واللَّام مفيدٌ للاستغراق، وهو مستلزمٌ للحصر؛ لأنَّه من حصر المبتدأ في الخبر، ويعبِّر عنه البيانيُّون بقصر الموصوف على الصِّفة، وربَّما قِيلَ: قصر المُسنَد إليه على المُسنَد، والمعنى: كلُّ عملٍ بنيَّةٍ، فلا عمل إلَّا بنيَّةٍ.
واختُلِف في: «إنَّما»، هل تفيد الحصر أم لا؟ فقال الشَّيخ أبو إسحاق الشِّيرازيُّ والغزاليُّ وإلكيا الهرَّاسيُّ والإمام فخر الدِّين: تفيد الحصر المشتمل على نفي الحكم عن غير المذكور؛ نحو: إنَّما قائمٌ زيدٌ، أي: لا عمرٌو، أو نفي غير الحكم عن المذكور؛ نحو: إنَّما زيدٌ قائمٌ، أي: لا قاعدٌ. وهل تفيده بالمنطوق أو بالمفهوم؟ قال البرماويُّ في «شرح ألفيَّته»: الصَّحيح أنَّه بالمنطوق؛ لأنَّه لو قال: ما له عليَّ إلَّا دينارٌ كان إقرارًا بالدِّينار، ولو كان مفهومًا لم يكن مقرًّا؛ لعدم اعتبار المفهوم بالأقارير. انتهى. وممَّن صرَّح بأنَّه منطوقٌ أبو الحسين بن القطَّان، والشَّيخ أبو إسحاق الشِّيرازيُّ، والغزاليُّ، بل نقله البُلْقينيُّ عن جميع أهل الأصول من المذاهب
стр. 352
الأربعة إلَّا اليسير، كالآمديِّ، قال في «اللَّامع» (١): وقِيلَ: الحصر من عموم المبتدأ باللَّام وخصوص خبره، على حدِّ: صديقي زيدٌ؛ لعموم المضاف إلى المُفرَد وخصوص خبره، ففي الرِّواية الأخرى كما سبق بدون «إنَّما»، فالتَّقدير: كلُّ الأعمال بالنِّيَّات؛ إذ لو كان عملٌ بلا نيَّةٍ لم تصدق هذه الكليَّة، وأصل إنَّما: «إنَّ» التَّوكيديَّة، دخلت عليها «ما» الكافَّة، وهي حرفٌ زائدٌ، خلافًا لمن زعم أنَّها «ما» النَّافية، ولا يرد على دعوى الحصر نحو: صوم رمضان بنيَّة قضاءٍ أو نذرٍ؛ حيث لم يقع له ما نوى؛ لعدم قابليَّة المحلِّ، والصَّرورة في الحجِّ ينويه للمستأجر، فلا يقع إلَّا للنَّاوي؛ لأنَّ نفس الحجِّ وقع، ولو كان لغير المنويِّ له. والفرق بينه وبين نيَّة القضاء أو النَّذر في رمضان حيث لا يصحُّ أصلًا؛ لأنَّ التَّعيين ليس بشرطٍ في الحجِّ، فيُحْرِم مُطلَقًا ثمَّ يصرفه إلى ما شاء؛ ولذا (٢): لو أحرم بنفله وعليه فرضٌ؛ انصرف للفرض لشدَّة اللُّزوم، فإذا لم يقبل ما أحرم به؛ انصرف إلى القابل. نعم؛ لو أحرم بالحجِّ قبل وقته انعقد عمرةً على الرَّاجح؛ لانصرافه إلى ما يقبل، وهذا بخلاف ما لو أحرم بالصَّلاة قبل وقتها عالمًا (٣) لا تنعقد، وأمَّا إزالة النَّجاسة حيث لا تفتقر إلى نيَّةٍ فلأنَّها من قبيل التروك (٤). نعم؛ تفتقر لحصول الثَّواب، كتارك الزِّنا إنَّما يُثاب بقصد أنَّه تركه امتثالًا للشَّرع، وكذلك نحو القراءة والأذان والذِّكر، لا يحتاج إلى نِيَّةٍ لصراحتها، إلَّا لغرض الإثابة، وخروج هذا ونحوه عن اعتبار النِّيَّة فيها إمَّا بدليلٍ آخر، فهو من باب تخصيص العموم، أو لاستحالة دخولها؛ كالنِّيَّة ومعرفة الله تعالى، فإنَّ النِّيَّة فيهما مُحالٌ، أمَّا النِّيَّة فلأنَّها لو توقَّفت على نيَّةٍ
стр. 353
أخرى؛ لتوقَّفت الأخرى على أخرى، ولزم التَّسلسل أو الدَّور، وهما مُحالان، وأمَّا معرفة الله تعالى فلأنَّها لو توقَّفت على النِّيَّة مع أنَّ النِّيَّة قصد المنويِّ بالقلب لزم أن يكون عارفًا بالله تعالى قبل معرفته، وهو مُحالٌ.
و «الأعمال»: جمع عملٍ، وهو حركة البدن بكلِّه أو بعضه، وربَّما أُطلِقَ على حركة النَّفس، فعلى هذا يُقال: العمل: إحداث أمرٍ، قولًا كان أو فعلًا، بالجارحة أو بالقلب، لكن الأسبق إلى الفهم الاختصاص بفعل الجارحة، لا نحو النِّيَّة، قاله ابن دقيقٍ العيد، قال: ورأيت بعض المتأخِّرين من أهل الخلاف خصَّه بما لا يكون قولًا، قال: وفيه نظرٌ، ولو خُصِّص بذلك لفظ الفعل لكان أقرب، من حيث استعمالهما متقابلين، فيُقال: الأقوال والأفعال، ولا تردُّد عندي في أنَّ الحديث يتناول الأقوال أيضًا. انتهى، وتعقَّبه صاحب «جمع العدَّة»: بأنَّه إن أراد بقوله: ولا تردَّد عندي في أنَّ الحديث يتناول الأقوال أيضًا، باعتبار افتقارها إلى النِّيَّة، بناءً على أنَّ المراد إنَّما صحَّة الأعمال؛ فممنوعٌ، بل الأذان والقراءة ونحوهما تتأدَّى بلا نِيَّةٍ. وإن أراد باعتبار أنَّه يُثاب على ما ينوي منها ويكون كاملًا فمُسلَّمٌ، لكنَّه مُخالِفٌ لما رجحه من تقدير الصِّحَّة.
فإن قلتَ: لِمَ عدل عن لفظ الأفعال إلى الأعمال؟ أجاب الخُوَيِّيُّ (١): بأنَّ الفعل هو الذي يكون زمانه يسيرًا ولم يتكرَّر؛ قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥] حيث كان إهلاكهم في زمانٍ يسيرٍ، ولم يتكرَّر، بخلاف العمل؛ فإنَّه الذي يوجد من الفاعل في زمان مديدٍ، بالاستمرار والتَّكرار، قال الله تعالى:
стр. 354
﴿الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] طلب منهم العمل الذي يدوم ويستمرُّ، ويتجدَّد كلَّ مرَّةٍ ويتكرَّر، لا نفس الفعل؛ قال تعالى: ﴿فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] ولم يقل: فليفعل الفاعلون، فالعمل أخصُّ، ومن ثمَّ قال: «الأعمال»، ولم يقل: الأفعال؛ لأنَّ ما يندر من الإنسان لا يكون بنيَّةٍ، لأنَّ كلَّ عملٍ تصحبه نيَّةٌ، وأمَّا العمل فهو ما يدوم عليه الإنسان ويتكرَّر منه، فتعتبر النِّيَّة. انتهى، فليُتأمَّل.
و «الباء» في «بالنِّيَّات» تحتمل المصاحبة والسَّببيَّة، أي: الأعمال ثابتٌ ثوابها بسبب النِّيَّات، ويظهر أثر ذلك في أنَّ النِّيَّة شرطٌ أو ركنٌ، والأشبه عند الغزاليِّ أنَّها شرطٌ؛ لأنَّ النِّيَّة في الصَّلاة مَثَلًا تتعلَّق بها، فتكون خارجةً عنها، وإلَّا؛ لكانت متعلِّقةً بنفسها، ولافتقرت إلى نيَّةٍ أخرى، والأظهر عند الأكثرين: أنَّها من الأركان، والسَّببيَّة صادقةٌ مع الشَّرطيَّة، وهو واضحٌ؛ لتوقُّف المشروط على الشَّرط، ومع الرُّكنيَّة؛ لأنَّ بترك جزءٍ من الماهيَّة تنتفي الماهيَّة، والحقُّ: أنَّ إيجادها ذكرًا في أوَّله ركنٌ، واستصحابها حكمًا بأن تعرى عن المنافي شرطٌ؛ كإسلام النَّاوي وتمييزه وعلمه بالمنويِّ. وحكمها: الوجوب، ومحلُّها: القلب، فلا يكفي النُّطق مع الغفلة. نعم؛ يُستَحبُّ النُّطق بها؛ ليساعد اللِّسانُ القلبَ، ولئن سلَّمنا أنَّه لم يُرْوَ عنه ﷺ ، ولا عن أحدٍ
стр. 355
من أصحابه (١) النُّطق بها؛ لكنَّا نجزم بأنَّه ﵊ نطق بها؛ لأنَّه لا شكَّ أنَّ الوضوء المَنويَّ مع النُّطق به أفضلُ، والعلم الضَّروري حاصلٌ بأنَّ أفضل الخلق لم يواظب على ترك الأفضل طول عمره، فثبت أنَّه أتى بالوضوء المنويِّ مع النُّطق، ولم يثبت عندنا أنَّه أتى بالوضوء العاري عنه، والشَّكُّ لا يعارض اليقين، فثبت أنَّه أتى بالوضوء المنويِّ مع النُّطق، والمقصود بها تَمييز العبادة عن العادة، أو تَمييز رتبها، ووقتها أوَّل الفرض؛ كأوَّل غسل جزءٍ من الوجه في الوضوء، فلو نوى في أثناء غسل الوجه كَفَتْ، ووجب إعادة المغسول منه قبلها، وإنَّما لم يوجبوا المقارنة في الصَّوم؛ لعسر مراقبة الفجر. وشرط النِّيَّة الجزم؛ فلو توضَّأ الشَّاكُّ بعد وضوئه في الحدث احتياطًا فبان محدثًا لم يجزه؛ للتَّردُّد في النِّيَّة بلا ضرورةٍ، بخلاف ما إذا لم يَبِنْ محدثًا فإنَّه يجزيه للضَّرورة، وإنَّما صحَّ وضوء الشَّاكِّ في طهره بعد تيقُّن حدثه مع التَّردُّد؛ لأنَّ الأصل بقاء الحدث، بل لو نوى في هذه إن كان محدثًا فعن حدثه، وإلَّا فتجديدٌ صحَّ أيضًا وإن تذكَّر. نقله النَّوويُّ في «شرح المهذَّب» عن البغوي، وأقرَّه.
(وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ) -بكسر الرَّاء- لكلِّ رجلٍ (مَا نَوَى) أي: الذي نواه أو نيَّته، وكذا لكلِّ امرأةٍ ما نوت؛ لأنَّ النَّساء شقائق الرِّجال، وفي «القاموس»: والمرء، مثلَّثة (٢) الميم: الإنسان أو الرَّجل، وعلى القول بأنَّ «إنَّما» للحصر، فهو هنا من حصر الخبر في المبتدأ، ويُقال: قصر
стр. 356
الصِّفة على الموصوف لأنَّ المقصور عليه في «إنَّما» دائمًا المؤخَّرُ، وتربو هذه على السَّابقة بتقديم الخبر، وهو يفيد الحصر كما تقرَّر (١)، واستُشكِل الإتيان بهذه الجملة بعد السَّابقة لاتِّحاد الجملتين، فقِيلَ: تقديره: وإنَّما لكلِّ امرئٍ ثوابُ ما نوى، فتكون الأولى قد نبَّهت على أنَّ الأعمال لا تصير مُعتَبرةً إلَّا بنيَّةٍ، والثَّانية على أنَّ العامل يكون له ثواب العمل على مقدار نيَّته، ولهذا أُخِّرَت عن الأولى لترتُّبها عليها، وتُعقِّب: بأنَّ الأعمال حاصلةٌ بثوابها للعامل لا لغيره، فهي عين معنى الجملة الأولى (٢)، وقال ابن عبد السَّلام: معنى الثَّانية: حصر ثواب الإجزاء (٣) المرتَّب على العمل لعامله، ومعنى الأولى: صحَّة الحكم وإجزاؤه، ولا يلزم منه ثوابٌ، فقد يصحُّ العمل ولا ثواب عليه، كالصَّلاة في المغصوب ونحوه على أرجح المذاهب، وعُورِض: بأنَّه يقتضي أنَّ العمل له نيَّتان: نيَّةٌ بها يصحُّ في الدُّنيا ويحصل الاكتفاء به، ونيَّةٌ بها يحصل الثَّواب في الآخرة، إلَّا أن يُقدَّر في ذلك وصف النِّيَّة: إن لم يحصل صحَّ ولا ثواب، وإن حصل صحَّ وحصل الثَّواب، فيزول الإشكال، وقِيلَ: إنَّ الثَّانية تفيد اشتراط تعيين المنويِّ، فلا يكفي في الصَّلاة نيَّتُها من غير تعيينٍ، بل لابدَّ من تمييزها (٤) بالظُّهر أو العصر مثلًا، وقِيلَ: إنَّها تفيد منع الاستنابة في النِّيَّة؛ لأنَّ الجملة الأولى لا تقتضي منعها، بخلاف الثَّانية، وتُعقِّب: بنحو نيَّة وليِّ الصبيِّ في الحجِّ، فإنَّها صحيحةٌ، وكحجِّ الإنسان عن غيره، وكالتَّوكيل في تفرقة الزَّكاة، وأُجِيب: بأنَّ ذلك واقعٌ على خلاف الأصل في الوضع (٥)، وذهب القرطبيُّ إلى أنَّ الجملة اللَّاحقة مؤكِّدةٌ للسَّابقة، فيكون ذكر الحكم بالأولى، وأكَّده بالثَّانية؛
стр. 357
تنبيهًا على سرِّ الإخلاص، وتحذيرًا من الرِّياء المانع من الإخلاص، وقد عُلِمَ أنَّ الطَّاعات في أصل صحَّتها وتَضَاعُفِها مرتبطةٌ بالنِّيَّات، وبها تُرفَع إلى خالق البريَّات.
(فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا) جملةٌ في موضع (١) جرٍّ صفةٌ لـ «دنيا» أي: يحصِّلها نيَّةً وقصدًا (أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ) ولأبي ذرٍّ «أو امرأةٍ» (يَنْكِحُهَا) أي: يتزوَّجها، كما في الرِّواية الأخرى (فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) من الدُّنيا والمرأة، والجملة جواب الشَّرط في قوله: «فمَنْ»، قال ابن دقيقٍ العيد: في قوله: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» أي: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نيَّةً وقصدًا فهجرته إلى الله ورسوله حكمًا وشرعًا، ونحو هذا في التَّقدير قوله: «فمن كانت هجرته إلى دنيا … » إلى آخره؛ لئلَّا يتَّحد الشَّرط والجزاء، ولابدَّ من تغايرهما، فلا يُقال: من أطاع الله أطاع الله، وإنَّما يقال: من أطاع الله نجا، وهنا وقع الاتِّحاد، فاحتيج إلى التَّقدير المذكور، وعُورِض: بأنَّه ضعيفٌ من
стр. 358
جهة العربية؛ لأنَّ الحال المُبيِّنة لا تُحذَف بلا دليلٍ، ومن ثمَّ منع بعضهم تعلُّق الباء في «بسم الله» بحالٍ محذوفةٍ، أي: أبتدئ متبرِّكًا، قال: لأنَّ حذف الحال لا يجوز، وأجاب البدر الدَّمامينيُّ منتصرًا لابن دقيقِ العيد: بأنَّ ظاهرَ نصوصهم جوازُ الحذف، قال: ويؤيِّده أنَّ الحال خبرٌ في المعنى أو صفةٌ، وكلاهما يسوغ حذفه لا لدليلٍ (١)، فلا مانع في الحال أن تكون كذلك. انتهى. وقِيلَ: لأنَّ التَّغاير يقع تارةً باللَّفظ، وهو الأكثر، وتارةً بالمعنى، ويُفهَم ذلك من السِّياق؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان: ٧١] أي: مرضيًّا عند الله، ماحيًا للعقاب، محصِّلًا للثَّواب، فهو مؤوَّلٌ على إرادة المعهود المستقرِّ في النَّفس؛ كقولهم: أنت أنت، أي: الصَّديق، وقوله:
أَنا أَبو النَّجمِ وشِعْرِي شِعْرِي
وقال بعضهم: إذا اتَّحد لفظ المبتدأ والخبر أو الشَّرط والجزاء عُلِمَ منهما المبالغة، إمَّا في التَّعظيم؛ كقوله: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله»، وإمَّا في التَّحقير؛ كقوله: «فمن كانت هجرته إلى دنيا … » إلى آخره، وقِيلَ: الخبر في الثَّاني محذوفٌ، والتَّقدير: فهجرتُه -إلى ما هاجر إليه من الدُّنيا والمرأة- قبيحةٌ غير صحيحةٍ، أو غير مقبولةٍ، ولا نصيب له في الآخرة، وتُعقِّب: بأنَّه يقتضي أن تكون الهجرة مذمومةً مُطلَقًا، وليس كذلك؛ فإنَّ من ينوي بهجرته مفارقة دار الكفر وتزويج المرأة معًا لا تكون قبيحةً ولا غير صحيحةٍ، بل ناقصةً بالنِّسبة إلى من كانت هجرته خالصة، وإنَّما أشعرَ السِّياق بذمِّ من فعل ذلك بالنِّسبة إلى من طلب المرأة بصورة الهجرة الخالصة، فأمَّا من طلبها مضمومةً إلى الهجرة فإنَّه يُثَاب على قصده الهجرةَ، لكن دون ثواب مَنْ أخلص، وقد اشتُهِر أنَّ سبب هذا الحديث قصَّة مُهاجر أمِّ قيسٍ المرويّ (٢) في «المعجم الكبير» للطَّبراني بإسنادٍ رجالُه ثقاتٌ من رواية الأعمش، ولفظه عن أبي وائلٍ عن ابن مسعودٍ قال: كان فينا رجلٌ خطب امرأةً يُقال لها: أمُّ قيسٍ، فأبت أن تتزوَّجه حتَّى يهاجرَ، فهاجر فتزوَّجها، قال: فكنَّا نسمِّيه مهاجر أمِّ قيسٍ،
стр. 359
ولم يقف ابن رجب على من خرَّجه، فقال في شرحه «الأربعين» للنَّووي: وقد ذكر ذلك كثيرٌ من المتأخِّرين في كتبهم، ولم نَرَ له أصلًا بإسنادٍ يصحُّ. وذكر أبو الخطَّاب ابن دحية: أنَّ اسم المرأة قَيْلَة، وأمَّا الرَّجل فلم يسمِّه أحدٌ ممَّن صنَّف في الصَّحابة فيما رأيته، وهذا السَّبب وإن كان خاصَّ المورد، لكن العبرة بعموم اللَّفظ. والتَّنصيص على المرأة من باب التَّنصيص على الخاصِّ بعد العامِّ للاهتمام؛ نحو: الملائكة وجبريل، وعُورِض: بأنَّ لفظ دنيا نكرةٌ، وهي لا تعمُّ في الإثبات، فلا يلزم دخول المرأة فيها، وأُجِيب: بأنَّها إذا كانت في سياق الشَّرط تعمُّ، ونكتة الاهتمام: الزِّيادة في التَّحذير؛ لأنَّ الافتتان بها أشدُّ، وإنَّما وقع الذَّمُّ هنا على مباحٍ، ولا ذمَّ فيه ولا مدحٌ؛ لكون فاعله أَبْطَنَ خلاف ما أظهر؛ إذ خروجه في الظَّاهر ليس لطلب الدُّنيا؛ لأنَّه إنَّما خرج في صورة طلب فضيلة الهجرة.
و «الهجرة» بكسر الهاء: التَّرك، والمراد هنا: مَنْ هاجر من مكَّة إلى المدينة قَبْل فتح مكَّة، «فلا هجرة بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونيَّةٌ» [خ¦٢٧٨٣] كما قال ﵊، نعم؛ حكمها من دار الكفر إلى دار الإسلام مستمرٌّ، وفي الحقيقة هي: مفارقة ما يكرهه الله تعالى إلى ما يحبُّه، وفي الحديث: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» [خ¦١٠]، و «دُنيا» بضمِّ الدَّال مقصورةٌ غير منوَّنةٍ للتَّأنيث والعلميَّة، وقد تُكسَر وتُنوَّن، وحُكِيَ عن الكُشْمِيهَنِيِّ فأُنكِر عليه، وأنَّه لا يعرف في اللُّغة التَّنوين، ولم يكن الكُشْمِيهَنِيُّ ممَّن يُرجَع إليه في ذلك (١). انتهى، والصَّحيح جوازه، قال في «القاموس»: والدُّنيا نقيض الآخرة، وقد تُنوَّن، وجمعها دُنَى. انتهى، واستدلُّوا له بقوله:
إنِّي مُقَسِّمٌ ما ملكتُ فجاعلٌ … أجرًا (٢) لآخرَتِي ودُنْيا تَنْفَعُ
فإنَّ ابن الأعرابيِّ أنشده منوَّنًا، وليس بضرورةٍ كما لا يخفى.
стр. 360
و «الدُّنيا»: «فُعْلَى» من الدُّنوِّ؛ وهو القرب، سمِّيت بذلك؛ لسبقها للأخرى، وهي ما على الأرض من الجوِّ والهواء، أو هي كلُّ المخلوقات من الجواهر والأعراض الموجودة قبل الدَّار الآخرة، أو لدنوِّها من الزَّوال، ووقع في رواية الحُمَيْدِيِّ هذه حذف أحد وجهي التَّقسيم؛ وهو قوله: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله … » إلى آخره. وقد ذكره البخاريُّ من غير طريق الحُمَيْدِيِّ، فقال ابن العربيِّ: لا عذر للبخاريِّ في إسقاطه؛ لأنَّ الحُمَيْدِيَّ رواه في «مُسنَده» على التَّمام، قال: وقد ذكر قومٌ أنَّه لعلَّه استملاه من حفظ الحُمَيْدِيِّ، فحدَّثه هكذا، فحدَّث عنه كما سمع، أو حدَّثه به تامًّا، فسقط من حفظ البخاريِّ، قال: وهو أمرٌ مُستبعَد جدًّا عند من اطَّلع على أحوال القوم، وجاء من طريق بشر بن موسى، و «صحيح أبي عَوانة»، و «مُستخرَجي أبي نعيمٍ على الصَّحيحين» من طريق الحُمَيْدِيِّ تامًّا، ولعلَّ المؤلِّف إنَّما اختار الابتداء بهذا السِّياق النَّاقص ميلًا إلى جواز الاختصار من الحديث، ولو من أثنائه، كما هو الرَّاجح، وقِيلَ غير ذلك.
وهذا الحديث أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، قال أبو داود: يكفي الإنسان لدينه أربعة أحاديث: «الأعمال بالنِّيَّة (١)»، و «مِنْ حُسْنِ إِسلامِ المَرءِ تركُهُ ما لا يَعْنِيْه» و «لا يكون
стр. 361
المؤمن مؤمنًا حتَّى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه» [خ¦١٣]، و «الحلال بيِّن والحرام بيِّن» [خ¦٥٢]، وذكر غيرُه غيرَها. وقال الشَّافعيُّ وأحمد: إنَّه (١) يدخل فيه ثلث العلم، قال البيهقيُّ: إذ كَسْبُ العبد إمَّا بقلبه أو بلسانه أو ببقيَّة جوارحه، وعن الشَّافعيِّ أيضًا: أنَّه يدخل فيه نصف العلم، ووُجِّه: بأنَّ للدِّين ظاهرًا وباطنًا، والنِّيَّة متعلِّقةٌ بالباطن، والعمل هو الظَّاهر، وأيضًا فالنِّيَّة عبوديَّةُ القلب، والعمل عبوديَّة الجوارح، وقد زعم بعضهم: أنَّه متواترٌ، وليس كذلك؛ لأنَّ الصَّحيح أنَّه لم يروِه عن النَّبيِّ ﷺ إلَّا عمر ﵁، ولم يروِه عن عمر إلَّا علقمة، ولم يروِه عن علقمة إلَّا محمَّد بن إبراهيم، ولم يروِه عن محمَّد بن إبراهيم إلَّا يحيى بن سعيد الأنصاريُّ، وعنه انتشر، فقِيلَ: رواه عنه أكثر من مئتي راوٍ، وقِيلَ: سبع مئةٍ، من أعيانهم: مالكٌ والثَّوريُّ والأوزاعيُّ وابن المبارك واللَّيث بن سعدٍ وحمَّاد بن زيدٍ وسعيدٌ وابن عيينة، وقد ثبت عن أبي إسماعيل (٢) الهرويِّ -الملقَّب بشيخ الإسلام- أنَّه كتبه عن سبع مئة رجلٍ أيضًا من (٣) أصحاب يحيى بن سعيدٍ، فهو مشهورٌ بالنِّسبة إلى آخره، غريبٌ بالنِّسبة إلى أوَّله. نعم؛ المشهور مُلحَقٌ بالمتواتر عند أهل الحديث، غير أنَّه يفيد العلم النَّظريَّ، إذا كانت طرقه متباينةً سالمةً من ضعف الرُّواة ومن التَّعليل. والمتواتر يفيد العلم الضَّروريَّ، ولا يُشترَط فيه عدالة ناقله، وبذلك افترقا. وقد تُوبِع علقمة والتَّيميُّ ويحيى بن سعيدٍ على روايتهم.
قال ابن منده: هذا الحديث رواه عن عمر غير علقمة: ابنه عبد الله وجابر وأبو جحيفة وعبد الله بن عامر بن ربيعة وذو الكَلَاع وعطاء بن يسار وناشِرَة بن سُمَيٍّ وواصل بن عمرو الجذاميُّ ومحمَّد بن المنكدر، ورواه عن علقمة غير التَّيميِّ سعيد بن المسيَّب ونافعٌ مولى ابن عمر، وتابع يحيى بن سعيدٍ على روايته عن التَّيميِّ محمَّدِ بن [إبراهيم] محمَّدُ بن علقمة أبو الحسن اللَّيثيُّ وداود بن أبي الفرات ومحمَّد بن إسحاق بن يسار وحجَّاج بن أرطأة
стр. 362
وعبد ربِّه بن قيس الأنصاريُّ. ورواة إسناده هنا ما بين كوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه تابعيٌّ عن تابعيٍّ يحيى ومحمَّدٌ التَّيميُّ، أو ثلاثةٌ إن قلنا: إنَّ علقمة تابعيٌّ، وهو قول الجمهور. وصحابيٌّ عن صحابيٍّ إن قلنا: إنَّ علقمة صحابيٌّ. وفيه الرِّواية بالتَّحديث والإخبار والسَّماع والعنعنة. وأخرجه المؤلِّف في «الإيمان» [خ¦٥٤] و «العتق» [خ¦٢٥٢٩] و «الهجرة» [خ¦٣٨٩٨] و «النِّكاح» [خ¦٥٠٧٠] و «الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٨٩] و «ترك الحيل» [خ¦٦٩٥٣]، ومسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه وأحمد والدَّارقطنيُّ وابن حبَّان والبيهقيُّ، ولم يخرجه مالكٌ في «موطَّئه»، وبقيَّة مباحثه تأتي -إن شاء الله تعالى- في محالِّها.
وقد رواه من الصَّحابة غير عمر، قِيلَ: نحو عشرين صحابيًّا، فذكره الحافظ أبو يَعلى القزوينيُّ في كتابه «الإرشاد» من رواية مالكٍ عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيدٍ الخدريِّ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «الأعمال بالنِّيَّة (١)»، ثمَّ قال: هذا حديثٌ غير محفوظٍ عن زيد بن أسلم بوجهٍ، فهذا ممَّا (٢) أخطأ فيه الثِّقة. ورواه الدَّارقطنيُّ في أحاديث مالكٍ التي ليست في «الموطَّأ»، وقال: تفرَّد به عبد المجيد عن مالكٍ، ولا نعلم من حدَّث به عن عبد المجيد غير نوح بن حبيبٍ وإبراهيم بن محمَّدٍ العُتَقيِّ، وقال ابن منده في جمعه لطرق هذا الحديث: رواه عن النَّبيِّ ﷺ غير عمر: سعد بن أبي وقَّاصٍ، وعليُّ بن أبي طالبٍ، وأبو سعيدٍ الخدريُّ، وعبد الله بن مسعودٍ، وأنسٌ، وابن عبَّاسٍ، ومعاوية، وأبو هريرة، وعبادة بن الصَّامت، وعتبة بن عبد السُّلَميُّ، وهلال بن سويدٍ، وعقبة بن عامرٍ، وجابر بن عبد الله، وأبو ذَرٍّ، وعتبة بن النُّدَّر (٣)، وعقبة بن مسلمٍ، وعبد الله بن عمر. انتهى، وقد اتُّفق على أنَّه لا يصحُّ مُسنَدًا إلَّا من رواية عمر، إشارةً إلى أنَّ من أراد الغنيمة صحَّح العزيمة، ومن أراد المواهب السَّنيَّة أخلص النِّيَّة، ومن أخلص الهجرة ضاعف (٤) الإخلاصُ أجرَه، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، إنَّما
стр. 363
تُنال المطالب على قدر همَّة الطَّالب، إنَّما تُدرَك المقاصد على قدر عناء (١) القاصد، على قدر هِمَّة أهل العزم تأتي العزائم.
٢ - وبالسَّند إلى المؤلِّف ﵀ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ المَنْزل، الدِّمشقيُّ الأصل، المُتوفَّى سنة ثمان عشرة ومئتين، وفي «يوسف» تثليث السِّين مع الهمز وتركه، ومعناه بالعبرانيَّة: جميل الوجه (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الأصبحيُّ إمام دار
стр. 364
الهجرة، بل إمام الأئمَّة، المُتوفَّى سنة تسعٍ وسبعين ومئةٍ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام القرشيِّ التَّابعيِّ، المتوفَّى سنة خمسٍ وأربعين ومئةٍ ببغداد (عَنْ أَبِيهِ) أبي عبد الله عروة المدنيِّ، أحد الفقهاء السَّبعة، المتوفَّى سنة أربعٍ وتسعين (عَنْ عَائِشَةَ) -بالهمز-، وعوامُّ المحدِّثين يبدلونها ياءً (أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂¬) قال الله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] أي: في الاحترام والإكرام، والتَّوقير والإعظام، وتحريم نكاحهنَّ، لا في جواز الخلوة والمُسافَرة، وتحريم نكاح بناتهنَّ، وكذا النَّظر في الأصحِّ. وبه جزم الرَّافعيُّ، وإن سمَّى بعض العلماء بناتهنَّ أخوات المؤمنين، كما هو منصوص الشَّافعيِّ في «المُختصَر». فهو من باب إطلاق العبارة لا إثبات الحكم، قال في «الفتح»: وإنَّما قِيلَ للواحدة منهنَّ: أمُّ المؤمنين للتَّغليب، وإلَّا فلا مانع من أن يُقال لها: أمُّ المؤمنات (١) على الرَّاجح، وحاصله: أنَّ النِّساء يدخلن في جمع المذكَّر السَّالم تغليبًا، لكن صحَّ عن عائشة ﵂ أنَّها قالت: أنا أمُّ رجالكم لا أمُّ نسائكم، قال ابن كثيرٍ: وهذا أصحُّ الوجهين، والله أعلم. وتوفِّيت عائشة بنت أبي بكر الصِّدِّيق بعد الخمسين، إمَّا سنة خمسٍ
стр. 365
أو ستٍّ أو سبعٍ أو ثمانٍ في رمضان، وعاشت خمسًا وستِّين سنةً، وتوفِّي عنها رسول الله ﷺ وهي بنت ثماني عشرة، وأقامت في صحبته تسع، وقِيلَ: ثمانِ سنين وخمسة أشهرٍ، ولعائشة في «البخاريِّ» مئتان واثنان وأربعون حديثًا.
(أَنَّ الحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ) بغير ألفٍ بعد الحاء في الكتابة تخفيفًا، المخزوميَّ أحد فضلاء الصَّحابة، ممَّن أسلم يوم الفتح، المُسْتَشْهَد في فتح الشَّأم سنة خمس عشْرة (¬﵁ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) يحتمل أن تكون عائشة حضرت ذلك فيكون من مسندها، وأن يكون الحارث أخبرها بذلك فيكون من مُرسَل الصَّحابة، وهو محكومٌ بوصله عند الجمهور (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُ؟) أي: صفة الوحي نفسه أو صفة حامله، أو ما هو أعمُّ من ذلك، وعلى كل تقديرٍ، فإسناد الإتيان إلى الوحي مجازٌ؛ لأنَّ الإتيان حقيقةً من وصف حامله (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بالفاء قبل القاف، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «قال رسول الله ﷺ »: (أَحْيَانًا) أي: أوقاتًا، وهو نصبٌ على الظَّرفيَّة، وعامله (يَأْتِينِي) مؤخَّرٌ عنه، أي: يأتيني الوحي أحيانًا (مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ) أو حالًا، أي: يأتيني مشابهًا صوته صلصلة الجرس، وهو بمُهملَتين مفتوحتين بينهما لامٌ ساكنةٌ، والجرسُ؛ بالجيم والمُهملَة الجُلْجُل الذي يُعلَّق في رؤوس الدَّوابِّ، قِيلَ: والصَّلصلة المذكورة صوت الملَك بالوحي، وقِيلَ: صوت حفيف أجنحة الملَك، والحكمة في تقدُّمه أن يقرع سمعه الوحي، فلا يبقى فيه متَّسعٌ لغيره (وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ) وفائدة هذه
стр. 366
الشِّدَّة ما يترتَّب على المشقَّة من زيادة الزُّلفى ورفع الدَّرجات (فَيَفْصِمُ عَنِّي) الوحي أو الملَك؛ بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة، وسكون الفاء، وكسر المُهملَة، كذا لأبي الوقت؛ من فَصَمَ يفصِم من باب ضَرَب يضرِب، والمراد: قطع الشِّدَّة، أي: يقلع وينجلي ما يغشاني من الكرب والشِّدَّة، ويُروَى: «فيُفصِم» بضمِّ الياء وكسر الصَّاد، من أفصم المطر؛ إذا أقلع، رباعيٌّ، قال في «المصابيح»: وهي لغةٌ قليلةٌ، وفي روايةٍ أخرى في «اليونينيَّة»: «فيُفصَم» بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، والفاء عاطفةٌ، والفصم: القطع من غير بينونةٍ، فكأنَّه قال: إنَّ الملَك يفارقني؛ ليعود إليَّ (وَقَدْ وَعَيْتُ) بفتح العين، أي: فهمت وجمعت وحفظت (عَنْهُ) عن الملك (مَا قَالَ) أي: القول الذي قاله، فحُذِفَ العائد، وكلٌّ من الضميرين المجرور والمرفوع يعود على الملك المفهوم ممَّا تقدَّم، فإن قلت: صوت الجرس مذمومٌ لصحَّة النَّهي عنه، كما في «مسلم» و «أبي داود» وغيرهما، فكيف يُشبِّه به ما يفعله الملَك به مع أنَّ الملائكة تنفر عنه؟ أجِيب: بأنَّه لا يلزم من التَّشبيه تساوي المشبَّه بالمشبَّه به في الصِّفات كلِّها، بل يكفي اشتراكهما في صفةٍ مّا، والمقصود هنا بيان الجنس، فذكر ما أَلِفَ السَّامعون سماعه تقريبًا لإفهامهم، والحاصل: أنَّ الصَّوت له جهتان: جهة قوَّةٍ، وجهة طنينٍ، فمن حيث القوَّة وقع التَّشبيه به، ومن حيث الطَّنين وقع التَّنفير عنه، وقال الإمام فضل الله التُّوْرِبِشْتِيُّ -بضمِّ الفوقية، وسكون الواو، بعدها راءٌ فمُوحَّدةٌ مكسورتان، ثمَّ شينٌ مُعجمَةٌ ساكنةٌ، ففوقيَّةٌ مكسورةٌ-: لمَّا سُئِلَ ﵊ عن كيفيَّة الوحي، وكان من المسائل العويصة التي لا يُماط نقاب
стр. 367
التَّعزُّز عن وجهها لكل أحدٍ ضرب لها في الشَّاهد مثلًا بالصَّوت المتدارك (١)، الذي يُسمَع ولا يُفهَم منه شيءٌ؛ تنبيهًا على أنَّ إتيانها يرد على القلب في هيئة الجلال وأبَّهة الكبرياء، فتأخذ هيبةُ الخطاب حين ورودها بمجامع القلب، ويلاقي من ثقل القول ما لا علم له بالقول مع وجود ذلك، فإذا سُرِّي عنه؛ وجد القول المُنزَّل بيِّنًا ملقًىَ في الرُّوع، واقعًا موقع المسموع، وهذا معنى: «فيفصم عنِّي وقد وعيت».
وهذا الضَّرب من الوحي شبيهٌ بما يُوحَى إلى الملائكة على ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إذا قضى الله في السَّماء أمرًا ضربت الملائكة بأجنحتها خُضعانًا لقوله؛ كأنَّها سلسلةٌ على صفوانٍ، فإذا فُزِّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربُّكم؟ قالوا: الحقَّ، وهو العليُّ الكبير» [خ¦٤٧٠١]. انتهى، وقد روى الطَّبرانيُّ وابن أبي عاصمٍ من حديث النَّوَّاس بن سمعان
стр. 368
مرفوعًا: «إذا تكلَّم الله بالوحي أخذت السَّماء رجفةٌ أو رعدةٌ شديدةٌ من خوف الله تعالى، فإذا سمع أهل السَّماء بذلك صُعقوا وخرُّوا سجَّدًا، فيكون أوَّلهم يرفع رأسه جبريل، فيكلِّمه الله من وحيه بما أراد، فينتهي به إلى الملائكة، كلَّما مرَّ بسماءٍ سأله أهلها: ماذا قال ربُّنا؟ قال: الحقَّ. فينتهي به حيث أمره الله من السَّماء والأرض»، وروى ابن مردويه عن ابن مسعود مرفوعًا: «إذا تكلَّم الله بالوحي؛ يسمع أهل السَّماء صلصلةً كصلصلة السّلسلة على الصَّفوان فيفزعون»، وعند ابن أبي حاتمٍ عن العَوْفيِّ عن ابن عبَّاسٍ وقتادة أنَّهما فسَّرا آية ﴿إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: ٢٣] بابتداء إيحاء الله إلى محمَّدٍ ﷺ بعد الفترة التي كانت بينه وبين عيسى، وفي «كتاب العظمة» لأبي الشَّيخ عن وُهيب بن الورد قال: «بلغني أنَّ أقرب الخلق من الله تعالى إسرافيل، العرش على كاهله، فإذا نزل الوحي دُلِّي لوحٌ من تحت العرش، فيقرع جبهة إسرافيل، فينظر فيه، فيدعو جبريل، فيرسله، فإذا كان يوم القيامة أُتِيَ به ترعد فرائصه، فيُقال: ما صنعت فيما أدَّى إليك اللَّوح؟ فيقول: بلَّغت جبريل، فيُدعَى جبريل ترعد فرائصه، فيُقال: ما صنعت فيما بلَّغك إسرافيل؟ فيقول: بلَّغت الرُّسل … » الأثر إلى آخره، على أنَّ العلم بكيفيَّة الوحي سرٌّ من الأسرار التي لا يدركها العقل، وسماع الملَك وغيره من الله تعالى ليس بحرفٍ أو صوتٍ، بل يخلق الله تعالى للسَّامع علمًا ضروريًّا، فكما أنَّ كلامه تعالى ليس من جنس كلام البشر، فسماعه الذي يخلقه لعبده ليس من جنس سماع الأصوات، وإنَّما كان هذا الضَّرب من الوحي أشدَّ على النَّبيِّ ﷺ من غيره؛ لأنَّه كان يُرَدُّ فيه من الطَّبائع البشريَّة إلى الأوضاع الملكيَّة، فيُوحَى إليه كما يُوحَى إلى الملائكة، كما ذُكِرَ في حديث أبي هريرة ﵁ وغيره، بخلاف الضَّرب الآخر
стр. 369
الذي أشار إليه ﷺ بقوله: (وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ) أي: يتصوَّر (لِيَ) أي: لأجلي، فاللَّام تعليليَّةٌ (المَلَكُ) جبريل ﵇ (رَجُلًا) أي: مثل رجلٍ كدحية الكلبيِّ أو غيره، فالنَّصب على المصدريَّة، أي: يتمثَّل مثلَ رجلٍ، أو هيئة رجلٍ، فيكون حالًا، قال البدر الدَّمامينيُّ: وقد صرَّح بعضهم بأنَّه حالٌ، ولم يؤوِّله بمُشتَقٍّ، وهو متَّجهٌ؛ لدلالة «رجلٍ» هنا على الهيئة بدون تأويلٍ. انتهى، وتُعقِّب: بأنَّ الحال في المعنى خبرٌ عن صاحبه (١)، فيلزم أن يصدق عليه، والرَّجل لا يصدق على الملك، وقول الكِرمانيِّ وغيره: إنَّه تمييزٌ. قال في «المصابيح»: الظَّاهر أنَّهم أرادوا تمييز النِّسبة، لا تمييز المُفرد؛ إذ المَلَك لا إبهام فيه، ثمَّ قال: فإن قلت: تمييز النِّسبة لابدَّ أن يكون محوَّلًا عن الفاعل؛ كتصبَّب زيد عرقًا، أي: عرق زيدٌ، أو المفعول نحو: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢] أي: عيون الأرض، وذلك هنا غير مُتأَتٍّ. وأجاب: بأنَّ هذا أمرٌ غالبٌ لا دائمٌ؛ بدليل: امتلأ الإناء ماءً، قال: ولو قِيلَ: بأنَّ «يَتمثَّل» هنا أُجرِي مجرى يصير؛ لدلالته على التَّحوُّل والانتقال من حالةٍ إلى أخرى، فيكون «رجلًا» خبرًا؛ كما ذهب
стр. 370
إليه ابن مالكٍ في «تحوَّل» وأخواته؛ لكان وجهًا، لكن قد يُقال: إنَّ معنى «يَتمثَّل»: يصير مثال رجلٍ، ومع التَّصريح بذلك يمتنع أن يكون «رجلًا» خبرًا له، فتأمَّله. انتهى، وقِيلَ: النَّصب على المفعوليَّة على تضمين «يتمثَّل» معنى يتَّخذ، أي: الملك رجلًا مثالًا، لكن قال العينيُّ: إنَّه بعيدٌ من جهة المعنى، والملائكة كما قال المتكلِّمون: أجسامٌ علويَّةٌ لطيفةٌ، تتشكَّل في أيِّ شيءٍ أرادوا، وزعم بعض الفلاسفة: أنَّها جواهر روحانيَّةٌ، والحقُّ: أنَّ تمثُّل الملك رجلًا ليس معناه أنَّ ذاته انقلبت رجلًا، بل معناه: أنَّه ظهر بتلك الصُّورة تأنيسًا لمن يخاطبه، والظَّاهر أنَّ القدر الزَّائد لا يفنى، بل يخفى على الرَّائي فقط، ولأبي الوقت: «يتمثَّل لي -أي: الملك- على مثال رجلٍ» (فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ) أي: الذي يقوله، فالعائد محذوفٌ، والفاء في الكلمتين للعطف المشير للتَّعقيب، وقد وقع التَّغاير بين قوله: «وقد وعيت» بلفظ الماضي، و «فأعي» بلفظ المضارع؛ لأنَّ الوعيَ في الأوَّل حصل قبل الفصم، ولا يُتصوَّر بعده، وفي الثَّاني في حالة المُكالمَة، ولا يُتصوَّر قبلها. أو أنَّه في الأوَّل قد تلبَّس بالصِّفات الملكيَّة، فإذا عاد إلى حالته الجبليَّة كان حافظًا لما قِيل له، فأخبر عن الماضي، بخلاف الثَّاني، فإنَّه على حالته المعهودة.
وليس المراد حصر الوحي في هاتين الحالتين، بل الغالب مجيئه عليهما، وأقسام الوحي: الرُّؤيا الصَّادقة، ونزول إسرافيل أوَّل البعثة (١)، كما ثبت في الطُّرق الصِّحاح أنَّه ﵊ وكِّل به إسرافيل، فكان يتراءى له ثلاث سنين، ويأتيه بالكلمة من الوحي والشَّيء، ثمَّ وكِّل به جبريل وكان يأتيه في صورة رجلٍ، وفي صورة دحية، وفي صورته التي خُلِقَ عليها مرَّتين، وفي صورة رجلٍ شديد بياض الثِّياب شديد سواد الشَّعر -وعُورِض: بأنَّ ظاهره أنَّه إنَّما جاء سائلًا عن شرائع الإسلام ولم يبلِّغ فيه وحيًا. انتهى- وفي مثل صلصلة الجرس، والوحي إليه فوق السَّماوات من فرض الصَّلاة وغيرها بلا واسطةٍ، وإلقاء الملك في روعه من غير أن يراه، واجتهاده ﵇، فإنَّه صوابٌ قطعًا، وهو قريبٌ من سابقه، إلَّا أنَّ هذا مُسبَّبٌ عن النَّظر والاجتهاد، لكن يعكِّر عليه أنَّ ظاهر كلام الأصوليِّين: أنَّ اجتهاده ﵊ والوحي قسمان، ومجيء ملك الجبال مبلِّغًا له
стр. 371
عن الله تعالى أنَّه أمره أن يطيعه، وفي «تفسير ابن عادلٍ»: إنَّ جبريل نزل على النَّبيِّ ﷺ أربعةً وعشرين ألف مرَّةٍ، وعلى آدم اثنتي عشرة مرَّةٍ، وعلى إدريس أربعًا، وعلى نوحٍ خمسين، وعلى إبراهيم اثنتين وأربعين مرَّةً، وعلى موسى أربع مئةٍ، وعلى عيسى عشرًا، كذا قاله (١)، والعهدة عليه.
(قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂¬) أي: وبالإسناد السَّابق، بحذف حرف العطف؛ كما هو مذهب بعض النُّحاة، وصرَّح به ابن مالكٍ، وهو عادة المصنِّف في المُسنَد المعطوف، وبإثباته في التَّعليق، وحينئذٍ فيكون مُسنَدًا، ويُحتَمل أن يكون من تعاليقه، وتكون النُّكتة في قول عائشة هذا
стр. 372
اختلاف التَّحمُّل؛ لأنَّها في الأوَّل أخبرت عن مسألة الحارث، وفي الثَّاني: عمَّا شاهدته تأييدًا للخبر الأوَّل. ونفى بعضهم أن يكون هذا من التَّعاليق، ولم يُقِمْ عليه دليلًا، وتُعقِّب الحذف: بأنَّ الأصل في العطف (١) أن يكون بالأداة، وما نصَّ عليه ابن مالكٍ غير مشهورٍ، وخلاف ما عليه الجمهور، ومَقُول عائشة: (وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ) ﷺ ، والواو للقسم، واللَّام للتَّأكيد، أي: والله لقد أبصرته (يَنْزِلُ) بفتح أوَّله وكسر ثالثه، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «يُنزَل» بالضَّمِّ والفتح (عَلَيْهِ) ﷺ (الوَحْيُ فِي اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ) «الشَّديد»: صفةٌ جرت على غير من هي له؛ لأنَّه صفة «البرد»، لا «اليوم» (فَيَفْصِمُ) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة وكسر الصَّاد، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «فيُفصِم» بضمِّها وكسر الصَّاد من «أفصم» الرُّباعيِّ، وهي لغةٌ قليلةٌ، وقال في «الفتح»: ويُروَى: بضمِّ أوَّله وفتح الصَّاد على البناء للمجهول، وهي في «اليونينيَّة» أيضًا، أي: يقلع (عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ) بالفاء والصَّاد المُهملَة المشدَّدة، أي: ليسيل (عَرَقًا) بفتح الرَّاء، من كثرة معاناة التَّعب والكرب عند نزول الوحي؛ إذ إنَّه أمرٌ طارئٌ زائدٌ على الطِّباع البشريَّة، وإنَّما كان ذلك (٢) كذلك؛ ليبلو صبره، فيرتاض لاحتمال ما كُلِّفه من أعباء النُّبوَّة، وأمَّا ما ذُكِرَ من أنَّ «يتقصَّد» بالقاف؛ فتصحيفٌ لم يُروَ، و «الجبين» غير الجبهة، وهو فوق الصُّدغ، والصُّدغ: ما بين العين والأُذن، فللإنسان جبينان يكتنفان الجبهة، والمراد -والله أعلم- أنَّ جبينيه معًا يتفصَّدان، فإن قلت: فَلِمَ أفرده؟ أُجِيب: بأنَّ الإفراد يجوز أن يعاقِب التَّثنية في كلِّ اثنين لا (٣) يغني أحدهما عن الآخر؛ كالعينين والأُذنين، تقول: عين (٤) حسنةٌ، وأنت تريد أنَّ عينيه جميعًا حسنتان، قاله في «المصابيح»، و «العَرَق»: رشح الجلد.
стр. 373
وقال في «الإمتاع»: جعل الله تعالى لأنبيائه ﵈ الانسلاخ من حالة البشريَّة إلى حالة المَلَكيَّة في حالة الوحي، فطرةً فطرهم الله عليها، وجبلَّةً صوَّرهم فيها، ونزهَّهم عن موانع البدن وعوائقه ما داموا ملابسين لها؛ بما ركَّب في غرائزهم من العصمة والاستقامة، فإذا انسلخوا عن بشريَّتهم وتلقَّوا في ذلك ما يتلقَّونه؛ عاجوا على (١) المدارك البشريَّة؛ لحكمة التَّبليغ للعباد، فتارةً يكون الوحي؛ كسماع دويٍّ، كأنَّه رمزٌ من الكلام يأخذ منه المعنى الذي أُلقِي إليه، فلا ينقضي الدَّويُّ إلَّا وقد وعاه وفهمه، وتارةً يتمثَّل له الملك الذي يلقي إليه رجلًا، فيكلِّمه ويعي ما يقوله. والتَّلقِّي من الملك، والرُّجوع إلى البشريَّة، وفهمه ما أُلقِي إليه؛ كلُّه كأنَّه في لحظةٍ واحدةٍ، بل أقرب من لمح البصر؛ ولذا سُمِّي وحيًا لأنَّ الوحي في اللُّغة: الإسراع، كما مرّ. وفي التَّعبير عن «الوحي» في الأولى: بصيغة الماضي، وفي الثَّانية: بالمضارع، لطيفةٌ من البلاغة، وهي: أنَّ الكلام جاء مجيء التَّمثيل لحالتَي الوحي، فتمثَّلت حالته الأولى بالدَّويِّ الذي هو غير كلامٍ، وإخبارٌ أنَّ الفهم والوعيَ يتبعه عقب انقضائه مناسب (٢) عند تصوير انفصال العبارة عن الوحي (٣) بالماضي المطابق للانقضاء (٤) والانقطاع. وتمثَّل الملك في الحالة الثَّانية برجلٍ يخاطبه ويتكلَّم، فناسب التَّعبير بالمضارع المقتضي للتجدُّد، وفي حالتي الوحي على الجبلَّة صعوبةٌ وشدَّةٌ؛ ولذا كان يحدث عنه في تلك الحالة من الغَيْبَة والغطيط ما هو معروفٌ؛ لأنَّ الوحي مفارقة البشريَّة إلى المَلَكيَّة، فيحدث عنه شدَّةٌ من مفارقة الذَّات ذاتها، وقد يفضي بالتَّدريج شيئًا فشيئًا إلى بعض السُّهولة بالنَّظر إلى ما قبله، ولذلك كانت تنزل نجوم القرآن وسوره وآياته حين كان بمكَّة أقصر منها وهو بالمدينة (٥).
ورواة هذا الحديث مَدنِيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف، وفيه تابعيَّان، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «بدء الخلق» [خ¦٣٢١٥]، ومسلمٌ في «الفضائل».
стр. 374
٣ - ٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «وحدَّثنا» بواو العطف (يَحْيَى) أبو زكريَّا (ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة تصغير بَكْرٍ، القرشيُّ المخزوميُّ المصريُّ، المتوفَّى سنة إحدى وثلاثين ومئتين، ونسبه المؤلِّف لجدِّه؛ لشهرته به، واسم أبيه عبد الله (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بالمثلَّثة، بن سعد ابن عبد الرَّحمن الفهميُّ، عالم أهل مصر، من تابعي التَّابعين، قال أبو نعيمٍ: أدرك نيِّفًا وخمسين من التَّابعين، القلقشنديُّ المولود سنة ثلاثٍ أو أربعٍ وتسعين، المتوفَّى في شعبان سنة خمسٍ وسبعين ومئةٍ، وكان حنفيَّ المذهب -فيما قاله ابن خَلِّكان- لكنَّ المشهور أنَّه مجتهدٌ، وقد رُوِّينا عن الشَّافعيِّ أنَّه قال: اللَّيث أفقه من مالكٍ، إلَّا أنَّ أصحابه لم يقوموا به، وفي روايةٍ عنه: ضيَّعه قومه، وقال يحيى ابن بُكيرٍ: اللَّيث أفقه من مالكٍ، ولكن كانت الحظوة لمالكٍ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين المُهملَة، وفتح القاف مُصغَّرًا، ابن خالد بن عَقيلٍ -بفتح العين- الأَيْليِّ؛ بفتح الهمزة وسكون المثنَّاة التَّحتيَّة القرشيِّ الأمويِّ، المتوفَّى سنة إحدى وأربعين ومئةٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أبي بكرٍ محمَّدِ بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهابٍ الزُّهريِّ المدنيِّ، تابعيٌّ صغيرٌ، ونسبه المؤلِّف كغيره إلى جدِّه الأعلى؛ لشهرته به (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بالتَّصغير (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ) ﵂ (أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ) بضمِّ الموحَّدة وكسر الدَّال (رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحْي) إليه (الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ) وهذا الحديث يُحتَمل أن يكون من مراسيل
стр. 375
الصَّحابة؛ فإنَّ عائشة لم تدرك هذه القصَّة، لكنَّ الظَّاهر أنَّها سمعت ذلك منه ﷺ ؛ لقولها: قال: «فأخذني فغطَّني»، فيكون قولها: «أوَّل ما بُدِئَ به» حكايةَ ما تلفَّظ به النَّبيُّ ﷺ ، وحينئذٍ فلا يكون من المراسيل، وقوله: «من الوحي» أي: من أقسام الوحي، فـ «من» للتَّبعيض، وقال أبو عبد الله القزَّاز: ليست الرُّؤيا من الوحي، و «من» لبيان الجنس، وقال الأُبِّيُّ: نعم؛ هي كالوحي في الصِّحَّة؛ إذ لا مدخل للشَّيطان فيها، وفي رواية مسلمٍ كالمصنِّف في رواية معمر [خ¦٤٩٥٦] ويونس [خ¦٤٩٥٣]: «الصَّادقة»، وهي التي ليس فيها ضغثٌ، وذكر «النَّوم» بعد «الرُّؤيا» المخصوصة به؛ لزيادة الإيضاح والبيان، أو لدفع وهم من يتوهَّم أنَّ الرُّؤيا تُطلَق على رؤية العين، فهي (١) صفةٌ موضِّحةٌ، وأهل المعاني يسمونها صفةً فارقةً، أو لأنَّ غيرها يُسمَّى حُلُمًا، أو تخصيصٌ دون السَّيِّئة والكاذبة المسمَّاة بأضغاث الأحلام، وكانت مدَّة الرُّؤيا ستَّة أشهرٍ -فيما حكاه البيهقيُّ- وحينئذٍ فيكون ابتداء النُّبوَّة بالرُّؤيا حصل في شهر ربيعٍ، وهو شهر مولده، واحترز بقوله: «من الوحي» عمَّا رآه من دلائل نبوَّته من غير وحيٍ؛ كتسليم الحجر عليه؛ كما في «مسلمٍ»، وأوَّله مُطلَقًا ما سمعه من بَحيرا الرَّاهب؛ كما في «التِّرمذيِّ» بسندٍ صحيحٍ (فَكَانَ) بالفاء للأَصيليِّ، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر وفي نسخةٍ للأَصيليِّ «وكان» أي: النَّبيُّ ﷺ (لَا يَرَى رُؤْيَا) بلا تنوينٍ (إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ) كرؤياه دخول المسجد الحرام، و «مثل»: نُصِبَ بمصدرٍ محذوفٍ، أي: إِلَّا جاءت
стр. 376
مجيئًا مثل فلق الصُّبح، والمعنى أنَّها شبيهةٌ له في الضِّياء والوضوح، أو التَّقدير: مشبهةً ضياء الصُّبح، فيكون النَّصب على الحال، وعبَّر بـ «فلق الصُّبح» لأنَّ شمس النُّبوَّة قد كانت مبادئ أنوارها الرُّؤيا إلى أن ظهرت أشعَّتها وتمَّ نورها، والفلق: الصُّبح، لكنَّه لمَّا كان مُستعمَلًا في هذا المعنى وغيره أُضِيف إليه للتَّخصيص والبيان إضافة العامِّ إلى الخاصِّ. وعن «أمالي الرَّافعيِّ» حكاية خلافٍ: أنَّه أُوحِيَ إليه ﷺ شيءٌ من القرآن في النَّوم أوْ لا، وقال: الأشبه أنَّ القرآن نزل كلُّه يقظةً، ووقع في مُرسَل عبد الله بن أبي بكر بن حزمٍ عند الدَّولابيِّ: ما يدلُّ على أنَّ الذي كان يراه ﵊ هو جبريل، ولفظه: أنَّه قال لخديجة بعد أن أقرأه جبريل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾: «أَرأَيْتَكِ الذي كنت أحدِّثك أنِّي رأيته في المنام هو جبريل استعلن»، وإنَّما ابتُدِئ ﵊ بالرُّؤيا؛ لئلَّا يفجأه الملك ويأتيه بصريح النُّبوَّة بغتةً، فلا تحتمل القوى البشريَّة، فبُدِئَ بأوائل خصال النُّبوَّة (ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلَاءُ) بالمدِّ، مصدرٌ بمعنى: الخَلْوة، أي: الاختلاء، وهو بالرَّفع نائبٌ عن الفاعل، وعبَّر بـ «حُبِّب» المبنيِّ لما لم يُسَمَّ فاعله؛ لعدم تحقُّق الباعث على
стр. 377
ذلك وإن كان كلٌّ من عند الله، أو تنبيهًا على أنَّه لم يكن من باعث البشر، وإنَّما حُبِّب إليه الخَلْوة؛ لأنَّ معها فراغ القلب، والانقطاع عن الخلق؛ ليجد الوحي منه متمكَّنًا؛ كما قِيَل:
فصادف قلبًا خاليًا فتمكَّنا
وفيه: تنبيهٌ على فضل العزلة لأنَّها تريح القلب من أشغال الدُّنيا، وتفرِّغه لله تعالى، فتنفجر منه ينابيع الحكمة، و «الخلوة»: أن يخلو عن غيره -بل وعن نفسه- بربِّه، وعند ذلك يصير خَلِيقًا بأن يكون قالبُه ممرًّا لواردات علوم الغيب، وقلبُه مَقَرًّا لها، وخَلْوته ﵊ إنَّما كانت لأجل التَّقرُّب، لا على أنَّ النُّبوَّة مُكتَسَبَةٌ.
(وَكَانَ) ﵊ (يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ) بكسر الحاء المُهملَة وتخفيف الرَّاء وبالمدِّ، وحكى الأَصيليُّ: فتحها والقصر، وعَزَاها في «القاموس» للقاضي عياضٍ، قال: وهي لُغَيَّةٌ، وهو مصروفٌ إن أُرِيد المكان، وممنوعٌ إن أُرِيدَ البُقْعَة، فهي أربعةٌ: التَّذكير والتَّأنيث، والمدُّ والقصر، وكذا حكم قُباء، وقد نظم بعضهم أحكامهما في بيتٍ، فقال
стр. 378
حِرَا وقُبَا ذكِّر وأنِّثْهما معًا … ومُدَّ أو اقصر واصرفن وامنع الصَّرفا
و «حراء»: جبلٌ بينه وبين مكَّة نحو ثلاثة أميالٍ، على يسار الذَّاهب إلى مِنًى، والغار نقبٌ (١) فيه (فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ) بالحاء المُهملَة وآخره مُثلَّثة، والضَّمير المنفصل عائدٌ إلى مصدر «يتحنَّث»، وهو من الأفعال التي معناها السَّلب، أي: اجتناب فاعلها لمصدرها؛ مثل: تأثَّم وتحوَّب؛ إذا اجتنب الإثم والحوب، أو هي بمعنى: يتحنَّف -بالفاء- أي: يتَّبع الحنيفيَّة دين إبراهيم، والفاء تُبدَل ثاءً (-وَهُوَ التَّعَبُّدُ- اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ) مع أيَّامهنَّ، واقتصر عليهنَّ للتَّغليب؛ لأنَّهنَّ أنسب للخلوة. ووصف اللَّيالي بذوات العدد لإرادة التَّقليل؛ كما في قوله تعالى: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] أو للكثرة لاحتياجها إلى العدد، وهو المناسب للمقام، وهذا التَّفسير للزُّهريِّ أدرجه في الخبر، كما جزم به الطِّيبيُّ. ورواية المصنِّف من طريق يونس عنه في «التَّفسير» تدلُّ على الإدراج [خ¦٤٩٥٣] و «اللَّيالي»: نُصِبَ على الظَّرفيَّة، متعلِّقٌ بقوله: «يتحنَّث» لا بالتَّعبُّد؛ لأنَّ التَّعبُّد لا يُشتَرط فيه اللَّيالي، بل مُطلَق (٢) التَّعبُّد. و «ذوات» نُصِبَ بالكسرة في صفة «الليالي»، وأُبهِم العدد لاختلافه بالنِّسبة إلى المُدَد التي يتخلَّلها مجيئه إلى أهله، وأقلُّ الخلوة ثلاثة أيَّامٍ. وتأمَّل ما للثَّلاثة في كلِّ مثلَّثٍ من التَّكفير والتَّطهير والتَّنوير، ثمَّ سبعة أيَّامٍ، ثمَّ شهرٍ؛ لما عند المؤلِّف و «مسلمٍ»: «جاورت بحراء شهرًا» [خ¦٤٩٢٢] وعند ابن إسحاق أنَّه شهر
стр. 379
رمضان، قال في «قوت الأحياء»: ولم يصحَّ عنه ﷺ أكثر منه، نعم؛ روى الأربعين سَوَّاربن مصعبٍ، وهو متروك الحديث، قاله الحاكم وغيره، وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢] فحجَّةٌ للشَّهر، والزِّيادة إتمامًا للثَّلاثين، حيث استاك أو أكل فيها كسجود السَّهو، فقوي تقييدها بالشَّهر وأنَّها سُنَّةٌ. نعم؛ الأربعون ثمرة (١) نتاج النُّطفة علقةً، فمضغةً، فصورةً، والدُّرُّ في صدفه، فإن قلت: أَمْرُ الغَارِ قبل الرِّسالة، فلا حكم له، أُجِيب: بأنَّه أوَّل ما بُدِئَ به ﵊ من الوحي الرُّؤيا الصَّالحة، ثمَّ حُبِّبَ إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حِرَاء (٢) كما رَّ، فدلَّ على أنَّ الخلوة حكمٌ مرتَّبٌ على الوحي؛ لأنَّ كلمة «ثمَّ» للتَّرتيب، وأيضًا لو لم تكن من الدِّين لنَهى عنها، بل هي ذريعةٌ لمجيء الحقِّ، وظهوره مُبارَكٌ عليه وعلى أمَّته تأسِّيًا، وسلامةٌ من المناكير وضررها، ولها شروطٌ مذكورةٌ في محلِّها من كتب القوم، فإن قلت: لِمَ خصَّ حِرَاءَ بالتَّعبُّد فيه دون غيره؟ قال ابن أبي جمرَة: لمزيد فضله على غيره؛ لأنَّه منزوٍ مجموعٌ لتحنُّثه، ويَنظر منه الكعبة المعظَّمة، والنَّظر إليها عبادةٌ، فكان له ﵊ فيه ثلاث عباداتٍ: الخلوة، والتَّحنُّث، والنَّظر إلى الكعبة، وعند ابن إسحاق: أنَّه كان يعتكف شهر رمضان، ولم يأتِ التَّصريح بصفة تعبُّده ﵊، فيحتمل أنَّ عائشة رضي الله تعالى عنها أطلقت على الخلوة بمُجرَّدها تعبُّدًا، فإنَّ الانعزال عن النَّاس -ولا سيَّما من كان على باطلٍ- من جملة العبادة، وقِيلَ: كان يتعبَّد بالتَّفكُّر (قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ) بفتح أوَّله وكسر الزَّاي، قِيلَ: أي: يحنُّ ويشتاق ويرجع (إِلَى أَهْلِهِ): عياله (وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ) برفع الدَّال في «اليونينيَّة» لأبوَي ذَرٍّ والوقت، عطفًا على «يتحنَّث» (٣)، أي: يتَّخذ
стр. 380
الزَّاد للخلوة أو التَّعبُّد (ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ) ﵂ (فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا) أي: لمثل اللَّيالي، وتخصيص خديجة بالذِّكر بعد أن عبَّر بالأهل يحتمل أنَّه تفسيرٌ بعد الإبهام، أو إشارةٌ إلى اختصاص التَّزوُّد بكونه من عندها دون غيرها، وفيه: أنَّ الانقطاع الدَّائم عن الأهل ليس من السُّنَّة؛ لأنَّه ﷺ لم ينقطع في الغار بالكليَّة، بل كان يرجع إلى أهله لضروراتهم، ثمَّ يخرج لتحنُّثه (حَتَّى جَاءَهُ) الأمر (الحَقُّ) وهو الوحي (وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ) جبريل يوم الاثنين لسبع عشْرة خلت من رمضان، وهو ابن أربعين سنةً، كما رواه ابن سعدٍ. وفاء: «فجاءه» تفسيريَّةٌ؛ كهي (١) في قوله تعالى: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] وتفصيليَّةٌ أيضًا؛ لأنَّ المجيءَ تفصيلٌ للمُجمَل الذي هو مجيء الحقِّ (فَقَالَ) له: (اقْرَأْ) يحتمل أن يكون هذا الأمر لمجرَّد التَّنبيه والتَّيقُّظ لما سيُلقَى إليه، وأن يكون على بابه من الطَّلب، فيستدلُّ به على تكليف ما لا يُطاق في الحال وإن قَُدَِرَ عليه بعد (قَالَ) ﵊ (٢)، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت: «قلت»: (مَا أَنَا بِقَارِئٍ) وفي روايةٍ «ما أُحْسِنُ أن أقرأ» فـ «ما»: نافيةٌ، واسمها: «أنا»، وخبرها: «بقارئٍ»، وضَعُف كونها استفهاميَّةً بدخول الباء في خبرها، وهي لا تدخل على «ما» الاستفهاميَّة، وأُجِيب: بأنَّها استفهاميَّةٌ؛ بدليل رواية أبي الأسود في «مغازيه» عن عروة أنَّه قال: «كيف أقرأ؟» وفي رواية
стр. 381
عبيد بن عمير عن ابن إسحاق: «ماذا أقرأ؟» وبأنَّ الأخفش جوَّز دخول «الباء» على الخبر المُثبَت، قال ابن مالكٍ في «بحسبك زيدٌ»: إنَّ «زيد» مبتدأٌ مؤخَّرٌ؛ لأنَّه معرفةٌ، و «حسبك»: خبرٌ مقدَّمٌ؛ لأنَّه نكرةٌ، و «الباء» زائدةٌ فيه، وفي مُرسَل عبيد بن عميرٍ: أنَّه ﵊ قال: «أتاني جبريل بنمطٍ من ديباجٍ فيه كتابٌ، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئٍ»، قال السُّهيليُّ: وقال بعض المفسِّرين: إنَّ قوله تعالى: ﴿الم. ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١ - ٢] إشارةٌ إلى الكتاب الذي جاء به جبريل ﵇ حين قال له: اقرأ (قَالَ) ﵊: (فَأَخَذَنِي) جبريل (فَغَطَّنِي) بالغين المُعجَمة ثُمَّ المُهملَة، أي: ضمَّني وعصرني، وعند الطَّبريِّ (١): «فغتَّني» بالمثنَّاة الفوقيَّة بدل الطَّاء؛ وهو: حبس النَّفس (حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ) بفتح الجيم ونصب الدَّال، أي: بلغ الغطُّ مني الجهد، أي: غاية وُسْعي، فهو مفعولٌ حُذِفَ فاعله، وفي «شرح المشكاة»: أنَّ المعنى على النَّصب أنَّ جبريل بلغ في الجهد غايته، وتعقَّبه التُّوربشتيُّ: بأنَّه يعود المعنى إلى أنَّ جبريل غطَّه حتَّى استفرغ قوَّته، وجهد جهده؛ بحيث لم تبقَ فيه بقيَّةٌ، قال: وهذا قولٌ غير سديدٍ، فإنَّ البنية البشريَّة لا تستدعي استنفاد القُوَّة المَلَكيَّة، لا سيَّما في مبدأ الأمر، وقد دلَّت القصَّة على أنَّه اشمأزَّ من ذلك وداخله الرُّعب، وحينئذٍ فمن رواه بالنَّصب فقد وهم، وأجاب الطِّيبيُّ: بأنَّ جبريل ﵊ في حال الغطِّ لم يكن على صورته الحقيقيَّة التي تجلَّى له بها عند سدرة المنتهى، فيكون استفراغ جهده بحسب الصُّورة التي تجلَّى له بها وغطَّه، وحينئذٍ فيضمحلُّ الاستبعاد. انتهى، ويُروَى: «الجُهْدُ» بالضَّمِّ والرَّفع، أي: بلغ منِّي الجهد مبلغه،
стр. 382
فهو فاعل «بلغ» (ثُمَّ أَرْسَلَنِي) أي: أطلقني (فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ) ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «فقلت»: (مَا أَنَا بِقَارِئٍ. فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ) بالفتح والنَّصب، وبالضَّمِّ والرَّفع كسابقه (ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ) وهذا الغطُّ ليفرِّغه عن النَّظر إلى أمر (١) الدُّنيا، ويقبل بكلِّيته إلى ما يُلقَى إليه، وكرَّره للمبالغة، واستدلَّ به على أنَّ المؤدِّب لا يضرب صبيًّا أكثر من ثلاث ضرباتٍ، وقِيلَ: الغطَّة الأولى؛ ليتخلَّى عن الدُّنيا، والثَّانية: ليتفرَّغ لما يُوحَى إليه، والثَّالثة: للمؤانسة، ولم يذكر الجهد هنا، نعم؛ هو ثابتٌ عنده في التَّفسير [خ¦٤٩٥٣]-كما سيأتي إن شاء الله تعالى- وعدَّ بعضهم هذا من خصائصه ﵊؛ إذ لم ينقل عن أحدٍ من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنَّه جرى له عند ابتداء الوحي إليه (٢) مثله (ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾) قال الطِّيبيُّ: هذا أمرٌ بإيجاد القراءة مُطلَقًا، وهو لا يختصُّ بمقروءٍ دون مقروءٍ، فقوله: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ حالٌ، أي: اقرأ مفتتحًا باسم ربِّك، أي: قل: بسم الله الرحمن الرحيم، وهذا يدلُّ على أنَّ البسملة مأمورٌ بها في ابتداء كلِّ قراءةٍ، وقوله: ﴿رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وصفٌ مناسبٌ مُشعِرٌ بعليَّة الحكم بالقراءة، والإطلاق في قوله: ﴿خَلَقَ﴾ أوَّلًا على منوال: يعطي ويمنع، وجعله توطئةً لقوله: (﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: ١ - ٣]) الزَّائد في الكرم على كلِّ كريمٍ، وفيه دليلٌ للجمهور أنَّه أوَّل ما نزل، وروى الحافظ أبو عمرٍو الدَّاني من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما: أوَّل شيءٍ نزل من القرآن خمسُ آياتٍ إلى: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ وفي «المرشد»: أوَّل ما نزل من القرآن هذه السُّورة في نمطٍ، فلمَّا بلغ جبريل هذا الموضع: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ طوى النَّمط، ومن ثمَّ قال القرَّاء: إنَّه وقفٌ تامٌّ، وقال: ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ فَجَمَعَ، ولم يقل: من علقةٍ؛ لأنَّ
стр. 383
الإنسان في معنى الجمع، وخَصَّ الإنسان بالذِّكر من بين ما يتناوله الخلق لشرفه.
(فَرَجَعَ بِهَا) أي: بالآيات (رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) إلى أهله حال كونه (يَرْجُفُ) -بضمِّ الجيم- يخفِق ويضطرب (فُؤَادُهُ) قلبه أو باطنه أو غشاؤه؛ لما فجأه من الأمر المخالف للعادة والمألوف، فنفر طبعه البشريُّ وهاله ذلك، ولم يتمكَّن من التأمُّل في تلك الحالة؛ لأنَّ النُّبوَّة لا تزيل طباع البشريَّة كلِّها (فَدَخَلَ) ﵊ (عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ) أمِّ المؤمنين (¬﵂¬) التي أَلِفَ تأنيسها له، فأعلمها بما وقع له (فَقَالَ) ﵊: (زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي) بكسر الميم مع التَّكرار مرَّتين، من التَّزميل؛ وهو: التَّلفيف، وقال ذلك لشدَّة ما لحقه من هول الأمر، والعادة جاريةٌ بسكون الرِّعدة بالتَّلفُّف (فَزَمَّلُوهُ) بفتح الميم (حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ) بفتح الرَّاء، أي: الفزع (فَقَالَ) ﵊ (لِخَدِيجَةَ) ﵂ (وَأَخْبَرَهَا الخَبَرَ) جملة حاليَّةٌ: (لَقَدْ) أي: والله لقد (خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي) الموت من شدَّة الرُّعب (١)، أو المرض، كما جزم به في «بهجة النُّفوس»، أو إنِّي لا أطيق حمل أعباء الوحي لما لقيته أوَّلًا عند لقاء الملَك، وليس معناه الشَّك في أنَّ ما أتى به من الله، وأكَّد بـ «اللَّام» و «قد» تنبيهًا على تمكُّن الخشية من قلبه المقدَّس، وخوفه على نفسه الشَّريفة (فَقَالَتْ) له ﵊ (خَدِيجَةُ) ﵂، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قالت» بإسقاط الفاء: (كَلَّا) نفيٌ وإبعادٌ، أي: لا تَقُلْ ذلك، أو لا خوف عليك (وَاللهِ؛ مَا يُخْزِيْكَ اللهُ أَبَدًا) بضمِّ المثنَّاة التَّحتيَّة وبالخاء المعجمة السَّاكنة والزَّاي المكسورة وبالمثنَّاة التَّحتيَّة السَّاكنة، من الخزي أي: ما يفضحك الله، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «ما يَحْزُنك الله» بفتح أوَّله وبالحاء المُهملَة السَّاكنة والزَّاي المضمومة، أو بضمِّ أوَّله مع كسر الزَّاي وبالنُّون، من الحزن، يُقال: حزنه وأحزنه (إِنَّكَ) بكسر الهمزة؛
стр. 384
لوقوعها في الابتداء، قال العلَّامة البدر الدَّمامينيُّ: وفُصِلَت هذه الجملة عن الأولى؛ لكونها جوابًا عن سؤالٍ اقتضته، وهو سؤالٌ عن سببٍ خاصٍّ، فَحَسُنَ التَّأكيد؛ وذلك أنَّها لمَّا أثبتت القول بانتفاء الخزي عنه وأقسمت عليه انطوى ذلك على اعتقادها أنَّ ذلك لسببٍ عظيمٍ، فيُقدَّر السُّؤال عن خصوصه، حتَّى كأنَّه قِيلَ: هل سبب ذلك هو الاتّصاف بمكارم الأخلاق ومحاسن الأوصاف كما يشير إليه كلامك؟ فقالت: إنَّك (لَتَصِلُ الرَّحِمَ) أي: القرابة (وَتَحْمِلُ الكَلَّ) بفتح الكاف وتشديد اللَّام، وهو الذي لا يستقلُّ بأمره، أو الثِّقْل؛ بكسر المُثلَّثة وإسكان القاف (وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة، أي: تعطي النَّاس ما لا يجدونه عند غيرك. و «كَسَبَ» يتعدَّى بنفسه إلى واحدٍ؛ نحو: كسبت المال، وإلى اثنين؛ نحو: كسبت غيري المال، وهذا منه، ولابن عساكر وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وتُكسِب» بضمِّ أوَّله من «أَكْسَب» أي: تُكْسِب غيرك المال المعدوم، أي: تتبرَّع له به، فحذف الموصوف وأقام الصِّفة مقامه، أو تعطي النَّاس ما لا يجدونه عند غيرك من نفائس الفوائد ومكارم الأخلاق، أو: تكسب المال وتصيب منه ما يعجز غيرك عن تحصيله، ثمَّ تجود به وتنفقه في وجوه المكارم. والرِّواية الأولى أصحُّ، كما قاله عيَّاضٌ، وعلى الرِّواية الثَّانية قال الخطَّابيُّ: الصَّواب: المُعدَم؛ بلا واوٍ، أي: الفقير؛ لأنَّ المعدوم لا يكسب، وأُجِيب: بأنَّه لا يمتنع أن يُطلَق على المُعدَم المعدومُ؛ لكونه كالمعدوم الميت الذي لا تصرُّف له، وفي «تهذيب الأزهريِّ» عن ابن الأعرابيِّ: رجلٌ عديمٌ: لا عقل له، ومعدومٌ: لا مال له، قال في «المصابيح»: كأنَّهم نزَّلوا وجود من لا مال له مَنْزلةَ العَدَم (وَتَقْرِي الضَّيْفَ) بفتح أوَّله بلا همزٍ ثلاثيًّا، قال الأُبِّيُّ: وسُمِعَ بضمِّها رباعيًّا، أي: تهيِّئ له طعامه ونُزُلَه (وَتُعِينُ عَلَى نَوَايبِ (١) الحَقِّ) أي: حوادثه، وإنَّما
стр. 385
قالت: على نوائب الحقِّ؛ لأنَّها تكون في الحقِّ والباطل، قال لبيد:
نوائبُ من خيرٍ وشرٍّ كلاهما … فلا الخير ممدودٌ ولا الشَّرُّ لازبُ
ولذلك أضافتها إلى «الحقِّ»، وفيه إشارةٌ إلى فضل خديجة وجزالة رأيها، وهذه الخصلة جامعةٌ لأفراد ما سبق وغيره، وإنَّما أجابته بكلامٍ فيه قَسَمٌ وتأكيدٌ بإنَّ واللَّام لتزيل حيرته ودهشته، واستدلَّت على ما أقسمت عليه بأمرٍ استقرائيٍّ جامعٍ لأصول مكارم الأخلاق. وفيه دليلٌ على أنَّ مَنْ طُبِعَ على أفعال الخير لا يصيبه ضيرٌ.
(فَانْطَلَقَتْ) أي: مضت (بِهِ خَدِيجَةُ) ﵂ مصاحبةً له؛ لأنَّها تلزم الفعل اللَّازم المعدَّى بالباء، بخلاف المعدَّى بالهمزة كأذهبته (حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ) بنصب «ابن» الأخير بدلًا من «ورقة» أو صفةً، ولا يجوز جرُّه؛ لأنَّه يصير صفةً لـ «عبد العزَّى»، وليس كذلك، ويُكتَب بالألف ولا تُحذَف؛ لأنَّه لم يقع بين علمين، وراء «ورَقة» مفتوحةٌ، وتجتمع معه خديجة في أسدٍ؛ لأنَّها بنت خويلد بن أسدٍ (وَكَانَ) ورقة (امْرًَأ قد) ترك عبادة الأوثان و (تَنَصَّرَ) وللأربعة «وكان امرأً تنصَّر» (فِي الجَاهِلِيَّةِ) بإسقاط: «قد»، وذلك أنَّه خرج هو
стр. 386
وزيدُ بن عمرو بن نُفَيلٍ لمَّا كرها طريق الجاهليَّة إلى الشَّام وغيرها يسألون عن الدِّين، فأعجب ورقة النَّصرانية؛ لِلُقِيِّه من لم يبدِّل شريعة عيسى ﵊ (وَكَانَ) ورقة أيضًا (يَكْتُبُ الكِتَابَ العِبْرَانِيَّ) أي: الكتابة العبرانيَّة، وفي «مسلمٍ» كـ «البخاريِّ» في «الرُّؤيا»: الكتاب العربيَّ [خ¦٦٩٨٢] وصحَّحه الزَّركشيُّ باتِّفاقهما (فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ) أي: الذي شاء الله كتابته، فحذف العائد، والعِبرانيَّة؛ بكسر العين فيهما: نسبةً إلى العِبْر؛ بكسر العين وإسكان الموحَّدة، زيدت الألف والنُّون في النِّسبة على غير قياسٍ، قِيلَ: سُمِّيت بذلك لأنَّ الخليل ﵇ تكلَّم بها لمَّا عبر الفرات فارًّا من نمروذ (١)، وِقيلَ: إنَّ التَّوراة عبرانيَّةٌ، والإنجيل سريانيٌّ، وعن سفيان: ما نزل من السَّماء وحيٌ إلَّا بالعربيَّة، وكانت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تترجمه لقومها، و «الباء» في: «بالعبرانيَّة» تتعلَّق بقوله: «فيكتب» أي: فيكتب (٢) باللُّغة العبرانيَّة من الإنجيل؛ وذلك لتمكُّنه في دين النَّصارى ومعرفته بكتابهم (وَكَانَ) ورقة (شَيْخًا كَبِيرًا) حال كونه (قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ) رضي الله تعالى عنها: (يَا بْنَ عَمِّ، اسْمَعْ)
стр. 387
بهمزة وصلٍ (مِنَ ابْنِ أَخِيكَ) تعني: النَّبيَّ ﷺ ؛ لأنَّ الأب الثَّالث لورقة هو الأخ للأب الرَّابع لرسول الله ﷺ ، أو قالته على سبيل الاحترام (فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا بْنَ أَخِي؛ مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَبَرَ مَا) وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ «بخبر ما» (رَأَى. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ) بالنُّون والسِّين المُهملَة، وهو صاحب السرِّ؛ كما عند المؤلِّف في «أحاديث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام» [خ¦٦٠/ ٢٢ - ٥٢٠٨] وقال ابن دريدٍ: هو صاحب سرِّ الوحي، والمُرَاد به: جبريل ﵊، وأهل الكتاب يسمُّونه النَّاموس الأكبر (الَّذِي نَزَّلَ اللهُ عَلَى مُوسَى) زاد الأَصيليُّ: « ﷺ »، و «نزَّل» بحذف الهمزة يُستعمَل فيما نزل نجومًا، وللكُشْمِيهَنِيِّ: «أنزل الله تعالى» ويُستَعمَل فيما نزل جملةً، وفي «التَّفسير» [خ¦٤٩٥٣]: «أُنزِل» مبنيًّا للمفعول، فإن قلت: لِمَ قال: موسى؟ ولم يَقُلْ: عيسى، مع كونه -أي: ورقة- نصرانيًّا؟ أجيب: بأنَّ كتاب موسى مشتملٌ على أكثر الأحكام، وكذلك كتاب نبيِّنا ﵊، بخلاف كتاب عيسى؛ فإنَّ كتابه أمثالٌ ومواعظُ، أو قاله تحقيقًا للرِّسالة؛ لأنَّ نزول جبريل على موسى متَّفَقٌ عليه عند أهل الكتابين بخلاف عيسى، فإنَّ كثيرًا من اليهود ينكرون نبوَّته، وفي رواية الزُّبير بن بكَّارٍ بلفظ: «عيسى» (يَا لَيْتَنِي فِيهَا) أي: في مدَّة النُّبوَّة أو الدَّعوة، وجعل أبو البقاء المُنادَى محذوفًا، أي: يا محمَّد. وتُعقِّب: بأنَّ قائلَ «ليتني» قد يكون وحده، فلا يكون معه مُنادَى، كقول مريم: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ﴾ [مريم: ٢٣] وأجيب: بأنَّه قد يجوز أن يجرِّد من نفسه نفسًا فيخاطبها، كأنَّ مريم قالت: يا نفسي ليتني متُّ، وتقديره هنا: ليتني أكون في أيَّام الدَّعوة (جَذَعًا) بفتح الجيم
стр. 388
والمُعجَمة وبالنَّصب خبر «كان» مقدَّرة عند الكوفيِّين، أو على الحال من الضَّمير المستكن في خبر «ليت»، وخبر «ليت» قوله: «فيها» أي: ليتني كائنٌ فيها حال الشَّبيبة والقوَّة لأنصرنَّك، أو على أنَّ «ليت» تنصب الجزأين، أو بفعلٍ محذوفٍ، أي: جُعِلتُ فيها جذعًا، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي: «جذعٌ» بالرَّفع خبر «ليت»، وحينئذٍ فالجارُّ يتعلَّق بما فيه من معنى الفعل، كأنَّه قال: يا ليتني شابٌّ فيها، والرِّواية الأولى أكثر وأشهر، والجذع: هو الصَّغير من البهائم، واستُعير للإنسان، أي: يا ليتني كنت شابًّا عند ظهور نبوَّتك حتَّى أقوى على المُبالَغة في نصرتك (لَيْتَنِي) وللأَصيليِّ: «يا ليتني» (أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ) من مكَّة، واستعمل «إذ» في المُستقبَل كـ «إذا» على حدِّ: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [مريم: ٣٩]. قال ابن مالكٍ: وهو صحيحٌ (١)، وتعقَّبه البلقينيُّ: بأنَّ النُّحاة منعوا ورودُّه، وأوَّلوا ما ظاهره ذلك، فقالوا في مثل هذا: استعمل الصِّيغة الدَّالة على المضيِّ لتحقُّق وقوعه، فأنزلوه منزلته. ويقوِّي ذلك هنا أنَّ في رواية البخاريِّ في «التَّعبير»: «حين يخرجك قومك» [خ¦٦٩٨٢] وهو على سبيل المجاز كالأوَّل. وعُورِض: بأنَّ المؤوِّلين ليسوا (٢) النَّحويين، بل البيانيُّون، وبأنَّه كيف يمنع وروده مع وجوده في أفصح الكلام؟ وأُجِيب: بأنَّه لعلَّه أراد بمنع الورود ورودًا محمولًا على حقيقة الحال، لا على تأويل الاستقبال، فإن قلت: كيف تمنَّى ورقة مستحيلًا، وهو عود الشَّباب؟ أُجِيب: بأنَّه يسوغ تمنِّي المستحيل (٣) إذا كان في فعل خيرٍ، أو بأنَّ التَّمنِّي ليس مقصودًا على بابه، بل المُرَاد به: التَّنبيه على صحَّة ما أخبره به، والتَّنويه بقوَّة تصديقه فيما يجيء به، أو قاله على سبيل التَّحسُّر؛ لتحقُّقه عدم عَود الشَّباب.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَوَ) بفتح الواو (مُخْرِجِيَّ هُمْ؟!) بتشديد الياء مفتوحةً؛ لأنَّ أصله: مخرجوني، جمع: مُخرجٍ من الإخراج، فحُذِفت نون الجمع للإضافة إلى ياء المتكلِّم، فاجتمعت ياء المتكلم وواو علامة الرَّفع وسُبِقت إحداهما بالسُّكون فأُبدِلت الواوُ ياءً وأُدغِمت، ثمَّ أُبدِلت الضَّمة التي كانت سابقة الواو كسرةً وفُتِحَت ياء «مخرجيَّ» تخفيفًا، و «هم»: مبتدأٌ خبره: «مخرجيَّ» مقدَّمًا، ولا يجوز العكس؛ لأنَّه يلزم منه الإخبار بالمعرفة
стр. 389
عن النَّكرة؛ لأنَّ إضافة «مخرجيَّ» غير محضةٍ لأنَّها لفظيَّةٌ لأنَّه اسم فاعلٍ بمعنى: الاستقبال، والهمزة للاستفهام الإنكاريِّ؛ لأنَّه اَسْتَبعد إخراجه من الوطن -لا سيَّما حَرَمُ الله وبلد أبيه إسماعيل- من غير سببٍ يقتضي ذلك، فإنه ﷺ كان جامعًا لأنواع المحاسن المقتضية لإكرامه، وإنزاله منهم محلَّ الرُّوح من الجسد، فإن قلت: الأصل أن يُجاء بالهمزة بعد العاطف؛ نحو: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: ٩٥] و ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦] وحينئذٍ ينبغي أن يقول هنا: وأمخرجيَّ؟! لأنَّ العاطف لا يتقدَّم عليه جزءٌ ممَّا عطف. أُجِيب: بأنَّ الهمزة خُصَّت بتقديمها على العاطف؛ تنبيهًا على أصالتها في أدوات الاستفهام، وهو له الصَّدر؛ نحو: ﴿وَلَمْ يَنظُرُوا﴾ [الأعراف: ١٨٥]؟! ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ﴾ [يوسف: ١٠٩]؟! هذا مذهب سيبويه والجمهور. وقال جار الله وجماعةٌ: إنَّ الهمزة في محلِّها الأصليِّ، وإنَّ العطف على جملةٍ مقدَّرةٍ بينها وبين العاطف، والتَّقدير: أمعاديَّ هم ومخرجيَّ هم؟! وإذا دعت الحاجة لمثل هذا التَّقدير؛ فلا يُستنكَر، فإن قُلْتَ: كيف عطف قوله: «أو مخرجيَّ هم؟!» -وهو إنشاءٌ- على قول ورقة: «إذ يخرجك قومك» وهو خبرٌ، وعطف الإنشاء على الخبر لا يجوز، وأيضًا فهو عطف جملةٍ على جملةٍ، والمتكلِّم مختلفٌ؟ أُجِيب: بأنَّ القول بأنَّ عطف الإنشاء على الخبر لا يجوز إنَّما هو رأي أهل البيان، والأصحُّ عند أهل العربيَّة جوازه، وأمَّا أهل البيان فيقدِّرون في مثل ذلك جملةً بين الهمزة والواو، وهي المعطوف عليها، فالتَّركيب سائغٌ عند الفريقين، أمَّا المجوِّزون لعطف الإنشاء على الخبر فواضحٌ، وأمَّا المانعون فعلى التَّقدير المذكور. وقال بعضهم: يصحُّ أن تكون جملة الاستفهام معطوفةً على جملة التَّمنِّي في قوله: «ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك» بل هذا هو الظَّاهر، فيكون المعطوف عليه أوَّل الجملة لا آخرها الذي هو ظرفٌ متعلِّقٌ بها، والتَّمنِّي إنشاءٌ، فهو من عطف الإنشاء على الإنشاء، وأمَّا العطف على جملةٍ في كلام الغير فسائغٌ معروفٌ في القرآن العظيم والكلام الفصيح، قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى
стр. 390
إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤].
(قَالَ) ورقة: (نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ) من الوحي (إِلَّا عُودِيَ) لأنَّ الإخراج عن المألوف موجبٌ لذلك (وَإِنْ يُدْرِكْنِي) بالجزم بـ «إن» الشَّرطيَّة (يَوْمُكَ) بالرَّفع فاعل «يدركني» أي: يوم انتشار نبوَّتك (أَنْصُرْكَ) بالجزم جواب الشَّرط (نَصْرًا) بالنَّصب على المصدريَّة (مُؤَزَّرًا) بضمِّ الميم وفتح الزَّاي المشدَّدة آخره راءٌ مهملَةٌ مهموزًا، أي: قويًّا بليغًا، وهو صفةٌ لـ «نصرًا»، ولمَّا كان ورقة سابقًا واليوم متأخِّرًا أسند الإدراك لليوم؛ لأنَّ المتأخِّر هو الذي يدرك السَّابق، وهذا ظاهره أنَّه أقرَّ بنبوَّته، ولكنَّه مات قبل الدَّعوة إلى الإسلام، فيكون مثل بحيرا، وفي إثبات الصُّحبة له نظرٌ، لكن في «زيادات المغازي» من رواية يونس بن بُكيرٍ، عن ابن إسحاق: «فقال له ورقة: أبشر، ثمَّ أبشر، فأنا أشهد أنَّك الذي بشَّر به (١) ابن مريم، وأنَّك على مثل ناموس موسى، وأنَّك نبيٌّ مُرسَلٌ … » الحديث. وفي آخره: «فلمَّا تُوفِّي قال رسول الله ﷺ : لقد رأيت القسَّ في الجنَّة عليه ثيابُ الحرير؛ لأنَّه آمن بي وصدَّقني». وأخرجه البيهقيُّ من هذا الوجه في «الدَّلائل» وقال: إنَّه منقطعٌ، ومال البلقينيُّ إلى أنَّه يكون بذلك أوَّل من أسلم من الرِّجال، وبه قال العراقيُّ في «نكته على ابن الصَّلاح»، وذكره ابن منده في «الصَّحابة».
(ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة والمُعجَمة، أي: لم يلبث (وَرَقَةُ) -بالرَّفع- فاعل