← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وزيدُ بن عمرو بن نُفَيلٍ لمَّا كرها طريق الجاهليَّة إلى الشَّام وغيرها يسألون عن الدِّين، فأعجب ورقة النَّصرانية؛ لِلُقِيِّه من لم يبدِّل شريعة عيسى ﵊ (وَكَانَ) ورقة أيضًا (يَكْتُبُ الكِتَابَ العِبْرَانِيَّ) أي: الكتابة العبرانيَّة، وفي «مسلمٍ» كـ «البخاريِّ» في «الرُّؤيا»: الكتاب العربيَّ [خ¦٦٩٨٢] وصحَّحه الزَّركشيُّ باتِّفاقهما (فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ) أي: الذي شاء الله كتابته، فحذف العائد، والعِبرانيَّة؛ بكسر العين فيهما: نسبةً إلى العِبْر؛ بكسر العين وإسكان الموحَّدة، زيدت الألف والنُّون في النِّسبة على غير قياسٍ، قِيلَ: سُمِّيت بذلك لأنَّ الخليل ﵇ تكلَّم بها لمَّا عبر الفرات فارًّا من نمروذ (١)، وِقيلَ: إنَّ التَّوراة عبرانيَّةٌ، والإنجيل سريانيٌّ، وعن سفيان: ما نزل من السَّماء وحيٌ إلَّا بالعربيَّة، وكانت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تترجمه لقومها، و «الباء» في: «بالعبرانيَّة» تتعلَّق بقوله: «فيكتب» أي: فيكتب (٢) باللُّغة العبرانيَّة من الإنجيل؛ وذلك لتمكُّنه في دين النَّصارى ومعرفته بكتابهم (وَكَانَ) ورقة (شَيْخًا كَبِيرًا) حال كونه (قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ) رضي الله تعالى عنها: (يَا بْنَ عَمِّ، اسْمَعْ)

стр. 387

بهمزة وصلٍ (مِنَ ابْنِ أَخِيكَ) تعني: النَّبيَّ ﷺ ؛ لأنَّ الأب الثَّالث لورقة هو الأخ للأب الرَّابع لرسول الله ﷺ ، أو قالته على سبيل الاحترام (فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا بْنَ أَخِي؛ مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَبَرَ مَا) وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ «بخبر ما» (رَأَى. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ) بالنُّون والسِّين المُهملَة، وهو صاحب السرِّ؛ كما عند المؤلِّف في «أحاديث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام» [خ¦٦٠/ ٢٢ - ٥٢٠٨] وقال ابن دريدٍ: هو صاحب سرِّ الوحي، والمُرَاد به: جبريل ﵊، وأهل الكتاب يسمُّونه النَّاموس الأكبر (الَّذِي نَزَّلَ اللهُ عَلَى مُوسَى) زاد الأَصيليُّ: « ﷺ »، و «نزَّل» بحذف الهمزة يُستعمَل فيما نزل نجومًا، وللكُشْمِيهَنِيِّ: «أنزل الله تعالى» ويُستَعمَل فيما نزل جملةً، وفي «التَّفسير» [خ¦٤٩٥٣]: «أُنزِل» مبنيًّا للمفعول، فإن قلت: لِمَ قال: موسى؟ ولم يَقُلْ: عيسى، مع كونه -أي: ورقة- نصرانيًّا؟ أجيب: بأنَّ كتاب موسى مشتملٌ على أكثر الأحكام، وكذلك كتاب نبيِّنا ﵊، بخلاف كتاب عيسى؛ فإنَّ كتابه أمثالٌ ومواعظُ، أو قاله تحقيقًا للرِّسالة؛ لأنَّ نزول جبريل على موسى متَّفَقٌ عليه عند أهل الكتابين بخلاف عيسى، فإنَّ كثيرًا من اليهود ينكرون نبوَّته، وفي رواية الزُّبير بن بكَّارٍ بلفظ: «عيسى» (يَا لَيْتَنِي فِيهَا) أي: في مدَّة النُّبوَّة أو الدَّعوة، وجعل أبو البقاء المُنادَى محذوفًا، أي: يا محمَّد. وتُعقِّب: بأنَّ قائلَ «ليتني» قد يكون وحده، فلا يكون معه مُنادَى، كقول مريم: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ﴾ [مريم: ٢٣] وأجيب: بأنَّه قد يجوز أن يجرِّد من نفسه نفسًا فيخاطبها، كأنَّ مريم قالت: يا نفسي ليتني متُّ، وتقديره هنا: ليتني أكون في أيَّام الدَّعوة (جَذَعًا) بفتح الجيم

стр. 388

والمُعجَمة وبالنَّصب خبر «كان» مقدَّرة عند الكوفيِّين، أو على الحال من الضَّمير المستكن في خبر «ليت»، وخبر «ليت» قوله: «فيها» أي: ليتني كائنٌ فيها حال الشَّبيبة والقوَّة لأنصرنَّك، أو على أنَّ «ليت» تنصب الجزأين، أو بفعلٍ محذوفٍ، أي: جُعِلتُ فيها جذعًا، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي: «جذعٌ» بالرَّفع خبر «ليت»، وحينئذٍ فالجارُّ يتعلَّق بما فيه من معنى الفعل، كأنَّه قال: يا ليتني شابٌّ فيها، والرِّواية الأولى أكثر وأشهر، والجذع: هو الصَّغير من البهائم، واستُعير للإنسان، أي: يا ليتني كنت شابًّا عند ظهور نبوَّتك حتَّى أقوى على المُبالَغة في نصرتك (لَيْتَنِي) وللأَصيليِّ: «يا ليتني» (أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ) من مكَّة، واستعمل «إذ» في المُستقبَل كـ «إذا» على حدِّ: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [مريم: ٣٩]. قال ابن مالكٍ: وهو صحيحٌ (١)، وتعقَّبه البلقينيُّ: بأنَّ النُّحاة منعوا ورودُّه، وأوَّلوا ما ظاهره ذلك، فقالوا في مثل هذا: استعمل الصِّيغة الدَّالة على المضيِّ لتحقُّق وقوعه، فأنزلوه منزلته. ويقوِّي ذلك هنا أنَّ في رواية البخاريِّ في «التَّعبير»: «حين يخرجك قومك» [خ¦٦٩٨٢] وهو على سبيل المجاز كالأوَّل. وعُورِض: بأنَّ المؤوِّلين ليسوا (٢) النَّحويين، بل البيانيُّون، وبأنَّه كيف يمنع وروده مع وجوده في أفصح الكلام؟ وأُجِيب: بأنَّه لعلَّه أراد بمنع الورود ورودًا محمولًا على حقيقة الحال، لا على تأويل الاستقبال، فإن قلت: كيف تمنَّى ورقة مستحيلًا، وهو عود الشَّباب؟ أُجِيب: بأنَّه يسوغ تمنِّي المستحيل (٣) إذا كان في فعل خيرٍ، أو بأنَّ التَّمنِّي ليس مقصودًا على بابه، بل المُرَاد به: التَّنبيه على صحَّة ما أخبره به، والتَّنويه بقوَّة تصديقه فيما يجيء به، أو قاله على سبيل التَّحسُّر؛ لتحقُّقه عدم عَود الشَّباب. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَوَ) بفتح الواو (مُخْرِجِيَّ هُمْ؟!) بتشديد الياء مفتوحةً؛ لأنَّ أصله: مخرجوني، جمع: مُخرجٍ من الإخراج، فحُذِفت نون الجمع للإضافة إلى ياء المتكلِّم، فاجتمعت ياء المتكلم وواو علامة الرَّفع وسُبِقت إحداهما بالسُّكون فأُبدِلت الواوُ ياءً وأُدغِمت، ثمَّ أُبدِلت الضَّمة التي كانت سابقة الواو كسرةً وفُتِحَت ياء «مخرجيَّ» تخفيفًا، و «هم»: مبتدأٌ خبره: «مخرجيَّ» مقدَّمًا، ولا يجوز العكس؛ لأنَّه يلزم منه الإخبار بالمعرفة

стр. 389

عن النَّكرة؛ لأنَّ إضافة «مخرجيَّ» غير محضةٍ لأنَّها لفظيَّةٌ لأنَّه اسم فاعلٍ بمعنى: الاستقبال، والهمزة للاستفهام الإنكاريِّ؛ لأنَّه اَسْتَبعد إخراجه من الوطن -لا سيَّما حَرَمُ الله وبلد أبيه إسماعيل- من غير سببٍ يقتضي ذلك، فإنه ﷺ كان جامعًا لأنواع المحاسن المقتضية لإكرامه، وإنزاله منهم محلَّ الرُّوح من الجسد، فإن قلت: الأصل أن يُجاء بالهمزة بعد العاطف؛ نحو: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: ٩٥] و ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦] وحينئذٍ ينبغي أن يقول هنا: وأمخرجيَّ؟! لأنَّ العاطف لا يتقدَّم عليه جزءٌ ممَّا عطف. أُجِيب: بأنَّ الهمزة خُصَّت بتقديمها على العاطف؛ تنبيهًا على أصالتها في أدوات الاستفهام، وهو له الصَّدر؛ نحو: ﴿وَلَمْ يَنظُرُوا﴾ [الأعراف: ١٨٥]؟! ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ﴾ [يوسف: ١٠٩]؟! هذا مذهب سيبويه والجمهور. وقال جار الله وجماعةٌ: إنَّ الهمزة في محلِّها الأصليِّ، وإنَّ العطف على جملةٍ مقدَّرةٍ بينها وبين العاطف، والتَّقدير: أمعاديَّ هم ومخرجيَّ هم؟! وإذا دعت الحاجة لمثل هذا التَّقدير؛ فلا يُستنكَر، فإن قُلْتَ: كيف عطف قوله: «أو مخرجيَّ هم؟!» -وهو إنشاءٌ- على قول ورقة: «إذ يخرجك قومك» وهو خبرٌ، وعطف الإنشاء على الخبر لا يجوز، وأيضًا فهو عطف جملةٍ على جملةٍ، والمتكلِّم مختلفٌ؟ أُجِيب: بأنَّ القول بأنَّ عطف الإنشاء على الخبر لا يجوز إنَّما هو رأي أهل البيان، والأصحُّ عند أهل العربيَّة جوازه، وأمَّا أهل البيان فيقدِّرون في مثل ذلك جملةً بين الهمزة والواو، وهي المعطوف عليها، فالتَّركيب سائغٌ عند الفريقين، أمَّا المجوِّزون لعطف الإنشاء على الخبر فواضحٌ، وأمَّا المانعون فعلى التَّقدير المذكور. وقال بعضهم: يصحُّ أن تكون جملة الاستفهام معطوفةً على جملة التَّمنِّي في قوله: «ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك» بل هذا هو الظَّاهر، فيكون المعطوف عليه أوَّل الجملة لا آخرها الذي هو ظرفٌ متعلِّقٌ بها، والتَّمنِّي إنشاءٌ، فهو من عطف الإنشاء على الإنشاء، وأمَّا العطف على جملةٍ في كلام الغير فسائغٌ معروفٌ في القرآن العظيم والكلام الفصيح، قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى

стр. 390

إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤]. (قَالَ) ورقة: (نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ) من الوحي (إِلَّا عُودِيَ) لأنَّ الإخراج عن المألوف موجبٌ لذلك (وَإِنْ يُدْرِكْنِي) بالجزم بـ «إن» الشَّرطيَّة (يَوْمُكَ) بالرَّفع فاعل «يدركني» أي: يوم انتشار نبوَّتك (أَنْصُرْكَ) بالجزم جواب الشَّرط (نَصْرًا) بالنَّصب على المصدريَّة (مُؤَزَّرًا) بضمِّ الميم وفتح الزَّاي المشدَّدة آخره راءٌ مهملَةٌ مهموزًا، أي: قويًّا بليغًا، وهو صفةٌ لـ «نصرًا»، ولمَّا كان ورقة سابقًا واليوم متأخِّرًا أسند الإدراك لليوم؛ لأنَّ المتأخِّر هو الذي يدرك السَّابق، وهذا ظاهره أنَّه أقرَّ بنبوَّته، ولكنَّه مات قبل الدَّعوة إلى الإسلام، فيكون مثل بحيرا، وفي إثبات الصُّحبة له نظرٌ، لكن في «زيادات المغازي» من رواية يونس بن بُكيرٍ، عن ابن إسحاق: «فقال له ورقة: أبشر، ثمَّ أبشر، فأنا أشهد أنَّك الذي بشَّر به (١) ابن مريم، وأنَّك على مثل ناموس موسى، وأنَّك نبيٌّ مُرسَلٌ … » الحديث. وفي آخره: «فلمَّا تُوفِّي قال رسول الله ﷺ : لقد رأيت القسَّ في الجنَّة عليه ثيابُ الحرير؛ لأنَّه آمن بي وصدَّقني». وأخرجه البيهقيُّ من هذا الوجه في «الدَّلائل» وقال: إنَّه منقطعٌ، ومال البلقينيُّ إلى أنَّه يكون بذلك أوَّل من أسلم من الرِّجال، وبه قال العراقيُّ في «نكته على ابن الصَّلاح»، وذكره ابن منده في «الصَّحابة». (ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة والمُعجَمة، أي: لم يلبث (وَرَقَةُ) -بالرَّفع- فاعل

стр. 391

«ينشب» (أَنْ تُوُفِّي) بفتح الهمزة وتخفيف النُّون، وهو بدل اشتمالٍ من «ورقة» أي: لم تتأخَّر وفاته عن هذه القصَّة، واختلف في وقت موت ورقة، فقال الواقديُّ: إنَّه خرج إلى الشَّأم، فلمَّا بلغه أنَّ النَّبيَّ ﷺ أُمِرَ بالقتال بعد الهجرة أقبل يريده، حتَّى إذا كان ببلاد لخمٍ وجذام قتلوه وأخذوا ما معه، وهذا غلطٌ بيِّن؛ فإنَّه مات بمكَّة بعد المبعث (١) بقليلٍ جدًا، ودُفِنَ بمكَّة؛ كما نقله البَلاذُرِيُّ وغيره، ويعضده قوله هنا، وكذا في «مسلمٍ»: ثمَّ لم ينشب (٢) ورقة أن تُوفِّي (وَفَتَرَ الوَحْيُ) أي: احتبس ثلاث سنين؛ كما في «تاريخ أحمد»، وجزم به ابن إسحاق، وفي بعض الأحاديث: أنَّه قدر سنتين ونصف، وزاد معمر عن الزُّهريِّ في «التَّعبير»: حتَّى حزن رسول الله ﷺ -فيما بلغنا- حزنًا غدا (٣) منه مرارًا كي يتردَّى من رؤوس شواهق الجبال [خ¦٦٩٨٢]، ويأتي إن شاء الله تعالى ما في الكلام على ذلك من جهة الإسناد والمتن والمعنى في سورة «اقرأ» من «التَّفسير» [خ¦٤٩٥٣] فإن قلت: إنَّ قوله: «ثمَّ لم ينشب ورقة أن تُوفِّي» مُعارَضٌ بما عند ابن إسحاق في «السِّيرة»: أنَّ ورقة كان يمرُّ ببلال وهو يُعذَّب لمَّا أسلم، فإنَّه يقتضي تأخُّره إلى (٤) زمن الدَّعوة، ودخول بعض النَّاس في الإسلام. أُجِيب: بأنَّا لا نسلِّم المُعارَضة؛ لأنَّ شرطها المُساوَاة، وما روي في «السِّيرة» لا يقاوم (٥) ما في «الصَّحيح» ولئن سلَّمنا فلعلَّ راوي

стр. 392

ما في «الصَّحيح» لم يَحْفظ لورقة بعد ذلك شيئًا، ومن ثمَّ جعل هذه القصَّة انتهاءَ أَمْره بالنِّسبة إلى ما عَلِمَه منه (١)، لا بالنِّسبة إلى ما في نفس الأمر، وحينئذٍ: فتكون الواو في قوله: «وفتر الوحي» ليست للتَّرتيب. ورواة هذا الحديث ما بين مصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه تابعيٌّ عن تابعي، وأخرجه المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٩٥٣] و «التَّعبير» [خ¦٦٩٨٢] و «الإيمان» [خ¦٤]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير». (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ: أخبرني عروة بكذا (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بفتحتين، واسمه: عبد الله (بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ، المُتوفَّى بالمدينة سنة أربعٍ وتسعين، وأتى المؤلِّف بواو العطف لغرض بيان الإخبار عن عروة وأبي سلمة، وإلَّا فمقول القول لا يكون بالواو، وحينئذٍ فليس هذا من التَّعاليق، ولو كانت صورته صورته، خلافًا للكِرمانيِّ؛ حيث أثبته منها، وقد خطَّأه في «الفتح» (أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) بن عمرٍو (الأَنْصَارِيَّ) الخزرجيَّ، المتوفَّى بعد أن عَمِيَ سنة ثمانٍ أو أربعٍ أو ثلاثٍ أو تسعٍ وسبعين، وهو آخر الصَّحابة موتًا بالمدينة، وله في «البخاريِّ» تسعون حديثًا، وهمزة «أَن» مفتوحةٌ؛ لأنَّها في محلِّ نصبٍ على المفعوليَّة (قَالَ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ) أي: في حال التَّحديث عن احتباس الوحي عن النُّزول: (فَقَالَ) رسول الله ﷺ (فِي حَدِيثِهِ: بَيْنَا) أصله: بينَ، فأُشبِعت فتحة النُّون فصارت ألفًا، وهي ظرف زمانٍ مكفوفٌ بالألف عن الإضافة إلى المُفرَد، والتَّقدير بحسب الأصل: بين

стр. 393

أوقاتٍ (أَنَا أَمْشِي) وجواب «بينا» قوله: (إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ) أي: في أثناء أوقات المشي فاجأني السَّماع (فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا المَلَكُ) جبريل (الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ) خبرٌ عن «الملَك» الذي هو مبتدأٌ، و «الذي جاءني بحراء» صفته، والفاء في «فإذا» فجائيَّةٌ؛ نحو: خرجت فإذا الأسد بالباب، ويجوز نصب «جالسٌ» على الحال، وحينئذٍ: يكون خبرًا لمبتدأٍ محذوفٍ، أي: فإذا الملك الذي جاءني بحراءٍ شاهدٌ أو حاضرٌ حال كونه جالسًا (عَلَى كُرْسِيٍّ) بضمِّ الكاف وقد تُكسَر (بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) ظرفٌ في محلِّ جرٍّ صفةٌ لـ «كرسيٍّ» (فَرُعِبْتُ مِنْهُ) بضمِّ الرَّاء وكسر العين المُهملَة مبنيٌّ لما لم يُسمَّ فاعله، وللأَصيليِّ: «فرَعُبت منه» بفتح الرَّاء وضمِّ العين، أي: فزعت (فَرَجَعْتُ) إلى أهلي بسبب الرُّعب (فَقُلْتُ) لهم: (زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي) كذا لأبوَي ذَرٍّ والوقت بالتَّكرار مرَّتين، ولكريمة مرَّةً واحدةً، ولمسلمٍ كالمؤلِّف في «التَّفسير» من رواية يونس: «دثِّروني» [خ¦٤٩٢٤] قال الزَّركشيُّ: وهو أنسب؛ لقوله: (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى) ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: « » بدل قوله: «تعالى» (﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾) إيناسًا له وتلطُّفًا، والتَّدثير والتَّزميل بمعنًى واحدٍ، والمعنى: يا أيُّها المدَّثِّر بثيابه، وعن عكرمة، أي: المدَّثِّر بالنُّبوَّة وأعبائها (﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾) حَذِّرْ من العذاب

стр. 394

مَنْ لم يؤمن بك، وفيه دلالةٌ على أنَّه أُمِرَ بالإنذار عقب نزول الوحي؛ للإتيان بفاء التَّعقيب، واقتصر على الإنذار؛ لأنَّ التَّبشير إنَّما يكون لمن دخل في الإسلام، ولم يكن إذ ذاك مَنْ دخل فيه (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالرُّجْزَ﴾) أي: الأوثان (﴿فَاهْجُرْ﴾) زاد الأربعة: «الآية» (فَحَمِيَ) بفتح الحاء المُهملَة وكسر الميم، أي: فبعد نزول هذه الآية كَثُرَ (الوَحْيُ) أي: نزوله (وَتَتَابَعَ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «وتواتر» بالمثنَّاتين بدل «وتتابع» وهما بمعنًى. وإنَّما لم يكتف بـ «حمي» لأنَّه لا يستلزم الاستمرار والدَّوام والتَّواتر. ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون، وأخرجه في «الأدب» [خ¦٦٢١٤] و «التَّفسير» [خ¦٤٩٢٦]، ومسلمٌ أيضًا فيه (تَابَعَهُ) أي: تابع يحيى ابن بُكيرٍ شيخ المؤلِّف في رواية هذا الحديث عن اللَّيث بن سعدٍ (عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ، وحديثه عند المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٩٢٦] و «الأدب» (١) [خ¦٣٢٣٨] (وَ) كذا تابعه (أَبُو صَالِحٍ) كلاهما عن اللَّيث، وأبو صالحٍ: هو عبد الله كاتب اللَّيث، أو هو عبد الغفَّار بن داود البكريُّ الحرَّانيُّ الإفريقيُّ المولد، المُتوفَّى بمصر سنة أربعٍ وعشرين ومئتين، وكلاهما روى عنه المؤلِّف، ووهَّم في «فتح الباري» القائل بالثَّاني، وقد أكثر المؤلِّف عن الأوَّل من المعلَّقات، وروايته لهذا الحديث عن اللَّيث أخرجها يعقوب بن سفيان في «تاريخه» مقرونًا بيحيى ابن بُكيرٍ، فيكون رواه عن اللَّيث ثلاثةٌ: يحيى، وعبد الله بن يوسف، وأبو صالحٍ (وَتَابَعَهُ) أي: وتابع عُقيل بن خالدٍ شيخ اللَّيث في هذا الحديث أيضًا (هِلَالُ بْنُ رَدَّادٍ) بدالين مُهملَتين الأولى مشدَّدة، الطَّائيُّ، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الموضع (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، وحديثه في «الزُّهريَّات» للذُّهليِّ (وَقَالَ يُونُسُ) بن يزيد بن مُشكان الأَيْليُّ -بفتح الهمزة وسكون المثنَّاة التَّحتيَّة- التابعيُّ، المتوفَّى بمصر

стр. 395

سنة تسعٍ وخمسين ومئةٍ، ممَّا وصله في التَّفسير [خ¦٤٩٥٣] (وَمَعْمَرٌ) -بفتح الميمين وسكون العين- أبو عروة بن أبي عمرو بن راشدٍ الأزديُّ الحدانيُّ (١) مولاهم، عالم اليمن، المُتوفَّى سنة أربعٍ أو ثلاثٍ أو اثنتين وخمسين ومئةٍ، فيما وصله المؤلِّف في «تعبير الرُّؤيا» [خ¦٦٩٨٢] في روايتهما عن الزُّهريِّ: (بَوَادِرُهُ) كذا في رواية الأَصيليِّ وأبي الوقت -بفتح المُوحَّدة- جمع بادرةٍ، وهي اللَّحمة التي بين المنكب والعنق تضطرب (٢) عند فزع الإنسان، فوافقا عُقيلًا عليه، إلَّا أنَّهما قالا بدل قوله: «يرجف فؤاده» «ترجف بوادره»، وهما مستويان في أصل المعنى؛ لأنَّ كلًّا منهما دالٌّ على الفزع، ولأبي ذَرٍّ وكريمة عن الكُشْمِيهَنِيِّ وأبي الوقت في نسخةٍ وابن عساكر «وقال يونس ومعمر: تواتر (٣)»، وهذا أوَّل موضعٍ جاء فيه ذكر المُتابَعة؛ وهي أن يختبر الحديث وينظر في (٤) الدَّواوين المُبوَّبة والمُسنَدة وغيرها؛ كالمعاجم والمشيخات والفوائد، هل شارك راويه (٥) الذي يُظنُّ تَفرُّده به راوٍ آخرُ فيما رواه عن شيخه؟ فإن شاركه راوٍ معتبرٌ فهي متابعةٌ حقيقيةٌ، وتُسمَّى المتابعة التَّامَّة إن اتَّفقا في رجال السَّند كلِّهم؛ كمتابعة عبد الله وأبي صالحٍ؛ إذ وافقا ابن بُكيرٍ في شيخه اللَّيث إلى آخره، وإن شُورِك شيخه في روايته له عن شيخه فما فوقه إلى آخر السَّند واحدًا واحدًا حتَّى الصَّحابيَّ فمتابعٌ (٦) أيضًا، لكنَّه في ذلك قاصرٌ عن مشاركته هو؛ كمتابعة هلال؛ إذ وافقه في شيخ شيخه، وكلَّما بَعُدَ فيه المُتابع كان أنقص، وفائدتها: التَّقوية، ولا اقتصار فيها على اللَّفظ، بل لو جاءت بالمعنى كفى؛ كقول يونس ومعمرٍ في روايتهما عن الزُّهريِّ: «بوادره»؛ خلافًا لظاهر «ألفيَّة العراقيِّ» في التَّخصيص باللَّفظ، وحُكِيَ عن قومٍ كالبيهقيِّ، نعم؛ هي مخصوصةٌ بكونها من رواية ذلك الصَّحابيِّ، وقد يُسمَّى كلُّ واحدٍ من المتابع لشيخه فمن فوقه شاهدًا، ولكنَّ تسميته تابعًا أكثر.

стр. 396

٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي الوقت: «أخبرنا» (مُوسَى) أبو سلمة (بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنْقَرِيُّ؛ بكسر الميم وإسكان النُّون وفتح القاف؛ نسبةً إلى مِنْقَر بن عبيدٍ الحافظ، المُتوفَّى بالبصرة في رجب سنة ثلاثٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العين المُهملَة والنُّون، الوضَّاح بن عبد الله اليشكُريُّ -بضمِّ الكاف- المتوفَّى سنة ستٍّ وسبعين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ) أبو الحسن الكوفيُّ الهمْدانيُّ؛ بالميم السَّاكنة والدَّال المُهملَة، وأبو عائشة لا يُعرَف اسمه (قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح المُوحَّدة وسكون المثنَّاة التَّحتيَّة، ابن هشامٍ الكوفيُّ الأسديُّ، قتله الحجَّاج صبرًا في شعبان سنة خمسٍ وتسعين، ولم يقتل بعده أحدًا، بل لم يعش بعده إلَّا أيامًا (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، عبد الله الحَبْر تُرْجُمان القرآن، أبي الخلفاء وأحد

стр. 397

العبادلة الأربعة، المُتوفَّى بعد أن عَمِيَ بالطَّائف سنة ثمانٍ وستِّين، وهو ابن إحدى وسبعين سنةً على الصَّحيح في أيَّام ابن الزُّبير، وله في «البخاريِّ» مئتا حديثٍ وسبعة عشَر حديثًا (فِي قَوْلِهِ تَعَالَى) وللأَصيليِّ: « »: (﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ﴾) أي: بالقرآن (﴿لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ) القرآنيِّ لثقله عليه (شِدَّةً) بالنَّصب مفعول «يعالج»، والجملة في موضع (١) نصبٍ خبر «كان» (وَكَانَ) ﵊ (مِمَّا) أي: ربَّما كما قاله في «المصابيح» (يُحَرِّكُ) زاد في بعض الأصول: «به» (شَفَتَيْهِ) بالتَّثنية، أي: كثيرًا ما كان ﷺ يفعل ذلك، قاله القاضي عياضٌ والسَّرَقُسْطيُّ (٢)، وكان يكثر من ذلك حتَّى لا ينسى، أو لحلاوة الوحي في لسانه، وقال الكِرمانيُّ: أي: كان العلاج ناشئًا من تحريك الشَّفتين، أي: مبدأ العلاج منه، أو «ما» بمعنى «من» الموصولة، وأُطلِقت على من يعقل مجازًا، أي: وكان ممَّن يحرِّك شفتيه، وتُعقِّب بأنَّ الشِّدَّةَ حاصلةٌ قبل التَّحريك، وأُجِيب: بأنَّ الشِّدَّة وإن كانت حاصلةً له قبل التَّحريك إلَّا أنَّها لم تظهر إلَّا بتحريك الشَّفتين؛ إذ هي أمرٌ باطنيٌّ لا يدركه الرَّائي إلَّا به، قال سعيد بن جُبيرٍ: (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما: (فَأَنَا

стр. 398

أُحَرِّكُهُمَا) أي: شفتيَّ (لَكَ) كذا للأربعة، وفي بعض النُّسخ: «لكم» كما في «اليونينيَّة» (كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحَرِّكُهُمَا) لم يقل كما قال في الآتي: كما رأيت ابن عبَّاسٍ؛ لأنَّ ابن عباس لم يدرك ذلك (وَقَالَ سَعِيدٌ) هو ابن جُبيرٍ: (أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ) وإنَّما قال ابن جبيرٍ: كما رأيت ابن عبَّاسٍ؛ لأنَّه رأى ذلك منه من غير نزاعٍ، بخلاف ابن عبَّاسٍ فإنَّه لم يرَ النَّبيَّ ﷺ في تلك الحالة؛ لسبق نزول آية القيامة على مولده؛ إذ كان قبل الهجرة بثلاث سنين، ونزول الآية في بدء الوحي؛ كما هو ظاهرُ صنيع المؤلِّف حيث أورده هنا، ويحتمل أن يكون أخبره أحدٌ من الصَّحابة أنَّه رآه ﵊ يحرِّكهما، أو أنَّه ﵊ أخبر ابن عبَّاسٍ بذلك بعد، فرآه ابن عبَّاسٍ حينئذٍ. نعم؛ ورد ذلك صريحًا في «مسند أبي داود الطَّيالسيِّ»، ولفظه: قال ابن عبَّاسٍ: «فأنا أحرِّك لك شفتيَّ كما رأيت رسول الله ﷺ يحرِّكهما»، وجملة: «فقال ابن عبَّاسٍ … » إلى قوله: «فأنزل الله» اعتراضٌ بالفاء، وفائدتها: زيادة البيان بالوصف على القول. وهذا الحديث يُسمى المُسلسَل بتحريك الشَّفة، لكنَّه لم يتَّصل تسلسله، ثمَّ عطف على قوله: «كان يعالج» قوله: (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: « » (﴿لَا تُحَرِّكْ﴾) يا محمَّد (﴿بِهِ﴾) أي: بالقرآن (﴿لِسَانَكَ﴾) قبل أن يتمَّ وحيه (﴿لِتَعْجَلَ بِهِ﴾) لتأخذه على عجلةٍ مخافة أن يتفلَّت منك. وعند ابن جريرٍ من رواية الشَّعبيِّ: عَجِل به من حبِّه إيَّاه، ولا تَنافيَ بين محبَّته إيَّاه والشِّدَّة التي تلحقه في ذلك (﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾) أي: قراءته، فهو مصدرٌ مضافٌ للمفعول، والفاعل محذوفٌ، والأصل: وقراءتك إيَّاه، وقال الحافظ ابن حجرٍ: ولا منافاةَ بين قوله: «يحرِّك شفتيه» وبين قوله في الآية: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ لأنَّ تحريك الشَّفتين بالكلام المشتمل على الحروف التي لا ينطق بها إلَّا اللِّسان يلزم منه تحريك اللِّسان، أو اكتفى بالشَّفتين، وحذف اللِّسان لوضوحه؛ لأنَّه الأصل في النُّطق، أو الأصل (١) حركة الفم، وكلٌّ من الحركتين ناشئٌ عن ذلك، وهو مأخوذٌ من كلام الكِرمانيِّ، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ الملازمة بين التَّحريكين ممنوعةٌ

стр. 399

على ما لا يخفى، وتحريك الفم مُستبعَدٌ، بل مستحيلٌ؛ لأنَّ الفم اسمٌ لِمَا يشتمل عليه الشَّفتان، وعند الإطلاق لا يشتمل على الشَّفتين ولا على اللِّسان، لا لغةً ولا عرفًا، بل هو من باب الاكتفاء، والتَّقدير: فكان ممَّا يحرِّك به شفتيه ولسانه، على حدِّ: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أي: والبرد، وفي «تفسير ابن جريرٍ الطَّبريِّ» -كالمؤلِّف في «تفسير سورة القيامة» - من طريق جريرٍ عن ابن أبي عائشة: «ويحرِّك به لسانه وشفتيه» [خ¦٤٩٢٩] فجمع بينهما. (قَالَ) ابن عبَّاسٍ في تفسير ﴿جَمْعَهُ﴾ أي: (جَمَعَهُ) بفتح الميم والعين (لَكَ صَدْرُكَ) بالرَّفع على الفاعليَّة، كذا في أكثر الرِّوايات، وهي في «اليونينيَّة» للأربعة، أي: «جمعه الله في صدرك» وفيه إسناد الجمع إلى الصَّدر بالمجاز، على حدِّ: أنبت الرَّبيع البقل، أي: أنبت الله في الرَّبيع البقل، واللَّام للتَّعليل أو للتَّبيين، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «جمْعُه لك صدرُك» بسكون الميم وضمِّ العين مصدرًا، ورفع راء «صدرك» فاعلٌ به، ولكريمة والحَمُّويي ممَّا ليس في «اليونينيَّة»: «جَمْعُه لك في صدرك» بفتح الجيم وإسكان الميم وزيادة «في»، وهو يوضِّح الأوَّل، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر أيضًا ممَّا في الفرع كأصله: «جَمْعُهُ له -بإسكان الميم، أي: جمْعُهُ تعالى للقرآن- صدرُك»، وللأَصيليِّ وحده: «جَمْعُه له في صدرك» بزيادة: «في» (وَ) قال ابن عبَّاسٍ أيضًا في تفسير ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ أي: (تَقْرَأَهُ) بفتح الهمزة في «اليونينيَّة». وقال البيضاويُّ: إثبات قرآنه في لسانك، وهو تعليلٌ للنَّهي (﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾) بلسان جبريل عليك (﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قَالَ:) ابن عبَّاسٍ في تفسيره: ﴿فَاتَّبِعْ﴾ أي: (فَاسْتَمِعْ لَهُ) ولأبي الوقت: «﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾: فاستمع له» من باب الافتعال المقتضي للسَّعي في ذلك، أي: لا تكون قراءتك مع قراءته، بل تابعةً لها متأخِّرةً عنها (وَأَنْصِتْ) بهمزة القطع مفتوحةً؛ من أنصَت ينصِت إنصاتًا، وقد تُكسَر (١)؛ من نصَت يَنصُتُ نَصْتًا؛ إذا سكت واستمع للحديث، أي: تكون حال قراءته ساكتًا، والاستماع أخصُّ من الإنصات؛ لأنَّ الاستماعَ الإصغاءُ، والإنصاتَ -كما مرَّ- السُّكوتُ، ولا يلزم من السُّكوت الإصغاء (﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩]) فسَّره ابن عبَّاسٍ بقوله: (ثُمَّ إِنَّ

стр. 400

عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ) وفسَّره غيره: ببيان ما أشكل عليك من معانيه، قال: وهو دليلٌ على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، أي: لكن لا عن وقت الحاجة (١). انتهى، وهو الصَّحيح عند الأصوليِّين، ونصَّ عليه الشَّافعيُّ؛ لما تقتضيه «ثمَّ» من التَّراخي، وأوَّل من استدلَّ لذلك بهذه الآية القاضي أبو بكرٍ بن الطَّيِّب، وتبعوه، وهذا لا يتمُّ إلَّا على تأويل البيان بتبيين المعنى، وإلَّا فإذا حُمِلَ على أنَّ المراد استمرار حفظه له بظهوره على لسانه فلا، قال الآمديُّ: يجوز أن يُراد بالبيان الإظهار، لا بيان المُجمَل، يُقال: بَانَ الكوكبُ إذا ظَهَرَ، قال: ويؤيِّد ذلك أنَّ المراد جميع القرآن، والمُجمَل إنَّما هو بعضه، ولا اختصاص لبعضه بالأمر المذكور دون بعضٍ، وقال أبو الحسين (٢) البصريُّ: يجوز أن يُراد البيانُ التَّفصيليُّ، ولا يلزم منه جواز تأخير البيان الإجماليِّ، فلا يتمُّ الاستدلال. وتُعقِّب: باحتمال إرادة المعنيين الإظهار والتَّفصيل وغير ذلك؛ لأنَّ قوله: ﴿بَيَانَهُ﴾ جنسٌ مضافٌ فيعمُّ جميع أصنافه؛ من إظهاره وتبيين أحكامه، وما يتعلَّق بها من تخصيصٍ وتقييدٍ ونسخٍ وغير ذلك، وهذه الآية كقوله تعالى في سورة طه: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] فنهاه عن الاستعجال في تلقِّي الوحي من الملَك ومساوقته في القرآن حتَّى يتمّ وحيه (فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ) ملك الوحي المُفضَّل به على سائر الملائكة (اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ) ﵇ (قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا قَرَأَ) ولغير أبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «قرأه» بضمير المفعول، أي: القرآن، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَني:

стр. 401

«كما كان قرأ» والحاصل: أنَّ الحالة الأولى: جمعه في صدره، والثانية: تلاوته، والثَّالثة: تفسيره وإيضاحه. ورواة هذا الحديث ما بين مكِّيٍّ وكوفيٍّ وبصريٍّ وواسطيٍّ، وفيه تابعيٌّ عن تابعيٍّ، وهما موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبيرٍ، وأخرجه المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٩٢٧] [خ¦٤٩٢٨] [خ¦٤٩٢٩] و «فضائل القرآن» [خ¦٥٠٤٤]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، والتِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ. ٦ - ولمَّا كان ابتداء نزول القرآن عليه ﷺ في رمضان على القول به كنزوله إلى السَّماء جملةً واحدةً فيه؛ شرع المؤلِّف يذكر حديث تعاهد جبريل له ﵉ في رمضان في كلِّ سنةٍ، فقال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح العين المُهملَة وسكون المُوحَّدة وفتح المُهملَة، هو لقب عبد الله ابن عثمان بن جبلة العَتَكيِّ -بالمُهملَة والمثنَّاة الفوقيَّة المفتوحتين- المروزيِّ، المُتوفَّى سنة إحدى أو اثنتين وعشرين ومئتين، عن ستٍّ وسبعين سنةً (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك بن واضحٍ الحنظليُّ التَّميميُّ (١) مولاهم، المروزيُّ الإمام المتَّفق على ثقته وجلالته،

стр. 402

من تابعي التَّابعين، وكان والده من التُّرك مولًى لرجلٍ من هَمْدان، المُتوفَّى سنة إحدى وثمانين ومئةٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد بن مشكان الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (قَالَ) أي: البخاريُّ وفي الفرع كأصله بدل «قال» «ح» مُهملَةٌ مفردةٌ في الخطِّ، مقصورةٌّ في النُّطق على ما جرى عليه رسمهم إذا أرادوا الجمع بين إسنادين فأكثر عند الانتقال من سندٍ لآخر؛ خوف الإلباس (١)، فربَّما يُظَنُّ أنَّ السَّندين واحدٌ، ومذهب الجمهور: أنَّها مأخوذةٌ من التَّحويل، وقال عبد القادر الرُّهاويُّ وتبعه الدِّمياطيُّ: من الحائل الذي يحجز بين الشَّيئين، وقال: ينطق بها، ومنعه الأوَّل. وعن بعض المغاربة يقول بدلها: «الحديث» وهو يشير إلى أنَّها رمزٌ عنه، وعن خطِّ الصَّابونيِّ وأبي مسلمٍ اللَّيثيِّ وأبي سعيدٍ الخليليِّ: «صحَّ»؛ لئلَّا يُتوهَّم أنَّ حديث هذا الإسناد سقط، أو خوف تركيب الإسناد الثَّاني مع الأوَّل، فيُجعَلا إسنادًا واحدًا، وزعم بعضهم أنَّها مُعجمَةٌ، أي: إسنادٌ آخر، فَوَهِمَ. (وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة؛ المروزيُّ السَّختيانيُّ، وهو ممَّا انفرد البخاريُّ بالرِّواية عنه عن سائر الكتب السِّتَّة، وتُوفِّي سنة أربعٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك (قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ وَمَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «نحوه عن الزُّهريِّ» يعني: أنَّ عبد الله بن المبارك حدَّث به عبدان عن يونس وحده، وحدَّث به بشر بن محمَّدٍ عن يونس ومعمر معًا، أمَّا باللَّفظ فعن يونس، وأمَّا بالمعنى فعن معمر، ومن ثمَّ زاد فيه لفظة: «نحوه» (قَالَ) أي: الزُّهريّ: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: «أخبرنا»

стр. 403

(عُبَيْدُ اللهِ) بالتَّصغير (بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عُتْبَة -بضمِّ العين المُهملَة وسكون المثنَّاة الفوقيَّة وفتح المُوحَّدة- ابن مسعودٍ، الإمام الجليل أحد الفقهاء السَّبعة، التَّابعيُّ، المُتوفَّى بعد ذهاب بصره سنة تسعٍ أو ثمانٍ أو خمسٍ أو أربعٍ وتسعين (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ) بنصب «أجودَ» خبر «كان»، أي: أجودهم على الإطلاق (وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ) حال كونه (فِي رَمَضَانَ) برفع «أجود»: اسم «كان»، وخبرها محذوفٌ وجوبًا على حدِّ قولك: أخطب ما يكون الأمير قائمًا، أي: حالة كونه قائمًا، و «ما»: مصدريَّةٌ، أي: أجود أكوان الرسول ﷺ ، و «في رمضان» سدَّ مسدَّ الخبر، أي: حاصلًا فيه، أو على أنَّه مبتدأٌ مضافٌ إلى المصدر؛ وهو: «ما يكون»، و «ما»: مصدريَّةٌ، وخبره: «في رمضان»، تقديره: أجود أكوانه ﵊ حاصلةٌ له في رمضان، والجملة كلُّها خبر «كان»، واسمها ضميرٌ عائدٌ على الرَّسول ﷺ . وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ كما في «اليونينيَّة»: «أجودَ» بالنَّصب خبر «كان». وعُورِض: بأنَّه يلزم منه أن يكون خبرها اسمها، وأُجِيب: بجعل اسم «كان» ضمير النَّبيِّ ﷺ ، و «ما» حينئذٍ مصدريَّةٌ ظرفيَّةٌ، والتَّقدير: كان ﵊ متَّصفًا بالأجوديَّة مدَّة كونه في رمضان، مع أنَّه أجود النَّاس مُطلَقًا. وتُعقِّب: بأنَّه إذا كان فيه ضمير النَّبيِّ ﷺ لا يصحُّ أن يكون «أجودَ» خبرًا لـ «كان» لأنَّه مضافٌ إلى الكون، ولا يُخبَر بكونٍ عمَّا ليس بكونٍ، فيجب أن يُجعَل مبتدأً، وخبره «في رمضان»، والجملة خبر «كان». انتهى، فليُتأمَّل. وقال في «المصابيح»: ولك مع نصب «أجودَ» أن تجعل «ما» نكرةً موصوفةً، فيكون «في رمضان» متعلِّقًا بـ «كان» مع أنَّها ناقصةٌ؛ بناءً على القول بدلالتها على الحدث، وهو صحيحٌ عند جماعةٍ، واسم «كان» ضميرٌ عائدٌ له ﵊، أو إلى جُوده المفهوم ممَّا سبق، أي:

стр. 404

وكان ﵊ أجود شيءٍ يكون، أو: وكان جُوده في رمضان أجود شيءٍ يكون (١)، فجعل الجُود متَّصفًا بالأجوديَّة مجازًا، كقولهم: شعرٌ شاعرٌ. انتهى، والرَّفع أكثر وأشهر روايةً، ولأبي ذَرٍّ: «فكان أجود» بالفاء بدل الواو، وفي هذه الجملة الإشارة إلى أنَّ جوده ﵊ في رمضان يفوق على جوده في سائر أوقاته (حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ) ﵇؛ إذ في ملاقاته زيادة ترقيةٍ في المقامات، وزيادة إطلاعه على علوم الله تعالى، ولا سيَّما مع مدارسة (٢) القرآن (وَكَانَ) جبريل (يَلْقَاهُ) أي: النَّبيَّ ﷺ ، وجوَّز الكِرمانيُّ أن يكون الضمير المرفوع للنَّبيِّ، والمنصوب لجبريل، ورجَّح الأوَّل العينيُّ؛ لقرينة قوله: «حين يلقاه جبريل» (فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ) بالنَّصب مفعولٌ ثانٍ لـ «يدارسه» على حدِّ: جاذبته الثَّوب، والفاء في «فيُدَارِسُه» عاطفةٌ على «يلقاه»، فبمجموع ما ذُكِرَ من رمضان ومدارسة القرآن وملاقاة جبريل يتضاعف جوده لأنَّ الوقت موسم الخيرات؛ لأنَّ نِعَمَ الله على عباده تربو فيه على غيره، وإنَّما دارسه بالقرآن؛ لكي يتقرَّر عنده، ويرسخ أتمَّ رسوخٍ فلا ينساه، وكان هذا إنجاز وعده تعالى لرسوله ﵊ حيث قال له: ﴿سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى﴾ [الأعلى: ٦] وقال الطِّيبيُّ: فيه تخصيصٌ بعد تخصيصٍ على

стр. 405

سبيل التَّرقِّي؛ فضَّل أوَّلًا جوده مطلقًا على جود النَّاس كلِّهم، ثمَّ فضَّل ثانيًا جُودَ كونه في رمضان على جوده في سائر أوقاته، ثمَّ فضَّل ثالثًا جوده في ليالي رمضان عند لقاء جبريل على جوده في رمضانَ مُطلَقًا، ثمَّ شبَّه جوده بالرِّيح المُرسَلة فقال: (فَلَرَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بالرَّفع: مبتدأٌ، خبره قوله: (أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ) أي: المُطلَقة، إشارة إلى أنَّه في الإسراع بالجود أسرع من الرِّيح، وعبَّر بـ «المُرسَلة» إشارة إلى دوام هبوبها بالرَّحمة، وإلى عموم النَّفع بجوده ﵊، كما تعمُّ الرِّيح المرسلة جميع ما تهبُّ عليه، وفيه جواز المبالغة في التَّشبيه، وجواز تشبيه المعنويِّ بالمحسوس ليقرب لفهم سامعه؛ وذلك أنَّه أثبت له أوَّلًا وصف الأجوديَّة، ثمَّ أراد أن يصفه بأزيدَ من ذلك فشبَّه جوده بالرِّيح المُرسَلة، بل جعله أبلغ منها في ذلك؛ لأنَّ الرِّيح قد تسكن. وفيه استعمال «أفعل» التَّفضيل في الإسناد الحقيقيِّ والمجازيِّ؛ لأنَّ الجود منه ﷺ حقيقةٌ، ومن الرِّيح مجازٌ، فكأنَّه استعار للرِّيح جودًا باعتبار مجيئها بالخير، فأنزلها منزلة مَنْ جاد. وفي تقديم معمول «أجود» على المفضَّل عليه نكتةٌ لطيفةٌ؛ وهي أنَّه لو أخَّره لَظُنَّ تعلُّقه بالمُرسَلَة، وهذا وإن كان لا يتغيَّر به المعنى المُرَاد من الوصف بالأجوديَّة، إلَّا أنَّه تفوت فيه المبالغة؛ لأنَّ المراد وصفه بزيادة الأجوديَّة على الرِّيح مُطلَقًا، والفاء في «فَلَرسول الله ﷺ » للسَّببيَّة، واللَّام: للابتداء، وزِيدَت على المبتدأ تأكيدًا، أو هي جواب قسمٍ مقدَّرٍ، وحكمة المدارسة؛ ليكون ذلك سنَّةً في عرض القرآن على مَنْ هو أحفظ منه، والاجتماع عليه والإكثار منه، وقال الكِرمانيُّ: لتجويد لفظه، وقال غيره: لتجويد حفظه، وتُعقِّب: بأنَّ الحفظ كان حاصلًا له، والزِّيادة فيه تحصل ببعض المجالس. وفي هذا الحديث: التَّحديث والإخبار والعنعنة والتَّحويل، وفيه عددٌ من المراوزة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «صفة النَّبيِّ ﷺ » [خ¦٣٥٥٤] و «فضائل القرآن» [خ¦٤٩٩٧] و «بدء الخلق» [خ¦٣٢٢٠]، ومسلمٌ في «الفضائل النَّبويَّة».

стр. 406

٧ - ولمَّا فرغ من بدء الوحي شرع يذكر جملةً من أوصاف المُوحَى إليه، فقال ممَّا رويناه (١) بالسَّند السَّابق: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة وتخفيف الميم، واسمه: (الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ) بفتح

стр. 407

الحاء المُهملَة والكاف، الحمصيُّ البهرانيُّ، مولى امرأةٍ من بَهراء -بفتح المُوحَّدة- المُتوفَّى سنة إحدى أو اثنتين وعشرين ومئتين، وللأَصيليِّ وكريمة وأبي ذَرٍّ وابن عساكرَ في نسخةٍ: «حدَّثنا الحكم بن نافع» (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة -بالحاء المُهملَة والزَّاي- دينارٌ القرشيُّ الأمويُّ مولاهم أبو بشرٍ، المُتوفَّى سنة اثنتين أو ثلاثٍ وستِّين ومئةٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بالتَّصغير (ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ) بفتح الهمزة (عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَخْبَرَهُ أَنَّ) بفتح الهمزة (أَبَا سُفْيَانَ) -بتثليث السِّين- يُكْنَى: أبا حنظلةَ، واسمه: صخرٌ بالمُهملَة ثمَّ المُعجمَة (ابْنَ حَرْبٍ) بالمُهملَة والرَّاء ثمَّ المُوحَّدة، ابن أميَّة، وُلِدَ قبل الفيل بعشر سنين، وأسلم ليلة الفتح، وشهد الطَّائف وحُنينًا، وفُقِئَتْ عينُه في الأولى، والأخرى يوم اليرموك، وتُوفِّي بالمدينة سنة إحدى أو أربعٍ وثلاثين وهو ابن ثمانٍ وثمانين سنةً، وصلَّى عليه عثمان ﵄ (أَخْبَرَهُ أَنَّ) أي: بأنَّ (هِرَقْلَ) بكسر الهاء وفتح الرَّاء؛ كدِمَشْق، وهو غير منصرفٍ للعجمة والعلميَّة، وحُكِيَ فيه: هِرْقِل؛ بسكون الرَّاء وكسر القاف؛ كخِنْدِف، والأوَّل: هو المتقرِّر الأشهر، والثَّاني: حكاه الجوهريُّ وغيره، واقتصر عليه صاحب «الموعب» والقزاز، ولقبه:

стр. 408

قيصر، قاله الشَّافعيُّ، وهو أوَّل من ضرب الدَّنانير، ومَلَكَ الرُّومَ إحدى وثلاثين سنةً، وفي ملكه تُوفِّي النَّبيُّ ﷺ (أَرْسَلَ إِلَيْهِ) أي: إلى أبي سفيان حال كونه (فِي) أي: مع (رَكْبٍ) جمع راكبٍ؛ كصَحْبٍ جمعُ صاحبٍ؛ وهم أولو الإبل العشرة فما فوقها (مِنْ قُرَيْشٍ) صفةٌ لـ «رَكْب»، وحرف الجرِّ لبيان الجنس أو للتَّبعيض، وكان عدد الرَّكْب ثلاثين رجلًا؛ كما عند الحاكم في «الإكليل»، وعند ابن السَّكن: نحوٌ من عشرين، وعند ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ إلى سعيد بن المسيَّب: أنَّ المغيرة بن شعبة منهم، واعترضه الإمام البلقينيُّ بسبق إسلام المغيرة؛ فإنَّه أسلم عام الخندق، فيبعد أن يكون حاضرًا ويسكت مع كونه مسلمًا (وَ) الحال أنَّهم (كَانُوا تُجَّارًا) بالضَّمِّ والتَّشديد على وزن كُفَّارٍ، وبالكسر والتَّخفيف على وزن كِلَابٍ، وهو الذي في الفرع كأصله: جمع تاجرٍ، أي: متلبِّسين بصفة التِّجارة (بِالشَّأمِ) بالهمز وقد يُترَك، وقد تُفتَح الشِّين مع المدِّ، وهو متعلِّقٌ بـ «تجَّارًا» أو بـ «كانوا»، أو يكون صفةً بعد صفةٍ (فِي المُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَادَّ) بتشديد الدَّال من مادَدَ، فأُدغِمَ الأوَّل في الثَّاني من المثلين،

стр. 409

وهو مدَّة صلح الحديبية سنة ستٍّ التي مادَّ (فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ) زاد الأَصيليُّ: «ابن حرب» (وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ) أي: مع كفَّار قريشٍ على وضع الحرب عشر سنين، وعند أبي نعيمٍ: «أربع»، ورجح الأوَّل، و «كفَّارَ» بالنَّصب؛ مفعولٌ معه، أو عطفٌ على المفعول به وهو «أبا سفيان» (فَأَتَوْهُ) أي: أرسل إليه في طلب إتيان الرَّكب، فجاء الرَّسول فوجدهم بغزَّة، وكانت وجه متجرهم؛ كما في «الدَّلائل» لأبي نعيمٍ، فطلب إتيانهم فأتوه (وَهُمْ) -بالميم- أي: هِرَقْلُ وجماعته، ولأبوي الوقت وذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ والأَصيليِّ «وهو» (بِإِيلِيَاءَ) بهمزةٍ مكسورةٍ فمثناتين آخر الحروف أُولاهما (١) ساكنةٌ (٢) بينهما لامٌ آخره ألفٌ مهموزةٌ، بوزن كِبْرِيَاء، و «إيليا» -بالقصر- حكاه البكريُّ، و «إِلْياء»؛ بحذف الياء الأولى وسكون اللَّام، قال البرماويُّ: بوزن إعطاء، و «إيلاء»: مثله، لكن بتقديم الياء على اللَّام، حكاه النَّوويُّ واستغربه، و «إيليَّا»: بتشديد الياء الثَّانية والقصر، حكاه البرماويُّ عن «جامع الأصول» ورأيته في «النِّهاية»، و «الإيلياء»: بالألف واللَّام؛ كذا نقله النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ» عن مُسنَد أبي يَعلى الموصليِّ واستغربه؛ وهو بيت المقدس، و «الباء» بمعنى: «في» (فَدَعَاهُمْ) هِرَقْلُ حال كونه (فِي مَجْلِسِهِ، وَحَوْلَهُ) نُصِبَ على الظَّرفيَّة، وهو خبر المبتدأ الذي هو (عُظَمَاءُ الرُّومِ) وهم من ولد عيص بن إسحاق بن إبراهيم على الصَّحيح، ودخل فيهم طوائفُ من العرب من تنوخ وبهراء، وغيرهم من غسَّان كانوا بالشَّام،

стр. 410

فلمَّا أجلاهم المسلمون عنها دخلوا بلاد الرُّوم واستوطنوها، فاختلطت أنسابهم، وعند ابن السَّكن: «وعنده بطارقته والقِسِّيسون والرُّهبان» (ثُمَّ دَعَاهُمْ) عطفٌ على قوله: «فدعاهم»، وليس بتكرارٍ، بل معناه: أَمَرَ بإحضارهم، فلمَّا حضروا وقعت مهلةٌ ثمَّ استدناهم؛ كما أشعر بها الأداة الدَّالَّة عليها (وَدَعَا تَرْجُمَانَهُ) بالنَّصب على المفعوليَّة، وللأَصيليِّ -كما في «الفتح» - وأبي الوقت -كما في الفرع كأصله- وغيرهما: «بترجمانه»، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بالتَّرجُمان» بفتح المثنَّاة الفوقيَّة وضمِّ الجيم فيهما، وقد تُضَمُّ التَّاء فيهما إتباعًا، وهو في ضبط الأَصيليِّ، ويجوز فتحهما وضمُّ الأوَّل وفتح الثَّاني، وهو المفسِّر لغةً بلغةٍ؛ يعني: أرسل إليه رسولًا أحضره بصحبته، أو كان حاضرًا واقفًا في المجلس؛ كما جرت به عادة ملوك الأعاجم، ثمَّ أمره بالجلوس إلى جنب أبي سفيانَ؛ ليعبِّر عنه بما أراد، ولم يسمِّ التَّرجمان، ثمَّ قال هِرَقْلُ للتَّرجمان: قل له: أيُّكم أقرب؟ (فَقَالَ) التَّرجمان: (أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ) ضمَّن «أقرب» معنى: «أقعد»، فعدَّاه بالباء، وعند «مسلمٍ» كالمؤلِّف في «آل عمران»: «من هذا الرَّجل؟» [خ¦٤٥٥٣] وهو على الأصل، وفي «الجهاد»: «إلى هذا الرَّجل» [خ¦٢٩٤١] ولا إشكالَ فيها؛ فإنَّ «أقرب» يتعدَّى بإلى، قال الله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ [ق: ١٦] والمُفضَّل عليه محذوفٌ، أي: من غيره، وزاد ابن السَّكن «الذي خرج بأرض العرب» (الَّذِي يَزْعُمُ) وعند ابن إسحاق عن الزُّهريِّ: يدَّعي (أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ:) بالفاء، ولأبي الوقت وابن عساكرَ والأَصيليِّ «قال» (أَبُو سُفْيَانَ: قُلْتُ:) وفي روايةٍ -كما في «اليونينيَّة» - بغير رقمٍ: «فقلت» بزيادة الفاء: (أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا) وللأَصيليِّ كما في الفرع كأصله: «أنا أقربهم به نسبًا» أي: من حيث النَّسب، وأقربيَّة أبي سفيانَ لكونه من بني عبد منافٍ، وهو الأب الرَّابع للنَّبيِّ ﷺ ولأبي سفيان، وخصَّ هِرَقْلُ الأقربَ لكونه أحرى بالاطِّلاع على ظاهره وباطنه أكثر من غيره، ولأنَّ الأبعدَ لا يُؤمَن أن يقدح في نسبه، بخلاف الأقرب، لكن قد يُقال: إنَّ القريب مُتَّهمٌ في الإخبار عن نسب قريبه بما يقتضي شرفًا وفخرًا ولو

стр. 411

كان عدوًّا له؛ لدخوله في شرف النَّسب الجامع لهما (فَقَالَ) أي: هِرَقْلُ، وللأَصيليِّ وابن عساكرَ وأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي: «قال»: (أَدْنُوهُ مِنِّي) بهمزة قطعٍ مفتوحةٍ كما في الفرع، وإنَّما أمر بإدناء أبي سفيان لِيُمْعِن في السُّؤال ويشفي غليله (وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ) لئلَّا يستحيوا أن يواجهوه بالتَّكذيب إن كذب؛ كما صرَّح به الواقديُّ في روايته (ثُمَّ قَالَ) هِرَقْلُ (لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ) أي: لأصحاب أبي سفيان: (إِنِّي سَائِلٌ هَذَا) أي: أبا سفيان (عَنْ هَذَا الرَّجُلِ) أي: النَّبيّ ﷺ ، وأشار إليه إشارة القريب لقرب العهد بذكره، أو لأنَّه معهودٌ في أذهانهم (فَإِنْ كَذَبَنِي) -بالتَّخفيف- أي: إن نقل إليَّ الكذب (فَكَذِّبُوهُ) بتشديد الذَّال المُعجَمة المكسورة، قال التَّيميُّ: كَذَبَ -بالتَّخفيف- يتعدَّى إلى مفعولين، مثل صَدَقَ، تقول: كَذَبَني الحديث، وصَدَقَني الحديث، وكذَّب -بالتَّشديد- يتعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ، وهما من غرائب الألفاظ لمخالفتهما الغالب؛ لأنَّ الزِّيادة تناسب الزِّيادة وبالعكس، والأمر هنا بالعكس. انتهى. (قَالَ) أي: أبو سفيان، وسقط لفظ «قال» لكريمة وأبي الوقت، وكذا هي ساقطةٌ من «اليونينيَّة» مُطلَقًا (فَوَاللهِ لَوْلَا الحَيَاءُ) وفي نسخة كريمة: «لولا أنَّ الحياء» (مِنْ أَنْ يَأْثُِرُوا عَلَيَّ) بضمِّ المُثلَّثة وكسرها، و «عليَّ» بمعنى: عنِّي، أي: رفقتي يروون عنِّي (كَذِبًا) بالتَّنكير، وفي غير الفرع وأصله: «الكذب» فأُعَابَ به؛ لأنَّه قبيحٌ ولو على عدوٍّ (لَكَذَبْتُ عَنْهُ) لأخبرت عن حاله بكذبٍ لبغضي إيَّاه، وللأَصيليِّ وأبوي الوقت وذَرٍّ عن الحَمُّويي: «لَكَذَبْتُ عليه» (ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ) بنصب «أوَّل» في فرع «اليونينيَّة» كهي، قال في «الفتح»: وبه جاءت الرِّواية، وهو خبر «كان»، واسمها: ضمير الشَّأن، وقوله الآتي: «أنْ قال» بدلٌ من قوله:

стр. 412

«ما سألني عنه»، ويجوز أن يكون «أنْ قال» اسمَ «كان»، وقوله: «أوَّل ما سألني»: خبره، وتقديره: ثمَّ كان قوله: كيف نسبه فيكم؟ أوَّلَ ما سألني عنه، ويجوز رفعه اسمًا لكان، وذكر العينيُّ وروده روايةً، ولم يصرِّح به في «الفتح»، إنَّما قال: ويجوز رفعه على الاسميَّة، وخبره قوله: (أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ) ﵊ (فِيكُمْ؟) أي: ما حال نسبه فيكم؟ أهو من أشرافكم أم لا؟ لكن قال العلَّامة البدر الدَّمامينيُّ: إنَّ جواز النَّصب والرَّفع لا يصحُّ على إطلاقه، وإنَّما الصَّواب التَّفصيلُ؛ فإن جعلنا «ما» نكرةً بمعنى: شيءٍ، تعيَّن نصبه على الخبرية؛ وذلك لأنَّ «أن قال» مؤول بمصدر معرفة، بل قال ابن هشامٍ: إنَّهم حكموا له بحكم الضَّمير، فإذًا تعيَّن أن يكون «هو» اسم كان، و «أوَّل ما سألني» هو الخبر؛ ضرورة أنَّه متى اختلف الاسمان تعريفًا وتنكيرًا فالمُعرَّف الاسم، والمُنكَّرُ الخبرُ، ولا يُعكَس إِلَّا في الضَّرورة، وإن جعلناها (١) موصولةً جاز الأمران، لكنَّ المُختَار جعل «أنْ قال» هو الاسم لكونه أعرف. انتهى. قال أبو سفيان: (قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ) أي: صاحب نسبٍ عظيمٍ، فالتَّنوين للتَّعظيم؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] أي: عظيمةٌ (قَالَ) هِرَقْلُ: (فَهَلْ قَالَ هَذَا القَوْلَ مِنْكُمْ) من قريشٍ (أَحَدٌ قَُطُّ) بتشديد الطَّاء المضمومة مع فتح القاف، وقد يُضمَّان، وقد تُخفَّف الطَّاء وتُفتَح القاف، ولا يُستعَمل إلَّا في الماضي المنفيِّ، واستُعمِل هنا بغير أداة النَّفي، وهو نادرٌ، وأُجِيب: بأنَّ الاستفهام حكمه حكم النَّفي؛ كأنَّه قال: هل قال هذا القول أحدٌ أو لم يقله أحدٌ قطُّ (قَبْلَهُ؟) بالنَّصب على الظَّرفيَّة، وللأَصيليِّ والكُشْمِيهَنِيِّ وكريمةَ وابن عساكرَ: «مثله» بدل قوله: «قبله» وحينئذٍ: يكون بدلًا من قوله: «هذا القولَ»، قال أبو سفيانَ: (قُلْتُ: لَا) أي: لم يقله أحدٌ قبله (قَالَ) هِرَقْلُ: (فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ) بكسر الميم؛ حرف جرٍّ (مَلِكٍ؟) بفتح الميم وكسر اللَّام؛ صفةٌ مشبَّهةٌ، وهذه رواية كريمةَ والأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكرَ، ورواه ابن عساكر في نسخةٍ وأبو ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «مَنْ» بفتح الميم؛ اسمٌ موصولٌ، و «مَلَكَ» فعلٌ ماضٍ، ولأبي ذَرٍّ -كما في «الفتح» -: «فهل كان من آبائه ملك» بإسقاط «مِن» والأوَّل أشهر وأرجح، قال أبو سفيان: (قُلْتُ: لَا. قَالَ) هِرَقْلُ: (فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟)

стр. 413

وعند المؤلِّف في «التَّفسير»: «أيتَّبعه أشراف النَّاس؟» [خ¦٤٥٥٣] بإثبات همزة الاستفهام، وللأربعة: «فأشراف النَّاس اتَّبعوه» قال أبو سفيان: (قُلْتُ) ولغير الأربعة: «فقلتُ»: (بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ) أي: اتَّبعوه، والشَّرف: علوُّ الحسب والمجد والمكان العالي، وقد شَرُفَ -بالضمِّ- فهو شريفٌ، وقومٌ شرفاءُ وأشرافٌ، وفي «الفتح»: تخصيص الشَّرف هنا بأهل النَّخوة والتَّكبُّر، لا كلِّ شريفٍ؛ ليخرج مثل العمرين ممَّن أسلم قبل سؤال هِرَقْلَ، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ العمرين وحمزة كانوا من أهل النَّخوة، فقول أبي سفيان جرى على الغالب، ووقع في رواية ابن إسحاق: «تبعه منا الضُّعفاء والمساكين والأحداث، وأمَّا (١) ذوو الأنساب والشَّرف فما تبعه منهم أحدٌ»، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو محمولٌ على الأكثر الأغلب (قَالَ) هرقل: (أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟) بهمزة الاستفهام، وفي رواية «سورة آل عمران» [خ¦٤٥٥٣] بإسقاطها، وجزم ابن مالكٍ بجوازه مُطلَقًا، خلافًا لمن خصَّه بالشِّعر، قال أبو سفيان: (قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ) هِرَقْلُ: (فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً) بفتح السِّين المُهملَة في «اليونينيَّة» ليس إلَّا، وبالنَّصب: مفعولٌ لأجله أو حالٌ، أي: ساخطًا، أي: كراهةً وعدمَ رضًا، وجوَّز في «الفتح» ضمَّ السِّين، وعبارته: «سُخطةً» بضمِّ أوَّله وفتحه، وتعقَّبه العينيُّ، فقال: السَّخطة -بالتَّاء- إنَّما هي بالفتح فقط، والسُّخُْط -بلا تاءٍ- يجوز فيه الضَّمُّ والفتح، مع أنَّ الفتح يأتي بفتح الخاء، والسُّخُْط -بالضَّمِّ- يجوز فيه الوجهان ضمُّ الخاء معه وإسكانها. انتهى. قلت: في رواية الحَمُّويي والمُستملي: «سُخْطةً» بضمِّ السِّين وسكون الخاء، أي: فهل يرتدُّ أحدٌ منهم كراهةً (لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟) أخرج به مَنِ ارتدَّ مُكرَهًا أَوْ لا لسخطٍ لدين الإسلام، بل لرغبةٍ في غيره كحظٍّ

стр. 414

نفسانيٍّ (١)؛ كما وقع لعبيد الله بن جحشٍ، قال أبو سفيان: (قُلْتُ: لَا) فإن قلت: لِم لمْ يَستغن هِرَقْلُ بقوله: «بل يزيدون» عن قوله: «هل يرتدُّ أحدٌ منهم … ؟» إلى آخره، أجيب: بأنَّه لا ملازمةَ بين الارتداد (٢) والنَّقص، فقد يرتدُّ بعضهم ولا يظهر فيهم النَّقص؛ باعتبار كثرة من يدخل وقلَّة من يرتدُّ مثلًا، وإنَّما سأل عن الارتداد لأنَّ من دخل على بصيرةٍ في أمرٍ محقَّقٍ لا يرجع عنه، بخلاف مَنْ دخل في أباطيل (قَالَ) هِرَقْلُ: (فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ) على النَّاس (قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟) قال أبو سفيان: (قُلْتُ: لَا) وإنَّما عدل عن السُّؤال عن نفس الكذب إلى السُّؤال عن التُّهمة تقريرًا لهم على صدقه؛ لأنَّ التُّهمة إذا انتفت انتفى سببها (قَالَ) هرقل: (فَهَلْ يَغْدِرُ) بدالٍ مُهملَةٍ مكسورة، أي: ينقض العهد؟ قال أبو سفيان: (قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ) أي: منَ النَّبيِّ ﷺ (فِي مُدَّةٍ) أي: مدَّة صلح الحديبية، أو غيبته وانقطاع أخباره عنَّا (لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا) أي: في المدَّة، وفي قوله: «لا ندري» إشارةٌ إلى عدم الجزم بغدره (قَالَ) أبو سفيان: (وَلَمْ تيُمْكِنِّي) بالمُثنَّاة الفوقيَّة أو التَّحتيَّة (كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا) أنتقصه به (غَيْرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ) قال في «الفتح»: التَّنقيص هنا أمرٌ نسبيٌّ؛ لأنَّ من يقطع بعدم غدره أرفعُ رتبةً ممَّن يجوز وقوع ذلك منه في الجملة، وقد كان ﵊ معروفًا عندهم -بالاستقراء- من عادته أنَّه لا يغدر، ولكن لمَّا كان الأمر مُغيَّبًا -لأنَّه مستقبَلٌ- أَمِنَ أبو سفيان أن يُنسَب في ذلك إلى الكذب، ولهذا أورده على التَّردُّد، ومن ثمَّ لم يعرِّج هِرَقْلُ على هذا القدر منه. انتهى، و «غيرُ» -بالرَّفع- صفةٌ لـ «كلمةٌ»، ويجوز فيها النَّصب صفةً لـ «شيئًا»، وليس في الفرع غير الأوَّل، وصُحِّح عليه، فإن قلت: كيف يكون «غيرُ» صفةً لهما وهما نكرتان، و «غيرُ» مضافٌ إلى المعرفة؟ أُجِيب بأنَّه لا يتعرَّف بالإضافة إلَّا إذا اشتُهِر المُضَاف بمغايرة المضاف إليه، وههنا ليس كذلك، وعُورِض بأنَّ هذا مذهب ابن السَّرَّاج، والجمهور على خلافه؛ فنحو: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] يُعرَب بدلًا من ﴿الَّذِينَ﴾ أو صفةً له؛ تنزيلًا للموصول منزلة النَّكرة، فجاز وصفها

стр. 415

بالنَّكرة. (قَالَ) هِرَقْل: (فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟) نسب ابتداء القتال إليهم، ولم ينسبه إليه ﵊؛ لما اطّلع عليه من أنَّ النَّبيَّ ﷺ لا يبدأ قومه بالقتال حتَّى يقاتلوه، قال أبو سفيان: (قُلْتُ: نَعَمْ) قاتلناه (قَالَ) هِرَقْلُ: (فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟) بفصل ثاني الضَّميرين، والاختيار: ألَّا يجيء المنفصل إذا تأتَّى أن يجيء المتَّصل، وقِيلَ: «قتالكم إيَّاه» أفصح من «قتالكموه» باتِّصال الضَّمير فلذلك فَصَلَه، وصوَّبه العينيُّ تبعًا لنصِّ الزَّمخشريِّ، قال أبو سفيان: (قُلْتُ) وللأَصيليِّ: «قال»: (الحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ) بكسر السِّين المُهملَة وبالجيم المُخفَّفة، أي: نُوَبٌ، نوبةٌ لنا ونوبةٌ له؛ كما قال: (يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ) أي: يُصيب منَّا ونُصيب منه، قال البلقينيُّ: هذه الكلمة فيها دَسيسةٌ أيضًا؛ لأنَّهم لم ينالوا منه ﷺ قطُّ، وغاية ما في غزوة أُحُدٍ أنَّ بعض المقاتلين قُتِلَ، وكانت العزَّة والنُّصرة للمؤمنين. انتهى، وتُعقِّب: بأنَّه قد وقعت المقاتلة بينه ﵊ وبينهم قبل هذه القصَّة في ثلاثة مَواطنَ: بدرٍ وأُحُدٍ والخندق، فأصاب المسلمون من المشركين في بدرٍ، وعكسه في أُحُدٍ، وأُصِيب من الطَّائفتين ناسٌ قليلٌ في الخندق، فصحَّ قول أبي سفيان: يُصيب منَّا ونُصيب منه، وحينئذٍ فلا دَسيسةَ هنا في كلام أبي سفيان كما لا يخفى، والجملة تفسيريَّةٌ لا محلَّ لها من الإعراب، قال في «المصابيح»: فإن قلت: فما يصنع الشَّلوبين القائل: بأنَّها في حكم مفسَّرها، إن كان ذا محلٍّ فهي كذلك، وإِلَّا فلا، وهي ههنا مفسِّرةٌ

стр. 416

للخبر، فيلزم أن تكون ذات محلٍّ، لكنَّها خاليةٌ من رابطٍ يربطها بالمُبتَدأ؟ قلت: نقدِّره، أي: ينال فيها منَّا، وننال فيها منه. انتهى، والسِّجالُ: مرفوعٌ خبرٌ للحرب، واستُشكِل جعلُه خبرًا لكونه جمعًا والمبتدأ مُفرَدًا، فلم تحصل المُطابَقة بينهما، وأُجِيب -كما في «الفتح» -: بأنَّ «الحرب» اسمُ جنسٍ، و «السِّجال» اسمُ جمعٍ، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ السِّجال ليس اسم جمعٍ، بل هو جمعٌ، وبينهما فرقٌ، وجوَّز أن يكون «سجالٌ» بمعنى: المُساجَلة، فلا يرد السُّؤال أصلًا، وفي قوله: «الحرب بيننا وبينه سجالٌ» تشبيهٌ بليغٌ، شبَّه الحرب بالسِّجال، مع حذف أداة التَّشبيه؛ لقصد المُبالَغة؛ كقولك: زيدٌ أسدٌ؛ إذا أردت به المُبالَغة في بيان شجاعته، فصار كأنَّه عين الأسد، وذكر السِّجال وأراد به النُّوَب؛ يعني: الحرب بيننا وبينه نُوَبٌ، نوبةٌ لنا ونوبةٌ له؛ كالمُسْتَقِيَيْنِ إذا كان بينهما دلوٌ، يستقي أحدهما دلوًا والآخر دلوًا. (قَالَ) هِرَقْلُ: (مَا) بإسقاط الباء المُوحَّدة في «اليونينيَّة»، وهي مكشوطةٌ في الفرع، وفي بعض الأصول: «بما» وفي نسخةٍ: «فما» (ذَا يَأْمُرُكُمْ؟) أي: ما الذي يأمركم به؟ قال أبو سفيان: (قُلْتُ: يَقُولُ: اعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) بالواو، وفي رواية المُستملي: «اعبدوا الله وَحْدَهُ (١) لا تشركوا به شيئًا» بحذف الواو، وحينئذٍ: فيكون تأكيدًا لقوله: «وحده» وهذه الجملة عطفٌ على «اعبدوا الله»، وهي من عطف المنفيِّ على المُثبَت، ومن عطف الخاصِّ على العامِّ؛ على حدِّ: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [القدر: ٤] فإنَّ عبادته تعالى أعمُّ من عدم الإشراك به (وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ) من عبادة الأصنام وغيرها، ممَّا كانوا عليه في الجاهليَّة (وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ) المعهودة، المُفتَتَحَة بالتَّكبير المُخْتَتَمة بالتَّسليم، وفي نسخةٍ ممَّا في «اليونينيَّة» بزيادة: «والزَّكاة» (وَالصِّدْقِ) وهو القول المطابق للواقع، وفي روايةٍ للمؤلِّف: «بالصَّدقة» [خ¦٢٩٤١] بدل «الصِّدق» ورجَّحها الإمام البلقينيُّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: ويقوِّيها رواية المؤلِّف في «التَّفسير»:

стр. 417

«والزكاة» [خ¦٤٥٥٣] وقد ثبت عنده من رواية أبي ذَرٍّ عن شيخه الكُشْمِيهَنيِّ والسَّرخسيِّ اللَّفظان: «الصِّدق» و «الصَّدقة» (وَالعَفَافِ) بفتح العين، أي: الكفِّ عن المحارم وخوارم المروءة (وَالصِّلَةِ) للأرحام، وهي كلُّ ذي رحمٍ محرمٍ، مَن لا تحلُّ مناكحته لو فُرِضَتِ الأنوثة مع الذُّكورة، أو كلُّ ذي قرابةٍ. والصَّحيح: عمومه في كلِّ ما أمر الله به أن يُوصَل؛ كالصَّدقة والبرِّ والإنعام، قال في «التَّوضيح»: من تأمَّل ما استقرأه (١) هِرَقْلُ من هذه الأوصاف تبيَّن له حسن ما استوصف من أمره، واستبرأه من حاله، ولله دَرُّهُ من رجلٍ ما كان أعقلَه لو ساعدتْه المقادير بتخليد (٢) ملكه والأتباع (فَقَالَ) هِرَقْلُ (لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ) أي: لأبي سفيانَ: (سَأَلْتُكَ عَنْ) رتبة (نَسَبِهِ) فيكم، أهو شريفٌ أم لا؟ (فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو) أي: صاحبُ (نَسَبٍ) شريفٍ عظيمٍ (فَكَذَلِكَ) بالفاء، وللأربعة بالواو: «وكذلك» (الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي) أشرف (نَسَبِ قَوْمِهَا) جزم به هِرَقْلُ لِمَا تقرَّر عنده في الكتب السَّالفة (وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ) ولأبي ذَرٍّ كما قال في الفرع كأصله: «وسألتك: قال أحدٌ» (مِنْكُمْ هَذَا القَوْلَ؟) زاد في نسخةٍ: «قبله» (فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ:) أي: في نفسي، وأطلق على حديث النَّفس قولًا (لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا القَوْلَ قَبْلَهُ؛ لَقُلْتُ: رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ) «يأْتَسِي» بهمزةٍ ساكنةٍ بعدها مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ مفتوحةٌ وسينٌ مُهملَةٌ مكسورةٌ، أي: يقتدي ويتَّبع، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «يتأسَّى» بتقديم المُثنَّاة الفوقيَّة على الهمزة المفتوحة وفتح السِّين المُشدَّدة (وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «مَن مَلَكَ» بفتح الميمين (فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، قُلْتُ) وللأَصيليِّ وابن عساكرَ وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فقلت» (فَلَوْ) ولأبي الوقت: «لو» (كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ، قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ) فإن قلت: لِمَ قال: «ملك أبيه» بالإفراد؟ أُجِيب: ليكون أعذرَ في طلب الملك، بخلاف ما لو قال: ملك آبائه، أو المراد بالأب ما هو أعمُّ من حقيقته ومجازه، نعم؛ في «سورة آل عمران»: «آبائه» [خ¦٤٥٥٣] بالجمع، فإن قلت: لِمَ قال هِرَقْلُ: «فقلت» في هذين الموضعين؛ وهما: هل قال هذا القول أحدٌ منكم؟ وهل كان من آبائه من ملكٍ؟ أُجِيب: بأنَّ هذين المقامين مقاما فِكرٍ ونَظرٍ، بخلاف غيرهما من الأسئلة فإنَّها مقام نقلٍ.

стр. 418

قال هِرَقْلُ لأبي سفيانَ: (وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ) «اللَّام» فيه لامُ الجحود لملازمتها النَّفي، وفائدتها: تأكيد النَّفي؛ نحو: ﴿لَمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٨] أي: لم يكن لِيَدَعَ (الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ) قبل أن يظهر رسالته (وَيَكْذِبَ) بالنَّصب (عَلَى اللهِ) بعد إظهارها (وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ) غالبًا؛ لأنَّهم أهل (١) الاستكانة، بخلاف أهل الاستكبار المُصِرِّين على الشِّقاق بغيًا وحسدًا؛ كأبي جهلٍ، ويؤيِّد استشهاده على ذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١] المُفسَّر بأنَّهم الضُّعفاء على الصَّحيح، قال هرقل لأبي سفيانَ: (وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإِيمَانِ) فإنَّه لا يزال في زيادةٍ (حَتَّى يَتِمَّ) بالأمور المُعتَبرة فيه؛ من صلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ وغيرها (٢)؛ ولهذا أُنزِل في آخر سِنيه ﷺ : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] (وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ) بالنُّون، وفي بعض النُّسخ: «حتَّى» بالمثنَّاة الفوقيَّة، وفي «آل عمران»: «وكذلك الإيمان إذا خالط» [خ¦٤٥٥٣] قال في «الفتح»: وهو يرجِّح أنَّ رواية «حتَّى» وهمٌ، والصَّواب -وهو رواية الأكثر-: «حين» (تُخَالِطُ) بالمثنَّاة الفوقيَّة (بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ) بفتح المُوحَّدة والشِّينين المُعجَمتين وضمِّ التَّاء، وإضافته إلى ضمير «الإيمان»، و «القلوبَ»: نُصِبَ على المفعوليَّة، أي: تخالط بشاشةُ الإيمان

стр. 419

القلوبَ التي تدخل فيها، وللحَمُّويي والمُستملي: «يُخالط» بالمُثنَّاة التَّحتيَّة «بشاشةَ» بالنَّصب على المفعوليَّة، و «القلوبِ» بالجرِّ على الإضافة، والمراد بـ «بشاشة القلوب»: انشراح الصُّدور والفرح والسُّرور بالإيمان (وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ) لأنَّها لا تطلب حظَّ الدُّنيا الذي لا يبالي طالبه (١) بالغدر، بخلاف من طلب الآخرة (وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ؟) بإثبات الألف مع «ما» الاستفهاميَّة، وهو قليلٌ، كذا قاله الزَّركشيُّ وغيره، وتعقَّبه في «المصابيح»: بأنَّه لا داعيَ هنا إلى التَّخريج على ذلك؛ إذ يجوز أن تكون الباء بمعنى «عن» متعلِّقةً بـ «سأل» نحو: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] و «ما»: موصولةٌ، والعائد محذوفٌ، ثمَّ أورد سؤالًا (٢) وهو أنَّ «أَمَرَ» يتعدَّى بالباء إلى المفعول الثَّاني؛ تقول: أمرتك بكذا، فالعائد حينئذٍ مجرورٌ بغير ما جُرَّ به الموصول معنًى، فيمتنع حذفه، وأجاب: بأنَّه قد ثبت حذف حرف الجرِّ من المفعول الثَّاني فيُنصَب حينئذٍ؛ نحو: أمرتك الخيرَ، وعليه حمل جماعةٌ من المعربين (٣) قوله تعالى: ﴿مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل: ٣٣] فجعلوا «ماذا» المفعولَ الثَّاني، وجعلوا الأوَّل محذوفًا لفهم المعنى، أي: تأمريننا، وإذا كان كذلك جعلنا العائد المحذوف منصوبًا، ولا ضَيْر (٤). انتهى. (فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَ) أنَّه (يَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ) جمع وثنٍ -بالمُثلَّثة- وهو الصَّنم، واستفاده هِرَقْلُ من قوله: «ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم» لأنَّ مقولهم الأمر بعبادة الأوثان (وَ) أنَّه (يَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ

стр. 420

وَالعَفَافِ) ولم يُعرِّج هِرَقْلُ على الدَّسيسة التي دسَّها أبو سفيانَ، وسقط هنا إيراد تقرير (١) السُّؤال العاشر، والذي بعده جوابه، وثبت ذلك جميعه في «الجهاد» [خ¦٢٩٤١] كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ثمَّ قال هِرَقْلُ لأبي سفيانَ: (فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا) لأنَّ الخبر يحتمل الصِّدق والكذب (فَسَيَمْلِكُ) أي: النَّبيّ ﷺ (مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ) أرض بيت المقدس، أو أرض ملكه (وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ) أي: النَّبيَّ ﷺ (خَارِجٌ) قاله لِمَا عنده من علامات نبوَّته ﵊ الثَّابتة في الكتب القديمة، وفي رواية «سورة آل عمران»: «فإن كان ما تقول حقًّا فإنَّه نبيٌّ» [خ¦٤٥٥٣] وفي «الجهاد»: و «هذه صفة نبيٍّ» [خ¦٢٦٨١] ووقع في «أمالي المحامليِّ» رواية الأصبهانيِّين من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن أبي سفيان: أنَّ صاحب بصرى أخذه وناسًا معه في تجارةٍ، فذكر القصَّة مُختصَرةً دون الكتاب، وزاد في آخرها: قال: فأخبرني هل تعرف صورته إذا رأيتها؟ قلت: نعم، قال: فأُدْخِلْتُ كنيسةً لهم فيها الصُّور فلم أره، ثمَّ أُدْخِلْتُ أخرى فإذا أنا بصورة محمَّدٍ وصورة أبي بكر (لَمْ) بإسقاط الواو، ولابن عساكر في نسخةٍ: «ولم» (أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ) أي: من قريشٍ (فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي) وسقطت «أنِّي» الأولى في نسخةٍ، ولأبي الوقت: «أنَّني» (أَخْلُصُ) بضمِّ اللَّام، أي: أَصِلُ (إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ) بالجيم والشِّين المُعجَمة، أي: لَتَكَلَّفْتُ (لِقَاءَهُ) على ما فيه من المشقَّة، وهذا التَّجشُّم -كما قاله ابن بطَّالٍ- هو الهجرة، وكانت فرضًا قبل الفتح على كلِّ مسلمٍ، وفي مُرْسَل ابن إسحاقَ عن بعض أهل العلم: أنَّ هرقل قال: ويحك، والله؛ إنِّي لَأعلمُ أنَّه نبيٌّ مُرسَلٌ، ولكنِّي أخاف الرُّوم على نفسي، ولولا ذلك لاتَّبعته، ونحوه عند «الطَّبرانيِّ» بسندٍ ضعيفٍ: فقد خاف هِرَقْلُ على نفسه أن تقتله الرُّوم كما جرى لغيره، وخفي عليه قوله ﷺ الآتي: «أَسْلِمْ تَسْلَمْ» فلو حمل الجزاء على عمومه في الدَّارين لَسَلِمَ لو أسلم من جميع المخاوف (وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ) أي: النَّبيَّ ﷺ (لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيهِ) ما لعلَّه يكون عليهما، قاله مبالغةً في الخدمة، أو لَأزلته عنهما؛ كقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] قال الزَّمخشريُّ: أي: الذين يصدُّون عن أمره، وقال غيره: عُدِّيَ

стр. 421

بـ «عن»؛ لأنَّ في المخالفة معنى التَّباعدِ والحَيْدِ، كأنَّ المعنى: الذين يحيدون عن أمره بالمُخالَفة، فالإتيان بـ «عن» أبلغ للتَّنبيه على هذا الغرض، وفي «باب دعاء النَّبيِّ ﷺ النَّاس إلى الإسلام والنبوَّة»: «ولو كنت عنده لغسلت قدميه» [خ¦٢٩٤١] وفي رواية عبد الله بن شدَّادٍ عن أبي سفيان: «لو علمت أنَّه هو لمشيت إليه حتَّى أُقَبِّلَ رأسه وأغسل قدميه»، وزاد فيها: «ولقد رأيت جبهته يتحادر عرقها من كرب الصَّحيفة» يعني: لمَّا قُرِئ عليه الكتاب، وتثنية «قدميه» رواية أبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر والأَصيليِّ، وفي روايةٍ: «قدمه» بالإفراد. قال أبو سفيان: (ثُمَّ دَعَا) هِرَقْلُ (بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أي: من وكَّل ذلك إليه؛ ولهذا عُدِّيَ «الكتابُ» بالباء، كذا قرَّره في «الفتح»، وقال العينيُّ: الأحسن أن يُقال: ثمَّ دعا مَن يأتي بكتاب رسول الله ﷺ ، وجوَّز (١) زيادة الباء، أي: دعا الكتاب على سبيل المجاز، أو ضمَّن «دعا» معنى: طلب (الَّذِي بَعَثَ بِهِ دَِحْيَةُ) بكسر الدَّال وفتحها ورفْعِ التَّاء على الفاعليَّة، ابن خليفة الكلبيُّ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت عن المُستملي (٢) وابن عساكر: «بعث به مع دحيةَ» أي: بعثه ﵊ معه، وكان في آخر سنة ستٍّ بعد أن رجع من الحديبية (إِلَى عَظِيمِ) أهل (بُصْرَى) بضمِّ المُوحَّدة مقصورًا، بمدينة حوران، أي: أميرها الحارث بن أبي شِمْرٍ الغسَّانيِّ (فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ) فيه مجازٌ؛ لأنَّه أرسل به إليه صحبة عديِّ بن حاتمٍ، كما في رواية ابن السَّكن في «الصَّحابة»، وكان وصوله إليه كما قاله الواقديُّ وصوَّبه الحافظ ابن حجرٍ في سنة سبعٍ (فَقَرَأَهُ) هِرَقْلُ بنفسه أو التَّرجمان بأمره، وفي مُرسَل محمَّد بن كعبٍ القرظيِّ عند الواقديِّ في هذه

стр. 422

القصَّة: فدعا التَّرجمان الذي يقرأ بالعربيَّة فقرأه (فَإِذَا فِيهِ: بسم الله الرحمن الرحيم) فيه استحباب تصدير الكتب بالبسملة وإن كان المبعوث إليه كافرًا، فإن قلت: قد قدَّم سليمانُ اسمه على البسملة، أُجِيب: بأنَّه إنَّما ابتدأ الكتاب بالبسملة، وكتب اسمه عنوانًا بعد ختمه؛ لأنَّ بلقيس إنَّما عرفت كونه من سليمان بقراءة عنوانه كما هو المعهود؛ ولذلك قالت: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ (١) وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] فالتَّقديم واقعٌ على حكاية الحال (مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ) وَصَفَ نفسَه الشَّريفةَ بالعبوديَّة؛ تعريضًا لبطلان قول النَّصارى في المسيح: إنَّه ابنُ الله، تعالى الله عن ذلك؛ لأنَّ الرُّسل ﵈ مستوون في أنَّهم عباد الله، وللأَصيليِّ وابن عساكرَ: «من محمَّد بن عبد الله رسول الله» (إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ) أهل (الرُّومِ) أي: المُعظَّم (٢) عندهم، ووصفه بذلك لمصلحة التَّأليف، ولم يصفه بالإمرة ولا المُلْك لكونه معزولًا بحكم الإسلام، وقوله: «عظيم» بالجرِّ بدلٌ من سابقه، ويجوز الرَّفع على القطع والنَّصب على الاختصاص، وذكر المدائنيُّ: أنَّ القارئ لمَّا قرأ: «من محمَّدٍ رسولِ الله» غضب ابن أخي هِرَقْلَ، واجتذب الكتاب، فقال له هِرَقْلُ: مَا لَكَ؟ فقال: إنَّه بدأ بنفسه، وسمَّاك صاحب الرُّوم، فقال: إنَّك لَضعيفُ الرَّأي، أتريد أن أرميَ بكتابٍ قبل أنْ أَعْلَمَ ما فيه؟ لئن كان رسولَ الله إنَّه لَأَحَقُّ أن يبدأ بنفسه، ولقد صَدَقَ أنا صاحب الرُّوم، واللهُ مالكي ومالِكُه (سَلَامٌ) بالتَّنكير، وعند المؤلِّف في «الاستئذان»: «السَّلام» [خ¦٦٢٦٠] (عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى) أي: الرَّشاد، على حدِّ قول موسى وهارون ﵉ لفرعون: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧] والظَّاهر أنَّه من جملة ما أُمِرَا به أن يقولاه؛ ومعناه: سَلِمَ من عذاب الله مَنْ أَسْلَمَ،

стр. 423

فليس المرادُ به التَّحيَّة، وإن كان اللَّفظ يُشعِر به لأنَّه لم يُسْلِم، فليس هو ممَّن اتَّبع الهُدَى (أَمَّا بَعْدُ) بالبناء على الضَّمِّ لقطعه عن الإضافة المنْويَّة لفظًا، ويُؤتَى بها للفصل بين الكلامين، قال في «الفتح»: واختُلِف في أوَّل مَنْ قالها؛ فقِيل: داود ﵇، وقيل: يَعْرُبُ بن قحطان، وقِيلَ: كعب بن لؤيٍّ، وقِيلَ: قسُّ بن ساعدة، وقِيلَ: سَحْبان، وفي «غرائب مالكٍ» للدَّارقطنيِّ: أنَّ يعقوبَ ﵇ أوَّلُ مَنْ قالها، فإن ثبت وقلنا: إنَّ قحطان من ذرية إسماعيل ﵇ فيعقوب ﵇ أوَّلُ مَنْ قالها مُطلَقًا، وإن قلنا: إن قحطان قبل إبراهيم ﵇ فـ «يَعْرُبُ» أوَّلُ من قالها (فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ) بكسر الدَّال المُهملَة، ولمسلمٍ كالمؤلِّف في «الجهاد»: «بداعية الإسلام» [خ¦٢٩٤١] أي: بالكلمة الداعية إلى الإسلام؛ وهي شهادة أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، والباء بمعنى «إلى» أي: أدعوك إلى الإسلام (أَسْلِمْ) بكسر اللَّام (تَسْلَمْ) بفتحها (يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ) بالجزم في الأوَّل على الأمر، وفي الثَّاني جوابٌ له، والثَّالث بحذف حرف العلَّة جوابٌ ثانٍ له أيضًا، أو بدلٌ منه، وإعطاء الأجر مرَّتين لكونه مؤمنًا بنبيِّه، ثمَّ آمن بمحمَّدٍ ﷺ ، أو من جهة أنَّ إسلامه يكون سببًا لإسلام أتباعه، وقوله: «أَسْلِمْ تَسْلَمْ» فيه غايةُ الاختصار، ونهاية الإيجاز والبلاغة، وجمع المعاني، مع ما فيه من الجناس الاشتقاقيِّ؛ وهو أن يرجع اللَّفظان في الاشتقاق إلى أصلٍ واحدٍ، وعند المؤلِّف في «الجهاد» [خ¦٢٩٤٠]: «أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وأسلمْ يؤتك» بتكرار «أَسْلِمْ» مع زيادة الواو في الثَّانية، فيكون الأمر الأوَّل

стр. 424

للدُّخول في الإسلام، والثَّاني للدَّوام عليه، على حدِّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ﴾ [النساء: ١٣٦] قاله في «الفتح»، وعُورِض: بأنَّ الآية في حقِّ المنافقين، أي: يا أيُّها الذين آمَنوا نِفَاقًا آمِنوا إخلاصًا، وأُجِيب: بأنَّه قول مجاهدٍ. وقال ابن عبَّاسٍ: في مؤمنِي أهل الكتاب، وقال جماعةٌ من المفسِّرين: خطابٌ للمؤمنين، وتأويل ﴿آمِنُواْ بِاللّهِ﴾: أقيموا أو دُومُوا واثبتوا على إيمانكم (فَإِنْ تَوَلَّيْتَ) أي: أعرضت عن الإسلام (فَإِنَّ عَلَيْكَ) مع إثمك (إِثْمَ اليَرِيْسِيْنَ) بمُثنَّاتين تحتيَّتين: الأولى مفتوحةٌ والثَّانية ساكنةٌ بينهما راءٌ مكسورةٌ ثمَّ سينٌ مكسورةٌ ثمَّ مثنَّاةٌ تحتيَّةٌ ساكنةٌ ثمَّ نونٌ، جمع يَرِيْسٍ؛ على وزن كَرِيمٍ، وفي روايةٍ: «الأريسين» بقلب المُثنَّاة الأولى همزةً، وفي أخرى: «اليريسيِّين» بتشديد الياء بعد السِّين، جمع: يريسيٍّ، وهي التي في الفرع كأصله عن الأربعة، والرَّابعة وهي للأَصيليِّ كما في «اليونينيَّة»: «الأريسيِّين» بتشديد الياء بعد السِّين كذلك، إلَّا أنَّه بالهمزة في أوَّله موضع الياء؛ والمعنى: أنَّه إذا كان عليه إثمُ الأتباعِ بسبب اتِّباعهم له على استمرار الكفر فَلَأنْ يكون عليه إثمُ نفسه أَوْلَى، فإن قلت: هذا مُعَارَضٌ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] أُجِيب: بأنَّ وزر الإثم لا يتحمَّله غيره، ولكنَّ الفاعل المتسبِّب والمتلبِّس بالسَّيِّئات يتحمَّل من جهتين: جِهة فعله، وجِهة تسبُّبه. والأريسيُّون: الأكَّارون، أي: الفلَّاحون والزَّرَّاعون، أي: عليك إثم رعاياك الذين يتَّبعونك وينقادون لأمرك، ونبَّه بهم على جميع الرَّعايا لأنَّهم الأغلب في رعاياه، وأسرع انقيادًا، فإذا أسلم أسلموا، وإذا امتنع امتنعوا، وقال أبو عبيدٍ: المراد بالفلَّاحين أهل مملكته؛ لأنَّ كلَّ مَنْ كان يزرع فهو عند العرب فلَّاحٌ، سواءٌ كان يلي ذلك بنفسه أم بغيره، وعند كُرَاعٍ: هم الأمراء (١)، وعند اللَّيث: هم (٢) العشَّارون؛ يعني: أهل المَكْس، وعند أبي عبيدة: الخدم والخَوَل؛ يعني: لصدِّه إيَّاهم عن الدِّين؛ كما قال تعالى:

стр. 425

﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا … ﴾ [الأحزاب: ٦٧] الآية، والأوَّل أظهر، وقِيلَ: كان أهلُ السَّواد أهلَ فلاحةٍ وكانوا مجوسًا، وأهلُ الرُّوم أهلَ صِناعةٍ، فأُعلِموا بأنَّهم وإن كانوا أهل كتابٍ فإنَّ (١) عليهم إن لم يؤمنوا من الإثم مثلَ إثم المجوس الذين لا كتابَ لهم، وفي قوله: «فإن تولَّيتَ» استعارةٌ تبعيَّةٌ؛ لأنَّ حقيقة التَّولِّي إنَّما هو بالوجه، ثمَّ استُعمِل مجازًا في الإعراض عن الشَّيء. (وَ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾) كذا في رواية عبدوسٍ والنَّسفيِّ والقابسيِّ بالواو، وهو الذي في «اليونينيَّة» عطفًا على قوله: «أدعوك» أي: أدعوك بدعاية الإسلام، وأدعوك بقول الله تعالى، أو أتلو عليك، أو أقرأ عليك: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ وعلى هذا التَّقدير فلا تكون زائدةً في التِّلاوة لأنَّ الواو إنَّما دخلت على محذوفٍ، ولا محذور (٢) فيه، فإن قلت: يلزم عليه حذف المعطوف وبقاء حرف العطف، وهو ممتنعٌ، أُجِيب: بأنَّ ذاك إذا حُذِفَ المعطوف وجميع متعلَّقاته (٣)، أمَّا إذا بقي من اللَّفظ شيءٌ هو معمولٌ للمحذوف فلا نسلِّم امتناع ذلك؛ كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩] أي: وأخلصوا الإيمان، وكقوله: وزجَّجن الحواجبَ والعيونا
следующие страницы →