← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

وموضع التَّرجمة قوله: «تمتَّعت» إلى قوله: «فأمرني»، وقد مرَّ هذا الحديث في «باب أداء الخمس من الإيمان» [خ¦٥٣]، وأخرجه المؤلِّف أيضًا [خ¦١٦٨٨]، وكذا مسلمٌ. ١٥٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ) الأكبر الحَنَّاط -بفتح الحاء المهملة والنُّون المُشدَّدة- موسى بن نافعٍ الهذليُّ الكوفيُّ (قَالَ: قَدِمْتُ) حال كوني (مُتَمَتِّعًا مَكَّةَ (١) بِعُمْرَةٍ) حالٌ أيضًا، أي: متلبِّسًا (٢) بعمرةٍ (فَدَخَلْنَا قَبْلَ) يوم (التَّرْوِيَةِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَقَالَ لِي أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ) لم أعرف أسماءهم: (تَصِيرُ الآنَ حَجَّتُكَ مَكِّيَّةً) قليلة (٣) الثَّواب لقلَّة مشقَّتها؛ لأنَّه ينشئها من مكَّة فتفوته فضيلة الإحرام من الميقات، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يصير الآن حجُّك مكِّيًّا» بالتَّذكير (فَدَخَلْتُ عَلَى عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ (أَسْتَفْتِيهِ) هو من الأحوال المُقدَّرة (فَقَالَ) أي: عطاءٌ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريُّ (¬﵄ أَنَّهُ حَجَّ مَعَ النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «مع رسول الله» (¬ ﷺ يَوْمَ سَاقَ البُدُْنَ مَعَهُ) بضمِّ المُوحَّدة وسكون الدَّال المهملة وضمِّها، وذلك في حجَّة الوداع (وَقَدْ أَهَلُّوا) أي: الصَّحابة (بِالحَجِّ مُفْرَدًا) بفتح الرَّاء (فَقَالَ لَهُمْ) ﵊: اجعلوا حجَّكم عمرةً ثمَّ (أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ) بها (بِطَوَافِ البَيْتِ و) السَّعي (بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَقَصِّرُوا) لم يأمرهم بالحلق

стр. 3677

ليتوفَّر الشَّعر يوم الحلاق، لأنَّهم يهلُّون بعد قليلٍ (١) بالحجِّ لأنَّ بين دخولهم مكَّة وبين يوم التَّروية أربعة أيَّامٍ فقط (ثُمَّ أَقِيمُوا) حال كونكم (حَلَالًا) محلِّين (حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَأَهِلُّوا بِالحَجِّ) من مكَّة وهاء «أهِلُّوا» مكسورةٌ (وَاجْعَلُوا) الحجَّة المفردة (الَّتِي قَدِمْتُمْ) مهلِّين (بِهَا مُتْعَةً) بأن (٢) تتحلَّلوا منها فتصيروا متمتِّعين، وأطلق على العمرة متعةً مجازًا، والعلاقة بينهما ظاهرةٌ، وقال النَّوويُّ: قوله: «وقد أهلُّوا بالحجِّ … » إلى آخره فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، تقديره: وقد أهلُّوا بالحجِّ مفردًا، فقال النبي ﷺ : «اجعلوا إحرامكم عمرةً، وتحلَّلوا بعمل العمرة»، وهو معنى فسخ الحجِّ إلى العمرة. انتهى (٣). (فَقَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً وَقَدْ سَمَّيْنَا الحَجَّ فَقَالَ) ﷺ : (افْعَلُوا مَا أَمَرْتُكُمْ) به (فَلَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الهَدْيَ لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ) به، وفيه استعمال «لو» في مثل هذا، ولا تعارض بينه وبين حديث: «لو: تفتح عمل الشَّيطان» لأنَّ المرادَ بذلك بابُ التَّلهُّف على أمور الدُّنيا لما فيه من عدم صورة التَّوكُّل، وعدم نسبة الفعل للقضاء والقدر، أمَّا في القربات كهذا الحديث فهذا المعنى منتفٍ، فلا كراهة (وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ) بكسر الحاء (مِنِّي) شيءٌ (حَرَامٌ) أي: لا يحلُّ منِّي ما حُرِّم عليَّ (حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ) أي: إذا نحر يوم منًى (فَفَعَلُوا) ما أمرهم به ﷺ . زاد المُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ هنا (٤): «قال أبو عبد الله» أي: البخاريّ: «أبو شهابٍ» أي (٥): الأكبر «ليس له حديثٌ مسندٌ يرويه مرفوعًا» أو ليس له مسندٌ عن عطاءٍ إلَّا هذا الحديث، وهو طرفٌ من حديث جابرٍ الطَّويل الذي انفرد به (٦) مسلمٌ بسياقه من طريق جعفر بن محمَّد (٧) بن عليٍّ عن أبيه عن جابرٍ، وفي هذه الطَّريق بيانٌ زائدٌ لصفة التَّحلُّل من العمرة ليس في الحديث الطَّويل.

стр. 3678

١٥٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَعْوَرُ، عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) بسكون الميم في الأوَّل وضمِّها في الثَّاني وتشديد الرَّاء (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قَالَ: اخْتَلَفَ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ ﵄ وَهُمَا بِعُسْفَانَ) جملةٌ حاليَّةٌ، أي: كائنان بعُسْفان بضمِّ العين وسكون السِّين المهملتين وبالفاء وبعد الألف نونٌ: قريةٌ جامعةٌ بينها وبين مكَّة ستَّةٌ وثلاثون ميلًا (فِي المُتْعَةِ، فَقَالَ عَلِيٌّ) لعثمان: (مَا تُرِيدُ إِلَى أَنْ تَنْهَى) أي: ما تريد إرادةً منتهيةً إلى النَّهي، أو ضَمَّنَ الإرادةَ معنى الميل، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «إلَّا أن تنهى» بحرف الاستثناء (عَنْ أَمْرٍ فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ ¬) صفةٌ لقوله: «عن أمرٍ»، والجملة حاليَّةٌ، قال ابن المُسيَّب: (فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ) النَّهيَ (عَلِيٌّ) ﵁ (أَهَلَّ بِهِمَا) أي: بالحجِّ والعمرة (جَمِيعًا) وهذا هو القِرَان، قال في «الكواكب»: فإن قلت: الاختلاف بينهما كان في التَّمتُّع وهذا قرانٌ، فكيف يكون فعله مثبتًا لقوله نافيًا لقول صاحبه؟ وأجاب بأنَّ القِران أيضًا نوعٌ من التَّمتُّع لأنَّه يتمتَّع بما فيه من التَّخفيف، أو كان القران كالتَّمتُّع عند عثمان بدليل ما تقدَّم حيث قال: وأن يجمع بينهما، وكان حكمهما واحدًا عنده جوازًا ومنعًا، أو المراد بالمتعة العمرة في أشهر الحجِّ، سواءٌ كانت في ضمن الحجِّ أو متقدِّمةً عنه (١) منفردةً، وسبب تسميتها متعةً: ما فيها من التَّخفيف الذي هو تمتُّعٌ. انتهى. وهذا الحديث قد (٢) تقدَّم قريبًا من وجهٍ آخر [خ¦١٥٦٣] (٣). (٣٥) (بابُ مَنْ لَبَّى بِالحَجِّ وَسَمَّاهُ) أي: عيَّنه.

стр. 3679

١٥٧٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو ابن درهمٍ الجهضميُّ البصريُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا) هو ابن جَبْرٍ بفتح الجيم وسكون المُوحَّدة ثمَّ راء المخزوميَّ الإمام في التَّفسير وغيره (يَقُولُ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ﵄: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) في حجَّة الوداع (وَنَحْنُ نَقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ بِالحَجِّ) سقط لأبوي ذَرٍّ والوقت لفظتا «لبَّيك» و «اللَّهمَّ (١)» (فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بفسخ الحجَّة إلى العمرة (فَجَعَلْنَاهَا) أي: الحجَّة (عُمْرَةً) وهذا منسوخٌ عند الجمهور خلافًا لقومٍ ومنهم أحمد، كما مرَّ. وموضع التَّرجمة قوله: «لبَّيك اللَّهمَّ لبَّيك بالحجِّ» فإنَّه لبَّى وسمَّاه، وقد أخرج هذا الحديث مسلمٌ أيضًا. (٣٦) (بابُ التَّمَتُّعِ) زاد أبو ذرٍّ: «على عهد النَّبيِّ (٢) ﷺ » وفي بعض النُّسخ: «بابٌ» بالتَّنوين بغير ترجمةٍ. ١٥٧١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) (٣) هو ابن يحيى ابن دينارٍ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُطَرِّفٌ) بضمِّ الميم فطاءٍ مهملةٍ مفتوحةٍ فراءٍ مُشدَّدةٍ مكسورةٍ ففاءٍ ابن الشِّخِّير (عَنْ عِمْرَانَ) بن الحُصين (٤) (¬﵁ (٥) قَالَ): (تَمَتَّعْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَنَزَلَ القُرْآنُ) بجوازه، قال تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ الآية … [البقرة: ١٩٦] وزاد مسلمٌ: «ولم ينزل قرآنٌ يحرِّمه، ولم ينه عنها حتَّى مات» أي: فلا نسخ، وفي نسخةٍ -وهي التي في الفرع (٦) -: «فنزل» بالفاء بدل الواو (قَالَ رَجُلٌ: بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ)

стр. 3680

هو عمر بن الخطَّاب لا عثمان بن عفَّان؛ لأنَّ عمر أوَّل من نهى عنها، فكان من بعده تابعًا له في ذلك، ففي «مسلمٍ»: أنَّ ابن الزُّبير كان ينهى عنها، وابن عبَّاسٍ يأمر بها، فسألوا جابرًا فأشار إلى أنَّ أوَّل من نهى عنها عمر. ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، وأخرجه مسلمٌ في «الحجِّ» أيضًا. (٣٧) (بابُ) تفسير (قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]). ١٥٧٢ - (وَقَالَ أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ) بضمِّ الفاء والحاء فيهما مُصغَّرين (البَصْرِيُّ) الجَحْدريُّ المُتوفَّى سنة سبعٍ وثلاثين ومئتين، ممَّا وصله الإسماعيليُّ: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ) بفتح الميم وسكون العين وفتح الشِّين المعجمة يوسف بن يزيد مِنَ الزِّيادة، ولأبي ذرٍّ: «أبو مَعْشَرٍ البَرَّاء» بفتح المُوحَّدة وتشديد الرَّاء نسبةً إلى بري السِّهام، قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ

стр. 3681

غِيَاثٍ) بغينٍ معجمةٍ مكسورةٍ فمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ فألفٍ فمُثلَّثةٍ الباهليُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الحَجِّ، فَقَالَ) مجيبًا عن ذلك: (أَهَلَّ المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ وَأَهْلَلْنَا) قد مرَّ أنَّهم كانوا ثلاث فرقٍ: فرقةٌ أحرموا بحجٍّ وعمرةٍ أو بحجٍّ ومعهم هديٌّ، وفرقةٌ بعمرةٍ ففرغوا منها ثمَّ أحرموا بحجٍّ، وفرقةٌ أحرموا بحجٍّ ولا هدي معهم فأمرهم ﵊ أن يجعلوه عمرةً، وإلى هذا الأخير أشار بقوله: (فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ) أي: قربنا (١) منها لأنَّه كان بسَرِف (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) لمن كان أهلَّ بالحجِّ مفردًا (اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالحَجِّ عُمْرَةً) افسخوه إلى العمرة لبيان مخالفة ما كانت عليه الجاهليَّة من تحريم العمرة في أشهر الحجِّ، وهذا خاصٌّ بهم في تلك السَّنة كما في حديث بلالٍ عند أبي داود، وقد مرَّ التَّنبيه على ذلك (إِلَّا مَنْ قَلَّدَ الهَدْيَ، طُفْنَا بِالبَيْتِ) أي: فلمَّا قدمنا طفنا، وللأَصيليِّ: «فطفنا» بفاء العطف (وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ) أي: واقعناهنَّ، والمراد غير المتكلِّم لأنَّ ابن عبَّاسٍ كان إذ ذاك لم يدرك الحلم، وإنَّما حكى ذلك عن الصَّحابة (وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ) المخيطة (٢) (وَ) قد (قَالَ) ﵊: (مَنْ قَلَّدَ الهَدْيَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ) شيءٌ من محظورات الإحرام (حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ) بأن ينحره بمنًى (ثُمَّ أَمَرَنَا) ﵊ (عَشِيَّةَ) يوم (التَّرْوِيَةِ) بعد الظُّهر ثامن (٣) ذي الحجَّة (أَنْ نُهِلَّ بِالحَجِّ) من مكَّة (فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ المَنَاسِكِ) من الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة والرَّمي والحلق (جِئْنَا فَطُفْنَا بِالبَيْتِ) طواف الإفاضة (وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «وقد» بالواو بدل الفاء، ومن قوله: «فقد تمَّ حجُّنا … » إلى آخر الحديث موقوفٌ على ابن عبَّاسٍ، ومِنْ أوَّلِهِ إليه مرفوعٌ (وَعَلَيْنَا الهَدْيُ

стр. 3682

كَمَا قَالَ اللهُ (١) تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]) أي: فعليه دمٌ استيسره بسبب التَّمتُّع، فهو دم جبرانٍ يذبحه إذا أحرم بالحجِّ لأنَّه حينئذٍ يصير متمتِّعًا بالعمرة إلى الحجِّ ولا يأكل منه، وقال أبو حنيفة: إنَّه دم نسكٍ، فهو كالأضحية (﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾) أي: الهدي (﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾) في أيَّام الاشتغال به بعد الإحرام وقبل التَّحلُّل، ولا يجوز تقديمها على الإحرام بالحجِّ لأنَّها عبادةٌ بدنيَّةٌ فلا تُقدَّم على وقتها، ويُستحَبُّ قبل يوم عرفة لأنَّه يُستحَبُّ للحاجِّ فطره، وقال أبو حنيفة: في أشهره بين الإحرامين، والأحبُّ أن يصوم سابع ذي الحجَّة وثامنه وتاسعه، ولا يجوز يوم النَّحر وأيَّام التَّشريق عند الأكثر، وقال المالكيَّة: يصوم أيَّام التَّشريق أو ثلاثةً بعدها لقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ أي: في وقته وذو الحجَّة كلُّه وقتٌ عندهم، ولنا: أنَّه نهى عن صوم أيَّام التَّشريق (٢)، ولأنَّ ما بعدها ليس من وقت الحجِّ عندنا (﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] إِلَى أَمْصَارِكُمْ) وهذه (٣) تفسيرٌ من ابن عبَّاسٍ للرُّجوع، أو إذا نفرتم وفرغتم من أعماله لأنَّ قوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ مسبوقٌ بقوله تعالى: ﴿ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ فتنصرف إليه، وكأنَّه بالفراغ رجع عمَّا كان مقبلًا عليه من الأعمال، وهذا مذهب أبي حنيفة، والقول الثَّاني للشَّافعيِّ: وإذا قلنا بالأوَّل؛ فلو توطَّن مكَّة بعد فراغه من الحجِّ صامَ بها، وإن لم يتوطَّنها لم يجز صومه بها، ولا يجوز صومها بالطَّريق إذا توجَّه إلى وطنه لأنَّه تقديمٌ للعبادة البدنيَّة على وقتها، وإن قلنا بالثَّاني؛ فلو أخَّره حتَّى رجع إلى وطنه جاز، بل هو أفضلُ خروجًا من الخلاف. (الشَّاةُ تَجْزِي) بفتح أوَّله من غير همزٍ، أي: تكفي لدم التَّمتُّع، والجملة حاليَّةٌ وقعت بدون واوٍ نحو: كلَّمتُه فوه إلى فِيَّ، وهذا تفسيرٌ من (٤) ابن عبَّاسٍ، وفي بعض الأصول: «تُجزئ» بضمِّ أوَّله وهمز آخره (فَجَمَعُوا نُسُكَيْنِ فِي عَامٍ بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ) ذكرهما للبيان، وإلَّا فهما نفس

стр. 3683

النُّسكين على ما لا يخفى، والنُّسُكين -بضمِّ السِّين كما في فروعٍ ثلاثةٍ لـ «اليونينيَّة» وغيرها- تثنية نسكٍ، وضبطه الحافظ ابن حجرٍ والعينيُّ والدَّمامينيُّ بإسكان السِّين مستدلِّين بما نقلوه عن الجوهريِّ: أنَّ النُسْك بإسكان السِّين: العبادة، وبالضَّمِّ: الذَّبيحة، والذي رأيته في «الصَِّحاح»: والنُّسْك: العبادة، والنَّاسك: العابد، وقد نَسَكَ وتنسَّك، أي: تعبَّد، ونَسُكَ -بالضَّمِّ- نَساكَةً، أي: صار ناسكًا، والنَّسيكة: الذَّبيحة، والجمع نُسُكٌ، ونَسَائِكُ، هذا لفظه، وقال في «القاموس»: النُّسُْك: مُثلَّثةٌ، وبضمَّتين: العبادة، وكل حقٍّ لله ، والنُّسك بالضَّمِّ وبضمَّتين وكسفينةٍ: الذَّبيحة، أو النَّسْكُ: الدَّم، والنَّسيكة: الذِّبْح (١)، فليُتأمَّل هذا مع ما سبق (فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَهُ) أي: الجمع بين الحجِّ والعمرة (فِي كِتَابِهِ) العزيز حيث قال: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] (وَسَنَّهُ) أي: شرعه (نَبِيُّهُ ﷺ ¬) حيث أمر به أصحابه (وَأَبَاحَهُ) أي: التَّمتُّع (لِلنَّاسِ) بعد أن كانوا يعتقدون حرمته في أشهر الحجِّ، وأنَّه من أفجر الفجور (غَيْرَِ أَهْلِ مَكَّةَ) فلا دم عليهم، و «غيرَ» بالنَّصب على الاستثناء، والجرِّ صفةٌ لـ «النَّاس»، وقوله في «الفتح»: «ويجوز كسره» مخالفٌ للاستعمال النَّحويِّ؛ إذ هو للبناء، والجرُّ للإعراب. (قَالَ اللهُ) : (﴿ذَلِكَ﴾) إشارةٌ إلى الحكم المذكور عندنا والتَّمتُّع عند أبي حنيفة؛ إذ لا تمتُّع ولا قران لحاضري المسجد الحرام عنده تقليدًا لابن عبَّاسٍ ﵄، وأجاب الشَّافعيَّة بأنَّ قول الصَّحابيِّ ليس حجَّةً عند الشَّافعيِّ؛ إذ المجتهد لا يقلِّد مجتهدًا، قاله الكِرمانيُّ وغيره (٢)، وأمَّا قول العينيِّ: إنَّ هذا جوابٌ واهٍ مع إساءة الأدب (٣)، فإنَّ مثل ابن عبَّاسٍ كيف لا يُحتَجُّ بقوله، وأيُّ مجتهدٍ بعد الصَّحابة يلحق ابن عبَّاسٍ أو يقرب منه حتَّى لا يقلِّده؟! فلا يخفى ما فيه، فلا يحتاج إلى الاشتغال بردِّه (﴿لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]) وهو من كان من الحرم على مسافة القصر عندنا كمن مساكنهم بها، واعتُبِرت المسافة من الحرم لأنَّ كلَّ موضعٍ ذكر اللهُ (٤) فيه المسجدَ الحرام فهو الحرم إلَّا قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] فهو نفس الكعبة، واعتبرها الرَّافعيُّ في «المُحرَّر» من مكَّة، قال في «المهمَّات»: وبه

стр. 3684

الفتوى، فقد نقله في «التَّقريب» عن نصِّ «الإملاء» وأنَّ الشَّافعيَّ أيَّده بأنَّ اعتبارها من الحرم يؤدِّي إلى إدخال البعيد عن مكَّة وإخراج القريب منها؛ لاختلاف المواقيت. انتهى. والقريب من الشَّيء يُقال: إنَّه حاضره، قال الله تعالى: ﴿واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] أي: قريبةً منه، وقال في «المدوَّنة»: وليس على أهل مكَّة القرية بعينها، وأهل ذي طوًى إذا قرنوا أو تمتَّعوا دم قِرانٍ ولا متعةٍ، قال ابن حبيبٍ عن مالكٍ وأصحابه: ومن كان دون مسافة القصر من مكَّة حكمه حكم المكِّيِّ، وقِيلَ: إنَّ مَنْ دون المواقيت كالمكِّيِّ، ولم يعزُه اللَّخميُّ، قاله (١) بهرام، وقال الحنفيَّة: هم أهل المواقيت ومَنْ دونها. (وَأَشْهُرُ الحَجِّ الَّتِي ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى (٢)) زاد أبو ذرٍّ: «في كتابه» أي: في الآية التي بعد آية التَّمتُّع، وهي قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]: (شَوَّالٌ وَذُو القَعْدَةِ وَذُو الحَجَّةِ) من باب إقامة البعض مقام الكلِّ، أو إطلاقًا للجمع على ما فوق الواحد، أي: تسع ذي الحجَّة بليلة النَّحر عندنا، والعشر عند أبي حنيفة، وذو الحجَّة كلُّه عند مالكٍ، وبناء الخلاف أنَّ المرادَ بوقته وقتُ إحرامه (٣)، أو وقت أعماله ومناسكه، أو ما لا يحسن فيه غيره من المناسك مطلقًا، فإنَّ مالكًا كره العمرة في بقيَّة ذي الحجَّة، وأبو حنيفة وإن صحَّح الإحرام به قبل شوَّال فقد استكرهه (فَمَنْ تَمَتَّعَ فِي هَذِهِ الأَشْهُرِ) الثَّلاثة أو إلى (٤) العاشر من ذي (٥) الحجَّة أو ليلته (فَعَلَيْهِ دَمٌ أَوْ صَوْمٌ) ثلاثة أيَّامٍ في الحجِّ وسبعةٍ إذا رجع إن عجز عن الهدي، وليس للقيد بالأشهر مفهومٌ لأنَّ الذي يعتمر في غير أشهر الحجِّ لا يُسمَّى متمتِّعًا ولا دم عليه، وكذلك المكِّيُّ عند الجمهور خلافًا لأبي حنيفة، ويدخل في عموم قوله: «فمن تمتَّع» مَنْ أحرم بالعمرة في أشهر الحجِّ ثمَّ رجع إلى بلده ثمَّ حجَّ منها، وبه قال الحسن البصريُّ، وهو مبنيٌّ على أنَّ التَّمتُّع إيقاع العمرة في أشهر الحجِّ فقط، والذي عليه الجمهور أنَّ التَّمتُّع أن يجمع الشَّخص الواحد بينهما في سفرٍ واحدٍ في أشهر الحجِّ في عامٍ واحدٍ، وأن يقدِّم العمرة

стр. 3685

وألَّا يكون مكِّيًّا، فمتى (١) اختلَّ شرطٌ واحدٌ (٢) من هذه الشُّروط لم يكن متمتِّعًا. (وَالرَّفَثُ: الجِمَاعُ) أو الفحش من الكلام (وَالفُسُوقُ: المَعَاصِي) فيه: إشعارٌ بأنَّ الفسوق جمع فسقٍ، لا مصدرٌ، وتفسير الأشهر وسائر الألفاظ زيادة للفوائد باعتبار أدنى ملابسةٍ بين الاثنين (٣)، قاله الكِرمانيُّ (وَالجِدَالُ: المِرَاءُ) كذا فسَّره ابن عبَّاسٍ فيما رواه ابن أبي شيبة، ولفظه: ولا جدال في الحجِّ تماري صاحبك حتَّى تغضبه. (٣٨) (بابُ) استح باب (الاِغْتِسَالِ عِنْدَ دُخُولِ مَكَّةَ) ولو لحائضٍ أو نفساء (٤)، ويُستثنَى من خرج من مكَّة، فأحرم بالعمرة من مكانٍ قريبٍ كالتَّنعيم، واغتسل للإحرام، فلا يُسَنُّ له الغسل لدخولها لحصول النَّظافة بالغسل السَّابق، بخلاف ما إذا أحرم من مكانٍ بعيدٍ كالجِعْرَانة والحديبية، وظاهر إطلاقه يتناول المُحرِم والحلال الدَّاخل لها أيضًا، وقد حكاه الشَّافعيُّ في «الأمِّ» عن فعله ﷺ عام الفتح، وإنَّما لم يجب لأنَّه غسلٌ لمستقبلٍ؛ كغسل الجمعة والعيد. نعم يُكرَه تركه وإحرامه جنبًا، ومثله حائضٌ ونفساء انقطع دمهما، وغير المميِّز يغسله وليُّه، ولو عجز عن الغسل لفقد الماء أو غيره تيمَّم (٥)، أو وجد ماءً لا يكفي غسله، توضَّأ به، حكاه الرَّافعيُّ عن البغويِّ وأقرَّه، قال النَّوويُّ: إن أراد أن (٦) يتوضَّأ ثمَّ يتيمَّم فحسنٌ، وإن أراد الاقتصار على الوضوء فليس بجيِّدٍ لأنَّ المطلوب الغسل، والتَّيمُّم يقوم مقامه دون الوضوء. انتهى. والأقرب الأوَّل، ولعلَّه إنَّما اقتصر على الوضوء كالشَّافعيِّ في قوله: فإن لم يجد ماءً يكفي غسله توضَّأ، فإن لم يجد ماءً بحالٍ تيمَّم، فيقوم ذلك مقام الغسل، والوضوء تنبيهًا على أنَّ أعضاء الوضوء أَولى بالغسل لما فيه من تحصيل الوضوء الذي هو عبادةٌ كاملةٌ، وسنَّةٌ قبل الغسل القائم مقامه التَّيمُّم.

стр. 3686

١٥٧٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن كثيرٍ الدَّورقيُّ العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ) بضمِّ العين وفتح اللَّام وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة إسماعيل بن إبراهيم بن سهمٍ، وعُلَيَّةُ: أمُّه، قال: (أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ إِذَا دَخَلَ أَدْنَى الحَرَمِ) أوَّل موضعٍ منه (أَمْسَكَ عَنِ التَّلْبِيَةِ) يتركها (١) أصلًا، أو يستأنفها بعد ذلك إذا تركها عند ابتداء رمي جمرة العقبة يوم العيد لأخذه في أسباب التَّحلُّل (ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طُِوًى) بكسر الطَّاء اسم بئرٍ (٢) أو موضعٌ بقرب مكَّة، ولأبي ذرٍّ: «طُوًى» بضمِّها ويجوز فتحها والتَّنوين وعدمه كما في «القاموس»، فمن صرفه جعله اسم وادٍ ومكانٍ وجعله نكرةً، ومن لم يصرفه جعله بلدةً وبقعةً وجعله معرفةً (ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ) أي: بذي طوًى (الصُّبْحَ وَيَغْتَسِلُ) به، وفيه: استحباب الاغتسال به، وهو محمولٌ على أنَّه كان بطريقه بأن يأتي من طريق المدينة، وإلَّا اغتسل من نحو تلك المسافة، قال الطَّبريُّ: ولو قِيلَ: يُسَنُّ له التَّعريج إليها والاغتسال بها (٣) اقتداءً وتبرُّكًا لم يبعد، قال الأذرعيُّ: وبه جزم الزَّعفرانيُّ (وَ) كان ابن عمر ﵄ (يُحَدِّثُ: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ (٤) ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ) المذكور من الإمساك عن التَّلبية والبيتوتة والاغتسال بذي طوًى، أو الإشارة إلى الغسل فقط، وهو موضع التَّرجمة. وهذا الحديث سبق مُعلَّقًا بأتمَّ من هذا في «باب الإهلال مستقبل القبلة» [خ¦١٥٥٣]. (٣٩) (بابُ) استح باب (دُخُولِ مَكَّةَ نَهَارًا أَوْ لَيْلًا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «وليلًا» بالواو بدل «أو»

стр. 3687

(بَاتَ النَّبِيُّ ﷺ بِذِي طَِوًى) بكسر الطَّاء، ولأبي ذرٍّ: «طُوًى (١)» بضمِّها ويجوز فتحها والصَّرف وعدمه، كما مرَّ (حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ) نهارًا (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَفْعَلُهُ) أي: المبيت، وسقط قوله: «بات … » إلى آخره في رواية أبي ذرٍّ، وهذا قد سبق موصولًا في الباب المتقدِّم [خ¦١٥٧٣] ثمَّ ساقه بسندٍ آخر غير الأوَّل، فقال: ١٥٧٤ - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين العمريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: بَاتَ النَّبِيُّ ﷺ بِذِي طُِوًى حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ) أي: نهارًا كما هو ظاهرٌ، بل وقع صريحًا في «مسلمٍ» من طريق أيُّوب عن نافعٍ، ولفظه: كان لا يقدم مكَّة إلَّا بات بذي طوًى حتَّى يصبح ويغتسل، ثمَّ يدخل مكَّة نهارًا، نعم دخلها ليلًا في عمرة الجعرانة كما رواه أصحاب السُّنن الثَّلاثة، ولا يُعلَم (٢) دخوله (٣) ليلًا في غيرها، وحينئذٍ فلا يخفى ما في قول الكِرمانيِّ، وتبعه البرماويُّ مجيبًا عن كون المصنِّف ذكر في التَّرجمة دخول مكَّة في اللَّيل والنَّهار، ولم يذكر حديثًا يدلُّ للَّيل أنَّ كلمة «ثمَّ» للتَّراخي، فيحتمل أنَّ الدُّخول تأخَّر إلى اللَّيل، وأجاب ابن المُنيِّر بأنَّه أراد أن يبيِّن أنَّه غير مقصودٍ، وأنَّ اللَّيل والنَّهار سواءٌ، وبنى على أنَّ ذي طوًى من مكَّة وقد دخل عشيَّةً وبات فيه، فدلَّ على جواز الدُّخول ليلًا، وإذا جاز ليلًا جاز نهارًا بطريق (٤) الأَولى، وقِيلَ: هما سواءٌ، لكنَّ الأكثر على أنَّه بالنَّهار أفضل، وفرَّق بعضهم بين الإمام وغيره لِما روى سعيد بن منصورٍ عن عطاءٍ قال: إن شئتم فادخلوا ليلًا، إنَّكم لستم كرسول الله ﷺ ، إنَّه كان إمامًا، فأحبَّ أن يدخلها نهارًا ليراه النَّاس. انتهى. أي: ليقتدوا به (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَفْعَلُهُ) أي: ما ذُكِرَ من البيتوتة.

стр. 3688

(٤٠) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (مِنْ أَيْنَ يَدْخُلُ مَكَّةَ؟). ١٥٧٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحِزاميُّ (٢) المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَعْنٌ) بفتح الميم وسكون العين ابن عيسى بن يحيى القزَّاز بالقاف وتشديد الزَّاي الأولى (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (مَالِكٌ) الإمام، قال في «الفتح»: ليس هو في «المُوطَّأ»، ولا رأيته في «غرائب مالكٍ» للدَّارقطنيِّ، ولم أقف عليه إلَّا من رواية معن بن عيسى، وقد تابع إبراهيمَ ابن المنذر عليه عبدُ الله بن جعفرٍ البرمكيُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُ) مكة (مِنَ الثَّنِيَّةِ العُلْيَا) التي ينزل منها إلى المُعلَّاة (٣)، ومقابر مكَّة بجنب المُحصَّب، و «الثَّنِيَّة» بفتح المُثلَّثة وكسر النُّون وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة: كلُّ عقبةٍ في جبلٍ أو طريقٍ عاليةٍ فيه، وهذه الثَّنيَّة كانت صعبة المرتقى، فسهَّلها معاوية ثمَّ عبد الملك ثمَّ المهديُّ، ثمَّ سهل منها سنة إحدى عشرة وثمان مئةٍ موضعٌ، ثمَّ سُهِّلت كلُّها في زمن سلطان مصر الملك المُؤيَّد في حدود العشرين وثمان مئةٍ (وَيَخْرُجُ) منها (مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى) التي بأسفل مكَّة عند باب شَبِيكَة، وكان بناء هذا الباب عليها في القرن السَّابع، زاد الإسماعيليُّ من طريق ابن ناجية عن البخاريِّ، وأبو داود من طريق عبد الله بن جعفرٍ البرمكيِّ عن معنٍ: «يعني: ثنيَّتي مكَّة» والمعنى في ذلك: الذَّهاب من طريقٍ والإياب من أخرى كالعيد لتشهد له الطَّريقان، وخُصَّت العليا بالدُّخول مناسبةً (٤) للمكان العالي الذي

стр. 3689

قصده، والسُّفلى للخروج مناسبةً للمكان الذي يذهب إليه، ولأنَّ إبراهيم ﵊ حين قال: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧] كان على العليا كما رُوِي عن ابن عبَّاسٍ، قاله السُّهيليُّ. (٤١) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (مِنْ أَيْنَ يَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ؟). ١٥٧٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ البَصْرِيُّ) سقط في رواية أبي ذرٍّ «بن مسرهدٍ البصريُّ» قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، ابن عمر ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ) بفتح الكاف والدَّال المهملة ممدودًا مُنوَّنًا على إرادة الموضع، وقال أبو عبيدٍ: لا يُصرَف؛ أي (٢): على إرادة البقعة للعلميَّة والتَّأنيث (مِنَ الثَّنِيَّةِ العُلْيَا الَّتِي بِالبَطْحَاءِ) بفتح المُوحَّدة، قال الجوهريُّ: الأبطح: مَسِيلٌ واسِعٌ فيه دُقاق الحَصى، و «العُليا» بضمِّ العين تأنيث الأعلى، وهذه الثَّنيَّة ينزل منها إلى الحَجُون -بفتح الحاء المهملة وضمِّ الجيم- مقبرة مكَّة (وَيَخْرُجُ) بلفظ المضارع، ولأبي ذرٍّ: «وخرج» (مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى) التي بقرب شِعْبِ الشَّاميِّين من ناحية جبل قُعَيْقِعَان. (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (كَانَ يُقَالُ: هُوَ مُسَدَّدٌ) من التَّسديد وهو الإحكام، أي:

стр. 3690

مُحكَمٌ (كَاسْمِهِ) أي: فطابق (١) اسمه مُسمَّاه، ولم يكتف المؤلِّف بتوثيقه إيَّاه بنفسه حتَّى نقل عن ابن معينٍ توثيقه فقال: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ) الإمام في باب الجرح والتَّعديل (يَقُولُ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ) القطَّان (يَقُولُ: لَوْ أَنَّ مُسَدَّدًا أَتَيْتُهُ فِي بَيْتِهِ فَحَدَّثْتُهُ لَاسْتَحَقَّ ذَلِكَ، وَمَا أُبَالِي كُتُبِي كَانَتْ عِنْدِي أَوْ عِنْدَ مُسَدَّدٍ) وهذا منه غايةٌ في التَّعديل ونهايةٌ في التَّوثيق، وسقط عند أبي ذرٍّ قوله: «قال أبو عبد الله: كان (٢) يُقال» إلى هنا. ١٥٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) أبو بكرٍ عبد الله بن الزُّبير المكِّيُّ (وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ الزَّمِن البصريُّ (قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا جَاءَ إِلَى مَكَّةَ دَخَلَ مِنْ أَعْلَاهَا) بغير ضمير النَّصب، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «دخلها من أعلاها» (وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا). وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٢٩٠] عن غير (٣) الحميديِّ وابن المُثنَّى، ومسلمٌ في «الحجِّ» عن ثانيهما وابن أبي عمر، وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ. ١٥٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ) بفتح الغين المعجمة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، وسقط لأبي ذرٍّ «ابن غيلان»، ولغير أبي ذرٍّ (٤): «المَرْوَزِيُّ» قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (٥) قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ

стр. 3691

عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَامَ الفَتْحِ مِنْ) ثنيَّة (كَدَاءٍ) بالفتح والمدِّ والتَّنوين (وَخَرَجَ مِنْ) ثنيَّة (كُدًا) بالضَّمِّ مقصورًا مُنوَّنًا على المشهور فيهما خلافًا لما وقع للرَّافعيِّ في «شرح الوجيز»: أنَّ الذي يشعر به كلام الأكثرين أنَّ الثَّاني بالمدِّ أيضًا، قال: ويدلُّ عليه أنَّهم كتبوها بالألف، وردَّه النَّوويُّ بأنَّ كتابتها بالألف لا تدلُّ على المدِّ، وضبط الحافظ الدِّمياطيُّ الأولى: بضمِّ الكاف مع القصر غير مُنوَّنٍ، والثَّانية: بفتح الكاف والتَّنوين مع المدِّ، وقال: هكذا هو مضبوطٌ؛ يعني: في هذا الموضع، فأشعر أنَّ المُعتمَد خلاف ما وقع، ويؤيِّده قول النَّوويِّ: إنَّه غلطٌ، قال: وأمَّا كُديٌّ -بضمِّ الكاف وتشديد الياء- فهي في طريق الخارج إلى اليمن، وليست من هذين (١) الطَّريقين في شيءٍ. انتهى. وفي «القاموس»: والكِدَاء كـ «كِساءٍ»: المنعُ والقطعُ، وكـ «سماءٍ»: اسم عرفاتٍ، أو جبلٌ بأعلى مكَّة، ودخل النَّبيُّ ﷺ مكَّة منه، وكـ «سُمَيٍّ»: جبلٌ أسفلها، وخرج منه ﵊، أو جبلٌ (٢) آخر قرب عرفة، وكـ «قُرًى»: جبلٌ مَسْفَلَةَ مكَّة على طريق اليمن، و «كَدًى» مقصورةٌ (٣) كـ «فتًى»: ثنيَّةُ الطَّائف، وغلط المتأخِّرون في هذا التَّفصيل، واختلفوا فيه على أكثر من ثلاثين قولًا (مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ) استُشكِل هذا من جهة أنَّ مفهومه أنَّه ﵊ خرج من أعلى مكَّة، والأحاديث السَّابقة أنَّه خرج من أسفلها، وأجاب الكِرمانيُّ فقال: لعلَّ الدُّخول والخروج في عام الفتح كان كلاهما من أعلاها، فأمَّا في الحجِّ فكان الخروج من أسفلها، هذا إذا كان «كَدًا» أوَّلًا وثانيًا (٤) بفتح الكاف، وأمَّا إن كان الثَّاني -بضمِّها- فوجهه أن يُقال: إنَّ «من أعلى مكَّة» متعلِّقٌ بـ «دخل»، ولفظ: «وخرج من كُدًا» حالٌ مُقدَّرٌة بينهما، فلا يحتاج إلى التَّخصيص بغير عام الفتح. انتهى. والذي في الأصول المعتمدة ضبط الأوَّل: بالفتح، والثَّاني: بالضَّمِّ، ولا أعلم أنَّهما رُوِيا بالفتح، والتَّوجيه الثَّاني الذي ذكره لا يخفى ما فيه من التَّكلُّف، والذي يظهر ما قاله الحافظ أبو الفضل بن حجرٍ ﵀: إنَّه رُوِيَ كذا مقلوبًا في رواية أبي أسامة، وإنَّ الصَّواب ما رواه غيره [خ¦١٥٨٠]: «دخل من كَدَاءٍ من أعلى مكَّة» وإنَّ الوهم فيه ممَّن دون أبي أسامة لأنَّ أحمد رواه عن أبي أسامة على الصَّواب،

стр. 3692

المشهور أنَّه دخل من كَدَاءٍ -بالفتح والمدِّ- وخرج من كُدًا بالضَّمِّ والقصر، نعم وقع في رواية أبي داود: أنَّه دخل عام الفتح من كَدَاءٍ -بالفتح- ودخل في العمرة من كُدًا، أي: بالقصر. ١٥٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ) يحتمل أن يكون هو ابن عيسى التُّستريُّ المصريُّ كما في أوائل «الحجِّ» [خ¦١٥١٤] وقال أبو عليِّ بن السَّكن عن الفَِرَبْريِّ: هو في المواضع كلِّها أحمد بن صالحٍ المصريُّ، وكذا قال أبو عبد الله بن منده، وليس هو ابن أخي ابن وهبٍ لأنَّ المؤلِّف لم يُخرِج عنه شيئًا، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَمْرٌو) بفتح العين ابن الحارث المصريُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين (١) (¬﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَامَ الفَتْحِ) مكَّة (مِنْ كَدَاءٍ) بفتح الكاف والمدِّ والتَّنوين (أَعْلَى مَكَّةَ). وبالإسناد السَّابق (قَالَ هِشَامٌ: وَكَانَ عُرْوَةُ) أبوه (يَدْخُلُ عَلَى) ولأبي ذرٍّ: «من» (كِلْتَيْهِمَا) بكسر الكاف وسكون اللَّام والمُثنَّاة التَّحتيَّة، بينهما مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ مفتوحةٌ، والضَّمير يرجع إلى الثَّنيَّتين العليا والسُّفلى (مِنْ كَدَاءٍ) بالفتح والمدِّ والتَّنوين (وَكُدًا) بالضَّمِّ والقصر والتَّنوين، بيانٌ لقوله: «كلتيهما» (وَأَكْثَرُ مَا يَدْخُلُ) عروة (مِنْ كَدَاءٍ) بالفتح والمدِّ، ولأبوي ذرِّ والوقت -كما في «اليونينيَّة» -: «كُدًا» بضمِّ الكاف والقصر (٢) مع التَّنوين، وقال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه بالضَّمِّ والقصر للجميع، وعزاه في «المصابيح» -كـ «التَّنقيح» - للأَصيليِّ، والفتح والمدُّ لغيره، وفي بعض النُّسخ: «كُدَا» بالضَّمِّ والقصر من غير تنوينٍ (وَكَانَتْ) أي: الثنيَّة العليا، وفي فرع «اليونينيَّة» (٣) وأصولٍ مُعتمَدةٍ: «وكان» (أَقْرَبَهُمَا) بالنَّصب خبر «كان»، وفي بعض النُّسخ: «أقرب» أي: أقرب الثَّنيَّتين (إِلَى مَنْزِلِهِ) اعتذارٌ لأبيه عروة على رواية الضَّمِّ لأنَّه روى الحديث: أنَّه ﷺ كان يدخل من كَداءٍ؛ بالفتح والمدِّ، وخالفه؛

стр. 3693

لأنَّه رأى أنَّ (١) ذلك ليس بلازمٍ حتمٍ فلذلك كان يسوِّي بينهما في الدُّخول، ويكثر من الدُّخول من الأخرى لكونها أقرب إلى منزله. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٢٩٠]. ١٥٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) الحجبيُّ (٢) البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَاتِمٌ) بالحاء المهملة والمُثنَّاة الفوقيَّة المكسورة ابن إسماعيل الكوفيُّ، سكن المدينة (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) مكة (عَامَ الفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ، وَكَانَ عُرْوَةُ أَكْثَرَ مَا يَدْخُلُ مِنْ كَدَاءٍ) بفتح الكاف والمدِّ والتَّنوين في الأوَّل والثَّاني، قال النَّوويُّ: وأكثر دخول عروة من كَداءٍ؛ بالمدِّ. انتهى. ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «من كُدَى» بالضَّمِّ والقصر من غير تنوين، وقال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه كذلك للجميع (وَكَانَ أَقْرَبَهُمَا إِلَى مَنْزِلِهِ) وهذا الحديث -كما قاله الحافظ في «الفتح» - اختُلِف في وصله وإرساله على (٣) هشام بن عروة، وأورد البخاريُّ الوجهين مشيرًا إلى أنَّ رواية الإرسال لا تقدح في رواية الوصل لأنَّ الذي وصله حافظٌ وهو ابن عُيَيْنَة، وقد تابعه ثقتان -يعني: عَمْرًا وحاتمًا المذكورين- ثمَّ أورد المؤلِّف طريقًا آخر (٤) من مراسيل عروة، فقال بالسَّند السَّابق أوَّل هذا الكتاب إليه: ١٥٨١ - (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو وفتح الهاء ابن

стр. 3694

خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة أنَّه قال: (دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) مكَّة (عَامَ الفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ) بالفتح والمدِّ مُنوَّنًا (وَكَانَ عُرْوَةُ يَدْخُلُ مِنْهُمَا) أي: من «كَداءٍ» -بالفتح- و «كُدًى» -بالضَّمِّ- (كِلَيْهِمَا) بكافٍ مكسورةٍ ولامٍ مفتوحةٍ فمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ، وللأَصيليِّ: «كلاهما» بالألف على لغة من أعربه بالحركات المُقدَّرة في الأحوال الثَّلاث (وَأَكْثَرُ) بالرَّفع، ولأبي ذرٍّ: «وكان أكثرَ»؛ بالنَّصب، خبر «كان» الزَّائدة عنده (مَا يَدْخُلُ) وفي بعض النُّسخ: «وأكثر ما كان يدخل» (مِنْ كَدَاءٍ) بالفتح والمدِّ والتَّنوين، ولأبي ذرٍّ: «كُدَا» (١) بالضَّمِّ والقصر من غير تنوينٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّها كذلك للجميع (أَقْرَبِهِمَا إِلَى مَنْزِلِهِ) بجرِّ «أقرب»: بيانٌ أو بدلٌ من «كداءٍ»، والأرجح أنَّ دخوله ﷺ من أعلى مكَّة وخروجه من أسفلها كان قصدًا ليُتأسَّى به فيه، فيكون سنَّةً لكلِّ داخلٍ، وحينئذٍ فالآتي من غير طريق المدينة يُؤمَر بالتَّعريج إليها ليدخل منها، وهذا ما صحَّحه النَّوويُّ في «الرَّوضة» و «المجموع» لمَا قاله الشَّيخ أبو محمَّدٍ الجوينيُّ: إنَّه ﷺ عرَّج إليها قصدًا، وحكى الرَّافعيُّ عن الأصحاب تخصيصه بالآتي من طريق المدينة للمشقَّة، وأنَّ دخوله ﷺ منها كان اتِّفاقًا. (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (كَدَاءٌ وَكُدًا) بالفتح والمدِّ والتَّنوين في الأوَّل، والضَّمِّ والقصر والتَّنوين في الثاني (٢)، وفي نسخةٍ: «بتركه» (مَوْضِعَانِ) كذا ثبت هذا القول للمُستملي، وسقط لغيره، وهو أَولى لأنَّه ليس في سياقه كبير فائدةٍ كما لا يخفى. (٤٢) (بابُ) بيان (فَضْلِ مَكَّةَ) زادها الله تعالى شرفًا ورزقنا العَود إليها على أحسن حالٍ بمنِّه

стр. 3695

وكرمه (وَ) في (بُنْيَانِهَا) أي: الكعبة (وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه، أي: في بيان تفسير قوله تعالى: (﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ﴾) أي: الكعبة (﴿مَثَابَةً لِّلنَّاسِ﴾) من ثاب القوم إلى الموضع إذا رجعوا إليه، أي: جعلنا البيت مرجعًا ومعادًا يأتونه كلَّ عامٍ ويرجعون إليه، فلا يقضون منه (١) وطرًا، أو موضع ثوابٍ يُثابون بحجِّه واعتماره (﴿وَأَمْناً﴾) من المشركين أبدًا، فإنَّهم لا يتعرَّضون لأهل مكَّة ويتعرَّضون لمن حولها، أو لا يُؤاخَذ (٢) الجاني الملتجئ إليه كما هو مذهب أبي حنيفة ﵀، وقِيلَ: يأمن الحاجُّ من عذاب الآخرة من حيث إنَّ الحجَّ يَجُبُّ ما قبله (﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾) مقام إبراهيم: الحجر المعروف أو المسجد الحرام أو الحرم أو مشاعر الحجِّ، وقد صحَّ أنَّ عمر قال: يا رسول الله، هذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال: «نعم»، قال: أفلا نتَّخذه مُصلًّى، فأنزل الله: ﴿وَاتَّخِذُواْ﴾ … إلى آخره، وهو عطفٌ على: ﴿اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ﴾ أو على معنى ﴿مَثَابَةً﴾ أي: ثوبوا إليه واتَّخذوا، أو مُقدَّرٌ بـ «قلنا» أي: وقلنا: اتَّخذوا منه موضع صلاةٍ أو مُدَّعى، والأمر للاستحباب بالاتِّفاق (﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾) أمرناهما (﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾) أي: بأن طهِّرا، وهو بمعنى: الوحي، عُدِّي بـ «إلى» يريد: طهِّراه من الأوثان والأنجاس، وما لا يليق به وأخلصاه (﴿لِلطَّائِفِينَ﴾) حوله (﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾) المقيمين عنده أو المعتكفين فيه (﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾) جمع راكعٍ وساجدٍ، أي: المصلِّين، واستُدِلَّ به على جواز صلاة الفرض والنَّفل داخل البيت خلافًا لمالكٍ ﵀ في الفرض (﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هََذَا﴾) البلد أو المكان (﴿بَلَدًا آمِنًا﴾) أي (٣): ذا أمنٍ كقوله تعالى: ﴿فَهُوَ (٤) فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أو آمنًا أهله كقولك (٥): ليلٌ نائمٌ (﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾) فاستجاب الله تعالى دعاءه بأن بعث الله تعالى جبريل ﵇ حتَّى اقتلع الطَّائف من موضع الأردن، ثمَّ طاف

стр. 3696

بها (١) حول الكعبة، فسُمِّيت الطَّائف، قاله المفسِّرون (﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾) أُبدِل ﴿مَنْ آمَنَ﴾ من ﴿أَهْلَهُ﴾ بدل البعض للتَّخصيص (﴿قَالَ وَمَن كَفَرَ﴾) عُطِف على ﴿مَنْ آمَنَ﴾ وهو من كلام الله تعالى، نبَّه الله سبحانه أنَّ الرِّزق عامٌّ دنيويٌّ يعمُّ المؤمن والكافر لا كالإمامة والتَّقدُّم في الدِّين، أو مبتدأٌ تضمَّن معنى الشَّرط (﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً﴾) خبره، و ﴿قَلِيلاً﴾: نُصِب بالمصدر، والكفر وإن لم يكن سبب التَّمتُّع لكنَّه سببُ تقليله بأن يجعله مقصورًا بحظوظ الدُّنيا غير متوسِّلٍ به إلى نيل الثَّواب ولذلك عطف عليه (﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾) أي: ألجئه إليه (﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾) أي: العذابُ، فحذف (٢) المخصوص بالذَّمِّ (﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ﴾) الأساس (﴿مِنَ الْبَيْتِ﴾) ورفعُها: البناءُ عليها، وظاهره أنَّه كان مُؤسَّسًا قبل إبراهيم، ويحتمل أن يكون المراد بالرَّفع نقلَها من مكانها إلى مكان البيت (﴿وَإِسْمَاعِيلُ﴾) كان يناوله الحجارة، يقولان: (﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾) بناءَ البيت (﴿إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ﴾) لدعائنا (﴿الْعَلِيمُ﴾) بنيَّاتنا (٣) (﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾) مخلصَين لك منقادَين (﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَا﴾) أي: واجعل بعض ذرِّيَّتنا (٤) (﴿أُمَّةً﴾) جماعةً (﴿مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾) خاضعةً مخلصةً، وإنَّما خصَّا الذَّرِّيَّة بالدُّعاء لأنَّهم أحقُّ بالشَّفقة، ولأنَّهم إذا صلحوا صلح بهم الأتباع، وخصَّا بعضهم لِما أُعلِما أنَّ في ذرِّيَّتهما ظَلَمةً، وعلما أنَّ الحكمة الإلهيَّة لا تقتضي الاتِّفاق على الإخلاص والإقبال الكليِّ على الله، فإنَّه ممَّا يشوِّش المعاش، ولذلك قِيلَ: لولا الحمقى لخربت الدُّنيا، قاله القاضي (﴿وَأَرِنَا﴾) قال البيضاويُّ: مِنْ رأى بمعنى: أبصر أو عرف، ولذلك لم يتجاوز مفعولين، وقال أبو حيَّان: أي: بصِّرنا (٥) إن كانت

стр. 3697

من «رأى» البصريَّة، والتَّعدِّي هنا إلى اثنين ظاهرٌ لأنَّه منقولٌ بالهمزة من المتعدِّي إلى واحدٍ، وإن كانت من رؤية القلب فالمنقول أنَّها تتعدَّى إلى اثنين، فإذا (١) دخلت عليها همزة النَّقل تعدَّت إلى ثلاثةٍ، وليس هنا إلَّا اثنان (٢)، فوجب أن يعتقد أنَّها من رؤية العين، وقد جعلها الزَّمخشريُّ من رؤية القلب، وشرحها بقوله: عرف، فهي عنده تأتي (٣) بمعنى: عرف، أي: تكون قلبيَّةً وتتعدَّى إلى واحدٍ، ثمَّ أُدخِلت همزة النَّقل فتعدَّت إلى اثنين، ويحتاج ذلك إلى سماعٍ من كلام العرب. انتهى. (﴿مَنَاسِكَنَا﴾) متعبَّداتنا في الحجِّ أو مذابحنا، وروى عبد بن حميدٍ عن أبي مِجْلَزٍ قال: لمَّا فرغ إبراهيم من البيت أتاه جبريل، فأراه الطَّواف بالبيت سبعًا، قال: وأحسبه بين الصَّفا والمروة، ثمَّ أتى به عرفة، فقال: أعرفت؟ قال: نعم، قال: فمن ثَمَّ سُمِّيت عرفاتٍ، ثمَّ أتى به جَمْعًا، فقال: ههنا يجمع (٤) النَّاسُ الصَّلاةَ، ثمَّ أتى به منًى، فعرض لهما الشَّيطان، فأخذ

стр. 3698

جبريل سبع حصيَّاتٍ، فقال: ارمه بها وكبِّر مع كلِّ حصاةٍ (﴿وَتُبْ عَلَيْنَآ﴾) استتابةً لذرِّيَّتهما (١) لأنَّهما معصومان أو عمَّا فرط منهما سهوًا، ولعلَّهما قالاه هضمًا لأنفسهما وإرشادًا لذرِّيَّتهما (﴿إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٥ - ١٢٨]) لمن تاب، وهذه أربع آياتٍ ساقها المصنِّف كلَّها كما هو (٢) في رواية كريمة، وللباقين بعض الآية الأولى، ولأبي ذرٍّ كلُّها، ثمَّ قال: «إلى قوله تعالى: ﴿التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾». ١٥٨٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «حدَّثني» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ الجعفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) النَّبيل هو أحد شيوخ المؤلِّف، أخرج عنه في غير (٣) موضعٍ بواسطةٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ جُرَيْجٍ) بضمِّ الجيم الأولى وفتح الرَّاء عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد أيضًا (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) بفتح العين (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ يَقُولُ) ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «قال»: (لَمَّا بُنِيَتِ الكَعْبَةُ) قبل المبعث بخمس سنين، وكانت قريشٌ خافت أن تنهدم (٤) من السُّيول، وقد اختُلِف في عدد بنائها، والذي تحصَّل من ذلك أنَّها بُنِيت عشر مرَّاتٍ: بناء الملائكة قبل خلق آدم وذلك لمَّا قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ … الآية [البقرة: ٣٠] خافوا وحافوا (٥) بالعرش، ثمَّ أمرهم الله تعالى أن يبنوا في كلِّ سماءٍ بيتًا وفي كلِّ أرض بيتًا، قال مجاهدٌ: هي أربعة عشر بيتًا، وقد رُوِيَ: أنَّ الملائكة حين أسَّست الكعبة انشقَّت الأرض إلى منتهاها، وقُذِفت فيها حجارةٌ أمثال الإبل، فتلك القواعد من البيت التي وضع عليها إبراهيم وإسماعيل، ثمَّ بناء آدم ﵇، رواه

стр. 3699

البيهقيُّ في «دلائل النُّبوَّة» من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (١) مرفوعًا من طريق ابن لهيعة وفيه: أنَّه قِيلَ له: أنت أوَّل النَّاس، وهذا أوَّل بيتٍ وُضِع للنَّاس، لكن قال ابن كثيرٍ: إنه من مفردات ابن لهيعة، وهو ضعيفٌ، والأشبه أن يكون موقوفًا على عبد الله، ثمَّ بناء بني آدم من بعده بالطِّين والحجارة، فلم يزل معمورًا (٢) يعمرونه هم ومَنْ بعدهم، حتَّى كان زمن نوحٍ فنسفه الغرق وغيَّر مكانه، حتَّى بُوِّئ لإبراهيم (٣) ﵇، فبناه كما هو ثابتٌ بنصِّ القرآن، وجزم الحافظ ابن كثيرٍ بأنَّه أوَّل من بناه، وقال: إنَّه (٤) لم يجئ خبرٌ عن معصومٍ أنَّه كان مبنيًّا قبل الخليل، وقد كان المبلِّغ له ببنائه عن (٥) الملِك الجليل جبريلُ، فمن ثمَّ قِيلَ: ليس ثَمَّ في هذا العالم بناءٌ أشرف من الكعبة لأنَّ الآمر ببنائها: المَلِك الجليل، والمبلِّغ والمهندس: جبريل، والباني: الخليل، والتِّلميذ: إسماعيل، ثمَّ بناء العمالقة، ثمَّ جُرْهُم، رواه الفاكهيُّ بسنده عن عليٍّ، وذكر المسعوديُّ: أنَّ الذي بناه من جُرْهُم هو الحارث بن مُضاضٍ الأصغر، ثمَّ بناء قصيِّ ابن كلابٍ كما ذكره الزُّبير بن بكَّارٍ، ثمَّ بناءُ قريشٍ وحضره النَّبيُّ ﷺ وجعلوا ارتفاعها ثمانية عشر ذراعًا، وقِيلَ: عشرين، ونقصوا من طولها ومن عرضها لضيق النَّفقة بهم، ثمَّ بناء عبد الله بن الزُّبير، وسببه توهين الكعبة من حجارة المنجنيق التي أصابتها حين حُوصِر ابن الزُّبير بمكَّة في أوائل سنة أربعٍ وستِّين من الهجرة؛ لمعاندة يزيد بن معاوية، فهدمها حتَّى بلغت (٦) الأرض يوم السَّبت منتصف جمادى الآخرة سنة أربعٍ وستِّين، وبناها على قواعد إبراهيم، وأدخل فيها ما أخرجته منها قريشٌ في الحِجْر (٧)، وجعل لها بابين

стр. 3700

لاصقين (١) بالأرض؛ أحدهما بابها الموجود الآن، والآخر المقابل (٢) له المسدود، وجعل فيها (٣) ثلاث دعائم في صفٍّ واحدٍ، وفرغ منها في سنة خمسٍ وستِّين كما ذكره المُسبِّحِيُّ، العاشر: بناء الحجَّاج، وكان بناؤه للجدار الذي من جهة الحجْر -بسكون الجيم- والباب الغربيِّ المسدود عند الرُّكن اليمانيِّ، وما تحت عتبة الباب الشَّرقيِّ، وهو أربعةُ أذرعٍ وشبرٌ على ما ذكره الأزرقيُّ، وترك بقيَّة الكعبة على بناء ابن الزُّبير، واستمرَّ بناء الحجَّاج إلى الآن، وقد أراد الرَّشيد أو أبوه أو جدُّه أن يعيده على ما فعله ابن الزُّبير فناشده مالكٌ في ذلك، وقال: أخشى أن يصير ملعبةً للملوك فتركه، ولم يتَّفق لأحدٍ من الخلفاء ولا غيرهم تغيير شيءٍ ممَّا صنعه الحجَّاج إلى الآن إلَّا في الميزاب والباب وعتبته، وكذا وقع التَّرميم في الجدار الذي بناه الحجَّاج غير مرَّةٍ وفي السَّقف (٤) وفي سلَّم السَّطح وجُدِّد فيها (٥) الرُّخام، وأوَّل من فرشها بالرُّخام الوليد بن عبد الملك فيما قاله ابن جريجٍ، وهذا الحديث مُرسَلٌ لأنَّ جابرًا لم يدرك بناء قريشٍ، لكن يحتمل أن يكون سمع ذلك من النَّبيِّ ﷺ أو ممَّن حضره من الصَّحابة، وقد

стр. 3701

روى الطَّبرانيُّ وأبو نُعيمٍ في «الدَّلائل» من طريق ابن لَهِيعَة عن أبي الزُّبير قال: سألت جابرًا: هل يقوم الرَّجل عريانًا؟ فقال: أخبرني النَّبيُّ ﷺ أنَّه لمَّا انهدمت الكعبة … الحديثَ، لكنَّ ابن لهيعة ضعيفٌ، وقد تابعه عبد العزيز بن سليمان عن أبي الزُّبير، ذَكَرَهُ أبو نُعَيمٍ، فإن كان محفوظًا، وإلَّا فقد حضره من الصَّحابة العبَّاس، فلعلَّ جابرًا حمله عنه، قاله في «الفتح». وجواب «لمَّا» قوله: (ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ وَعَبَّاسٌ) عمُّه (يَنْقُلَانِ الحِجَارَةَ) على أعناقهما (فَقَالَ العَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى رَقَبَتِكَ) أي: لتقوى به على حمل الحجارة، ففعل ﵊ ذلك (فَخَرَّ) أي: وقع (إِلَى الأَرْضِ، وَطَمَحَتْ) بالواو والطَّاء المهملة والميم والحاء المهملة المفتوحات، ولأبي ذرٍّ: «فطمحت» بالفاء (عَيْنَاهُ) أي: شخصتا وارتفعتا (إِلَى السَّمَاءِ) والمعنى: أنَّه صار ينظر إلى فوق، قال ابن المُنيِّر: فيه دليلٌ على أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان متعبِّدًا قبل البعثة بالفروع التي بقيت محفوظةً كستر العورة؛ لأنَّ سقوطه إلى الأرض عند سقوط الإزار خشيةً من عدم السَّتر في تلك اللَّحظة. انتهى. وهذا يردُّه ما في «الدَّلائل» للبيهقيِّ عن سِمَاك بن حربٍ، عن عكرمة، عن ابن عبَّاسٍ، عن أبيه قال: لمَّا بنت قريشٌ الكعبة انفردت رجلين رجلين (١) ينقلون الحجارة، فكنت أنا وابن أخي، فجعلنا نأخذ أُزْرَنا فنضعها (٢) على مناكبنا ونجعل عليها الحجارة، فإذا دنونا من النَّاس لبسنا أُزُرَنا، فبينما هو أمامي إذ صُرِع (٣)، فسعيت وهو شاخصٌ ببصره إلى السَّماء، قال: فقلت لابن أخي: ما شأنك؟ قال: «نُهِيت أن أمشي عريانًا» قال: فكتمته حتَّى أظهر الله نبوَّته. وفي «التَّهذيب» للطَّبرانيِّ: «إنِّي لَمَعَ غلمانٍ هم أسناني قد جمعنا أُزُرَنا على أعناقنا لحجارةٍ ننقلها، إذ لكمني لاكمٌ لكمةً شديدةً، ثمَّ قال: اشدد عليك إزارك». وعند السُّهيليِّ في خبرٍ آخر: لمَّا سقط ضمَّه العبَّاس إلى نفسه، وسأله عن شأنه، فأخبره أنَّه نُودِي من السَّماء: أن اشدد (٤) عليك إزارك يا محمَّد، وفي روايةٍ:

стр. 3702

أنَّ الملَك نزل، فشدَّ عليه إزاره، فوضح أنَّ استتاره لم يكن مستندًا إلى شرعٍ متقدِّمٍ (فَقَالَ) ﵊ لعمِّه العبَّاس: (أَرِنِي) بكسر الرَّاء وسكونها أي: أعطني (إِزَارِي) لأنَّ الإراءة من لازمها الإعطاءُ، فأعطاه فأخذه (فَشَدَّهُ عَلَيْهِ) زاد زكريَّا بن إسحاق في روايته السَّابقة، في «باب كراهية (١) التَّعرِّي» في أوائل «الصَّلاة»: «فما رُئِي بعد ذلك عُرْيانًا» [خ¦٣٦٤]. وفي هذا (٢) الحديث: التَّحديث بالجمع والإفراد، والإخبار بالإفراد والسَّماع والقول، ورواته ما بين بخاريٍّ وبصريٍّ ومكِّيٍّ، وأخرجه أيضًا في «بنيان الكعبة» [خ¦٣٨٢٩]، ومسلمٌ في «الطَّهارة». ١٥٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (أَخْبَرَ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب بنصب «عبدَ الله» على المفعوليَّة، والفاعل مُضمَرٌ (عَنْ عَائِشَةَ) متعلِّقٌ (٣) بـ «أخبر» (¬﵃ (٤) زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهَا: أَلَمْ تَرَيْ) مجزومٌ بحذف النُّون، أي: ألم تعرفي (أَنَّ قَوْمَكِ) قريشًا (لَمَّا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «حين» (بَنَوُا الكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَن قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟) جمع قاعدةٍ؛ وهي الأساس (قَالَ) ﵊: (لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ) قريشٍ؛ بكسر الحاء وسكون الدَّال

стр. 3703

المهملتين وفتح المُثلَّثة مبتدأٌ خبره محذوفٌ وجوبًا، أي: موجودٌ؛ يعني: قرب عهدهم (بِالكُفْرِ لَفَعَلْتُ) أي: لرددتها على قواعد إبراهيم، وفيه دليلٌ على ارتكاب أيسر الضَّررين دفعًا لأكبرهما لأنَّ قصور البيت أيسر من افتتان طائفةٍ (١) من المسلمين، ورجوعهم عن دينهم (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر (¬﵁¬) وعن أبيه بالإسناد المذكور: (لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ (٢) ﷺ ¬) ليس شكًّا في قولها ولا تضعيفًا لحديثها فإنَّها الحافظة المتقنة؛ لكنَّه (٣) جرى على ما يعتاد في كلام العرب من التَّرديد للتَّقرير واليقين كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١١] (مَا أُرَى) بضمِّ الهمزة: ما أظنُّ (رَسُولَ اللهِ ﷺ تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الحِجْرَ) بسكون الجيم، أي: يقربان منه، وزاد معمرٌ: «ولا طاف النَّاس من وراء الحجر» (إِلَّا أَنَّ البَيْتَ) الكعبة (لَمْ يُتَمَّمْ) ما نقص منه، وهو الرُّكن الذي كان في الأصل (عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ) ﵇، فالموجود الآن في جهة الحجر بعض الجدار الذي بنته قريشٌ، فلذلك لم يستلمهما النَّبيُّ ﷺ ، فلو استلمهما أو غيرهما من البيت أو قبَّل ذلك لم يُكرَه ولا هو خلاف الأَولى، بل هو حسنٌ لما (٤) في «الاستقصاء» عن الشَّافعيِّ أنَّه قال: وأيَّ البيتِ قَبَّلَ فَحَسَنٌ، غير أنَّا نأمر بالاتِّباع. انتهى. قال أبو عبد الله الأُبِّيُّ: وهذا الذي قاله ابن عمر من فقهه، ومن تعليل العدم بالعدم علَّل عدم الاستلام بعدم أنَّهما من البيت. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٦٨] وفي «التَّفسير» [خ¦٤٤٨٤]،

стр. 3704

و «مسلمٌ» في «الحجِّ»، والنَّسائيُّ فيه وفي «العلم» (١) وفي «التَّفسير». ١٥٨٤ - وبه قال (٢): (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ) بفتح الهمزة وسكون الحاء آخره صادٌ مهملتين بينهما واوٌ مفتوحةٌ (٣) سلَّام بن سُلَيمٍ الجعفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَشْعَثُ) بهمزةٍ مفتوحةٍ فمعجمةٍ ساكنةٍ فعينٍ مهملةٍ مفتوحةٍ فمُثلَّثةٍ ابن أبي الشَّعثاء (٤) المحاربيُّ (عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ) من الزِّيادة (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الجَدْرِ) بفتح الجيم وسكون الدَّال (٥) المهملة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «عن الجِدَار» بكسرٍ ثمَّ فتحٍ فألفٌ: (أَمِنَ البَيْتِ هُوَ؟) بهمزة الاستفهام (قَالَ) ﵊: (نَعَمْ) هو منه لما فيه من أصول حائطه، وظاهره أنَّ الحِجْر كلَّه من البيت، وبذلك كان يفتي ابن عبَّاسٍ، وقد روى عبد الرَّزَّاق عنه أنَّه قال: لو وَلِيتُ من البيت ما وَلِيَ (٦) ابن الزُّبير لأدخلت الحِجْر كله في البيت، فَلِمَ يُطافُ (٧) به إن لم يكن من البيت؟ وسيأتي -إن شاء الله تعالى- في آخر الطَّريق الرَّابعة [خ¦١٥٨٦] لحديث عائشة هذا قول يزيد بن رومان الذي رواه عن عكرمة أنَّه أراه لجرير بن حازمٍ فحزره (٨) ستَّة أذرعٍ أو نحوها مع زيادةٍ من «فرائد الفوائد».

стр. 3705

قالت عائشة: (قُلْتُ) أي: لرسول الله ﷺ : (فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي البَيْتِ؟ قَالَ: إِنَّ قَوْمَكِ) قريشًا (قَصَّرَتْ) بتشديد الصَّاد المفتوحة، ولأبي ذرٍّ: «قَصُرت» بتخفيفها مضمومةً (بِهِمُ النَّفَقَةُ) أي: لم يتَّسعوا لإتمامه لقلَّة ذات يدهم، وقال في «فتح الباري»: أي: النَّفقة الطَّيِّبة التي أخرجوها لذلك كما جزم به الأزرقيُّ، ويوضِّحه ما ذكره ابن إسحاق في «السِّيرة»: أنَّ أبا وهب بن عائذ (١) بن عمران بن مخزومٍ قال لقريشٍ: لا تُدخِلوا فيه من كسبكم إلَّا طيِّبًا، ولا تُدخِلوا فيه مهرَ بَغِيٍّ ولا بيعَ رِبًا ولا مظلمة أحدٍ من النَّاس. انتهى. قالت عائشة: (قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ) ﵊: (فَعَلَ ذَلِكِ قَوْمُكِ) بكسر الكاف فيهما لأنَّ الخطاب لعائشة (لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاؤُوْا) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «يدخلوها» بغير لامٍ وزيادة الضَّمير (وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاؤُوْا) زاد مسلمٌ: «فكان الرَّجل إذا هو أراد أن يدخلها يدعونه يرتقي حتَّى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط» (وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ) بالتَّنوين (عَهْدُهُمْ بِالجَاهِلِيَّةِ) برفع «عهدُهم» على الفاعليَّة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهنيِّ: «بجاهليَّةٍ» مُنكَّرًا، وسبق في «العلم» من طريق الأسود: «حديثٌ عهدُهم (٢) بكفرٍ» [خ¦١٢٦] ولأبي عَوانة من طريق عبادة (٣) عن عروة عن عائشة: «حديث عهد بشركٍ» (فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِلَ الجَدْرَ) أي: أخاف إنكار قلوبهم إدخال الجدر (فِي البَيْتِ) وجواب «لولا» محذوفٌ، أي: لفعلت ذلك، وقد رواه مسلمٌ عن سعيد بن منصورٍ عن أبي الأحوص بلفظ: «أن تنكر قلوبهم لنظرت أن أدخل»، فأثبت جواب «لولا»، وللإسماعيليِّ من طريق شيبان عن أشعث، ولفظه: «لنظرت فأدخلت» (وَأَنْ أُلْصِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ) فلا يكون مرتفعًا، ونقل ابن بطَّالٍ عن علمائهم: أنَّ النَّفرة التي خشيها ﵊ أن ينسبوه إلى الانفراد بالفخر دونهم. وهذا الحديث أخرجه أيضًا مسلمٌ وابن ماجه في «الحجِّ».

стр. 3706

١٥٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضمِّ العين وفتح المُوحَّدة لقب عبد الله القرشيُّ الهَبَّاريُّ الكوفيُّ، غلب عليه وهو من ولد هَبَّار بن الأسود قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) قال الحافظ أبو الفضل بن حجرٍ: كذا رواه مسلمٌ من طريق أبي معاوية، والنَّسائيُّ من طريق عبدة بن سليمان، وأبو عَوانة من طريق عليِّ بن مسهرٍ، وأحمد عن عبد الله بن نُميرٍ، كلُّهم عن هشامٍ، وخالفهم القاسم بن معنٍ فرواه عن هشامٍ عن أبيه عن أخيه عبد الله بن الزُّبير عن عائشة، أخرجه أبو عَوانة، ورواية الجماعة أرجح، فإنَّ رواية عروة عن عائشة لهذا الحديث مشهورةٌ من غير وجهٍ، فسيأتي في الطَّريق الرَّابعة من رواية يزيد بن رومان عنه، وكذا لأبي عَوانة من طريق قتادة وأبي النَّضر، كلاهما عن عروة عن عائشة بغير واسطةٍ، ويحتمل أن يكون عروة حمل عن أخيه عن عائشة منه شيئًا زائدًا على روايته عنها كما وقع للأسود بن يزيد مع ابن الزُّبير فيما تقدَّم شرحه في «كتاب العلم» [خ¦١٢٦]. انتهى. (قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَوْلَا حَدَاثَةُ قَوْمِكِ بِالكُفْرِ) بفتح الحاء والدَّال المهملتين ثمَّ المُثلَّثة بعد الألف (لَنَقَضْتُ البَيْتَ، ثُمَّ لَبَنَيْتُهُ عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ فَإِنَّ قُرَيْشًا اسْتَقْصَرَتْ بِنَاءَهُ) اقتصرت على هذا القدر لقصور النَّفقة عن تمامه، ثمَّ عطف المؤلِّف على قوله: «لبنيته» قولَه: (وَجَعَلْتُ لَهُ) بتاء المتكلِّم فاللَّامُ ساكنةٌ، وقال في «التَّنقيح» -كالقابسيِّ-: بفتح اللَّام وسكون التَّاء؛ يعني: فيكون مسندًا إلى ضمير المُؤنَّث، فالتَّاء ساكنةٌ لأنَّها تاء التَّأنيث اللَّاحقة للفعل، فيكون «وجعلَتْ» معطوفًا على «استقصرتْ»، وهو وهمٌ، قال: ورُوِي بإسكان اللَّام وضمِّ التَّاء. انتهى. وهذا الأخير هو الظَّاهر لِمَا سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى (خَلْفًا) بسكون اللَّام بعد فتح الخاء المعجمة وآخره فاءٌ.

стр. 3707

(قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ بالخاء والزَّاي المعجمتين، ممَّا وصله مسلمٌ والنَّسائيُّ: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابن عروة: (خَلْفًا؛ يَعْنِي: بَابًا) من خلفه يقابل (١) هذا الباب المُقدَّم حتَّى يدخلوا من المُقدَّم ويخرجوا من الذي خلفه، وعلى هذا التَّفسير يتعيَّن كون «جعلتُ» مسندًا إلى ضمير المتكلِّم وهو النَّبيُّ ﷺ ، لا إلى ضميرٍ يعود إلى قريشٍ كما قاله الزَّركشيُّ على ما لا يخفى، والتَّفسير المذكور من قول هشامٍ كما بيَّنه أبو عَوانة من طريق عليِّ بن مسهرٍ عن هشامٍ قال: الخلف: الباب، ولم يقع في رواية مسلمٍ والنَّسائيِّ هذا التَّفسير، وأخرجه ابن خزيمة عن أبي كريبٍ عن أبي أسامة، وأدرج التَّفسير، ولفظه: «وجعلت له خلفًا» يعني: بابًا آخر من خلفٍ. ١٥٨٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين وسكون الميم، و «بَيَان» بفتح المُوحَّدة وتخفيف التَّحتيَّة وبعد الألف نونٌ البخاريُّ، المُتوفَّى سنة ثنتين وعشرين ومئتين، قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ) من الزِّيادة، هو ابن هارون كما جزم به أبو نُعيمٍ في «مستخرجه»، قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي و «جَرِير»: بالجيم المفتوحة والرَّاء المُكرَّرة بينهما تحتيَّةٌ، قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ) بضمِّ الرَّاء وسكون الواو وتخفيف الميم وبعد الألف نونٌ غير مصروفٍ، و «يزيد»: من الزِّيادة، وهو مولى آل الزُّبير (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام، قال الحافظ ابن حجرٍ: كذا رواه الحفَّاظ من أصحاب يزيد بن هارون عنه، فأخرجه أحمد ابن حنبلٍ وأحمد بن سنانٍ وأحمد بن منيعٍ في «مسانيدهم» عنه هكذا، والنَّسائيُّ عن عبد الرَّحمن بن محمَّد بن سلَّامٍ، والإسماعيليُّ من طريق هارون الحمَّال والزَّعفرانيُّ، كلُّهم عن يزيد بن

стр. 3708

هارون، وخالفهم الحارث بن أبي أسامة فرواه عن يزيد بن هارون فقال: عن عبد الله بن الزُّبير بدل عروة بن الزُّبير، وهكذا أخرجه الإسماعيليُّ من طريق أبي (١) الأزهر عن وهب بن جريرٍ بن حازمٍ عن أبيه، قال الإسماعيليُّ: إن كان أبو الأزهر ضبطه؛ فكأنَّ يزيد بن رومان سمعه من الأخوين (٢)، قال الحافظ ابن حجرٍ: قد تابعه محمَّد بن مُشكان كما أخرجه الجَوزقيُّ عن الدَّغوليِّ عنه عن وهب بن جريرٍ، ويزيدُ قد حمله عن الأخوين، لكنَّ رواية الجماعة أوضح، فهي أصحُّ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: يَا عَائِشَةُ، لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ) بإضافة «حديث» لـ «عهد» عند جميع الرُّواة، قال المُطرِّزيُّ: وهو لحنٌ؛ إذ لا يجوز حذف الواو في مثل هذا، والصَّواب: حديثو عهدٍ بواو الجمع؛ كذا (٣) نقله الزَّركشيُّ والحافظ ابن حجرٍ والعينيُّ وأقرُّوه، وأجاب صاحب «المصابيح» بأنَّه لا لحن فيه ولا خطأٌ، والرِّواية صوابٌ، وتُوجَّه بنحو ما قالوه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١]

стр. 3709

حيث قالوا: إنَّ التقدير: أوَّل فريقٍ كافرٍ أو فوجٍ كافرٍ؛ يعنون: أنَّ مثل هذه الألفاظ مفردةٌ بحسب اللَّفظ، وجَمْعٌ بحسب المعنى، فيجوز لك رعاية لفظه تارةً، ومعناه أخرى كيف شئت، فانقل هذا إلى الحديث تجده ظاهرًا لا خفاء بصوابه، وقال صاحب «اللَّامع»: قد يُوجَّه (١) بأنَّ «فَعيلًا» يُستعمَل للمفرد والجمع والمُؤنَّث والمُذكَّر كما في: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] وخُرِّج عليه: «خبيرٌ بنو لِهْبٍ» إذا قلنا: إنَّه خبرٌ مُقدَّمٌ، فإذا صحَّت الرِّواية وجب التَّأويل. (لأَمَرْتُ بِالبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ) بضمِّ الهمزة، أي: من الحِجْر (وَأَلْزَقْتُهُ بِالأَرْضِ) بحيث يكون بابه على وجهها غير مرتفعٍ عنها، و «ألزقته» بالزَّاي؛ كألصقته بالصَّاد (وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا) مثل الموجود الآن (وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ) ﵊ (فَذَلِكَ الَّذِي حَمَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ) عبد الله (عَلَى هَدْمِهِ) البيت، زاد وهبٌ: و «بنائه»، والإشارة في قوله ذلك إلى ما روته عائشة ﵂ عنه ﵊ مع عدم وجود ما كان ﵊ يخافه من الفتنة وقصور النَّفقة كما في حديث عطاءٍ عند مسلمٍ بلفظ: وقال ابن الزُّبير: سمعت عائشة تقول: إنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لولا أنَّ النَّاس حديثٌ عهدهم بكفرٍ، وليس عندي من النَّفقة ما يقوى على بنائه لكنت أدخلت فيه من الحِجْر خمسة أذرعٍ، ولجعلت له بابًا يدخل منه النَّاس، وبابًا يخرجون منه، فأنا اليوم أجد ما أنفق ولست أخاف النَّاس .... » الحديث. (قَالَ يَزِيدُ) بن رومان بالإسناد السَّابق: (وَشَهِدْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ حِينَ هَدَمَهُ) وكان قد هدمه حتَّى بلغ به الأرض (و) حين (بَنَاهُ) وكان في سنة خمسٍ وستِّين، وقال الأزرقيُّ: في نصف جمادى الآخرة سنة أربعٍ وستِّين، وجمع بينهما بأنَّ الابتداء كان في سنة أربعٍ والانتهاء كان في سنة خمسٍ، وأيَّدوه بأنَّ في «تاريخ» المُسَبِّحيِّ (٢): أنَّ الفراغ من بناء البيت كان في سنة خمسٍ وستِّين، وزاد

стр. 3710

المحبُّ الطَّبريُّ: أنَّه كان في شهر رجب (وَأَدْخَلَ فِيهِ مِنَ الحِجْرِ) خمسة أذرعٍ، قال يزيد بن رومان: (وَقَدْ رَأَيْتُ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ حِجَارَةً كَأَسْنِمَةِ الإِبِلِ) وفي «كتاب مكَّة» للفاكهيِّ من طريق أبي أويسٍ عن يزيد بن رومان: فكشفوا له، أي: لابن الزُّبير عن قواعد إبراهيم، وهي صخرٌ أمثالُ الخَلِفِ من الإبل؛ أي الحوامل من النُّوق، ورأوه بنيانًا مربوطًا بعضه ببعضٍ، وعند عبد الرَّزَّاق من طريق ابن سابطٍ عن زيدٍ: أنَّهم كشفوا عن القواعد، فإذا الحجر مثل الخَلِفَةِ (١)، والحجارة مشتبكٌ بعضها ببعضٍ، وفي روايةٍ للفاكهيِّ (٢) عن عطاءٍ قال: كنت في الأبناء الذين (٣) جمعوا على حَفْرِه، فحفروا قامةً ونصفًا (٤)، فهجموا على حجارةٍ لها عروقٌ تتَّصل بزَرْدِ عروق المروة، فضربوه فارتَّجت قواعد البيت، فكبَّر النَّاس، فبُنِي عليه، وفي رواية مَرْثَدٍ عند عبد الرَّزَّاق: فَكَشَفَ عن رُبْضٍ في الحِجْر، آخذٌ بعضُه ببعضٍ، فتركه مكشوفًا ثمانية أيَّام ليُشْهِد (٥) عليه، فرأيت ذلك الرَّبض مثل خَلْف الإبل، وجهٌ حجرٌ ووجهٌ حجرٌ ووجهٌ حجرٌ ووجهٌ حجران، ورأيت الرَّجل يأخذ العَتَلَةَ، فيضرب بها من ناحية الرُّكن، فيهتزُّ الرُّكن الآخر. (قَالَ جَرِيرٌ) هو ابن حازمٍ المذكور: (فَقُلْتُ لَهُ) أي: ليزيد بن رومان: (أَيْنَ مَوْضِعُهُ) أي: الأساس؟ (قَالَ: أُرِيكَهُ الآنَ، فَدَخَلْتُ مَعَهُ الحِجْرَ فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ) منه (فَقَالَ: هَهُنَا، قَالَ جَرِيرٌ: فَحَزَرْتُ) بتقديم الزَّاي على الرَّاء المهملة، أي: قدَّرت (مِنَ الحِجْرِ) بكسر الحاء وسكون الجيم (سِتَّةَ أَذْرُعٍ) بالذَّال المعجمة جمع ذراعٍ، ولأبي ذرٍّ: «ستَّ أذرعٍ» (أَوْ نَحْوَهَا) قال

стр. 3711

في «المصابيح»: والسَّبب في كونه حزر ذلك ولم يقطع به أنَّ المنقول أنَّه لم يكن حول البيت حائطٌ يحجز الحِجْر من سائر المسجد حتَّى حجزه عُمر بالبنيان، ولم يبنهِ على الجدار الذي كان علامةً على (١) أساس إبراهيم ﵇ بأن زاد ووسَّع قطعًا للشَّكِّ، وصار الجدار في داخل التَّحجير فلذلك حزر جريرٌ ولم يقطع. انتهى. وهذا نقله المُهلَّب عن ابن أبي زيدٍ بلفظ: إنَّ حائط الحِجر لم يكن مبنيًّا في زمن النَّبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ حتَّى كان عمر، فبناه ووسَّعه قطعًا للشَّكِّ، وفيه نظرٌ لأنَّ هذا إنَّما هو في حائط المسجد لا في الحجر، ولم يزل الحِجر موجودًا في عهد (٢) النَّبيِّ ﷺ كما يصرِّح به كثيرٌ من الأحاديث الصَّحيحة، وهل الصَّحيح أنَّ الحجر كلَّه من البيت حتَّى لا يصحَّ الطَّواف في جزءٍ منه أو بعضه فيصحَّ؟ جزم النَّوويُّ بالأوَّل -كابن الصَّلاح- لحديث «الصَّحيحين»: «الحجر من البيت» [خ¦١٥٨٤] وأبو محمَّدٍ الجوينيُّ وولده إمام الحرمين والبغويُّ بالثَّاني، وقال الرَّافعيُّ: إنَّه (٣) الصَّحيح لحديث الباب، وحديث مسلمٍ عن الحارث عن عائشة: «فإن بدا لقومك أن يبنوه بعدي فهلمِّي لأُرِيَك ما تركوا منه، قريبًا من سبعة أذرعٍ»، وله من طريق سعيد بن مِيْناء عن عبد الله بن الزُّبير عنها: وزدت فيه ستَّة أذرعٍ، ولسفيان بن عُيَيْنَة في «جامعه»: أنَّ ابن الزُّبير زاد ستَّة أذرعٍ ممَّا يلي الحِجْر، وله أيضًا: ستَّة أذرعٍ وشبر، لكن قال ابن الصَّلاح منتصرًا لما ذهب إليه: اضطربت الرِّوايات في ذلك؛ ففي «الصَّحيحين»: «الحجر من البيت»، ورُوِي: ستَّة أذرعٍ، ورُوِي: ستٌّ أو نحوها، ورُوِي: خمسٌ، ورُوِي: قريبًا من سبعٍ، وحينئذٍ يتعيَّن الأخذ بأكثرها ليسقط الفرض بيقينٍ، وقال الحافظ زين الدِّين العراقيُّ في «شرح سنن أبي داود»: ظاهر نصِّ الشَّافعيِّ في «المختصر»: أنَّ الحِجْر كلَّه من البيت، وهو مقتضى كلام جماعةٍ من أصحابه، وقال النَّوويُّ: إنَّه الصَّحيح، وبه قطع جماهير أصحابنا، وقال: هذا هو الصَّواب، وتُعقِّب بأنَّ الجمع بين المختلف من الأحاديث ممكنٌ، وهو

стр. 3712

أَولى من دعوى الاضطراب والطَّعن في الرِّوايات المُقيَّدة لأجل الاضطراب؛ لأنَّ شرط الاضطراب أن تتساوى الوجوه بحيث يتعذَّر التَّرجيح أو الجمع، ولم يتعذَّر ذلك هنا، فيتعيَّن حمل المُطلَق على المُقيَّد، وإطلاق اسم الكلِّ على البعض سائغٌ مجازًا، وحينئذٍ فالرِّواية التي جاء فيها: أنَّ «الحِجْر من البيت» [خ¦١٥٨٤] مطلقةٌ، فيُحمَل المُطلَق منها على المُقيَّد، ولم تأت روايةٌ قطُّ صريحةٌ بأنَّ جميع الحجر من بناء إبراهيم في البيت، وإنَّما قال النَّوويُّ ذلك نصرةً لما صحَّحه: أنَّ جميع الحِجْر من البيت، وعمدته في ذلك أنَّ الشَّافعيَّ نصَّ على إيجاب الطَّواف خارج الحجر، ونقل ابن عبد البرِّ الاتِّفاق عليه، لكن لا يلزم منه أن يكون كلُّه من البيت، فقد نصَّ الشَّافعيُّ كما ذكره البيهقيُّ في «المعرفة»: أنَّ الذي في الحجر من البيت نحوٌ من ستَّة أذرعٍ، ونقله عن عدَّةٍ من أهل العلم من قريشٍ لقيهم، فيحتمل أن يكون رأى إيجاب الطَّواف من ورائه احتياطًا، ولأنَّه ﷺ إنَّما طاف خارجه، وقد قال: «خذوا عنِّي مناسككم» وكما لا يصحُّ الطَّواف داخل البيت لا يصحُّ داخل جزءٍ منه، فلا يصحُّ على الشَّاذَروان -بفتح الذَّال المعجمة- وهو الخارج عن عرض جدار البيت مرتفعًا عن وجه الأرض قدر ثلثي ذراعٍ، تركته قريشٌ لضيق النَّفقة، فلو كان في الطَّواف ومسَّ جدار البيت في موازاة (١) الشَّاذَروان لا يصحُّ على الأصحِّ لأنَّ بعض بدنه في البيت، والصَّحيح من مذهب الحنابلة لا يجزئه وقطعوا به، وعند الشَّيخ تقيِّ الدِّين بن تيميَّة: إنَّه ليس من الكعبة، فعلى الأوَّل لو مسَّ الجدار بيده في موازاة الشَّاذَروان صَحَّ لأنَّ معظمه خارج البيت، قال (٢) في «الرِّعاية الكبرى»: لكن قال المرداويُّ: ويحتمل عدم الصِّحَّة، وقال الحنفيَّة: يصحُّ طواف من لم يحترز منه، لكن قال العلَّامة ابن الهمام: وينبغي أن يكون طوافه وراء الشَّاذَروان لئلَّا يكون طوافه في البيت بناءً على أنَّه منه، وقال الكِرمانيُّ من الحنفيَّة: الشَّاذَروان ليس من البيت عندنا، وعند الشَّافعيِّ: منه؛ حتَّى لا يجوز الطَّواف عليه، والقول قولنا لأنَّ الظَّاهر أنَّ البيت هو الجدار المرئيُّ قائمًا إلى أعلاه. انتهى. ومشهور مذهب المالكيَّة كالشَّافعيَّة، وعبارة الشَّيخ بهرام: ومن واجبات الطَّواف أن يطوف، وجميع بدنه خارجٌ عن شاذروان البيت، وهو البناء المُحْدَودب (٣)

стр. 3713

الذي في جدار البيت، وأُسقِط من أساسه ولم يُرفَع على استقامته. انتهى. ونحوه قال الشَّيخ خليلٌ في «التَّوضيح»، لكن نازع الخطيب أبو عبد الله بن رُشَيدٍ -بضمِّ الرَّاء وفتح المعجمة- في «رحلته» في ذلك محتجًّا بما حاصله: أنَّ لفظ الشَّاذَروان لم يوجد في حديثٍ صحيحٍ ولا سقيمٍ ولا عن أحدٍ من السَّلف ولا ذِكْرَ له عن فقهاء المالكيَّة إلَّا ما وقع في «الجواهر» لابن شاسٍ، وتبعه ابن الحاجب، وهو بلا شكٍّ منقولٌ من كتب الشَّافعيَّة، وأقدم من ذكر ذلك منهم المزنيُّ، ومن ذكره منهم كابن الصَّلاح والنَّوويِّ مقرٌّ بأنَّ اليمانِيَيْن على قواعد إبراهيم، والآخرين ليسا عليها، فلو كان الشَّاذَروان من البيت لكان الرُّكن الأسود داخلًا في البيت، ولم يكن متمَّمًا على قواعد إبراهيم، فمن أين نشأ الشَّاذَروان؟ وقد انعقد الإجماع على أنَّ البيت مُتمَّمٌ على قواعد إبراهيم من جهة الرُّكنين اليمانِيَيْن ولذلك استلمهما النَّبيُّ ﷺ دون الآخرين، وأنَّ ابن الزُّبير لمَّا هدمه حتَّى بلغ به الأرض وبناه على قواعد إبراهيم إنَّما زاد فيه من جهة الحجر، وأقامه على الأسس الظَّاهرة التي عاينها العُدول من الصَّحابة وكبراء التَّابعين، وأنَّ الحجَّاج لمَّا نقض البيت بأمر عبد الملك لم ينقضه (١) إلَّا من جهة الحِجر خاصَّةً، وهذا أمرٌ معلومٌ مقطوعٌ به مُجمَعٌ عليه منقولٌ بالسَّند الصَّحيح في الكتب المعتمدة التي لا يشكُّ فيها أحدٌ، وهو يردُّ (٢) قول ابن الصَّلاح: إنَّ قريشًا لمَّا رفعوا الأساس بمقدار ثلاثة (٣) أصابع من وجه الأرض -وهو القدر الظَّاهر الآن من الشَّاذَروان الأصليِّ قبل تزليقه (٤) - نقصوا عرض الجدار عن عرض الأساس الأوَّل، قال ابن رُشَيدٍ: وكيف يُقال: إنَّ هذا القدر الظَّاهر نقصته قريشٌ من عرض الجدار؟ وهل بقي لبناء قريشٍ أثرٌ؟ فالسَّهو والغلط فيما نقله ابن الصَّلاح مقطوعٌ به، ولعلَّ ابن الصَّلاح نقله عن التَّاريخيِّين، وإلَّا فهذا لم يأت في خبرٍ صحيحٍ ولا رُوِي من قول صاحبٍ يصحُّ سنده، ولو صحَّ لاشتُهِر ونُقِل، وإنَّما وُضِعَ هذا البناء حول البيت؛ ليقيه السُّيول كما قاله ابن عبد ربِّه في «كتاب العقد» في «صفة الكعبة»، وقال ابن تيميَّة: إنه جُعِل عمادًا للبيت، وأيَّده بأنَّ داخل

стр. 3714

الحجر تحت حائط الكعبة شاذَروان، فيكون هذا الشَّاذَروان نظير الشَّاذَروان الذي هو خارج البيت، ولم يقل أحدٌ: إنَّ هذا في الحجر له حكم الشَّاذَروان الخارج ولا إنَّه عمادٌ، وإنَّ الخارج شاذروان، فكون هذا الشَّاذَروان مراعًى في الطَّواف لا دليل عليه، ومثل هذا لا يثبت إلَّا بالإجماع الصَّحيح المتواتر النَّقل. انتهى. وأقول: قول ابن رُشَيدٍ: إنَّه لم يوجد لفظ الشَّاذَروان عن أحدٍ من السَّلف، ونسبة ابن الصَّلاح إلى السَّهو والغلط فيما نقله من ذلك يُقال عليه: هذا الإمام الأعظم الشَّافعيُّ قد قال ذلك فيما نقله عنه البيهقيُّ في كتابه «معرفة السُّنن والأخبار»، وعبارته: قال الشَّافعيُّ: فكلُّ طوافٍ طافه على شاذروان الكعبة أو في الحِجر أو على جداره فكما (١) لم يَطُفْ، قال الشَّافعيُّ: أمَّا الشَّاذَروان فأحسبه مبنيًّا على أساس الكعبة، ثمَّ يقتصر بالبنيان عن استيطافه، ولا ريب أنَّ الشَّافعيَّ من أَجَلِّ السَّلف، ثمَّ إنَّه لا يلزم من كونه ﵊ كان يستلم الرُّكنين اليمانيَين عدم وجود الشَّاذَروان، ووجوده ليس مانعًا من استلامهما لصدق القول بأنَّهما على القواعد، وليس فيما نقله ابن رُشَيدٍ تصريحٌ بأنَّ ابن الزُّبير وضع البناء على أساس إبراهيم ﵇ بحيث لم يبق شيئًا ممَّا يُسمَّى شاذَروان، ولا وقفت على ذلك في شيءٍ من الرِّوايات، فيحتمل أن يكون الأمر كذلك، وأن يكون على حدِّ بناء قريشٍ، فأبقى ما قِيلَ: إنَّهم أبقوه، وإذا احتمل الأمر واحتمل … (٢) سقط الاستدلال به، نعم هَدْمُ ابن الزُّبير لجميع البيت الظَّاهرُ منه إنَّما كان ليعيده على القواعد، بحيث لم يترك شيئًا منها خارجًا عن الجدار (٣) من جميع جوانبه، وإلَّا فلو كان غرضه إعادة ما نقضته (٤) قريشٌ من جهة الحجر فقط لاكتفى بهدم ذلك، فهدمه لجميعه وإعادته لا بدَّ وأن يكون لغرضٍ صحيحٍ، وليس ثمَّ سوى إعادته على بناء الخليل من غير أن يترك منه شيئًا، لكن روى مسلمٌ في «صحيحه» عن عطاءٍ قال: لمَّا احترق البيت زمن يزيد بن معاوية قال ابن الزُّبير: يا أيُّها النَّاس أشيروا عليَّ في الكعبة أنقضها ثمَّ أبني بناءها أو أصلح ما وَهَى منها؟ قال ابن عبَّاسٍ: إنِّي أرى أن تصُلِح ما وهى منها

стр. 3715

وتَدَعَ بيتًا أسلمَ النَّاسُ عليه، وأحجارًا أسلم النَّاس عليها، وبُعِث عليها النَّبيُّ ﷺ ، فقال ابن الزُّبير: لو أنَّ أحدكم احترق بيته ما رضي حتَّى (١) يجدِّده، فكيف ببيت ربِّكم؟! إنِّي مستخيرٌ ربِّي ثلاثًا، ثمَّ عازمٌ على أمري (٢)، فلمَّا مضى الثَّلاث أجمع رأيه على أن ينقضها … الحديث، فلم يقل: إنِّي أريد إعادتها (٣) على كلِّ (٤) قواعد إبراهيم، بل قال جوابًا لابن عبَّاسٍ حيث قال: إنِّي أرى أن تُصلِح ما وَهَى، لو أنَّ أحدكم احترق بيته ما رضي حتَّى يجدِّده، ففيه مع ما قبله إشعارٌ بأنَّ الدَّاعي له على الهدم والبناء زيادة ما نقصته قريشٌ من البيت من جهة الحِجْر وما وَهَى بسبب الحريق، فلم يتعيَّن أنَّ الهدم كان متمحِّضًا لإعادتها كلِّها على القواعد بحيث لا يترك منها شيئًا، ولم أر في شيءٍ من الأحاديث التَّصريحَ بأنَّ قريشًا أبقت من الأساس ما سُمِّي (٥) شاذَروان، بل السِّياق (٦) مشعرٌ بالتَّخصيص بالحِجْر، فليُتأمَّل. وهذا الحديث من علامات النُّبوَّة؛ حيث أعلم النَّبيُّ ﷺ عائشة بذلك، فكان الذي تولَّى نقضها وبناءها ابن أختها ابن الزُّبير، ولم يُنقَل أنَّه قال ذلك لغيرها من الرِّجال والنِّساء، ويؤيِّد ذلك قوله ﵊ لها: «فإن بدا لقومك أن يبنوه فهلمِّي لأُرِيَكِ ما تركوا منه» فأراها قريبًا من سبعة أذرعٍ، رواه مسلمٌ في «صحيحه». (٤٣) (بابُ فَضْلِ الحَرَمِ) المكِّيِّ؛ وهو ما أحاط بمكَّة وأطاف بها من جوانبها، جعل الله تعالى له
следующие страницы →