ولا تنفع، ولولا (١) أنِّي رأيت رسول الله ﷺ يقبِّلك ما قبَّلتك، فليُراجَع إسناده، فإن صحَّ يُحكَم (٢) ببطلان حديث الحاكم لبعد أن يصدر هذا الجواب من (٣) عليٍّ؛ أعني قوله: بل يضرُّ وينفع، بعدما قال النَّبيُّ ﷺ : لا تضرُّ ولا تنفع لأنَّه صورة معارضة، لا جرم أنَّ الذَّهبيَّ قال في «مختصره» عن العبديِّ: إنَّه ساقطٌ.
(وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ) ولغير أبي ذرٍّ: «النَّبيَّ» (¬ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ) تنبيهٌ على أنَّه لولا الاقتداء ما قبَّله، وقال الطِّيبيُّ: اعلم أنَّهم ينزِّلون نوعًا من أنواع الجنس بمنزلة جنسٍ آخر باعتبار اتِّصافه بصفةٍ مختصَّةٍ به لأنَّ تغاير الصِّفات بمنزلة التَّغاير في الذَّوات، فقوله: «إنَّك حجرٌ» شهادةٌ له بأنَّه من هذا الجنس، وقوله: «لا تضرُّ ولا تنفع» تقريرٌ وتأكيدٌ بأنَّه حجرٌ كسائر الأحجار (٤)، وقوله: «ولولا أنِّي رأيت .... » إلى آخره إخراجٌ له عن هذا الجنس باعتبار تقبيله ﷺ . انتهى.
وفي هذا الحديث: التَّحديث والإخبار والعنعنة، ورواته كوفيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف فبصريٌّ، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «الحجِّ».
(٥١) (بابُ إِغْلَاقِ) باب (البَيْتِ) بالغين المعجمة (وَيُصَلِّي) الدَّاخل (فِي أَيِّ) ناحيةٍ من (نَوَاحِي البَيْتِ (٥) شَاءَ) فإن كان الباب مفتوحًا فصلاته باطلةٌ لأنَّه لم يستقبل منها شيئًا، فإن كان له عتبةٌ قدر ثلثي ذراعٍ صحَّت.
стр. 3747
١٥٩٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين أبو رجاء الثَّقفيُّ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمٍ) هو ابن عبد الله بن عمر ابن الخطَّاب القرشيِّ العدويِّ (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله ﵁ (أَنَّهُ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ البَيْتَ) الحرام عام الفتح (هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلَالٌ) المؤذِّن (وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ) الحجبيُّ، زاد النَّسائيُّ: «ومعه الفضل بن عبَّاسٍ» فيكونون أربعةً (فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ) أي: الباب من داخلٍ كما عند أبي عَوانة، وزاد يونس: «فمكث نهارًا طويلًا» وفي رواية فليح: «زمانًا» بدل: «نهارًا»، ولـ «مسلمٍ»: «فمكث فيها مليًّا»، وفي روايةٍ له أيضًا: «فمكث فيها ساعةً» (فَلَمَّا فَتَحُوا) الباب (كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ) أي: دخل (فَلَقِيتُ بِلَالًا) بكسر القاف، زاد في رواية مجاهدٍ السَّابقة في أوائل «الصَّلاة» عن ابن عمر: «وأجد بلالًا قائمًا بين البابين» [خ¦٣٩٧] (فَسَأَلْتُهُ) أي: بلالًا (هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ) صلَّى فيه (بَيْنَ العَمُودَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ) بتخفيف الياء لأنَّهم جعلوا الألف بدل إحدى ياءي النِّسبة، وجوَّز سيبويه التَّشديد، وفي رواية مالكٍ عن نافعٍ: «جعل عمودًا عن يمينه وعمودًا عن يساره» وفي رواية فُليح في «المغازي» [خ¦٤٤٠٠]: «بين ذينك العمودين المُقدَّمين، وكان البيت على ستَّة أعمدةٍ سطرين، صلَّى بين العمودين من السَّطر المُقدَّم، وجعل باب البيت خلف ظهره» وقال في آخر روايته: «وعند المكان الذي صلَّى فيه مرمرةٌ حمراءُ» وكلُّ هذا إخبارٌ عمَّا كان عليه البيت قبل أن يُهدَم ويُبنَى في زمن ابن الزُّبير، فأمَّا الآن فقد بيَّن موسى بن عقبة في روايته عن نافعٍ -كما في الباب الذي يليه-: «أنَّ بين موقفه ﷺ وبين الجدار الذي استقبله قريبًا من ثلاثة أذرعٍ» [خ¦١٥٩٩] وسيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.
وموضع التَّرجمة من الحديث قوله: «فأغلقوا عليهم»، لكن استُشكِل قوله في التَّرجمة: «ويصلِّي في أيِّ نواحي البيت شاء» فإنَّه يدلُّ على التَّخيير، وفي الحديث: أنَّه ﷺ صلَّى بين اليمانيين، وهو يدلُّ على التَّعيين، وأُجيب بأنَّ صلاته ﵊ في ذلك الموضع لم تكن قصدًا، بل وقعت اتِّفاقًا.
стр. 3748
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ»، والنَّسائيُّ فيه، وفي «الصَّلاة».
(٥٢) (بابُ الصَّلَاةِ فِي الكَعْبَةِ) اختُلِف في ذلك؛ فعن ابن عبَّاسٍ: لا تصحُّ الصَّلاة داخلها مطلقًا لأنَّه يلزم من ذلك استدبار بعضها، وقد ورد الأمر باستقبالها فيُحمَل على استقبال جميعها، واستحبَّ الشَّافعيَّة الصَّلاة فيها، وهو ظاهرٌ في النَّفل، ويلحق به الفرض؛ إذ لا فرق بينهما في مسألة الاستقبال للمقيم (١)، وهو قول الجمهور، ومشهور مذهب المالكيَّة جواز السُّنَّة فيها وفي الحجر لأيِّ جهةٍ كانت، وأمَّا الفرض، والسُّنن المُؤكَّدة كالوتر، والنَّافلة المُؤكَّدة كالفجر فلا يجوز إيقاع شيءٍ منها فيهما، وهو مذهب «المُدوَّنة»، فإن صلَّى الفرض فيهما أعاد في الوقت.
١٥٩٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو السِّمسار المروزيُّ، فيما قاله أبو نصرٍ الكلاباذيُّ وأبو عبد الله الحاكم. وقال الدَّارقطنيُّ: هو ابن شبُّويه، ورجَّح المزِّيُّ (٢) وغيره الأوَّل، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر بن الخطَّاب (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ الكَعْبَةَ مَشَى قِبَلَ الوَجْهِ) بكسر القاف وفتح (٣) المُوحَّدة كاللذَين بعد، أي: مقابل الوجه (حِينَ يَدْخُلُ) الكعبة (وَيَجْعَلُ البَابَ قِبَلَ الظَّهْرِ، يَمْشِي حَتَّى يَكُونَ) المقدار أو المسافة (بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجِدَارِ الَّذِي قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيبًا)
стр. 3749
نصب خبر «يكون»، واسمها محذوفٌ مُقدَّرٌ بالمقدار أو المسافة، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «قريبٌ» بالرَّفع، اسمٌ لـ «يكون» (مِنْ ثَلَاثِ أَذْرُعٍ) بحذف التَّاء من «ثلاث» (١)، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «ثلاثة أذرعٍ (٢)» وهذه زيادةٌ على الرِّواية السَّابقة كما مرَّ، وقد جزم برفعها مالكٌ عن نافعٍ فيما أخرجه أبو داود من طريق عبد الرَّحمن بن مهديٍّ، والدَّارقطنيُّ في «الغرائب»، وأبو عَوانة من طريق هشام بن سعدٍ عن نافعٍ، وحينئذٍ فينبغي لمن أراد الاتِّباع في ذلك أن يجعل بينه وبين الجدار ثلاثة أذرعٍ، فإنَّه يقع قدماه في مكان قدميه ﷺ إن كانت ثلاثة أذرعٍ سواءً، أو تقع (٣) ركبتاه أو يداه أو وجهه إن كان أقلَّ من ثلاثة أذرعٍ (فَيُصَلِّي) حال كونه (يَتَوَخَّى) بتشديد الخاء المعجمة؛ أي (٤): يقصد (المَكَانَ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِلَالٌ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى فِيهِ) قال ابن عمر أو غيره: (وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَأْسٌ أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَيِّ نَوَاحِي البَيْتِ (٥) شَاءَ) أي: إذا كان الباب مغلوقًا (٦)، كما مرَّ في الباب السَّابق.
(٥٣) (بابُ مَنْ لَمْ يَدْخُلِ الكَعْبَةَ) لأنَّه ليس من مناسك الحجِّ (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄¬) الذي هو أشهر من روى عن النَّبيِّ ﷺ دخولَ الكعبة (يَحُجُّ كَثِيرًا وَلَا يَدْخُلُ) الكعبة، فلو كان من المناسك لمَا أخلَّ به مع كثرة اتِّباعه، وهذا التَّعليق وصله سفيان الثَّوريُّ في «جامعه».
стр. 3750
١٦٠٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الطَّحَّان قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى) ﵁ (قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) عمرة القضاء سنة سبعٍ من الهجرة قبل الفتح (فَطَافَ بِالبَيْتِ وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَهُ مَنْ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ لَهُ) أي: لابن أبي أوفى (١) (رَجُلٌ: أَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الكَعْبَةَ) في هذه العمرة؟ والهمزة للاستفهام (قَالَ) (٢) ابن أبي أوفى: (لَا) لم يدخلها في هذه العمرة. وسببه ما كان فيها حينئذٍ من الأصنام، ولم يكن المشركون يتركونه ليغيِّرها، فلمَّا كان في الفتح أمر بإزالة الصُّور ثمَّ دخلها، قاله النَّوويُّ، ويحتمل أن يكون دخول البيت لم يقع في الشَّرط، فلو أراد دخوله لمنعوه كما منعوه من الإقامة بمكَّة زيادةً على الثَّلاث، فلم يقصد دخولها لئلَّا يمنعوه.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا [خ¦١٧٩١] (٣) وفي «المغازي» [خ¦٤١٨٨]، وأبو داود في «الحجِّ»، وكذا النَّسائيُّ وابن ماجه.
(٥٤) (بابُ مَنْ كَبَّرَ فِي نَوَاحِي الكَعْبَةِ).
١٦٠١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بميمين مفتوحتين عبد الله بن عمرٍو (٤)، المُقعَد البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ قال: (حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ)
стр. 3751
مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ) أي (١): مكةَّ (أَبَى أَنْ يَدْخُلَ البَيْتَ) أي: امتنع من دخوله (وَفِيهِ) أي: والحال أنَّ فيه (الآلِهَة) أي: الأصنام التي لأهل الجاهليَّة، وأطلق عليها الآلهة باعتبار ما كانوا يزعمون (فَأَمَرَ) ﵊ (بِهَا) أي: بالآلهة (فَأُخْرِجَتْ، فَأَخْرَجُوا صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ) ﵉ (فِي أَيْدِيهِمَا الأَزْلَامُ) جمع زَُلَمٍ -بفتح الزَّاي وضمِّها- وهي الأقلام أو القداح، وهي أعوادٌ نحتوها وكتبوا في أحدها: «افعل»، وفي الآخر: «لا تفعل»، ولا شيء في الآخر، فإذا (٢) أراد أحدهم سفرًا أو حاجةً ألقاها، فإن خرج «افعل» فعل، وإن خرج «لا تفعل» لم يفعل، وإن خرج الآخر أعاد الضَّرب حتَّى يخرج له «افعل» أو «لا تفعل»، فكانت سبعةً على صفةٍ واحدةٍ، مكتوبٌ عليها: لا، نعم، منهم، من غيرهم، مُلْصَقٌ، العقل، فضل العقل، وكانت بيد السَّادن، فإذا أرادوا خروجًا أو تزويجًا أو حاجةً ضرب السَّادن، فإن خرج «نعم» ذهب، وإن خرج «لا» كفَّ، وإن شكُّوا في نسب واحدٍ أتوا به إلى الصَّنم، فضرب بتلك الثَّلاثة التي هي: منهم، من غيرهم، مُلصَقٌ، فإن خرج «منهم» كان من أوسطهم نسبًا، وإن خرج «من غيرهم» كان حليفًا، وإن خرج «مُلْصَقٌ» لم يكن له نسبٌ ولا حلفٌ، وإذا (٣) جنى أحدٌ جنايةً واختلفوا على من العقل ضربوا، فإن خرج «العقل» على من ضُرِبَ عليه عقل وبرئ الآخرون، وكانوا إذا عقلوا العقل وفضُل الشَّيء منه واختلفوا فيه أتوا السَّادن فضرب، فعلى من وجب أدَّاه (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : قَاتَلَهُمُ اللهُ) أي: لعنهم؛ كما في «القاموس» وغيره (أَمَا) بإثبات الألف بعد الميم في «اليونينيَّة»، حرف استفتاحٍ، وفي بعض الأصول -وعزاها ابن حجرٍ للأكثر-: «أم» بحذفها للتَّخفيف (وَاللهِ قَدْ) ولأبي ذرٍّ: «لقد» بزيادة اللَّام لزيادة التَّأكيد (عَلِمُوا) أهل الجاهليَّة (أَنَّهُمَا) إبراهيم وإسماعيل (لَمْ يَسْتَقْسِمَا) أي: لم يطلبا القِسْم، أي: معرفة ما قُسِمَ لهما وما لم يُقسَم (بِهَا) أي: بالأزلام (قَطُّ) بفتح القاف وتشديد الطَّاء وتُضَمُّ (٤) القاف ويُخفَّفان، و «قطٍّ»
стр. 3752
مُشدَّدةً مجرورةً كما في «القاموس»، وقول الزَّركشيِّ: إنَّ معناها (١) هنا «أبدًا»، تعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ بأنَّ «قطُّ» مخصوصٌ باستغراق الماضي من الزَّمان، وأمَّا «أبدًا» فيُستعمَل في المستقبل؛ نحو: لا أفعل أبدًا، و ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ٥٧] (فَدَخَلَ) ﵊ (البَيْتَ، فَكَبَّرَ فِي نَوَاحِيهِ، وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ) احتجَّ المؤلِّف بحديث ابن عبَّاسٍ هذا مع كونه يرى تقديم حديث بلالٍ [خ¦١٥٩٩] في إثباته الصَّلاة فيه عليه (٢)، ولا معارضة في ذلك بالنِّسبة إلى التَّرجمة لأنَّ ابن عبَّاسٍ أثبت التَّكبير ولم يتعرَّض له بلالٌ، وبلالٌ أثبت الصَّلاة ونفاها ابن عبَّاسٍ، فاحتجَّ المؤلِّف بزيادة ابن عبَّاسٍ، وقدَّم إثبات بلالٍ على نفي غيره لأنَّه لم يكن مع النَّبيِّ ﷺ يومئذٍ، وإنَّما أسند نفيه تارةً لأسامة، وتارةً لأخيه الفضل، مع أنَّه لم يثبت أنَّ الفضل كان معهم إلَّا في روايةٍ شاذَّةٍ، وأيضًا بلالٌ مثبتٌ، فيُقدَّم على النَّافي لزيادة علمه، وقد قرَّر (٣) المؤلِّف مثل ذلك في «باب العُشر فيما يسقى من ماء السَّماء» [خ¦١٤٨٣] من «كتاب الزَّكاة».
(٥٥) هذا (٤) (بابٌ) بالتَّنوين (كَيْفَ كَانَ بَدْءُ) مشروعيَّة (الرَّمَلِ) في الطَّواف، والرَّمَل بفتح الرَّاء والميم: هو سرعة المشي مع تقارب الخُطا دون العَدْوِ والوثوب فيما قاله الشَّافعيُّ. وقال المتولِّي: تُكرَه المبالغة في الإسراع في الرَّمَل، وعند الحنفيَّة: الرَّمَل أن يهزَّ كتفيه في مشيه كالمتبختر بين الصَّفَّين.
стр. 3753
١٦٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ بمعجمةٍ ثمَّ مهملةٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -هُوَ ابْنُ زَيْدٍ- عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح المُوحَّدة الكوفيِّ الأسديِّ، قُتِل بين يدي الحجَّاج سنة خمسٍ وتسعين ومئةٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ) في عمرة القضيَّة (١) سنة سبعٍ (فَقَالَ المُشْرِكُونَ) من قريشٍ: (إنَّهُ) أي: النَّبيّ ﷺ (يَقْدَمُ) بفتح الدَّال مضارع «قدِم» بكسرها، أي: يَرِدُ (عَلَيْكُمْ، و) الحال أنَّه (قَدْ) بالقاف والدَّال (وَهَنَهُمْ) ولابن السَّكن: «(٢) قد وهنهم (٣)» بحذف حرف العطف، وهاء «وهَنهم» مفتوحةٌ، والضَّمير للصَّحابة، أي: أضعفهم (حُمَّى يَثْرِبَ) بفتح المُوحَّدة غير منصرفٍ، اسم المدينة الشَّريفة في الجاهليَّة و «حُمَّى» (٤): رُفِع على الفاعليَّة، ولأبي ذرٍّ: «إنَّه يقدم عليكم وفدٌ» بالفاء والرَّفع، فاعل «يقدم» أي: جماعةٌ، وحينئذٍ يكون قوله: «وهنهم حُمَّى يثرب» في موضع رفعٍ صفةٌ لـ «وفد»، وضمير «إنَّه» ضمير الشَّأن (فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا) بضمِّ الميم مضارع «رَمَل» بفتحها (الأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ) لِيُرِي المشركين (٥) قوَّتهم بهذا الفعل لأنَّه أقطع في تكذيبهم وأبلغ في نكايتهم؛ ولذا قالوا -كما في «مسلمٍ» -: هؤلاء الذين زعمتم أنَّ الحُمَّى وَهَنَتْهُم، هؤلاء (٦) أجلد من كذا وكذا، و «الأشواط»: جمع شَوطٍ، بفتح الشِّين، والمراد به هنا: الطَّوفة حول الكعبة -زادها الله تعالى شرفًا- وهو منصوبٌ على الظَّرفيَّة (وَ) أمرهم ﵊ (أَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ) اليمانيين حيث لا يراهم المشركون لأنَّهم كانوا ممَّا يلي الحجر من قبل قُعَيْقِعَان، وهذا منسوخٌ بما يأتي إن شاء الله تعالى.
قال ابن عبَّاسٍ: (وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ) أي: من أن يأمرهم، فحُذِف الجارُّ لعدم
стр. 3754
اللَّبس، وموضع «أن» وتاليها بعد حذفه جرٌّ أو نصبٌ؛ قولان (أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا) أي: بأن يرملوا، فحُذِف الجارُّ كذلك، أو: لا حَذْفَ أصلًا لأنَّه يُقال: أمرته بكذا أو أمرته كذا (١)، أي: لم يمنعه ﵊ أن يأمرهم بالرَّمَل في الطَّوفات كلِّها (إِلَّا الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ) بكسر الهمزة وسكون المُوحَّدة وبالقاف ممدودًا، مصدر «أبقى عليه» إذا رفق به، وهو مرفوعٌ، فاعل «لم يمنعه»، لكنَّ الإبقاء لا يناسب أن يكون هو الذي منعه من ذلك؛ إذ الإبقاء معناه الرِّفق كما في «الصِّحاح»، فلا بدَّ من تأويله بإرادةٍ ونحوها، أي: لم يمنعه من الأمر بالرَّمل (٢) في الأربعة إلَّا إرادته ﵊ الإبقاء عليهم، فلم يأمرهم به، وهم لا يفعلون شيئًا إلَّا بأمره، وقول الزَّركشيِّ -وتبعه العينيُّ كالحافظ ابن حجرٍ-: ويجوز النَّصب على أنَّه مفعولٌ لأجله، ويكون في: «يمنعهم» ضميرٌ عائدٌ إلى النَّبيِّ ﷺ هو فاعله، تعقَّبه في «المصابيح» بأنَّ تجويز (٣) النَّصب مبنيٌّ على أن يكون في لفظ حديث البخاريِّ: «لم يمنعهم» وليس كذلك، إنَّما فيه: «لم يمنعه» فرفع الإبقاء متعيِّنٌ لأنَّه الفاعل، وهذا الذي قاله الزَّركشيُّ وقع للقرطبيِّ في «شرح مسلمٍ»، وفي الحديث: «ولم يمنعهم» فجوَّز فيه الوجهين وهو ظاهرٌ، لكنَّ نقله إلى ما في البخاريِّ غير متأتٍّ.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٢٥٦]، ومسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ في «الحجِّ».
(٥٦) (بابُ اسْتِلَامِ الحَجَرِ الأَسْوَدِ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ، وَيَرْمُلُ ثَلَاثًا) أي: ثلاث مرَّاتٍ، و «أوَّلَ»: نُصِب على الظَّرفيَّة، و «الاستلام»: افتعالٌ (٤) من السِّلام -بكسر السِّين-: وهي الحجارة قاله ابن قتيبة، فلمَّا (٥) كان لمسًا للحجر قِيلَ له: استلامٌ، أو من السَّلام -بفتحها-: وهو التَّحيَّة،
стр. 3755
قاله الأزهريُّ، أي: لأنَّ ذلك الفعل سلامٌ على الحجر، وأهل اليمن يسمُّون الرُّكن الأسود: المُحيَّا، أو: هو «استلأم» مهموزٌ (١) من الملاءمة؛ وهي الاجتماع، أو: «استفعل» من اللأمة وهي الدِّرع لأنَّه إذا لمس الحجر تحصَّن بحصنٍ من العذاب كما يتحصَّن باللَّأمة من الأعداء، فإن قِيلَ: كان القياس فيه على هذا أن يكون «استلأم» لا «استلم»، أُجيب باحتمال أن يكون خُفِّف بنقل حركة الهمزة إلى اللَّام السَّاكنة قبلها، ثمُّ حُذِفت الهمزة ساكنةً قاله في «المصابيح».
١٦٠٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ) بفتح الهمزة وسكون المهملة وفتح المُوحَّدة آخره معجمةٌ في الأوَّل وبالفاء والجيم في الثَّاني ابن سعيدٍ الأمويُّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد، وفي بعضها: «أخبرنا» (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب (¬﵁¬) وعن أبيه (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ) ظرفٌ مضافٌ إلى «ما» المصدريَّة (يَخُبُّ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وضمِّ الخاء المعجمة وتشديد المُوحَّدة من الخبب: ضربٌ من العَدْوِ، أي: يرمل (ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ) الطَّوفات (السَّبْعِ) وفي بعضها: «من السَّبعة» بالتَّأنيث باعتبار الأطواف، وإذا كان المميز غير مذكورٍ جاز في العدد التَّذكير والتَّأنيث، فإن قلت: ظاهر هذا الحديث يقتضي أنَّ الرَّمَل يستوعب الطَّوفة بخلاف حديث ابن عبَّاسٍ السَّابق في الباب الذي قبله [خ¦١٦٠٢] لأنَّه صريحٌ في عدم الاستيعاب أُجيب بأنَّه ﵊ رمل في طوافه أوَّل قدومه في حجَّة الوداع من الحجر إلى الحجر ثلاثًا، ومشى أربعًا، فاستقرَّت سنَّة الرَّمَل على (٢) ذلك من الحجر إلى الحجر لأنَّه المتأخِّر من فعله ﵊.
стр. 3756
(٥٧) (بابُ) بقاء مشروعيَّة (الرَّمَلِ) في بعض الطَّواف (فِي الحَجِّ وَالعُمْرَةِ).
١٦٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ) زاد في رواية أبي ذرٍّ: «هو ابن سَلَامٍ» وبه جزم ابن السَّكن، وهو (١) في رواية الباقين غير منسوبٍ، ورجَّح أبو عليٍّ الجيَّانيُّ أنَّه ابن رافعٍ، وقِيلَ: هو البخاريُّ نفسه؛ بدليل روايته عن الرَّاوي التَّالي (قال: حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ) بضمِّ السِّين المهملة وفتح الرَّاء آخره جيمٌ الجوهريُّ البغداديُّ (قال: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام آخره حاءٌ مهملةٌ ابن سليمان (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ قَالَ: سَعَى النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ) أي: أسرع في المشي في الطَّوفات الثَّلاث الأُوَل (وَمَشَى أَرْبَعَةً فِي الحَجِّ وَالعُمْرَةِ) أي: في حجَّة الوداع وعمرة القضيَّة لأنَّ الحديبية لم يُمكَّن فيها من الطَّواف، والجعرانة لم يكن معه ابن عمر فيها، ومن ثمَّ أنكرها، والتي مع حجَّته اندرجت أفعالها فيها، فتعيَّنت عمرة القضيَّة، لكن في حديث أبي سعيدٍ عند الحاكم: «رَمَلَ رسول الله ﷺ في حجَّته وفي عُمَرِهِ كلِّها، وأبو بكرٍ، وعمر، والخلفاء».
(تَابَعَهُ) أي: تابع سُرَيجًا (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (كَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ) بفتح الفاء والقاف (٢) بينهما راءٌ ساكنةٌ (٣) و (٤) آخره مهملةٌ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ اِبْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬).
стр. 3757
١٦٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) بكسر العين قال: (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ، زاد أبو ذرٍّ: «ابن أبي كَثِيرٍ» (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) مولى عمر (عَنْ أَبِيهِ) أسلمَ (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ لِلرُّكْنِ) الأسود مخاطبًا له ليسمع الحاضرين: (أَمَا -وَاللهِ- إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ) ولغير أبي ذرٍّ: «النَّبيَّ» (¬ ﷺ اسْتَلَمَكَ مَا اسْتَلَمْتُكَ، فَاسْتَلَمَهُ) تعبُّدًا محضًا (ثُمَّ قَالَ) بعد استلامه: (فَمَا) بالفاء، ولابن عساكر: «ما» (لَنَا والرَّمَلَ؟) بالنَّصب؛ نحو: ما لك وزيدًا؟ وجواز الجرِّ في مثله مذهبٌ كوفيٌّ، ويُروَى: «ما لنا وللرَّمل» بإعادة اللَّام (إِنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا) كذا في رواية أبي ذرٍّ والأَصيليِّ بوزن «فاعلنا» بالهمز، من الرُّؤية، أي: أريناهم بذلك أنَّا أقوياء لا نعجز عن مقاومتهم ولا نضعف عن محاربتهم، وجعله ابن مالكٍ من الرِّياء الذي هو: إظهار المرائي خلاف ما هو عليه، فقال: معناه أظهرنا لهم القوَّة ونحن ضعفاء، وهو مثل قول ابن المُنيِّر في قوله: فأمرهم أن يرملوا، لم يجوِّز لهم أن يقولوا: ليس بنا حُمَّى (١)، لكن جوَّز لهم فعلًا يفهم منه من لا يعلم الباطن أنَّه ليس بهم حُمَّى وإن كان الفاهِمُ مغالطًا في فهمه لمصلحة إفحام الخصم المبطل، لكنَّ هذا الذي قالاه يحتاج إلى ثبوت نقلٍ يدلُّ عليه، وليس في الحديث ما يقتضيه، وعلى هذا فتصويب العينيِّ لقول ابن مالكٍ فيه نظرٌ. نعم وقع في رواية غير أبي ذرٍّ والأَصيليِّ هنا ما يؤيِّده حيث رُوِي: «رايينا» (بِهِ المُشْرِكِينَ) بمُثنَّاتين تحتيَّتين (٢) من غير همزٍ حملًا له على الرِّياء وإن كان أصله: «رئاءً» بهمزتين، فقُلبِت الهمزة ياءً لفتحها وكسر ما قبلها، وحمل الفعل على المصدر، وإن لم يوجد فيه الكسر؛ كما قالوا في: آخيت وأخيت (٣) حملًا على يواخي ومواخاة، والأصل: يؤاخي ومؤاخاة، فقُلِبت الهمزة واوًا لفتحها بعد ضمَّةٍ (وَقَدْ
стр. 3758
أَهْلَكَهُمُ اللهُ) فلا حاجة لنا اليوم إلى ذلك، فَهَمَّ بتركه لفقد سببه.
(ثُمَّ قَالَ) بعد أن رجع عمَّا همَّ به: هو (شَيْءٌ صَنَعَهُ النَّبِيُّ) ولأبي الوقت: «رسول الله» (¬ ﷺ فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ) لعدم اطِّلاعنا على حكمته وقصور عقولنا عن إدراك كنهه، وقد يكون فعله سببًا باعثًا على تذكُّرِ نعمة الله تعالى على إعزازه الإسلام وأهله، وزاد الإسماعيليُّ في روايته: «ثمَّ رمل» وقد أخرج المؤلِّف هذا الحديث أيضًا [خ¦١٥٩٧]، وكذا مسلمٌ والنَّسائيُّ.
١٦٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي: ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين وفتح المُوحَّدة ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر القرشيِّ المدنيِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطاب (¬﵄ قَالَ: مَا تَرَكْتُ اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ) اليمانيين (فِي شِدَّةٍ وَلَا رَخَاءٍ، مُنْذُ رَأَيْتُ النَّبِيَّ) ولأبي الوقت: «رسول الله» (¬ ﷺ يَسْتَلِمُهُمَا) قال عبيد الله: (قُلْتُ لِنَافِعٍ: أَكَانَ) بهمزة الاستفهام (ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (يَمْشِي بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ) اليمانيين؛ أي (١): ويرمل في غيرهما؟ (قَالَ) نافعٌ: (إِنَّمَا كَانَ) ابن عمر (يَمْشِي) بينهما ولا يرمل (لِيَكُونَ) ذلك (أَيْسَرَ) أي: أرفقَ (لِاسْتِلَامِهِ) أي (٢): ليقوى عليه عند الازدحام، وهذا يدلُّ على أنَّه كان يرمل في الباقي من البيت كما مرَّ، وبه يُجاب عمَّا أشار إليه الإسماعيليُّ من أنَّه لا مطابقة بين التَّرجمة والحديث؛ إذ لا ذكر للرَّمَل فيه.
(٥٨) (بابُ اسْتِلَامِ الرُّكْنِ) الأسود (بِالمِحْجَنِ) بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الجيم بعدها نونٌ: عصا محنيَّة الرَّأس، أي: يومئ إلى الرُّكن حتَّى يصيبه.
стр. 3759
١٦٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفرٍ المصريُّ المشهور بابن الطَّبرانيِّ، كان أبوه من أهل طبرستان (وَيَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) الجعفيُّ (قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين وفتح المُوحَّدة (بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بن مسعودٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ) زاد مسلمٌ من حديث أبي الطُّفيل: ويقبِّل المحجن، وهذا مذهب الشَّافعيِّ عند العجز عن الاستلام باليد، وإن استلم بيده لزحمةٍ منعته من التَّقبيل قبَّلها كما في «المجموع»، وعليه الجمهور، لكن نازع العزُّ بن جماعة في تخصيص تقبيل اليد بتعذُّر تقبيل الرُّكن، ولم يذكر في «المُحرَّر» و «المنهاج» تقبيل اليد، وعند الحنفيَّة: يضع يديه عليه ويقبِّلهما (١) عند عدم إمكان التَّقبيل، فإن لم يمكنه وضع عليه شيئًا كـ «عصًا»، فإن لم يتمكَّن من ذلك رفع يديه إلى أذنيه، وجعل باطنهما نحو الحجر مشيرًا إليه كأنَّه واضعٌ يديه (٢) عليه، وظاهرهما نحو وجهه ويقبِّلهما، وعند المالكيَّة: إن زُوحِم لَمَسه بيده أو بعودٍ، ثمَّ يضعه على فيه من غير تقبيلٍ، فإن لم يَصِلْ كبَّر إذا حاذاه، ومضى ولا يشير بيده، ومذهب الحنابلة كالشَّافعيَّة.
ورواة هذا الحديث ما بين مصريٍّ (٣) وكوفيٍّ ومدنيٍّ وأيليٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود وابن ماجه في «الحجِّ».
(تَابَعَهُ) أي: تابع يونسَ عن ابن شهابٍ عبدُ العزيز (الدَّرَاوَرْدِيُّ) بفتح الدَّال المهملة والرَّاء والواو وسكون الرَّاء وكسر الدَّال (عَنِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن عبد الله (عَنْ عَمِّهِ) محمَّد
стр. 3760
بن مسلمٍ الزُّهريِّ، وأخرجه (١) الإسماعيليُّ عن الحسن بن سفيان عن محمَّد بن عبَّادٍ عن الدَّراورديِّ فذكره، ولم يقل: حجَّة الوداع، ولا على بعيرٍ، وبقيَّة مباحث الحديث تأتي إن شاء الله.
(٥٩) (بابُ مَنْ لَمْ يَسْتَلِمْ إِلَّا الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ) الأسود والذي يليه دون الرُّكنين الشَّاميَّين، وياء «اليمانيين» مُخفَّفةٌ على المشهور لأنَّ الألف فيه عوضٌ عن ياء النَّسب، فلو شُدِّدت لزم الجمع بين العوض والمُعوَّض.
١٦٠٨ - (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) بفتح المُوحَّدة البُرْسانيُّ: بضمِّها وسكون الرَّاء وبالسِّين المهملة نسبةً إلى بُرْسان، حيٌّ من الأزد (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز ونسبه لجدِّه لشهرته به قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) بفتح العين (عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ) مُؤنَّث «الأشعث» واسمه جابر بن زيدٍ، ممَّا وصله أحمد في «مسنده» (أَنَّهُ قَالَ: وَمَنْ) استفهامٌ على جهة الإنكار التَّوبيخيِّ فلذا لم يحذف (٢) الياء بعد القاف من قوله: (يَتَّقِي) أي: لا ينبغي لأحدٍ أن يتقي (شَيْئًا مِنَ البَيْتِ؟) الحرام (وَكَانَ مُعَاوِيَةُ) ﵁، ممَّا وصله أحمد والتِّرمذيُّ والحاكم (يَسْتَلِمُ الأَرْكَانَ) الأربعة، وفي روايةٍ: «فكان معاوية» بالفاء، وحينئذٍ فتكون «من» شرطيَّةً على مذهب من لا يوجب الجزم فيه (فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّهُ لَا يُسْتَلَمُ هَذَانِ الرُّكْنَانِ) اللَّذان يليان الحجر لأنَّهما لم يُتمَّما على قواعد إبراهيم، فليسا بركنين أصليَّين، و «يُستَلم»: بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح اللَّام مبنيًّا للمفعول الغائب، و «هذان»: نائبٌ عن الفاعل، و «الرُّكنان»: صفةٌ له، والهاء في «إنَّه»: ضمير الشَّأن، وللحَمُّويي والمُستملي -كما في نسخةٍ- (٣):
стр. 3761
«لا يَستلم» بفتح المُثنَّاة (١) «هذين الرُّكنين» بالنَّصب على المفعوليَّة، والضَّمير (٢) في «إنَّه» عائدٌ على النَّبيِّ ﷺ ، وكذا فاعل «لا يستلم» ضميرٌ يعود (٣) عليه ﷺ ، وفي روايةٍ عزاها في «اليونينيَّة» لأبي ذرٍّ عن (٤) الحَمُّويي والمُستملي والأَصيليِّ: «لا تَستلمْ» بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وجزم الميم على النَّهي، وفي روايةٍ رابعةٍ: «لا نستلم» بالنُّون بدل (٥) المُثنَّاة؛ بلفظ المتكلِّم (فَقَالَ) معاوية ﵁: (لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ البَيْتِ مَهْجُورًا) ولأبي ذرٍّ: «بمهجورٍ» بالمُوحَّدة قبل الميم، وهذا أجاب عنه إمامنا الشَّافعيُّ بأنَّا لم ندع استلامهما هجرًا للبيت، وكيف نهجره ونحن نطوف به؟! ولكنَّا نتَّبع السُّنَّة فعلًا وتركًا، ولو كان ترك استلامهما هجرًا لكان ترك استلام ما بين الأركان هجرًا له، ولا قائل به، وقال الدَّاوديُّ: ظنَّ معاوية أنَّهما ركنا البيت الذي وُضِع عليه من أوَّل، وليس كذلك لِما سبق في (٦) حديث عائشة.
(وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله، ممَّا وصله ابن أبي شيبة (يَسْتَلِمُهُنَّ كُلَّهُنَّ) أي: الأربعة لأنَّه لمَّا عمَّر الكعبة أتمَّها على قواعد إبراهيم، كذا حمله ابن التِّين، فزال مانع عدم استلام الآخرين، ويؤيِّد هذا الحمل ما أخرجه الأزرقيُّ في «تاريخ مكَّة»: أنَّه لمَّا فرغ من بناء البيت وأدخل فيه من الحجر ما أخرج منه، وردَّ الرُّكنين على قواعد إبراهيم طاف للعمرة واستلم الأركان الأربعة، ولم يزل على بناء ابن الزُّبير، إذا طاف الطَّائف استلمها جميعًا حتَّى قُتِل ابن الزُّبير، ورُوِي أيضًا: أنَّ آدم لمَّا حجَّ استلم الأركان كلَّها، وكذا إبراهيم وإسماعيل.
١٦٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك قال: (حَدَّثَنَا لَيْثٌ) هو ابن سعدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب (¬﵄ قَالَ: لَمْ أَرَ
стр. 3762
النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنَ البَيْتِ إِلَّا الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ) لأنَّهما على القواعد الإبراهيميَّة، ففي الرُّكن الأسود فضيلتان: كون الحَجَر فيه، وكونه على القواعد، وفي الثَّاني: الثَّانية فقط؛ ومن ثمَّ خصَّ الأوَّل بمزيد تقبيله دون الثَّاني، وحديث ابن عبَّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قبَّل الرُّكن اليماني ووضع خدَّه عليه، رواه جماعةٌ منهم: ابن المنذر والحاكم وصحَّحه، وضعَّفه بعضهم، وعلى تقدير صحَّته: فهو محمولٌ على الحجر الأسود لأنَّ المعروف أنَّ النَّبيَّ ﷺ استلم الرُّكن اليماني فقط، وإذا استلمه قبَّل يده (١) على الأصحِّ عند الشَّافعيَّة والحنابلة ومحمَّد بن الحسن من الحنفيَّة، وهو المنصوص في «الأمِّ»، ولم يتعرَّض في «المُحرَّر» و «المنهاج» و «الحاوي الصَّغير» لتقبيل اليد، وحديث: أنَّه ﷺ استلم الحجر فقبَّله، واستلم الرُّكن اليماني فقبَّل يده، ضعَّفه البيهقيُّ وغيره، وقال المالكيَّة: يستلمه ويضع يده على فيه ولا يقبِّلها، فإن لم يستطع كبَّر إذا حاذاه ولا يشير إليه بيده، ونصَّ جماعةٌ من متأخِّري الشَّافعيَّة: أنَّه يشير إليه عند العجز عن استلامه، ولم يذكر ذلك النَّوويُّ ولا الرَّافعيُّ، وسكوتهما -كما قال العزُّ بن جماعة-: دليلٌ على عدم الاستحباب، وبه صرَّح بعض متأخِّري الشَّافعيَّة، قال: وهو الذي أَختاره لأنَّه لم يُنقَل عنه ﵊، لكن لا بأس به كتقبيل يده بعد استلامه؛ إذ إنَّهما -أي: الإشارة وتقبيل اليد بعد الاستلام (٢) - ليسا بسنَّةٍ، وكذا تقبيل (٣) الرُّكن لا بأس به كما جزم به (٤) في «الأمِّ»، واستحبَّه (٥) بعض الشَّافعيَّة، ونُقِل عن محمَّد بن الحسن.
(٦٠) (بابُ) مشروعيَّة (تَقْبِيلِ الحَجَرِ) الأسود بوضع الشَّفة عليه من غير تصويتٍ ولا تطنينٍ كما قاله الشَّافعيُّ، وروى الفاكهيُّ من طريق سعيد بن جبيرٍ قال: إذا قبَّلت الرُّكن فلا ترفع بها صوتك كقبلة النِّساء.
стр. 3763
١٦١٠ - وبه قال (١): (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر المهملة وتخفيف النُّون القطَّان الواسطيُّ، قال (٢): (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) الواسطيُّ قال: (أَخْبَرَنَا وَرْقَاءُ) مُؤنَّث الأورق قال: (أَخْبَرَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) بفتح الهمزة واللَّام والميم الحبشيُّ النَّجاريُّ (٣) بفتح المُوحَّدة والجيم مولى عمر (عَنْ أَبِيهِ) أسلم (قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ قَبَّلَ الحَجَرَ) الأسود (وَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ) فمتابعته ﵊ مشروعةٌ وإن لم يعقل معناها، لكن فيه تعظيمٌ للحجر وتبرُّكٌ به واختبارٌ ليعلم بالمشاهدة (٤) طاعة من يطيع، وذلك شبيهٌ بقصَّة إبليس حيث أُمِر بالسُّجود لآدم، مع ما ورد مرفوعًا: «أنَّه يُؤتَى به يوم القيامة وله لسانٌ ذلقٌ، يشهد لمن استلمه بالتَّوحيد».
١٦١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) زاد أبو الوقت: «ابن زيدٍ» (عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ) براءٍ مهملةٍ مفتوحةٍ بعدها مُوحَّدةٌ ثمَّ مُثنَّاةٌ تحتيَّةٌ مُشدَّدةٌ، لا الزُّبير بن عديٍّ كما سيأتي (٥) قريبًا إن شاء الله تعالى (قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ) هو الزُّبير الرَّاوي -كما عند أبي داود الطَّيالسيِّ- عن حمَّادٍ، حدَّثنا الزُّبير: سألت (ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ عَنِ اسْتِلَامِ الحَجَرِ)
стр. 3764
الأسود (فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ) بأن يمسَّه بيده (وَيُقَبِّلُهُ، قَالَ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ) ولأبي الوقت: «وقال: أرأيت» (إِنْ زُحِمْتُ) أنا؟ بضمِّ الزَّاي مبنيًّا للمفعول، وفي بعض الأصول: «إن زُوحِمت» بالواو (أَرَأَيْتَ إِنْ غُلِبْتُ) أنا؟ بضمِّ الغين مبنيًّا للمفعول، أخبرني ما أصنع؛ هل لا بدَّ من استلامي له في هذه الحالة؟ (قَالَ) ابن عمر: (اجْعَلْ) لفظ (أَرَأَيْتَ) حال كونك (بِاليَمَنِ) أي: اتَّبع السُّنَّة واترك الرَّأي، وكأنَّه فهم عنه من كثرة السُّؤال التَّدريج إلى التَّرك المؤدِّي إلى عدم الاحترام والتَّعظيم المطلوب شرعًا، ثمَّ (١) قال ابن عمر: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ) ظاهره: أنَّ ابن عمر لم ير الزِّحام عذرًا في ترك الاستلام، وروى سعيد بن منصورٍ من طريق القاسم بن محمَّدٍ قال: رأيت ابن عمر يزاحم على الرُّكن حتَّى يدمى، ونقل ابن الرِّفعة: أنَّه تُكرَه المزاحمة، قال ابن جماعة: وفي إطلاقه نظرٌ؛ فإنَّ الشَّافعيَّ قال في «الأمِّ»: إنَّه لا يحبُّ (٢) الزِّحام إلَّا في بدء الطَّواف وآخره، والذي يظهر لي أنَّه أراد الزِّحام الذي لا يؤذي، وعن عبد الرَّحمن بن الحارث قال (٣): قال رسول الله ﷺ لعمر ﵁: «يا أبا حفصٍ إنَّك رجلٌ قويٌّ، فلا تزاحم على الرُّكن؛ فإنَّك تؤذي الضَّعيف، ولكن إن وجدت خلوةً فاستلمه، وإلَّا فكبِّر وامضِ» رواه الشَّافعيُّ وأحمد وغيرهما، وهو مرُسَلٌ جيِّدٌ، ولو أُزيل الحجر -والعياذ بالله- قبَّل موضعه واستلمه، قاله الدَّارميُّ من الشَّافعيَّة.
ورواة هذا الحديث الخمسة بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة والسُّؤال، وأخرجه التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «الحجِّ»، ووقع في رواية أبي ذرٍّ عن شيوخه عن الكرخيِّ (٤) هنا: «قال محمَّد بن
стр. 3765
يوسف الفَِرَبْريِّ: وجدت في كتاب أبي جعفرٍ» محمَّد بن أبي حاتمٍ ورَّاق المؤلِّف: «قال أبو عبد الله البخاريُّ: الزُّبير بن عديٍّ» بالدَّال والمُثنَّاة «كوفيٌّ» تابعيٌّ «والزُّبير بن عربيٍّ» بالرَّاء؛ الرَّاوي هنا «بصريٌّ» تابعيٌّ أيضًا، وفيه تنبيهٌ على أنَّ ما وقع هنا عند الأَصيليِّ عن أبي أحمد الجرجانيِّ (١): «الزُّبير بن عديٍّ» بالدَّال وهمٌ، وأنَّ صوابه: «عربيٌّ» براءٍ؛ كذا رواه سائر الرُّواة عن الفَِرَبْريِّ، حكاه الجيَّانيُّ، فكأنَّ البخاريَّ استشعر هذا التَّصحيف، فأشار إلى التَّحذير منه.
(٦١) (بابُ مَنْ أَشَارَ إِلَى الرُّكْنِ) الأسود (إِذَا أَتَى عَلَيْهِ) في الطَّواف عند عجزه عن استلامه.
١٦١٢ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) بن عبيدٍ العَنَزِيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد بن الصَّلت الثَّقفيُّ البصريُّ، المُتوفَّى سنة أربعٍ وتسعين ومئةٍ، قال (٢): (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) بن مهران الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ) بن عبد الله مولى ابن عبَّاسٍ، أصله: بربريٌّ، ثقةٌ ثبتٌ عالمٌ بالتَّفسير (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ بِالبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ) ليراه النَّاس، فيُسأَل ويُقتدى بفعله (كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ) الأسود، أي: محاذيًا له (أَشَارَ إِلَيْهِ) بمحجنٍ في يده ويقبِّل المحجن -كما مرَّ- في «باب استلام الرُّكن بالمحجن» قريبًا [خ¦١٦٠٧] وكذا يشير الطَّائف بيده عند العجز لا بفمه إلى التَّقبيل، واقتصر الرَّافعيُّ في (٣) جماعةٍ على الإشارة، ولم يذكروا أنَّه يقبِّل ما أشار به، وتبعهم النَّوويُّ في «الرَّوضة» و «المنهاج»، وقال في «المجموع» و «الإيضاح» وابن الصَّلاح في «منسكه»: إنَّه يقبِّل ما أشار به، وقال الحنفيَّة: يرفع يديه إلى أذنيه ويجعل باطنهما نحو الحجر مشيرًا إليه، كأنَّه واضعٌ يديه عليه، وظاهرهما نحو وجهه ويقبِّلهما، وعند المالكيَّة: يكبِّر إذا حاذاه ويمضي ولا يشير بيده.
стр. 3766
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٦١٣] و «الطَّلاق» [خ¦٥٢٩٣]، وكذا التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ (١).
(٦٢) (بابُ) استح باب (التَّكْبِيرِ عِنْدَ الرُّكْنِ) الأسود.
١٦١٣ - وبه قال (٢): (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الطَّحَّان قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) بن مهران (الحَذَّاءُ) بالحاء المهملة والذَّال المعجمة (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ بِالبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ) الحجر الأسود، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «كلَّما أتى على الرُّكن» (أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ) أي: بمحجنٍ (كَانَ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ) أي: في (٣) كل طوفةٍ، واستحبَّ الشَّافعيُّ وأصحاب مذهبه والحنابلة أن يقول عند ابتداء الطَّواف واستلام الحجر: بسم الله والله أكبر، اللَّهمَّ إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك ووفاء بعهدك واتِّباعًا لسنَّة نبيِّك محمَّدٍ ﷺ وروى الشَّافعيُّ عن أبي نجيحٍ قال: أُخبِرت أنَّ بعض أصحاب النَّبيِّ ﷺ قال: يا رسول الله كيف نقول إذا استلمنا؟ قال: «قولوا: بسم الله والله أكبر، إيمانًا بالله وتصديقًا لإجابة (٤) محمَّدٍ ﷺ »، ولم يثبت ذلك كما قاله ابن جماعة، وصحَّ في أبي داود والنَّسائيِّ والحاكم وابن حبَّان (٥) في «صحيحيهما» أنَّه ﵊ قال بين الرُّكنين اليمانيين: «﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]»، قال ابن المنذر: لا نعلم خبرًا ثابتًا عنه ﵊ يُقال في الطَّواف غيره (٦)، ونقل الرَّافعيُّ أنَّ قراءة
стр. 3767
القرآن في الطَّواف أفضل من الدُّعاء غير المأثور، وأنَّ المأثور أفضل منها، سلَّمنا ذلك، لكن لم يثبت عنه ﵊ -كما قال ابن المنذر فيما مرَّ-إلَّا ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ … الآيةَ، وهو قرآنٌ، وإنَّما ثبت بين الرُّكنين، وحينئذٍ فيكون أفضل ما يُقال بين الرُّكنين، ويكون هو وغيره أفضل من الذِّكر والدُّعاء في باقي الطَّواف إلَّا التَّكبير عند استلام الحجر، فإنَّه أفضل تأسِّيًا به ﵊، والصَّحيح عند الحنابلة: أنَّه لا بأس بقراءة القرآن به، وجزم صاحب «الهداية» في «التَّجنيس» بأنَّ ذكر الله أفضلُ منها فيه، وكرهها المالكيَّة.
(تَابَعَهُ) أي: تابع خالدًا الطَّحَّان ممَّا وصله المؤلِّف في «الطَّلاق» [خ¦٥٢٩٣] (إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ) الهرويُّ (عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ) في التَّكبير، ونبَّه بهذه المتابعة على أنَّ روايةَ عبد الوهَّاب عن خالدٍ [خ¦١٦١٢] السَّابقة في الباب الذي قبل هذا الباب العاريةَ عن التَّكبير لا تقدح في زيادة (١) خالد بن عبد الله؛ لمتابعة إبراهيم، والله أعلم.
(٦٣) (بابُ مَنْ طَافَ بِالبَيْتِ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ) محرمًا بالعمرة (قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) سنَّة الطَّواف (ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا) للسَّعي بينها وبين المروة.
١٦١٤ - ١٦١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ) بن الفرج (عَنِ ابْنِ وَهْبٍ) عبد الله قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) بفتح العين هو ابن الحارث (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هو أبو (٢) الأسود النَّوفليُّ، يتيم عروة
стр. 3768
قال: (ذَكَرْتُ لِعُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام ما قِيل في حكم القادم إلى مكَّة، ممَّا ذكره مسلمٌ من هذا الوجه، وحذفه المؤلِّف مقتصرًا على المرفوع منه، ومُحصَّل ذلك ومعناه: أنَّ رجلًا من أهل العراق قال لأبي الأسود: سل لي عروة بن الزُّبير عن رجلٍ يهلُّ بالحجِّ، فإذا طاف بالبيت أيحلُّ -أي: دون أن يطوف بين الصَّفا والمروة- أم لا؟ قال أبو الأسود: فسألته، فقال: لا يحلُّ مَنْ أهلَّ بالحجِّ إلَّا بالحجِّ، فتصدَّى -أي: فتعرَّض لي- الرَّجل فسألني، أي: عمَّا أجاب به عروة، فحدَّثته، فقال: قل له: فإنَّ رجلًا، أي: ابن عبَّاسٍ يخبر أنَّ رسول الله ﷺ فعل ذلك؛ يعني: أَمَرَ به؛ حيث قال لمن لم يسق الهدي من أصحابه: اجعلوها عمرةً.
وعند المؤلِّف في «حجَّة الوداع» [خ¦٤٣٩٦] من حديث ابن جريجٍ عن عطاءٍ عن ابن عبَّاسٍ قال: إذا طاف بالبيت فقد حلَّ، فقلت لعطاءٍ: من أين أخذ هذا (١) ابن عبَّاسٍ؟ قال: من قول الله تعالى (٢): ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] ومن أمرِ النَّبيُّ ﷺ أصحابَه أن يحلُّوا في حجَّة الوداع، قلت: إنَّما كان ذلك بعد المُعرَّف، قال: كان (٣) ابن عبَّاسٍ يراه قبلُ وبعدُ. انتهى. قال أبو الأسود: فجئته، أي: عروة، فذكرت له ذلك؛ يعني: ما قاله الرَّجل العراقيُّ من مذهب ابن عبَّاسٍ.
(قَالَ) أي: عروة: قد حجَّ رسول الله ﷺ (فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ ﵂: أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ (٤) ﷺ أَنَّهُ تَوَضَّأَ) في موضع رفع خبر «أنَّ» من قولها: «أنَّ أوَّل شيءٍ بدأ به» (ثُمَّ طَافَ) بالبيت ولم يحلَّ من حجِّه (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ) تلك الفعلة التي فعلها ﵊ حين قدم من الطَّواف وغيره (عُمْرَةً) فعُرِف من هذا أنَّ ما ذهب إليه ابن عبَّاسٍ مخالفٌ لفعله ﵊، وأنَّ أمره ﵊ أصحابه أن يفسخوا حجَّهم فيجعلوه عمرةً خاصٌّ بهم، وأنَّ من أهلَّ بالحجِّ
стр. 3769
مفردًا لا يضرُّه الطَّواف بالبيت كما فعله ﵊، وبذلك احتجَّ عروة، وقوله: «عمرةً» بالنَّصب خبر «كان»، أو بالرَّفع -كما لأبي ذرٍّ- (١) على أنَّ «كان» تامَّةٌ، والمعنى: لم تحصل عمرةٌ.
(ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ مِثْلَهُ) أي (٢): فكان أوَّل شيءٍ بدأا به الطَّواف، ثمَّ لم تكن عمرةٌ (ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي) أي: مصاحبًا لوالدي (الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (¬﵁¬) و «الزُّبيرِ»: بالجرِّ بدلٌ من «أبي»، أو عطف بيانٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ثمَّ حججت مع ابن الزُّبير» أي: مع أخي عبد الله بن الزُّبير، قال القاضي عياضٌ: وهو تصحيفٌ (فَأَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ، ثُمَّ رَأَيْتُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ يَفْعَلُونَهُ) أي: البدء بالطَّواف (وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي) أسماء بنت أبي بكرٍ (أَنَّهَا أَهَلَّتْ هِيَ وَأُخْتُهَا) عائشةُ زوجُ النَّبيِّ ﷺ (وَالزُّبَيْرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ) أي: الحجر الأسود، وأتمُّوا طوافهم وسعيهم وحلقوا (حَلُّوا) من إحرامهم، وحُذِف المُقدَّر هنا للعلم به وعدم خفائه، فإن قلت: إنَّ عائشة في تلك الحجَّة لم تطف بالبيت لأجل حيضها، أُجيب بأنَّه محمولٌ على أنَّه (٣) أراد حجَّةً أخرى بعد النَّبيِّ ﷺ غير حجَّة الوداع.
ورواة هذا الحديث ما بين مصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار بالإفراد والعنعنة والذِّكر، وأخرجه مسلمٌ في «الحجِّ».
١٦١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) بن عبد الله الأسديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ) بفتح الضَّاد المعجمة (أَنَسٌ) هو ابن عياضٍ قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) الأسديُّ، الإمام في المغازي (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ
стр. 3770
إِذَا طَافَ فِي الحَجِّ أَوِ العُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ) بنصب «أوَّلَ» على الظَّرفيَّة (سَعَى) أي: رمل (ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعَةً) أي: أربعة أطوافٍ (ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) أي: صلَّى ركعتين للطَّواف، من باب إطلاق الجزء وإرادة الكلِّ (ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ).
١٦١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) بن حزامٍ -بالزَّاي- وهو المذكور قريبًا قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ) هو أبو ضمرة السَّابق (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين بالتَّصغير، هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب العمريِّ المدنيِّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ بِالبَيْتِ الطَّوَافَ الأَوَّلَ) الذي يعقبه السَّعي (١) لا طواف الوداع (يَخُبُّ) بضمِّ الخاء المعجمة وبالمُوحَّدة المُشدَّدة، أي: يرمل (ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَيَمْشِي أَرْبَعَةً) أي: أربعة أطوافٍ (وَأَنَّهُ) ﵊ (كَانَ يَسْعَى) أي: يسرع (بَطْنَ المَسِيلِ) أي: الوادي الذي بين الصَّفا والمروة، وهو قبل الوصول إلى الميل الأخضر المُعلَّق بركن المسجد إلى أن يحاذي الميلين الأخضرين المتقابلين، اللذين أحدهما بفناء المسجد، والآخر بدار العبَّاس، و «بطنَ»: منصوبٌ على الظَّرفيَّة، قال في «المصابيح»: ولا شكَّ أنَّه ظرف مكانٍ مُحدَّدٍ (٢)، فليس نصبه على الظَّرفيَّة بقياسٍ (إِذَا طَافَ) أي: سعى (بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ).
(٦٤) (بابُ طَوَافِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ).
стр. 3771
١٦١٨ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (وَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بسكون الميم ابن بحرٍ الباهليُّ البصريُّ؛ أي (١): من باب العرض والمذاكرة، وسقط لفظ «لي» لغير أبي ذرٍّ (٢) (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلدٍ النَّبيل البصريُّ، المُتوفَّى سنة اثنتي عشرة ومئتين (قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) بضمِّ الجيم الأولى عبد الملك، المُتوفَّى سنة خمسين ومئةٍ: (أَخْبَرَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ بالإفراد (٣)، أي: قال أبو عاصمٍ: أخبرنا ابن جريجٍ، قال -أي: ابن جريجٍ (٤) -: أخبرني؛ بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ المكِّيُّ، المُتوفَّى سنة أربع عشرة ومئةٍ (إِذْ مَنَعَ ابْنُ هِشَامٍ) في محلِّ نصبٍ، مفعولٌ ثانٍ لـ «أخبرني» أي: قال ابن جريجٍ: أخبرني عطاءٌ بزمان منع ابن هشامٍ إبراهيم، في إمرته على الحجِّ بالنَّاس من قِبَل ابن أخته هشام بن عبد الملك، أو المراد: أخوه محمَّد بن هشامٍ، وكان ابن أخته ولَّاه إمرة مكَّة، فمنع (النِّسَاءَ الطَّوَافَ مَعَ الرِّجَالِ) في وقتٍ واحدٍ، حال كونه، أي: عطاءٌ (قَالَ) فيه، أي: في زمان (٥) المنع (كَيْفَ تَمْنَعُهُنَّ) بتاء الخطاب لابن هشامٍ إبراهيم، أو أخيه محمَّدٍ، وفي بعض الأصول: «كيف يمنعهنَّ» بالغيبة، أي: كيف يمنعهنَّ مانعٌ (وَقَدْ طَافَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ الرِّجَالِ) في وقتٍ واحدٍ؟ قال ابن جريجٍ: (قُلْتُ) لعطاءٍ: (أَ) كان طوافهنَّ معهم (بَعْدَ) نزول آية (الحِجَابِ) أي: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وكان ذلك في تزويجه ﵊ بزينب بنت جحشٍ سنة خمسٍ من الهجرة أو سنة ثلاثٍ، وفي رواية غير المُستملي: «بعد الحجاب» أي:
стр. 3772
بإسقاط همزة الاستفهام (أَوْ قَبْلُ؟ قَالَ) عطاءٌ لابن جريجٍ: (إِي -لَعَمْرِي-) بكسر الهمزة وسكون الياء حرف جوابٍ؛ بمعنى: نعم، لكن يُشترَط فيه أن يكون بعد استفهامٍ (١) على رأي ابن الحاجب، وأن يكون سابقًا لقسمٍ على رأي الجميع، قال بعض المحقِّقين: ولا يكون المُقسَم به بعدها إلَّا الرَّبَّ أو «لعمري»، وعلى الجملة فقد توفَّرت الشُّروط هنا كما ترى، و «لَعَمري»: بفتح اللَّام والعين، لغةٌ في «العُمر» بضمِّ العين، يختصُّ به القسم لإيثار الأخفِّ لأنَّه كثير الدَّور (٢) على الألسنة، أي: وبقاءِ الله (لَقَدْ أَدْرَكْتُهُ) أي: طوافهنَّ معهم (بَعْدَ الحِجَابِ).
قال ابن جريجٍ: (قُلْتُ) لعطاءٍ: (كَيْفَ يُخَالِطْنَ الرِّجَالَ؟) نُصِب على المفعوليَّة، وفي بعض الأصول -وعزاه العينيُّ كابن حجرٍ للمُستملي-: «يخالطهنَّ» بالهاء بعد الطَّاء «الرِّجالُ» بالرَّفع على الفاعليَّة (قَالَ: لَمْ يَكُنَّ يُخَالِطْنَ) وللمُستملي أيضًا كالسَّابق: «يخالطهنَّ» (كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تَطُوفُ حَجْرَةً) بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم وبعد الرَّاء هاء تأنيثٍ، نُصِب على الظَّرفيَّة، أي: ناحيةً محجورةً (مِنَ الرِّجَالِ) أي: عنهم كقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللهِ﴾ [الزمر: ٢٢] أي: عن ذكر الله، قال الفرَّاء والزَّجَّاج: تقول: أتخمته من الطَّعام وعنه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «حَجْزَةً» بفتح الحاء والزَّاي المعجمة، أي: في ناحيةٍ محجوزةٍ عن الرِّجال، بحيث يُضرَب بينهم وبينها حاجزٌ يسترها عنهم (لَا تُخَالِطُهُمْ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ) معها، قِيل: كان (٣) اسمها دِقْرة -بكسر الدَّال المهملة وسكون القاف- كانت تطوف معها بالليل: (انْطَلِقِي نَسْتَلِمُْ) بالرَّفع والجزم (يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، قَالَتْ) عائشة ﵂: (عَنْكِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «قالت: انطلقي عنك» أي: عن جهة نفسك ولأجلك (وَأَبَتْ) أي: منعت عائشة الاستلام (فكُنَّ يَخْرُجْنَ) حال كونهنَّ (مُتَنَكِّرَاتٍ) في رواية عبد الرَّزَّاق: «مستتراتٍ» (بِاللَّيْلِ، فَيَطُفْنَ مَعَ الرِّجَالِ، وَلَكِنَّهُنَّ كُنَّ إِذَا دَخَلْنَ البَيْتَ) الحرام (قُمْنَ) فيه (حَتَّى يَدْخُلْنَ) وللمُستملي والحَمُّويي: «قمن حين يدخلن» (وَأُخْرِجَ الرِّجَالُ) منه، بضمِّ
стр. 3773
الهمزة مبنيًّا للمفعول، أي: إذا أردن الدُّخول وقفن قائماتٍ حتَّى يدخلن، حال كون الرِّجال مخرجين (١) منه.
قال عطاءٌ: (وَكُنْتُ آتِي عَائِشَةَ أَنَا وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ) بضمِّ العين فيهما اللَّيثيُّ قاضي مكَّة، وُلِد في الزَّمن النَّبويِّ (وَهِيَ) أي: عائشة (مُجَاوِرَةٌ) أي: مقيمةٌ (فِي جَوْفِ ثَبِيرٍ) بمُثلَّثةٍ مفتوحةٍ فمُوحَّدةٍ مكسورةٍ، منصَرِفٌ: جبلٌ عظيمٌ بالمزدلفة على يسار الذَّاهب منها إلى منًى، وعلى يمين الذَّاهب من منًى إلى عرفات، وبمكَّة خمسة جبالٍ أُخرى يقال لكلٍّ منها ثبيرٌ كما ذكره ياقوتٌ والبكريُّ، قال ابن جريجٍ: (قُلْتُ) لعطاءٍ: (وَمَا حِجَابُهَا) يومئذٍ؟ (قَالَ) عطاءٌ: (هِيَ) أي: عائشة (فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ) أي: خيمةٍ صغيرةٍ من لبودٍ تُضرَب في الأرض (لَهَا) أي: للقبَّة (غِشَاءٌ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذَلِكَ) أي: كانت محجوبةً عنَّا بهذه الخيمة (وَرَأَيْتُ عَلَيْهَا) أي: على عائشة وأنا صبيٌّ (دِرْعًا) بكسر الدَّال المهملة (مُوَرَّدًا) أي: قميصًا أحمر لونه لون الورد، ويحتمل أن يكون رأى ما (٢) عليها اتِّفاقًا لا قصدًا.
١٦١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ ابن أخت الإمام مالكٍ قال: (حَدَّثَنَا) وفي روايةٍ: «حدَّثني» (مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ) يتيم عروة (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ) ربيبة النَّبيِّ ﷺ ، وُلِدت بأرض الحبشة (عَنْ) أمِّها (أُمِّ سَلَمَةَ) هندٍ (¬﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي) أي: مرضي وإنِّي (٣) ضعيفةٌ (فَقَالَ) ﵊: (طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ) لأنَّ سنَّة النِّساء
стр. 3774
التَّباعد عن الرِّجال في الطَّواف، وبقربها يُخاف تأذِّي النَّاس بدابَّتها وقطع صفوفهم، والواو في قوله: (وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ) للحال كهي في قولها: (فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَئِذٍ) أي: حال كونه (يُصَلِّي) الصُّبح (إِلَى جَنْبِ البَيْتِ) الحرام لأنَّه أستر لها (وَهْوَ) أي: والحال أنَّه ﵊ (يَقْرَأُ) سورة (﴿وَالطُّورِ. وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ﴾) [الطور: ١ - ٢] وسبقت بقيَّة مباحث الحديث في «باب إدخال البعير في المسجد» [خ¦٤٦٤].
(٦٥) (بابُ) إباحة (الكَلَامِ) بالخير (فِي الطَّوَافِ).
١٦٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد الفرَّاء قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الصَّنعانيُّ: (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك (أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ) بن أبي مسلمٍ (الأَحْوَلُ: أَنَّ طَاوُسًا) هو ابن كيسان (أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ وَهُوَ) أي: والحال أنَّه (يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ بِإِنْسَانٍ رَبَطَ يَدَهُ إِلَى إِنْسَانٍ بِسَيْرٍ) بسينٍ مهملةٍ مفتوحةٍ ومُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ساكنةٍ: ما يُقَدُّ من الجلد، والقَدُّ: الشَّقُّ طولًا (أَوْ بِخَيْطٍ، أَوْ بِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ) كمنديلٍ ونحوه، وكأنَّ الرَّاوي لم يضبط ذلك فلذا شكَّ (فَقَطَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ) لأنَّه لم يمكن إزالة هذا المنكر إلَّا بقطعه (ثُمَّ قَالَ) ﵊ للقائد: (قُدْ بِيَدِهِ) بضمِّ القاف وإسكان الدَّال وحذف الضَّمير المنصوب، قِيل (١): وظاهره: أنَّ المقود كان ضريرًا، وأُجيب باحتمال أن يكون لمعنًى آخر، فإن قلت: ما اسم الإنسانَين المبهمَين هنا؟ أُجيب بأنَّ الطَّبرانيَّ روى من طريق فاطمة بنت مسلمٍ: حدَّثني خليفة (٢) بن بِشْرٍ عن أبيه: أنَّه أسلم، فردَّ عليه النَّبيُّ
стр. 3775
ﷺ ماله وولده، ثمَّ لقيه هو وابنه طَلْق بن بشرٍ مقترنين بحبلٍ، فقال: «ما هذا؟» قال: حلفت لئن ردَّ الله عليَّ مالي وولدي لأحجنَّ بيت (١) الله مقرونًا، فأخذ النَّبيُّ ﷺ الحبل فقطعه، وقال لهما: «حجَّا، إنَّ هذا من عمل الشَّيطان» فيمكن أن يكون المبهمان بِشْرًا وابنَه طَلْقًا (٢) المذكورين.
فإن قلت: أين دلالة الحديث على ما ترجم له؟ قلت: من قوله: ثمَّ قال: «قُدْ بيده»، فإن قلت: إنَّ الزَّركشيَّ حمله على المجاز، وقال: إنَّه قد شاع في كلامهم إجراء «قال» مُجرى «فَعَلَ» قلت: غلَّطه صاحب «المصابيح» بأنَّه صرفٌ للَّفظِ (٣) عن حقيقته، وهي (٤) الأصل بلا قرينةٍ، وقد سلَّط القول هنا على كلامٍ نطق به، وهو قوله: «قُدْ بيده»، وكأنَّ الزَّركشيَّ ظنَّ أنَّه مثل قوله: فقال بيده هكذا، وفرَّق أصابعه، وليس كذلك لوجود القرينة في هذا دون ذاك. انتهى.
وقد استحبَّ الشَّافعيَّة للطَّائف أنَّه لا يتكلَّم إلَّا بذكر الله تعالى، وأنَّه يجوز الكلام في الطَّواف ولا يبطل ولا يُكرَه، لكنَّ الأفضل تركه إلَّا أن يكون كلامًا في خيرٍ كأمرٍ بمعروفٍ أو نهيٍ عن منكرٍ، أو تعليم جاهلٍ أو جواب فتوى، وقد روى الشَّافعيُّ عن إبراهيم بن نافعٍ قال: كلَّمت طاوسًا في الطَّواف فكلَّمني، وفي التِّرمذيِّ مرفوعًا: «الطَّواف حول البيت مثل الصَّلاة إلَّا أنَّكم تتكلَّمون (٥) فيه، فمن تكلَّم فيه فلا يتكلَّم إلَّا بخير»، وفي النَّسائيِّ عن ابن عبَّاسٍ: الطَّواف بالبيت صلاةٌ، فأقلُّوا به الكلام، فليتأدَّب الطَّائف بآداب الصَّلاة خاضعًا حاضر القلب ملازم الأدب في ظاهره وباطنه، مستشعرًا بقلبه عظمة من يطوف ببيته، وليتجنَّب الحديث فيما لا فائدة فيه، لا سيَّما في مُحرَّمٍ كغيبةٍ أو نميمةٍ، وقد روينا عن
стр. 3776
وهيب بن الورد قال: كنت في الحجر تحت الميزاب، فسمعت من تحت الأستار: إلى الله أشكو وإليك يا جبريل ما ألقى من النَّاس من تفكُّههم حولي في الكلام (١)، أخرجه الأزرقيُّ وغيره.
(٦٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا رَأَى) شخصٌ (سَيْرًا) ربط به آخر وهو يُقاد به (أَوْ) رأى (شَيْئًا يُكْرَهُ) فعله، بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة مبنيًّا للمفعول، صفةٌ لـ «شيئًا»، وفي نسخةٍ: «يكرهه» أي: الرَّائي من قولٍ أو فعلٍ مُنكَرٍ (فِي الطَّوَافِ قَطَعَهُ) بلفظ الماضي، جواب «إذا» والقطع في السَّير حقيقةٌ، وفي الشَّيء المكروه فعله بمعنى المنع.
١٦٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن أبي مسلمٍ (الأَحْوَلِ، عَنْ طَاوُسٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ بِزِمَامٍ) مربوطٍ في يده، وآخر يقوده به (٢) (أَوْ غَيْرِهِ) أي: غير زمامٍ كمنديلٍ ونحوه (فَقَطَعَهُ) ﵊ بيده لأنَّ القود بالأزمَّة إنَّما يُفعَل بالبهائم، وهذا الحديث مختصرٌ من السَّابق [خ¦١٦٢٠] لكنَّه أخرجه من وجهٍ آخر.
(٦٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَلَا يَحُجُّ مُشْرِكٌ).
стр. 3777
١٦٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) المصريُّ واسم أبيه عبد الله ونسبه لجدِّه لشهرته به قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ المصريُّ (قَالَ يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد ابن مسلمٍ الزُّهريُّ (حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ بَعَثَهُ) أي: أبا هريرة سنة تسعٍ من الهجرة ليحجَّ (١) بالنَّاس (فِي الحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ) بتشديد الميم، أي: جعله (عَلَيْهِا رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أميرًا، ولغير أبي ذرٍّ: «أمَّره عليه» بالتَّذكير، أي: على أبي هريرة (قَبْلَ حَجَّةِ الوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ) بمنًى: ظرفٌ لقوله: «بعثه» (فِي) جملة (رَهْطٍ) وهو ما دون العشرة من الرِّجال، وقِيل: إلى الأربعين ولا تكون (٢) فيهم امرأةٌ (يُؤَذِّنُ) أي: يُعلِم الرَّهط، أو: أبو هريرة على الالتفات (فِي النَّاسِ) حين نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ … الآيةَ [التوبة: ٢٨] والمراد به: الحرم كلُّه.
(أَلَا) بفتح الهمزة وتخفيف اللَّام للتَّنبيه (لا يَحُجُّ) بالرَّفع، و «لا» نافيةٌ (بَعْدَ) هذا (العَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ) بالرَّفع فاعل «يطُوف»، وهو بضمِّ الطَّاء وسكون الواو مُخفَّفتين مرفوعٌ عطفًا على «يحجُّ»، وفي رواية أبي ذرٍّ: «ألَّا يحجَّ» بإسقاط «ألا» التي للتَّنبيه، وبفتح الهمزة وتشديد اللَّام ونصب «يحجُّ» بـ «أنْ»، و «لا» نافيةٌ، و «يطوفَ» نُصِب عطفًا على «يحجَّ»، ويجوز أن تكون «أن» (٣) مُخفَّفةً من الثَّقيلة، فـ «لا» نافيةٌ، و «يحجُّ» مرفوعٌ، و «يطوفُ» عُطِف عليه، وأن تكون «أن» تفسيريَّةً، فلفظة «لا» تحتمل أن تكون نافيةً وناهيةً، وعلى كونها نافيةً فرفع الفعلين لِما سبق، وعلى كونها ناهيةً فـ «يحجُّ» مجزومٌ قطعًا، لكن يجوز تحريك آخره بالفتح كغيره من المضاعف؛ نحو: لا تسبَّ فلانًا بالفتح، ويجوز الضَّمُّ فيه إتباعًا، و «يطَّوَّفُ» حينئذٍ: بتشديد الطَّاء والواو، مجزومًا وجوبًا، واحتجَّ بهذا إمامنا الشَّافعيُّ ومالكٌ
стр. 3778
وأحمد في روايةٍ عنه على اشتراط ستر العورة في الطَّواف، وعليه الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة وأحمد في روايةٍ عنه حيث جوَّزاه للعاري، لكن عليه دمٌ.
(٦٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا وَقَفَ) الطَّائف (فِي الطَّوَافِ) هل ينقطع طوافه أم لا؟ ومذهب الشَّافعيَّة -وهو الجديد-: أنَّ الموالاة بين الطَّوفات وبين أبعاض الطَّوفة الواحدة سنَّةٌ، فلو فرَّق تفريقًا كثيرًا بغير عذرٍ كُرِه ولم يبطل طوافه، ومذهب الحنابلة: وجوب الموالاة، فمن تركها عمدًا أو سهوًا لم يصحَّ طوافه إلَّا أن يقطعها لصلاةٍ حضرت أو جنازةٍ.
(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ التَّابعيُّ الكبير، ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عن ابن جريجٍ عنه (فِيمَنْ يَطُوفُ فَتُقَامُ الصَّلَاةُ) أي: المكتوبة في أثناء طوافه، يقطع طوافه كذا أطلقه الرَّافعيُّ ثمَّ النَّوويُّ، وقال الماورديُّ: فإن أُقيمت الصَّلاة قبل تمام الطَّواف فيختار أن يقطعه على وترٍ من ثلاثٍ أو خمسٍ، ولا يقطعه على شفعٍ لقوله ﵊: «إنَّ الله وترٌ يحبُّ الوتر»، فإن قطع على شفعٍ جاز (أَوْ يُدْفَعُ عَنْ مَكَانِهِ إِذَا سَلَّمَ) من صلاته (يَرْجِعُ إِلَى حَيْثُ قُطِعَ عَلَيْهِ) وزاد أبوا ذرٍّ والوقت: «فَيَبْنِي» أي: على ما مضى من طوافه مبتدئًا من الموضع الذي قطع عنده على الأصحِّ، ولا يستأنف الطَّواف، وهذا مذهب الجمهور، خلافًا للحسن حيث قال: يستأنف ولا يبني على ما مضى، وقيَّده مالكٌ بصلاة الفريضة.
(وَيُذْكَرُ نَحْوُهُ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الكاف، أي: نحو قول عطاءٍ، ممَّا وصله سعيد ابن منصورٍ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (وَ) عن (عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵃¬) ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عن ابن جريجٍ عن عطاءٍ عنه. ولو حضرت صلاة جنازةٍ وهو في أثناء الطَّواف استُحِبَّ قطعه إن كان طواف نفلٍ، وإن كان طواف فرضٍ كُرِه قطعه، ولو أحدث عمدًا لم يبطل ما مضى من طوافه على المذهب فيتوضَّأ ويبني، وقال المالكيَّة: وإن انتقض وضوءه بطل مطلقًا، وقال نافعٌ: طول القيام في الطَّواف بدعةٌ، واكتفى المؤلِّف بما ذكره إشارةً إلى أنَّه لم يجد في الباب حديثًا مرفوعًا على شرطه.
стр. 3779
(٦٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ لِسُبُوعِهِ رَكْعَتَيْنِ) بالسِّين المهملة والمُوحَّدة المضمومتين بغير همزٍ في لغةٍ قليلةٍ، أو هو جمع سُبْعٍ -بضمِّ السِّين وسكون المُوحَّدة- كبُرْدٍ وبرودٍ، وفي حاشية «الصِّحاح»: مضبوطٌ بفتح أوَّله كضَرْبٍ وضُرُوبٍ، وعلى الكلِّ فالمراد به: سبع مَّراتٍ.
(وَقَالَ نَافِعٌ) مولى ابن عمر، ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق، عن الثَّوريِّ، عن موسى بن عقبة، عن سالمٍ، عن ابن عمر: (كَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ يُصَلِّي لِكُلِّ سُبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ) وهما سَّنةٌ مؤكَّدةٌ على أصحِّ القولين عند الشَّافعيَّة، وهو مذهب الحنابلة، وأوجبهما الحنفيَّة والمالكيَّة، لكن قال الحنفيَّة: لا يُجبَران بدمٍ.
(وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ) بضمِّ الهمزة وفتح الميم ابن (١) عمْرو بن سعِيدٍ؛ بسكون الميم وكسر العين، ابن العاصي الأمويُّ المكِّيُّ (قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ، ممَّا وصله ابن أبي شيبة: (إِنَّ عَطَاءً) هو ابن أبي رباحٍ المكِّيَّ (يَقُولُ: تَُجْزِئُهُ المَكْتُوبَةُ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وبفتحها مع الهمز (٢) فيهما، أي: تكفيه الصَّلاة المفروضة (مِنْ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ) وهذا مذهب الشَّافعيَّة والحنابلة تفريعًا على أنَّهما سنَّةٌ؛ كإجزاء الفريضة عن تحيَّة المسجد، نصَّ
стр. 3780
على ذلك الشَّافعيُّ في القديم، واستبعده إمام الحرمين، والاحتياط أنَّ يصلِّيهما بعد ذلك، وعند المالكيَّة أنَّها لا تجزئ عنهما (فَقَالَ) الزُّهريُّ: (السُّنَّةُ) أي: مراعاتها (أَفْضَلُ، لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ ﷺ سُبُوعًا قَطُّ) بضمِّ السِّين من غير همزٍ (إِلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) أي: من غير الفريضة، أي: فلا تجزئ المفروضة عنهما، لكن في استدلال الزُّهريِّ بذلك نظرٌ لأنَّ قوله: «إلَّا صلى ركعتين» أعمُّ من أن يكونا نفلًا أو فرضًا لأنَّ الصُّبح ركعتان فتدخل في ذلك، لكنَّ الزُّهريَّ لا يخفى عليه ذلك، فلم يرد بقوله: «إلَّا صلَّى ركعتين» أي: من غير المكتوبة، ثمَّ إنَّ القِران بين الأسابيع خلاف الأَوْلى لأنَّه ﵊ لم يفعله، وقد قال: «خذوا عنِّي مناسككم»، وهذا قول أكثر الشَّافعيَّة وأبي يوسف ومحمَّدٍ، وأجازه الجمهور بغير كراهةٍ، وروى ابن أبي شيبة بإسنادٍ جيِّدٍ عن المسور بن مخرمة: أنَّه كان يقرن بين الأسابيع إذا طاف بعد الصُّبح والعصر، فإذا طلعت الشَّمس أو غربت صلَّى لكلِّ أسبوعٍ (١) ركعتين. وفي الجزء السَّابع من أجزاء ابن السَّمَّاك من حديث أبي هريرة بإسنادٍ ضعيفٍ: أنَّه ﷺ طاف ثلاثة أسابيع جميعًا، ثمَّ أتى المقام فصلَّى خلفه ستَّ ركعاتٍ يسلِّم من كلِّ ركعتين، وقال بعض الشَّافعيَّة: إنَّ قلنا: إن ركعتي الطَّواف واجبتان -كقول أبي حنيفة والمالكيَّة- فلا بدَّ من ركعتين لكلِّ طوافٍ، وقال الرَّافعيُّ: ركعتا الطَّواف وإن قلنا بوجوبهما فليستا بشرطٍ في صحَّة الطَّواف، لكن في تعليل بعض أصحابنا ما يقتضي اشتراطهما، وإذا (٢) قلنا بوجوبهما (٣)؛ هل يجوز فعلهما عن (٤) قعودٍ مع القدرة؟ فيه وجهان: أصحُّهما: لا، ولا تسقط بفعل فريضةٍ -كالظُّهر- إذا (٥) قلنا بالوجوب، والأصحُّ: أنَّهما سنَّةٌ كقول الجمهور.
стр. 3781
١٦٢٣ - ١٦٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين، قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (عَنْ عَمْرٍو) بسكون الميم (١) ابن دينارٍ قال: (سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄: أَيَقَعُ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ) بهمزة الاستفهام، أي: أيجامعها (فِي العُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ) أي: يسعى (بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ؟ قَالَ) ابن عمر: (قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَطَافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا، ثُمَّ صَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ. وَقَالَ) ابن عمر: (﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ﴾) خصلةٌ (﴿حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]) من حقِّها أن يُؤتَسى بها (٢) وتُتَّبَع.
(قَالَ) عمرو بن دينارٍ: (وَسَأَلْتُ (٣) جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ فَقَالَ: لَا يَقْرُبِ امْرَأَتَهُ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وضمِّ الرَّاء (٤) وكسر المُوحَّدة لالتقاء السَّاكنين، و «لا» ناهيةٌ، أي: لا يجامعها (حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ).
(٧٠) (بابُ مَنْ لَمْ يَقْرُبِ الكَعْبَةَ) بضمِّ الرَّاء وكسر (٥) الباء، أي: مَنْ لم يدنُ منها (وَلَمْ يَطُفْ) بها تطوُّعًا (حَتَّى) أي: إلى أن (يَخْرُجَ إِلَى عَرَفَةَ وَيَرْجِعَ) بالنَّصب عطفًا على «يخرَج» (بَعْدَ الطَّوَافِ الأَوَّلِ) أي: طواف القدوم، وهو (٦) مُستحَبٌّ لكلِّ قادمٍ، سواءٌ كان محرمًا أو غير محرمٍ، وليس هو من فروض الحجِّ.
стр. 3782
١٦٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) بن عليٍّ المُقدَّميُّ الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ) هو ابن سُليمان -بضمِّ الفاء والسِّين فيهما (١) - النَّمريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) الأسديُّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (كُرَيْبٌ) بضمِّ الكاف مولى ابن عبَّاسٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ، فَطَافَ) بالبيت للقدوم (وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلَمْ يَقْرَبِ) كذا في «اليونينيَّة»: بفتح الرَّاء (٢) (الكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ) هذا (بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ) خشية أن يُظَنَّ وجوبه، واجتزأ عن ذلك بما أخبرهم به من فضل الطَّواف، وليس فيه دلالةٌ لمذهب المالكيَّة أنَّ الحاجَّ يُمنَع من طواف النَّفل قبل الوقوف بعرفة (٣).
ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ وهو من أفراده، وفيه: التَّحديث والإخبار بالإفراد والعنعنة والقول.
(٧١) (بابُ مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ) حال كونه (خَارِجًا مِنَ المَسْجِدِ) الحرام؛ إذ لا يتعيَّن لهما موضعٌ بعينه، نعم فعلهما خلف المقام أفضل كما سيأتي [خ¦١٦٢٧] إن شاء الله تعالى (وَصَلَّى عُمَرُ) بن الخطَّاب (¬﵁¬) ركعتي الطَّواف بعد أن نظر فلم ير الشَّمس (خَارِجًا (٤) مِنَ الحَرَمِ) (٥) بذي طُوًى، وهذا وصله البيهقيُّ من حديث حُمَيد بن عبد الرَّحمن بن عبدٍ
стр. 3783
القاريِّ، وإنَّما فعل عمر ﵁ ذلك لكونه طاف بعد الصُّبح، وكان لا يرى النَّفل بعده مطلقًا حتَّى تطلع الشَّمس.
١٦٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن نوفل بن الأسود (١) الأسديِّ المدنيِّ يتيم عروة (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ زَيْنَبَ) بنت أبي سلمة (عَنْ) أمِّها (أُمِّ سَلَمَةَ ﵂¬) قالت: (شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ (٢) ﷺ «ح»): للتَّحويل كما مرَّ (٣)، قال المؤلِّف: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) بفتح الحاء (٤) المهملة وسكون الرَّاء آخره مُوحَّدة، قال (٥) (حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ) (٦) يحيى (الغَسَّانِيُّ) بغينٍ معجمةٍ مفتوحةٍ (٧) وسينٍ مهملةٍ مُشدَّدةٍ؛ نسبةً إلى بني غسَّان، لا بالعين المهملة والشِّين المعجمة، ولأبي ذرٍّ في «اليونينيَّة»: «العُشانِيُّ» (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وسماعُ عروةَ منها ممكنٌ فإنَّه أدرك حياتها نيِّفًا وثلاثين سنةً وهو معها في بلدٍ واحدٍ، فيحتمل أن يكون سمعه أوَّلًا من زينب عنها، ثمَّ
стр. 3784
سمعه منها، فلا يكون مرسلًا، قال في «الفتح»: وفي رواية الأَصيليِّ: عن عروة عن زينب بنت أبي سلمة عن أمِّ سلمة، فزاد في هذه الطَّريق: «عن زينب»، وقد رواه ابن السَّكن عن عليِّ بن عبد الله بن (١) مبشِّرٍ عن محمَّد بن حربٍ، لم يذكر فيه «زينب»، وهو المحفوظ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ وَهْوَ بِمَكَّةَ، وَأَرَادَ الخُرُوجَ، وَلَمْ تَكُنْ أُمُّ سَلَمَةَ) ﵂ (طَافَتْ بِالبَيْتِ) لأنَّها كانت شاكيةً (وَأَرَادَتِ الخُرُوجَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ فَطُوفِي عَلَى بَعِيرِكِ (٢)، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ) (فَفَعَلَتْ ذَلِكَ، فَلَمْ تُصَلِّ) ركعتي الطَّواف (حَتَّى خَرَجَتْ) من المسجد الحرام (٣)، أو من (٤) مكَّة ثمَّ صلَّت، فدلَّ على جواز صلاة الطَّواف خارج المسجد؛ إذ لو كان شرطًا لازمًا لمَا أقرَّها النَّبيُّ ﷺ عليه، وعلى أنَّ مَنْ نسي ركعتي الطَّواف قضاهما حيث ذكر (٥) من حلٍّ أو حرمٍ، وهو قول الجمهور، خلافًا للثَّوريِّ حيث قال: يركعهما حيث شاء ما لم يخرج من الحرم، ولمالكٍ حيث قال: إن لم يركعهما حتَّى تباعد ورجع إلى بلده فعليه دمٌ، لكن قال ابن المنذر: ليس ذاك (٦) أكبر من صلاة المكتوبة، ليس على من تركها غير قضائها حيث ذكرها.
تنبيهٌ: في قوله: «وحدَّثني محمَّد بن حربٍ … » إلى آخره؛ بعطف ذلك على سابقه، وسياقه (٧) على لفظ الرِّواية الثَّانية تجوُّزٌ؛ فإنَّ اللَّفظين مختلفان، وقد تقدَّم لفظ الرِّواية الأولى في «باب طواف النِّساء مع الرِّجال» [خ¦١٦١٩] ويأتي إن شاء الله تعالى قريبًا [خ¦١٦٣٣].
ورواة هذا الحديث ما بين مدنيٍّ وشاميٍّ، وفيه: رواية الابن عن أبيه وصحابيَّةٍ عن صحابيَّةٍ، والتَّحديث بالجمع والإفراد والإخبار والعنعنة.
стр. 3785
(٧٢) (بابُ مَنْ) أي: الذي (صَلَّى رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ خَلْفَ المَقَامِ) وهو الحجر الذي فيه أثر قدمي الخليل إبراهيم ﵇، وقد صحَّ في «البخاريِّ» وغيره: أنَّ عمر قال: يا رسول الله هذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال: «نعم» … الحديث.
١٦٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) بسكون الميم (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄¬) حال كونه (يَقُولُ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) مكَّة (فَطَافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ) سنَّة الطَّواف، وفي حديث جابرٍ الطَّويل في «صفة حجَّة الوداع» كما عند مسلمٍ: «طاف ثمَّ تلا: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فصلَّى عند المقام ركعتين» ومفهومه: أنّ الآية آمرةٌ بهما، والأمر للوجوب، وهو قولٌ عند الشَّافعيَّة، لكنَّه معارضٌ بما في حديث «الصَّحيحين» [خ¦٤٦]: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا، إلَّا أن تطوَّع»، وعلى القول بالوجوب يصحُّ الطَّواف بدونهما، ولا يُجبَر تركهما بدمٍ، خلافًا للمالكيَّة فإنَّهما يُجبَران فيما قاله سندٌ، فإن تعذَّر فعلهما خلف المقام لزحمةٍ أو غيرها صلَّاهما في الحِجر، فإن لم يفعل ففي المسجد، فإن لم يفعل ففي أيِّ موضعٍ شاء من الحرم وغيره، وقال المالكيَّة: يصلِّيهما حيث شاء من المسجد ما خلا الحجر (ثُمَّ خَرَجَ) ﵊ (إلَى الصَّفَا) للسَّعي، قال ابن عمر: (وَقَدْ قَالَ اللهُ (١) تَعَالَى) في كتابه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ﴾؛ أي (٢): قدوةٌ ﴿حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقد تقدَّم الكلام على هذا الحديث في «باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]» [خ¦٣٩٥] في أوائل «كتاب الصَّلاة».