في «المصابيح»: والسَّبب في كونه حزر ذلك ولم يقطع به أنَّ المنقول أنَّه لم يكن حول البيت حائطٌ يحجز الحِجْر من سائر المسجد حتَّى حجزه عُمر بالبنيان، ولم يبنهِ على الجدار الذي كان علامةً على (١) أساس إبراهيم ﵇ بأن زاد ووسَّع قطعًا للشَّكِّ، وصار الجدار في داخل التَّحجير فلذلك حزر جريرٌ ولم يقطع. انتهى. وهذا نقله المُهلَّب عن ابن أبي زيدٍ بلفظ: إنَّ حائط الحِجر لم يكن مبنيًّا في زمن النَّبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ حتَّى كان عمر، فبناه ووسَّعه قطعًا للشَّكِّ، وفيه نظرٌ لأنَّ هذا إنَّما هو في حائط المسجد لا في الحجر، ولم يزل الحِجر موجودًا في عهد (٢) النَّبيِّ ﷺ كما يصرِّح به كثيرٌ من الأحاديث الصَّحيحة، وهل الصَّحيح أنَّ الحجر كلَّه من البيت حتَّى لا يصحَّ الطَّواف في جزءٍ منه أو بعضه فيصحَّ؟ جزم النَّوويُّ بالأوَّل -كابن الصَّلاح- لحديث «الصَّحيحين»: «الحجر من البيت» [خ¦١٥٨٤] وأبو محمَّدٍ الجوينيُّ وولده إمام الحرمين والبغويُّ بالثَّاني، وقال الرَّافعيُّ: إنَّه (٣) الصَّحيح لحديث الباب، وحديث مسلمٍ عن الحارث عن عائشة: «فإن بدا لقومك أن يبنوه بعدي فهلمِّي لأُرِيَك ما تركوا منه، قريبًا من سبعة أذرعٍ»، وله من طريق سعيد بن مِيْناء عن عبد الله بن الزُّبير عنها: وزدت فيه ستَّة أذرعٍ، ولسفيان بن عُيَيْنَة في «جامعه»: أنَّ ابن الزُّبير زاد ستَّة أذرعٍ ممَّا يلي الحِجْر، وله أيضًا: ستَّة أذرعٍ وشبر، لكن قال ابن الصَّلاح منتصرًا لما ذهب إليه: اضطربت الرِّوايات في ذلك؛ ففي «الصَّحيحين»: «الحجر من البيت»، ورُوِي: ستَّة أذرعٍ، ورُوِي: ستٌّ أو نحوها، ورُوِي: خمسٌ، ورُوِي: قريبًا من سبعٍ، وحينئذٍ يتعيَّن الأخذ بأكثرها ليسقط الفرض بيقينٍ، وقال الحافظ زين الدِّين العراقيُّ في «شرح سنن أبي داود»: ظاهر نصِّ الشَّافعيِّ في «المختصر»: أنَّ الحِجْر كلَّه من البيت، وهو مقتضى كلام جماعةٍ من أصحابه، وقال النَّوويُّ: إنَّه الصَّحيح، وبه قطع جماهير أصحابنا، وقال: هذا هو الصَّواب، وتُعقِّب بأنَّ الجمع بين المختلف من الأحاديث ممكنٌ، وهو
стр. 3712
أَولى من دعوى الاضطراب والطَّعن في الرِّوايات المُقيَّدة لأجل الاضطراب؛ لأنَّ شرط الاضطراب أن تتساوى الوجوه بحيث يتعذَّر التَّرجيح أو الجمع، ولم يتعذَّر ذلك هنا، فيتعيَّن حمل المُطلَق على المُقيَّد، وإطلاق اسم الكلِّ على البعض سائغٌ مجازًا، وحينئذٍ فالرِّواية التي جاء فيها: أنَّ «الحِجْر من البيت» [خ¦١٥٨٤] مطلقةٌ، فيُحمَل المُطلَق منها على المُقيَّد، ولم تأت روايةٌ قطُّ صريحةٌ بأنَّ جميع الحجر من بناء إبراهيم في البيت، وإنَّما قال النَّوويُّ ذلك نصرةً لما صحَّحه: أنَّ جميع الحِجْر من البيت، وعمدته في ذلك أنَّ الشَّافعيَّ نصَّ على إيجاب الطَّواف خارج الحجر، ونقل ابن عبد البرِّ الاتِّفاق عليه، لكن لا يلزم منه أن يكون كلُّه من البيت، فقد نصَّ الشَّافعيُّ كما ذكره البيهقيُّ في «المعرفة»: أنَّ الذي في الحجر من البيت نحوٌ من ستَّة أذرعٍ، ونقله عن عدَّةٍ من أهل العلم من قريشٍ لقيهم، فيحتمل أن يكون رأى إيجاب الطَّواف من ورائه احتياطًا، ولأنَّه ﷺ إنَّما طاف خارجه، وقد قال: «خذوا عنِّي مناسككم» وكما لا يصحُّ الطَّواف داخل البيت لا يصحُّ داخل جزءٍ منه، فلا يصحُّ على الشَّاذَروان -بفتح الذَّال المعجمة- وهو الخارج عن عرض جدار البيت مرتفعًا عن وجه الأرض قدر ثلثي ذراعٍ، تركته قريشٌ لضيق النَّفقة، فلو كان في الطَّواف ومسَّ جدار البيت في موازاة (١) الشَّاذَروان لا يصحُّ على الأصحِّ لأنَّ بعض بدنه في البيت، والصَّحيح من مذهب الحنابلة لا يجزئه وقطعوا به، وعند الشَّيخ تقيِّ الدِّين بن تيميَّة: إنَّه ليس من الكعبة، فعلى الأوَّل لو مسَّ الجدار بيده في موازاة الشَّاذَروان صَحَّ لأنَّ معظمه خارج البيت، قال (٢) في «الرِّعاية الكبرى»: لكن قال المرداويُّ: ويحتمل عدم الصِّحَّة، وقال الحنفيَّة: يصحُّ طواف من لم يحترز منه، لكن قال العلَّامة ابن الهمام: وينبغي أن يكون طوافه وراء الشَّاذَروان لئلَّا يكون طوافه في البيت بناءً على أنَّه منه، وقال الكِرمانيُّ من الحنفيَّة: الشَّاذَروان ليس من البيت عندنا، وعند الشَّافعيِّ: منه؛ حتَّى لا يجوز الطَّواف عليه، والقول قولنا لأنَّ الظَّاهر أنَّ البيت هو الجدار المرئيُّ قائمًا إلى أعلاه. انتهى. ومشهور مذهب المالكيَّة كالشَّافعيَّة، وعبارة الشَّيخ بهرام: ومن واجبات الطَّواف أن يطوف، وجميع بدنه خارجٌ عن شاذروان البيت، وهو البناء المُحْدَودب (٣)
стр. 3713
الذي في جدار البيت، وأُسقِط من أساسه ولم يُرفَع على استقامته. انتهى. ونحوه قال الشَّيخ خليلٌ في «التَّوضيح»، لكن نازع الخطيب أبو عبد الله بن رُشَيدٍ -بضمِّ الرَّاء وفتح المعجمة- في «رحلته» في ذلك محتجًّا بما حاصله: أنَّ لفظ الشَّاذَروان لم يوجد في حديثٍ صحيحٍ ولا سقيمٍ ولا عن أحدٍ من السَّلف ولا ذِكْرَ له عن فقهاء المالكيَّة إلَّا ما وقع في «الجواهر» لابن شاسٍ، وتبعه ابن الحاجب، وهو بلا شكٍّ منقولٌ من كتب الشَّافعيَّة، وأقدم من ذكر ذلك منهم المزنيُّ، ومن ذكره منهم كابن الصَّلاح والنَّوويِّ مقرٌّ بأنَّ اليمانِيَيْن على قواعد إبراهيم، والآخرين ليسا عليها، فلو كان الشَّاذَروان من البيت لكان الرُّكن الأسود داخلًا في البيت، ولم يكن متمَّمًا على قواعد إبراهيم، فمن أين نشأ الشَّاذَروان؟ وقد انعقد الإجماع على أنَّ البيت مُتمَّمٌ على قواعد إبراهيم من جهة الرُّكنين اليمانِيَيْن ولذلك استلمهما النَّبيُّ ﷺ دون الآخرين، وأنَّ ابن الزُّبير لمَّا هدمه حتَّى بلغ به الأرض وبناه على قواعد إبراهيم إنَّما زاد فيه من جهة الحجر، وأقامه على الأسس الظَّاهرة التي عاينها العُدول من الصَّحابة وكبراء التَّابعين، وأنَّ الحجَّاج لمَّا نقض البيت بأمر عبد الملك لم ينقضه (١) إلَّا من جهة الحِجر خاصَّةً، وهذا أمرٌ معلومٌ مقطوعٌ به مُجمَعٌ عليه منقولٌ بالسَّند الصَّحيح في الكتب المعتمدة التي لا يشكُّ فيها أحدٌ، وهو يردُّ (٢) قول ابن الصَّلاح: إنَّ قريشًا لمَّا رفعوا الأساس بمقدار ثلاثة (٣) أصابع من وجه الأرض -وهو القدر الظَّاهر الآن من الشَّاذَروان الأصليِّ قبل تزليقه (٤) - نقصوا عرض الجدار عن عرض الأساس الأوَّل، قال ابن رُشَيدٍ: وكيف يُقال: إنَّ هذا القدر الظَّاهر نقصته قريشٌ من عرض الجدار؟ وهل بقي لبناء قريشٍ أثرٌ؟ فالسَّهو والغلط فيما نقله ابن الصَّلاح مقطوعٌ به، ولعلَّ ابن الصَّلاح نقله عن التَّاريخيِّين، وإلَّا فهذا لم يأت في خبرٍ صحيحٍ ولا رُوِي من قول صاحبٍ يصحُّ سنده، ولو صحَّ لاشتُهِر ونُقِل، وإنَّما وُضِعَ هذا البناء حول البيت؛ ليقيه السُّيول كما قاله ابن عبد ربِّه في «كتاب العقد» في «صفة الكعبة»، وقال ابن تيميَّة: إنه جُعِل عمادًا للبيت، وأيَّده بأنَّ داخل
стр. 3714
الحجر تحت حائط الكعبة شاذَروان، فيكون هذا الشَّاذَروان نظير الشَّاذَروان الذي هو خارج البيت، ولم يقل أحدٌ: إنَّ هذا في الحجر له حكم الشَّاذَروان الخارج ولا إنَّه عمادٌ، وإنَّ الخارج شاذروان، فكون هذا الشَّاذَروان مراعًى في الطَّواف لا دليل عليه، ومثل هذا لا يثبت إلَّا بالإجماع الصَّحيح المتواتر النَّقل. انتهى. وأقول: قول ابن رُشَيدٍ: إنَّه لم يوجد لفظ الشَّاذَروان عن أحدٍ من السَّلف، ونسبة ابن الصَّلاح إلى السَّهو والغلط فيما نقله من ذلك يُقال عليه: هذا الإمام الأعظم الشَّافعيُّ قد قال ذلك فيما نقله عنه البيهقيُّ في كتابه «معرفة السُّنن والأخبار»، وعبارته: قال الشَّافعيُّ: فكلُّ طوافٍ طافه على شاذروان الكعبة أو في الحِجر أو على جداره فكما (١) لم يَطُفْ، قال الشَّافعيُّ: أمَّا الشَّاذَروان فأحسبه مبنيًّا على أساس الكعبة، ثمَّ يقتصر بالبنيان عن استيطافه، ولا ريب أنَّ الشَّافعيَّ من أَجَلِّ السَّلف، ثمَّ إنَّه لا يلزم من كونه ﵊ كان يستلم الرُّكنين اليمانيَين عدم وجود الشَّاذَروان، ووجوده ليس مانعًا من استلامهما لصدق القول بأنَّهما على القواعد، وليس فيما نقله ابن رُشَيدٍ تصريحٌ بأنَّ ابن الزُّبير وضع البناء على أساس إبراهيم ﵇ بحيث لم يبق شيئًا ممَّا يُسمَّى شاذَروان، ولا وقفت على ذلك في شيءٍ من الرِّوايات، فيحتمل أن يكون الأمر كذلك، وأن يكون على حدِّ بناء قريشٍ، فأبقى ما قِيلَ: إنَّهم أبقوه، وإذا احتمل الأمر واحتمل … (٢) سقط الاستدلال به، نعم هَدْمُ ابن الزُّبير لجميع البيت الظَّاهرُ منه إنَّما كان ليعيده على القواعد، بحيث لم يترك شيئًا منها خارجًا عن الجدار (٣) من جميع جوانبه، وإلَّا فلو كان غرضه إعادة ما نقضته (٤) قريشٌ من جهة الحجر فقط لاكتفى بهدم ذلك، فهدمه لجميعه وإعادته لا بدَّ وأن يكون لغرضٍ صحيحٍ، وليس ثمَّ سوى إعادته على بناء الخليل من غير أن يترك منه شيئًا، لكن روى مسلمٌ في «صحيحه» عن عطاءٍ قال: لمَّا احترق البيت زمن يزيد بن معاوية قال ابن الزُّبير: يا أيُّها النَّاس أشيروا عليَّ في الكعبة أنقضها ثمَّ أبني بناءها أو أصلح ما وَهَى منها؟ قال ابن عبَّاسٍ: إنِّي أرى أن تصُلِح ما وهى منها
стр. 3715
وتَدَعَ بيتًا أسلمَ النَّاسُ عليه، وأحجارًا أسلم النَّاس عليها، وبُعِث عليها النَّبيُّ ﷺ ، فقال ابن الزُّبير: لو أنَّ أحدكم احترق بيته ما رضي حتَّى (١) يجدِّده، فكيف ببيت ربِّكم؟! إنِّي مستخيرٌ ربِّي ثلاثًا، ثمَّ عازمٌ على أمري (٢)، فلمَّا مضى الثَّلاث أجمع رأيه على أن ينقضها … الحديث، فلم يقل: إنِّي أريد إعادتها (٣) على كلِّ (٤) قواعد إبراهيم، بل قال جوابًا لابن عبَّاسٍ حيث قال: إنِّي أرى أن تُصلِح ما وَهَى، لو أنَّ أحدكم احترق بيته ما رضي حتَّى يجدِّده، ففيه مع ما قبله إشعارٌ بأنَّ الدَّاعي له على الهدم والبناء زيادة ما نقصته قريشٌ من البيت من جهة الحِجْر وما وَهَى بسبب الحريق، فلم يتعيَّن أنَّ الهدم كان متمحِّضًا لإعادتها كلِّها على القواعد بحيث لا يترك منها شيئًا، ولم أر في شيءٍ من الأحاديث التَّصريحَ بأنَّ قريشًا أبقت من الأساس ما سُمِّي (٥) شاذَروان، بل السِّياق (٦) مشعرٌ بالتَّخصيص بالحِجْر، فليُتأمَّل.
وهذا الحديث من علامات النُّبوَّة؛ حيث أعلم النَّبيُّ ﷺ عائشة بذلك، فكان الذي تولَّى نقضها وبناءها ابن أختها ابن الزُّبير، ولم يُنقَل أنَّه قال ذلك لغيرها من الرِّجال والنِّساء، ويؤيِّد ذلك قوله ﵊ لها: «فإن بدا لقومك أن يبنوه فهلمِّي لأُرِيَكِ ما تركوا منه» فأراها قريبًا من سبعة أذرعٍ، رواه مسلمٌ في «صحيحه».
(٤٣) (بابُ فَضْلِ الحَرَمِ) المكِّيِّ؛ وهو ما أحاط بمكَّة وأطاف بها من جوانبها، جعل الله تعالى له
стр. 3716
حكمها في الحرمة تشريفًا لها، وسُمِّي حرمًا لتحريم الله تعالى فيه كثيرًا ممَّا ليس بمُحرَّمٍ في غيره من المواضع، وحدُّه من طريق المدينة عند التَّنعيم على ثلاثة أميالٍ من مكَّة، وقِيلَ: أربعة، ومن طريق اليمن طرف أَضاة لِبْنٍ -بفتح الهمزة والضَّاد المعجمة-، و «لِبْن» -بكسر اللَّام وسكون المُوحَّدة- على ستَّة أميالٍ من مكَّة، وقِيلَ: سبعة، ومن طريق الجعرَّانة على تسعة أميالٍ؛ بتقديم المُثنَّاة الفوقيَّة على السِّين، ومن طريق الطَّائف على عرفاتٍ من بطن نمرة سبعة أميالٍ، وقِيلَ: ثمانية، ومن طريق جدَّة عشرة أميالٍ، وقال الرَّافعيُّ: هو من طريق المدينة على ثلاثة أميالٍ، ومن العراق على سبعةٍ، ومن الجعرَّانة على تسعةٍ، ومن الطَّائف على سبعةٍ، ومن جدَّة على عشرةٍ، وقد (١) نظم بعضهم ذلك (٢) فقال:
وللحرم التَّحديد من أرض طيبة … ثلاثةُ أميالٍ إذا رُمْتَ إتقانَهْ
وسبعةُ أميالٍ عراقٌ وطائفٌ … وجدَّةُ عشرٌ ثمَّ تسعٌ جِعرَّانهْ
وزاد أبو الفضل النُّويريُّ (٣) هنا بيتين فقال:
ومن يَمَنٍ سبعٌ بتقديم سينها … فسل ربَّك الوهَّاب يرزقْك غفرانهْ
وقد زيد في حدٍّ للطَّائفِ أربع … ولم يرض جمهورٌ لذا القول رجحانهْ
وقال (٤) ابن سراقة في كتابه «الأَعداد»: والحرم في الأرض موضعٌ واحدٌ وهو مكَّة وما حولها، ومساحة (٥) ذلك ستَّة عشر ميلًا في مثلها، وذلك بريدٌ واحدٌ وثلثٌ في بريدٍ واحدٍ وثلثٍ على التَّرتيب، والسَّبب في بُعد بعض الحدود وقُرب بعضها ما قِيلَ: إنَّ الله تعالى لمَّا أهبط على آدم بيتًا من ياقوتةٍ أضاء له ما بين المشرق والمغرب، فنفرت الجنُّ والشَّياطين ليقربوا منها، فاستعاذ (٦)
стр. 3717
منهم بالله وخاف على نفسه منهم، فبعث الله ملائكةً فحفُّوا بمكَّة (١) فوقفوا مكان الحرم، وذكر بعض أهل الكشف والمشاهدات أنَّهم يشاهدون تلك الأنوار واصلةً إلى حدود الحرم، فحدود الحرم موضع وقوف الملائكة، وقِيلَ: إنَّ الخليل لمَّا وضع الحجر الأسود في الرُّكن أضاء منه (٢) نورٌ وصل إلى أماكن الحدود، فجاءت الشَّياطين فوقفت عند الأعلام، فبناها الخليل ﵇ حاجزًا، رواه مجاهدٌ عن ابن عبَّاسٍ، وعنه: أنَّ جبريل ﵇ أرى إبراهيم ﵇ موضع أنصاب الحرم فنصبها، ثمَّ جدَّدها إسماعيل ﵇، ثمَّ جدَّدها قصيُّ بن كلابٍ، ثمَّ جدَّدها النَّبيُّ ﷺ ، فلمَّا ولِّي عمر ﵁ بعث أربعةً من قريشٍ فنصبوا أنصاب الحرم، ثمَّ جدَّدها معاوية ﵁، ثمَّ عبد الملك بن مروان.
(وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه المجرور بالإضافة: (﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ﴾) أي: قل لهم يا محمد: إنَّما أُمِرْتُ (﴿أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾) مكَّة (﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾) لا يُسفَك فيها دمٌ حرامٌ ولا يُظلَم فيها أحدٌ، ولا يُهاج صيدُها ولا يُختلَى خَلَاها، وتخصيص مكَّة بهذه الأوصاف تشريفٌ لها وتعظيمٌ لشأنها، و ﴿الَّذِي﴾: بالذَّال، في موضع نصبٍ نعتٌ لـ ﴿رَبَّ﴾ (﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾) البلدة وغيرها خلقًا وملكًا (﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١]) المنقادين الثَّابتين على الإسلام، ووجه تعلُّق هذه الآية بالتَّرجمة: من حيث إنَّه اختصَّها من بين جميع البلاد بإضافة اسمه إليها لأنَّها أحبُّ بلاده إليه وأكرمها عليه وموطن نبيِّه ومهبط وحيه.
(وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ) بالجرِّ عطفًا على السَّابق: (﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾) أولم نجعل مكانهم حرمًا ذا أمنٍ بحرمة البيت الذي فيه؟ (﴿يُجْبَى إِلَيْه﴾) يُحمَل إليه ويُجمَع فيه (﴿ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا﴾) مصدرٌ من معنى «يُجبَى» لأنَّه في معنى يُرزَق، أو مفعولٌ له، أو حالٌ بمعنى مرزوقًا من ثمراتٍ، وجاز لتخصيصها بالإضافة، أي: إذا كان هذا حالهم وهم عبدة الأصنام فكيف يعترضهم التَّخوُّف والتَّخطُّف إذا ضمُّوا إلى حرمة البيت حرمة التَّوحيد (﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧]) جهلةٌ لا يتفكَّرون (٣) هذه النِّعم التي خُصُّوا بها، وروى النَّسائيُّ أنَّ
стр. 3718
الحارث بن عامر بن نوفلٍ قال للنَّبيِّ ﷺ : إن نتَّبع الهدى معك نُتخطَّف من أرضنا، فأنزل الله تعالى ردًّا عليه (١): ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ … الآيةَ.
١٥٨٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ) بفتح الجيم، و «عبد الحَمِيد» -بفتح الحاء المهملة وكسر الميم- ابن قُرْطٍ -بضمِّ القاف وسكون الرَّاء بعدها طاءٌ مهملةٌ- الضَّبِّيُّ (٢) الكوفيُّ، نزيل الرَّيِّ وقاضيها (عَنْ مَنْصُورٍ) هو (٣) ابن المعتمر (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ المفسِّر (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابن كيسان، اليمانيِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: إِنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ) زاد المؤلِّف في «باب غزوة الفتح»: «يوم خلق السَّموات والأرض فهي حرام بحرامِ (٤) الله إلى يوم القيامة» [خ¦٤٣١٣] يعني: أنَّ تحريمه أمرٌ قديمٌ وشريعةٌ سالفةٌ مستمرةٌ، ليس ممَّا أحدثه أو اختصَّ بشرعه، وهذا لا ينافي قوله في حديث جابرٍ عند مسلمٍ: إنَّ إبراهيم حرَّمها لأنَّ إسناد التَّحريم إليه من حيث إنَّه مبلِّغه، فإنَّ الحاكم بالشَّرائع والأحكام كلِّها هو الله تعالى والأنبياء يبلِّغونها، فكما تُضاف إلى الله تعالى من حيث إنَّه الحاكم بها تُضاف إلى الرُّسل لأنَّها تُسمَع منهم وتُبيَّن على لسانهم (٥)، والحاصل: أنَّه أظهر (٦) تحريمها بعد أن كان مهجورًا إلَّا أنَّه ابتدأه أو حرَّمها بإذن الله؛ يعني: أنَّه تعالى كتب في اللَّوح المحفوظ يوم خلق السَّموات والأرض أنَّ إبراهيم سيحرِّم مكَّة بأمر الله تعالى.
стр. 3719
(لَا يُعْضَدُ) بضمِّ أوَّله وفتح الضَّاد المعجمة، أي: لا يُقطَع (شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ) لا يُزعَج من مكانه، فإن نفَّره عصى، سواءٌ تلف أم لا، لكن إن تلف في نفاره قبل السُّكون ضمن دمه بالتَّنفير على الإتلاف ونحوه؛ لأنَّه إذا حُرِّم التَّنفير فالإتلاف أَولى (وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَْطَتَهُ) بفتح القاف في «اليونينيَّة»، وبسكونها في غيرها، قال الأزهريُّ: والمحدِّثون لا يعرفون غير (١) الفتح، ونقل الطِّيبيُّ عن صاحب «شرح السُّنَّة» أنَّه قال: اللُّقَْطة: بفتح القاف (٢)، والعامَّة تسكِّنها، وقال الخليل: هو بالسُّكون، وأمَّا بالفتح فهو الكثير الالتقاطِ، قال الأزهريُّ: وهو القياس، وقال ابن برِّيٍّ في حواشي «الصِّحاح»: وهذا هو الصَّواب لأنَّ الفعلة للفاعل كالضُّحَكَة: للكثير الضَّحك، وفي «القاموس»: واللَّقَطُ -مُحرَّكةً- أي: بغير هاءٍ، وكحُزْمةٍ وهُمَزَةٍ وثُمامةٍ (٣): ما التُقِط. انتهى. وهي هنا نصب مفعولٍ مُقدَّمٍ، والفاعل قوله: (إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا) أي: أشهرها، ثمَّ يحفظها لمالكها ولا يتملَّكها، أي: عرَّفها ليعرف مالكها فيردُّها إليه، وهذا بخلاف غير الحرم فإنَّه يجوز تملُّكها بشرطه، وقال الحنفيَّة والمالكيَّة: حكمها واحدٌ في سائر البلاد لعموم قوله ﷺ : «اِعرف عفاصها ووكاءها، ثمَّ عرِّفها سنةً» [خ¦٢٣٧٢] من غير فصلٍ، لنا: أنَّ قوله: «ولا يلتقط لقطته» ورد مورد بيان الفضائل المختصَّة بمكَّة كتحريم صيدها وقطع شجرها، وإذا سوَّى بين لقطة الحرم وبين (٤) لقطة غيره من البلاد بقي ذكر اللُّقطة في هذا الحديث خاليًا عن (٥) الفائدة.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٨٣٤] و «الجزية» [خ¦٣١٨٩] و «الجهاد» [خ¦٤٣١٣]، ومسلمٌ وأبو داود في «الحجِّ» و «الجهاد»، والتِّرمذيُّ في «السِّير»، والنَّسائيُّ في «الحجِّ».
стр. 3720
(٤٤) (بَابُ) حكم (تَوْرِيثِ دُورِ مَكَّةَ وَبَيْعِهَا وَشِرَائِهَا، وأنَّ النَّاسَ فِي مَسْجِدِ الحَرَامِ) بالتَّنكير في الأوَّل، ولأبي ذرٍّ: «في المسجد الحرام» بالتَّعريف فيهما (سَوَاءٌ خَاصَّةً) قيدٌ للمسجد الحرام، أي: المساواة إنَّما هي في نفس المسجد لا في سائر المواضع من مكَّة (لِقَوْلِهِ تَعَالَى) تعليلٌ لقوله: وأنَّ الناس في المسجد الحرام سواءٌ: (﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾) أي: أهل مكَّة (﴿وَيَصُدُّونَ﴾) يصرفون النَّاس (﴿عَن سَبِيلِ اللهِ﴾) عن دين الإسلام، قال البيضاويُّ -كالزَّمخشريِّ-: لا يريد به حالًا ولا استقبالًا، وإنَّما يريد استمرار الصَّدِّ منهم ولذلك حَسُنَ عطفه على الماضي، وقِيلَ: هو حالٌ من فاعل ﴿كَفَرُوا﴾ (﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾) عُطِفَ على ﴿سَبِيلِ (١) اللهِ﴾ يعني: وعن المسجد الحرام، والآية مدنيَّةٌ؛ وذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا خرج مع أصحابه عام (٢) الحديبية منعهم المشركون عن المسجد الحرام (﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]) ﴿سَوَاء﴾: رُفِع على أنَّه خبرٌ مُقدَّمٌ، و ﴿الْعَاكِفُ﴾ و ﴿وَالْبَادِ﴾: مبتدأٌ مُؤخَّرٌ، وإنَّما وُحِّد الخبر وإن كان المبتدأ اثنين لأنَّ «سواءً» في الأصل مصدرٌ وُصِف به، وقرأ حفصٌ: ﴿سَوَاء﴾ بالنَّصب على أنَّه مفعولٌ ثانٍ لـ «جعل» إن جعلناه يتعدَّى لمفعولين، وإن قلنا: يتعدَّى لواحدٍ كان حالًا من هاء ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ وعلى التَّقديرين: فـ ﴿الْعَاكِفُ﴾ مرفوعٌ على الفاعليَّة لأنَّه مصدرٌ وُصِف به (٣)، فهو في قوَّة اسم الفاعل المشتقِّ، تقديره: جعلناه مستويًا فيه العاكف والبادي، والمراد بـ ﴿وَالْمَسْجِدِ﴾: الذي يكون فيه النُّسك والصَّلاة لا سائر دور مكَّة، وأوَّله أبو حنيفة بمكَّة، واستشهد (٤) بقوله: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء﴾ على عدم جواز بيع دورها وإجارتها، وهو مع
стр. 3721
ضعفه مُعارَضٌ بحديث الباب، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] فنسب الله الدِّيار إليهم كما نسب الأموال إليهم، ولو كانت الدِّيار ليست بملكٍ لهم لمَا كانوا مظلومين في الإخراج من دورٍ ليست بملكٍ لهم، قال ابن خزيمة: لو كان المراد بقوله تعالى: ﴿سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ جميع الحرم وأنَّ اسم المسجد الحرام واقعٌ على جميع الحرم لمَا جاز حفر بئرٍ ولا قبرٍ ولا التَّغوُّط ولا (١) البول ولا إلقاء الجيف والنَّتن، ولا نعلم عالمًا منع من (٢) ذلك، ولا كُرِه لجنبٍ وحائضٍ دخول الحرم ولا الجماع فيه، ولو كان كذلك لجاز الاعتكاف في دور مكَّة وحوانيتها، ولا يقول بذلك أحدٌ (﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]) الباء في ﴿بِإِلْحَادٍ﴾ صلةٌ، أي: ومن يرد فيه إلحادًا كما في قوله تعالى: ﴿تَنبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]. قال في «الكشَّاف»: ومفعول ﴿يُرِدْ﴾ متروكٌ ليتناول كلَّ مُتناوَلٍ، كأنَّه قال: ومن يرد فيه مرادًا ما عادلًا عن القصد، وقوله: ﴿بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ (٣) حالان مترادفان، وخبر «إنَّ» محذوفٌ لدلالة جواب الشَّرط عليه (٤)، تقديره: إنَّ الذين كفروا ويصدُّون عن المسجد الحرام نذيقهم من عذابٍ أليمٍ، وكلُّ من ارتكب فيه (٥) ذنبًا، فهو كذلك.
وقال المؤلِّف يفسِّر ما يقع (٦) من غريب الألفاظ على عادته: (البَادِي: الطَّارِي) وفي الفرع: بالهمز (٧)، مُصلَّحٌ على كشط، وهو تفسيرٌ منه بالمعنى، قال في «الفتح»: وهو مقتضى ما جاء عن ابن عبَّاسٍ وغيره كما رواه عبد بن حُمَيدٍ وغيره، وهو موافقٌ لما قاله البيضاويُّ وغيره. (مَعْكُوفًا: مَحْبُوسًا) وليست هذه الكلمة في (٨) هذه الآية، بل في قوله: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] في سورة «الفتح»، ويمكن أن يكون ذكرها لمناسبة قوله تعالى هنا: ﴿سَوَاء الْعَاكِفُ
стр. 3722
فِيهِ (١)﴾ أي: المقيم به (٢) ﴿وَالْبَادِ﴾ في وجوب تعظيمه عليهم ولزوم احترامهم له وإقامة مناسكه، قاله الحسن ومجاهدٌ وغيرهما، وذهب ابن عبَّاسٍ وابن جبيرٍ وقتادة وغيرهم: إلى أنَّ التَّسوية بين البادي والعاكف في منازل مكَّة، وهو مذهب أبي حنيفة، وقال به محمَّد بن الحسن، فليس المقيم بها أحقَّ بالمنزل من القادم عليها، واحتجَّ لذلك بحديث علقمة بن نضلة عند ابن ماجه، قال: تُوفِّي رسول الله ﷺ وأبو بكرٍ وعمر وما تُدعَى رِباع مكَّة إلَّا السَّوائب، مَنِ احتاج سكن، زاد البيهقيُّ: ومن استغنى أسكن، وزاد الطَّحاويُّ بعد قوله: على عهد (٣) النَّبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ وعمر وعثمان ﵃ ما تُباع ولا تُكرى، لكنَّه منقطعٌ لأنَّ علقمة ليس بصحابيٍّ، وقال عبد الرَّزَّاق عن معمرٍ عن منصورٍ عن مجاهدٍ: إنَّ عمر قال: يا أهل مكَّة، لا تتَّخذوا لدوركم أبوابًا لينزل البادي حيث شاء، وأُجيب بأنَّ المراد كراهة الكراء؛ رفقًا بالوفود، ولا يلزم من ذلك منع البيع والشِّراء.
١٥٨٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ) بن الفرج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ) المشهور بزين العابدين، ولأبي ذرٍّ: «ابن الحسين» (عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ) بن عفَّان أمير المؤمنين ﵁، و «عَمْرو»: بفتح العين وسكون الميم (٤) (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) حِبِّ رسول الله ﷺ (¬﵄ أَنَّهُ
стр. 3723
قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيْنَ تَنْزِلُ) زاد في «المغازي»: «غدًا» [خ¦٤٢٨٢] (فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟) قال في «الفتح»: حُذِفت أداة الاستفهام من قوله: «في دارك» بدليل رواية ابن خزيمة والطَّحاويِّ عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهبٍ؛ بلفظ: أتنزل في دارك؟ قال: فكأنَّه استفهمه أوَّلًا عن مكان نزوله، ثمَّ ظنَّ أنَّه ينزل في داره، فاستفهمه عن ذلك. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ «أين» كلمة استفهامٍ فلم يبق وجهٌ لتقدير حرف الاستفهام، قال: وما وجه قوله: حُذِفت أداة الاستفهام، من قوله: «في دارك» والاستفهام عن (١) النُّزول في الدَّار لا عن نفس الدار؟ انتهى. والذي قاله في «الفتح» هو الأظهر، فليُتأمَّل. (فَقَالَ) ﵊: (وَهَلْ تَرَكَ) زاد مسلمٌ -كالبخاريِّ في «المغازي» - هنا (٢): «لنا» [خ¦٤٢٨٢] (عَقِيلٌ) (٣) بفتح العين وكسر القاف (مِنْ رِبَاعٍ) بكسر الرَّاء جمع رَبْعٍ، المحلَّة أو المنزل المشتمل على أبياتٍ أو الدَّار (٤)، وحينئذٍ فيكون قوله: (أَوْ دُورٍ؟) تأكيدًا أو شكًّا من الرَّاوي، وجمع النَّكرة -وإن كانت في سياق الاستفهام الإنكاريِّ تفيد (٥) العموم- للإشعار بأنَّه لم يُترَك من الرِّباع المتعدِّدة شيءٌ، و «من» للتَّبعيض، قاله الكِرمانيُّ، وقِيلَ: إنَّ هذه الدَّار كانت لهاشم بن عبد منافٍ، ثمَّ صارت لابنه عبد المطَّلب فقسمها بين ولده، فمن ثمَّ صار للنَّبيِّ ﷺ حقُّ أبيه عبد الله، وفيها وُلِدَ النَّبيُّ (٦) ﷺ ، قاله الفاكهيُّ، وظاهر قوله: «وهل ترك لنا عَقِيلٌ من رِبَاعٍ؟» أنَّها كانت ملكه فأضافها إلى نفسه، فيحتمل أنَّ عَقِيلًا تصرَّف فيها كما فعل أبو سفيان بدور المهاجرين، ويحتمل غير ذلك، وقد فسَّر الرَّاوي -ولعلَّه أسامة- المرادَ بما أدرجه هنا حيث قال: (وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ) أباه (أَبَا طَالِبٍ) اسمه: عبد منافٍ (هُوَ وَ) أخوه (طَالِبٌ) المُكنَّى به عبد منافٍ أبوه (٧) (وَلَمْ يَرِثْهُ) أي: ولم يرث أبا طالبٍ ابناه (جَعْفَرٌ)
стр. 3724
الطَّيَّار ذو الجناحين (وَلَا عَلِيٌّ) أبو ترابٍ (¬﵄ شَيْئًا لأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ) ولو كانا وارثين لنزل ﵊ في دورهما (١)، وكانت كأنَّها ملكه؛ لعلمه بإيثارهما إيَّاه على أنفسهما، وكان قد استولى طالبٌ وعَقِيلٌ على الدَّار كلِّها باعتبار ما ورثاه عن (٢) أبيهما لكونهما كانا لم يسلما، و (٣) باعتبار ترك النَّبيِّ ﷺ لحقِّه منها بالهجرة، وفقد طالبٍ ببدرٍ، فباع عَقِيلٌ الدَّار كلها، وحكى الفاكهيُّ: أنَّ الدَّار لم تزل بيد أولاد عَقِيلٍ إلى أن باعوها لمحمَّد بن يوسف أخي الحجَّاج بمئة ألف دينارٍ، وقال الدَّاوديُّ وغيره: كان (٤) من هاجر من المؤمنين باع قريبه الكافر داره، فأمضى النَّبيُّ ﷺ تصرُّفات الجاهليَّة تأليفًا لقلوب من أسلم منهم.
(وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ، فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ) ممَّا هو موقوفٌ عليه: (لَا يَرِثُ المُؤْمِنُ الكَافِرَ) وقد أخرجه المؤلِّف مرفوعًا في «المغازي» [خ¦٤٢٨٣] (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ: (وَكَانُوا) أي: السَّلف (يَتَأَوَّلُونَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى) أي: يفسِّرون الولاية في قوله تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾) أي: صدَّقوا بتوحيد الله تعالى وبمحمَّدٍ ﷺ والقرآن (﴿وَهَاجَرُواْ﴾) من مكَّة إلى المدينة (﴿وَجَاهَدُواْ﴾) العدوَّ (﴿بِأَمْوَالِهِمْ﴾) فصرفوها في الكراع والسِّلاح وأنفقوها على المحاويج (﴿وَأَنفُسِهِمْ﴾) بمباشرة القتال (﴿فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾) في طاعته وما فيه رضاه (﴿وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ﴾) هم الأنصار آووا المهاجرين إلى ديارهم ونصروهم على أعدائهم (﴿أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ … الآيَةَ [الأنفال: ٧٢]) بالنَّصب؛ يعني: بتمامها، أو بتقدير:
стр. 3725
اقرأ، بولاية الميراث، وكان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة والنُّصرة دون الأقارب، حتَّى نُسِخَ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] والذي يُفهَم من الآية المسوقة هنا: أنَّ المؤمنين يرث بعضهم بعضًا، ولا يلزم منه أنَّ المؤمن لا يرث الكافر، لكنَّه مستفادٌ من بقيَّة الآية المشار إليها بقول المؤلِّف: «الآية»؛ وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ﴾ [الأنفال: ٧٢] أي: من تولِّيهم في الميراث؛ إذ الهجرة كانت في أوَّل عهد البعثة من تمام الإيمان، فمن لم يكن مهاجرًا كأنَّه ليس مؤمنًا فلهذا لم يرث المؤمن المهاجر منه، وسقط قوله: «الآيةَ» في رواية ابن عساكر.
وفي هذا الحديث: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، ورواته ما بين بصريٍّ وأيليٍّ ومدنيٍّ، وأخرجه أيضًا في «الجهاد» [خ¦٣٠٥٨] و «المغازي» [خ¦٤٢٨٢]، ومسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ، وأخرجه ابن ماجه فيه وفي «الفرائض».
(٤٥) (بابُ) موضع (نُزُولِ النَّبِيِّ ﷺ مَكَّةَ).
١٥٨٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أَرَادَ قُدُومَ مَكَّةَ) بعد رجوعه من منًى وتوجُّهه إلى البيت الحرام: (مَنْزِلُنَا) بالرَّفع، مبتدأٌ (غَدًا) ظرفٌ (إِنْ شَاءَ اللهُ) تعالى، اعتراضٌ بين المبتدأ وخبره؛ وهو قوله: (بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ) أي: فيه، وهو -بفتح الخاء المعجمة وسكون التَّحتيَّة آخره فاءٌ-: ما انحدر من الجبل وارتفع عن المسيل (١)، والمراد به المُحصَّبُ (حَيْثُ
стр. 3726
تَقَاسَمُوا) أي (١): تحالفوا (عَلَى الكُفْرِ) وهو تبرُّؤهم من بني هاشمٍ وبني المطَّلب ألَّا يقبلوا لهم صلحًا، الآتي ذلك في الحديث التَّالي لهذا الحديث مستوفًى إن شاء الله تعالى [خ¦١٥٩٠].
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا (٢) في «الهجرة» [خ¦٣٨٨٢] و «المغازي» [خ¦٤٢٨٥].
١٥٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير المكِّيُّ قال: (حَدَّثَنَا الوَلِيدُ) بن مسلمٍ القرشيُّ الأمويُّ الدِّمشقيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم (٣) ابن شهابٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ: «قال رسول الله» (¬ ﷺ : مِنَ الغَدِ) وهو ما بين الصُّبح وطلوع الشَّمس (يَوْمَ النَّحْرِ) نُصِب على الظَّرفيَّة (وَهُوَ بِمِنًى) أي: قال: في غداة يوم النَّحر حال كونه بمنًى، ومقول قوله ﵊: (نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ) والمراد بالغد هنا: ثالث عشر ذي الحجَّة لأنَّه يوم النُّزول بالمُحصَّب، فهو مجازٌ في إطلاقه كما يُطلَق «أمس» على الماضي مطلقًا، وإلَّا فثاني العيد هو الغد حقيقةً، وليس مرادًا، قاله البرماويُّ كالكِرمانيِّ (حَيْثُ تَقَاسَمُوا) تحالفوا (عَلَى الكُفْرِ) قال الزُّهريُّ ممَّا أدرجه من قوله: (يَعْنِي) ﵊: (ذَلِكَ) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «بذلك» أي: بخيف بني كنانة (المُحَصَّبَ) بضمِّ الميم وفتح الحاء والصَّاد المُشدَّدة المهملتين (وَذَلِكَ) أي: تقاسمهم على الكفر (أَنَّ قُرَيْشًا وَكِنَانَةَ) قال في «الفتح»: فيه إشعارٌ بأنَّ في كنانة من ليس قرشيًّا؛ إذ العطف يقتضي المغايرة،
стр. 3727
فترجَّح القول بأنَّ قريشًا من ولد فهر بن مالكٍ على القول بأنَّهم ولد كنانة. نعم لم يُعْقِب النَّضرُ غيرَ مالكٍ، ولا مالكٌ غيرَ فِهْرٍ، فقريشٌ ولد النَّضر بن كنانة، وأمَّا كنانة؛ فأَعْقَبَ من غير النَّضر ولهذا وقعت المغايرة. انتهى.
(تَحَالَفَتْ) بالحاء المهملة، وكان القياس فيه: تحالفوا، لكنَّه أُفرِد بصيغة المُفرَد المُؤنَّث باعتبار الجماعة (عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، أَوْ بَنِي المُطَّلِبِ) بالشَّكِّ في جميع الأصول، وعند البيهقيِّ من طريقٍ أخرى: «وبني عبد المُطَّلب» بغير شكٍّ (أَلَّا يُنَاكِحُوهُمْ) فلا يتزوَّج (١) قريشٌ وكنانة امرأةً من بني هاشمٍ وبني عبد المطَّلب، ولا يزوِّجون امرأةً منهم إيَّاهم (وَلَا يُبَايِعُوهُمْ) لا يبيعوا لهم ولا يشتروا منهم، وعند الإسماعيليِّ: ولا يكون بينهم وبينهم شيءٌ (حَتَّى يُسْلِمُوا) بضمِّ أوَّله وإسكان السِّين المهملة وكسر اللَّام المُخفَّفة (إِلَيْهِمُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) وكتبوا بذلك كتابًا بخطِّ منصور بن عكرمة العبدريِّ، فشُلَّت يده، أو بخطِّ بغيض ابن عامر بن هاشمٍ، وعلَّقوه في جوف الكعبة، فاشتدَّ الأمر (٢) على بني هاشمٍ وبني عبد (٣) المُطَّلب في الشِّعب الذي انحازوا إليه، فبعث الله الأرضة، فلحِست كلَّ ما فيها من جورٍ وظلمٍ، وبقي ما كان فيها من ذكر الله، فأطلع الله رسوله على ذلك، فأخبر به (٤) عمَّه أبا طالبٍ، فقال أبو طالبٍ لكفَّار قريشٍ: إنَّ ابن أخي أخبرني ولم يكذبني قطُّ: أنَّ الله قد سلَّط
стр. 3728
على صحيفتكم الأرضة، فلحِست ما كان (١) فيها من ظلمٍ وجورٍ (٢)، وبقي فيها ما كان من ذكر الله، فإن كان ابن أخي صادقًا نزعتم عن سوء رأيكم، وإن كان كاذبًا دفعته إليكم فقتلتموه أو استحييتموه، قالوا: قد أنصفتنا، فوجدوا الصَّادق المصدوق قد أخبر بالحقِّ، فسُقِطَ (٣) في أيديهم ونُكِسوا على رؤوسهم (٤)، وإنَّما اختار النُّزول هناك شكرًا لله تعالى على النِّعمة في دخوله ظاهرًا، ونقضًا لما تعاقدوه (٥) بينهم وتقاسموا عليه من ذلك.
(وَقَالَ سَلَامَةُ) بن روح بن خالدٍ الأيليُّ، ممَّا وصله ابن خزيمة في «صحيحه» (عَنْ) عمِّه (عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف ابن خالدٍ الأيليِّ (وَيَحْيَى عن الضَّحَّاكِ) كذا في غير (٦) فرعٍ لـ «اليونينيَّة»، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهي رواية أبي ذرٍّ وكريمة، وهو وهمٌ، ولغيرهما: «ويحيى ابن الضَّحَّاك» نسبةً لجدِّه، وأبوه عبد الله، البابلُتِّيِّ بسكون (٧) المُوحَّدة الثَّانية كما رأيته بخطِّ شيخنا الحافظ السَّخاويِّ، وقال العينيُّ: بضمِّها وبعد اللَّام المضمومة مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ مُشدَّدةٌ، وقال الحافظ ابن حجرٍ: بمُوحَّدتين وبعد اللَّام المضمومة مُثنَّاةٌ مُشدَّدةٌ، منسوبٌ لجدِّه (٨)، وليس له في هذا الكتاب غير هذا الموضع (٩) المُعلَّق، وقد وصله أبو عَوانة في «صحيحه» والخطيب في «المدرج» (عَنِ الأَوْزَاعِيِّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو، لكن قال يحيى بن معينٍ: يحيى البابلتِّيُّ -والله- لم يسمع من الأوزاعيِّ شيئًا، نعم ذكر الهيثم بن خلفٍ الدُّوريُّ أنَّ أمَّه كانت تحت الأوزاعيِّ، وحينئذٍ فلا يبعد سماعه منه لأنَّه في حجره (أَخْبَرَنِي) بالإفراد
стр. 3729
(ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ (وَقَالَا) أي: سلامة ويحيى: (بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي المُطَّلِبِ) دون لفظ: عبد، وقد تابعه على الجزم بقوله: «بني هاشم وبني المطَّلب» محمَّدُ بن مصعبٍ عن الأوزاعِّي كما عند أحمد (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: قوله: (بَنِي المُطَّلِبِ) بحذف «عبد» (أَشْبَهُ) أي: بالصَّواب لأنَّ عبد المطَّلب هو ابن هاشمٍ، فلفظ هاشمٍ مغنٍ عنه، وأمَّا المطَّلب فهو أخو هاشمٍ، وهما ابنان لعبد منافٍ، فالمراد: أنَّهم تحالفوا على بني عبد منافٍ.
(٤٦) (بابُ قَولِ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ﴾) مكَّة (﴿آمِنًا﴾) ذا أمنٍ لمن فيها (﴿وَاجْنُبْنِي﴾) بعِّدني (﴿وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ. رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ﴾) فلذلك سألت منك العصمة واستعذت بك من إضلالهنَّ، وأسند الإضلال إليهنَّ باعتبار السَّبب (﴿فَمَن تَبِعَنِي﴾) على ديني (﴿فَإِنَّهُ مِنِّي﴾) بعضي (﴿وَمَنْ عَصَانِي﴾) لم يطعني ولم يوحِّدك (﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾) تقدر أن تغفر له وترحمه ولا يجب عليك شيءٌ، وقِيلَ معناه: ومن عصاني فيما دون الشِّرك، أو أنَّك غفورٌ بعد الإنابة (﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾) بعضها؛ إسماعيل (﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾) يعني: مكَّة (﴿عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾) الذي في علمك أنَّه يحدث في ذلك الوادي (﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلَاةَ﴾) أي: أسكنتهم كي يقيموا (١) الصَّلاة عند بيتك (﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ﴾) أي: قلوبًا، و «من» للتَّبعيض (﴿تَهْوِي﴾) تسرع (﴿إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٣٧]) شوقًا وودًّا، وعن بعض السَّلف: لو قال: أفئدة النَّاس لازدحم عليه فارسٌ والرُّوم والنَّاس كلُّهم، لكنَّه قال: ﴿مِّنَ النَّاسِ﴾ فاختصَّ به المسلمون، وقال: ﴿إِلَيْهِمْ﴾ لأنَّه أُوحِي إليه أنَّه ستكثر ذرِّيَّته (٢) بها، وقال: ﴿تَهْوِي﴾ لأنَّ تهامة
стр. 3730
غورٌ منخفضةٌ، وذكر القلوب لأنَّ الأجساد تبعٌ لها (الآيَةَ) بالنَّصب؛ بتقدير: أعني أو أقرأ، وسقط في رواية ابن عساكر من قوله: «﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ﴾»، ولفظ رواية أبي ذرٍّ: «﴿أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾» أي: نعمتك، ولم يذكر المصنِّف في هذا الباب حديثًا لأنَّه لم يجد حديثًا (١) على شرطه.
(٤٧) (بَابُ قَولِ الله تَعَالَى: ﴿جَعَلَ اللّهُ﴾) أي: صيَّر الله (﴿الْكَعْبَةَ﴾) وسُمِّيت بذلك لتكعُّبها (﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾) عطف بيانٍ على جهة المدح (﴿قِيَامًا لِّلنَّاسِ﴾) انتعاشًا لهم، أي: سبب انتعاشهم في أمر معاشهم ومعادهم، يلوذ به الخائف ويأمن فيه الضَّعيف، ويربح فيه التُّجَّار ويتوجَّه إليه الحجُّاج والعمَّار، أو: ما يقوم به أمر دينهم ودنياهم (﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾) الذي يُؤدَّى (٢) فيه الحجُّ؛ وهو ذو الحجَّة (﴿وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ﴾) إشارةٌ إلى الجعل، أو إلى ما ذكر من الأمر بحفظ حرمة الإحرام وغيره (﴿لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾) فإنَّ شرع الأحكام لدفع المضارِّ قبل وقوعها وجلب المنافع المترتِّبة عليها دليلُ حكمة الشَّارع وكمال علمه (﴿وَأَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧]) تعميمٌ بعد تخصيصٍ، وقد أشار المؤلِّف
стр. 3731
بهذه الآية الكريمة إلى أنَّ قوام أمور النَّاس وانتعاش أمر دينهم بالكعبة المُشرَّفة، فإذا زالت الكعبة على يد ذي السُّويقتين تختلُّ أمور النَّاس؛ فلذا أورد حديث أبي هريرة.
١٥٩١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ قال: (حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين وكسر زاي «زياد» وتخفيف يائها المُثنَّاة تحت، الخراسانيُّ (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يُخَرِّبُ الكَعْبَةَ) بضمِّ الياء وفتح الخاء المعجمة وتشديد الرَّاء مكسورةً من التَّخريب، والجملة فعلٌ ومفعولٌ، والفاعل قوله: (ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الحَبَشَةِ) تثنية سُويقةٍ مُصغَّر السَّاق، ألحق بها التَّاء في التَّصغير لأنَّ السَّاق مُؤنَّثةٌ، والتَّصغير للتَّحقير، وفي سيقان الحبشة دقَّةٌ فلذا صغَّرها، و «مِنْ» للتَّبعيض، أي: يخرِّبها ضعيفٌ من هذه الطَّائفة، والحبشة نوعٌ من السُّودان، ولا ينافي ما ذُكِرَ هنا قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] لأنَّ الأمن إلى قرب (١) القيامة وخراب الدُّنيا حينئذٍ، فيأتي ذو السُّويقتين.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا قريبًا [خ¦١٥٩٦]، ومسلمٌ في «الفتن»، والنَّسائيُّ في «الحجِّ» و «التَّفسير».
١٥٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الكاف، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف مُصغَّرًا (٢) ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ)
стр. 3732
محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬). قال المؤلِّف (١):
«ح»: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المجاور بمكَّة (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد أيضًا (عَبْدُ اللهِ -هُوَ ابْنُ المُبَارَكِ- قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ) اسمه: ميسرة؛ ضدَّ الميمنة، البصريُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانُوا) أي: المسلمون (يَصُومُونَ) يوم (عَاشُورَاءَ) بالمدِّ غير منصرفٍ (٢)، اليوم العاشر من المُحرَّم (قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ رَمَضَانُ) قال الكِرمانيُّ: فيه جواز نسخِ السُّنَّة بالكتاب، والنَّسخ بلا بدلٍ، قال البرماويُّ: مذهب الشَّافعيِّ وجمعٍ أنَّ عاشوراء لم يجب حتَّى يُنسَخ، وبتقدير أنَّه كان واجبًا فلا معارضة بينه وبين رمضان، فلا نسخ، وأمَّا قوله: بلا بدلٍ فعجيبٌ؛ فإنَّهم يمثِّلون به لما هو ببدلٍ أثقل إذا قلنا بالنَّسخ. انتهى. ومباحث ذلك تأتي -إن شاء الله تعالى- في موضعها (وَكَانَ) أي: عاشوراء (يَوْمًا تُسْتَرُ فِيهِ الكَعْبَةُ) لِما بينهما من المناسبة في الإعظام والإجلال (٣)، وهذا موضع التَّرجمة (فَلَمَّا فَرَضَ اللهُ) صيامَ (رَمَضَانَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ شَاءَ أَنْ يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَتْرُكَهُ فَلْيَتْرُكْهُ).
١٥٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ) بن أبي عمرٍو، واسمه حفص بن عبد الله بن راشدٍ السُّلميُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بنُ عبد الله قاضي نيسابور قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) بن طهمان (عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ حَجَّاجٍ) الأسلميِّ الباهليِّ الأحول (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي عُتْبَةَ) بضمِّ العين المهملة وسكون المُثنَّاة الفوقيَّة وفتح المُوحَّدة، مولى أنس بن مالكٍ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَيُحَجَّنَّ البَيْتُ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة
стр. 3733
وفتح الحاء والجيم مبنيًّا للمفعول، مُؤكَّدًا بالنُّون الثَّقيلة وكذا قوله: (وَلَيُعْتَمَرَنَّ بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) اسمان (١) أعجميَّان.
(تَابَعَهُ) أي: تابع عبدَ الله بن أبي عتبة فيما وصله أحمد (أَبَانُ) بن يزيد العطَّار (وَ) تابعه أيضًا (عِمْرَانُ) القطَّان، فيما وصله أيضًا أحمد وأبو يعلى وابن خزيمة (عَنْ قَتَادَةَ) أي: على لفظ المتن (وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديٍّ، فيما وصله الحاكم من طريق أحمد ابن حنبل عنه (عَنْ شُعْبَةَ) عن قتادة بهذا السَّند (قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُحَجَّ البَيْتُ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الحاء مبنيًّا للمفعول (وَالأَوَّلُ أَكْثَرُ) لاتِّفاق من تقدَّم ذكرُه على هذا اللَّفظ، وانفراد شعبة بما يخالفهم، وإنَّما قال ذلك لأنَّ ظاهرهما التَّعارض؛ لأنَّ المفهوم من الأوَّل: أنَّ البيت يُحَجُّ بعد أشراط السَّاعة، ومن الثَّاني: أنَّه لا يُحَجُّ بعدها، لكن يمكن الجمع بين الحديثين بأنَّه لا يلزم من حجِّ البيت بعد خروج يأجوج ومأجوج أن يمتنع الحجُّ في وقتٍ ما عند قرب ظهور السَّاعة، ويظهر -والله أعلم- أنَّ المراد بقوله: «ليُحَجَنَّ البيت» أي: مكان البيت (٢) لأنَّ الحبشة إذا خرَّبوه لم يعمر بعد ذلك، قاله في «الفتح»، وزاد هنا في رواية غير أبي ذرٍّ وابن عساكر: «سمع قتادة عبد الله بن أبي عتبة، وعبد الله سمع أبا سعيدٍ الخدريَّ» فانتفت تهمة التَّدليس (٣).
(٤٨) (بابُ) بيان حكم التَّصرُّف في (كِسْوَةِ الكَعْبَةِ) وقد (٤) قِيلَ: أوَّل من كساها تُبَّعٌ الحِمْيريُّ الخَصَف (٥)
стр. 3734
والمَعَافر (١) والملاء والوَصَائل، وذكر ابن قتيبة أنَّه كان قبل الإسلام بتسع مئة سنةٍ، وفي «تاريخ» ابن أبي شيبة: أوَّل من كساها عدنان بن أُدَد، وزعم الزُّبير أنَّ أوَّل من كساها الدِّيباجَ عبدُ الله بن الزُّبير، وعند ابن إسحاق عن ليث بن أبي سُلَيمٍ (٢): كانت كسوة الكعبة على عهد رسول الله ﷺ الأَنطاع والمُسُوح، وروى الواقديُّ عن إبراهيم بن أبي ربيعة قال: كُسِيَ البيتُ في الجاهليَّة الأنطاع، ثمَّ كساه النَّبيُّ ﷺ الثِّياب اليمانيَّة، ثمَّ كساه عمر بن الخطَّاب وعثمان بن عفَّان القَبَاطيَّ، ثمَّ كساه الحجَّاج الدِّيباج، وروى أبو عَروبة في «الأوائل» له عن الحسن قال: أوَّل من ألبس الكعبة القَبَاطيَّ النَّبيُّ ﷺ ، وذكر الأزرقيُّ فيمن كساها: أبا بكرٍ الصِّدِّيق ﵁، ولم يذكر عليَّ بن أبي طالبٍ، ولعلَّه اشتغل عن ذلك بما كان بصدده من الحروب في تمهيد أمر الدِّين مع الخوارج، وكساها معاوية الدِّيباج والقباطيَّ والحَِبرَات، فكانت تُكسَى الدِّيباج يوم عاشوراء، والقباطيَّ في آخر رمضان، وكساها يزيد بن
стр. 3735
معاوية الدِّيباج الخُسْروانيَّ، وكساها المأمون الدِّيباج الأحمر يوم التَّروية، والقباطيَّ يوم هلال رجبٍ، والدِّيباج الأبيض يوم سبعٍ وعشرين من رمضان للفطر، وهكذا كانت تُكسَى في زمن المتوكِّل العباسيِّ، ولمَّا كان زمن النَّاصر العباسيِّ كُسِيت السَّواد من الحرير، فهي تُكسَى ذلك من ذلك الزَّمان وإلى الآن إلَّا أنَّه في سنة ثلاثٍ وأربعين وستِّ مئةٍ قُطِعت من ريحٍ شديدٍ، فكُسِيت ثيابًا من القطن سودًا، وقد ذكر بعضهم حكمةً حسنةً في سواد كسوة الكعبة، فقال: كأنَّه يشير إلى أنَّه فقد أناسًا كانوا حوله، فلبس السَّواد حزنًا عليهم، ولم تزل الملوك تتداول كسوتها إلى أن وقف عليها الصَّالح إسماعيل بن النَّاصر محمَّد بن قلاوون في سنة نيِّفٍ وخمسين وسبع مئةٍ قريةً تُسمَّى بيسوس بضواحي (١) القاهرة في طرف القليوبيَّة ممَّا يلي القاهرة، وأوَّل من كساها من ملوك التُّرك بعد انقضاء الخلافة من بغداد الظَّاهر بيبرس الصَّالحيُّ صاحب مصر.
١٥٩٤ - وبالسَّند (٢) قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) الحَجَبيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ) الهُجَيميُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الأَحْدَبُ) الأسديُّ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (قَالَ: جِئْتُ إِلَى شَيْبَةَ) بن عثمان الحَجَبيِّ -بالحاء المهملة والجيم المفتوحتين- العبدريِّ صاحب مفتاح الكعبة، الصَّحابيِّ.
стр. 3736
قال المؤلِّف (١): «ح» (وَحَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف وكسر المُوحَّدة وفتح الصَّاد المهملة ابن عقبة السُّوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: جَلَسْتُ مَعَ شَيْبَةَ عَلَى الكُرْسِيِّ فِي الكَعْبَةِ فَقَالَ: لَقَدْ جَلَسَ هَذَا المَجْلِسَ) على هذا الكرسيِّ (عُمَرُ) بن الخطَّاب (¬﵁ فَقَالَ) عمر ﵁: (لَقَدْ هَمَمْتُ أَلَّا أدَعَ) أي (٢): لا أترك (فِيهَا) أي: في الكعبة (صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ) ذهبًا ولا فضَّةً (إِلَّا قَسَمْتُهُ) بالتَّذكير باعتبار المال، وفي رواية عمر بن شبَّة (٣) في «كتاب مكَّة» عن قبيصة المذكور: «إلَّا قسمتها» وزاد المؤلِّف في «الاعتصام»: «بين المسلمين» [خ¦٧٢٧٥] قال الزَّركشيُّ وغيره: وظنَّ بعضهم أنَّه حليُّ الكعبة، وغلَّطه صاحب «المفهم» بأنَّ ذلك مُحْبَسٌ عليها كقناديلها ونحو ذلك، فلا يجوز صرفه في غيرها، وإنَّما هو الكنز الذي بها وهو ما كان يُهدَى إليها خارجًا عمَّا كانت تحتاج إليه ممَّا يُنفَق فيه، وكانوا يطرحونه في صندوقٍ في البيت، فأراد عمر أن يقسمه بين المسلمين، فقال شيبة: (قُلْتُ) له: (إِنَّ صَاحِبَيْكَ) النَّبيُّ ﷺ وأبو بكرٍ ﵁ (لَمْ يَفْعَلَا) ذلك (قَالَ) عمر: (هُمَا) أي: النَّبيُّ ﷺ وأبو بكرٍ ﵁ (المَرْءَانِ) الرَّجلان الكاملان لا أخرج عنهما، بل (أَقْتَدِي بِهِمَا) وقد كان ﷺ لمَّا افتتح مكَّة تَرَكَه رعايةً لقلوب قريشٍ، ثمَّ بقي على ذلك إلى زمن الصِّدِّيق وعمر ﵄، ووقع عند مسلمٍ من حديث عائشة ﵂ في بناء الكعبة: «لولا أنَّ قومك حديثو عهدٍ بكفرٍ لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله»، وحكى الفاكهيُّ: أنَّه ﷺ وجد فيها يوم الفتح ستِّين أوقيةً، وعلى هذا فإنفاقه جائزٌ كما جاز لابن الزُّبير بناؤها على القواعد لزوال سبب الامتناع، ولولا قوله في الحديث: «في سبيل الله» لأمكن أن يُحمَل الإنفاق على ما يتعلَّق بها، فيرجع إلى أنَّ حكمه حكم التَّحبيس، ويحتمل أن يُحمَل قوله: «في سبيل الله» على ذلك لأنَّ عمارة الكعبة تصدق على سبيل الله، وليس لكسوة الكعبة في هذا الحديث ذكرٌ، فمن ثمَّ استُشكِل سوق هذا الحديث لهذه التَّرجمة، وأُجيب بأنَّ مقصوده تنبيهٌ على أنَّ (٤) حكمَ الكسوة حكمُ المال بها، فيجوز قسمتها
стр. 3737
على أهل الحاجة استنباطًا من رأي عمر قسمة الذَّهب والفضَّة الكائنين بها، وقِيلَ: لأنَّ الكعبة لم تزل مُعظَّمةً تُقصَد بالهدايا تعظيمًا لها، فالكسوة من باب التَّعظيم لها، واختُلِف في الكسوة: هل يجوز التَّصرُّف فيها بالبيع ونحوه؟ فقال أبو (١) الفضل بن عبدان من أصحابنا: لا يجوز قطع شيءٍ من أستار (٢) الكعبة ولا نقله ولا بيعه ولا شراؤه ولا وضعه بين أوراق المصحف، ومن حمل من ذلك شيئًا لزمه ردُّه، وأقرَّه الرَّافعيُّ عليه، قال ابن فرحون من المالكيَّة: وهذا على وجه الاستحسان منه، والنُّصوص تخالفه (٣)، قال الباجيُّ: وقد استحسن (٤) مالكٌ شراء كسوة الكعبة، وقال ابن الصَّلاح: أمر ذلك إلى الإمام، يصرفه في بعض (٥) مصارف بيت المال بيعًا وعطاءً، واحتجَّ بما رواه الأزرقيُّ في «تاريخ مكَّة»: أنَّ عمر بن الخطَّاب كان ينزع كسوة الكعبة كلَّ سنةٍ فيقسمها على الحاجِّ، قال النَّوويُّ: وهو حسنٌ متعيِّنٌ لئلَّا تتلف بالبلى، وبه قال ابن عبَّاسٍ وعائشة وأمُّ سلمة، وجوَّزوا لمن أخذها لبسها ولو حائضًا وجنبًا، ونبَّه في «المهمَّات» على أنَّ ما قاله النَّوويُّ هنا مخالفٌ لما وافق عليه الرَّافعيُّ في آخر الوقف من تصحيح أنَّها تُباع إذا لم يبق فيها جمالٌ، ويُصرَف ثمنها في مصالح المسجد، ثمَّ قال: واعلم أنَّ للمسألة أحوالًا:
أحدها: أن تُوقَف على الكعبة وحكمها ما مرَّ، وخطَّأه غيرُه بأنَّ الذي مرَّ محلُّه فيما إذا كساها الإمام من بيت المال، أمَّا إذا وُقِفت فلا يتعقَّل عالمٌ جواز صرفها في مصالح غير الكعبة.
ثانيها: أن يملِّكها مالكها للكعبة، فلِقيِّمها أن يفعل فيها ما يراه من تعليقها عليها أو بيعها وصرف ثمنها إلى مصالحها.
ثالثها: أن يُوقَف شيءٌ على أن يُؤخَذ ريعه وتُكسَى به الكعبة كما في عصرنا، فإنَّ الإمام قد وقف على ذلك بلادًا، قال: وقد تلخَّص لي في هذه المسألة: أنَّه إن شرط (٦) الواقف شيئًا من
стр. 3738
بيعٍ وإعطاءٍ لأحدٍ أو غير ذلك فلا كلام، وإن لم يشترط (١) شيئًا (٢) نُظِر: إن لم يقف النَّاظر تلك فله بيعها وصرف ثمنها في كسوةٍ أخرى، وإن وقفها فيأتي فيها ما مرَّ من الخلاف في البيع، نعم بقي قسمٌ آخر: وهو الواقع اليوم في هذا الوقف، وهو أنَّ الواقف لم يشرط (٣) شيئًا من ذلك، وشرط تجديدها كلَّ سنةٍ، مع علمه بأنَّ بني شيبة كانوا يأخذونها كلَّ سنةٍ لمَّا كانت تُكسَى من بيت المال، فهل يجوز لهم أخذها الآن أو تُباع ويُصرَف ثمنها إلى كسوةٍ أخرى؟ فيه نظرٌ، والمُتجَّه الأوَّل.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا (٤) المؤلِّف في «الاعتصام» [خ¦٧٢٧٥]، وأبو داود في «الحجِّ»، وكذا ابن ماجه.
(٤٩) (بَابُ هَدْمِ الكَعْبَةِ) في آخر الزَّمان (قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂¬) ولغير أبي ذرٍّ: «وقالت عائشة»: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَغْزُو جَيْشٌ الكَعْبَةَ) بفتح الجيم وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، قال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: لا بالمهملة والمُوحَّدة. انتهى. قلت: ثبت في «اليونينيَّة» في رواية أبي ذرٍّ: «حَبَشٌ» بالحاء المهملة والمُوحَّدة المفتوحتين (فَيُخْسَفُ بِهِمْ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح السِّين المهملة، وهذا طرفٌ من حديثٍ وصله في أوائل «البيوع» ولفظه: «يغزو جيش الكعبة، حتَّى إذا كانوا ببيداء من الأرض يُخسَف بأوَّلهم وآخرهم ثمَّ يُبعَثون على نيَّاتهم» [خ¦٢١١٨] والبيداء: المفازة التي لا شيء فيها، وهي في هذا الحديث: اسم موضعٍ مخصوصٍ بين مكَّة والمدينة، وقوله: «ثمَّ يبعثون على نيَّاتهم» أي: يُخسَف بالكلِّ بشؤم الأشرار، ثمَّ يُعامَل كلٌّ منهم في الحشر بحسب نيَّته وقصده، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ.
стр. 3739
١٥٩٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بسكون الميم، ابن بحر بن كثيرٍ الباهليُّ الصَّيرفيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الأَخْنَسِ) بخاءٍ معجمةٍ بعد همزةٍ مفتوحةٍ وآخره سينٌ مهملةٌ قبلها نونٌ مفتوحةٌ بوزن «الأحمر»، و «عُبَيد»: بالتَّصغير النَّخعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضمِّ الميم وفتح اللَّام وسكون التَّحتيَّة، هو عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي مليكة، واسمه: زهيرٌ التَّيميُّ الأحول (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كَأَنِّي بِهِ) قال في «فتح الباري»: كذا في جميع الرِّوايات عن ابن عبَّاسٍ في هذا الحديث، والذي يظهر: أنَّ في الحديث شيئًا حُذِفَ، ويحتمل أن يكون هو ما وقع في حديث عليٍّ عند أبي عبيدٍ في «غريب الحديث»، من طريق أبي العالية عن عليٍّ قال: استكثروا من الطَّواف بهذا البيت قبل أن يُحال بينكم وبينه، فكأنِّي برجلٍ من الحبشة أصلع -أو قال: أصمع- حَمْش (١) السَّاقين قاعدٌ عليها وهي تُهدَم ورواه الفاكهيُّ من هذا الوجه، ولفظه: «أصعل» بدل «أصلع»، وقال: «قائمًا عليها يهدمها بمسحاته»، ورواه يحيى الحِمَّانيُّ في «مسنده» من وجهٍ آخر عن عليٍّ مرفوعًا. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لا يحتاج إلى تقدير حذفٍ لأنَّه إنَّما يُقدَّر في موضعٍ يحتاج إليه للضَّرورة، ولا ضرورة هنا، قال: ودعواه الظُّهور غير ظاهرةٍ لأنَّه لا وجه في تقدير محذوفٍ لا حاجة هنا إليه بما جاء في أثرٍ عن صحابيٍّ، ولا يُقال: الأحاديث يفسِّر بعضها بعضًا لأنَّا نقول: هذا إنَّما يكون عند الاحتياج إليه، ولا احتياج هنا (٢) إلى ذلك، والضَّمير في «به» للقالع الآتي ذكره، وقوله: (أَسْوَدَ) نُصِب -كما في «اليونينيَّة» - على الذَّمِّ أو الاختصاص، وليس من (٣) شرط المنصوب على الاختصاص ألَّا يكون نكرةً، فقد قال الزَّمخشريُّ في قوله تعالى: ﴿قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]: إنَّه منصوبٌ على الاختصاص كذا
стр. 3740
نقله البرماويُّ والعينيُّ وغيرهما كالكِرمانيِّ، وعبارة الزَّمخشريِّ: ويجوز أن يكون نصبًا على المدح، فإن قلت: أليس من حقِّ المنتصب على المدح أن يكون معرفةً؟ نحو: الحمد لله الحميدَ، «إنَّا -معشرَ (١) الأنبياء- لا نُورَث»:
إنَّا -بني نهشلٍ- لا نَدَّعي لأبٍ ...........................
قلت: قد جاء نكرةً في قول الهذليِّ (٢):
ويأوي إلى نسوةٍ عُطَّل … وشعثًا مراضيع مثلَ السَّعالي
انتهى.
وتعقَّبه أبو حيَّان فقال: في كلامه هذا تخليطٌ؛ وذلك أنَّه (٣) لم يفرِّق بين المنصوب على المدح أو الذَّمِّ أو التَّرحُّم وبين المنصوب على الاختصاص، وجعل حكمهما واحدًا، وأورد مثالًا من المنصوب على المدح؛ وهو: الحمد لله الحميدَ، ومثالين من المنصوب على الاختصاص؛ وهما: «إنَّا -معشر الأنبياء- لا نُورَث»:
إنَّا -بني نهشلٍ- لا ندَّعي لأبٍ ..........................
والذي ذكره النَّحويُّون أنَّ المنصوب على المدح أو الذَّمِّ أو التَّرحُّم قد يكون معرفةً وقبله معرفةٌ، يصلح أن يكون تابعًا لها، وقد لا يصلح، وقد يكون نكرةً كذلك، وقد يكون نكرةً وقبلها معرفةٌ، فلا يصلح أن يكون نعتًا لها؛ نحو قول النَّابغة:
أقارِعُ (٤) عَوفٍ لا أحاول غيرها … وجوهَ قرودٍ تبتغي من تُجادِعُ (٥)
стр. 3741
فانتصب: «وجوهَ قرودٍ» على الذَّمِّ، وقبله معرفةٌ؛ وهو: أقارع عوفٍ، وأمَّا المنصوب على الاختصاص فنصُّوا على أنَّه لا يكون نكرةً ولا مبهمًا، ولا يكون إلَّا مُعرَّفًا بالألف واللَّام أو بالإضافة أو بالعلميَّة أو بـ «أيٍّ»، ولا يكون إلَّا بعد ضمير متكلِّمٍ مختصٍّ به أو مشاركٍ فيه، وربَّما أتى بعد ضميرٍ مخاطبٍ. انتهى. وأجاب تلميذه السَّمين بأنَّ الزَّمخشريَّ إنَّما أراد بالمنصوب على الاختصاص المنصوبَ على إضمار فعلٍ، سواءٌ كان من الاختصاص المُبوَّب له في النَّحو أم لا، وهذا اصطلاح أهل المعاني والبيان. انتهى. والأَولى أن يقول (١): الذي نصَّ عليه الزَّمخشريُّ النَّصب على المدح وأدخل فيه الاختصاص، فليُتأمَّل.
(أَفْحَجَ) بفتح الهمزة وسكون الفاء بعدها (٢) وفتح الحاء المهملة (٣) وبالجيم منصوبٌ، صفةٌ لسابقه، ويجوز أن يكون: «أسودَ أفحجَ» حالين متداخلين أو مترادفين من ضمير «به»، وبه قال التُّورْبشتيُّ والدَّماميني، وقال المظهريُّ: هما بدلان من الضَّمير المجرور، وفُتِحا لأنَّهما غير منصرفين، ويجوز إبدال المظهر من المضمر الغائب نحو: ضربته زيدًا، وقال الطِّيبيُّ: الضَّمير في «به» مبهمٌ يفسِّره ما بعده على أنَّه تمييزٌ كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢] فإنَّ ضمير: «هُنَّ» هو المبهم المُفسَّر بـ ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ وهو تمييزٌ كما قاله الزَّمخشريُّ، وفي بعض الأصول: «أسودُ أفحجُ» برفعهما على أنَّ «أسود» مبتدأٌ خبره: «يقلعها» (٤)، والجملة حالٌ بدون الواو، والضَّمير في «به» للبيت، أي: كأنِّي متلبِّسٌ به، أو «أسود» خبر مبتدأٍ محذوفٍ، والضَّمير في «به» للقالع، أي: كأنِّي بالقالع هو أسود، وقوله: «أفحج» خبرٌ بعد خبرٍ، قال في «القاموس»: فَحَجَ كـ «منع»: تكبَّر، وفي مشيته: تدانى صدورُ قدميه وتباعدَ عَقِباه، كـ «فَحَّجَ» وهو أَفْحَجُ، بَيِّنُ الفَحَجِ مُحرَّكةً، والتَّفحُّج: التَّفريج بين الرِّجلين.
(يَقْلَعُهَا) أي: يقلع الأسودُ الأفحجُ الكعبةَ حال كونها قلعًا (٥) (حَجَرًا حَجَرًا) نحو: بوَّبته
стр. 3742
بابًا بابًا، أي: مُبوَّبًا، أو هو (١) بدلٌ من الضَّمير المنصوب في «يقلعها»، قال في «المصابيح»: فإن قلت: ما إعراب الألفاظ الواقعة في هذا التَّركيب؛ وهو قوله: «كأنِّي به … » إلى آخره؟ وأجاب بأنَّه نظير قولهم: كأنَّك بالدُّنيا لم تكن، وكأنَّك بالآخرة لم تزل، وكأنَّك باللَّيل وقد أقبل، قال: وفيه أعاريب مختلفةٌ، قال بعض المحقِّقين فيه (٢): الأَولى أن تقول: «كأنَّ» على معنى التَّشبيه، ولا يحكم (٣) بزيادة شيءٍ، وتقول: التَّقدير: كأنَّك تبصر بالدُّنيا تشاهدها، من قوله تعالى: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ﴾ [القصص: ١١] والجملة بعد المجرور بالباء حالٌ، أي: كأنَّك تبصر بالدُّنيا وتشاهدها غير كائنةٍ، ألا ترى إلى قولهم: كأنَّك بالليل وقد أقبل؟ والواو لا تدخل على الجمل إذا كانت أخبارًا لهذه الحروف، قال الدَّمامينيُّ: ويؤَيّده -أي: ما قاله هذا المحقِّق- ثبوت هذه الرِّواية بنصب «أسودَ أفحجَ» في الحديث، فالنَّصب على الحاليَّة (٤) كما مرَّ، و «يقلعها» في محلِّ نصبٍ على الصِّفة أو الحال أيضًا.
وفي هذا الحديث: التَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، وشيخ المؤلِّف ويحيى بصريَّان، وابن الأخنس كوفيٌّ، وابن أبي مليكة مكِّيٌّ.
١٥٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) المخزوميُّ المصريُّ (٥) قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام المصريُّ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ،
стр. 3743
أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يُخَرِّبُ الكَعْبَةَ) عند قرب السَّاعة حيث (١) لا يبقى في الأرض أحدٌ يقول: الله الله (ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ) بضمِّ السِّين وفتح الواو تثنية سُوَيقةٍ، مُصغَّر السَّاق (مِنَ الحَبَشَةِ) قال في «القاموس»: الحبَش والحبَشة محرَّكتين، والأَحْبُش -بضمِّ الباء-: جنسٌ من السُّودان، الجمع حُبْشانٌ وأَحَابِشُ. انتهى. قال بعضهم: الحبشة ليس بصحيحٍ في القياس لأنَّه لا واحد له على مثال فاعلٍ، فيكونُ مكسَّرًا على فعلة، وقال ابن دريدٍ: وأمَّا قولهم: الحبشة فعلى غير قياسٍ، وقد قالوا أيضًا: حبشان، ولا أدري كيف هو. انتهى. وإنكارهم لفظ الحبشة على هذا الوزن لا وجه له لأنَّه ورد في لفظ أفصح النَّاس، وقال الرُّشَاطيُّ: وهم من ولد كُوش بن حام؛ وهم أكثر السُّودان، وجميع ممالك السُّودان يعطون الطَّاعة للحبش، وقد جاء في تخريب الكعبة أحاديث؛ كحديث ابن عبَّاسٍ وعائشة عند المؤلِّف [خ¦١٥٩٥]، وما رواه أبو داود الطَّيالسيُّ بسندٍ صحيحٍ، وحديث عبد الله بن عمر (٢) عند أحمد،
стр. 3744
وروى ابن الجوزيِّ عن حذيفة حديثًا طويلًا مرفوعًا فيه: «وخراب مكَّة من الحبشة على يد حبشيٍّ، أفحج السَّاقين، أزرق العينين، أفطس الأنف، كبير البطن، معه أصحابه، ينقضونها حجرًا حجرًا (١) ويتناولونها حتَّى يرموا بها -يعني: الكعبة (٢) - إلى البحر، وخراب المدينة من الجوع، واليمن من الجراد»، وذكر الحليميُّ: أنَّ خراب الكعبة يكون في زمن عيسى ﵊، وقال القرطبيُّ: بعد رفع القرآن من الصُّدور والمصاحف، وذلك بعد موت عيسى، وهو الصَّحيح.
(٥٠) (بابُ مَا ذُكِرَ فِي الحَجَرِ الأَسْوَدِ) ويُسمَّى الرُّكن الأسود، وهو في ركن الكعبة الذي يلي الباب من جانب المشرق، وارتفاعه من الأرض الآن ذراعان وثلثا ذراعٍ على ما قاله الأزرقيُّ، وبينه وبين المقام ثمانيةٌ وعشرون ذراعًا، وفي حديث ابن عبَّاسٍ مرفوعًا ممَّا (٣) صحَّحه التِّرمذيُّ: «نزل الحجر الأسود من الجنَّة وهو أشدُّ بياضًا من اللَّبن، فسوَّدته خطايا بني آدم»، لكن فيه عطاء بن السَّائب، وهو صدوقٌ إلَّا أنَّه اختلط، وجريرٌ ممَّن سَمِعَ (٤) منه بعد اختلاطه، لكن له طريقٌ أخرى في «صحيح» ابن خزيمة، فيقوى (٥) بها، وفي هذا الحديث التَّخويف لأنَّه إذا كانت الخطايا تؤثِّر في الحجر فما ظنُّك بتأثيرها في القلوب؟ وينبغي أن يُتأمَّل كيف أبقاه الله تعالى على صفة السَّواد أبدًا، مع ما مسَّه من أيدي الأنبياء والمرسلين المقتضي لتبييضه ليكون ذلك عبرةً لأولي (٦) الأبصار، وواعظًا لكلِّ من وافاه من ذوي الأفكار ليكون ذلك باعثًا على مباينة الزَّلَّات، ومجانبة الذُّنوب الموبقات، وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: «إنَّ الحجر والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنَّة، طمس الله نورهما، ولولا ذلك لأضاء ما بين المشرق والمغرب» رواه أحمد والتِّرمذيُّ، وصحَّحه ابن حبَّان، لكن في إسناده رجاء أبو يحيى، وهو ضعيفٌ، وإنَّما أذهب الله نورهما ليكون إيمان النَّاس بكونهما حقًّا إيمانًا بالغيب، ولو لم
стр. 3745
يطمس لكان الإيمان بهما إيمانًا بالمشاهدة (١)، والإيمان الموجب للثَّواب هو الإيمان بالغيب.
١٥٩٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة العبديُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن يزيد النَّخعيِّ (عَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ) بالعين المهملة وبعد الألف مُوحَّدةٌ مكسورةٌ وآخره سينٌ مُهمَلةٌ و «رَبيعة» -بفتح الرَّاء- النَّخعيِّ (عَنْ عُمَرَ) بضمِّ العين (¬﵁: أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الحَجَرِ الأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ) بأن وضع فمه عليه من غير صوتٍ (فَقَالَ) ليدفع توهُّم قريب عهدٍ بإسلامٍ (٢) ما كان يعتقد في حجارة أصنام الجاهليَّة من الضُّرِّ والنَّفع: (إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ) أي: بذاتك، وإن كان امتثال ما شُرِع فيه ينفع في الثَّواب، لكن لا قدرة له عليه لأنَّه حجرٌ كسائر الأحجار، وأشاع عمر هذا في الموسم ليشتهر في البلدان ويحفظه المتأخِّرون في الأقطار، لكن زاد الحاكم في هذا الحديث: فقال عليُّ بن أبي طالبٍ: بل -يا أمير المؤمنين- يضرُّ وينفع، ولو علمت ذلك من تأويل كتاب الله تعالى لعلمت أنَّه كما أقول، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] فلمَّا أقرُّوا أنَّه الرَّبُّ وأنَّهم العبيد كتب ميثاقهم في رقٍّ وألقمه في هذا الحجر، وأنَّه يُبعَث يوم القيامة، وله عينان ولسانٌ وشفتان، يشهد لمن وافى بالموافاة، فهو أمين الله في هذا الكتاب، فقال له عمر: لا أبقاني الله بأرضٍ لست بها (٣) يا أبا الحسن، وقال: ليس هذا على شرط الشَّيخين؛ فإنَّهما لم يحتجَّا بأبي هارون العبديِّ. ومن غرائب المتون ما في ابن أبي شيبة في آخر «مسند أبي بكرٍ ﵁» عن رجلٍ رأى النَّبيَّ ﷺ وقف عند الحجر، فقال: «إنِّي لأعلم (٤) أنَّك حجرٌ لا تضرُّ ولا تنفع» ثمَّ قبَّله، ثمَّ حجَّ أبو بكرٍ ﵁، فوقف عند الحجر، فقال: إنِّي لأعلم (٥) أنَّك حجرٌ لا تضرُّ
стр. 3746
ولا تنفع، ولولا (١) أنِّي رأيت رسول الله ﷺ يقبِّلك ما قبَّلتك، فليُراجَع إسناده، فإن صحَّ يُحكَم (٢) ببطلان حديث الحاكم لبعد أن يصدر هذا الجواب من (٣) عليٍّ؛ أعني قوله: بل يضرُّ وينفع، بعدما قال النَّبيُّ ﷺ : لا تضرُّ ولا تنفع لأنَّه صورة معارضة، لا جرم أنَّ الذَّهبيَّ قال في «مختصره» عن العبديِّ: إنَّه ساقطٌ.
(وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ) ولغير أبي ذرٍّ: «النَّبيَّ» (¬ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ) تنبيهٌ على أنَّه لولا الاقتداء ما قبَّله، وقال الطِّيبيُّ: اعلم أنَّهم ينزِّلون نوعًا من أنواع الجنس بمنزلة جنسٍ آخر باعتبار اتِّصافه بصفةٍ مختصَّةٍ به لأنَّ تغاير الصِّفات بمنزلة التَّغاير في الذَّوات، فقوله: «إنَّك حجرٌ» شهادةٌ له بأنَّه من هذا الجنس، وقوله: «لا تضرُّ ولا تنفع» تقريرٌ وتأكيدٌ بأنَّه حجرٌ كسائر الأحجار (٤)، وقوله: «ولولا أنِّي رأيت .... » إلى آخره إخراجٌ له عن هذا الجنس باعتبار تقبيله ﷺ . انتهى.
وفي هذا الحديث: التَّحديث والإخبار والعنعنة، ورواته كوفيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف فبصريٌّ، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «الحجِّ».
(٥١) (بابُ إِغْلَاقِ) باب (البَيْتِ) بالغين المعجمة (وَيُصَلِّي) الدَّاخل (فِي أَيِّ) ناحيةٍ من (نَوَاحِي البَيْتِ (٥) شَاءَ) فإن كان الباب مفتوحًا فصلاته باطلةٌ لأنَّه لم يستقبل منها شيئًا، فإن كان له عتبةٌ قدر ثلثي ذراعٍ صحَّت.
стр. 3747
١٥٩٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين أبو رجاء الثَّقفيُّ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمٍ) هو ابن عبد الله بن عمر ابن الخطَّاب القرشيِّ العدويِّ (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله ﵁ (أَنَّهُ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ البَيْتَ) الحرام عام الفتح (هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلَالٌ) المؤذِّن (وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ) الحجبيُّ، زاد النَّسائيُّ: «ومعه الفضل بن عبَّاسٍ» فيكونون أربعةً (فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ) أي: الباب من داخلٍ كما عند أبي عَوانة، وزاد يونس: «فمكث نهارًا طويلًا» وفي رواية فليح: «زمانًا» بدل: «نهارًا»، ولـ «مسلمٍ»: «فمكث فيها مليًّا»، وفي روايةٍ له أيضًا: «فمكث فيها ساعةً» (فَلَمَّا فَتَحُوا) الباب (كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ) أي: دخل (فَلَقِيتُ بِلَالًا) بكسر القاف، زاد في رواية مجاهدٍ السَّابقة في أوائل «الصَّلاة» عن ابن عمر: «وأجد بلالًا قائمًا بين البابين» [خ¦٣٩٧] (فَسَأَلْتُهُ) أي: بلالًا (هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ) صلَّى فيه (بَيْنَ العَمُودَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ) بتخفيف الياء لأنَّهم جعلوا الألف بدل إحدى ياءي النِّسبة، وجوَّز سيبويه التَّشديد، وفي رواية مالكٍ عن نافعٍ: «جعل عمودًا عن يمينه وعمودًا عن يساره» وفي رواية فُليح في «المغازي» [خ¦٤٤٠٠]: «بين ذينك العمودين المُقدَّمين، وكان البيت على ستَّة أعمدةٍ سطرين، صلَّى بين العمودين من السَّطر المُقدَّم، وجعل باب البيت خلف ظهره» وقال في آخر روايته: «وعند المكان الذي صلَّى فيه مرمرةٌ حمراءُ» وكلُّ هذا إخبارٌ عمَّا كان عليه البيت قبل أن يُهدَم ويُبنَى في زمن ابن الزُّبير، فأمَّا الآن فقد بيَّن موسى بن عقبة في روايته عن نافعٍ -كما في الباب الذي يليه-: «أنَّ بين موقفه ﷺ وبين الجدار الذي استقبله قريبًا من ثلاثة أذرعٍ» [خ¦١٥٩٩] وسيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.
وموضع التَّرجمة من الحديث قوله: «فأغلقوا عليهم»، لكن استُشكِل قوله في التَّرجمة: «ويصلِّي في أيِّ نواحي البيت شاء» فإنَّه يدلُّ على التَّخيير، وفي الحديث: أنَّه ﷺ صلَّى بين اليمانيين، وهو يدلُّ على التَّعيين، وأُجيب بأنَّ صلاته ﵊ في ذلك الموضع لم تكن قصدًا، بل وقعت اتِّفاقًا.
стр. 3748
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ»، والنَّسائيُّ فيه، وفي «الصَّلاة».
(٥٢) (بابُ الصَّلَاةِ فِي الكَعْبَةِ) اختُلِف في ذلك؛ فعن ابن عبَّاسٍ: لا تصحُّ الصَّلاة داخلها مطلقًا لأنَّه يلزم من ذلك استدبار بعضها، وقد ورد الأمر باستقبالها فيُحمَل على استقبال جميعها، واستحبَّ الشَّافعيَّة الصَّلاة فيها، وهو ظاهرٌ في النَّفل، ويلحق به الفرض؛ إذ لا فرق بينهما في مسألة الاستقبال للمقيم (١)، وهو قول الجمهور، ومشهور مذهب المالكيَّة جواز السُّنَّة فيها وفي الحجر لأيِّ جهةٍ كانت، وأمَّا الفرض، والسُّنن المُؤكَّدة كالوتر، والنَّافلة المُؤكَّدة كالفجر فلا يجوز إيقاع شيءٍ منها فيهما، وهو مذهب «المُدوَّنة»، فإن صلَّى الفرض فيهما أعاد في الوقت.
١٥٩٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو السِّمسار المروزيُّ، فيما قاله أبو نصرٍ الكلاباذيُّ وأبو عبد الله الحاكم. وقال الدَّارقطنيُّ: هو ابن شبُّويه، ورجَّح المزِّيُّ (٢) وغيره الأوَّل، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر بن الخطَّاب (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ الكَعْبَةَ مَشَى قِبَلَ الوَجْهِ) بكسر القاف وفتح (٣) المُوحَّدة كاللذَين بعد، أي: مقابل الوجه (حِينَ يَدْخُلُ) الكعبة (وَيَجْعَلُ البَابَ قِبَلَ الظَّهْرِ، يَمْشِي حَتَّى يَكُونَ) المقدار أو المسافة (بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجِدَارِ الَّذِي قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيبًا)
стр. 3749
نصب خبر «يكون»، واسمها محذوفٌ مُقدَّرٌ بالمقدار أو المسافة، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «قريبٌ» بالرَّفع، اسمٌ لـ «يكون» (مِنْ ثَلَاثِ أَذْرُعٍ) بحذف التَّاء من «ثلاث» (١)، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «ثلاثة أذرعٍ (٢)» وهذه زيادةٌ على الرِّواية السَّابقة كما مرَّ، وقد جزم برفعها مالكٌ عن نافعٍ فيما أخرجه أبو داود من طريق عبد الرَّحمن بن مهديٍّ، والدَّارقطنيُّ في «الغرائب»، وأبو عَوانة من طريق هشام بن سعدٍ عن نافعٍ، وحينئذٍ فينبغي لمن أراد الاتِّباع في ذلك أن يجعل بينه وبين الجدار ثلاثة أذرعٍ، فإنَّه يقع قدماه في مكان قدميه ﷺ إن كانت ثلاثة أذرعٍ سواءً، أو تقع (٣) ركبتاه أو يداه أو وجهه إن كان أقلَّ من ثلاثة أذرعٍ (فَيُصَلِّي) حال كونه (يَتَوَخَّى) بتشديد الخاء المعجمة؛ أي (٤): يقصد (المَكَانَ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِلَالٌ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى فِيهِ) قال ابن عمر أو غيره: (وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَأْسٌ أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَيِّ نَوَاحِي البَيْتِ (٥) شَاءَ) أي: إذا كان الباب مغلوقًا (٦)، كما مرَّ في الباب السَّابق.
(٥٣) (بابُ مَنْ لَمْ يَدْخُلِ الكَعْبَةَ) لأنَّه ليس من مناسك الحجِّ (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄¬) الذي هو أشهر من روى عن النَّبيِّ ﷺ دخولَ الكعبة (يَحُجُّ كَثِيرًا وَلَا يَدْخُلُ) الكعبة، فلو كان من المناسك لمَا أخلَّ به مع كثرة اتِّباعه، وهذا التَّعليق وصله سفيان الثَّوريُّ في «جامعه».
стр. 3750
١٦٠٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الطَّحَّان قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى) ﵁ (قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) عمرة القضاء سنة سبعٍ من الهجرة قبل الفتح (فَطَافَ بِالبَيْتِ وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَهُ مَنْ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ لَهُ) أي: لابن أبي أوفى (١) (رَجُلٌ: أَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الكَعْبَةَ) في هذه العمرة؟ والهمزة للاستفهام (قَالَ) (٢) ابن أبي أوفى: (لَا) لم يدخلها في هذه العمرة. وسببه ما كان فيها حينئذٍ من الأصنام، ولم يكن المشركون يتركونه ليغيِّرها، فلمَّا كان في الفتح أمر بإزالة الصُّور ثمَّ دخلها، قاله النَّوويُّ، ويحتمل أن يكون دخول البيت لم يقع في الشَّرط، فلو أراد دخوله لمنعوه كما منعوه من الإقامة بمكَّة زيادةً على الثَّلاث، فلم يقصد دخولها لئلَّا يمنعوه.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا [خ¦١٧٩١] (٣) وفي «المغازي» [خ¦٤١٨٨]، وأبو داود في «الحجِّ»، وكذا النَّسائيُّ وابن ماجه.
(٥٤) (بابُ مَنْ كَبَّرَ فِي نَوَاحِي الكَعْبَةِ).
١٦٠١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بميمين مفتوحتين عبد الله بن عمرٍو (٤)، المُقعَد البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ قال: (حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ)