فحاضت قبل أن تطوف تترك العمرة وتهلُّ بالحجِّ مُفرِدةً (١)؛ كما صنعت عائشة ﵂، لكن قال في «الفتح»: إنَّ (٢) في رواية عطاءٍ عنها ضعفًا، والرَّافع للإشكال في ذلك ما رواه مسلمٌ من حديث جابرٍ: أنَّ عائشة أهلَّت بعمرةٍ حتَّى إذا كانت بسَرِف حاضت، فقال لها رسول الله ﷺ : «أهلِّي بالحجِّ» حتَّى إذا طهرت طافت بالكعبة وسَعَتْ، فقال: «قد حللت من حجِّك وعمرتك» فقالت (٣): يا رسول الله، إنِّي أجد في نفسي أنِّي لم أَطُفْ بالبيت حتَّى حججت، قال: «فأَعْمِرْها من التَّنعيم»، قالت عائشة ﵂: (فَفَعَلْتُ) بسكون اللَّام، ما ذَكَرَ من النَّقض والامتشاط والإهلال بالحجِّ، وترك عمل العمرة، وهذا موضع التَّرجمة.
(فَلَمَّا قَضَيْنَا الحَجَّ) أي: وطهرتُ يوم النَّحر (أَرْسَلَنِي النَّبِيُّ ﷺ مَعَ) أخي (عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (إِلَى التَّنْعِيمِ) المشهور بمسجد عائشة (فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ) ﵊: (هَذِهِ) العمرة (مَكَانَُ عُمْرَتِكِ) برفع «مكانُ» خبرًا لقوله: «هذه»، أو بالنَّصب -وهو الذي في «اليونينيَّة» لا غير (٤) - على الظَّرفيَّة، وعامله المحذوف هو الخبر، أي: كائنةٌ أو مجعولةٌ مكان عمرتك، قال القاضي عياضٌ: والرَّفع أوجه عندي إذ لم يرد به الظَّرف، إنَّما أراد عوض عمرتك، فمن قال: كانت قارنةً قال: مكان عمرتك التي أردت أن تأتي بها مفردةً، وحينئذٍ فتكون عمرتها من التَّنعيم تطوُّعًا لا عن فرضٍ، لكنَّه أراد تطييب نفسها بذلك، ومن قال: كانت مفردةً قال: مكان عمرتك التي فسخت الحجَّ إليها، ولم تتمكَّني من الإتيان بها للحيض. وقال السُّهيليُّ: الوجه النَّصب على الظَّرف لأنَّ العمرة ليست بمكانٍ لعمرةٍ أخرى، لكن إن جعلتَ «مكان» بمعنى «عوض» أو «بدل» مجازًا -أي: هذه بدل عمرتك- جاز الرَّفع حينئذٍ.
(قَالَتْ) عائشة ﵂: (فَطَافَ الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالعُمْرَةِ بِالبَيْتِ و) سعوا أو (٥) طافوا (بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) لأجل العمرة (ثُمَّ حَلُّوا) منها بالحلق أو التَّقصير (ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا)
стр. 3642
للحجِّ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «طوافًا آخر» (بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا) لأنَّ القارن يكفيه طوافٌ واحدٌ وسعيٌ واحدٌ لأنَّ أفعال العمرة تندرج في أفعال الحجِّ، وهو مذهب الشَّافعيِّ ومالكٍ وأحمد والجمهور، خلافًا للحنفيَّة حيث قالوا: لا بدَّ للقارن من طوافين وسعيين لأنَّ القِران هو الجمع بين العبادتين، فلا يتحقَّق إلَّا بالإتيان بأفعالِ كلٍّ منهما، والطَّواف والسَّعي مقصودان فيهما فلا يتداخلان إذ لا تداخُلَ في العبادات، وهو محكيٌّ عن أبي بكرٍ وعمر وعليِّ بن أبي طالبٍ وابن مسعودٍ والحسن بن عليٍّ، ولا يصحُّ عن واحدٍ منهم (١)، واستدلَّ بعضهم له بحديث ابن عمر عند الدَّارقطنيِّ بلفظ: «إنَّه جمع بين حجَّةٍ وعمرةٍ معًا، وطاف لهما طوافين وسعىَ لهما سعيين» وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ صنع، وبحديث عليٍّ عند الدَّارقطنيِّ أيضًا (٢)، وبحديث ابن مسعودٍ وحديث عمران بن حصينٍ عنده أيضًا، وكلُّها مطعونٌ فيها لِمَا في رواتها من الضَّعف المانع للاحتجاج بها، والله أعلم.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا (٣) في «الحجِّ» [خ¦١٧٨٣] و «المغازي» [خ¦٤٣٩٥]، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «الحجِّ»، وكذا ابن ماجه، والله أعلم.
(٣٢) (بَابُ مَنْ أَهَلَّ) (٤) أي: أهلَّ على الإبهام من غير تعيينٍ (فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فأقَّره النَّبيُّ ﷺ عليه (٥)، وتقييده في التَّرجمة بزمنه ﵊ إشارةٌ إلى أنَّه لا يجوز بعد ذلك، لنا: أنَّ (٦) الأصل عدم الخصوصيَّة، فيجوز أن يحرم كإحرام زيدٍ، فإن لم يكن زيدٌ محرمًا انعقد إحرامهمطلقًا، ولغت الإضافة لزيدٍ، وإن كان زيدٌ محرمًا انعقد إحرامه
стр. 3643
كإحرامه؛ إن كان حجًّا فحجٌّ، وإن كان عمرةً فعمرةٌ، وإن كان مطلقًا فمُطلَقٌ، ويتخيَّر كما يتخيَّر زيدٌ، ولا يلزمه الصَّرف إلى ما يصرف إليه زيدٌ، فإن (١) تعذَّر معرفة إحرامه بموته أو جنونه أو غيبته نوى القِرَان، وعمل أعمال النُّسكين ليتحقَّق الخروج عمَّا شرع فيه، وهذا مذهب الشَّافعيَّة، وهو الصَّحيح عند أشهب، نقله سندٌ وصاحب «الذَّخيرة»، وهو مذهب الحنابلة، وحُكِيَ عن مالكٍ المنع -وهو قول الكوفيِّين- لعدم الجزم حين الدُّخول في العبادة (قَالَهُ) أي: ما ذكر في التَّرجمة (ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فيما أخرجه المؤلِّف ﵀ في «باب بعث عليٍّ ﵁ إلى اليمن» [خ¦٤٣٥٤] من «باب المغازي».
١٥٥٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن بشير (٢) بن فرقد الحنظليُّ التَّميميُّ البلخيُّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ: (قَالَ جَابِرٌ) هو ابن عبد الله الأنصاريُّ (¬﵁: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا ﵁¬) هو ابن أبي طالبٍ حين قدم مكَّة من اليمن ومعه هديٌ (أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ) الذي كان أحرم به كإحرام النَّبيِّ ﷺ ، ولا يحلُّ لأنَّ معه الهدي (وَذَكَرَ) أي: جابرٌ في حديثه، فهو من مقول عطاءٍ، أو المكِّيُّ بن إبراهيم، فيكون من مقول البخاريِّ (قَوْلَ سُرَاقَةَ) بضمِّ السِّين المهملة وفتح القاف ابن مالك بن جُعْشُم بضمِّ الجيم والشِّين المعجمة بينهما مهملةٌ ساكنةٌ، المذكور في «باب عمرة التَّنعيم» من حديث حبيبٍ المعلِّم عن عطاءٍ: حدَّثني جابرٌ «أنَّ رسول الله ﷺ أهلَّ هو وأصحابه بالحجِّ، وليس مع أحدٍ منهم هديٌ غير النَّبيِّ ﷺ وطلحة، وكان عليٌّ ﵁ قدم من اليمن ومعه هديٌ … » الحديثَ، [خ¦١٧٨٥] وفيه: أنَّ سراقة لقي النَّبيَّ (٣) ﷺ بالعقبة، وهو يرميها فقال: ألكم هذه خاصَّةً يا رسول الله؟ قال: «بل لأبد الأبد» أي: أنَّ أفعال العمرة تدخل في أفعال الحجِّ للقارن دائمًا لا في خصوص تلك السَّنة.
стр. 3644
وفي هذا الحديث: التَّحديثُ والعنعنة والقول؛ قال عطاءٌ وقال جابرٌ، وهو صورة التَّعليق، وهو من الرُّباعيَّات.
١٥٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الخَلَّالُ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللَّام الأولى (الهُذَلِيُّ) بضمِّ الهاء وفتح الذَّال المعجمة؛ نسبةً إلى هُذَيْل بن مدركة المُتوفَّى سنة اثنتين وأربعين ومئتين، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ) بفتح السِّين وكسر اللَّام، و «حَيَّان»: بفتح الحاء المهملة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة (قَالَ: سَمِعْتُ مَرْوَانَ الأَصْفَرَ) بالصَّاد المهملة والفاء أبوخليفة (١) البصريّ، قِيلَ: اسم أبيه خاقان، وقِيلَ: سالمٌ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ عَلِيٌّ ﵁ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) مكَّةَ (مِنَ اليَمَنِ، فَقَالَ) ﵊ له: (بِمَا أَهْلَلْتَ؟) أي: أحرمتَ، وأثبت ألف «ما» الاستفهاميَّة مع دخول الجارِّ عليها وهو قليلٌ، ولأبي ذرٍّ: «بِمَ» بحذفها على الكثير الشَّائع نحو: ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات: ٤٣] ﴿عَمَّ يَتَسَاءلُونَ﴾ [النبأ: ١] (قَالَ) عليٌّ (٢) ﵁: (بِمَا أَهَلَّ) أي: بالذي أحرمَ (بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ) ﵊: (لَوْلَا أَنَّ مَعِي الهَدْيَ لأَحْلَلْتُ) من الإحرام وتمتَّعت لأنَّ صاحب الهدي لا يتحلَّل حتَّى يبلغ الهديُ مَحِلَّه، وهو يوم النَّحر، واللَّام في «لَأحللت» للتَّأكيد.
وأخرج هذا الحديث مسلمٌ والتِّرمذيُّ في «الحجُّ» (٣).
(وَزَادَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) بفتح المُوحَّدة وسكون الكاف البُرسَانيُّ؛ بضمِّ المُوحَّدة وفتح
стр. 3645
السِّين المهملة، ممَّا وصله الإسماعيليُّ من طريق محمَّد بن بشَّارٍ وأبو عَوانة في «صحيحه» عن عمَّارٍ، كلاهما عنه (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : بِمَا أَهْلَلْتَ يَا عَلِيُّ؟ قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: فَأَهْدِ) بهمزة قطعٍ مفتوحةٍ (وَامْكُثْ) بهمزة وصلٍ؛ أي (١): اِلْبَثْ حال كونك (حَرَامًا) أي: محرمًا (كَمَا أَنْتَ) أي: على ما أنت عليه من حقِّ (٢) الإحرام إلى الفراغ من الحجِّ، و «ما»: موصولةٌ، و «أنت»: مبتدأٌ حُذِف خبره، أو خبرٌ حُذِف مبتدؤه (٣)، أي: كالذي هو أنت، أو «ما»: زائدةٌ ملغاةٌ، والكاف جارَّةٌ، و «أنت»: ضميرٌ مرفوعٌ أُنيب عن المجرور كقولهم: ما أنا كأنت، والمعنى: كن فيما يُستقبَل مماثلًا لنفسك فيما مضى، أو «ما»: كافَّةٌ، و «أنت»: مبتدأٌ حُذِف خبره، أي: عليه أو كائنٌ، قال البرماويُّ -كالكِرمانيِّ- وفي الحديث أنَّ عليًّا كان قارنًا لأنَّ الدَّم إمَّا على متمتِّعٍ أو قارنٍ، وليس متمتِّعًا لأنَّ قوله: «امكث» يدلُّ على عدمه.
١٥٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) بن واقدٍ الفريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ) بضمِّ الميم وسكون السِّين الجَدَليِّ -بفتح الجيم والدَّال المهملة- الكوفيِّ
стр. 3646
(عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) البجليِّ، وفي «المغازي» [خ¦٤٣٤٦] من رواية أيُّوب بن عائذٍ (١) عن قيس بن مسلمٍ: «سمعت طارق بن شهابٍ» (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ (¬﵁ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ ¬) في العاشرة من الهجرة قبل حجَّة الوداع (إِلَى قَوْمٍ بِاليَمَنِ) ولأبي ذرٍّ: «إلى قومي» بياء الإضافة (فَجِئْتُ وَهْوَ بِالبَطْحَاءِ) أي: بطحاء مكَّة، زاد في «باب متى يحلُّ المعتمر» [خ¦١٧٩٥] من رواية شعبة عن قيسٍ: وهو منيخٌ، أي: نازلٌ بها (فَقَالَ) ﵊: (بِمَا أَهْلَلْتَ؟) بإثبات ألف «ما» الاستفهاميَّة على القليل، قال أبو موسى: (قُلْتُ: أَهْلَلْتُ) وفي رواية شعبة: قلت: لبيَّك بإهلالٍ (كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: هَلْ مَعَكَ مِنْ هَدْيٍ؟ قُلْتُ: لَا، فَأَمَرَنِي، فَطُفْتُ بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ أَمَرَنِي فَأَحْلَلْتُ) من إحرامي (فَأَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي) لم تُسَمَّ المرأة، نعم في «أبواب العمرة» [خ¦١٧٩٥] أنَّها امرأةٌ من قيسٍ، ويحتمل أن تكون محرمًا له (فَمَشَطَتْنِي) بتخفيف الشِّين المعجمة، أي: سرَّحته بالمشط (أَوْ غَسَلَتْ رَأْسِي) بالشَّكِّ، ولـ «مسلمٍ»: وغسلت رأسي بواو العطف، ولم يذكر الحلق إمَّا لكونه معلومًا عندهم، أو لدخوله في أمره بالإحلال (فَقَدِمَ) بكسر الدَّال، أي: جاء (عُمَرُ) بن الخطَّاب (¬﵁¬) أي: في (٢) زمان خلافته لا (٣) في حجَّة الوداع، كما بيَّن في مسلمٍ، واختصره المؤلِّف [خ¦١٧٢٤] ولفظ مسلمٍ: ثمَّ (٤) أتيت امرأةً من قيسٍ، فَفَلَتْ رأسي، ثمَّ أهللت بالحجِّ، فكنت أفتي به النَّاس حتَّى كان في خلافة عمر ﵁، فقال له رجلٌ: يا أبا موسى، أو يا عبد الله بن قيسٍ، رويدك بعضَ فُتياك، فإنَّك لا تدري ما أحدث أميرُ المؤمنين في النُّسك بعدك، فقال: يا أيُّها النَّاس، من كنَّا أفتيناه فتيا فليتَّئد، فإنَّ أمير المؤمنين قادمٌ عليكم فَأْتَمُّوا به، قال: فقدم عمر، فذكرت له ذلك (فَقَالَ: إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللهِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُنَا بِالتَّمَامِ) أي: بإتمام أفعالهما بعد الشُّروع فيهما (قَالَ اللهُ (٥) تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]) وقِيلَ: إتمامها الإحرام بهما من دويرة أهله، وهو مرويٌّ عن عليٍّ وابن عبَّاسٍ
стр. 3647
وسعيد بن جبيرٍ وطاوسٍ، وعند عبد الرَّزَّاق عن عمر (١): من إتمامهما أن يفرد كلَّ واحدٍ منهما من الآخر، وأن يعتمر في غير أشهر الحجِّ، إنَّ الله تعالى يقول: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] (وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ) ﵊ (لَمْ يَحِلَّ) من إحرامه (حَتَّى نَحَرَ الهَدْيَ) بمنًى، وظاهر كلام عمر هذا: إنكارُ فسخ الحجِّ إلى العمرة، وأنَّ نهيه عن التَّمتُّع إنَّما هو من باب ترك الأَوْلى، لا أنَّه مَنَعَ ذلك مَنْعَ تحريمٍ وإبطالٍ، قاله عياضٌ. وقال النَّوويُّ: والمختار أنَّه ينهى عن المتعة المعروفة التي هي الاعتمار في أشهر الحجِّ، ثمَّ الحجُّ من عامه، وهو على التَّنزيه للتَّرغيب في الإفراد، ثمَّ انعقد الإجماع على جواز التَّمتُّع من غير كراهةٍ، وإنَّما أمر أبا موسى بالإحلال لأنَّه ليس معه هديٌ، بخلاف عليٍّ حيث أمره بالبقاء لأنَّ معه الهدي مع أنَّهما أحرما كإحرامه، لكن أمر أبا موسى بالإحلال تشبيهًا بنفسه لو لم يكن معه هديٌ، وأمر عليًّا تشبيهًا به في الحالة الرَّاهنة.
وفي الحديث: صحَّة الإحرام المُعلَّق، وهو موضع التَّرجمة، وبه أخذ الشَّافعيَّة -كما مرَّ- أوَّل الباب (٢).
(٣٣) (بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾ [البقرة ١٩٧]) أي: وقت الحجِّ أشهرٌ، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، أي: وقت الحجِّ في أشهر؛ لكن قال ابن عطيَّة: من قدَّر الكلام «في أشهر»؛ لزمه مع سقوط حرف الجرِّ نصب «الأَشْهُر» ولم يقرأ بنصبها أحدٌ، وتعقَّبه أبو حيَّان بأنَّه لا يلزم نصب «الأشهُر» مع سقوط حرف الجرِّ كما ذكره لأنَّه يُرفَع على الاتِّساع، وهذا لا خلاف فيه عند البصريِّين؛ أعني: أنَّه إذا كان ظرف الزَّمان نكرةً خبرًا عن المصادر فإنه يجوز عندهم فيه الرَّفع والنَّصب، وسواءٌ كان الحدث مستغرقًا للزَّمان أو غير مستغرقٍ، وأمَّا
стр. 3648
الكوفيُّون فعندهم في ذلك تفصيلٌ: وهو أنَّ الحدث إمَّا أن يكون مستغرقًا للزَّمان (١) فيرفع ولا يجوز فيه النَّصب، أو غير مستغرقٍ فمذهب هشامٍ أنَّه يجب فيه الرَّفع، فنقول: ميعادك يومٌ وثلاثة أيَّامٍ، وذهب الفرَّاء إلى جواز النَّصب والرَّفع كالبصريِّين، ونُقِل عن الفرَّاء في هذا الموضع: أنَّه لا يجوز نصب «الأشهُر» لأنَّ «أشهرًا» (٢) نكرةٌ غير محصورةٍ، وهذا النَّقل مخالفٌ لما نُقِل عنه، فيمكن أن يكون له قولان: قولٌ كالبصريِّين، والآخر كهشامٍ. انتهى. وقال الشَّيخ أبو إسحاق في «المُهذَّب»: المراد: وقت إحرام الحجِّ لأنَّ الحجَّ لا يحتاج إلى أشهرٍ، فدلَّ على أنَّ المراد وقت الإحرام به، و «الأشهر»: جمع شهرٍ (٣)، وليس المراد منه ثلاثة أشهرٍ كوامل، ولكنَّ المراد: شهران وبعض الثَّالث، فهو من إطلاق الكلِّ وإرادة البعض كما حكى الفرَّاء: له اليومَ يومانِ لم أَرَهُ، قال: وإنَّما هو يومٌ وبعضُ يومٍ آخرَ، وحُكِي عن العرب: ما رأيته من (٤) خمسة أيَّامٍ، وإن كنت قد رأيته في اليوم الأوَّل واليوم الخامس، فلم يشمل الانتفاء (٥) خمسة الأيَّام جميعها، بل يجعل ما رأيته في بعضه، وانتفت الرُّؤية في بعضه، كأنَّه يومٌ كاملٌ لم يره فيه، أو أنَّ اسم الجمع يشترك فيه (٦) ما وراء الواحد بدليل قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] قاله في «الكشَّاف»، وتعقَّبه في «البحر» بأنَّ ما ذكره الدَّعوى فيه عامَّةٌ؛ وهو أنَّ اسم الجمع يشترك فيه (٧) ما وراء الواحد، وهذا فيه النِّزاع، والدَّليل الذي ذكره خاصٌّ، وهذا لا خلاف فيه، ولإطلاق الجمع في مثل هذا (٨) على التَّثنية شروطٌ ذُكِرت في النَّحو، وأنَّه ليس من باب ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ فلا يمكن أن يُستدَلَّ به عليه.
(﴿مَّعْلُومَاتٌ﴾) أي: معروفاتٌ عند النَّاس لا تُشكِل عليهم (﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾) أوجبه على
стр. 3649
نفسه بالنِّيَّة عند الشَّافعيَّة، وبالتَّلبية (١) أو سوق الهدي عند أبي حنيفة، وهو دليلٌ على ما ذهب إليه الشَّافعيُّ أنَّ من أحرم بالحجِّ لزمه الإتمام (٢) (﴿فَلَا رَفَثَ﴾) فلا جماع أو فلا فحش من (٣) الكلام (﴿وَلَا فُسُوقَ﴾) ولا خروج عن حدود الشَّرع بالسَّيِّئات وارتكاب المحظورات (﴿وَلَا جِدَالَ﴾) ولا مراء مع الخدم والرُّفقة (﴿فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة ١٩٧]) في أيَّامه الثَّلاثَّة، وقرأ: ﴿رَفَثٌ﴾ و ﴿فُسُوقٌ﴾؛ برفعهما منوّنًا ابنُ كثيرٍ وأبو عمرٍو على جعل «لا» ليسيَّةً (٤)، وهو خبرٌ بمعنى النَّهي، أو على جعلهما جملتين حُذِف خبرهما، أو «رفثٌ» مبتدأٌ و «فسوقٌ» عُطِف عليه، والخبر محذوفٌ، وقرأ الباقون بالنَّصب بلا تنوينٍ، مبنيَّين مع «لا» الجنسيَّة، والجمهور على بناء «جدالَ» على الفتح للعموم.
(﴿يَسْأَلُونَكَ﴾) ولأبي ذرٍّ: «وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾» (﴿عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة ١٨٩]) جمع ميقاتٍ مِنَ الوقت، والفرق بينه وبين المدَّة والزَّمان: أنَّ المدَّة المطلقة: امتداد حركة الفلك من مبدئها إلى منتهاها، والزَّمان: مدَّةٌ مقسومةٌ، والوقت: الزَّمان المفروض لأمرٍ.
(وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄¬) ممَّا وصله ابن جريرٍ الطَّبريُّ والدَّارقطنيُّ من طريق ورقاء: عن عبد الله بن دينارٍ عنه: (أَشْهُرُ الحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو القَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الحَجَّةِ) فيدخل يوم النَّحر، وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد، وقال الشَّافعيُّ: لا يدخل يوم النَّحر، وهو المُصحَّح (٥) المشهور عنه، وقال مالكٌ في المشهور عنه: ذو الحجَّة بكماله لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ وإنَّما تكون أشهرًا (٦) إذا كمل ذو الحجَّة، وليس المراد من كونها أشهر الحجِّ باعتبار أنَّ كل أفعاله
стр. 3650
جائزةٌ فيها، ألا ترى أنَّ الوقوف وطواف الزِّيارة وغيرهما غير جائزٍ في شوَّال؟ بل باعتبار أنَّ بعض أفعاله يعتدُّ بها فيها دون غيرها، كما أنَّ الآفاقيَّ إذا قدم في شوَّال، وطاف طواف القدوم، وسعى بعده ينوب هذا السَّعيُ عن السَّعيِ الواجب في الحجِّ.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄¬) ممَّا وصله ابن خزيمة والدَّارقطنيُّ والحاكم: (مِنَ السُّنَّةِ) أي (١): من الشَّريعة (أَلَّا يُحْرِمَ بِالحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الحَجِّ) فلو أحرم به في غير أشهره؛ كرمضان انعقد عمرةً عند الشَّافعيَّة؛ لأنَّ الإحرام شديد التَّعلُّق واللُّزوم، فإذا لم يقبل الوقتُ ما أحرم به انصرف إلى ما يقبله؛ وهو العمرة، وقال المالكيَّة والحنفيَّة: ينعقد حجًّا ولا يصحُّ شيءٌ من أفعاله إلَّا فيها؛ لكنَّه يُكرَه، قال الحنفيَّة: لأنَّه لا يأمن في التَّقديم وقوع محظورٍ، وقال المالكيَّة: لأنَّه ﷺ إنَّما أحرم به في أشهره (٢).
(وَكَرِهَ عُثْمَانُ) بن عفَّان (¬﵁ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ) بضمِّ الخاء المعجمة (أَوْ كَِرْمَانَ) بكسر الكاف لأبي ذرٍّ، وبفتحها لغيره، وهذا وصله سعيد بن منصورٍ، ولفظه: حدَّثنا هُشَيْمٌ: حدَّثنا يونس (٣) بن عبيدٍ، حدَّثنا (٤) الحسن هو البصريُّ: أنَّ عبد الله بن عامرٍ أحرم من خراسان، فلمَّا قدم على عثمان لَامَه فيما صنع وكرهه. ولأبي سيَّارٍ أحمد بن سيَّار (٥) في «تاريخ مرو» قال: لمَّا فتح عبد الله بن عامرٍ خراسان قال: لأجعلنَّ شكري لله أن أخرج من موضعي هذا محرمًا، فأحرم من نيسابور، فلمَّا قدم على عثمان لامه. وفي «تاريخ يعقوب بن سفيان»: أنَّ ذلك في السَّنة التي قُتِل فيها عثمان، ووجه الكراهة ما فيه من الحرج والضرر.
стр. 3651
١٥٦٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح المُوحَّدة وتشديد الشِّين المعجمة المُلقَّب ببندارٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو بَكْرٍ) عبد الكبير بن عبد المجيد (الحَنَفِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ) بهمزةٍ مفتوحةٍ ففاءٍ ساكنةٍ ثمَّ حاءٍ مهملةٍ، و «حُمَيدٍ»: بضمِّ الحاء المهملة وفتح الميم الأنصاريُّ (قَالَ: سَمِعْتُ القَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ) أي: ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ وَلَيَالِي الحَجِّ وَحُرُمِ الحَجِّ) بضمِّ الحاء والرَّاء، أي: أزمنته وأمكنته وحالاته، وهذا موضع التَّرجمة، فإنَّه يدلُّ على أنَّه كان مشهورًا عندهم معلومًا، وللأَصيليِّ فيما ذكره الزَّركشيُّ كعياضٍ: «وحرَم الحجِّ» بفتح الرَّاء جمع حرمةٍ، أي: ممنوعات الحجِّ ومُحرَّماته (فَنَزَلْنَا بِسَرِفَ) بفتح السِّين المهملة وكسر الرَّاء آخره فاءٌ غير منصرفٍ للعلميَّة والتَّأنيث: اسم بقعةٍ على عشرة أميالٍ من مكَّة (قَالَتْ) عائشة:
стр. 3652
(فَخَرَجَ) ﷺ من قبَّته التي ضُرِبت له (إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ) لهم: (مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا) أي: حجَّته (عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ) أي: العمرةَ (وَمَنْ كَانَ مَعَهُ الهَدْيُ فَلَا) يفعل، أي: لا يجعلها عمرةً، فحذف الفعل المجزوم بـ «لا» النَّاهية، ولـ «مسلمٍ»: قالت: قدم رسول الله ﷺ لأربعٍ مضين من ذي الحجَّة أو خمسٍ، فدخل عليَّ وهو غضبان، فقلت: من أغضبك؟ أدخله الله النَّار، قال: «أو ما شَعَُرتِ أنِّي أمرتُ النَّاس بأمرٍ، فإذا هم يتردَّدون».
وفي حديث جابرٍ عند البخاريِّ: فقال لهم: «أَحِلُّوا من إحرامكم، واجعلوا التي قَدِمْتُم بها متعةً» فقالوا: كيف نجعلها متعةً، وقد سمَّينا الحجَّ؟ فقال: «افعلوا ما أقول لكم، فلولا أنِّي سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتُكم، ولكن لا يحلُّ منِّي حرامٌ (١) حتَّى يبلغ الهدي مَحِلَّه» ففعلوا [خ¦١٥٦٨]، قال النَّوويُّ: هذا صريحٌ في أنَّه ﵊ أمرهم بفسخ الحجِّ إلى العمرة أمر عزيمةٍ وتحتيمٍ بخلاف قوله: «من لم يكن معه هديٌ، فأحبَّ أن يجعلها عمرةً فليفعل» قال العلماء: خيَّرهم أوَّلًا بين الفسخ وعدمه ملاطفةً وإيناسًا لهم (٢) بالعمرة في أشهر الحجِّ لأنَّهم كانوا يرونها من أفجر الفجور، ثمَّ حتَّم عليهم بعد ذلك الفسخَ، وأمرهم أمر عزيمةٍ وألزمهم إيَّاه، وكره تردُّدهم في قبول ذلك، ثمَّ قبلوه وفعلوه إلَّا من كان معه هديٌ.
(قَالَتْ) عائشة ﵂: (فَالآخِذُ بِهَا) بمدِّ الهمزة وكسر الخاء المعجمة والرَّفع على الابتداء (وَالتَّارِكُ لَهَا) عُطِفَ على سابقه، والضَّميران للعمرة، وخبرُ المبتدأ قولُها: (مِنْ أَصْحَابِهِ، قَالَتْ: فَأَمَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَكَانُوا أَهْلَ قُوَّةٍ، وَكَانَ مَعَهُمُ الهَدْيُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا (٣) عَلَى العُمْرَةِ، قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي) جملةٌ حاليَّةٌ (فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ يَا هَنْتَاهْ؟) بفتح الهاء وسكون النُّون والهاء الأخيرة؛ كذا ضبطه (٤) في الفرع كأصله (٥)، ونسبه (٦)
стр. 3653
السَّفاقسيُّ لرواية أبي ذرٍّ، وفي أخرى زيادة: فتح النُّون وضمِّ الهاء الأخيرة، والسُّكون فيها هو الأصل لأنَّها للسَّكت، لكنَّهم شبَّهوها بالضَّمائر وأثبتوها في الوصل وضمُّوها، ويُقال في التَّثنية: هنتان، وفي الجمع: هَناتٌ وهَنَوَاتٌ، وفي المُذكَّر: هَنٌ وهَنان وهَنون، ولك أن تلحقها الهاء لبيان الحركة فتقول: يا هَنَهْ، وأن تشبع الحركة فتصير ألفًا، فتقول: يا هناه، وقال الخليل: إذا دعوت امرأةً فكنَّيت عن اسمها قلت: يا هنة، فإذا وصلتها بالألف والهاء وقفت عندها في النِّداء فقلت: ياهنتاه، ولا يقال إلَّا في النداء، قِيلَ: ومعنى «يا هنتاه»: يا بلهاء، كأنَّها نُسِبت إلى قلَّة المعرفة بمكايد النِّساء (١) وشرورهنَّ، أو المعنى: يا هذه.
(قُلْتُ: سَمِعْتُ قَوْلَكَ لأَصْحَابِكَ، فَمُنِعْتُ العُمْرَةَ) أي: أعمالها من الطَّواف والسَّعي، وقد كانت قارنةً (قَالَ: وَمَا شَأْنُكِ؟ قُلْتُ: لَا أُصَلِّي) كَنَّتْ عن الحيض بالحكم الخاصِّ به؛ وهو امتناع الصَّلاة تأدُّبًا منها في الكناية لما في التَّصريح به من إخلالٍ ما بالأدب (٢)، ولهذا -والله أعلم- استمرَّ النِّساء إلى الآن على الكناية عن الحيض بحرمان الصَّلاة، أي: تحريمها، فظهر أثر أدبها ﵂ في بناتها المؤمنات، قاله ابن المُنيِّر.
(قَالَ) ﵊: (فَلَا يَضِيرُكِ) بكسر الضَّاد وتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة مِنَ الضَّير؛ وهو الضَّرر، قال العينيُّ كالحافظ ابن حجرٍ: وفي رواية غير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فلا يضرُّك» بتشديد الرَّاء من الضَّرر (إِنَّمَا أَنْتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ كَتَبَ اللهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ) سلَّاها ﵊ بذلك وخفَّف همَّها، أي: إنَّك لست مختصَّةً بذلك، بل كلُّ بنات آدم يكون منهنَّ هذا (فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ، فَعَسَى اللهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا) مُفرِدةً كذا في «اليونينيَّة» وغيرها (٣) بياءٍ متولِّدةٍ من إشباع
стр. 3654
كسرة الكاف، وهي في لسان المصريِّين (١) شائعةٌ (٢)، قاله في «المصابيح»، وفي البرماويِّ -كالكِرمانيِّ-: «يرزقكها» بغير ياءٍ، قالا: وفي بعضها: بإشباع كسرة الكاف ياءً، والضَّمير للعمرة.
(قَالَتْ: فَخَرَجْنَا فِي حَجَّتِهِ حَتَّى قَدِمْنَا مِنًى فَطَهَرْتُ) بالطَّاء المهملة (٣) وفتح الهاء، يوم السَّبت وهو يوم النَّحر في حجَّة الوداع، وكان ابتداء حيضها يوم السَّبت أيضًا لثلاثٍ خلون من ذي الحجَّة (ثُمَّ خَرَجْتُ مِنْ مِنًى، فَأَفَضْتُ بِالبَيْتِ) أي: طفت به طواف الإفاضة (قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجَْتُْ) بسكون الجيم وضمِّ التَّاء، وفي «اليونينيَّة»: بفتح الجيم وسكون التَّاء لا غير (٤) (مَعَهُ) ﵊ (فِي النَّفْرِ الآخِرِ) بإسكان الفاء: القوم ينفرون من منًى، و «الآخِر»: بكسر الخاء، وهو في اليوم الثَّالث عشر من ذي الحجَّة، وأمَّا النَّفر الأوَّل ففي ثاني عشره (حَتَّى نَزَلَ) ﵊ (المُحَصَّبَ) بضمِّ الميم وفتح الحاء والصَّاد المُشدَّدة المهملتين آخره مُوحَّدةٌ: موضعٌ متَّسعٌ بين مكَّة ومنًى، وسُمِّي به لاجتماع الحصباء (٥) فيه بحمل السَّيل لانهباطه، وهو الأبطح والبطحاء وخَيْفُ بني كنانة، وهو ما بين الجبلين إلى المقابر وليست المقابر منه، وفرَّق المحبُّ الطَّبريُّ بين الأبطح والبطحاء من حيث التَّذكير والتَّأنيث لا من حيث المكان، فقال: والأبطح: مسيلٌ واسعٌ فيه دقاق الحصى، فإذا أردت الوادي قلت: الأبطح، وإذا أردت البقعة قلت: البطحاء (وَنَزَلْنَا مَعَهُ) فيه (فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (فَقَالَ: اخْرُجْ) بضمِّ الرَّاء (بِأُخْتِكَ) عائشة (مِنَ الحَرَمِ) إلى أدنى الحلِّ لتجمع في النُّسك بين أرض الحلِّ والحرم كما يجمع الحاجُّ بينهما (فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ) أي: مكان العمرة التي كانت تريد حصولها منفردةً غير مندرجةٍ فمنعها الحيض منها، وقوله: «فلْتُهلَّ» بسكون اللَّام وضمِّ التَّاء من الإهلال وهو
стр. 3655
الإحرام (ثُمَّ افْرُغَا) من العمرة، وظاهره: أنَّ عبد الرَّحمن اعتمر مع أخته (ثُمَّ ائْتِيَا هَهُنَا) أي: المُحصَّب (فَإِنِّي أَنْظُرُكُمَا) بضمِّ الظَّاء المعجمة؛ بمعنى رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «أنتظركما» بزيادة مُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ من الانتظار كما في قوله تعالى: ﴿انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] (حَتَّى تَأْتِيَانِي) وفي بعض الأصول: «تأتيانِ» بحذف الياء تخفيفًا وتخفيف النُّون وكسرة النُّون تدلُّ (١) على المحذوف (قَالَتْ: فَخَرَجْنَا) إلى التَّنعيم فأحرمنا بالعمرة (حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ) منها (وَفَرَغْتُ) أيضًا (مِنَ الطَّوَافِ) للوداع، وحُذِف ذلك للعلم به، فكلُّ واحدٍ من اللَّفظين مُسلَّطٌ على غير ما تسلَّط عليه الآخر، وهذا يردُّ على من زعم أنَّ الرَّاوي حرَّف (٢) اللَّفظ أو غلط فيه، وأنَّ الأصل: فرغت وفَرَغَ بلفظ الغائب؛ تعني: عائشة أخاها بدليل ما في أوَّل الحديث: «افرغا»، وما في آخره: «هل فرغتم؟» وأُجيب بأنَّه ليس الذي في أوَّله وآخره موجبًا لأن نقول: فرغت وفرغ، بل إنَّما عبَّرت عن حالها لا عن حاله، لكن قال الكِرمانيُّ -وتبعه البرماويُّ والعينيُّ-: إنَّه في بعضها: «فرغ» بلفظ الغائب، والله أعلم.
(ثُمَّ جِئْتُهُ بِسَحَرَ) قبيل الفجر الصَّادق، قال الزَّركشيُّ وغيره: بفتح الرَّاء، أي: من ذلك اليوم، فلا ينصرف للعلميَّة والعدل؛ نحو: جئته يوم الجمعة سَحَرَ. انتهى. قال في «المصابيح»: حكى الرَّضِيُّ خلافًا في صرفه مع إرادة التَّعيين لكن حكى أنَّ القول المشهور كونه غير منصرفٍ، وتحقيق العدل فيه هو أنَّ كل لفظِ جنسٍ أُطلِق وأُريد فردٌ مُعيَّنٌ من أفراده فلا بدَّ فيه من لام العهد، سواءٌ صار علمًا بالغلبة كالصَّعق والنَّجم، أو لا نحو: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] أخذًا من استقراء لغتهم، فثبت في «سَحَرَ» بذلك عدلٌ مُحقَّقٌ، وقال أبو حيَّان: تعيينه أن يُراد من يومٍ بعينه، سواءٌ ذكرتَ ذلك اليومَ معه كجئتُك يوم الجمعة سحرَ، أو لم تذكره كجئتك سحرَ، وأنت تريد ذلك من يومٍ بعينه، وسواءٌ عرَّفْتَ ذلك اليوم -كما مرَّ- أو نكَّرته نحو: جئتك يومًا سحرَ (فَقَالَ) ﵊ لهما ومن معهما ممَّن اعتمر: (هَلْ فَرَغْتُم) من العمرة؟ أو قال لهما فقط على قول: إنَّ أقلَّ الجمع اثنان،
стр. 3656
قالت عائشة: (فَقُلْتُ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «قلت»: (نَعَمْ) فرغنا منها (فَآذَنَ) بهمزةٍ ممدودةٍ فذالٍ معجمةٍ مفتوحةٍ مُخفَّفةٍ فنونٍ، أي: أعلمَ (بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ) وقِيلَ: أذَّن بتشديد الذَّال (١) من غير مدٍّ (فَارْتَحَلَ النَّاسُ فَمَرَّ) ﵊ (٢) حال كونه (مُتَوَجِّهًا إِلَى المَدِينَةِ) ولمَّا كان في قوله: «لا يضيرك» روايتان هذه والثَّانية (٣): «فلا يضرُّك» أشار بقوله: (ضَيْرُ) الأجوف اليائيُّ إلى أنَّ مصدر «لايضيرك»: ضَيْرٌ، وأشار إلى أنَّ فيه لغتين: إحداهما أن يكون (مِنْ ضَارَ يَضِيرُ ضَيْرًا) من باب: باع يبيع بيعًا، وأشار إلى الثَّانية بقوله: (وَيُقَالُ: ضَارَ يَضُورُ ضَوْرًا) من باب: قال يقول قولًا، وأشار إلى الرِّواية الثانية بقوله: (وَضَرَّ يَضُرُّ ضَرًّا) بفتح العين في الماضي وضمِّها في المستقبل، وهذه الجملة من قوله: «ضير .... » إلى آخره ساقطةٌ في رواية أبي ذرٍّ.
وفي حديث الباب: التَّحديثُ والعنعنة والسَّماع والقول، ورواته الأوَّلان بصريَّان والأخيران مدنيَّان، وأخرجه البخاريُّ أيضًا ومسلمٌ في «الحج» [خ¦١٧٨٨]، وكذا النَّسائيُّ.
(٣٤) (بَابُ التَّمَتُّعِ) وهو «تَفَعُّلٌ» مِنَ المتاع، وهو المنفعة (٤) وما تمتَّعت به، يُقال: تمتَّعت بكذا واستمتعت به بمعنًى، والاسم منه المتعة؛ وهي (٥): أن يُحْرِم من على مسافة القصر من حرم مكَّة بعمرةٍ أوَّلًا من ميقات بلده في أشهر الحجِّ، ثمَّ يفرغ منها وينشئ حجًّا من مكَّة من عامها، ولم يَعُدْ لميقاتٍ من المواقيت ولا لمثله مسافةً، وسُمِّي تمتُّعًا لتمتُّع صاحبه بمحظورات الإحرام بينهما، وخرج بالقيود المذكورة: ما لو أحرم بالحجِّ أوَّلًا لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]
стр. 3657
وما لو أحرم بالعمرة في غير أشهر الحجِّ وإن وقع أعمالها في أشهره لأنَّه لم يجمع بينهما في وقت الحجِّ (١)، فأشبه المفرد، وما لو أحرم في أشهر الحجِّ من الحرم، أو من دون مسافة القصر لأنَّه من حاضري المسجد الحرام، وقد قال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وما لو أحرم بها من مسافة القصر فأكثر من الحرم، ولم يحجَّ من عامها أو حجَّ من عامها، وعاد قبل إحرامه به أو بعده وقبل التَّلبُّس بنسكٍ إلى ميقاتٍ أو مثله مسافةً ولو أقرب ممَّا أحرم به بالعمرة، وهذه القيود المذكورة إنَّما هي قيودٌ للتَّمتُّع الموجب للدَّم، لا في صدق اسم التَّمتُّع.
(وَالإِقْرَانِ) أن يجمع بينهما في إحرامه فتندرج أفعال العمرة في أفعال الحجِّ، أو يحرم بالعمرة ثمَّ يدخل عليها الحجَّ قبل الشُّروع (٢) في الطَّواف، فلو أحرم بالحجِّ أوَّلًا ثمَّ أدخل عليه العمرة لم يصحَّ على أصحِّ قولي الشَّافعيِّ لأنَّه لا يستفيد به شيئًا، بخلاف إدخاله الحجَّ على العمرة يستفيد به الوقوف والرَّمي والمبيت، ولأنَّه (٣) يمتنع إدخال الضعيف على القويِّ، نعم صحَّح الإمام البلقينيُّ في «التَّدريب» القول الآخر، وجعله من أنواع (٤) القِرَان، فقال: والمختار جوازه لصحَّة ذلك من فعله ﷺ ، وقد قال: «خذوا مناسككم عنِّي»، قال: ثمَّ يمتدُّ الجواز ما لم يَشْرَع في طواف القدوم على الأرجح. انتهى. وقوله: «الإِقْران» كذا في رواية أبي ذرٍّ بالهمزة المكسورة قبل القاف السَّاكنة، قال القاضي عياضٌ: وهو خطأٌ من حيث اللُّغة، وقال السَّفاقسيُّ: الإقران غير ظاهرٍ لأنَّ فعله ثلاثيٌّ، وصوابه: قَرَنَ، قال في «التَّنقيح»: لم يُسمَع في الحجِّ أَقْرَنَ ولا قَرَنٌ في المصدر منه، وإنَّما هو «قِرَانٌ» مصدر «قَرَنَ» بين الحجِّ والعمرة إذا جمع بينهما، قال (٥) في «المصابيح»: أراد تخطئة البخاريِّ لقصد (٦) المشاكلة بين الإقران
стр. 3658
والإفراد؛ نحو: «ارجعن مأزوراتٍ غيرَ مأجوراتٍ». انتهى. ولأبي الوقت: «والقِران» (وَالإِفْرَادِ بِالحَجِّ) بأن يحجَّ ثمَّ يعتمر، أو يحرم بعمرةٍ في غير أشهر الحجِّ، أو فيها على دون مسافة القصر من الحرم، أو على مسافته منه ولم يحجَّ عام العمرة، أو يحجَّ عامها ويعود إلى ميقاتٍ، نعم ما سوى الأولى تمتُّعٌ لكن لا يوجب دمًا (وَفَسْخِ الحَجِّ) إلى العمرة، أي: قلبه عمرةً بأن يحرم به، ثمَّ يتحلَّل منه بعمل عمرةٍ (١) فيصير متمتِّعًا (لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ) وجوَّزه أحمد وطائفةٌ من أهل الظَّاهر، وقال مالكٌ والشَّافعيُّ وأبو حنيفة وجماهير العلماء من السَّلف والخلف: إنَّه خاصٌّ بالصَّحابة وبتلك السَّنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهليَّة من تحريم العمرة في أشهر الحجِّ، واعتقادهم أنَّ إيقاعها فيه من أفجر الفجور، ودليل التَّخصيص حديث الحارث بن بلالٍ عن أبيه المرويِّ عند أبي داود والنَّسائيِّ وابن ماجه قال: قلت: يا رسول الله، أرأيتَ فسخ الحجِّ إلى العمرة لنا خاصَّةً أم للنَّاس عامَّةً؟ فقال: «بل لكم خاصَّةً»، وأجاب القائلون بالأوَّل بأنَّ حديث الحارث بن بلالٍ ضعيفٌ، فإنَّ الدَّارقطنيَّ قال: إنَّه تفرَّد به عبد العزيز بن محمَّدٍ الدَّراورديُّ عنه، وقال أحمد: إنَّه لا يثبت، ولا نرويه عن الدَّراورديِّ، ولا يصحُّ حديثٌ في الفسخ أنَّه كان لهم خاصَّةً، وساق (٢) في «البخاريِّ» [خ¦١٥٦٣]: قال: شهدت عثمان وعليًّا ﵄ وعثمان ينهى عن المتعة، أي: عن فسخ الحجِّ إلى العمرة لأنَّه كان مخصوصًا بتلك السَّنة (٣)، وقال مرَّةً: حديث بلالٍ لا أقول به، لا نعرف هذا الرَّجل ولم يروه
стр. 3659
إلَّا الدَّراورديُّ، وأمَّا الفسخ فرواه أحدٌ وعشرون صحابيًّا، وأين يقع بلال بن الحارث منهم؟ وأجاب النَّوويُّ بأنَّه لا معارضة بينه وبينهم حتَّى يرجح لأنَّهم أثبتوا الفسخ للصَّحابة والحارث يوافقهم، وزاد زيادةً لا تخالفهم.
١٥٦١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ) ابن أبي شيبة قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) في أشهر الحجِّ (وَلَا نُرَى) بضمِّ النُّون، أي: لا نظنُّ (إِلَّا أَنَّهُ الحَجُّ) قال الزَّركشيُّ: يحتمل أنَّ ذلك كان اعتقادها من قبل أن تُهِلَّ ثمَّ أهلَّت بعمرةٍ، ويحتمل أن تريد حكاية فعل غيرها من الصَّحابة، فإنَّهم كانوا لا يعرفون إلَّا الحجَّ، ولم يكونوا يعرفون العمرة في أشهر الحجِّ، فخرجوا محرمين بالذي لا يعرفون غيره. انتهى. وتعقَّبه الدَّمامينيُّ بأنَّ الظَّاهر غير الاحتمالين المذكورين، وهو أنَّ مرادها: لا أظنُّ أنا ولا غيري من الصَّحابة إلَّا أنَّه الحجُّ فأحرمنا به، هذا ظاهر اللَّفظ. انتهى. قلت: هذا ليس بظاهرٍ لأنَّ قولها: «لا نُرى إِلَّا أنَّه الحجُّ» ليس صريحًا في إهلالها بالحجِّ، فليُتأمَّل. نعم في رواية أبي الأسود عنها كما سيأتي إن شاء الله تعالى: «مهلِّين بالحجِّ» [خ¦١٧٨٨]، ولـ «مسلمٍ»: «لبَّينا بالحجِّ» وهذا ظاهره أنَّها مع غيرها من الصَّحابة كانوا أوَّلًا محرمين بالحجِّ، لكن في
стр. 3660
رواية عروة عنها في هذا الباب: «فمنَّا مَنْ أهلَّ بعمرةٍ، ومنَّا من أهلَّ بحجَّةٍ وعمرةٍ، ومنَّا من أهلَّ بالحجِّ» [خ¦١٥٦٢] فيُحمَل الأوَّل على أنَّها ذكرت ما كانوا يعهدونه من ترك الاعتمار في أشهر الحجِّ ثمَّ بيَّن لهم النَّبيُّ ﷺ وجوه الإحرام، وجوَّز لهم الاعتمار في أشهر الحجِّ (١)، وأمَّا عائشة نفسها فسيأتي -إن شاء الله تعالى- في «أبواب العمرة» [خ¦١٧٨٣] وفي «حجَّة الوداع» [خ¦٤٤٠٨] من «المغازي» من طريق هشام بن عروة عن أبيه عنها في أثناء هذا الحديث قالت: «وكنت ممَّن أهلَّ بعمرةٍ» وقد زعم إسماعيل القاضي وغيره أنَّ الصَّواب رواية (٢) الأسود والقاسم وعَمْرة عنها: أنَّها أهلَّت بالحجِّ مفردًا، ونسب عروة إلى الغلط، وأُجيب بأنَّ قول عروة عنها: «إنَّها أهلَّت بعمرةٍ» صريحٌ، وأمَّا قول الأسود وغيره عنها: «لا نرى إلَّا الحجَّ» فليس صريحًا في إهلالها بحجٍّ مفردٍ، فالجمع بينهما ما سبق من غير تغليط عروة، وهو أعلم النَّاس بحديثها، وقد وافقه جابر بن عبد الله عند مسلمٍ وطاوسٌ ومجاهدٌ عنها.
(فَلَمَّا قَدِمْنَا) مكَّة (تَطَوَّفْنَا بِالبَيْتِ) تعني: النَّبيَّ ﷺ وأصحابه غيرها لأنَّها لم تَطُفْ بالبيت ذلك الوقت لأجل حيضها (فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الهَدْيَ أَنْ يَُحِلَّ) من الحجِّ بعمل العمرة، وياء «يُحِلَّ» مضمومةٌ من الإحلال، والذي في «اليونينيَّة»: بفتحها لا غير، والفاء في «فأمر» للتَّعقيب فيدلُّ على أنَّ أمره ﵊ (٣) بذلك كان بعد الطَّواف، وسبق أن أمرهم به بسَرِفَ، فالثَّاني تكرارٌ للأوَّل وتأكيدٌ له فلا منافاة بينهما (فَحَلَّ) بعمل العمرة (مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الهَدْيَ) وهذا هو فسخ الحجِّ المُترجَم به، وجوَّزه أحمد وبعض أهل الظَّاهر، وخصَّه الأئمَّة الثَّلاثة والجمهور بالصَّحابة في تلك السَّنة كما سبق (وَنِسَاؤُهُ) ﵊ (لَمْ يَسُقْنَ) الهدي (فَأَحْلَلْنَ) وعائشة منهنَّ، لكن منعها من التَّحلُّل كونها حاضت ليلة دخولها مكَّة، وكانت محرمةً بعمرةٍ وأدخلت عليها الحجَّ، فصارت قارنةً كما مرَّ (قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَحِضْتُ) بسَرِف (فَلَمْ أَطُفْ بِالبَيْتِ) طواف العمرة لمانع الحيض، وأمَّا طواف الحجِّ فقد قالت فيه -كما مرَّ-: «ثمَّ (٤) خرجت من منًى فأفضت بالبيت» [خ¦١٥٦٠] (فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الحَصْبَةِ)
стр. 3661
بفتح الحاء وسكون الصَّاد المهملتين، أي: ليلة المبيت بالمُحصَّب (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ) الأصل أن تقول: قلت، لكنَّه على طريق الالتفات (يَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ) منفردة عن حجَّةٍ (وَحَجَّةٍ) منفردةٍ عن عمرةٍ (وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ) ليس لي عمرةٌ منفردةٌ عن حجٍّ (١)، حرصت بذلك على تكثير الأفعال، كما حصل لسائر أمَّهات المؤمنين وغيرهنَّ من الصَّحابة الذين فسخوا الحجَّ إلى العمرة، وأتموُّا العمرة وتحلَّلوا منها قبل يوم التَّروية، وأحرموا بالحجِّ يوم التَّروية من مكَّة، فحصل لهم حجَّةٌ منفردةٌ وعمرةٌ منفردةٌ، وأمَّا عائشة فإنَّما حصل لها عمرةٌ مندرجةٌ في حجَّةٍ بالقِران، فأرادت عمرةً منفردةً كما حصل لبقيَّة النَّاس، ولأبي الوقت من غير «اليونينيَّة» (٢): «وأرجع أنَّا بالحجَّة» وللكُشْمِيْهَنِيِّ في بعض النُّسخ: «وأرجع لي بحجَّةٍ» (قَالَ) ﵊: (وَمَا طُفْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا مَكَّةَ؟) قالت عائشة: (قُلْتُ: لَا، قَالَ) ﵊: (فَاذْهَبِي مَعَ أَخِيكِ) عبد الرَّحمن (إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهِلِّي) أي: أحرمي (بِعُمْرَةٍ) أمرها بذلك تطييبًا لقلبها (ثُمَّ مَوْعِدُكِ كَذَا وَكَذَا) في الرِّواية السَّابقة في «باب قول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾»: «ثمَّ ائتيا ههنا» [خ¦١٥٦٠] أي: المُحصَّب (قَالَتْ صَفِيَّةُ) بنت حُيَيٍّ أمُّ المؤمنين ﵂: (مَا أُرَانِي) بضمِّ الهمزة؛ أي (٣): ما أظنُّ نفسي (إِلَّا حَابِسَتَهُمْ) بالنَّصب، أي: القوم عن المسير إلى المدينة لأنِّي حضت ولم أطف بالبيت، فلعلَّهم بسببي يتوقَّفون إلى زمان طوافي بعد الطَّهارة، وإسناد الحبس إليها مجازٌ، وفي نسخةٍ: «حابستكم» بكاف الخطاب، وكانت صفيَّة (٤) كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- قد حاضت ليلة النَّفر فأراد النَّبيُّ ﷺ منها ما يريد الرَّجل من أهله، وذلك قبيل وقت النَّفر لا عقب الإفاضة، قالت عائشة: يا رسول الله، إنَّها حائضٌ [خ¦١٧٦٢].
стр. 3662
(قَالَ) ﵊: (عَقْرَى حَلْقَى) بفتح الأوَّل وسكون الثَّاني فيهما، وألفهما مقصورةٌ للتَّأنيث، فلا يُنوَّنان ويُكتبَان بالألف، هكذا يرويه المحدِّثون حتَّى لا يكاد يُعرَف غيره، وفيه خمسة أوجهٍ:
أوَّلها (١): أنَّهما وصفان لمُؤنَّثٍ بوزن «فَعْلَى» أي: عقرها الله في جسدها وحلقها، أي: أصابها وجعٌ في حلقها أو حلق شعرها، فهي معقرةٌ محلوقةٌ، وهما مرفوعان خبرا مبتدأٍ محذوفٍ (٢)، أي: هي.
ثانيها: كذلك، إلَّا أنَّهما بمعنى: «فاعلٍ» أي: أنَّها تعقر قومها وتحلقهم بشؤمها، أي: تستأصلهم، فكأنَّه وصفٌ من فعلٍ متعدٍّ، وهما مرفوعان أيضًا بتقدير: هي، وبه قال الزَّمخشريُّ.
ثالثها: كذلك، إلَّا أنَّه جمعٌ كجريحٍ وجرحى، أي: ويكون وصف المفرد بذلك مبالغةً.
رابعها: أنَّه وصف فاعل لكن بمعنى: لا تلد كعاقر، وحلقى، أي: مشؤومةٌ، قال الأصمعيُّ: يُقال: أصبحت أمُّه حالقًا، أي: ثاكلًا.
خامسها: أنَّهما مصدران كـ «دعوى»، والمعنى: عقرها الله وحلقها، أي: حلق شعرها أو أصابها بوجعٍ (٣) في حلقها -كما سبق- قاله في «المحكم»، فيكون منصوبًا بحركةٍ مُقدَّرةٍ على قاعدة المقصور، وليس بوصفٍ.
وقال أبو عبيدة: الصَّواب: عقرًا حلقًا بالتَّنوين فيهما، قِيَل له: لِمَ لا يجوز «فعلى»؟ قال: لأنَّ «فعلى» يجيء نعتًا ولم يجئ في الدُّعاء، وهذا دعاءٌ، وقال في «القاموس»: عقرى وحلقى ويُنوَّنان، وفي «الصَِّحاح»: وربَّما قالوا: عقرى وحلقى بلا تنوينٍ، وحاصله: جواز الوجهين، فالتَّنوين على أنَّه مصدرٌ منصوبٌ كـ «سقيا»، وتركه إمَّا (٤) على أنَّه مصدرٌ كما في «المحكم»، أو
стр. 3663
وصفٌ على بابه، فيكون مرفوعًا كما مرَّ، فالجملة على هذا خبريَّةٌ، وعلى ما قبله دعائيَّةٌ، وفي «القاموس» -كـ «المحكم» -: إطلاق العقرى على الحائض، وكأنَّ (١) العقر بمعنى: الجرح لما كان فيه سيلان دمٍ، سُمِّي سيلان الدَّم بذلك، وعلى كلِّ تقديرٍ فليس المراد حقيقة ذلك لا في الدُّعاء ولا في الوصف، بل هي كلمةٌ اتَّسعت فيها العرب، فتطلقها ولا تريد حقيقة معناها، فهي كـ «تربت يداه»، ونحو ذلك.
(أَوَمَا طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟) طواف الإفاضة (قَالَتْ) صفيَّة: (قُلْتُ: بَلَى) طفت (قَالَ) ﵊: (لَا بَأْسَ، انْفِرِي) بكسر الفاء، أي: ارجعي واذهبي إذ طواف الوداع ساقطٌ عن الحائض (قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ ﷺ ¬) بالمُحصَّب (وَهُوَ مُصْعِدٌ) بضمِّ أوَّله وكسر ثالثه (٢)، أي: مبتدئ السَّير (مِنْ مَكَّةَ، وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ عَلَيْهَا، أَوْ أَنَا مُصْعِدَةٌ وَهْوَ مُنْهَبِطٌ مِنْهَا) بالشَّكِّ من الرَّاوي، والواو في: «وهو» «وأنا» للحال.
ورواة هذا الحديث كلُّهم كوفيُّون، وأخرجه البخاريُّ [خ¦١٧٦٢] أيضًا، ومسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ.
стр. 3664
١٥٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ) يتيم عروة الأسديِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ) فقط (وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ (١) وَعُمْرَةٍ) جمع بينهما، ولأبي ذرٍّ: «بحجٍّ وعمرةٍ» (وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالحَجِّ) فقط، وكانوا أوَّلًا لا يعرفون إلَّا الحجَّ، فبيَّن لهم النَّبيُّ ﷺ وجوه الإحرام، وجوَّز لهم الاعتمار في أشهر الحجِّ، والحاصل من مجموع الأحاديث: أنَّ الصَّحابة ﵃ كانوا ثلاثة أقسامٍ: قسمٌ أحرموا بحجٍّ وعمرةٍ أو بحجٍّ ومعهم الهدي، وقسمٌ بعمرةٍ ففرغوا منها ثمَّ أحرموا بالحجِّ (٢)، وقسمٌ بحجِّ ولا هدي معهم فأمرهم النَّبيُّ (٣) ﷺ أن يقلبوه عمرةً، وهو معنى فسخ الحجِّ إلى العمرة، وأمَّا عائشة ﵂ فكانت أهلَّت بعمرةٍ ولم تَسُقْ هديًا، ثمَّ أدخلت عليها الحجَّ كما مرَّ (وَأَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالحَجِّ) مفردًا ثمَّ أدخل عليه العمرة (فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالحَجِّ) فقط (أَوْ جَمَعَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ) كذا في «اليونينيَّة» مرقومٌ على: «أو» علامة السُّقوط لأبي الوقت (لَمْ يَحِلُّوا) بفتح الياء في «اليونينيَّة» (٤)، ولأبي الوقت: «فلم يحلُّوا» (حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ).
١٥٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولابن عساكر: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح المُوحَّدة والمعجمة المُشدَّدة المعروف ببندارٍ العبديُّ البصريُّ (٥) قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هو محمَّد بن
стр. 3665
جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ) بفتحتين ابن عُتَيْبة -بالمُثنَّاة الفوقيَّة والمُوحَّدة مُصغَّرًا- الفقيه الكوفيِّ (عَنْ) زين العابدين (عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ) بضمِّ الحاء (عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ) بفتحتين ابن أبي العاصي بن أميَّة بن عبد الملك الأمويِّ المدنيِّ وَلِيَ الخلافة في آخر سنة أربعٍ وستيِّن، ومات سنة خمسٍ في (١) رمضان، ولا يثبت له صحبةٌ (قَالَ: شَهِدْتُ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا ﵄¬) بعُسْفان (وَعُثْمَانُ يَنْهَى عَنِ المُتْعَةِ) بسكون التَّاء، وفي «اليونينيَّة»: بفتحها (٢)، أي: عن فسخ الحجِّ إلى العمرة لأنَّه كان مخصوصًا بتلك السَّنة التي حجَّ فيها رسول الله ﷺ ، أو عن التَّمتُّع المشهور، والنَّهي للتَّنزيه ترغيبًا في الإفراد (و) ينهى أيضًا نهي تنزيهٍ (أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا) بضمِّ الياء وسكون الجيم وفتح الميم، وضمير الاثنين في «بينهما» عائدٌ على الحجِّ والعمرة، والواو في: «وأن» للعطف فيكون النَّهي واقعًا على التَّمتُّع والقِران، وقوله في «فتح الباري»: ويحتمل أن تكون تفسيريَّةً، وهو على ما تقدَّم أنَّ السَّلف كانوا يطلقون على القران: تمتُّعًا، تعقَّبه في «عمدة القاري» بأنَّه لا إجمال في المعطوف عليه حتَّى يُقال: إنَّها تفسيريَّةٌ، قال: وهو قد ردَّ على نفسه كلامَهُ بقوله: إنَّ السَّلف كانوا يطلقون على القران تمتُّعًا، فإذا كان كذلك يكون عطف التَّمتُّع على المتعة، وهو غير جائزٍ. انتهى.
(فَلَمَّا رَأَى عَلِيٌّ) ﵁ النَّهي (٣) الواقع من عثمان عن المتعة والقران (أَهَلَّ بِهِمَا) أي: بالحجِّ والعمرة، حال كونه قائلًا: (لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ) وإنَّما فعل ذلك خشية أن يحمل غيره النَّهي على التَّحريم، فأشاع ذلك، ولم يَخْفَ على عثمان أنَّ التَّمتُّع والقران جائزان، وإنَّما نهى عنهما ليُعمَل بالأفضل كما وقع لعمر، فكلُّ مجتهدٍ مأجورٌ، ولا يُقال: إنَّ هذه الواقعة دليل لمسألة اتِّفاق أهل العصر الثَّاني بعد اختلاف أهل العصر الأوَّل وإن ذكره ابن الحاجب وغيره؛ لأنَّ نهي عثمان عنه (٤) إن كان المراد به الاعتمارَ في أشهر الحجِّ قبل الحجِّ
стр. 3666
فلم يستقرَّ الإجماع عليه لأنَّ الحنفيَّة يخالفون فيه، وإن كان المرادُ به فسخَ الحجِّ إلى العمرة فكذلك لأنَّ الحنابلة يخالفون فيه، على أنَّ الظَّاهر -كما مرَّ- أنَّ عثمان ما كان يبطله، وإنَّما كان يرى الإفراد أفضل منه، وفي رواية النَّسائيِّ ما يُشْعِر بأنَّ عثمان رجع عن النَّهي، ولفظه: نهى عثمان عن التَّمتُّع، فلبَّى عليٌّ وأصحابه بالعمرة، فلم يَنْهَهُم عثمان، فقال له عليٌّ: ألم تسمع رسول الله ﷺ تمتَّع؟ قال: بلى، وزاد مسلمٌ هنا: فقال عثمان: تراني أنهى النَّاس، وأنت تفعله؟ (قَالَ) عليٌّ: (مَا كُنْتُ لأَدَعَ سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ لِقَوْلِ أَحَدٍ) وموضع التَّرجمة قوله: «أهلَّ بهما».
١٥٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مُصغَّرًا ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانُوا) أي: أهل الجاهليَّة (يَرَوْنَ) بفتح الياء، أي: يعتقدون، وقال في «المصابيح» -كـ «التَّنقيح» وغيره- بضمِّها، أي: يظنُّون (أَنَّ العُمْرَةَ) أي: الإحرام بها (فِي أَشْهُرِ الحَجِّ) شوَّالٍ وذي القعدة وتسعٍ من ذي الحجَّة وليلة النَّحر أو عشرٍ أو ذي (١) الحجَّة بكماله على الخلاف السَّابق (مِنْ أَفْجَرِ الفُجُورِ) من باب: جدَّ جدُّه، وشعر شاعرٍ، والفجور: الانبعاث في المعاصي، فجَر يفجُر من باب: نصَر ينصُر، أي: من أعظم الذُّنوب (فِي الأَرْضِ) وهذا من مبتدعاتهم الباطلة التي لا أصل لها، وسقط حرف الجرِّ في رواية أبي الوقت، فـ «أفجرَ»: نُصِب على المفعوليَّة، ولابن حبَّان من طريقٍ أخرى عن ابن عبَّاسٍ قال: واللهِ ما أعمر رسول الله ﷺ عائشة في ذي الحجَّة إلَّا ليقطع بذلك أمر الشِّرك، فإنَّ هذا الحيَّ من قريشٍ، ومن دان دينهم كانوا يقولون .... فذكر نحوه، قال في «الفتح»: فعُرِف بهذا تعيين المعتقدين (وَيَجْعَلُونَ) أي: يسمُّون (المُحَرَّمَ صَفَرًا)
стр. 3667
بالتَّنوين والألف كذا رأيته في ثلاثة أصولٍ من فروع «اليونينيَّة» لأنَّه مصروفٌ، قال النَّوويُّ كعياضٍ: بلا خلافٍ، نعم هو في بعض الأصول: «صفرَ» بفتح الرَّاء من غير ألفٍ ولا تنوينٍ، وكذا هو (١) في أصل الدِّمياطيِّ الحافظ، وقال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه كذلك في جميع الأصول من «الصَّحيحين»، وظاهره: أنَّه لم يقف على «اليونينيَّة»، لكن رأيت خطَّه الكريم بالتَّبليغ على الفروع في غير ما موضعٍ، والله أعلم وقال النَّوويُّ: كان ينبغي أن يُكتَب بالألف، ولكن على تقدير حذفها لابدَّ من قراءته منصوبًا لأنَّه مصروفٌ بلا خلافٍ. انتهى. وهذا جارٍ على لغة ربيعة لأنَّهم يكتبون المنصوب بغير ألفٍ، فلا يلزم منه ألَّا يُصرَف فيُقرَأ بغير ألفٍ، لكن حكى صاحب «المحكم» عن أبي عبيدة: أنَّه كان لا يصرفه، فقِيلَ له: لا يمتنع الصَّرف حتَّى تجتمع علَّتان، فما هما؟ قال: المعرفة والسَّاعة، وفسَّر المطرِّزيُّ السَّاعة بالزَّمان (٢) لأنَّ الأزمنة ساعاتٌ، والسَّاعات مُؤنَّثةٌ، والمعنى: أنَّهم يجعلون صفرًا من الأشهر الحرم، ولا يجعلون المُحرَّم منها لئلَّا تتوالى عليهم ثلاثة أشهرٍ مُحرَّمةٍ، فيضيق عليهم ما اعتادوه من الغارة (٣) بعضهم على بعضٍ، فضلَّلهم الله بذلك فقال: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ … الآية [التوبة: ٣٧] أي: إنَّما تأخير حرمة الشَّهر إلى شهرٍ آخر، قال المفسِّرون: كانوا إذا جاء شهرٌ حرامٌ وهم محاربون أحلُّوه وحرَّموا مكانه شهرًا آخر (٤)، حتَّى رفضوا خصوص الأشهر واعتبروا مُجرَّد العدد، ويحرِّمونه عامًا فيتركونه على حرمته، وقِيلَ: إنَّ أوَّل من أحدث ذلك جنادة بن عوفٍ الكنانيُّ، كان يقوم على جملٍ في الموسم فينادي: إنَّ آلهتكم قد أحلَّت لكم المُحرَّم فأحلُّوه، ثمَّ ينادي في القابل (٥): إنَّ آلهتكم قد حرَّمت عليكم المُحرَّم فحرِّموه، وقِيلَ: القَلمَّس، واسمه حذيفة بن
стр. 3668
عبدٍ (١) الكنانيُّ، وقِيلَ غير ذلك، وقال ابن دريدٍ: الصَّفران شهران من السَّنة، سُمِّي أحدهما في الإسلام المُحرَّم، وقِيلَ (٢): سُمِّي بذلك لإصفار مكَّة من أهلها، وقال الفرَّاء: لأنَّهم كانوا يخلون البيوت فيه لخروجهم إلى البلاد (٣)، وقِيلَ: كانوا يزيدون في كلِّ أربع سنين شهرًا يسمُّونه صفرًا الثَّاني، فتكون السَّنة ثلاثة عشر شهرًا، ولذلك قال النَّبيُّ ﷺ : «السَّنة اثنا عشر شهرًا» [خ¦٣١٩٧] وكانوا يتطيَّرون ويرون أنَّ الآفات فيه واقعةٌ.
(وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَا) بفتح المُوحَّدة والرَّاء من غير همزةٍ في «اليونينيَّة»، وفي «المصابيح» -كـ «التَّنقيح» -: بالهمزة موافقةً لكثيرٍ من الأصول، أي: أفاق (الدَّبَرْ) بفتح الدَّال المهملة والمُوحَّدة: الجرح الذي يكون في ظهر الإبل من اصطكاك الأقتاب (وَعَفَا الأَثَرْ) أي: ذهب أثر سير (٤) الحاجِّ من الطَّريق، وانمحى بعد رجوعهم بوقوع الأمطار وغيرها لطول الأيَّام، أو ذهب أثر الدَّبر، ولأبي داود: وعفا الوبر بالواو، أي: كثر وبر الإبل الذي حلق بالرِّحال (وَانْسَلَخَ صَفَرْ) الذي هو المُحرَّم في نفس الأمر، وسمَّوه صفرًا، أي: إذا انقضى وانفصل شهر صفر (حَلَّتِ العُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ) بالسُّكون في الأربعة، وذلك لأنَّهم (٥) لمَّا جعلوا المُحرَّم صفرًا لزم منه أن تكون السَّنة ثلاثة عشر شهرًا، والمُحرَّم الذي سمَّوه صفرًا آخر السَّنة، وآخر أشهر الحجِّ على طريق التَّبعيَّة إذ لا يبرأ دبر إبلهم في أقلَّ من هذه المدَّة، وهي ما بين أربعين يومًا إلى خمسين يومًا غالبًا، وجعلوا أوَّل أشهر الاعتمار شهر المُحرَّم الذي هو في الأصل صفر، والرَّاء التي تواطأت عليها الفواصل في الدَّبر، والثَّلاثة بعدها (٦) ساكنةٌ للسَّجع، ولو حُرِّكت فات الغرض المطلوب من السَّجع.
стр. 3669
(قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ) أي: «فقدم»، فأسقط فاء العطف في هذه الرِّواية، وهي ثابتةٌ عنده في «أيَّام الجاهليَّة» [خ¦٣٨٣٢] من رواية مسلم بن إبراهيم عن وهيب (١) بن خالدٍ كمسلمٍ في «صحيحه» من طريق بهز بن أسدٍ عن (٢) وهيبٍ أيضًا (صَبِيحَةَ) ليلة (رَابِعَةٍ) من ذي الحجَّة يوم (٣) الأحد، حال كونهم (مُهِلِّينَ بِالحَجِّ) أي: ملبِّين به كما فُسِّر (٤) في رواية إبراهيم ابن الحجَّاج، ولفظه: وهم يلبُّون بالحجِّ، ولا يلزم من إهلاله عليه الصَّلاة السَّلام بالحجِّ ألَّا يكون قارنًا، فلا حُجَّة فيه لمن قال: إنَّه ﵊ كان مفردًا (فَأَمَرَهُمْ) ﵊ (أَنْ يَجْعَلُوهَا) أي: يقلبوا (٥) الحجَّة (عُمْرَةً) ويتحلَّلوا بعملها فيصيروا متمتِّعين، وهذا الفسخ خاصٌّ بذاك (٦) الزَّمن خلافًا لأحمد -كما مرَّ- غير مرَّةٍ (فَتَعَاظَمَ) وفي رواية إبراهيم بن الحجَّاج: فكَبُرَ (ذَلِكَ) الاعتمار في أشهر الحجِّ (عِنْدَهُمْ) لمَا كانوا يعتقدونه أوَّلًا من أنَّ العمرة فيها من أفجر الفجور (فَقَالُوا) بعد أن رجعوا عن اعتقادهم: (يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ الحِلِّ؟) أي: هل (٧) هو الحلُّ العامُّ لكلِّ ما حُرِّم بالإحرام حتَّى الجماع، أو حلٌّ خاصٌّ؟ لأنَّهم كانوا محرمين بالحجِّ، وكأنَّهم (٨) كانوا يعرفون أنَّ له تحلُّلين (قَالَ) ﵊: (حِلٌّ كُلُّهُ) أي: حلٌّ يحل فيه كلُّ ما كان (٩) يحرم على المحرم حتَّى غشيان النِّساء لأنَّ (١٠) العمرة ليس لها إلَّا تحلُّلٌ واحدٌ، وعند الطَّحاويِّ: أيُّ الحلِّ يحلُّ؟ قال: «الحلُّ كلُّه».
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «أيَّام الجاهليَّة» [خ¦٣٨٣٢]، ومسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا النَّسائيُّ.
стр. 3670
١٥٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ الزَّمن قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ) بضمِّ الميم وسكون السِّين الجدليِّ (عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) البجليِّ (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريِّ (¬﵁ قَالَ: قَدِمْتُ) من اليمن (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) وهو بالبطحاء، فقال: «بما أهللت؟» قلت: أهللت (١) بإهلال النَّبيِّ ﷺ قال: «هل معك من هديٍ؟» قلت: لا (فَأَمَرَهُ بِالحِلِّ) هو على طريق الالتفات، أو ذكره الرَّاوي بالمعنى لا بحكاية لفظه، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فأمرني» على الأصل، وقد أورده (٢) المؤلِّف هنا مختصرًا: قدمت على النَّبيِّ ﷺ فأمره -أو فأمرني- بالحلِّ، وقد سبق عنده تامًّا قبلُ ببابٍ باللَّفظ الذي ذكره (٣) هنا [خ¦١٥٥٩].
١٥٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ الأصبحيُّ المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام قال المؤلِّف أيضًا: «ح» (٤): (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (٥) (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (عَنْ حَفْصَةَ ﵃ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا) من الحجِّ (بِعُمْرَةٍ) أي: بعملها لأنَّهم فسخوا الحجَّ إلى العمرة، فكان إحرامهم بالعمرة سببًا لسرعة حلِّهم (وَلَمْ تَحْلِلْ) بفتح أوَّله وكسر ثالثه (أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟) أي: المضمومة إلى الحجِّ، فيكون قارنًا كما هو في أكثر
стр. 3671
الأحاديث، وحينئذٍ فلا تمسُّك به لمن قال: إنَّه ﵊ كان متمتِّعًا لكونه ﵊ أقرَّ على أنَّه كان محرمًا بعمرةٍ؛ لأنَّ اللَّفظ محتملٌ للتَّمتُّع والقران، فتعيَّن بقوله ﵊ في رواية عبيد الله بن عمر عند الشَّيخين [خ¦١٦٩٧]: «حتَّى أحلَّ من الحجِّ» أنَّه كان قارنًا، ولا يتَّجه القول بأنَّه كان متمتِّعًا لأنَّه لا جائز أن يُقال: إنَّه استمرَّ على العمرة خاصَّةً، ولم يحرم بالحجِّ أصلًا لأنَّه يلزم منه أنَّه لم يحجَّ تلك السَّنة، وهذا لا يقوله أحدٌ، وقد روى عنه ﷺ أنَّه كان قارنًا: سعيدُ بن المُسيَّب كما في «البخاريِّ»، وأنسٌ في «الصَّحيحين»، وعمرانُ بن حُصَينٍ في «مسلمٍ»، وعمرُ بن الخطَّاب في «البخاريِّ»، والبراءُ في «سنن» أبي داود، وعليٌّ في «سنن النَّسائيِّ»، وسراقةُ وأبو طلحة عند أحمد، وأبو سعيدٍ وقتادة عند الدَّارقطنيِّ، وابنُ أبي أوفى عند البزَّار، والإفراد، أي: وروى الإفراد (١): ابنُ عمر وجابرٌ في «الصَّحيحين»، وابنُ عبَّاسٍ في «مسلمٍ»، وجُمِع بين القولين بأنَّه ﷺ كان أوَّلًا مفردًا، ثمَّ أحرم بالعمرة بعد ذلك وأدخلها على الحجِّ، فعمدة رواة الإفراد أوَّل الإحرام، وعمدة رواة القران آخره، وأمَّا من روى أنَّه كان معتمرًا كابن عمر وعائشة وأبي موسى الأشعريِّ وابن عبَّاسٍ في «الصَّحيحين» وعمران بن حُصَينٍ في «مسلمٍ» فأراد التَّمتُّع اللُّغويَّ؛ وهو الانتفاع، وقد انتفع بالاكتفاء بفعلٍ واحدٍ، ويؤيِّد ذلك (٢) أنَّه لم يعتمر في تلك السَّنة عمرةً منفردةً، ولو جعلت حجَّته منفردة لكان غير معتمرٍ في تلك السَّنة، ولم يقل أحدٌ أنَّ الحج وحده أفضل من القران، وبهذا الجمع تنتظم الأحاديث، وقال إمامنا الشَّافعيُّ ﵀ (٣) في «كتاب اختلاف الحديث»: معلومٌ في لغة العرب جواز إضافة الفعل إلى الآمر به كجواز إضافته إلى الفاعل؛ كقولك: بنى فلان دارًا إذا أمر ببنائها، وضرب الأمير فلانًا إذا أمر بضربه، ورجم النَّبيُّ ﷺ ماعزًا وقطع سارقَ رداءِ صفوان، وإنَّما أمر بذلك، ومثلُه كثيرٌ في الكلام. وكان أصحاب رسول الله ﷺ منهم القارن والمُفرِد والمُتمتِّع، وكلٌّ منهم يأخذ عنه أمر نسكه ويصدر عن فعله، فجاز أن تُضاف إلى رسول الله ﷺ على معنى أنَّه أمر بها وأذن فيها. انتهى.
وقد أجمع العلماء كما قال النَّوويُّ وغيره: على جواز الأنواع الثَّلاثة: الإفراد والتَّمتُّع
стр. 3672
والقران، واختلفوا في أيِّها أفضل (١) بحسب اختلافهم فيما فعله ﵊ في حجَّة الوداع، ومذهب الشَّافعيَّة والمالكيَّة أنَّ الإفراد أفضل لأنَّه ﷺ اختاره أوَّلًا، ولأنَّ رواته أخصُّ به ﷺ في هذه الحجَّة، فإنَّ منهم جابرًا وهو أحسنهم سياقًا لحجِّه ﵊، ومنهم ابن عمر، وقد قال: كنت تحت ناقته ﵊ يمسُّني لعابها أسمعه يلبِّي بالحجِّ، وعائشة وقربها منه ﵊ واطِّلاعها على باطن أمره وعلانيته، كلُّه معروفٌ مع فقهها، وابن عبَّاسٍ وهو بالمحلِّ المعروف من الفقه والفهم الثَّاقب، ولأنَّ الخلفاء الرَّاشدين بعد النَّبيِّ ﷺ أفردوا الحجَّ وواظبوا عليه، وما وقع من الاختلاف عن عليٍّ وغيره، فإنَّما فعلوه لبيان الجواز، وإنَّما أدخل النَّبيُّ ﷺ العمرة على الحجِّ لبيان جواز (٢) الاعتمار في أشهر الحجِّ، ثمَّ إنَّ الأفضل بعد الإفراد التَّمتُّع ثمَّ القِران. نعم القران أفضل من الإفراد للذي لا يعتمر في سنته عندنا، لكن صرَّح القاضي حسينٌ والمتولِّي بترجيح الإفراد ولو لم يعتمر في تلك السَّنة، وقال أحمد وآخرون: أفضلها التَّمتُّع ثمَّ الإفراد ثمَّ القران، واحتجَّ لترجيح التَّمتُّع بأنَّه ﵊ تمنَّاه بقوله: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، ولجعلتها عمرةً» [خ¦١٦٥١] وأجاب الشَّافعيَّة عن ذلك بأنَّ سببه أنَّ من لم يكن معه هديٌ أُمِروا بجعلها عمرةً، فحصل لهم حزنٌ حيث لم يكن معهم هديٌ، فيوافقون النَّبيَّ ﷺ في البقاء على الإحرام، فتأسَّف ﵊ (٣) حينئذٍ على فوات موافقتهم تطييبًا لنفوسهم ورغبةً فيما فيه موافقتهم (٤)، لا أنَّ التَّمتُّع دائمًا أفضل، قال القاضي حسينٌ: ولأنَّ ظاهر هذا الحديث غير مرادٍ بالإجماع لأنَّ ظاهره أنَّ سوق الهدي يمنع انعقاد العمرة، وقد انعقد الإجماع على خلافه، وقال أبو حنيفة: القِران ثمَّ التَّمتُّع ثمَّ الإفراد، واحتجَّ لترجيح القِران بما سبق من الأحاديث، وبقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وقالوا: إنَّ الدَّم الذي على القارن ليس دم جبرانٍ، بل هو (٥) دم عبادةٍ، والعبادة
стр. 3673
المتعلِّقة بالبدن والمال أفضل من المختصَّة بالبدن، وأجاب أصحابنا عن أحاديث القران بأنَّها مُؤوَّلةٌ، وبأنَّ أحاديث الإفراد أكثر وأرجح، وعن الآية الكريمة بأنَّه ليس فيها إلَّا الأمر بإتمامها، ولا يلزم منه قرنهما في الفعل، فهو كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وبأنَّ الدَّم الذي على القارن دم جبرانٍ لا نسكٍ لأنَّ الصِّيام يقوم مقامه عند العجز، ولو كان دم نسكٍ لم يقم مقامه كالأضحية، وعن (١) أحمد فيما حكاه المروزيُّ عنه: إن ساق الهدي فالقران أفضل، وإن لم يسقه فالتَّمتُّع أفضل، وعن بعضهم فيما حكاه عياضٌ: أنَّ الأنواع الثَّلاثة سواءٌ في الفضيلة.
تنبيهٌ: قوله: «حلُّوا بعمرةٍ ولم تحلل أنت من عمرتك» رواه المؤلِّف كذلك بزيادة قوله: «بعمرةٍ» عن إسماعيل بن أبي أويسٍ وعبد الله بن يوسف عن مالكٍ، وكذا رواه ابن وهبٍ فيما ذكره ابن عبد البرِّ، ورواه بدونها القعنبيُّ ويحيى ابن بُكَيرٍ وأبو مصعبٍ ويحيى بن يحيى وغيرهم، والمعنى واحدٌ عند أهل العلم، ولم تختلف الرُّواة عن مالكٍ في قوله: «ولم تحلل أنت من عمرتك»، وأمَّا قول الأَصيليِّ: إنَّه لم يقل أحدٌ في هذا الحديث عن نافع: «ولم تحلل أنت من عمرتك» (٢) إلَّا مالكٌ وحده، فتُعقِّب بأنَّه رواها (٣) غير مالكٍ: عبيدُ الله بن عمر فيما رواه مسلمٌ وابن ماجه، وكذا رواها أيُّوب السَّختيانيُّ، وهؤلاء هم حفَّاظ (٤) أصحاب نافعٍ، والحجَّة فيه على من خالفهم، فزيادة مالكٍ مقبولةٌ لحفظه وإتقانه لو انفرد بها، فكيف وقد تابعه من ذكرنا، نعم رواها البخاريُّ من رواية عبيد الله بن عمر بدون قولها: «من عمرتك»، ولفظ الشَّيخين فيها (٥): «فلا أحلُّ حتَّى أَحِلَّ من الحجِّ» [خ¦١٦٩٧] ورواه ابن جريجٍ عن نافعٍ فيما أخرجه مسلمٌ، فلم يقل: «من عمرتك»، وأخرج البخاريُّ مثلها من طريق موسى بن عقبة عن نافعٍ، وذكر البيهقيُّ رواية موسى بن عقبة، ثمَّ قال: وكذلك رواه شعيب بن أبي حمزة (٦) عن نافعٍ ولم يذكرا فيه العمرة،
стр. 3674
وفيه: إشارةٌ إلى الاختلاف في ذكر هذه اللَّفظة، ففيه ميلٌ لقول (١) الأَصيليِّ (قَالَ) ﵊: (إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي) بفتح اللَّام والمُوحَّدة المُشدَّدة من التَّلبيد، وهو أن يجعل المحرم برأسه شيئًا من نحو الصَّمغ ليجتمع الشَّعر، ولا يدخل فيه قملٌ (وَقَلَّدْتُ هَدْيِي) هو تعليق شيءٍ في عنق الهدي ليُعلَم (فَلَا أَحِلُّ) من إحرامي (حَتَّى أَنْحَرَ) الهدي، وهذا قول أبي حنيفة وأحمد لأنَّه جعل العلَّة في بقائه على إحرامه الهدي، وأخبر أنَّه لا يحلُّ حتَّى ينحر، وأجاب الجمهور عنه بأنَّه ليس العلَّة في ذلك سوق الهدي، وإنَّما السَّبب فيه إدخال العمرة على الحجِّ، ويدلُّ له قوله في رواية عبيد الله بن عمر المذكورة: «حتَّى أحلَّ من الحجِّ» [خ¦١٦٩٧] وعبَّر عن الإحرام بالحجِّ بسوق الهدي لأنَّه كان ملازمًا له (٢) في تلك الحجَّة، فإنَّه قال لهم: «من كان معه الهدي؛ فليهلَّ بالحجِّ مع عمرته، ثمَّ لا يحلُّ حتَّى يحلَّ منهما جميعًا» [خ¦١٥٥٦] ولمَّا كان ﵊ قد أدخل العمرة على الحجِّ لم يفده الإحرام بالعمرة سرعة الإحلال لبقائه على الحجِّ، فشارك الصَّحابة في الإحرام بالعمرة، وفارقهم ببقائه على الحجِّ وفسخهم له، وليس التَّلبيد والتَّقليد من الحلِّ ولا من عدمه، وإنَّما هو لبيان أنَّه من أوَّل الأمر مستعدٌّ لدوام إحرامه حتَّى يبلغ الهدي محلَّه، والتَّلبيد مشعرٌ (٣) بمدَّةٍ طويلةٍ.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٧٢٥] و «اللِّباس» [خ¦٥٩١٦] و «المغازي» [خ¦٤٣٩٨]، ومسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه.
١٥٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (أَخْبَرَنَا (٤) أَبُو جَمْرَةَ) بالجيم والرَّاء المفتوحتين (نَصْرُ بْنُ عِمْرَانَ) بفتح النُّون وسكون الصَّاد المهملة (الضُّبَعِيُّ) بضمِّ
стр. 3675
الضَّاد المعجمة وفتح المُوحَّدة (قَالَ: تَمَتَّعْتُ، فَنَهَانِي نَاسٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على أسمائهم، وكان ذلك في زمن عبد الله بن الزُّبير، وكان ينهى عن المتعة كما رواه مسلمٌ (فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ فَأَمَرَنِي) أي (١): أن اِستمرَّ على التَّمتُّع (فَرَأَيْتُ فِي المَنَامِ كَأَنَّ رَجُلًا يَقُولُ لِي): هذا (حَجٌّ مَبْرُورٌ) مقبولٌ، صفةٌ لـ «حجٌّ»، ولابن عساكر: «حجَّةٌ مبرورةٌ» بالتَّأنيث (٢) فيهما (وَعُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ، فَأَخْبَرْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) بما رأيته في المنام من قول الرَّجل: حجٌّ مبرورٌ وعمرةٌ مُتقبَّلةٌ (فَقَالَ) لي: هذه (سُنَّةَُ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ويجوز نصب «سنَّةَ»، وهي رواية غير أبي ذرٍّ (٣)؛ بتقدير: وافقتَ أو أتيتَ (٤)، وقال الزَّركشيُّ: على الاختصاص، قال الدَّمامينيُّ: لا وجه لجعل هذا من الاختصاص، فتأمَّله، والرَّفع لأبي (٥) ذرٍّ (فَقَالَ لِي) ابن عبَّاسٍ: (أَقِمْ عِنْدِي فَأَجْعَلَُ) بالرَّفع، ويجوز النَّصب بـ «أن» مُقدَّرةً، وكلاهما في الفرع، والجزم جوابًا للأمر، ولأبي ذرٍّ: «واجعل» بالواو الدَّالَّة على الحاليَّة والنَّصب (لَكَ سَهْمًا) نصيبًا (مِنْ مَالِي) قال المُهلَّب: فيه: أنَّه يجوز للعالم أخذ الأجر على العلم، وفيه نظرٌ؛ إذ الظَّاهر أنَّه إنَّما عرض عليه ماله رغبةً في الإحسان إليه لِما ظهر أنَّ عمله مُتقبَّلٌ وحجَّه مبرورٌ، وإنَّما يتقبل الله من المتَّقين، قاله في «المصابيح».
(قَالَ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج: (فَقُلْتُ) أي: لأبي جمرة: (لِمَ؟) استفهامٌ عن سبب ذلك (فَقَالَ) أبو جمرة: (لِلرُّؤْيَا) أي: لأجل الرُّؤيا المذكورة (الَّتِي رَأَيْتُ) بتاء المتكلِّم، أي: ليقصَّ على النَّاس هذه الرُّؤيا المبيِّنة لحال المتعة، قال المُهلَّب: ففي هذا دليلٌ على أنَّ الرُّؤيا الصَّادقة شاهدٌ على أمور اليقظة، وفيه نظرٌ لأنَّ الرُّؤيا الحسنة من غير الأنبياء ينتفع بها في التَّأكيد لا في التَّأسيس والتَّجديد (٦)، فلا يسوغ لأحدٍ أن يسند فتياه إلى منامٍ، ولا يتلقَّى من غير الأدلَّة الشَّرعيَّة حكمًا من الأحكام.
стр. 3676
وموضع التَّرجمة قوله: «تمتَّعت» إلى قوله: «فأمرني»، وقد مرَّ هذا الحديث في «باب أداء الخمس من الإيمان» [خ¦٥٣]، وأخرجه المؤلِّف أيضًا [خ¦١٦٨٨]، وكذا مسلمٌ.
١٥٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ) الأكبر الحَنَّاط -بفتح الحاء المهملة والنُّون المُشدَّدة- موسى بن نافعٍ الهذليُّ الكوفيُّ (قَالَ: قَدِمْتُ) حال كوني (مُتَمَتِّعًا مَكَّةَ (١) بِعُمْرَةٍ) حالٌ أيضًا، أي: متلبِّسًا (٢) بعمرةٍ (فَدَخَلْنَا قَبْلَ) يوم (التَّرْوِيَةِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَقَالَ لِي أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ) لم أعرف أسماءهم: (تَصِيرُ الآنَ حَجَّتُكَ مَكِّيَّةً) قليلة (٣) الثَّواب لقلَّة مشقَّتها؛ لأنَّه ينشئها من مكَّة فتفوته فضيلة الإحرام من الميقات، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يصير الآن حجُّك مكِّيًّا» بالتَّذكير (فَدَخَلْتُ عَلَى عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ (أَسْتَفْتِيهِ) هو من الأحوال المُقدَّرة (فَقَالَ) أي: عطاءٌ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريُّ (¬﵄ أَنَّهُ حَجَّ مَعَ النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «مع رسول الله» (¬ ﷺ يَوْمَ سَاقَ البُدُْنَ مَعَهُ) بضمِّ المُوحَّدة وسكون الدَّال المهملة وضمِّها، وذلك في حجَّة الوداع (وَقَدْ أَهَلُّوا) أي: الصَّحابة (بِالحَجِّ مُفْرَدًا) بفتح الرَّاء (فَقَالَ لَهُمْ) ﵊: اجعلوا حجَّكم عمرةً ثمَّ (أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ) بها (بِطَوَافِ البَيْتِ و) السَّعي (بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَقَصِّرُوا) لم يأمرهم بالحلق
стр. 3677
ليتوفَّر الشَّعر يوم الحلاق، لأنَّهم يهلُّون بعد قليلٍ (١) بالحجِّ لأنَّ بين دخولهم مكَّة وبين يوم التَّروية أربعة أيَّامٍ فقط (ثُمَّ أَقِيمُوا) حال كونكم (حَلَالًا) محلِّين (حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَأَهِلُّوا بِالحَجِّ) من مكَّة وهاء «أهِلُّوا» مكسورةٌ (وَاجْعَلُوا) الحجَّة المفردة (الَّتِي قَدِمْتُمْ) مهلِّين (بِهَا مُتْعَةً) بأن (٢) تتحلَّلوا منها فتصيروا متمتِّعين، وأطلق على العمرة متعةً مجازًا، والعلاقة بينهما ظاهرةٌ، وقال النَّوويُّ: قوله: «وقد أهلُّوا بالحجِّ … » إلى آخره فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، تقديره: وقد أهلُّوا بالحجِّ مفردًا، فقال النبي ﷺ : «اجعلوا إحرامكم عمرةً، وتحلَّلوا بعمل العمرة»، وهو معنى فسخ الحجِّ إلى العمرة. انتهى (٣).
(فَقَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً وَقَدْ سَمَّيْنَا الحَجَّ فَقَالَ) ﷺ : (افْعَلُوا مَا أَمَرْتُكُمْ) به (فَلَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الهَدْيَ لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ) به، وفيه استعمال «لو» في مثل هذا، ولا تعارض بينه وبين حديث: «لو: تفتح عمل الشَّيطان» لأنَّ المرادَ بذلك بابُ التَّلهُّف على أمور الدُّنيا لما فيه من عدم صورة التَّوكُّل، وعدم نسبة الفعل للقضاء والقدر، أمَّا في القربات كهذا الحديث فهذا المعنى منتفٍ، فلا كراهة (وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ) بكسر الحاء (مِنِّي) شيءٌ (حَرَامٌ) أي: لا يحلُّ منِّي ما حُرِّم عليَّ (حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ) أي: إذا نحر يوم منًى (فَفَعَلُوا) ما أمرهم به ﷺ .
زاد المُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ هنا (٤): «قال أبو عبد الله» أي: البخاريّ: «أبو شهابٍ» أي (٥): الأكبر «ليس له حديثٌ مسندٌ يرويه مرفوعًا» أو ليس له مسندٌ عن عطاءٍ إلَّا هذا الحديث، وهو طرفٌ من حديث جابرٍ الطَّويل الذي انفرد به (٦) مسلمٌ بسياقه من طريق جعفر بن محمَّد (٧) بن عليٍّ عن أبيه عن جابرٍ، وفي هذه الطَّريق بيانٌ زائدٌ لصفة التَّحلُّل من العمرة ليس في الحديث الطَّويل.
стр. 3678
١٥٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَعْوَرُ، عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) بسكون الميم في الأوَّل وضمِّها في الثَّاني وتشديد الرَّاء (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قَالَ: اخْتَلَفَ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ ﵄ وَهُمَا بِعُسْفَانَ) جملةٌ حاليَّةٌ، أي: كائنان بعُسْفان بضمِّ العين وسكون السِّين المهملتين وبالفاء وبعد الألف نونٌ: قريةٌ جامعةٌ بينها وبين مكَّة ستَّةٌ وثلاثون ميلًا (فِي المُتْعَةِ، فَقَالَ عَلِيٌّ) لعثمان: (مَا تُرِيدُ إِلَى أَنْ تَنْهَى) أي: ما تريد إرادةً منتهيةً إلى النَّهي، أو ضَمَّنَ الإرادةَ معنى الميل، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «إلَّا أن تنهى» بحرف الاستثناء (عَنْ أَمْرٍ فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ ¬) صفةٌ لقوله: «عن أمرٍ»، والجملة حاليَّةٌ، قال ابن المُسيَّب: (فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ) النَّهيَ (عَلِيٌّ) ﵁ (أَهَلَّ بِهِمَا) أي: بالحجِّ والعمرة (جَمِيعًا) وهذا هو القِرَان، قال في «الكواكب»: فإن قلت: الاختلاف بينهما كان في التَّمتُّع وهذا قرانٌ، فكيف يكون فعله مثبتًا لقوله نافيًا لقول صاحبه؟ وأجاب بأنَّ القِران أيضًا نوعٌ من التَّمتُّع لأنَّه يتمتَّع بما فيه من التَّخفيف، أو كان القران كالتَّمتُّع عند عثمان بدليل ما تقدَّم حيث قال: وأن يجمع بينهما، وكان حكمهما واحدًا عنده جوازًا ومنعًا، أو المراد بالمتعة العمرة في أشهر الحجِّ، سواءٌ كانت في ضمن الحجِّ أو متقدِّمةً عنه (١) منفردةً، وسبب تسميتها متعةً: ما فيها من التَّخفيف الذي هو تمتُّعٌ. انتهى.
وهذا الحديث قد (٢) تقدَّم قريبًا من وجهٍ آخر [خ¦١٥٦٣] (٣).
(٣٥) (بابُ مَنْ لَبَّى بِالحَجِّ وَسَمَّاهُ) أي: عيَّنه.
стр. 3679
١٥٧٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو ابن درهمٍ الجهضميُّ البصريُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا) هو ابن جَبْرٍ بفتح الجيم وسكون المُوحَّدة ثمَّ راء المخزوميَّ الإمام في التَّفسير وغيره (يَقُولُ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ﵄: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) في حجَّة الوداع (وَنَحْنُ نَقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ بِالحَجِّ) سقط لأبوي ذَرٍّ والوقت لفظتا «لبَّيك» و «اللَّهمَّ (١)» (فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بفسخ الحجَّة إلى العمرة (فَجَعَلْنَاهَا) أي: الحجَّة (عُمْرَةً) وهذا منسوخٌ عند الجمهور خلافًا لقومٍ ومنهم أحمد، كما مرَّ.
وموضع التَّرجمة قوله: «لبَّيك اللَّهمَّ لبَّيك بالحجِّ» فإنَّه لبَّى وسمَّاه، وقد أخرج هذا الحديث مسلمٌ أيضًا.
(٣٦) (بابُ التَّمَتُّعِ) زاد أبو ذرٍّ: «على عهد النَّبيِّ (٢) ﷺ » وفي بعض النُّسخ: «بابٌ» بالتَّنوين بغير ترجمةٍ.
١٥٧١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) (٣) هو ابن يحيى ابن دينارٍ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُطَرِّفٌ) بضمِّ الميم فطاءٍ مهملةٍ مفتوحةٍ فراءٍ مُشدَّدةٍ مكسورةٍ ففاءٍ ابن الشِّخِّير (عَنْ عِمْرَانَ) بن الحُصين (٤) (¬﵁ (٥) قَالَ): (تَمَتَّعْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَنَزَلَ القُرْآنُ) بجوازه، قال تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ الآية … [البقرة: ١٩٦] وزاد مسلمٌ: «ولم ينزل قرآنٌ يحرِّمه، ولم ينه عنها حتَّى مات» أي: فلا نسخ، وفي نسخةٍ -وهي التي في الفرع (٦) -: «فنزل» بالفاء بدل الواو (قَالَ رَجُلٌ: بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ)
стр. 3680
هو عمر بن الخطَّاب لا عثمان بن عفَّان؛ لأنَّ عمر أوَّل من نهى عنها، فكان من بعده تابعًا له في ذلك، ففي «مسلمٍ»: أنَّ ابن الزُّبير كان ينهى عنها، وابن عبَّاسٍ يأمر بها، فسألوا جابرًا فأشار إلى أنَّ أوَّل من نهى عنها عمر.
ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، وأخرجه مسلمٌ في «الحجِّ» أيضًا.
(٣٧) (بابُ) تفسير (قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]).
١٥٧٢ - (وَقَالَ أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ) بضمِّ الفاء والحاء فيهما مُصغَّرين (البَصْرِيُّ) الجَحْدريُّ المُتوفَّى سنة سبعٍ وثلاثين ومئتين، ممَّا وصله الإسماعيليُّ: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ) بفتح الميم وسكون العين وفتح الشِّين المعجمة يوسف بن يزيد مِنَ الزِّيادة، ولأبي ذرٍّ: «أبو مَعْشَرٍ البَرَّاء» بفتح المُوحَّدة وتشديد الرَّاء نسبةً إلى بري السِّهام، قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ