← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

قوَّة تحقُّقها (١) لذلك بحيث إنَّها لكثرة استحضارها له كأنَّها ناظرةٌ إليه. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ في «الحجِّ». ١٥٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ) القاسم بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق التَّيميِّ المدنيِّ ﵃ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لإِحْرَامِهِ) أي: لأجل إحرامه (حِينَ يُحْرِمُ) أي: قبل أن يُحرِم كما هو لفظ رواية مسلمٍ والتِّرمذيِّ؛ لأنَّه لا يمكن أن يُراد بالإحرام هنا فعلُ الإحرام، فإنَّ التَّطيُّب في الإحرام (٢) ممتنعٌ بلا شكٍّ، وإنَّما المراد إرادةُ الإحرام، وقد دلَّ على ذلك رواية النَّسائيِّ «حين أراد الإحرام»، وحقيقة قولها: «كنت أطيِّب» تطييب بدنه، ولا يتناول ذلك تطييب ثيابه (٣)، وقد دلَّ على اختصاصه ببدنه الرِّواية الأخرى التي فيها: «كنت أجد وَبِيصَ الطِّيب في رأسه ولحيته» [خ¦٥٩٢٣] وقد اتَّفق أصحابنا الشَّافعيَّة: على أنَّه لا يُستحَبُّ تطييب الثِّياب عند إرادة الإحرام، وشذَّ المتولِّي فحكى قولًا باستحبابه، نعم؛ في جوازه خلافٌ والأصحُّ الجوازُ، فلو نزعه ثمَّ لبسه ففي وجوب الفدية وجهان، صحَّح البغويُّ وغيره الوجوب (وَلِحِلِّهِ) أي: تحلُّله من محظورات الإحرام بعد أن يرمي ويحلق (قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ) طواف الإفاضة، واستُفيد من قولها: «كنت أطيِّب» أنَّ «كان» لا تقتضي التَّكرار لأنَّ ذلك لم يقع منها إلَّا مرَّةً واحدةً في حجَّة الوداع، وعُورِض بأنَّ المدَّعَى

стр. 3607

تكراره هنا إنَّما هو التَّطيُّب لا الإحرام، ولا مانع من أن يتكرَّر التَّطيُّب (١) للإحرام مع كون الإحرام مرَّةً واحدةً، ولا يخفى ما فيه، واستُفيد منه أيضًا: استحباب التَّطيُّب عند الإحرام، وجواز استدامته بعد الإحرام، وأنَّه لا يضرُّ بقاء لونه ورائحته، وإنَّما يحرم ابتداؤه في الإحرام (٢)، وهو قول الجمهور، وعن مالكٍ يحرم لكن لا فدية، وقال محمَّد بن الحسن: يُكرَه أن يتطيَّب قبل الإحرام بما تبقى عينه بعده، واستحباب التَّطيُّب أيضًا بعد التَّحلُّل الأوَّل قبل الطَّواف. (١٩) (بابُ مَنْ أَهَلَّ) حال كونه (مُلَبَِّدًا) شعر رأسه؛ بضمِّ الميم وفتح اللَّام وتشديد المُوحَّدة مفتوحةً، ومكسورةً في الفرع وأصله (٣). ١٥٤٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ) بفتح الهمزة وسكون الصَّاد المهملة وفتح المُوَّحدة آخره غينٌ معجمةٌ، ابن الفرج قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب (¬﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُهِلُّ) أي: يرفع صوته بالتَّلبية حال كونه (مُلَبِّدًا) شعر رأسه بنحو الصَّمغ لينضمَّ (٤) الشَّعر ويلتصق بعضه ببعضٍ احترازًا عن تمعُّطه وتقمُّله، وإنَّما يفعل ذلك من يطول مكثه في الإحرام، واستُفيد منه: استحباب التَّلبيد، وقد نصَّ عليه الشَّافعيُّ.

стр. 3608

وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٩١٥]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه. (٢٠) (بابُ الإِهْلَالِ عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الحُلَيْفَةِ) لمن أراد النسك من المدينة. ١٥٤١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بضمِّ العين وسكون القاف، قال: (سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) بن عمر (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄. وَحَدَّثَنَا) بواو العطف (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميم واللَّام بينهما مهملةٌ (١) ساكنةٌ، ابن قعنب القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) إمام الأئمَّة (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَّا مِنْ عِنْدِ المَسْجِدِ؛ يَعْنِي: مَسْجِدَ ذِي الحُلَيْفَةِ) ولفظ متن رواية سفيان الذي لم يذكره المؤلِّف: «هذه البيداء التي يَكْذِبون فيها على رسول الله ﷺ ، واللهِ ما أهلَّ رسول الله ﷺ إلَّا من عند مسجد ذي الحُلَيفة» أخرجه الحُميديُّ في «مُسنَده»، وكأنَّ ابن عمر كان (٢) ينكر على رواية ابن عبَّاسٍ الآتية -إن شاء الله تعالى- بعد بابين بلفظ: ركب راحلته حتَّى استوت على البيداء أَهَلَّ [خ¦١٥٤٥] والبيداء هذه -كما قاله أبو عبيدٍ البكريُّ وغيره-: فوق عَلَمَيْ ذي الحليفة لمن صعد من الوادي، وسيأتي عند المصنِّف -إن شاء الله تعالى- بعد أبوابٍ من طريق صالح بن كيسان عن نافعٍ عن ابن عمر قال: «أَهَلَّ النَّبيُّ ﷺ حين استوت به راحلتُه قائمةً» [خ¦١٥٥٢] فهذه ثلاث رواياتٍ ظاهرها التَّدافع لكن قد أوضح هذا ابن عبَّاسٍ ﵁ فيما رواه أبو داود والحاكم من طريق سعيد بن جبيرٍ: قلت لابن عبَّاسٍ: عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في

стр. 3609

إهلاله … ، فذكر الحديث، وفيه: «فلمَّا صلَّى بمسجد ذي الحُلَيفة ركعتين أوجب من مجلسه، فأهلَّ بالحجِّ حين فرغ منهما، فسمع منه قومٌ فحفظوه، ثمَّ ركب، فلمَّا استقلَّت به راحلته أهلَّ وأدرك ذلك منه قومٌ لم يشهدوه في المرَّة الأولى، فسمعوه حين ذاك فقالوا: إنَّما أهلَّ حين استقلَّت به راحلته ثمَّ مضى، فلمَّا علا شَرَفَ البيداء أهلَّ، وأدرك ذلك قومٌ لم يشهدوه، فنقل كلُّ واحدٍ منهم ما سمع، وإنَّما كان إهلاله في مُصلَّاه، وايم الله ثمَّ أهلَّ ثانيًا وثالثًا» وقد (١) اتَّفق فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك، وإنَّما الخلاف في الأفضل. وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ. (٢١) (بابُ مَا لَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ) قال ابن دقيق العيد: لفظ «المحْرِم» يتناول من أحرم بالحجِّ والعمرة معًا، والإحرام: الدُّخول في أحد النُّسكين والتَّشاغل بأعمالهما، وقد كان شيخنا العلَّامة ابن عبد السَّلام ﵀ يستشكل معرفة حقيقة الإحرام ويبحث فيه كثيرًا، وإذا قِيلَ: إنَّه النِّيَّة اعتَرَض عليه بأنَّ النِّيَّة شرطٌ في الحجِّ الذي الإحرامُ ركنُه، وشرط الشَّيء غيرُه، ويعترض على أنَّه التَّلبية بأنَّها ليست بركنٍ، والإحرام ركنٌ هنا، وكان يحوم على تعيين فعلٍ تتعلَّق به النِّيَّة في الابتداء. انتهى. وأُجيب بأنَّ «المُحرِم» اسمُ فاعلٍ، من أحرم إحرامًا بمعنى: دخل في الحرمة، أي: أدخل نفسَه وصيَّرها متلبِّسةً بالسَّبب المقتضي للحرمة لأنَّه دخل في عبادة الحجِّ أو العمرة أو هما معًا، فحُرِّم عليه الأنواع السَّبعة: لبس المخيط والطِّيب ودهن الرَّأس واللِّحية وإزالة الشَّعر والظُّفر والجماع ومقدِّماته والصَّيد، وقد عُلِم من هذا أنَّ النِّيَّة مغايرةٌ له لشمولها له ولغيره؛ لأنَّها قصد فعل الشَّيء تقرُّبًا إلى الله تعالى، فأركان الحجِّ مثلًا: الإحرامُ والوقوفُ والطَّوافُ والسَّعيُ والنِّيَّة، فعل كلٍّ من الأربعة تقرُّبًا إلى الله تعالى بها، وبهذا التَّقرير يزول الإشكال، وكأنَّ الذي كان يحوم عليه هو (٢) ما ذُكِر. والله أعلم.

стр. 3610

١٥٤٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄: أَنَّ رَجُلًا) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسمه (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يَلْبَسُ) الرَّجل (المُحْرِمُ) قارنًا أو مفردًا أو متمتِّعًا (مِنَ الثِّيَابِ؟) وعند البيهقيِّ: أنَّ ذلك وقع والنَّبيُّ ﷺ يخطب في مُقدَّم مسجد المدينة، وفي حديث ابن عبَّاسٍ عند المؤلِّف في أواخر «الحجِّ» [خ¦١٨٤٣]: أنَّه ﵊ خطب بذلك في عرفاتٍ، فيُحمَل على التَّعدُّد (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) مجيبًا له: (لَا يَلْبَسُِ القُمُصَ) بضمِّ القاف والميم بالجمع، و «يلبسُ» بالرَّفع، وهو الأشهر على الخبر عن حكم الله؛ إذ هو جواب السُّؤال، أو خبرٌ بمعنى النَّهي، وبالجزم على النَّهي، وكُسِر لالتقاء السَّاكنين، فإن قلت: السُّؤال وقع عمَّا يجوز لبسه، والجواب وقع عمَّا لا يجوز لبسه، فما الحكمة فيه؟ أُجيب بأنَّ الجواب بما لا يجوز لبسه أحصر وأخصر ممَّا يجوز، فَذِكْرُه أَوْلى؛ إذ هو قليلٌ، ويُفهَم منه ما يُباح، فتحصل المطابقة بين الجواب والسُّؤال بالمفهوم، وقِيلَ: كان الأليق السُّؤال عن الذي لا يُباح، إذ الإباحة الأصل ولذا أجاب بذلك تنبيهًا للسَّائل على الأليق، ويُسمَّى مِثلُ ذلك: أسلوب الحكيم؛ نحو: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ … الآية [البقرة: ١٨٩] فإنَّهم سألوا عن حكمة اختلاف القمر؛ حيث قالوا: ما بال الهلال يبدو دقيقًا ثمَّ يزيد ثمَّ ينقص؟ فأجابهم بأنَّ الحكمة الظَّاهرة في ذلك أن تكون معالم للنَّاس يوقِّتون بها أمورهم، ومعالم

стр. 3611

للعبادات المُوقَّتة، تُعرَف بها أوقاتها، وخصوصًا الحجُّ فبيَّن فساد سؤالهم؛ وهو أنَّه كان ينبغي أن يسألوا عمَّا ينفعهم في دينهم، ولا يسألوا عمَّا لا حاجة لهم في السُّؤال عنه، نعم المطابقة واقعةٌ بين السُّؤال والجواب على إحدى الرِّوايتين، فقد رواه أبو عَوانة من طريق ابن جريجٍ عن نافعٍ بلفظ: ما يترك المُحرِم؟ وهي شاذَّةٌ، والاختلاف فيها على ابن جريجٍ لا على نافعٍ، ورواه سالمٌ عن أبيه عند أحمد، وابن خزيمة وأبي عَوانة في «صحيحيهما» بلفظ: أنَّ رجلًا قال: ما يجتنب المُحرِم من الثِّياب؟ وأخرجه أحمد عن ابن عيينة عن الزُّهريِّ، فقال مرَّةً: ما يترك؟ ومرَّةً: ما يلبس؟ وأخرجه المؤلِّف في أواخر «الحجِّ» [خ¦١٨٤٢] من طريق إبراهيم بن سعدٍ عن الزُّهريِّ بلفظ نافعٍ، فالاختلاف فيه على الزُّهريِّ يُشعِر بأنَّ بعضهم رواه بالمعنى، فاستقامت رواية نافعٍ لعدم الاختلاف عليه فيها، واتَّجه البحث المتقدِّم فيها، قاله في «فتح الباري». ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «لا يلبس القميص» بالإفراد (وَلَا العَمَائِمَ) جمع عمامةٍ، سُمِّيت بذلك لأنَّها تعمُّ جميع الرَّأس بالتَّغطية (وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ) جمع سروالٍ فارسيٌّ مُعرَّبٌ، والسَّراوين -بالنُّون- لغةٌّ، والشّروال (١) بالشِّين المعجمة (٢) لغةٌ (وَلَا البَرَانِسَ) جمع بُرنُسٍ؛ بضمِّ النُّون، قال في القاموس: البُرْنُس -بالضَّمِّ (٣) -: قلنسوةٌ طويلةٌ، أو كلُّ ثوبٍ رأسُه منه، دُرَّاعةً كان أو جُبَّةً. انتهى. وهو غير منصرفٍ، قِيلَ: لأنَّه منقولٌ عن الجمع بصيغة «مفاعيل»، وأنَّ واحده سروالةٌ، وحكى ابن الحاجب: أنَّ من العرب من يصرفه (٤) (وَلَا الخِفَافَ) بكسر الخاء جمعُ خُفٍّ، فنبَّه بالقميص والسَّراويل (٥) على كلِّ مخيطٍ، وبالعمائم والبرانس على كلِّ ما يغطِّي الرَّأس، مخيطًا كان أو غيره، فيحرم على الرَّجل ستر رأسه أو بعضه كالبياض الذي وراء الأذن ممَّا يُعَدُّ ساترًا عُرْفًا ولو بعصابةٍ ومرهمٍ؛ وهو ما يُوضَع على الجراحة، وطينٍ ساترٍ، لا ستره بماءٍ كأن غطس فيه، وخيطٍ شدَّ به رأسه، وهودجٍ استظلَّ به

стр. 3612

وإن مسَّه، ولا بوضع (١) كفِّه وكذا كفِّ غيره، ومحمولٍ (٢) كقُفَّةٍ على رأسه لأنَّ ذلك لا يُعَدُّ ساترًا، وظاهرُ كلامهم عدمُ حرمة ذلك، سواءٌ قصد السَّتر به أم لا، لكن جزم الفُوْرَانيُّ وغيره: بوجوب الفدية فيما إذا قصد بحمل القُفَّة ونحوها السَّتر، وظاهره حرمة ذلك حينئذٍ، ولا أثر لتوسُّده وسادةً أو عمامةً، فإنَّه حاسر الرَّأس عُرْفًا، ونبَّه بـ «الخِفاف» على كلِّ ما يستر الرِّجل ممَّا (٣) يلبس عليه من مداسٍ وجوربٍ وغيرهما (إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ) في موضع رفعٍ صفةٌ لـ «أحدٌ»، ويُستفاد منه -كما قاله ابن المُنيِّر في «الحاشية» -: جواز استعمال «أحدٌ» في الإثبات؛ خلافًا لمن خصَّه بضرورة الشِّعر كقوله: وقد ظَهَرْتَ فما (٤) تخفى على أحدٍ … إلَّا على أحدٍ لا يعرف القمرا قال: والذي يظهر لي بالاستقراء أنَّ «أحدًا» لا يُستعَمل في الإثبات إلَّا أن يعقب النَّفي، وكأنَّ الإثبات حينئذٍ في سياق النَّفي ونظير هذا زيادة الباء، فإنَّها لا تكون إلَّا في النَّفي، ثمَّ رأيناها زِيدت في الإثبات الذي هو في (٥) سياق النَّفي؛ كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [الأحقاف: ٣٣]. انتهى. والمستثنى منه محذوفٌ، ذكره مَعْمَرٌ في روايته عن الزُّهريِّ عن سالمٍ بلفظ: «وليُحرِم أحدُكم في إزارٍ ورداءٍ ونعلين، فإن لم يجد نعلين» (فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ) ولأبي الوقت: «فليلبس الخفَّين» بالتَّعريف (وَلْيَقْطَعْهُمَا) أي: بشرط أن يقطعهما (أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ) ولا فدية عليه،

стр. 3613

فإنَّها (١) لو وجبت لبيَّنها النَّبيُّ ﷺ ، وهذا موضع بيانها، وقال الحنفيَّة: عليه الفدية كما إذا احتاج إلى حلق الرَّأس يحلقه ويفدي، وقال الحنابلة: ومن لم يجد إزارًا لبس سراويل، ومتى وجد إزارًا خلعه، أو نعلين لبس خفَّين ويحرم قطعها، واستدلُّوا بحديث ابن عبَّاسٍ وجابرٍ في «الصَّحيح»: «من لم يجد نعلين فليلبس خفَّين» [خ¦٥٨٠٤] وليس فيه ذكر القطع، وقالوا: قطعهما إضاعة مالٍ، قالوا (٢): وإنَّ حديث ابن عمر المصرِّح بقطعهما منسوخٌ، وأُجيب بأنَّه لا يرتاب أحدٌ من المحدِّثين أنَّ حديث ابن عمر أصحُّ من حديث ابن عبَّاسٍ لأنَّ حديث ابن عمر جاء بإسنادٍ وُصِف بأنَّه أصحُّ الأسانيد، واتَّفق عليه عن ابن عمر غيرُ واحدٍ من الحفُّاظ، منهم: نافعٌ وسالمٌ بخلاف حديث ابن عبَّاسٍ فلم يأتِ مرفوعًا إلَّا من رواية جابر بن زيدٍ (٣) عنه، وبأنَّه يجب حمل حديث ابن عبَّاسٍ وجابرٍ على حديث ابن عمر لأنَّهما مطلقان، وفي حديث ابن عمر زيادةٌ لم يذكراها يجب الأخذ بها، وبأنَّ إضاعة المال إنَّما تكون في المنهيِّ عنه لا فيما أُذِن فيه، والأمر في قوله: «فليلبس الخفَّين» للإباحة لا للوجوب، والسِّرُّ في تحريم المخيط وغيره ممَّا ذكر مخالفةُ العادة والخروج عن المألوف لإشعار النَّفس بأمرين: الخروج عن الدُّنيا والتَّذكُّر للبس الأكفان عند نزع المخيط وتنبيهها (٤) على التَّلبُّس بهذه العبادة العظيمة بالخروج عن معتادها، وذلك موجبٌ للإقبال (٥) عليها والمحافظة على قوانينها وأركانها وشرائطها وآدابها (٦). (وَلَا تَلْبَسُوا) بفتح أوَّله وثالثه (مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ) بالتَّعريف، ولأبي ذرٍّ: «زعفرانٌ» قال الزَّركشيُّ: بالتَّنوين لأنَّه ليس فيه إلَّا الألف والنُّون فقط، وهو لا يمنع الصَّرف، فلو سَمَّيت به امتنع (أَوْ وَرْسٌ) بفتح الواو وسكون الرَّاء بعدها سينٌ مُهمَلةٌ: نبتٌ أصفر مثل نبات السِّمسم، طيِّب الرِّيح يُصبَغ به، بين الحمرة والصُّفرة (٧)، أشهر طِيبٍ في بلاد اليمن؛ لكن

стр. 3614

قال ابن العربيِّ: الورس وإن لم يكن طِيبًا فله رائحةٌ طيِّبةٌ (١)، فأراد النَّبيُّ ﷺ أن ينبِّه به على اجتناب الطِّيب وما يشبهه في ملاءمة الشَّمِّ، وهذا الحكم يشترك (٢) فيه النِّساء مع الرِّجال بخلاف الأوَّل فإنَّه خاصٌّ بالرِّجال. وهذا الحديث سبق في «باب من أجاب السَّائل بأكثر ممَّا سأله» [خ¦١٣٤] في (٣) آخر «كتاب العلم». (٢٢) (بابُ) جوازِ (الرُّكُوبِ وَالاِرْتِدَافِ فِي الحَجِّ). ١٥٤٣ - ١٥٤٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بفتح الواو وسكون الهاء و «جَريرٍ»: بفتح الجيم الأزديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) جرير بن حازم بن زيدٍ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد (الأَيْلِيِّ) بفتح الهمزة وسكون التَّحتيَّة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بتصغير «عبد» الأوَّل، أحد الفقهاء السَّبعة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ أُسَامَةَ) بن زيدٍ (¬﵁ كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ) بكسر الرَّاء وسكون الدَّال؛ أي (٤): رديفه، وهو الذي يركب خلف الرَّاكب، ولأبي ذرٍّ: «ردف رسول الله» (¬ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ) موضع الوقوف (إِلَى المُزْدَلِفَةِ) بكسر اللَّام اسم فاعلٍ، مِنَ الازدلاف وهو القرب لأنَّ الحجَّاج إذا أفاضوا من عرفة يزدلفون إليها، أي: يقربون منها ويقدمون (٥) إليها، أو لمجيئهم إليها في زلفٍ من اللَّيل (ثُمَّ أَرْدَفَ) ﵊ (الفَضْلَ) بن العبَّاس بن عبد المطَّلب (مِنَ المُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى) تواضعًا منه ﵊، وليحدِّثا عنه

стр. 3615

ﷺ بما يتَّفق له في تلك الحالة من التَّشريع (١) ولذا اختار أحداث الأسنان (٢)، كما يختارون لتسميع الحديث، قاله ابن المُنيِّر (قَالَ: فَكِلَاهُمَا قَالَ: لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى) أي: إلى أن (رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ) وهي حدُّ مِنًى من جهة مكَّة من الجانب الغربيِّ. وفي الحديث: جواز الإرداف لكنْ إذا أطاقته الدَّابَّة، وأنَّ الرُّكوب في الحجِّ أفضل من المشي، وأخرجه مسلمٌ. (٢٣) (بابُ مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ وَالأَرْدِيَةِ وَالأُزُرِ) بضمِّ الهمزة والزَّاي، وفي «اليونينيَّة» بسكونها (٣) لا غير (٤)، جمع إزارٍ كخُمُرٍ وخمارٍ، وهو للنِّصف الأسفل، و «الأردية» جمع رداءٍ: وهو (٥) للنِّصف الأعلى، وعطفهما (٦) على الثِّياب من عطف الخاصِّ على العامِّ، وهذه التَّرجمة مغايرةٌ للسَّابقة على ما لا يخفى (وَلَبِسَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (الثِّيَابَ المُعَصْفَرَةَ) المصبوغة بالعُصْفُر (وَهْيَ مُحْرِمَةٌ) وصله سعيد بن منصورٍ من طريق القاسم بن محمَّدٍ بإسنادٍ صحيحٍ، والجمهور على جوازه للمحرم خلافًا لأبي حنيفة، وقال: لأنَّه (٧) طِيبٌ وواجبٌ (٨) فيه الفدية (وَقَالَتْ) عائشة ممَّا وصله البيهقيُّ: (لَا تَلَثَّمْ) (٩) بالجزم على النَّهي، وبمُثنَّاةٍ (١٠) واحدةٍ مع تشديد المُثلَّثة، وأصله:

стр. 3616

تتلثَّم فحُذِفت إحدى التَّاءين كـ ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] تخفيفًا، واللِّثام: ما يغطِّي الشَّفة (وَلَا تَتَبَرْقَعْ) بالجزم كذلك، لكن بمُثنَّاتين على الأصل؛ كذا في الفرع، وفي غيره: «ولا تبرقعْ» بحذف (١) إحدى التَّاءين (٢)، ولأبي ذرٍّ: «لا تلْتثِمُْ» بسكون اللَّام وزيادة مُثنَّاةٍ بعدها وكسر المُثلَّثة، «ولا تبرقعُْ» بحذف إحدى التَّاءين والرَّفع في الكلمتين والجزم (وَلَا تَلْبَسْ ثَوْبًا) مصبوغًا (بِوَرْسٍ) بسكون الرَّاء، ولأبي ذرٍّ في روايةٍ: «بورِسٍ» بكسرها (وَلَا زَعْفَرَانٍ) والجملة من قوله: «وقالت .... » إلى هنا ساقطةٌ في رواية ق (٣)، وفي «الفتح»: سقوطها أيضًا عن الحَمُّويي (٤). (وَقَالَ جَابِرٌ) هو ابن عبد الله الصَّحابيُّ ﵁، ممَّا وصله الشَّافعيُّ ومُسدَّدٌ: (لَا أَرَى المُعَصْفَرَ (٥) طِيبًا) أي: مطيِّبًا لأنَّه خبرٌ في الأصل عن معصفرٍ، ولا يُخبَر بالمعنى عن اسم عينٍ، وقد مرَّ ما في المعصفر قريبًا (وَلَمْ تَرَ عَائِشَةُ) ﵂ (بَأْسًا بِالحُلِيِّ (٦)) بضمِّ الحاء المهملة وتشديد الياء جمع حَلْيٍ؛ بفتح الحاء وسكون اللَّام (وَالثَّوْبِ الأَسْوَدِ وَالمُوَرَّدِ) المصبوغ على لون الورد، وسيأتي موصولًا إن شاء الله تعالى في «باب طواف النِّساء» [خ¦١٦١٨] في آخر حديث عطاءٍ عن عائشة (وَالخُفِّ لِلْمَرْأَةِ) وصله ابن أبي شيبة. (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ، ممَّا وصله سعيد بن منصورٍ وابن أبي شيبة: (لَا بَأْسَ أَنْ يُبْدِلَ ثِيَابَهُ) بضمِّ حرف المضارعة وسكون المُوحَّدة وتخفيف الدَّال المهملة مضارع «أبدل»، ولأبي الوقت: «أن يبدِّل ثيابه» بفتح المُوحَّدة وتشديد المهملة، ومقالة إبراهيم هذه ساقطةٌ في رواية «ق».

стр. 3617

١٥٤٥ - وبالسَّند السَّابق أوَّل الكتاب إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ) بفتح الدَّال المُشدَّدة، قال: (حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بضمِّ الفاء وفتح الضَّاد المعجمة مُصغَّرًا وضمِّ سين «سُليمان» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بضمِّ العين (١) وسكون القاف (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد أيضًا (كُرَيْبٌ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ) بين الظُّهر والعصر يوم السَّبت كما صرَّح به الواقديُّ، ويأتي قريبًا -إن شاء الله تعالى- تحقيقه (بَعْدَمَا تَرَجَّلَ) بالجيم المُشدَّدة، أي: سرَّح شعره (وَادَّهَنَ) استعمل الدُّهن، وأصله: اِدْتَهَن، فأُبدِلت التَّاء دالًا، وأُدغِمت في الأخرى (وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ، هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَنْهَ) أحدًا (عَنْ شَيْءٍ مِنَ الأَرْدِيَةِ) جمع رداءٍ (وَالأُزُْرِ) بضمِّ الزَّاي وإسكانها جمع إزارٍ (تُلْبَسُ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وفتح المُوحَّدة (إِلَّا المُزَعْفَرَةَ) بالنَّصب على الاستثناء، والجرِّ على حذف الجارِّ؛ أي (٢): إلَّا عن المزعفرة (الَّتِي تَرْدَعُ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والدَّال آخرُه عينٌ مهملتين، وفي روايةٍ: «تُردِع» بضمِّ أوَّله وكسر ثالثه، أي: التي كثر (٣) فيها الزَّعفران

стр. 3618

حتَّى ينفضه على من يلبسها، وقال عياضٌ: الفتح أوجه، ومعنى الضَّمِّ: أنَّها تُبقي أثره (عَلَى الجِلْدِ) قال في «التَّنقيح»: قال أبو الفرج -يعني: ابنَ الجوزيِّ-: كذا وقع في «البخاريِّ»، وصوابه: «تردع الجلد» بحذف «على» أي: تصبغه. وأجاب في «المصابيح» بأنَّ الجوهريَّ قال في «الصِّحاح»: يُقال: رَدَعْتُه بالشَّيء فارتدع، أي: لطخته فتلطَّخ، قال: فإذا كان كذلك فيجوز أن يكون المراد في الحديث: التي تردع لابسها بأثرها، و «على الجلد» ظرفٌ مستقرٌّ في محلِّ نصبٍ على الحال، وهو وجهٌ جيِّدٌ لا يلزم من ارتكابه تخطئة الرِّواية، قال: ويحتمل أن يكون «تردع» قد تضمَّن معنى تنفض، أي: تنفض أثرها على الجلد. انتهى. (فَأَصْبَحَ) ﵊ (بِذِي الحُلَيْفَةِ) أي: وصل إليها نهارًا ثمَّ بات بها، وفي «مسلمٍ»: أنَّه ﷺ صلَّى الظُّهر بها، ثمَّ دعا بناقته، فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسَلَتَ الدَّم وقلدَّها بنعلين، ثمَّ (رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى البَيْدَاءِ) بفتح المُوحَّدة وسكون التَّحتيَّة، وعند النَّسائيِّ: أنَّه ﵊ صلَّى الظُّهر، ثمَّ ركب وصعد جبل البيداء، ثمَّ (أَهَلَّ، هُوَ وَأَصْحَابُهُ) وهل كان ﵊ مُفرِدًا الحجَّ أو قارنًا أو متمتِّعًا؟ خلافٌ يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى (وَقَلَّدَ بَدَنَتَهُ) بنعلين للإشعار بأنَّه هديٌ، قال الأزهريُّ: تكون البدنة من الإبل والبقر والغنم، وقال النَّوويُّ: هي البعير ذكرًا كان أو أنثى، وهي التي استكملت خمس سنين، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «بُدْنه» بضمِّ المُوحَّدة وسكون الدَّال المهملة بلفظ الجمع (وَذَلِكَ) المذكور من الرُّكوب والاستواء على البيداء والإهلال والتَّقليد (لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَِعْدَةِ) بفتح القاف وكسرها، أو الإشارة لخروجه ﵊ من المدينة، وهو الصَّواب لأنَّ أوَّل ذي الحجَّة كان يوم الخميس قطعًا لِمَا ثبت وتواتر أنَّ وقوفه بعرفة كان يوم الجمعة، فتعيَّن أنَّ أوَّل ذي (١) الحجَّة الخميس، ولا يصحُّ أن يكون خروجه يوم الخميس وإن جزم به ابن حزمٍ، بل ظاهر الخبر أن يكون يوم الجمعة، لكن ثبت في «الصَّحيحين» عن أنسٍ (٢): «أنَّهم صلُّوا معه ﷺ الظُّهر بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحُلَيفة ركعتين» [خ¦١٠٨٩] فدلَّ على أنَّ خروجهم لم يكن يوم الجمعة،

стр. 3619

ويُحمَل قوله: «لخمسٍ بقين» أي: إن كان الشَّهر ثلاثين، فاتَّفق أن جاء تسعًا وعشرين، فيكون يوم الخميس أوَّل ذي الحجَّة بعد مضيِّ أربع ليالٍ لا خمسٍ، ويؤيِّده قول جابرٍ: «لخمسٍ» بقين من ذي الحجَّة أو أربعٍ، وإنَّما لم يقل الرَّاوي: إن بقين بحرف الشَّرط لأنَّ الغالب تمام الشَّهر، وبه احتجَّ من قال: لا حاجة للإتيان به، والآخر راعى احتمال النَّقص، فقال: يحتاج إليه للاحتياط. (فَقَدِمَ) ﵊ (مَكَّةَ) من أعلاها (لأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الحَجَّةِ) صبيحة يوم الأحد (فَطَافَ بِالبَيْتِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلَمْ يَحِلَّ) بفتح أوَّله وكسر ثانيه، أي: لم يَصِرْ حلالًا (مِنْ أَجْلِ بُدْنِهِ) بسكون (١) الدَّال (لأَنَّهُ) ﵊ (قَلَّدَهَا) فصارت هديًا، ولا يجوز لصاحب الهدي أن يتحلَّل حتَّى يبلغ الهديُ محلَّه (ثُمَّ نَزَلَ بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الحَجُونِ) بفتح الحاء المهملة وضمِّ الجيم المُخفَّفة: الجبل المشرف على المُحَصَّب حذاء مسجد العقبة (٢)، وفي «المشارق» وغيرها: مقبرة أهل مكَّة على ميلٍ ونصفٍ من البيت (وَهْو) أي: والحال أنَّه ﵊ (مُهِلٌّ بِالحَجِّ) بضمِّ الميم وكسر الهاء (وَلَمْ يَقْرَبِ الكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا) لعلَّه لشغلٍ (٣) منعه من ذلك (حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ) الذين لم يسوقوا الهدي (أَنْ يَطَّوَّفُوا) بتشديد الطَّاء مفتوحةً، كذا في الفرع وأصله (٤)، وفي غيره: «يَطُوفُوا» بضمِّها مُخفَّفةً (بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ يُقَصِّرُوا مِنْ رُؤُوْسِهِمْ) لأجل أن يحلقوا بمنًى (ثُمَّ يَحِلُّوا) بفتح أوَّله وكسر ثانيه لأنَّهم متمتِّعون ولا هدي معهم كما قال: (وَذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَدَنَةٌ قَلَّدَهَا، وَمَنْ كَانَتْ) في نسخةٍ: «ومن كان» (مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَهِيَ لَهُ حَلَالٌ، وَالطِّيبُ وَالثِّيَابُ) كسائر مُحرَّمات الإحرام حلالٌ له، فـ «الطِّيب» مبتدأٌ حُذِف خبرُه، والجملة عطفٌ على الجملة. وموضع التَّرجمة قوله: «فلم ينه عن شيءٍ من الأردية والأزر تُلبَس»، والحديث من أفراد المؤلِّف، ورواه أيضًا مختصرًا.

стр. 3620

(٢٤) (بَابُ مَنْ بَاتَ بِذِي الحُلَيفَةِ حَتَّى أَصْبَحَ) ممَّن (١) حجُّه من المدينة، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «حتَّى يصبح» (٢)، ومرادُ المؤلِّف بهذه التَّرجمة مشروعيَّةُ المبيت بالقرب من بلد المسافر ليلحق به من تأخَّر عنه، وليكون أمكن من التَّوصُّل إلى ما عساه ينساه ممَّا يحتاج إليه مثلًا (قَالَهُ) أي: ما ذُكِر من المبيت (ابْنُ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) في حديثه المسوق في «باب خروج النَّبيِّ ﷺ على طريق الشَّجرة» [خ¦١٥٣٣]، كما مرَّ. ١٥٤٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) قاضي صنعاء، قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز قال (٣): (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ) بلفظ اسم الفاعل، ولأبوي ذرٍ والوقت: «حدَّثنا ابن المنكدر» (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِالمَدِينَةِ) الظُّهرَ (أَرْبَعًا، وَبِذِي الحُلَيْفَةِ) العصرَ (رَكْعَتَيْنِ) قصرًا لأنَّه أنشأ السَّفر، وحذف لفظ (٤) الظُّهر والعصر لعدم الإلباس، وقد صرَّح بهما في الحديث الآتي [خ¦١٥٤٧] (ثُمَّ بَاتَ حَتَّى أَصْبَحَ) دخل في الصَّباح (بِذِي الحُلَيْفَةِ، فَلَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَاسْتَوَتْ بِهِ أَهَلَّ) بالحجِّ أو بالعمرة أو بهما، قال التُّورِبشتيُّ في شرح «مصابيح البغويِّ»: أي: رفعته مستويًا في ظهرها، وتعقَّبه صاحب «شرح المشكاة» بأنَّ «استوى» إنَّما يُعدَّى بـ «على» لا بالباء، فقوله: «به» حالٌ نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠] قال في «الكشَّاف»: في موضع الحال بمعنى: فرقناه (٥) ملتبسًا بكم كقوله:

стр. 3621

....... … تدوس بنا الجماجم والتَّريبا (١) وفيه دليلٌ للمالكيَّة وللشَّافعيَّة على أنَّ الأفضل أن يهلَّ إذا انبعثت به راحلته، وقد تقدَّم نقل الخلاف في ذلك، وطريق الجمع بين المختلف فيه. ١٥٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف عبد الله الجرميِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ بِالمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَصَلَّى العَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ) صرَّح فيه بذكر «الظُّهر» و «العصر» المحذوف في سابقه (قَالَ) أبو قلابة: (وَأَحْسِبُهُ) ﵊ (بَاتَ بِهَا) أي: بذي الحليفة (حَتَّى أَصْبَحَ) وفي السَّابقة [خ¦١٥٤٦] بغير شكٍّ، وقد ساق هذا الحديث هنا باختصارٍ ويأتي (٢) إن شاء الله تعالى بأتمَّ منه [خ¦١٥٥١]. (٢٥) (بابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالإِهْلَالِ) أي: بالتَّلبية، قال القاضي عياضٌ: الإهلال بالحجِّ: رفع الصَّوت بالتَّلبية، قال في «المصابيح»: تأمل كيف يلتئم حينئذٍ قوله: «بالإهلال» مع قوله: «رفع الصَّوت»، ثمَّ قال القاضي عياضٌ: واستهلَّ المولود: رفع صوته، وكلُّ شيءٍ ارتفع صوته فقد

стр. 3622

استهلَّ، وبه سُمِّي الهلال لأنَّ النَّاس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه، واستبعد ابن المُنيِّر هذا الأخير من وجهين: أحدهما: أنَّ العرب ما كانت تعتني بالأهلَّة لأنَّها لا تؤرِّخ بها، والهلال مُسمًّى (١) بذلك قبل العناية بالتَّاريخ. الثَّاني: أنَّ جعل الإهلال مأخوذًا من الهلال أَوْلى لقاعدةٍ تصريفيَّةٍ؛ وهي: أنَّه إذا تعارض الأمر في اللَّفظين أيُّهما أُخِذ من الآخر جعلنا الألفاظ المتناولة للذَّوات أصلًا للألفاظ المتناولة للمعاني، والهلال ذاتٌ فهو الأصل، والإهلال معنًى يتعلَّق به فهو الفرع، ذكره في «المصابيح». ١٥٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ -بالمعجمة ثمَّ المهملة- الأزديُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو ابن درهمٍ، الجهضميُّ الأزديُّ البصريُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) الجرميِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِالمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَسَمِعْتُهُمْ) أي: النَّاوين للقِران (٢) (يَصْرُخُونَ بِهِمَا) أي: بالحجِّ والعمرة (جَمِيعًا) أو الضَّمير في «سمعتهم» راجعٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ومن معه من أصحابه. وفي الحديث: حجَّةٌ للجمهور في استحباب رفع الصَّوت بالتَّلبية للرَّجل بحيث لا يضرُّ بنفسه، نعم لا يُستحَبُّ رفع الصَّوت بها في ابتداء الإحرام، بل يُسمِع نفسَه فقط كما في «المجموع»، وخرج بالرَّجل: المرأةُ والخنثى فلا يرفعان صوتهما، بل يُسمِعان أنفسَهما فقط كما في قراءة الصَّلاة، فإن رفعا كُرِه، وقد روى أحمد في «مُسنَده» من حديث أبي هريرة، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أمرني جبريل برفع الصَّوت بالإهلال، وقال: إنَّه من شعائر الحجِّ»، وهذا كغيره من الأحاديث ليس فيه بيان حكم التَّلبية، وقد اختُلِف في ذلك، ومذهب الشَّافعيِّ

стр. 3623

وأحمد: أنَّها سنَّةٌ، وفي وجهٍ حكاه الماورديُّ عن ابن خيران وابن وهبٍ وابن أبي هريرة: أنَّها واجبةٌ يجب بتركها دمٌ، وقال الحنفيَّة: إذا اقتصر على النِّيَّة ولم يلبِّ لا ينعقد إحرامه لأنَّ الحجَّ تضمَّن أشياءَ مختلفةً فعلًا وتركًا، فأشبه الصَّلاة، فلا يحصل إلَّا بالذِّكر في أوَّله، وقال المالكيَّة: ولا ينعقد إلَّا بنيَّةٍ مقرونةٍ بقولٍ أو فعلٍ متعلِّقين به كالتَّلبية والتَّوجُّه إلى الطَّريق، فلا ينعقد بمُجرَّد النِّيَّة، وقِيلَ: ينعقد، قاله سندٌ، وهو مرويٌّ (١) عن مالكٍ. (٢٦) (بَابُ التَّلْبِيَةِ) مصدر «لبَّى» كزَكَّى تزكيةً، أي: قال: لبَّيك، وهو عند سيبويه والأكثرين: مُثنًّى لقلب ألفه ياءً مع المُظهَر، وليست تثنيته حقيقيَّةً بل هو من المُثنَّاة لفظًا، ومعناها: التَّكثير والمبالغة كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] أي: نعمتاه، عند من أوَّل «اليد» بالنِّعمة، ونعمه تعالى لا تُحصَى، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] أي: كرَّاتٍ كثيرة، وقال يونس بن حبيبٍ: إنَّما هو اسمٌ مُفرَدٌ، وألفه إنَّما انقلبت ياءً لاتِّصالها بالضَّمير؛ كـ «لديَّ» و «عليَّ». انتهى. والأصل: لبَّبك، فاستثقلوا الجمع بين ثلاث باءاتٍ (٢)، فأبدلوا من الثَّالثة (٣) ياءً كما قالوا من (٤) الظَّنِّ: تظنيَّت، وأصله: تظنَّنتُ، وهو منصوبٌ على المصدر

стр. 3624

بعاملٍ مُضمَرٍ، أي: أجبت (١) إجابةً بعد إجابةٍ (٢) إلى ما لا نهاية له، وكأنَّه من: ألبَّ بالمكان إذا أقام به، والكاف للإضافة، وقِيلَ: ليس هنا إضافةٌ، والكاف حرف خطابٍ، ومعناه -كما قال (٣) في «القاموس» -: أنا مقيمٌ على طاعتك إلبابًا بعد إلبابٍ، وإجابةً بعد إجابةٍ، أو معناه: اتِّجاهي وقصدي لك، من: داري تلبُّ دارَه، أي: تواجهها، أو معناه: محبَّتي لك، من (٤) امرأةٌ لَبَّةٌ: محبَّةٌ لزوجها، أو معناه: إخلاصي لك، من: حَسَبٌ لُبَابٌ؛ أي (٥): خالصٌ. انتهى. وقال أبو نصرٍ: معناه: أنا مُلَبٍّ بين يديك، أي: خاضعٌ، وقال ابن عبد البرِّ: ومعنى التَّلبية إجابةُ الله (٦) فيما فرض عليهم من حجِّ بيته، والإقامة على طاعته، فالمُحرِم بتلبيته مستجيبٌ (٧) لدعاء الله إيَّاه في إيجاب الحجِّ عليه، قِيلَ: هي إجابةٌ لقوله تعالى للخليل إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧] أي: بدعوة الحجِّ والأمر به (٨). ١٥٤٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄: أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) ولـ «مسلمٍ» عن ابن عمر: أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا استوت به راحلته قائمةً عند مسجد ذي الحليفة أَهَلَّ، فقال: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ) (٩) أي: يا الله أجبناك فيما دعوتنا، وروى ابن أبي حاتمٍ

стр. 3625

من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عبَّاسٍ قال: لمَّا فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ (١)﴾ [الحج: ٢٧] قال: ربِّ؛ وما يبلغ صوتي؟ قال: أذِّن وعليَّ البلاغُ، قال: فنادى إبراهيم ﵇: يا أيُّها النَّاس كُتِبَ (٢) عليكم الحجُّ إلى البيت العتيق، فسمعه من (٣) بين السَّماء والأرض، ألا ترون النَّاس يجيئون من أقصى الأرض يلبُّون؟ ومن طريق ابن جريجٍ عن عطاءٍ عن ابن عبَّاسٍ وفيه: «فأجابوه بالتَّلبية من أصلاب الرِّجال وأرحام النِّساء، وأوَّل من أجابه أهل اليمن، فليس حاجٌّ يحجُّ من يومئذٍ إلى أن تقوم الساعة إلَّا من كان أجاب إبراهيم ﵇ يومئذٍ» زاد غيره: «فمن لبَّى مرَّةً حجَّ مرَّةً، ومن لبَّى مرَّتين حجَّ مرَّتين، ومن لبَّى أكثر حجَّ بقدر تلبيته» وقد وقع في المرفوع تكرير لفظة: «لبَّيك» ثلاث مرَّاتٍ، وكذا في الموقوف إلَّا أنَّ في المرفوع الفصلَ بين الأولى والثَّانية بقوله: «اللَّهمَّ»، وقد نُقِل اتِّفاق الأدباء على أنَّ التَّكرير اللَّفظيَّ لا يُزاد على ثلاث مرَّاتٍ (لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، أَإِنَّ الحَمْدَ) بكسر الهمزة على الاستئناف، كأنَّه لمَّا قال: «لبَّيك» استأنف كلامًا آخر، فقال: إنَّ الحمد، وبالفتح على التَّعليل، كأنَّه قال: أجبتك لأنَّ الحمد والنِّعمة لك، والكسر أجود عند الجمهور، وحكاه الزَّمخشريُّ عن أبي حنيفة، وابن قدامة عن أحمد ابن حنبل، وابن عبد البرِّ عن اختيار أهل العربيَّة لأنَّه يقتضي أن تكون الإجابة مُطلَقةً غير مُعلَّلةٍ، فإنَّ الحمد والنِّعمة لله على كلِّ حالٍ، والفتح يدلُّ على التَّعليل، لكن قال في «اللَّامع» و «العمدة (٤)»: إنَّه إذا كُسِرَ صار للتَّعليل أيضًا من حيث إنَّه استئنافٌ جوابًا عن سؤالٍ عن العلَّة على ما قُرِّر في البيان، حتَّى إنَّ الإمام الرَّازي وأتباعه جعلوا «إنَّ» تفيد التَّعليل نفسها، ولكنَّه مردودٌ (وَالنِّعْمَةَُ لَكَ) بكسر النُّون: الإحسان والمنَّة مطلقًا، وبالنَّصب على الأشهر عطفًا على «الحمدَ»، ويجوز الرَّفع على الابتداء، والخبر محذوفٌ لدلالة خبر «إنَّ»، تقديره: إنَّ الحمد لك (٥) والنِّعمةُ مستقرَّةٌ لك،

стр. 3626

وجوَّز ابن الأنباريِّ أن يكون الموجودُ خبرَ المبتدأ، وخبر «إنَّ» هو المحذوف (وَالمُلْكَُ) لك؛ بضمِّ الميم والنَّصب عطفًا على اسم «إن»، وبالرَّفع على الابتداء والخبر محذوفٌ لدلالة الخبر المتقدِّم، ويحتمل أن يكون تقديره: والمُلْكُ كذلك (لَا شَرِيكَ لَكَ) في ملكك، وروى النَّسائيُّ وابن ماجه وابن حبَّان في «صحيحه» والحاكم في «مُستدرَكه» عن أبي هريرة قال (١): «كان من تلبية النَّبيِّ ﷺ : لبَّيك إله الحقِّ، لبَّيك»، وعند الحاكم عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ وقف بعرفاتٍ، فلمَّا قال: «لبَّيك اللَّهمَّ لبَّيك (٢)» قال (٣): «إنَّما الخير خير الآخرة»، وعند الدَّارقطنيِّ في «العلل» عن أنس بن مالكٍ أنَّه ﷺ قال: «لبَّيك حجًّا حقًّا تعبُّدًا ورقًّا»، وزاد مسلمٌ في حديث الباب: (٤) قال نافعٌ: وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها: «لبَّيك لبَّيك، لبَّيك وسعديك، والخير بيديك، لبَّيك (٥)، والرَّغباء إليك والعمل» ولم يذكر البخاريُّ هذه الزِّيادة (٦)، فهي من أفراد مسلمٍ خلافًا لما تُوهِمُه عبارة «جامع الأصول»، والحافظ المنذريُّ في «مختصر السُّنن»، والنَّوويُّ في «شرح المُهذَّب»، وقوله: «وسعديك» هو من «باب لبَّيك»، فيأتي فيه ما سبق من التَّثنية والإفراد، ومعناه: أسعدني إسعادًا بعد إسعادٍ، فالمصدر فيه (٧) مضافٌ للفاعل، وإن كان الأصل في معناه: أسعدك بالإجابة إسعادًا بعد إسعادٍ، على أنَّ المصدر فيه مضافٌ للمفعول (٨) لاستحالة ذلك هنا، وقِيلَ: المعنى: مساعدةً على طاعتك بعد مساعدةٍ، فيكون من المضاف للمنصوب، وقوله: «والرَّغباء» بفتح الرَّاء

стр. 3627

والمدِّ، وبضمِّها مع القصر كالعَلاء والعُلا، وبالفتح مع القصر، ومعناه: الطَّلب والمسألة؛ يعني أنَّه تعالى هو المطلوب (١) المسؤول منه، فبيدِه جميع الأمور والعمل له سبحانه لأنَّه المستحقُّ للعبادة وحده، وفيه حذفٌ يحتمل أنَّ تقديره: «والعمل إليك» أي: إليك القصد به، والانتهاء به إليك لتجازي عليه، وأخرج ابن أبي شيبة من طريق المسور بن مخرمة قال: كانت تلبية عمر، فذكر مثل المرفوع، وزاد: «لبَّيك مرغوبًا (٢) ومرهوبًا إليك، ذا النَّعماء والفضل الحسن»، وهذا يدلُّ على جواز الزِّيادة على تلبية رسول الله ﷺ بلا استحبابٍ ولا كراهةٍ، وهذا مذهب الأئمَّة الأربعة، لكن قال ابن عبد البرِّ: قال مالكٌ: أكره أن يزيد على تلبية رسول الله ﷺ ، وينبغي أن يفرد ما رُوِي مرفوعًا، ثمَّ يقول الموقوف على انفراده حتَّى لا يختلط بالمرفوع. قال إمامنا الشَّافعيُّ رحمة الله عليه فيما حكاه عنه البيهقيُّ في «المعرفة»: ولا ضُيِّق على أحدٍ في مثل ما قال ابن عمر ولا غيره من تعظيم الله ودعائه مع (٣) التَّلبية، غير أنَّ الاختيار عندي أن يُفرِد ما رُوِي عن رسول الله ﷺ من التَّلبية، وفي «سنن» أبي داود وابن ماجه عن جابرٍ قال: أهلَّ رسول الله ﷺ فذكر التَّلبية، قال: «والنَّاس يزيدون (٤): ذا المعارج ونحوه من الكلام، والنَّبيُّ ﷺ يسمع فلا يقول (٥) لهم شيئًا»، وفي «تاريخ مكَّة» للأزرقيِّ بسندٍ معضلٍ: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لقد مرَّ بفجِّ الرَّوحاء سبعون نبيًّا، تلبيتهم شَتَّى، منهم يونس بن متَّى، وكان يونس يقول: لبَّيك فرَّاجَ الكَرْبِ لبَّيك، وكان موسى يقول: لبَّيك أنا عبدك لديك لبَّيك»، قال (٦): «وتلبية عيسى: أنا عبدك وابن أَمَتِك بِنْتِ عَبْدَيك»، واستحبَّ الشَّافعيَّة أن (٧) يصلِّي على النَّبيِّ ﷺ بعد الفراغ من التَّلبية، ويسأل الله رضاه والجنَّة، ويتعوَّذ به من النَّار، واستأنسوا لذلك (٨) بما رواه الشَّافعيُّ والدَّارقطنيُّ والبيهقيُّ من

стр. 3628

رواية صالح بن محمَّد بن زائدة، عن عمارة بن خزيمة بن ثابتٍ، عن أبيه: «أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا فرغ من تلبيته سأل الله تعالى رضوانه والجنَّة، واستعفاه (١) برحمته من النَّار»، قال صالحٌ: سمعت القاسم بن محمَّدٍ يقول: كان (٢) يُستحَبُّ للرَّجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلِّي على النَّبيِّ ﷺ ، وصالحٌ هذا ضعيفٌ عند الجمهور، وقال أحمد: لا أرى به بأسًا. ١٥٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ عُمَارَةَ) بن عُمَيرٍ بضم العين وفتح الميم (عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ) مالك بن عامرٍ الهَمْدانيِّ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: إِنِّي لأَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ (٣)، أَإِنَّ الحَمْدَ) بكسر الهمزة وفتحها (٤) كما مرَّ (وَالنِّعْمَةَ لَكَ) سقط قوله في رواية ابن عمر (٥): «والملك لا شريك لك» [خ¦١٥٤٩] من هذه الرِّواية اختصارًا، وأردف المؤلِّف هذا الحديث بسابقه لِما فيه من الدَّلالة على أنَّه كان ﵊ يديم ذلك، وفي حديث مسلمٍ عن جابرٍ التَّصريح بالمداومة. (تَابَعَهُ) أي: تابع سفيانَ الثَّوريَّ (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ -بالمعجمتين- فيما وصله مُسدَّدٌ في «مسنده» (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران. (وَقَالَ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج فيما وصله أبو داود الطَّيالسيُّ في «مسنده»: (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ) الأعمش قال: (سَمِعْتُ خَيْثَمَةَ) بفتح الخاء المعجمة والمُثلَّثة بينهما مُثنَّاةٌ تحتيَّةٌ ساكنةٌ، ابن

стр. 3629

عبد الرَّحمن (١) الجعفيَّ الكوفيَّ (عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ) مالكٍ المذكور قال: (سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂¬) ولفظه كلفظ سفيان، لكنَّه زاد فيها: «ثمَّ سمعتها تلبِّي» وليس فيه قوله: «لا شريك لك»، ورجَّح أبو حاتمٍ في «العلل» رواية الثَّوريِّ ومن تبعه على رواية شعبة، وقال: إنَّها وهمٌ، وأفادت هذه الطَّريق بيان سماع أبي عطيَّة له من عائشة، قاله في «الفتح». (٢٧) (بابُ التَّحْمِيدِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ قَبْلَ الإِهْلَالِ) أي: قبل التَّلبية (عِنْدَ الرُّكُوبِ) أي: بعد الاستواء (عَلَى الدَّابَّةِ) لا حالة وضع رجله مثلًا في الرِّكاب، وقول الزَّركشيِّ وغيره: إِنَّه قصد به الرَّدَّ على أبي حنيفة في قوله: إنَّ من سبَّح أو كبَّر أجزأه عن إهلاله، فأثبت البخاريُّ أنَّ التَّسبيح والتَّحميد من النَّبيِّ ﷺ إنَّما كان قبل الإهلال، تعقَّبه العينيُّ بأنَّ مذهب أبي حنيفة الذي استقرَّ عليه أنَّه لا ينقص شيئًا من ألفاظ تلبية النَّبيِّ ﷺ ، وإِنْ زَادَ عليها فمُستَحبٌّ. انتهى. قال الحافظ ابن حجرٍ: وسقط لفظ «التَّحميد» من رواية المُستملي. ١٥٥١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بالتَّصغير هو ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عبد الله الجرميِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ مَعَهُ بِالمَدِينَةِ) حين أراد حجَّة الوداع (الظُّهْرَ أَرْبَعًا) أي: أربع ركعاتٍ، والواو في قوله: «ونحن» للحال (وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ) قصرًا (ثُمَّ بَاتَ بِهَا) أي: بذي الحليفة (حَتَّى أَصْبَحَ) دخل في الصَّباح، أي: وصلَّى الظُّهر، ثمَّ دعا بناقته فأشعرها

стр. 3630

كما عند مسلمٍ (ثُمَّ رَكِبَ) أي: راحلته (حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ) أي: حال كونها متلبِّسةً (١) به كما مرَّ (عَلَى البَيْدَاءِ) بفتح المُوحَّدة مع المدِّ: الشَّرَف المقابل لذي الحليفة (حَمِدَ اللهَ وَسَبَّحَ وَكَبَّرَ، ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ) قارنًا بينهما (وَأَهَلَّ النَّاسُ) الذين كانوا معه (بِهِمَا) اقتداءً به ﵊، وفي «الصَّحيحين» عن جابرٍ: «أهلَّ رسول الله (٢) ﷺ هو وأصحابه بالحجِّ» [خ¦١٦٥١] وفيهما عن ابن عمر: «أنَّه ﵊ لبَّى بالحجِّ وحده»، ولـ «مسلمٍ» في لفظ: «أهلَّ بالحجِّ مفردًا»، وعند الشَّيخين عن ابن عمر: «أنَّه (٣) كان متمتِّعًا» [خ¦١٦٩١] وفيهما أيضًا عن عائشة ﵂ قالت: تمتَّع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحجِّ، وتمتَّع النَّاس معه [خ¦١٦٩٢] قال النَّوويُّ في «المجموع»: والصَّواب الذي نعتقده أنَّه ﵊ أحرم أوَّلًا بالحجِّ مُفْرِدًا، ثمَّ أدخل عليه العمرة، فصار قارنًا، فمن روى: أنَّه كان مفردًا -وهم الأكثرون (٤) - اعتمدوا أوَّل الإحرام، ومن روى: أنَّه كان قارنًا اعتمد آخره، ومن روى: متمتِّعًا أراد التَّمتُّع اللُّغويَّ؛ وهو الانتفاع والالتذاذ، وقد انتفع بأن كفاه عن النُّسكين فعلٌ واحدٌ، ولم يَحْتَجْ إلى إفراد كلِّ واحدٍ بعملٍ. انتهى. وبقيَّة مباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في «باب التَّمتُّع والقران» [خ¦١٥٦٢] بعد ستَّة أبوابٍ. (فَلَمَّا قَدِمْنَا) مكَّة (أ َمَرَ) ﵊ (النَّاسَ) الذين كانوا معه ولم يسوقوا الهدي (فَحَلُّوا) من إحرامهم، وإنَّما أمرهم بالفسخ وهم قارنون لأنَّهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحجِّ مُنكَرةً كما هو رسم الجاهليَّة، فأمرهم بالتَّحلُّل من حجِّهم، والانفساخ إلى العمرة تحقيقًا لمخالفتهم وتصريحًا بجواز الاعتمار (٥) في تلك الأشهر، وهذا خاصٌّ بتلك السَّنة عند الجمهور خلافًا لأحمد (حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ) برفع «يومُ» لأنَّ «كان» تامَّةٌ لا تحتاج إلى خبرٍ، ويوم التَّروية هو ثامن ذي الحجَّة، سُمِّي به لأنَّهم كانوا يروون دوابَّهم بالماء فيه، ويحملونه إلى عرفاتٍ (أَهَلُّوا بِالحَجِّ) من مكَّة.

стр. 3631

(قَالَ) أنسٌ: (وَنَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بمكَّة (بَدَنَاتٍ بِيَدِهِ) حال كونهنَّ (قِيَامًا) أي: قائماتٍ، وهنَّ المهداة إلى مكَّة (وَذَبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ) يوم عيد الأضحى (كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ) بالحاء المهملة تثنية أملح: وهو الأبيض الذي يخالطه سوادٌ. (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ رَجُلٍ) قِيلَ: هو أبو قلابة، وقِيلَ: حمَّاد بن سلمة (عَنْ أَنَسٍ) قال الحافظ ابن حجرٍ: هكذا وقع عند الكُشْمِيْهَنِيِّ. انتهى. ومقتضاه أنَّه سقط قول أبي عبد الله البخاريِّ هذا إلى آخره عند المُستملي والحَمُّويي. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٧١٤] و «الجهاد» [خ¦٢٩٥١]، وأبو داود بعضه في «الأضاحي» وبعضه في «الحجِّ». (٢٨) (بابُ مَنْ أَهَلَّ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قائمة) إلى طريقه. ١٥٥٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلدٍ النَّبيل قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) بفتح الكاف الغفاريُّ مؤدِّب ولد عمر بن عبد العزيز (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ (١) عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً) أي: استوت راحلته حال كونها قائمةً متلبِّسةً (٢) به، فقوله: «به» حالٌ، وكذا قوله: «قائمةً» وفيه: دليلٌ لمذهب المالكيَّة والشَّافعيَّة أنَّ الأفضل أن يهلَّ إذا انبعثت به راحلته أو توجَّه لطريقه ماشيًا، وفي قولٍ عند الشَّافعيَّة: عقب الصَّلاة جالسًا لحديث ابن عبَّاسٍ عند التِّرمذيِّ -وقال: حسنٌ-: أنَّه ﷺ

стр. 3632

أهلَّ بالحجِّ (١) حين فرغ من ركعتيه، وهو مذهب الحنفيَّة. (٢٩) (بَابُ الإِهْلَالِ) حال كونه (مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ) زاد أبو ذرٍّ عن المُستملي: «الغداة بذي الحليفة». ١٥٥٣ - (وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما مهملةٌ ساكنةٌ، هو عبد الله بن عمرٍو المنقريُّ المُقعَد، وليس هو إسماعيل القطيعيُّ، فيما وصله أبو نُعيمٍ في «مستخرجه» من طريق عبَّاسٍ الدَّورقيِّ عن أبي مَعْمَرٍ، وقال: ذكره البخاريُّ بلا روايةٍ، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا صَلَّى بِالغَدَاةِ) أي: صلَّى الصُّبح بوقت الغداة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «إذا صلَّى الغداة» بإسقاط المُوحَّدة، أي: الصُّبح (بِذِي الحُلَيْفَةِ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَرُحِلَتْ) بضمِّ الرَّاء وكسر الحاء المُخفَّفة (ثُمَّ رَكِبَ، فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ) راحلته قائمةً (اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ) حال كونه (قَائِمًا) أي: مستويًا على ناقته غير مائلٍ، أو وصفه بالقيام لقيام ناقته، وعند ابن ماجه وأبي عَوانة في «صحيحه» من طريق عبيد الله بن عمر عن نافعٍ (٢): «كان إذا أدخل رجله في الغَرْز واستوت به ناقته قائمًا أهلَّ» (ثُمَّ يُلَبِّي) بعد أن يركب راحلته، ولا يقطع تلبيته (حَتَّى يَبْلُغَ المَحْرَمَ (٣)) بميمٍ مفتوحةٍ فحاءٍ مهملةٍ ساكنةٍ فراءٍ مفتوحةٍ، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر ق (٤): «الحرم» أي: أرض الحرم، وفي رواية إسماعيل ابن عُليَّة: إذا دخل

стр. 3633

أدنى الحرم (ثُمَّ يُمْسِكُ) عن التَّلبية، أو المراد بالحرم: المسجد، وبالإمساك عن التَّلبية: التَّشاغل بغيرها من الطَّواف وغيره، وروى ابن خزيمة في «صحيحه» من طريق عطاءٍ قال: «كان ابن عمر يدع التَّلبية إذا دخل الحرم (١)، ويراجعها بعدما يقضي طوافه بين الصَّفا والمروة» فالأولى أنَّ المراد إذا دخل أدنى الحرم كما في رواية إسماعيل ابن عُليَّة، ولقوله بعد: (حَتَّى إِذَا جَاءَ ذَا طُوًى) بضمِّ الطَّاء مقصورًا مُنوَّنًا، ولأبي ذرٍّ: «طِوى» بكسر الطَّاء غير مصروفٍ (٢)، وصُحِّح على عدم الصَّرف، كذا (٣) في «اليونينيَّة»، ونسب الحافظ ابن حجرٍ كسر الطَّاء لتقييد الأَصيليِّ، وفي «القاموس»: تثليثها (٤)، وقال الكِرمانيُّ: الفتح أفصح، وهو وادٍ معروفٌ بقرب مكَّة في صوب طريق العمرة ومساجد عائشة، ويُعرَف اليوم ببئر الزَّاهر، فجعل غاية الإمساك الوصول إلى ذي طُوًى، ومذهب الشَّافعيَّة والحنفيَّة: يمتدُّ وقت التَّلبية إلى شروعه في التَّحلُّل رميًا أو غيره، قال الرَّافعيُّ: ولذلك نقول: المعتمر يقطعها إذا افتتح الطَّواف، وفي «الصَّحيحين» عن الفضل بن عبَّاسٍ قال: «كنت رديف النَّبيِّ ﷺ من جَمْع إلى منًى، فلم يَزَلْ يلبِّي حتَّى رمى جمرة العقبة» [خ¦١٥٤٤] وروى أبو داود عن ابن عبَّاسٍ عن النَّبيِّ ﷺ قال: يلبِّي المعتمر حتَّى يستلم الحجر، وعند المالكيَّة خلافٌ: هل يقطع التَّلبية حين (٥) يبتدئ الطَّواف أو إذا دخل مكَّة؟ والأوَّل في «المُدوَّنة»، والثَّاني في «الرِّسالة»، وشهَّره ابن بشيرٍ، ونقل الكِرمانيُّ أنَّ في بعض الأصول: «حتَّى إذا حاذى طُوًى» بحاءٍ مهملةٍ مِنَ المحاذاة، وحذف كلمة: «ذي»، قال: والصَّحيح هو الأوَّل؛ لأنَّ اسم الموضع «ذو طُوًى» لا «طُوًى» فقط (بَاتَ بِهِ) أي: بذي طُوًى (حَتَّى يُصْبِحَ) أي (٦): إلى أن يدخل في الصَّباح (فَإِذَا صَلَّى الغَدَاةَ) الصُّبح، وجواب «إذا» قوله: (اغْتَسَلَ) لدخول مكَّة. (وَزَعَمَ) وفي رواية ابن عُلَيَّة عن أيُّوب: ويحدِّث (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ) المذكور من البيتوتة والصَّلاة والغسل.

стр. 3634

(تَابَعَهُ) أي: تابع عبدَ الوارث (إِسْمَاعِيلُ) ابن عُليَّة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (فِي الغَسْلِ) بفتح الغين المعجمة، ولأبي ذرٍّ: «في الغُسل» بضمِّها، أي: وغيره، لكن من غير مقصود التَّرجمة لأنَّ هذه المتابعة وصلها المؤلِّف بعد أبوابٍ [خ¦١٥٧٣]: عن يعقوب بن إبراهيم قال: حدَّثنا ابن عليَّة به، ولم يقتصر على الغسل، بل ذكره كلَّه إلَّا القصَّة الأولى، وأوَّله: «كان إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التَّلبية» والباقي مثله، نبَّه عليه (١) في «الفتح»، ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «فإذا استوت به استقبل القبلة»، والله أعلم. ١٥٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ) بن حمَّادٍ (أَبُو الرَّبِيعِ) العتكيُّ الزَّهرانيُّ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام آخره حاءٌ مهملةٌ مُصغَّرًا، ابن سليمان الخزاعيُّ المدنيُّ، ويُقال: فُلَيْحٌ لقبٌ، واسمه عبد الملك، من طبقة مالكٍ، احتجَّ به البخاريُّ وأصحاب «السُّنن»، وروى له مسلمٌ حديث الإفك فقط، وضعَّفه يحيى بن معينٍ والنَّسائيُّ وأبو داود، وقال السَّاجيُّ (٢): هو من أهل الصِّدق، وكان يَهِم، وقال الدَّارقطنيُّ: مختلفٌ فيه، ولا بأس به، وقال ابن عديٍّ: له أحاديث صالحةٌ مستقيمةٌ وغرائب، وهو عندي (٣) لا بأس به. انتهى. ولم يعتمد عليه البخاريُّ اعتماده على مالكٍ وابن عيينة وأضرابهما، وإنَّما أخرج (٤) له أحاديث أكثرها في «المتابعات»، وبعضها في «الرَّقائق» (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ إِذَا أَرَادَ الخُرُوجَ إِلَى مَكَّةَ ادَّهَنَ بِدُهْنٍ لَيْسَ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، ثُمَّ يَأْتِي مَسْجِدَ الحُلَيْفَةِ) ولأبي ذرٍّ: «مسجد ذي الحليفة» (فَيُصَلِّي) الغداة (ثُمَّ يَرْكَبُ) راحلته (وَإِذَا) وفي نسخةٍ: «فإذا» (اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً أَحْرَمَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ (٥) ﷺ يَفْعَلُ) لم

стр. 3635

يقع في رواية فُلَيْحٍ هذه التَّصريح باستقبال القبلة لأنَّه من لازم استواء الرَّاحلة عند الأخذ في السَّير استقبالها القبلة لأنَّ مكَّة أمامه، فهو مستقبل القبلة ضرورةً، وقد صرَّح بالاستقبال في الرِّواية الأولى، وهما حديثٌ واحدٌ، وإنَّما احتاج إلى رواية فُلَيْحٍ لِمَا فيها من زيادة ذكر: «الدَّهن» الذي ليست له رائحةٌ طيِّبةٌ، قال (١) المُهلَّب: وإنَّما كان ابن عمر يدَّهن ليمنع القمل عن (٢) شعره، ويجتنب ما له رائحةٌ طيِّبةٌ صيانةً للإحرام. (٣٠) (بابُ التَّلْبِيَةِ إِذَا انْحَدَرَ) المُحْرِم (فِي الوَادِي). ١٥٥٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) المعروف بالزَّمِن (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) بفتح العين وكسر الدَّال المهملتين ثمَّ المُثنَّاة التَّحتيَّة المُشدَّدة، وهو محمَّد بن إبراهيم بن أبي عديٍّ (٣) (عَنِ ابْنِ عَوْنٍ) بفتح العين وسكون الواو عبد الله (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جَبْرٍ -بفتح الجيم وسكون المُوحَّدة- المخزوميِّ مولاهم المكِّيِّ، إمامٌ في التَّفسير (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، فَذَكَرُوا الدَّجَّالَ أَنَّهُ) أي: الدَّجال، والهمزة مفتوحةٌ (قَالَ: مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ) في موضع رفع خبر «أنَّ»، و «كافرٌ» رُفِع بقوله: «مكتوبٌ»، واسم المفعول يعمل عمل فعله كاسم الفاعل (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ أَسْمَعْهُ) ﵊، زاد في «باب الجعد» من «كتاب اللِّباس»: «قال ذلك» [خ¦٥٩١٣] (وَلَكِنَّهُ قَالَ) ﷺ : (أَمَّا مُوسَى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ) رؤيا حقيقيَّةً

стр. 3636

بأن يجعل الله لروحه مثالًا يُرَى في اليقظة كما يُرَى في النَّوم كليلة الإسراء، والأنبياء أحياءٌ عند ربِّهم يُرزَقون، وقد رأى النَّبيُّ ﷺ موسى قائمًا في قبره يصلِّي كما رواه مسلمٌ عن أنسٍ، أو أنَّه ﵊ نظر ذلك في المنام، وبذلك صرَّح موسى بن عقبة في روايته عن نافعٍ: ورؤيا الأنبياء حقٌّ ووحيٌ، أو أنَّه مُثِّلت له حالة موسى ﵇ التي كان عليها في الحياة، وكيف يحجُّ ويلبِّي، أو أنَّه ﵊ أخبر بالوحي عن ذلك، فلشدَّة قطعه به قال: «كأنِّي أنظر إليه» (إِذِ انْحَدَرَ فِي الوَادِي) وادي الأزرق (يُلَبِّي) بحذف الألف بعد الذَّال، ولأبي ذرٍّ: «إذا» (١) بإثباتها، وأنكرها بعضهم، وغلَّط (٢) راويها كما حكاه عياضٌ، قال: وهو غلطٌ منه إذ لا فرق بين «إذا» و «إذ» هنا لأنَّه وصفه حالة انحداره فيما مضى، وقوله: «كأنِّي أنظر إليه» جواب «أمَّا»، والأصل: فكأنِّي فحذف (٣) الفاء، وهو حجَّةٌ على من قال من النُّحاة: إنَّه لا يجوز حذفها، لكن قد يُقال: إنَّ حذفها وقع من الرَّاوي، وقد جوَّز ابن مالكٍ حذفها في السَّعة، وخصَّه بعضهم بالضَّرورة، وقد اعترض المُهلَّب قوله: موسى، وقال: إنَّه وهمٌ من بعض الرُّواة، وصَوَّبَ أنَّه عيسى لأنَّه حيٌّ، واستدلَّ بقوله في الحديث الآخر: «لَيُهِلَّنَّ ابنُ مريم بفجِّ الرَّوحاء»، وأُجيب بأنَّه لا فرق بين موسى وعيسى لأنَّه لم يثبت أنَّ عيسى منذ رُفِع نزل إلى الأرض، وإنَّما

стр. 3637

ثبت أنَّه سينزل (١) عند أشراط السَّاعة، وقد أخرج مسلمٌ الحديث من طريق أبي العالية عن ابن عبَّاسٍ بلفظ: «كأنِّي أنظر إلى موسى من الثَّنيَّة، واضعًا إصبعيه في أذنيه، مارًّا بهذا الوادي، وله جؤارٌ إلى الله تعالى بالتَّلبية» قاله لمَّا مرَّ بوادي الأزرق، وقد زاد في «باب الجعد» من «كتاب اللِّباس» ذِكْرَ إبراهيم، ولفظه: قال ابن عبَّاسٍ: لم أسمعه قال ذلك، ولكنَّه قال: «أمَّا إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم، وأمَّا موسى فرجلٌ آدم جعدٌ على جملٍ أحمرَ، مخطومٍ بخُلْبةٍ (٢)، كأنِّي أنظر إليه إذا انحدر في الوادي يلبِّي» [خ¦٥٩١٣] أفيُقال: إنَّ الرَّاوي غلط فزاد «إبراهيم»؟ وفي الحديث: أنَّ التلبية في بطون الأودية من سنن المرسلين، وأنَّها تتأكَّد عند الهبوط كما تتأكَّد عند الصُّعود. وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٩١٣] وفي «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٥٥]، ومسلمٌ في «الإيمان» (٣). (٣١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (٤) (كَيْفَ تُهِلُّ) أي: تُحرِم (الحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ؟) يُقال: (أَهَلَّ) الرَّجل بما في قلبه إذا (تَكَلَّمَ بِهِ، وَاسْتَهْلَلْنَا وَأَهْلَلْنَا الهِلَالَ) بالنَّصب على المفعوليَّة، أي: طلبنا (٥) ظهوره، ولأبي ذرٍّ: «الهلالُ» بالرَّفع، أي: استهلَّ الهلال على صيغة المعلوم، أي: تبيَّن، قال المجد الشِّيرازيُّ -كالجوهريِّ-: ولا يُقال: أهلَّ، ويُقال: أهللنا عن ليلة كذا، ولا يُقال: أهللناه فهلَّ، كما يُقال: أدخلناه فدخل، وهو قياسه (كُلُّهُ) أي: ما ذُكِر من هذه الألفاظ مأخوذٌ

стр. 3638

(مِنَ) معنى (١) (الظُّهُورِ (٢)، وَ) من الظُّهور أيضًا (٣) (اسْتَهَلَّ المَطَرُ) أي: (خَرَجَ مِنَ السَّحَابِ) ومنه أيضًا قوله تعالى: (﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣]) أي: نُودِي عليه بغير اسم الله، وأصله: رفع الصَّوت (وَهْوَ مِنِ اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ) أي: رفع صوته بالصِّياح عند الولادة، قال في «الفتح»: وهذا في رواية المُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ، وليس مخالفًا لما سبق من أنَّ أصل الاستهلال (٤) رفع الصَّوت لأنَّ رفع الصَّوت يقع بذكر الشَّيء عند ظهوره. ١٥٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) لخمسٍ بقين من ذي القعدة (٥) (فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ) سُمِّيت بذلك لأنَّه ﷺ ودَّع الناس فيها (فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ) أدخلناها على الحجِّ بعد أن أهللنا به في الابتداء كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى (ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لمن معه بعد إحرامهم بالحجِّ، ودنوِّهم من مكَّة بسَرِف كما في رواية عائشة، أو بعد طوافهم بالبيت كما في رواية جابرٍ، أو

стр. 3639

قاله مرَّتين في الموضعين، وأنَّ العزيمة كانت آخرًا حين أمرهم بفسخ الحجِّ إلى العمرة: (مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدِْيٌّ) بإسكان الدَّال وتخفيف الياء وبكسر الدَّال وتشديد الياء، والأولى أفصح وأشهر: اسمٌ لِما يُهدَى إلى الحرم من الأنعام، وسَوْق الهدي سنَّةٌ لمن أراد الإحرام بحجٍّ أو عمرةٍ (فَلْيُهِلَّ بِالحَجِّ مَعَ العُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلَّ) وفي «اليونينيَّة»: بالنَّصب مُصْلَحٌ (١) (حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا) أي: من الحجِّ والعمرة (جَمِيعًا) وفيه دلالةٌ على أنَّ السَّبب في بقاء من ساق الهدي على إحرامه حتَّى يحلَّ من الحجِّ؛ كونه أدخل الحجَّ على العمرة لا مُجرَّد سوق الهدي كما يقوله أبو حنيفة وأحمد وموافقوهما (٢) من أنَّ المعتمر المتمتِّع إذا كان معه هديٌ لا يتحلَّل من عمرته حتَّى ينحر هديه يوم النَّحر، وقد تمسَّكوا بقوله في رواية عقيلٍ عن الزُّهريِّ في «الصَّحيحين»: فقال رسول الله ﷺ : «من أحرم بعمرةٍ ولم يُهْدِ فَلْيُحْلِل، ومن أحرم بعمرةٍ وأهدى فلا يُحِلَّ حتَّى ينحر هديه، ومن أهلَّ بحجٍّ فليتمَّ حجَّه» [خ¦٣١٩] وهي ظاهرةٌ في الدَّلالة لمذهبهم، لكن تأوَّلها الشَّافعيَّة على أنَّ معناها: ومن أحرم بعمرةٍ وأهدى فليهلل بالحجِّ، ولا يحلُّ حتَّى ينحر هديه، واستدلُّوا لصحَّة هذا التَّأويل بهذه الرِّواية لأنَّ القصَّة واحدةٌ والرَّاوي واحدٌ، فتعيَّن الجمع بين الرِّوايتين. قالت عائشة: (فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ) جملةٌ اسميَّةٌ وقعت حالًا، وكان ابتداء حيضها بسَرِفٍ يوم السَّبت لثلاث ليالٍ (٣) خلون من ذي الحجَّة (وَلَمْ أَطُفْ بِالبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) عطفٌ على المنفيِّ قبله، على تقدير: ولم أسعَ، وهو من باب: علفتها تبنًا وماءً باردًا ................... ويجوز أن يقدِّر: ولم أَطُفْ بين الصَّفا والمروة، على طريق المجاز لِمَا في الحديث: «وطاف بالصَّفا والمروة سبعة أطوافٍ» [خ¦١٦٩١] وإنَّما ذهب إلى التَّقدير دون الانسحاب لئلَّا يلزم استعمال اللَّفظ الواحد (٤) حقيقةً ومجازًا في حالةٍ واحدةٍ، قاله في «شرح المشكاة» (فَشَكَوْتُ

стр. 3640

ذَلِكَ) أي: ترك الطَّواف بالبيت، وبين الصَّفا والمروة بسبب الحيض (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: انْقُضِي رَأْسَكِ) بالقاف المضمومة والضَّاد المعجمة المكسورة من النَّقض، أي: حلِّي ضفر شعر رأسك (وَامْتَشِطِي) أي: سرِّحيه بالمشط (وَأَهِلِّي بِالحَجِّ، وَدَعِي العُمْرَةَ) أي: عملها؛ من الطَّواف والسَّعي وتقصير الشَّعر، لا أنَّها تدع العمرة نفسها، وحينئذٍ فتكون قارنةً؛ كذا تأوَّله الشَّافعيُّ، والحاصل: أنَّها أحرمت بالحجِّ ثمَّ فسخته إلى العمرة حين أمر النَّاس بذلك، فلمَّا حاضت وتعذَّر عليها إتمام العمرة والتَّحلُّل منها وإدراك الإحرام بالحجِّ أمرها ﷺ بالإحرام بالحجِّ، فأحرمت به فصارت مُدخِلةً للحجِّ على العمرة وقارنةً، لكن استشكل الخطَّابيُّ قوله لها: «انقضي رأسك وامتشطي» لأنَّه ظاهرٌ في إبطال العمرة لأنَّ المُحرِم لا يفعل مثل ذلك (١)؛ لأنَّه يؤدِّي إلى انتتاف الشَّعر، وأُجيب بأنَّه لا يلزم من ذلك إبطال العمرة، فإنَّ نقض الرَّأس (٢) والامتشاط جائزان في الإحرام إذا لم يؤدِّ إلى انتتاف الشَّعر، لكن يُكرَه الامتشاط لغير عذرٍ، أو أنَّ ذلك كان بسبب أذًى كان برأسها، فأُبيح لها كما أُبيح لكعب بن عُجْرة في حلق رأسه للأذى، أو المراد بالامتشاط: تسريح الشَّعر بالأصابع لغسل (٣) الإحرام بالحجِّ، ولا سيَّما إن كانت مُلبِّدةً فتحتاج إلى نقض الضَّفر ثمَّ تضفره كما كان ويلزم منه نقضه، ويشهد لِما أوَّله الشَّافعيُّ -رحمة الله عليه- قولُه ﵊ في الحديث الآخر: «قد حللت من حجَّتك وعمرتك جميعًا» وقوله في الحديث الآخر: «طوافك وسعيك كافيك لحجِّك وعمرتك» فهو صريحٌ (٤) في أنَّها كانت قارنة لكن عند المؤلِّف في «باب التَّمتُّع والإقران» (٥) من طريق الأسود عنها: أنَّها قالت: «يا رسول الله يرجع النَّاس بعمرةٍ وحجٍّ، وأرجع أنا بحجَّةٍ» [خ¦١٥٦١] وزاد في رواية عطاء عنها عند أحمد: «ليس معها عمرةٌ» وهذا يقوِّي قول الحنفيَّة: إنَّها تركت العمرة وحجَّت مفردةً متمسِّكين بقوله لها: «دعي عمرتك»، واستدلَّوا به على أنَّ المرأة إذا أهلَّت بالعمرة متمتِّعةً

стр. 3641

فحاضت قبل أن تطوف تترك العمرة وتهلُّ بالحجِّ مُفرِدةً (١)؛ كما صنعت عائشة ﵂، لكن قال في «الفتح»: إنَّ (٢) في رواية عطاءٍ عنها ضعفًا، والرَّافع للإشكال في ذلك ما رواه مسلمٌ من حديث جابرٍ: أنَّ عائشة أهلَّت بعمرةٍ حتَّى إذا كانت بسَرِف حاضت، فقال لها رسول الله ﷺ : «أهلِّي بالحجِّ» حتَّى إذا طهرت طافت بالكعبة وسَعَتْ، فقال: «قد حللت من حجِّك وعمرتك» فقالت (٣): يا رسول الله، إنِّي أجد في نفسي أنِّي لم أَطُفْ بالبيت حتَّى حججت، قال: «فأَعْمِرْها من التَّنعيم»، قالت عائشة ﵂: (فَفَعَلْتُ) بسكون اللَّام، ما ذَكَرَ من النَّقض والامتشاط والإهلال بالحجِّ، وترك عمل العمرة، وهذا موضع التَّرجمة. (فَلَمَّا قَضَيْنَا الحَجَّ) أي: وطهرتُ يوم النَّحر (أَرْسَلَنِي النَّبِيُّ ﷺ مَعَ) أخي (عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (إِلَى التَّنْعِيمِ) المشهور بمسجد عائشة (فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ) ﵊: (هَذِهِ) العمرة (مَكَانَُ عُمْرَتِكِ) برفع «مكانُ» خبرًا لقوله: «هذه»، أو بالنَّصب -وهو الذي في «اليونينيَّة» لا غير (٤) - على الظَّرفيَّة، وعامله المحذوف هو الخبر، أي: كائنةٌ أو مجعولةٌ مكان عمرتك، قال القاضي عياضٌ: والرَّفع أوجه عندي إذ لم يرد به الظَّرف، إنَّما أراد عوض عمرتك، فمن قال: كانت قارنةً قال: مكان عمرتك التي أردت أن تأتي بها مفردةً، وحينئذٍ فتكون عمرتها من التَّنعيم تطوُّعًا لا عن فرضٍ، لكنَّه أراد تطييب نفسها بذلك، ومن قال: كانت مفردةً قال: مكان عمرتك التي فسخت الحجَّ إليها، ولم تتمكَّني من الإتيان بها للحيض. وقال السُّهيليُّ: الوجه النَّصب على الظَّرف لأنَّ العمرة ليست بمكانٍ لعمرةٍ أخرى، لكن إن جعلتَ «مكان» بمعنى «عوض» أو «بدل» مجازًا -أي: هذه بدل عمرتك- جاز الرَّفع حينئذٍ. (قَالَتْ) عائشة ﵂: (فَطَافَ الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالعُمْرَةِ بِالبَيْتِ و) سعوا أو (٥) طافوا (بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) لأجل العمرة (ثُمَّ حَلُّوا) منها بالحلق أو التَّقصير (ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا)

стр. 3642

للحجِّ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «طوافًا آخر» (بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا) لأنَّ القارن يكفيه طوافٌ واحدٌ وسعيٌ واحدٌ لأنَّ أفعال العمرة تندرج في أفعال الحجِّ، وهو مذهب الشَّافعيِّ ومالكٍ وأحمد والجمهور، خلافًا للحنفيَّة حيث قالوا: لا بدَّ للقارن من طوافين وسعيين لأنَّ القِران هو الجمع بين العبادتين، فلا يتحقَّق إلَّا بالإتيان بأفعالِ كلٍّ منهما، والطَّواف والسَّعي مقصودان فيهما فلا يتداخلان إذ لا تداخُلَ في العبادات، وهو محكيٌّ عن أبي بكرٍ وعمر وعليِّ بن أبي طالبٍ وابن مسعودٍ والحسن بن عليٍّ، ولا يصحُّ عن واحدٍ منهم (١)، واستدلَّ بعضهم له بحديث ابن عمر عند الدَّارقطنيِّ بلفظ: «إنَّه جمع بين حجَّةٍ وعمرةٍ معًا، وطاف لهما طوافين وسعىَ لهما سعيين» وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ صنع، وبحديث عليٍّ عند الدَّارقطنيِّ أيضًا (٢)، وبحديث ابن مسعودٍ وحديث عمران بن حصينٍ عنده أيضًا، وكلُّها مطعونٌ فيها لِمَا في رواتها من الضَّعف المانع للاحتجاج بها، والله أعلم. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا (٣) في «الحجِّ» [خ¦١٧٨٣] و «المغازي» [خ¦٤٣٩٥]، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «الحجِّ»، وكذا ابن ماجه، والله أعلم. (٣٢) (بَابُ مَنْ أَهَلَّ) (٤) أي: أهلَّ على الإبهام من غير تعيينٍ (فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فأقَّره النَّبيُّ ﷺ عليه (٥)، وتقييده في التَّرجمة بزمنه ﵊ إشارةٌ إلى أنَّه لا يجوز بعد ذلك، لنا: أنَّ (٦) الأصل عدم الخصوصيَّة، فيجوز أن يحرم كإحرام زيدٍ، فإن لم يكن زيدٌ محرمًا انعقد إحرامهمطلقًا، ولغت الإضافة لزيدٍ، وإن كان زيدٌ محرمًا انعقد إحرامه

стр. 3643

كإحرامه؛ إن كان حجًّا فحجٌّ، وإن كان عمرةً فعمرةٌ، وإن كان مطلقًا فمُطلَقٌ، ويتخيَّر كما يتخيَّر زيدٌ، ولا يلزمه الصَّرف إلى ما يصرف إليه زيدٌ، فإن (١) تعذَّر معرفة إحرامه بموته أو جنونه أو غيبته نوى القِرَان، وعمل أعمال النُّسكين ليتحقَّق الخروج عمَّا شرع فيه، وهذا مذهب الشَّافعيَّة، وهو الصَّحيح عند أشهب، نقله سندٌ وصاحب «الذَّخيرة»، وهو مذهب الحنابلة، وحُكِيَ عن مالكٍ المنع -وهو قول الكوفيِّين- لعدم الجزم حين الدُّخول في العبادة (قَالَهُ) أي: ما ذكر في التَّرجمة (ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فيما أخرجه المؤلِّف ﵀ في «باب بعث عليٍّ ﵁ إلى اليمن» [خ¦٤٣٥٤] من «باب المغازي». ١٥٥٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن بشير (٢) بن فرقد الحنظليُّ التَّميميُّ البلخيُّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ: (قَالَ جَابِرٌ) هو ابن عبد الله الأنصاريُّ (¬﵁: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا ﵁¬) هو ابن أبي طالبٍ حين قدم مكَّة من اليمن ومعه هديٌ (أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ) الذي كان أحرم به كإحرام النَّبيِّ ﷺ ، ولا يحلُّ لأنَّ معه الهدي (وَذَكَرَ) أي: جابرٌ في حديثه، فهو من مقول عطاءٍ، أو المكِّيُّ بن إبراهيم، فيكون من مقول البخاريِّ (قَوْلَ سُرَاقَةَ) بضمِّ السِّين المهملة وفتح القاف ابن مالك بن جُعْشُم بضمِّ الجيم والشِّين المعجمة بينهما مهملةٌ ساكنةٌ، المذكور في «باب عمرة التَّنعيم» من حديث حبيبٍ المعلِّم عن عطاءٍ: حدَّثني جابرٌ «أنَّ رسول الله ﷺ أهلَّ هو وأصحابه بالحجِّ، وليس مع أحدٍ منهم هديٌ غير النَّبيِّ ﷺ وطلحة، وكان عليٌّ ﵁ قدم من اليمن ومعه هديٌ … » الحديثَ، [خ¦١٧٨٥] وفيه: أنَّ سراقة لقي النَّبيَّ (٣) ﷺ بالعقبة، وهو يرميها فقال: ألكم هذه خاصَّةً يا رسول الله؟ قال: «بل لأبد الأبد» أي: أنَّ أفعال العمرة تدخل في أفعال الحجِّ للقارن دائمًا لا في خصوص تلك السَّنة.

стр. 3644

وفي هذا الحديث: التَّحديثُ والعنعنة والقول؛ قال عطاءٌ وقال جابرٌ، وهو صورة التَّعليق، وهو من الرُّباعيَّات. ١٥٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الخَلَّالُ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللَّام الأولى (الهُذَلِيُّ) بضمِّ الهاء وفتح الذَّال المعجمة؛ نسبةً إلى هُذَيْل بن مدركة المُتوفَّى سنة اثنتين وأربعين ومئتين، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ) بفتح السِّين وكسر اللَّام، و «حَيَّان»: بفتح الحاء المهملة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة (قَالَ: سَمِعْتُ مَرْوَانَ الأَصْفَرَ) بالصَّاد المهملة والفاء أبوخليفة (١) البصريّ، قِيلَ: اسم أبيه خاقان، وقِيلَ: سالمٌ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ عَلِيٌّ ﵁ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) مكَّةَ (مِنَ اليَمَنِ، فَقَالَ) ﵊ له: (بِمَا أَهْلَلْتَ؟) أي: أحرمتَ، وأثبت ألف «ما» الاستفهاميَّة مع دخول الجارِّ عليها وهو قليلٌ، ولأبي ذرٍّ: «بِمَ» بحذفها على الكثير الشَّائع نحو: ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات: ٤٣] ﴿عَمَّ يَتَسَاءلُونَ﴾ [النبأ: ١] (قَالَ) عليٌّ (٢) ﵁: (بِمَا أَهَلَّ) أي: بالذي أحرمَ (بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ) ﵊: (لَوْلَا أَنَّ مَعِي الهَدْيَ لأَحْلَلْتُ) من الإحرام وتمتَّعت لأنَّ صاحب الهدي لا يتحلَّل حتَّى يبلغ الهديُ مَحِلَّه، وهو يوم النَّحر، واللَّام في «لَأحللت» للتَّأكيد. وأخرج هذا الحديث مسلمٌ والتِّرمذيُّ في «الحجُّ» (٣). (وَزَادَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) بفتح المُوحَّدة وسكون الكاف البُرسَانيُّ؛ بضمِّ المُوحَّدة وفتح

стр. 3645

السِّين المهملة، ممَّا وصله الإسماعيليُّ من طريق محمَّد بن بشَّارٍ وأبو عَوانة في «صحيحه» عن عمَّارٍ، كلاهما عنه (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : بِمَا أَهْلَلْتَ يَا عَلِيُّ؟ قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: فَأَهْدِ) بهمزة قطعٍ مفتوحةٍ (وَامْكُثْ) بهمزة وصلٍ؛ أي (١): اِلْبَثْ حال كونك (حَرَامًا) أي: محرمًا (كَمَا أَنْتَ) أي: على ما أنت عليه من حقِّ (٢) الإحرام إلى الفراغ من الحجِّ، و «ما»: موصولةٌ، و «أنت»: مبتدأٌ حُذِف خبره، أو خبرٌ حُذِف مبتدؤه (٣)، أي: كالذي هو أنت، أو «ما»: زائدةٌ ملغاةٌ، والكاف جارَّةٌ، و «أنت»: ضميرٌ مرفوعٌ أُنيب عن المجرور كقولهم: ما أنا كأنت، والمعنى: كن فيما يُستقبَل مماثلًا لنفسك فيما مضى، أو «ما»: كافَّةٌ، و «أنت»: مبتدأٌ حُذِف خبره، أي: عليه أو كائنٌ، قال البرماويُّ -كالكِرمانيِّ- وفي الحديث أنَّ عليًّا كان قارنًا لأنَّ الدَّم إمَّا على متمتِّعٍ أو قارنٍ، وليس متمتِّعًا لأنَّ قوله: «امكث» يدلُّ على عدمه. ١٥٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) بن واقدٍ الفريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ) بضمِّ الميم وسكون السِّين الجَدَليِّ -بفتح الجيم والدَّال المهملة- الكوفيِّ
следующие страницы →