوله: «وما يلبس» وبالنَّصب بـ «أنَّ» مُقدَّرةً، وهو الذي في «اليونينيَّة» لا غير؛ كقوله:
ولُبْسُ عباءةٍ وتَقرَّ عيني ......................
أي: ويسرِّح شعره بالمشط (وَيَدَّهِنَُ) بكسر الهاء مع تشديد الدَّال من الافتعال، معطوفٌ على سابقه، أي: يطلي بالدُّهن.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄¬) فيما وصله سعيد بن منصورٍ: (يَشَُمُّ المُحْرِمُ الرَّيْحَانَ) بفتح شين «يشَُمُّ» على المشهور، وحُكِي ضمُّها (١)، وروى الدَّارقطنيُّ عنه (٢) بسندٍ صحيحٍ: المحرم يشمُّ الرَّيحان، ويدخل الحمَّام، وينزع ضرسه، ويفقأ القرحة، وإن انكسر ظفره أماط عنه الأذى، ومذهب الشَّافعيَّة أنَّه يحرم شمُّ الرَّيحان الفارسيِّ، وهو الضَّيْمُران (٣) -بفتح المعجمة وضمِّ الميم- بالقياس على تحريم شمِّ الطِّيب للمُحْرِم لأنَّ معظم الغرض منه رائحته الطَّيِّبة، وكرهه مالكٌ والحنفيَّة، وتوقَّف أحمد.
وقال (٤) أيضًا ﵁ ممَّا وصله ابن أبي شيبة: (وَيَنْظُرُ فِي المِرْآةِ) بكسر الميم وسكون الرَّاء بوزن «مِفْعَالٍ»، ونُقلِ كراهته عن القاسم بن محمَّدٍ، وقال ابن عبَّاسٍ أيضًا ممَّا وصله ابن أبي شيبة: (وَيَتَدَاوَى بِمَا يَأْكُلُ الزَّيْتَِ وَالسَّمْنَِ) بالجرِّ فيهما، وصحَّح عليه ابن مالكٍ بدلًا من الموصول المجرور بالباء، وبالنَّصب، قال الزَّركشيُّ وغيره: إنَّه المشهور، وليس المعنى عليه، فإنَّ الذي يأكل هو الآكل لا المأكول. انتهى. قال في «المصابيح»: لِمَ لا يجوز على النَّصب أن يكون بدلًا من العائد إلى «ما» الموصولة (٥)؟ أي: بما يأكله الزَّيت والسَّمن، فالذي
стр. 3604
يأكله حينئذٍ هو المأكول لا الآكل، ثمَّ قال: فإن قلت: يلزم عليه حذف المُبدَل منه، وأجاب بأنَّه قد قِيلَ به في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ﴾ [النحل: ١١٦] فقال قومٌ: إنَّ «الكذب» بدلٌ من مفعول «تصف» المحذوف، أي: لما تصفه، وقِيلَ به أيضًا في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ﴾ [البقرة: ١٥١] أي: كما أرسلناه، و «رسولًا» بدلٌ من الضَّمير المحذوف، قال: والزَّركشيُّ ﵀ ظنَّ أنَّ «الزَّيت» مفعول «أكل»، فقال: إنَّ الذي يأكل الزَّيت مثلًا عبارةٌ عن الآكل لا المأكول، والمطلوب هو جواز التَّداوي بالمأكول، فلا يتأتَّى المعنى المراد، وقد استبان لك تأتِّيه بما قلناه (١). انتهى.
(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ، ممَّا وصله ابن أبي شيبة: (يَتَخَتَّمُ) أي: يلبس الخاتم (وَيَلْبَسُ الهِمْيَانَ) بكسر الهاء وسكون الميم، قال القزَّاز (٢): فارسيٌّ مُعرَّبٌ يشبه تِكَّة السَّراويل، تُجعَل فيه الدَّراهم، ويُشَدُّ على الوسط.
(وَطَافَ ابْنُ عُمَرَ ﵄¬) ممَّا وصله الإمام الشَّافعيُّ من طريق طاوسٍ (وَهُوَ مُحْرِمٌ) الواو للحال (وَقَدْ حَزَمَ) بفتح الحاء المهملة والزَّاي، أي: شدَّ (عَلَى بَطْنِهِ بِثَوْبٍ، وَلَمْ تَرَ عَائِشَةُ ﵂¬) فيما (٣) وصله سعيد بن منصورٍ (بِالتُّبَّانِ بَأْسًا) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وتشديد المُوحَّدة: سراويل قصيرٌ يستر العورة المُغلَّظة، يلبسه الملَّاحون ونحوهم (لِلَّذِينَ يُرَحِّلُونَ) بضمِّ أوَّله وفتح الرَّاء وتشديد الحاء المهملة المكسورة، وفي نسخةٍ: «يَرْحَلون» بفتح الياء والحاء والرَّاء ساكنةٌ، قال الجوهريُّ: رَحَلْتُ البعيرَ أَرْحَلَهُ -بفتح أوَّله- رَحْلًا، واستشهد البخاريُّ في «التَّفسير» [خ¦٦٥ - ٦٧٤٠] بقول الشَّاعر:
إذا ما قمتُ أَرْحَلُها بليلٍ .......................
قال في «الفتح»: وعلى هذا فوهم من ضبطه هنا: بتشديد الحاء المهملة وكسرها،
стр. 3605
والمعنى: يشدُّون (هَوْدَجَهَا) بفتح الهاء والدَّال المهملة والجيم والواو ساكنةٌ: مركبٌ من مراكب النِّساء، وهذا كأنَّه رأي عائشة، وإلَّا فالجمهور على أنَّه لا فرق بين التُّبَّان والسَّراويل في منعه للمُحْرِم، وقد سقط «للذين يرحِّلون هودجها» في رواية ابن عساكر.
١٥٣٧ - ١٥٣٨ - وبالسَّند قال المؤلِّف: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَمَرَ ﵄ يَدَّهِنُ بِالزَّيْتِ) عند الإحرام، أي: الذي هو (١) غير مُطيَّبٍ؛ كما أخرجه التِّرمذيُّ من وجهٍ آخر عنه مرفوعًا، قال منصورٌ: (فَذَكَرْتُهُ) (٢) أي: امتناع ابن (٣) عمر من الطِّيب عند الإحرام (لإِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (قَالَ (٤): مَا تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ؟) أي: بقول ابن عمر، حيث ثبت ما ينافيه من فعل رسول الله ﷺ .
(حَدَّثَنِي) بالإفراد (الأَسْوَدُ) بن يزيد (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ) الواو للحال و «المَفارق» جمع «مَفْرِقٍ» وهو: وسط الرَّأس، وجمعها تعميمًا لجوانب الرَّأس التي يُفرَق فيها، والوَبِيص: بفتح الواو وكسر المُوحَّدة آخره صادٌ مهملةٌ، أي: بريق أثره، لكن قال الإسماعيليُّ: الوبيص زيادةٌ على البريق، والمراد به: التَّلألؤ، قال: وهو يدلُّ على وجود عينٍ باقيةٍ لا الرِّيح فقط، وأشارت بقولها: «كأنِّي أنظر» إلى
стр. 3606
قوَّة تحقُّقها (١) لذلك بحيث إنَّها لكثرة استحضارها له كأنَّها ناظرةٌ إليه.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ في «الحجِّ».
١٥٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ) القاسم بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق التَّيميِّ المدنيِّ ﵃ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لإِحْرَامِهِ) أي: لأجل إحرامه (حِينَ يُحْرِمُ) أي: قبل أن يُحرِم كما هو لفظ رواية مسلمٍ والتِّرمذيِّ؛ لأنَّه لا يمكن أن يُراد بالإحرام هنا فعلُ الإحرام، فإنَّ التَّطيُّب في الإحرام (٢) ممتنعٌ بلا شكٍّ، وإنَّما المراد إرادةُ الإحرام، وقد دلَّ على ذلك رواية النَّسائيِّ «حين أراد الإحرام»، وحقيقة قولها: «كنت أطيِّب» تطييب بدنه، ولا يتناول ذلك تطييب ثيابه (٣)، وقد دلَّ على اختصاصه ببدنه الرِّواية الأخرى التي فيها: «كنت أجد وَبِيصَ الطِّيب في رأسه ولحيته» [خ¦٥٩٢٣] وقد اتَّفق أصحابنا الشَّافعيَّة: على أنَّه لا يُستحَبُّ تطييب الثِّياب عند إرادة الإحرام، وشذَّ المتولِّي فحكى قولًا باستحبابه، نعم؛ في جوازه خلافٌ والأصحُّ الجوازُ، فلو نزعه ثمَّ لبسه ففي وجوب الفدية وجهان، صحَّح البغويُّ وغيره الوجوب (وَلِحِلِّهِ) أي: تحلُّله من محظورات الإحرام بعد أن يرمي ويحلق (قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ) طواف الإفاضة، واستُفيد من قولها: «كنت أطيِّب» أنَّ «كان» لا تقتضي التَّكرار لأنَّ ذلك لم يقع منها إلَّا مرَّةً واحدةً في حجَّة الوداع، وعُورِض بأنَّ المدَّعَى
стр. 3607
تكراره هنا إنَّما هو التَّطيُّب لا الإحرام، ولا مانع من أن يتكرَّر التَّطيُّب (١) للإحرام مع كون الإحرام مرَّةً واحدةً، ولا يخفى ما فيه، واستُفيد منه أيضًا: استحباب التَّطيُّب عند الإحرام، وجواز استدامته بعد الإحرام، وأنَّه لا يضرُّ بقاء لونه ورائحته، وإنَّما يحرم ابتداؤه في الإحرام (٢)، وهو قول الجمهور، وعن مالكٍ يحرم لكن لا فدية، وقال محمَّد بن الحسن: يُكرَه أن يتطيَّب قبل الإحرام بما تبقى عينه بعده، واستحباب التَّطيُّب أيضًا بعد التَّحلُّل الأوَّل قبل الطَّواف.
(١٩) (بابُ مَنْ أَهَلَّ) حال كونه (مُلَبَِّدًا) شعر رأسه؛ بضمِّ الميم وفتح اللَّام وتشديد المُوحَّدة مفتوحةً، ومكسورةً في الفرع وأصله (٣).
١٥٤٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ) بفتح الهمزة وسكون الصَّاد المهملة وفتح المُوَّحدة آخره غينٌ معجمةٌ، ابن الفرج قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب (¬﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُهِلُّ) أي: يرفع صوته بالتَّلبية حال كونه (مُلَبِّدًا) شعر رأسه بنحو الصَّمغ لينضمَّ (٤) الشَّعر ويلتصق بعضه ببعضٍ احترازًا عن تمعُّطه وتقمُّله، وإنَّما يفعل ذلك من يطول مكثه في الإحرام، واستُفيد منه: استحباب التَّلبيد، وقد نصَّ عليه الشَّافعيُّ.
стр. 3608
وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٩١٥]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(٢٠) (بابُ الإِهْلَالِ عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الحُلَيْفَةِ) لمن أراد النسك من المدينة.
١٥٤١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بضمِّ العين وسكون القاف، قال: (سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) بن عمر (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄. وَحَدَّثَنَا) بواو العطف (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميم واللَّام بينهما مهملةٌ (١) ساكنةٌ، ابن قعنب القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) إمام الأئمَّة (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَّا مِنْ عِنْدِ المَسْجِدِ؛ يَعْنِي: مَسْجِدَ ذِي الحُلَيْفَةِ) ولفظ متن رواية سفيان الذي لم يذكره المؤلِّف: «هذه البيداء التي يَكْذِبون فيها على رسول الله ﷺ ، واللهِ ما أهلَّ رسول الله ﷺ إلَّا من عند مسجد ذي الحُلَيفة» أخرجه الحُميديُّ في «مُسنَده»، وكأنَّ ابن عمر كان (٢) ينكر على رواية ابن عبَّاسٍ الآتية -إن شاء الله تعالى- بعد بابين بلفظ: ركب راحلته حتَّى استوت على البيداء أَهَلَّ [خ¦١٥٤٥] والبيداء هذه -كما قاله أبو عبيدٍ البكريُّ وغيره-: فوق عَلَمَيْ ذي الحليفة لمن صعد من الوادي، وسيأتي عند المصنِّف -إن شاء الله تعالى- بعد أبوابٍ من طريق صالح بن كيسان عن نافعٍ عن ابن عمر قال: «أَهَلَّ النَّبيُّ ﷺ حين استوت به راحلتُه قائمةً» [خ¦١٥٥٢] فهذه ثلاث رواياتٍ ظاهرها التَّدافع لكن قد أوضح هذا ابن عبَّاسٍ ﵁ فيما رواه أبو داود والحاكم من طريق سعيد بن جبيرٍ: قلت لابن عبَّاسٍ: عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في
стр. 3609
إهلاله … ، فذكر الحديث، وفيه: «فلمَّا صلَّى بمسجد ذي الحُلَيفة ركعتين أوجب من مجلسه، فأهلَّ بالحجِّ حين فرغ منهما، فسمع منه قومٌ فحفظوه، ثمَّ ركب، فلمَّا استقلَّت به راحلته أهلَّ وأدرك ذلك منه قومٌ لم يشهدوه في المرَّة الأولى، فسمعوه حين ذاك فقالوا: إنَّما أهلَّ حين استقلَّت به راحلته ثمَّ مضى، فلمَّا علا شَرَفَ البيداء أهلَّ، وأدرك ذلك قومٌ لم يشهدوه، فنقل كلُّ واحدٍ منهم ما سمع، وإنَّما كان إهلاله في مُصلَّاه، وايم الله ثمَّ أهلَّ ثانيًا وثالثًا» وقد (١) اتَّفق فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك، وإنَّما الخلاف في الأفضل.
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.
(٢١) (بابُ مَا لَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ) قال ابن دقيق العيد: لفظ «المحْرِم» يتناول من أحرم بالحجِّ والعمرة معًا، والإحرام: الدُّخول في أحد النُّسكين والتَّشاغل بأعمالهما، وقد كان شيخنا العلَّامة ابن عبد السَّلام ﵀ يستشكل معرفة حقيقة الإحرام ويبحث فيه كثيرًا، وإذا قِيلَ: إنَّه النِّيَّة اعتَرَض عليه بأنَّ النِّيَّة شرطٌ في الحجِّ الذي الإحرامُ ركنُه، وشرط الشَّيء غيرُه، ويعترض على أنَّه التَّلبية بأنَّها ليست بركنٍ، والإحرام ركنٌ هنا، وكان يحوم على تعيين فعلٍ تتعلَّق به النِّيَّة في الابتداء. انتهى. وأُجيب بأنَّ «المُحرِم» اسمُ فاعلٍ، من أحرم إحرامًا بمعنى: دخل في الحرمة، أي: أدخل نفسَه وصيَّرها متلبِّسةً بالسَّبب المقتضي للحرمة لأنَّه دخل في عبادة الحجِّ أو العمرة أو هما معًا، فحُرِّم عليه الأنواع السَّبعة: لبس المخيط والطِّيب ودهن الرَّأس واللِّحية وإزالة الشَّعر والظُّفر والجماع ومقدِّماته والصَّيد، وقد عُلِم من هذا أنَّ النِّيَّة مغايرةٌ له لشمولها له ولغيره؛ لأنَّها قصد فعل الشَّيء تقرُّبًا إلى الله تعالى، فأركان الحجِّ مثلًا: الإحرامُ والوقوفُ والطَّوافُ والسَّعيُ والنِّيَّة، فعل كلٍّ من الأربعة تقرُّبًا إلى الله تعالى بها، وبهذا التَّقرير يزول الإشكال، وكأنَّ الذي كان يحوم عليه هو (٢) ما ذُكِر. والله أعلم.
стр. 3610
١٥٤٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄: أَنَّ رَجُلًا) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسمه (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يَلْبَسُ) الرَّجل (المُحْرِمُ) قارنًا أو مفردًا أو متمتِّعًا (مِنَ الثِّيَابِ؟) وعند البيهقيِّ: أنَّ ذلك وقع والنَّبيُّ ﷺ يخطب في مُقدَّم مسجد المدينة، وفي حديث ابن عبَّاسٍ عند المؤلِّف في أواخر «الحجِّ» [خ¦١٨٤٣]: أنَّه ﵊ خطب بذلك في عرفاتٍ، فيُحمَل على التَّعدُّد (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) مجيبًا له: (لَا يَلْبَسُِ القُمُصَ) بضمِّ القاف والميم بالجمع، و «يلبسُ» بالرَّفع، وهو الأشهر على الخبر عن حكم الله؛ إذ هو جواب السُّؤال، أو خبرٌ بمعنى النَّهي، وبالجزم على النَّهي، وكُسِر لالتقاء السَّاكنين، فإن قلت: السُّؤال وقع عمَّا يجوز لبسه، والجواب وقع عمَّا لا يجوز لبسه، فما الحكمة فيه؟ أُجيب بأنَّ الجواب بما لا يجوز لبسه أحصر وأخصر ممَّا يجوز، فَذِكْرُه أَوْلى؛ إذ هو قليلٌ، ويُفهَم منه ما يُباح، فتحصل المطابقة بين الجواب والسُّؤال بالمفهوم، وقِيلَ: كان الأليق السُّؤال عن الذي لا يُباح، إذ الإباحة الأصل ولذا أجاب بذلك تنبيهًا للسَّائل على الأليق، ويُسمَّى مِثلُ ذلك: أسلوب الحكيم؛ نحو: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ … الآية [البقرة: ١٨٩] فإنَّهم سألوا عن حكمة اختلاف القمر؛ حيث قالوا: ما بال الهلال يبدو دقيقًا ثمَّ يزيد ثمَّ ينقص؟ فأجابهم بأنَّ الحكمة الظَّاهرة في ذلك أن تكون معالم للنَّاس يوقِّتون بها أمورهم، ومعالم