← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

١٦٢٣ - ١٦٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين، قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (عَنْ عَمْرٍو) بسكون الميم (١) ابن دينارٍ قال: (سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄: أَيَقَعُ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ) بهمزة الاستفهام، أي: أيجامعها (فِي العُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ) أي: يسعى (بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ؟ قَالَ) ابن عمر: (قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَطَافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا، ثُمَّ صَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ. وَقَالَ) ابن عمر: (﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ﴾) خصلةٌ (﴿حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]) من حقِّها أن يُؤتَسى بها (٢) وتُتَّبَع. (قَالَ) عمرو بن دينارٍ: (وَسَأَلْتُ (٣) جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ فَقَالَ: لَا يَقْرُبِ امْرَأَتَهُ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وضمِّ الرَّاء (٤) وكسر المُوحَّدة لالتقاء السَّاكنين، و «لا» ناهيةٌ، أي: لا يجامعها (حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ). (٧٠) (بابُ مَنْ لَمْ يَقْرُبِ الكَعْبَةَ) بضمِّ الرَّاء وكسر (٥) الباء، أي: مَنْ لم يدنُ منها (وَلَمْ يَطُفْ) بها تطوُّعًا (حَتَّى) أي: إلى أن (يَخْرُجَ إِلَى عَرَفَةَ وَيَرْجِعَ) بالنَّصب عطفًا على «يخرَج» (بَعْدَ الطَّوَافِ الأَوَّلِ) أي: طواف القدوم، وهو (٦) مُستحَبٌّ لكلِّ قادمٍ، سواءٌ كان محرمًا أو غير محرمٍ، وليس هو من فروض الحجِّ.

стр. 3782

١٦٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) بن عليٍّ المُقدَّميُّ الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ) هو ابن سُليمان -بضمِّ الفاء والسِّين فيهما (١) - النَّمريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) الأسديُّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (كُرَيْبٌ) بضمِّ الكاف مولى ابن عبَّاسٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ، فَطَافَ) بالبيت للقدوم (وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلَمْ يَقْرَبِ) كذا في «اليونينيَّة»: بفتح الرَّاء (٢) (الكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ) هذا (بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ) خشية أن يُظَنَّ وجوبه، واجتزأ عن ذلك بما أخبرهم به من فضل الطَّواف، وليس فيه دلالةٌ لمذهب المالكيَّة أنَّ الحاجَّ يُمنَع من طواف النَّفل قبل الوقوف بعرفة (٣). ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ وهو من أفراده، وفيه: التَّحديث والإخبار بالإفراد والعنعنة والقول. (٧١) (بابُ مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ) حال كونه (خَارِجًا مِنَ المَسْجِدِ) الحرام؛ إذ لا يتعيَّن لهما موضعٌ بعينه، نعم فعلهما خلف المقام أفضل كما سيأتي [خ¦١٦٢٧] إن شاء الله تعالى (وَصَلَّى عُمَرُ) بن الخطَّاب (¬﵁¬) ركعتي الطَّواف بعد أن نظر فلم ير الشَّمس (خَارِجًا (٤) مِنَ الحَرَمِ) (٥) بذي طُوًى، وهذا وصله البيهقيُّ من حديث حُمَيد بن عبد الرَّحمن بن عبدٍ

стр. 3783

القاريِّ، وإنَّما فعل عمر ﵁ ذلك لكونه طاف بعد الصُّبح، وكان لا يرى النَّفل بعده مطلقًا حتَّى تطلع الشَّمس. ١٦٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن نوفل بن الأسود (١) الأسديِّ المدنيِّ يتيم عروة (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ زَيْنَبَ) بنت أبي سلمة (عَنْ) أمِّها (أُمِّ سَلَمَةَ ﵂¬) قالت: (شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ (٢) ﷺ «ح»): للتَّحويل كما مرَّ (٣)، قال المؤلِّف: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) بفتح الحاء (٤) المهملة وسكون الرَّاء آخره مُوحَّدة، قال (٥) (حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ) (٦) يحيى (الغَسَّانِيُّ) بغينٍ معجمةٍ مفتوحةٍ (٧) وسينٍ مهملةٍ مُشدَّدةٍ؛ نسبةً إلى بني غسَّان، لا بالعين المهملة والشِّين المعجمة، ولأبي ذرٍّ في «اليونينيَّة»: «العُشانِيُّ» (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وسماعُ عروةَ منها ممكنٌ فإنَّه أدرك حياتها نيِّفًا وثلاثين سنةً وهو معها في بلدٍ واحدٍ، فيحتمل أن يكون سمعه أوَّلًا من زينب عنها، ثمَّ

стр. 3784

سمعه منها، فلا يكون مرسلًا، قال في «الفتح»: وفي رواية الأَصيليِّ: عن عروة عن زينب بنت أبي سلمة عن أمِّ سلمة، فزاد في هذه الطَّريق: «عن زينب»، وقد رواه ابن السَّكن عن عليِّ بن عبد الله بن (١) مبشِّرٍ عن محمَّد بن حربٍ، لم يذكر فيه «زينب»، وهو المحفوظ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ وَهْوَ بِمَكَّةَ، وَأَرَادَ الخُرُوجَ، وَلَمْ تَكُنْ أُمُّ سَلَمَةَ) ﵂ (طَافَتْ بِالبَيْتِ) لأنَّها كانت شاكيةً (وَأَرَادَتِ الخُرُوجَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ فَطُوفِي عَلَى بَعِيرِكِ (٢)، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ) (فَفَعَلَتْ ذَلِكَ، فَلَمْ تُصَلِّ) ركعتي الطَّواف (حَتَّى خَرَجَتْ) من المسجد الحرام (٣)، أو من (٤) مكَّة ثمَّ صلَّت، فدلَّ على جواز صلاة الطَّواف خارج المسجد؛ إذ لو كان شرطًا لازمًا لمَا أقرَّها النَّبيُّ ﷺ عليه، وعلى أنَّ مَنْ نسي ركعتي الطَّواف قضاهما حيث ذكر (٥) من حلٍّ أو حرمٍ، وهو قول الجمهور، خلافًا للثَّوريِّ حيث قال: يركعهما حيث شاء ما لم يخرج من الحرم، ولمالكٍ حيث قال: إن لم يركعهما حتَّى تباعد ورجع إلى بلده فعليه دمٌ، لكن قال ابن المنذر: ليس ذاك (٦) أكبر من صلاة المكتوبة، ليس على من تركها غير قضائها حيث ذكرها. تنبيهٌ: في قوله: «وحدَّثني محمَّد بن حربٍ … » إلى آخره؛ بعطف ذلك على سابقه، وسياقه (٧) على لفظ الرِّواية الثَّانية تجوُّزٌ؛ فإنَّ اللَّفظين مختلفان، وقد تقدَّم لفظ الرِّواية الأولى في «باب طواف النِّساء مع الرِّجال» [خ¦١٦١٩] ويأتي إن شاء الله تعالى قريبًا [خ¦١٦٣٣]. ورواة هذا الحديث ما بين مدنيٍّ وشاميٍّ، وفيه: رواية الابن عن أبيه وصحابيَّةٍ عن صحابيَّةٍ، والتَّحديث بالجمع والإفراد والإخبار والعنعنة.

стр. 3785

(٧٢) (بابُ مَنْ) أي: الذي (صَلَّى رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ خَلْفَ المَقَامِ) وهو الحجر الذي فيه أثر قدمي الخليل إبراهيم ﵇، وقد صحَّ في «البخاريِّ» وغيره: أنَّ عمر قال: يا رسول الله هذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال: «نعم» … الحديث. ١٦٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) بسكون الميم (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄¬) حال كونه (يَقُولُ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) مكَّة (فَطَافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ) سنَّة الطَّواف، وفي حديث جابرٍ الطَّويل في «صفة حجَّة الوداع» كما عند مسلمٍ: «طاف ثمَّ تلا: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فصلَّى عند المقام ركعتين» ومفهومه: أنّ الآية آمرةٌ بهما، والأمر للوجوب، وهو قولٌ عند الشَّافعيَّة، لكنَّه معارضٌ بما في حديث «الصَّحيحين» [خ¦٤٦]: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا، إلَّا أن تطوَّع»، وعلى القول بالوجوب يصحُّ الطَّواف بدونهما، ولا يُجبَر تركهما بدمٍ، خلافًا للمالكيَّة فإنَّهما يُجبَران فيما قاله سندٌ، فإن تعذَّر فعلهما خلف المقام لزحمةٍ أو غيرها صلَّاهما في الحِجر، فإن لم يفعل ففي المسجد، فإن لم يفعل ففي أيِّ موضعٍ شاء من الحرم وغيره، وقال المالكيَّة: يصلِّيهما حيث شاء من المسجد ما خلا الحجر (ثُمَّ خَرَجَ) ﵊ (إلَى الصَّفَا) للسَّعي، قال ابن عمر: (وَقَدْ قَالَ اللهُ (١) تَعَالَى) في كتابه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ﴾؛ أي (٢): قدوةٌ ﴿حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقد تقدَّم الكلام على هذا الحديث في «باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]» [خ¦٣٩٥] في أوائل «كتاب الصَّلاة».

стр. 3786

(٧٣) (بابُ) حكم الصَّلاة عقب (الطَّوَافِ بَعْدَ) صلاة (الصُّبْحِ وَ) صلاة (العَصْرِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) ابن الخطَّاب (¬﵄¬) ممَّا وصله سعيد بن منصورٍ من طريق عطاءٍ (يُصَلِّي رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ) هذا جارٍ على مذهبه في اختصاص الكراهة بحال طلوع الشَّمس وحال غروبها (وَطَافَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵄ ممَّا وصله في «المُوطَّأ» (بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ) ثبت قوله: «صلاة» لأبي الوقت عن المُستملي (١)، فلمَّا قضى طوافه نظر فلم ير الشَّمس (فَرَكِبَ حَتَّى صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ) سنَّة الطَّواف (بِذِي طُوًى) بضمِّ الطَّاء المهملة (٢). ١٦٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين، ابن شقيقٍ (البَصْرِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضمِّ الزَّاي مُصغَّرًا (عَنْ حَبِيبٍ) هو المعلِّم كما جزم به المزِّيُّ (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ نَاسًا طَافُوا بِالبَيْتِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ قَعَدُوا إِلَى المُذَكِّرِ) بتشديد الكاف، أي: الواعظ (حَتَّى إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ) يعني: كان قعودهم

стр. 3787

منتهيًا إلى طلوع الشَّمس (قَامُوا يُصَلُّونَ) سنَّة الطَّواف (فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: قَعَدُوا حَتَّى إِذَا كَانَتِ السَّاعَةُ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ) أي: عند طلوع الشَّمس (قَامُوا يُصَلُّونَ) ومفهومه: أنَّها كانت تحمل النَّهي على عمومه، ويؤيِّده ما رواه عطاءٌ عنها ممَّا عند ابن أبي شيبة بإسنادٍ حسنٍ: أنَّها قالت: إذا أردت الطَّواف بالبيت بعد صلاة الفجر أو العصر فطف، وأخِّر الصَّلاة حتَّى تغيب الشَّمس أو حتَّى تطلع الشَّمس، فصلِّ (١) لكلِّ أسبوعٍ ركعتين، وهذا مذهب المالكيَّة، وقال الحنفيَّة: لا يُفعَلان في الأوقات المكروهة، فإن فُعِلا فيها صحَّت مع الكراهة. ١٦٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزاميُّ -بالزَّاي- قال: (حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ) أنس بن عياضٍ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (أَنَّ عَبْدَ اللهِ) بن عمر (¬﵁¬) وعن أبيه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) حال كونه (يَنْهَى عَنِ الصَّلَاةِ) التي لا سبب لها (عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا). ١٦٣٠ - ١٦٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ -هُوَ) ابن الصَّبَّاح (الزَّعْفَرَانِيُّ-) المُتوفَّى (٢) يوم الاثنين لثمانٍ بقين من رمضان سنة ستِّين ومئتين بعد المؤلِّف بأربع سنين قال: (حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ) بفتح العين وكسر المُوحَّدة في الأوَّل وضمِّ الحاء المهملة وفتح الميم في

стр. 3788

الثَّاني التَّميميُّ النَّحويُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ) بضمِّ الرَّاء وفتح الفاء مُصغَّرًا، الأسديُّ المكِّيُّ نزيل الكوفة (قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (¬﵄¬) حال كونه (يَطُوفُ بَعْدَ) صلاة (الفَجْرِ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) سنَّة الطَّواف. (قَالَ عَبْدُ العَزِيزِ) بن رُفَيعٍ بالسَّند المذكور: (وَرَأَيْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ، وَيُخْبِرُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ حَدَّثَتْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَدْخُلْ بَيْتَهَا إِلَّا صَلاَّهُمَا) أي: الرَّكعتين بعد العصر، وكأنَّ ابن الزُّبير استنبط جواز الصَّلاة بعد الصُّبح من جوازها بعد العصر، فكان يفعل ذلك بناءً على اعتقاده أنَّ ذلك على عمومه، ومذهب الشَّافعيَّة جواز فعل سنَّة الطَّواف في جميع الأوقات بلا كراهةٍ لحديث جُبَير بن مُطْعِمٍ مرفوعًا: «يا بني عبد منافٍ؛ من وَلِيَ من أمر النَّاس شيئًا فلا يمنعنَّ أحدًا طاف بهذا البيت وصلَّى أيَّة ساعةٍ شاء من ليلٍ أو نهارٍ» رواه الشَّافعيُّ وأصحاب السُّنن وابن خزيمة وغيره، وصحَّحه التِّرمذيُّ، وروى الدَّارقطنيُّ والبيهقيُّ حديث أبي ذرٍّ مرفوعًا: «لا يصلِّين أحدٌ بعد الصُّبح حتَّى تطلع الشَّمس، ولا بعد العصر حتَّى تغرب الشَّمس إلَّا بمكَّة» وهذا يخصُّ عموم النَّهي عن الصَّلاة في الأوقات المكروهة. (٧٤) (بابُ) حكم (المَرِيضِ) حال كونه (يَطُوفُ) بالبيت العتيق، حال كونه (رَاكِبًا).

стр. 3789

١٦٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي نسخةٍ: «حدَّثنا» (إِسْحَاقُ) زاد في بعض النُّسخ: «ابن شاهين» (الوَاسِطِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الطَّحَّان (عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ) بالذَّال المعجمة والمدِّ (١) (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ طَافَ بِالبَيْتِ، وَهْوَ عَلَى بَعِيرٍ) مؤدِّبًا، ولا كراهة في الطَّواف راكبًا من غير عذرٍ على المشهور عند الشَّافعيَّة، قاله (٢) النَّوويُّ، لكنَّه خلاف الأَوْلى، وقال الإمام بعد حكايته عدم الكراهة: وفي النَّفس من إدخال البهيمة التي لا يُؤمَن تلويثُها المسجدَ شيءٌ، فإن أمكن الاستيثاق (٣) فذاك، وإلَّا فإدخالها مكروهٌ. انتهى. وعند الحنفيَّة: أنَّ من واجبات الطَّواف المشي إلَّا من عذرٍ، حتَّى لو طاف راكبًا من غير عذرٍ لزمه (٤) الإعادة ما دام بمكَّة، وإن عاد إلى بلده لزمه الدَّم. ومذهب المالكيَّة: أنَّه لا يجوز إلَّا لعذرٍ، فإن طاف راكبًا (٥) لغير عذرٍ أعاد، إلَّا أن يرجع إلى بلده فيبعث بهديٍ، ولو طاف زحفًا مع قدرته على المشي فطوافه صحيحٌ، لكنَّه (٦) يُكرَه عند الشَّافعيَّة، وعند الحنابلة: لا شيء عليه عند العجز، فإن كان قادرًا فعليه الإعادة إن كان بمكَّة، والدَّم إن رجع إلى أهله، وكان ﵊ (كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ) أي: الحجر الأسود (أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ) الكريمة (وَكَبَّرَ). فإن قلت: من أين المطابقة بين الحديث والتَّرجمة؟ أُجيب: من حيث إنَّ المؤلِّف حمل سبب طوافه ﵊ راكبًا على أنَّه كان عن (٧) شكوى، ويؤيِّده رواية أبي داود من حديث ابن عبَّاسٍ أيضًا بلفظ: قدم ﷺ وهو يشتكي فطاف على راحلته، لكن قال العزُّ بن جماعة:

стр. 3790

ورواية من روى: «أنَّه طاف راكبًا لمرضٍ» ضعيفةٌ، قال الشَّافعيُّ: ولا أعلمه في تلك الحجَّة اشتكى، والذي يظهر أنَّ هذا الطَّواف الذي ركب فيه ﵊ هو طواف الإفاضة، كما ذكره الشَّافعيُّ في «الأمِّ» لأنَّه ﵊ طاف في حجَّة الوداع ثلاثة أسابيع؛ طوافهُ أوَّل القدوم، وقد صحَّ أنَّه ﵊ رمل فيه ومشى أربعًا، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع، والمناسب أن يكون المركوب فيه منهما طواف الإفاضة ليراه النَّاس وليسألوه (١) عن المناسك لا طواف الوداع؛ فإنَّه ﵊ طافه في السَّحر بعد أن أخذ النَّاس المناسك، فإن قلت: في «صحيح مسلمٍ» من حديث جابرٍ: أنَّه ﵊ طاف في حجَّة الوداع على راحلته بالبيت وبالصَّفا والمروة لأن يراه النَّاس ويسألوه، وسعيه في حجَّة الوداع كان مرَّةً واحدةً، وكان عقب طوافه الأوَّل؛ أُجيب بأنَّ الواو لا تقتضي التَّرتيب، فيكون طاف (٢) أوَّل قدومه ماشيًا، ثمَّ سعى راكبًا، ثمَّ طاف يوم النَّحر راكبًا. انتهى. ١٦٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميم واللَّام القعنبيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ) الأسديِّ المدنيِّ يتيم عروة (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أُمِّ سَلَمَةَ) زوج النَّبيِّ ﷺ (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي) أي: مريضة (فَقَالَ) ﵊: (طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ، فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي) الصُّبح (إِلَى جَنْبِ البَيْتِ) الحرام (وَهْوَ يَقْرَأُ بـ ﴿وَالطُّورِ. وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ﴾ [الطور: ١ - ٢]) وهذا ظاهرٌ فيما ترجم له المؤلِّف.

стр. 3791

(٧٥) (بابُ) ما جاء في (سِقَايَةِ الحَاجِّ) مصدر «سقى»، والمراد: ما كانت قريش تسقيه الحاجَّ من الزَّبيب المنبوذ في الماء، وكان يليها العبَّاس بن عبد المطَّلب بعد أبيه في الجاهليَّة، فأقرَّها النَّبيُّ ﷺ له في الإسلام، فهي حقٌّ لآل العبَّاس أبدًا. ١٦٣٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ) واسمه حُمَيدٌ الصَّيرفيُّ ابن أخت عبد الرَّحمن بن مهديٍّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ) بفتح الضَّاد المعجمة وسكون الميم، أنس بن عياضٍ اللَّيثيُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: اسْتَأْذَنَ العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى) ليلة الحادي عشر والثَّاني عشر والثَّالث عشر (مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ) أي: بسببها (فَأَذِنَ لَهُ) فيه دليلٌ على وجوب المبيت بمنًى في اللَّيالي الثَّلاث لغير معذورٍ كأهل السِّقاية إلَّا أن ينفر (١) في ثاني أيَّامها فيسقط مبيت الثَّالثة، والمراد: معظم اللَّيل؛ كما لو حلف لا يبيت بمكانٍ لا يحنث إلَّا بمبيته معظم اللَّيل، فيجب بتركه دمٌ، وفي ترك مبيت اللَّيلة الواحدة مُدٌّ، واللَّيلتين مدَّان من الطَّعام، أمَّا أهل السِّقاية -ولو كانوا غير عبَّاسيِّين- والرُّعاء فلهم ترك المبيت من غير دمٍ لأنَّه ﷺ رخَّص للعبَّاس كما مرَّ (٢)، ولرعاء الإبل -كما رواه التِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ- وقال الحنفيَّة: المبيت بمنًى سنَّةٌ لأنَّه لو كان واجبًا لما رخَّص في تركه لأهل السِّقاية، وأجابوا عن قول الشَّافعيَّة -لولا أنَّه واجبٌ لمَا احتاج إلى إذنٍ- بأنَّ مخالفة

стр. 3792

السُّنَّة عندهم كان مجانبًا جدًا، خصوصًا إذا انضمَّ إليها الانفراد عن جميع (١) النَّاس مع الرَّسول ﵊، فاستأذن لإسقاط الإساءة الكائنة بسبب عدم موافقته ﵊، لما فيه من إظهار المخالفة المستلزمة لسوء الأدب (٢)؛ إذ إنَّه ﵊ كان يبيت بمنًى ليالي أيَّام التَّشريق. ١٦٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو (٣) ابن شاهين الواسطيُّ، لا ابن بشرٍ، قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الطَّحَّان (عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ) التي يُسقَى بها الماء (٤) في الموسم وغيره (فَاسْتَسْقَى) طلبَ الشَّراب (فَقَالَ العَبَّاسُ) لولده: (يَا فَضْلُ اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ) أمِّ الفضل لبابة بنت الحارث الهلاليَّة (فَأْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا، فَقَالَ) ﷺ : (اسْقِنِي، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ، قَالَ) ﵊ تواضعًا وإرشادًا إلى أنَّ الأصل الطَّهارة والنَّظافة، حتَّى يتحقَّق أو يظنَّ ما يخالف الأصل: (اسْقِنِي) زاد الطَّبرانيُّ (٥): «ممَّا يشرب منه النَّاس» وزاد أبو عليِّ بن السَّكن في روايته: «فناوله العبَّاس الدَّلو» (فَشَرِبَ مِنْهُ) زاد الطَّبرانيُّ: فذاقه فقطَّب، ثمَّ دعا بماءٍ فكسره، ثمَّ قال: «إذا اشتدَّ نبيذكم فاكسروه بالماء» وتقطيبه ﵊ منه إنَّما كان لحموضته فقط، وكسره بالماء ليهون شربه عليه (ثُمَّ أَتَى) ﵊ (زَمْزَمَ، وَهُمْ يَسْقُونَ) النَّاس،

стр. 3793

والجملة حاليَّةٌ (وَيَعْمَلُونَ فِيهَا) أي: ينزحون منها الماء (فَقَالَ) ﵊ لهم: (اعْمَلُوا، فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ، ثُمَّ قَالَ) ﵊: (لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وفتح اللَّام مبنيًّا للمفعول، أي: لولا أن يجتمع عليكم النَّاس -إذا رأوني قد عملته- لرغَّبتهم في الاقتداء بي فيغلبوكم بالمكاثرة (لَنَزَلْتُ) عن راحلتي (حَتَّى أَضَعَ الحَبْلَ عَلَى هَذِهِ-يَعْنِي) ﵊: (عَاتِقَهُ- وَأَشَارَ) بقوله ﷺ : «هذه» (إِلَى عَاتِقِهِ) وفيه إشارةٌ إلى أنَّ السِّقايات العامَّة -كالآبار والصَّهاريج- يتناول منها الغنيُّ والفقير إلَّا أن ينصَّ على إخراج الغنيِّ لأنَّه ﷺ تناول من ذلك الشَّراب العامِّ، وهو لا يحلُّ له الصَّدقة، فيُحمَل الأمر في هذه السِّقايات على أنَّها موقوفةٌ فيه للنَّفع العامِّ، فهي للغنيِّ هديَّةٌ وللفقير صدقةٌ، وفيه أيضًا: كراهة التَّقذُّر والتَّكرُّه للمأكولات والمشروبات، وموضع التَّرجمة منه قوله: «جاء إلى السِّقاية». (٧٦) (بابُ مَا جَاءَ فِي زَمْزَمَ) بفتح الزَّايين (١) وسكون الميم الأولى، وسُمِّيت بذلك لكثرة مائها، والماء الزَّمزم: هو الكثير، وقِيل: لِزَمِّ هاجرَ ماءَها حين انفجرت، وقِيل: لزمزمة جبريل وكلامه، وتُسمَّى: الشَّبَّاعة، وبركة، ونافعة، ومضنونة، وبَرَّة، وميمونة، وكافية، وعافية، ومغذِّية،

стр. 3794

ومروية، وطعام طُعْمٍ، وشفاء سُقْمٍ، وأوَّل من أظهرها جبريل سقيًا لإسماعيل ﵉ عندما ظمئ، وحفرها الخليل ﵊ بعد جبريل فيما ذكره (١) الفاكهيُّ، ثمَّ غُيِّبت بعد ذلك لاندراس موضعها لاستخفاف جرهم بحرمة الحرم والكعبة، أو لدفنهم لها عندما نُفُوا من مكَّة، ثمَّ منحها الله تعالى عبد المطَّلب فحفرها بعد أن أُعلِمت له في المنام بعلاماتٍ استبان له بها موضعها، ولم تَزَلْ ظاهرةً إلى الآن، ولها فضائل وردت في أحاديث لم يذكر المؤلِّف شيئًا منها لكونها لم تكن على شرطه صريحًا، وفي «مسلمٍ» من حديث أبي ذرٍّ: «ماء زمزم طعامُ طُعْمٍ» وزاد الطَّيالسيُّ: «وشفاء سقمٍ»، وفي «المستدرك» من حديث ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: «ماء زمزم (٢) لما شُرِب له» وصحَّحه البيهقيُّ في «الشُّعب»، وصحَّحه ابن عُيَيْنَةَ فيما نقله ابن الجوزيِّ في «الأذكياء»، وكذا صحَّحه ابن حبَّان، ووثَّق رجاله الحافظ الدِّمياطيُّ إلَّا أنَّه اختُلِف في وصله وإرساله، قال في «الفتح»: وإرساله أصحُّ، وله شاهدٌ من حديث جابرٍ وهو أتمُّ منه، أخرجه البيهقيُّ (٣) وابن ماجه ورجاله ثقاتٌ إلَّا عبد الله بن المُؤمَّل المكِّي، فذكر العقيليُّ أنَّه تفرَّد به، لكن ورد من رواية غيره عند البيهقيِّ من طريق إبراهيم بن طهمان، ومن طريق حمزة الزَّيَّات (٤)، وبالجملة فقد ثبتت صحَّة هذا الحديث إلَّا ما قِيل: إنَّ الجارود تفرَّد عن ابن عيينة بوصله، ومثله لا يُحتَجُّ به إذا انفرد فكيف إذا خالف، وهو من رواية الحميديِّ وابن أبي عمرٍ وغيرهما ممَّن لازم ابن عيينة أكثر من الجارود فيكون أَولى، لكنَّ الذي يحتاج إليه الحكم بصحَّة المتن عن النَّبيِّ ﷺ ، ولا علينا كونه من خصوص طريقٍ بعينها، وهنا أمورٌ تدلُّ عليه؛ منها: أنَّ مثله لا مجال للرَّأي فيه فوجب كونه سماعًا، وكذا إن قلنا: العبرة في تعارض

стр. 3795

الوصل والوقف والإرسال للواصل، بعد كونه ثقةً لا الأحفظ ولا غيره، مع أنَّه قد صحَّ تصحيح نفس ابن عيينة له -كما مرَّ- وروى الدَّارقطنيُّ والبيهقيُّ مرفوعًا: «آية (١) ما بيننا وبين المنافقين أنَّهم لا يتضلَّعون من زمزم»، وقد شربه جماعةٌ من السَّلف والخلف لمآرب فنالوها، وأَولى ما يُشرَب لتحقيق التَّوحيد والموت عليه والعزَّة بطاعة الله. ١٦٣٦ - (وَقَالَ عَبْدَانُ) بفتح المهملة وسكون المُوحَّدة اسمه عبد الله بن عثمان المروزيُّ، ممَّا وصله مطوَّلًا في أوَّل «باب الصَّلاة» [خ¦٣٤٩] عن يحيى ابن بُكَيرٍ عن اللَّيث عن يونس، ويأتي في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٤٢] أتمَّ منه، ووصله الجوزقيُّ بتمامه عن الدَّغوليِّ عن محمَّد بن اللَّيث عن عبدان (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: فُرِجَ) بضمِّ الفاء وكسر الرَّاء، مُخفَّفةً، أي: فُتِح (سَقْفِي) أضافه إليه وإن كان بيت أمِّ هانئٍ لأنَّ الإضافة تكون بأدنى (٢) ملابسةٍ (وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ) غير منصرفٍ (ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ) كان هذا قبل تحريم استعمال أواني الذَّهب (مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً

стр. 3796

وَإِيمَانًا) هو من باب التَّمثيل (فَأَفْرَغَهَا) أي: الطَّست، أي: أفرغ ما فيها من الإيمان والحكمة (فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ) غطَّاه وجعله مطبقًا (ثُمَّ أَخَذَ) جبريل (بِيَدِي فَعَرَجَ) أي (١): صعد بي (إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) روى أبو جعفرٍ محمَّد بن عثمان بن أبي شيبة في «كتاب العرش» عن العبَّاس قال: قال رسول الله ﷺ : «هل تدرون كم بين السَّماء والأرض؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «بينهما خمس مئة عامٍ، وكِثَفُ كلِّ سماءٍ خمس مئة عامٍ، وفوق السَّماء السَّابعة (٢) بحرٌ، بين أسفله وأعلاه كما بين السَّماء والأرض» (قَالَ) ولأبي الوقت: «فقال»: (جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا: افْتَحْ) أي: الباب (قَالَ) الخازن: (مَنْ هَذَا) الذي يقرع الباب؟ (قَالَ: جِبْرِيلُ) وموضع التَّرجمة قوله: «ثمَّ غسله بماء زمزم» لأنَّه يدلُّ على فضل زمزم، حيث اختصَّ غسله بها دون غيرها من المياه، وقد قال شيخ الإسلام البلقينيُّ: إنَّه أفضل من الكوثر لأنَّ به غسل قلبه الشَّريف ولم يكن يُغسَل إلَّا بأفضل المياه، وقال الزَّين العراقيُّ (٣): الحكمة في غسل قلبه الشَّريف (٤) به، لأنَّ به يقوى القلب على رؤية ملكوت السَّموات والأرض والجنَّة والنَّار لأنَّ من خواصِّ ماء زمزم أنَّه يقوِّي القلب ويسكِّن الرَّوع. ١٦٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ (٥) ابْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللَّام البيكنديُّ، ولأبي ذرٍّ: «ابن سلَّامٍ»

стр. 3797

بتشديدها حيث وقع، قال: (أَخْبَرَنَا الفَزَارِيُّ) مروان بن معاوية (عَنْ عَاصِمٍ) هو ابن سليمان الأحول (عَنِ الشَّعْبِيِّ) بفتح المعجمة وسكون المهملة عامر بن شراحيل (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ حَدَّثَهُ قَالَ: سَقَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ زَمْزَمَ فَشَرِبَ، وَهُوَ قَائِمٌ) فيه: الرُّخصة في الشُّرب قائمًا، واستحباب الشُّرب من ماء زمزم، قال ابن المُنيِّر: وكأنَّه عنوانٌ عن (١) حسن العهد وكمال الشَّوق، فإنَّ العرب اعتادت الحنين إلى مناهل الأحبَّة، وموارد أهل المودَّة، وزمزم هو منهل أهل البيت، فالمحترق عليها والمتعطِّش إليها قد أقام شعار المحبَّة، وأحسن العهد للأحبَّة، ولهذا (٢) جعل التَّضلُّع منها علامةً فارقةً بين الإيمان والنِّفاق، ولله درُّ القائل: وما شرقي بالماء إلَّا تذكُّرًا … لماءٍ به أهلُ الحبيب نُزولُ وقال آخر: يقولون: مِلْحٌ ماءُ فلجةَ آجنٌ … أَجَلْ هُو مَملوحٌ إلى القلب طيِّبُ وقال آخر: بالله قولوا لنيل مصرٍ … بأنِّني عنه في غناءِ بزمزم العذب عند بيتٍ … مُعلَّق السِّتر بالوفاءِ وروى الفاكهيُّ وغيره عن ابن عبَّاسٍ: صلُّوا في مصلَّى الأخيار، واشربوا من شراب الأبرار، قِيل: وما مُصلَّى الأخيار؟ قال: تحت الميزاب، قِيل: فما شراب الأبرار؟ قال: زمزم. (قَالَ عَاصِمٌ) الأحول: (فَحَلَفَ عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاسٍ: والله (٣) (مَا كَانَ) ﷺ (يوْمَئِذٍ) أي: يوم سقاه ابن عبَّاسٍ من ماء زمزم (إِلَّا) راكبًا (عَلَى بَعِيرٍ) ولابن ماجه من هذا الوجه: قال عاصمٌ: فذكرت ذلك لعكرمة، فحلف بالله ما فعل، أي: ما شرب قائمًا لأنَّه حينئذٍ كان راكبًا،

стр. 3798

لكن عند أبي داود من رواية عكرمة عن ابن عبَّاسٍ: أنَّه أناخ فصلَّى ركعتين، فلعلَّ شربه من ماء زمزم كان بعد ذلك، ولعلَّ عكرمة إنَّما أنكر شربه قائمًا لنهيه عنه، لكن ثبت عن عليٍّ عند البخاريِّ [خ¦٥٦١٥]: أنَّه ﷺ شرب قائمًا، فيُحمَل على بيان الجواز، قاله في «فتح الباري». وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأشربة» [خ¦٥٦١٧]، وكذا التِّرمذيُّ. (٧٧) (بابُ طَوَافِ القَارِنِ) هل يكفيه طوافٌ واحدٌ أو لابدَّ من طوافين؟ خلافٌ يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. ١٦٣٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ (١) الزُّهريِّ (٢) (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) قالت: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ) سنة عشرٍ، وسُمِّيت بذلك لأنَّه ﵊ ودَّع النَّاس فيها، ولم يحجَّ بعد الهجرة غيرها (فَأَهْلَلْنَا) أحرمنا (بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ) ﵊: (مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالحَجِّ وَالعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلَّ) بالنَّصب، ولغير أبي ذرٍّ: «لا يحلُّ» بالرَّفع (حَتَّى يَحِلَّ

стр. 3799

مِنْهُمَا) أي: من الحجِّ والعمرة لأنَّ القارن يعمل عملًا واحدًا كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى. قالت عائشة: (فَقَدِمْتُ مَكَّةَ، وَأَنَا حَائِضٌ، فَلَمَّا قَضَيْنَا حَجَّنَا (١)) أي: بعد أن طهرت وطفت (أَرْسَلَنِي مَعَ) أخي (عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ) أدنى الحلِّ إلى الحرم، وإنَّما أرسلها إلى التَّنعيم لأنَّ العمرة كالحجِّ، لا بدَّ أن يجمع فيها بين الحلِّ والحرم (فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ ﷺ : هَذِهِ) العمرة (مَكَانَ عُمْرَتِكِ) بنصب «مكانَ» على الظَّرفيَّة، أي: بدل عمرتك التي أردت أن تأتي بها مفردةً، لا أنَّها قضاءٌ عن التي كانت أحرمت بها (فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالعُمْرَةِ) وحدها متمتِّعين وسعوا (ثُمَّ حَلُّوا) لم يفرِّق بين من معه الهدي ومن ليس معه، وقال أبو حنيفة: من كان معه الهدي لا يحلُّ من عمرته، ويبقى على إحرامه حتَّى يحجَّ وينحر هديه يوم النَّحر (ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ) للحجِّ (بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ) وهم الذين كان معهم الهدي (طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا) بغير فاءٍ في «طافوا» الذي هو جواب «أمَّا»، لكن صرَّح النُّحاة بلزوم إثباتها فيه نحو قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦] إلَّا في ضرورة الشَّعر كقوله: فأمَّا القتالُ لا قتالَ لديكم … ولكنَّ سيرًا في عِراض المواكبِ وأمَّا حذفها في (٢) قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم﴾ [آل عمران: ١٠٦] فالأصل: فيُقال لهم: أكفرتم، فحذف القول استغناءً عنه (٣) بالمقول، فتبعته الفاء في الحذف، ورُبَّ شيءٍ يصحُّ تبعًا ولا يصحُّ استقلالًا كالحاجِّ عن غيره يصلِّي عنه ركعتي الطَّواف، ولو صلَّى أحدٌ عن غيره ابتداءً (٤) لم يصحَّ على الصَّحيح، قاله ابن هشامٍ. وتَلخَّص منه: أنَّ الفاء لا تُحذَف في غير الضَّرورة إلَّا مع القول، وعُورِض بأنَّه ثبت في «الصَّحيح» [خ¦٢١٦٨]: أنَّه ﵊ قال: «أمَّا بعد، ما بال رجالٍ يشترطون شروطًا؟» وأُجيب بأنَّه يجوز أن يكون هذا الحديث ممَّا حُذِف فيه الفاء تبعًا للقول،

стр. 3800

والتَّقدير: فأقول: ما بال رجالٍ؟ فالأَولى: النَّقض بما وقع هنا في حديث عائشة: وأمَّا الذين جمعوا بين الحجِّ والعمرة طافوا، وبقوله ﵊: [خ¦١٥٥٥] «أمَّا موسى كأنِّي أنظر إليه إذ ينحدر في الوادي»، ولذا قال ابن مالكٍ في «التَّسهيل»: ولا بدَّ مع «أمَّا» من ذكر الفاء إلَّا في ضرورةٍ أو ندورٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فإنَّما طافوا» فأُتِي بالفاء قبل «إنَّما» في جواب «أمَّا»، وفي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ القارن يجزيه طوافٌ واحدٌ، وهو مذهب مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمد والجمهور، وكذا يجزيه سعيٌ واحدٌ، وقال أبو حنيفة في آخرين: عليه طوافان وسعيان، واستدلَّ لذلك في «فتح القدير» (١): بما رواه النَّسائيُّ في «سننه الكبرى» (٢) عن حمَّاد بن عبد الرَّحمن الأنصاريِّ، عن إبراهيم بن محمَّد ابن الحنفيَّة قال: طفت مع أبي وقد جمع الحجَّ والعمرة، فطاف لهما طوافين وسعى سعيين، وحدَّثني أنَّ عليًّا ﵁ فعل ذلك. وحدَّثه أنَّ رسول الله ﷺ فعل ذلك، قال العلَّامة ابن الهُمَام: وحمَّادٌ هذا وإن ضعَّفه الأزديُّ فقد ذكره ابن حبَّان في «الثِّقات»، فلا ينزل حديثه عن درجة الحسن، مع أنَّه روى عن عليٍّ بطرقٍ كثيرةٍ مُضعَّفةٍ ترتقي إلى الحسن، غير أنَّا تركناها واقتصرنا على ما هو الحجَّة بنفسه بلا ضمٍّ، قال: ورواه الشَّافعيُّ بسندٍ فيه مجهولٌ، وقال: معناه: أنَّه يطوف بالبيت حين يقدم، وبالصَّفا والمروة، ثمَّ يطوف بالبيت للزِّيارة. انتهى. وهو صريحٌ في مخالفة النَّصِّ عن عليٍّ، وقول ابن المنذر: -ولو كان ثابتًا عن عليٍّ كان قول رسول الله ﷺ أَولى: «من أحرم بالحجِّ والعمرة أجزأه عنهما طوافٌ واحدٌ وسعيٌ واحدٌ» - مدفوعٌ (٣) بأنَّ عليًّا رفعه إلى رسول الله ﷺ كما أسمعناك، فوقعت المعارضة، وكانت هذه الرِّواية أقيس بأصول الشَّرع فرجحت، وقد استقرَّ في الشَّرع أنَّ من ضمَّ عبادةً إلى أخرى أنَّه يفعل أركان كلٍّ منهما، والله أعلم بحقيقة الحال. انتهى. ولا ريب أنَّ العمل بما في «صحيح البخاريِّ» (٤) أَولى من حديثٍ لم يكن على رسم الصَّحيح على ما لا يخفى، وقد روى مسلمٌ من طريق أبي (٥) الزُّبير: أنَّه سمع جابر بن عبد الله

стр. 3801

يقول: لم يطف النَّبيُّ ﷺ ولا أصحابه بين الصَّفا والمروة إلَّا طوافًا واحدًا، ومن طريق طاوسٍ عن عائشة ﵂: أنَّه ﷺ قال لها: «يسعك طوافك لحجِّك وعمرتك»، وهذا صريحٌ في الإجزاء وإن كان العلماء اختلفوا فيما كانت عائشة مُحرِمةً به، وقال عبد الرَّزَّاق عن سفيان الثَّوريِّ عن سلمة بن كُهَيْلٍ قال: حلف طاوسٌ؛ ما طاف أحدٌ من أصحاب النَّبيِّ ﷺ لحجَّته وعمرته إلَّا طوافًا واحدًا، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذا إسنادٌ صحيحٌ. وحديث الباب مضى في «باب كيف تهلُّ الحائض والنُّفساء؟» [خ¦٣١٩] وموضع التَّرجمة منه قوله: «وأمَّا الذين جمعوا بين الحجِّ والعمرة» لأنَّه هو القارن. ١٦٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الدَّورقيُّ نسبةً للبس القلانس الدَّورقيَّة، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ) هو إسماعيل، و «عُلَيَّة» (١) -بضمِّ العين المهملة وفتح اللَّام وتشديد التَّحتيَّة- هو اسم أمِّه، واسم أبيه إبراهيم بن مِقْسمٍ (٢) (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر بن الخطَّاب: (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ دَخَلَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَظَهْرُهُ) بالرَّفع مبتدأٌ، خبره قوله: (فِي الدَّارِ) والجملة حاليَّةٌ، والضَّمير في «ظهرُهُ» لابن عمر، والمراد بالظَّهر مركوبُه من الإبل، وكان ابن عمر قد عزم على الحجِّ وأحضر مركوبه ليركب عليه ويتوجَّه (فَقَالَ) له ابنه عبد الله: (إِنِّي لَا آمَنُ) بمدِّ الهمزة وفتح الميم مُخفَّفةً، وللمُستملي فيما ذكره الحافظ ابن حجرٍ: «لا (٣) إِيمَنُ» بكسر الهمزة وفتح الميم، وهي لغة تميمٍ، فإنَّهم يكسرون

стр. 3802

الهمزة في أوَّل مستقبل ماضيه على «فعِل» بالكسر، ولا يكسرون إذا كان ماضيه بالفتح إلَّا أن يكون فيه حرف حلقٍ؛ نحو: اِذهب، والمعنى: أخاف (أَنْ يَكُونَ العَامَ) نُصِبَ على الظَّرفيَّة، أي: في هذا العام (بَيْنَ النَّاسِ قِتَالٌ) بالرَّفع فاعلُ «يكون»، وهي هنا تامَّةٌ، والظَّرف متعلِّقٌ بها، وكذا «بين النَّاس» (فَيَصُدُّوكَ عَنِ البَيْتِ، فَلَوْ أَقَمْتَ) هذه السَّنة وتركت الحجَّ لكان خيرًا؛ لعدم الأمن، فجواب الشَّرط محذوفٌ، ويحتمل أن تكون «لو» للتَّمنِّي فلا تحتاج (١) إلى جوابٍ (فَقَالَ) عبد الله بن عمر لابنه عبد الله: (قَدْ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) يوم الاثنين في (٢) هلال ذي القعدة سنة ستٍّ من الهجرة للعمرة حتَّى نزل بالحديبية (فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ البَيْتِ) فتحلَّل بأن خرج من النُّسك بالذَّبح والحلق، أي: مع النِّيَّة فيهما (فَإِنْ حِيلَ) بكسر الحاء المهملة بلفظ الماضي (بَيْنِي وَبَيْنَهُ) أي: البيت (أَفْعَلُْ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) من التَّحلُّل حيث منعوه من دخول مكَّة، و «أفعلُ»: بالرَّفع -كما في «اليونينيَّة» - على تقدير: أنا، وبالجزم على أنَّه جزاءٌ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فإن يُحَلْ» بضمِّ الياء وفتح الحاء وسكون اللَّام مبنيًّا للمفعول، فـ «أفعلْ» جزمٌ فقط (﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]) خصلةٌ حسنةٌ من حقِّها أن يُؤتَسى بها، وهو في نفسه قدوةٌ حسنةٌ فحَسُن التَّأسِّي به؛ كقوله (٣): في البيضة عشرون مَنًّا حديدًا، أي: هي في نفسها هذا القدر من الحديد (ثُمَّ قَالَ) أي: عبد الله بن عمر: (أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ مَعَ عُمْرَتِي حَجًّا) بالتَّذكير في الأخير، ولم يكتف بالنِّيَّة، بل أراد الإعلام لمن يريد الاقتداء به. (قَالَ) عبد الله بن عبد الله بن عمر: (ثُمَّ قَدِمَ) أي: أبي عبد الله مكَّة من منًى بعد الوقوف بعرفات (فَطَافَ لَهُمَا) أي: للحجِّ والعمرة (طَوَافًا وَاحِدًا) بعد الوقوف بعرفة، وهذا موضع التَّرجمة، وحمله القائلون بطوافين وسعيين للقارن على أنَّ المراد بقوله: «طوافًا واحدًا» أي: طاف لكلٍّ منهما طوافًا يشبه الطَّواف الذي للآخر، ولا يخفى ما في ذلك، وقد روى سعيد بن منصورٍ عن نافعٍ، عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «من جمع بين الحجِّ والعمرة كفاه لهما طوافٌ واحدٌ وسعيٌ واحدٌ» فهذا صريحٌ في (٤) المراد.

стр. 3803

وحديث الباب أخرجه أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٧٠٨]، وكذا مسلمٌ. ١٦٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَرَادَ الحَجَّ عَامَ نَزَلَ) أي (١): في عام نزل (الحَجَّاجُ) بن يوسف الثَّقفيُّ (بِابْنِ الزُّبَيرِ) ملتبسًا (٢) به على وجه المقاتلة بمكَّة، وذلك أنَّه لمَّا مات معاوية بن يزيد بن معاوية، ولم يكن استخلف بقي النَّاس بلا خليفةٍ شهرين وأيَّامًا، فاجتمع رأي أهل الحلِّ والعقد من أهل مكَّة فبايعوا عبدَ الله بن الزُّبير، وبايع أهل الشَّام ومصر مروان بن الحكم، ثمَّ لم يزل الأمر كذلك إلى أن تُوفِّي مروان ووُلِّي ابنه عبد الملك، فمنعَ النَّاسَ الحجَّ خوفًا أن يبايعوا ابن الزُّبير، ثمَّ بعث جيشًا أمَّر عليه الحجَّاج، فقدم مكَّة، وأقام الحصار من أوَّل شعبان سنة اثنتين وسبعين بأهل مكَّة إلى أن غلب عليهم، وقتل ابن الزُّبير وصلبه. (فَقِيلَ لَهُ) أي (٣): لابن عمر، والقائل له ابناه عبد الله وسالمٌ كما في «مسلمٍ»: (إِنَّ النَّاسَ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ) برفع «قتالٌ» فاعلٌ، ويجوز النَّصب على التَّمييز، والجملة في موضع رفع خبر «إنَّ» (وَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ) عن البيت (فَقَالَ) ابن عمر: (﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] إِذن أَصْنَعَ) نُصِب بـ «إذًا»، وهي حرف جزاءٍ وجوابٍ، وقِيل: اسمٌ، والأصل في: إذًا أكرمك: إذا جئتني أكرمك، ثمَّ حُذِفت الجملة وعُوِّض التَّنوين عنها وأُضمِرت «أن»، وعلى الأوَّل: فالأصحُّ أنَّها بسيطةٌ لا مُركَّبةٌ من «إذ» و «أن»، وعلى البساطة: فالصَّحيح أنَّها النَّاصبة لا «أن» مضمرةٌ بعدها، وتنصب المضارع بشروطٍ: أن تكون مُصدَّرةً،

стр. 3804

وأن يكون الفعل متَّصلًا بها أو منفصلًا بقَسَمٍ، وأن يكون مستقبلًا، يُقال: سآتيك غدًا، فتقول: إذًا أكرمك وإذًا والله أكرمك، فتنصب فيهما، وترفع وجوبًا إن قلت: أنا إذًا أكرمُك، لعدم تصدُّرها، وإذًا -يا عبد الله- أكرمُك للفصل بغير القسم، أو حدَّثك إنسانٌ حديثًا فقلت: إذًا تصدق لعدم الاستقبال، وقد ظهر ممَّا ذُكِر: أنَّ «أصنعَ» هنا منصوبٌ لأنَّ إذن مُصدَّرةٌ و «أصنعَ» متَّصلٌ بها مستقبلٌ، وأنَّ قول العينيِّ: إذا كان فعلها مستقبلًا وجب الرَّفع -كما هو (١) هنا- سهوٌ أو سبق (٢) قلمٍ، والمعنى: إن صُدِدت عن البيت أصنع (كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) من التَّحلُّل حين حُصِر بالحديبية (إِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً) كما أوجبها النَّبيُّ ﷺ في قصَّة الحديبية (ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إِذَا (٣) كَانَ بِظَاهِرِ البَيْدَاءِ) موضعٌ بين مكَّة والمدينة قدَّام ذي الحليفة (قَالَ: مَا شَأْنُ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ إِلَّا وَاحِدٌ) بالرَّفع، أي: واحدٌ في حكم الحصر، وإنَّه إذا كان التَّحلُّل للحصر جائزًا (٤) في العمرة -مع أنَّها غير محدودةٍ بوقتٍ- فهو في الحجِّ أجوز، وفيه: العمل بالقياس (أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجًّا مَعَ عُمْرَتِي، وَأَهْدَى) بفتح الهمزة فعلٌ ماضٍ من الإهداء (هَدْيًا اشْتَرَاهُ بِقُدَيْدٍ) بقافٍ مضمومةٍ ودالين مهملتين بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ مُصغَّرًا: موضعٌ قريبٌ من الجحفة، زاد في «باب من اشترى هديه من الطَّريق وقلَّده» [خ¦١٧٠٨]: حتَّى قدم، فطاف بالبيت وبالصَّفا؛ أي (٥): إلى أن قدم مكَّة فطاف بالبيت (٦) للقدوم وبالصَّفا (وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمْ يَنْحَرْ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ) أي: حرم من أفعاله، وهي المُحرَّمات السَّبع (وَلَمْ يَحْلِقْ وَلَمْ يُقَصِّرْ حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ، فَنَحَرَ وَحَلَقَ، وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى) أي: أدَّى (طَوَافَ الحَجِّ، وَالعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الأَوَّلِ) الذي طافه يوم النَّحر للإفاضة بعد الوقوف بعرفة، فهو مراده (٧) بـ «الأوَّل»، قال في «اللَّامع»: لأنَّ «أوَّل» (٨)

стр. 3805

لا يحتاج أن يكون بعده شيءٌ، فلو قال: أوَّل عبدٍ يدخل فهو حرٌّ فلم يدخل إلَّا واحدٌ عُتِق، والمراد: أنَّه لم يجعل للقِران طوافين بل اكتفى بواحدٍ، وهو مذهب الشَّافعيِّ وغيره خلافًا للحنفيَّة، وقال بعضهم: المراد بالطَّواف الأوَّل: الطَّواف بين الصَّفا والمروة، وأمَّا الطَّواف بالبيت -وهو طواف الإفاضة- فهو ركنٌ، فلا يُكتفَى عنه بطواف القدوم في القران ولا في الإفراد (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) وهذا موضع التَّرجمة. (٧٨) (بابُ الطَّوَافِ عَلَى وُضُوءٍ) وهو شرطٌ عند الجمهور، لا يصحُّ الطَّواف بدونه كالطَّهارة من الخبث وستر العورة لحديث التِّرمذيِّ: «الطَّواف بالبيت صلاةٌ»، فيدلُّ على اشتراط ما ذُكِر فيه لأنَّه شبَّهه بها، وليس بين ذاتيهما شيءٌ من المشابهة لأنَّ ذات الطَّواف -وهو الدَّوران- ممَّا تنتفي به ذات الصَّلاة، فيكون المراد أنَّ (١) حكمه حكم الصَّلاة، ومن حكمها عدمُ الاعتداد بدون الطَّهارة، وقال الحنفيَّة: وتجب الطَّهارة عن الحدثين والحيض والنِّفاس للطَّواف في الأصحِّ، وليست بشرطٍ للجواز ولا فرضٍ، بل واجبةٌ، حتَّى يجوز الطَّواف بدونها ويقع مُعتدًّا به، ولكن يكون مسيئًا وتجب الفدية، فإن طاف للقدوم أو للصَّدر محدثًا تجب صدقةٌ، وجنبًا دمٌ، وللزِّيارة محدثًا دمٌ، وجنبًا بدنةٌ، وتُستحَبُّ الإعادة مادام بمكَّة في الحدث، وتجب في الجنابة، حتَّى إذا رجع إلى أهله فعليه أن يعود إلى مكَّة بإحرامٍ جديدٍ.

стр. 3806

١٦٤١ - ١٦٤٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) التُّسْتَريُّ المصريُّ الأصل، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ) بفتح العين وسكون الميم (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ القُرَشِيِّ: أَنَّهُ سَأَلَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام، حذف المؤلِّف المسؤولَ عنه، وقد بيَّنه مسلمٌ فقال: إنَّ رجلًا من العراق قال لي: سل عروة عن رجلٍ يهلُّ بالحجِّ، فإذا طاف أيحلُّ (١) أم لا؟ فإن قال لك: لا يحلُّ فقل له: إنَّ رجلًا يقول ذلك، فسألته فقال: لا يحلُّ من أهلَّ بالحجِّ إلَّا بالحجِّ، قلت: فإنَّ رجلًا كان يقول ذلك، قال: بئسما قال، فتصدَّى لي الرَّجل فسألني فحدَّثته قال: فقل له: إنَّ رجلًا كان يخبر: أنَّ رسول الله ﷺ قد فعل ذلك، وما شأن أسماء والزُّبير فعلا ذلك؟ فجئت عروة، فذكرت له ذلك، فقال: من هذا؟ فقلت (٢): لا أدري، فقال: ما باله لا يأتيني بنفسه يسألني، أظنُّه عراقيًّا، قلت: لا أدري، قال: فإنَّه قد كذب (فَقَالَ: قَدْ) ضُبِّب في «اليونينيَّة» على لفظ: «قد» (٣) (حَجَّ النَّبيُّ (٤) ﷺ ، فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ ﵂¬) الفاء في «فأخبرتني» كالتَّفصيل للمجمل؛ يعني: فأخبر عروة: أنَّ النَّبيِّ ﷺ قد حجَّ، ثمَّ فصَّله بإخبار عائشة (أَنَّ (٥) أَوَّل شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ) مكَّة (أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالبَيْتِ) ليس فيه دلالةٌ على اشتراط الوضوء إلَّا إذا انضمَّ إليه قوله ﷺ : «خذوا عنِّي مناسككم» المرويُّ في «مسلمٍ» (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةًٌ) بالرَّفع على أنَّ «كان» تامَّةٌ، أي: لم توجد بعد الطَّواف عمرةٌ، ولغير أبي ذرٍّ: «عمرةً» بالنَّصب على أنَّها ناقصةٌ (ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (¬﵁، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالبَيْتِ) بنصب «أوَّلَ» خبر «كان»، ورفع «الطَّوافُ» اسمها (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةًٌ) بعد

стр. 3807

الطَّواف، و «عمرةًٌ»: بالرَّفع والنَّصب (ثُمَّ) حجَّ (عُمَرُ) بن الخطَّاب (¬﵁ مِثْلُ ذَلِكَ) برفع «مثلُ» أي: مثل ما حجَّ أبو بكرٍ (ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ) بن عفَّان (¬﵁، فَرَأَيْتُهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالبَيْتِ) برفع «أوَّلُ» و «الطَّوافُ» كما في فروعٍ من (١) «اليونينيَّة» كهي (٢)، مبتدأٌ وخبرٌ في موضع نصبٍ مفعولٌ ثانٍ لـ «رأى» القلبيَّة، وفي بعض الأصول: «أوَّلَ شيءٍ بدأ به الطَّوافَ» بنصب «أوَّلَ» بدلٌ من الضَّمير، والطَّواف: مفعولٌ ثانٍ لـ «رأيته» والأوَّل الضَّمير؛ كذا أعربه البرماويُّ والعينيُّ كالكِرمانيِّ، وفيه نظرٌ لأنَّ «رأى» البصريَّة لا تتعدَّى لمفعولين، لكن يحتمل أن تكون بمعنى «تيقَّنت» فتتعدَّى (٣) لهما (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةًٌ) بالرَّفع والنَّصب، وقوله: «ثمَّ حجَّ عثمان» هو من قول عروة، وما قبله من قول عائشة -فيما قاله الدَّاوديُّ- وقال أبو عبد الملك: منتهى حديث عائشة عند قوله: «ثمَّ لم تكن عمرة»، ومن قوله: «ثمَّ حجَّ أبو بكرٍ … » إلى آخره من كلام عروة. انتهى. قال الحافظ ابن حجرٍ: فعلى هذا يكون بعض هذا منقطعًا لأنَّ عروة لم يدرك (٤) أبا بكرٍ ولا عمر، نعم أدرك عثمان، وعلى قول الدَّاوديِّ: يكون الجميع متَّصلًا. وهو الأظهر. (ثُمَّ) حجَّ (مُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان (وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ ابن الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ) كذا للكُشْمِيْهَنِيِّ: «ابن الزُّبير» يعني: أخاه عبد الله، قال عياضٌ: وهو تصحيفٌ، وللمُستملي والحَمُّويي (٥): «مع أبي الزُّبير» وهو الصَّواب، والمعنى: قال عروة: ثمَّ حججت مع والدي الزُّبير (٦)، فـ «الزُّبير»: بدلٌ من «أبي» (فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةًٌ) بالرَّفع، ولأبي ذرٍّ: بالنَّصب (٧) (ثُمَّ رَأَيْتُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ

стр. 3808

يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ) ولأبي ذرٍّ: «ثمَّ لا تكون» (عُمْرَةًٌ) بالرَّفع والنَّصب (١) (ثُمَّ آخِرُ مَنْ رَأَيْتُ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، ثُمَّ لَمْ يَنْقُضْهَا عُمْرَةً) أي: لم يفسخها إلى العمرة، قال أبو عبد الله الأُبِّيُّ: وإكثار عروة من الاحتجاجات يشبه أن يكون احتجاجًا بعملٍ أو إجماعٍ (وَهَذَا ابْنُ عُمَرَ عِنْدَهُمْ فَلَا يَسْأَلُونَهُ) أي: أفلا يسألونه؟ فهمزة الاستفهام مُقدَّرةٌ (وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ مَضَى) عُطِف على فاعل «لم ينقضها» أي: لا ابن عمر ولا أحدٌ من السَّلف الماضين (مَا كَانُوا يَبْدَؤُوْنَ بِشَيْءٍ حِيْنَ يَضَعُونَ أَقْدَامَهُمْ مِنَ الطَّوَافِ بِالبَيْتِ) قال ابن بطَّالٍ: لا بدَّ من زيادة لفظ: «أوَّل» بعد لفظ: «أقدامهم» وتعقَّبه الكِرمانيُّ فقال: الكلام صحيحٌ بدون زيادةٍ؛ إذ معناه: ما كان أحدٌ منهم يبدأ بشيءٍ آخر حين يضع قدمه في المسجد لأجل الطَّواف، أي: لا يصلُّون تحيَّة المسجد ولا يشتغلون بغير الطَّواف، وأمَّا كون «من» بمعنى «لأجل» فهو كثيرٌ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وحاصله: أنَّه لم يتعيَّن حذف لفظ «أوَّل»، بل يجوز أن يكون الحذف في موضع آخر، لكنَّ الأوَّل أَولى لأنَّ الثَّاني يحتاج إلى جعل «من» بمعنى «من أجل»، وهو قليلٌ، وأيضًا: فلفظ: «أوَّل» قد ثبت في بعض الرِّوايات، وثبت أيضًا في مكانٍ آخر من الحديث نفسه. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ جعله «من» (٢) بمعنى: «من أجل» قليلًا غيرُ مُسلَّمٍ، بل هو كثيرٌ في الكلام: لأنَّ أحد معاني «مِنْ» التَّعليلُ كما عُرِف في موضعه، وقوله: وأيضًا فقد ثبت لفظ: «أوَّل» في بعض الرِّوايات مُجرَّد دعوى فلا يُقبَل إلَّا ببيانٍ. انتهى. وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «حتَّى يضعوا» نُصِب بحذف النُّون من «يضعوا» بـ «أن» مُقدَّرةً بعد «حتَّى» التي للغاية، وهي أوضح في المعنى. (ثُمَّ لَا يَحِلُّونَ) فيه: أنَّه (٣) لا يجوز التَّحلُّل بطواف القدوم (وَقَدْ رَأَيْتُ أُمِّي) أسماء (وَخَالَتِي) عائشة بنتَيْ (٤) أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵃ (حِينَ تَقْدَمَانِ لَا تَبْتَدِئَانِ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِنَ البَيْتِ، تَطُوفَانِ بِهِ، ثُمَّ لَا تَحِلاَّنِ) أي (٥): سواءٌ كان إحرامهما بالحجِّ وحده أو بالقِران خلافًا لمن قال: إنَّ من حجَّ مفردًا وطاف حلَّ بذلك كما نُقِل عن ابن عبَّاسٍ، ولأبي ذرٍّ: «ثمَّ إنَّهما لا تحلَّان» فزاد

стр. 3809

لفظ: «إنَّهما»، والأفعال الأربعة بالمُثنَّاة الفوقيَّة، وفي بعض الأصول: بالتَّحتيَّة. (وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي) أسماء (أَنَّهَا أَهَلَّتْ هِيَ وَأُخْتُهَا) عائشة (وَالزُّبَيْرُ) بن العوَّام (وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ) هما عبد الرَّحمن بن عوفٍ وعثمان بن عفَّان (بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ) الأسود (حَلُّوا) من العمرة، قال المازريُّ (١): والمراد بالمسح الطَّواف، وعبَّر عنه ببعض ما يُفعَل فيه، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: فلمَّا قضينا من منًى كلَّ حاجةٍ … ومسَّح بالأركان مَن هو (٢) ماسحُ لأنَّ الطَّائف إنَّما يمسح الحجر الأسود، فكنَّى بالمسح، ويحتمل أن يكون متأوَّلًا بأنَّ المراد: طافوا وسعوا وحلقوا؛ حلُّوا، وحُذِفت هذه المُقدَّرات اختصارًا للعلم بها. (٧٩) (بابُ وُجُوبِ) السَّعي بين (الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَجُعِلَ) بضمِّ الجيم مبنيًّا للمفعول، وجوب السَّعي بينهما (مِنْ شَعَائِرِ اللهِ) من أعلام مناسكه، جمع شعيرةٍ؛ وهي العلامة.

стр. 3810

١٦٤٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، قَالَ عُرْوَةُ) بن الزُّبير بن العوَّام: (سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ فَقُلْتُ لَهَا: أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى) أي: أخبريني عن مفهوم قول الله تعالى: (﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾) جبلا السَّعي اللذان يُسعَى من أحدهما إلى الآخر، و «الصَّفا» في الأصل: جمع صفاةٍ؛ وهي الصَّخرة والحجر الأملس، و «المروة» في الأصل: حجرٌ أبيض برَّاقٌ (﴿مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾) فلا إثم عليه (﴿أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]) بتشديد الطَّاء، أصله: أن (١) يتطوَّف، فأُبدِلت التَّاء طاءً لقرب مخرجهما، وأُدغِمت (٢) الطَّاء في الطَّاء (فَوَاللهِ مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ أَلَّا يَطُوفَ) كذا في «اليونينيَّة» (٣) (بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ) إذ مفهومها: أنَّ السَّعي ليس بواجبٍ لأنَّها دلَّت على رفع الجناح؛ وهو الإثم عن فاعله، وذلك يدلُّ على إباحته، ولو كان واجبًا لمَا قِيل فيه مثل هذا، فردَّت عليه عائشة ﵂ حيث (قَالَتْ: بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي) أسماء (إِنَّ هَذِهِ) الآية (لَوْ كَانَتْ كَمَا أَوَّلْتَهَا عَلَيْهِ) من الإباحة (كَانَتْ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَلَّا يَتَطَوَّفَ بِهِمَا) كذا بزيادة فوقيَّةٍ بعد التَّحتيَّة، و (٤) بزيادة «لا» بعد «أنْ»، وبه قُرِئ في الشَّاذِّ -كما قالت عائشة- فإنَّها كانت حينئذٍ تدلُّ على رفع الإثم عن تاركه، وذلك حقيقة المباح، فلم يكن في

стр. 3811

الآية نصٌّ على الوجوب ولا عدمه، ثمَّ بيَّنت عائشة أنَّ الاقتصار في الآية على نفي الإثم له سببٌ خاصٌّ، فقالت: (وَلَكِنَّهَا) أي: الآية (أُنْزِلَتْ فِي الأَنْصَارِ) الأوس والخزرج (كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ) يحجُّون (لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ) بميمٍ مفتوحةٍ فنونٍ مُخفَّفةٍ مجرورٌ بالفتحة للعلميَّة والتَّأنيث، وسُمِّيت «مناة» لأنَّ النَّسائك كانت تُمنَى، أي: تُراق عندها، وهي اسم صنمٍ كان في الجاهليَّة، و «الطَّاغية»: صفةٌ إسلاميَّةٌ لـ «مناة» (الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا عِنْدَ المُشَلَّلِ) بميمٍ مضمومةٍ فشينٍ معجمةٍ مفتوحةٍ فلامَيْنِ؛ الأولى مُشدَّدةٌ مفتوحةٌ: ثنيَّةٌ مشرفةٌ على قُدَيدٍ، زاد سفيان عن الزُّهريِّ: «بالمُشَلَّل من قُدَيدٍ» أخرجه مسلمٌ، وكان لغيرهم صنمان: بالصَّفا: إِسَافٌ -بكسر الهمزة وتخفيف السِّين المهملة- وبالمروة: نائلة -بالنُّون والهمزة والمدِّ- وقِيلَ: إنَّهما كانا رجلًا وامرأةً فزنيا داخل الكعبة فمسخهما الله حجرين فنُصِبا عند الكعبة، وقِيلَ: على الصَّفا والمروة ليعتبر النَّاس بهما ويتَّعظوا، ثمَّ حوَّلهما قصيُّ بن كلابٍ فجعل أحدهما ملاصق الكعبة والآخر لزمزم، ونحر عندهما وأمر بعبادتهما، فلمَّا فتح النَّبيُّ ﷺ مكَّة كسرهما (فَكَانَ مَنْ أَهَلَّ) من الأنصار (يَتَحَرَّجُ) أي: يحترز (١) من الإثم (أَنْ يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ) كراهيةً لذينك الصَّنمين وحبَّهم صنمهم الذي بالمُشَلَّل، وكان ذلك سنَّةً في آبائهم، من أحرم لمناة لم يطف بين الصَّفا والمروة (فَلَمَّا أَسْلَمُوا) أي: الأنصار (سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ) أي: عن الطَّواف بهما، وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «أسلموا» (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بالصَّفا والمروة» (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ﴾ … الآية [البقرة: ١٥٨]) إلى آخرها،

стр. 3812

فقد تبيَّن (١) أنَّ الحكمة في التَّعبير بذلك في الآية: مطابقة جواب السَّائلين لأنَّهم توهَّموا من كونهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهليَّة أنَّه يستمرُّ في الإسلام، فخرج الجواب مطابقًا لسؤالهم، وأمَّا الوجوب فيُستفاد من دليلٍ آخر، وقد يكون الفعل واجبًا ويعتقد المعتقد أنَّه منع من إيقاعه على صفةٍ مخصوصةٍ كمن عليه صلاة ظهرٍ مثلًا فظنَّ أنَّه لا يجوز فعلها عند الغروب، فسأل فقِيلَ في جوابه: لا جناح عليك إنْ صلَّيتها في هذا الوقت، فالجواب صحيحٌ ولا يستلزم ذلك الوجوب، ولا يلزم من نفي الإثم عن الفاعل نفي الإثم عن التَّارك، فلو كان المراد مطلق الإباحة لنُفِيَ الإثم عن التَّارك. (قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: وَقَدْ سَنَّ) أي: فرض (رَسُولُ اللهِ ﷺ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا) أي (٢): بين الصَّفا والمروة بالسُّنَّة، وليس المراد نفي فرضيَّتهما، ويؤيِّده ما في «مسلمٍ» من حديثها (٣): «ولعمري ما أتمَّ الله حجَّ من لم يطف بين الصَّفا والمروة» واستدلَّ البيهقيُّ وابن عبد البرِّ والنَّوويُّ وغيرهم على ذلك أيضًا بكونه ﵊ كان يسعى بينهما في حجِّه (٤) وعمرته، وقال: «خذوا عنِّي مناسككم» (فَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا) وهو ركنٌ عند الشَّافعيَّة والمالكيَّة والحنابلة. وقال الحنفيَّة: واجبٌ يصحُّ الحجُّ بدونه ويُجبَر بدمٍ، قال الزُّهريُّ: (ثُمَّ أَخْبَرْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن الحارث بن هشامٍ بذلك (فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَعِلْمٌ) بفتح اللَّام وهي المؤكِّدة، وبالتَّنوين على أنَّه الخبر، وللحَمُّويي والمُستملي: «إنَّ هذا العلمَ» بالنَّصب، صفةٌ لـ «هذا» أي: إنَّ هذا هو العلم (مَا كُنْتُ سَمِعْتُهُ) خبرٌ لـ «إنَّ»، و «كنت»: بلفظ المتكلِّم، و «ما» نافيةٌ، وعلى الرِّواية الأولى -وهي للكُشْمِيْهَنِيِّ- «لعلمٌ»: خبر «إنَّ»، وكلمة «ما»: موصولةٌ،

стр. 3813

ولفظ: «كنتُ» للمتكلِّم في جميع ما وقفت عليه من الأصول، وقال العينيُّ كالكِرمانيِّ: ولفظ: «كنتَ» للمخاطب على النُّسخة الأولى، وهي «لَعِلْمٌ». قال أبو بكرٍ: (وَلَقَدْ سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، يَذْكُرُونَ أَنَّ النَّاسَ إِلَّا مَنْ ذَكَرَتْ عَائِشَةُ) ﵂، والاستثناء معترضٌ بين اسم «أنَّ» وخبرها، وهو قوله: (مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ بِمَنَاةَ) بالباء المُوحَّدة (كَانُوا يَطُوفُونَ كُلُّهُمْ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ) فلم يخصُّوا بطائفةٍ بخلاف عائشة، فإنَّها خصَّت الأنصار بذلك كما رواه الزُّهريُّ عن عروة عنها (فَلَمَّا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى الطَّوَافَ بِالبَيْتِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ فِي القُرْآنِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كُنَّا نَطُوفُ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ) أي: في الجاهليَّة (وَإِنَّ اللهَ) بالواو، ولأبي الوقت: «فإنَّ الله » (أَنْزَلَ الطَّوَافَ بِالبَيْتِ، فَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا) أي: والمروة (فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ) إثمٍ (أَنْ نَطَّوَّفَ) بتشديد الطَّاء (بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ؟) إنَّما سألوا عن ذلك بناءً على ما ظنُّوه من أنَّ التَّطوُّف بهما (١) من فعل الجاهليَّة (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ﴾ … الآية [البقرة: ١٥٨] قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَأَسْمَعُ) بفتح الهمزة والميم وضمِّ العين على صيغة المتكلِّم من المضارع، وضبطها الدِّمياطيُّ الحافظ: «فاسمعْ» بوصل الهمزة وسكون (٢) العين على صيغة الأمر، قال في «الفتح»: والأوَّل أصوب (هَذِهِ الآيَةَ) ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ (نَزَلَتْ فِي الفَرِيقَيْنِ) الأنصارِ وقومٍ من العرب كما في «مسلمٍ» (كِلَيْهِمَا) قال العينيُّ والبرماويُّ كالكِرمانيِّ: كلاهما، وهو على لغة من يلزمها الألف دائمًا (فِي الَّذِينَ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا) (٣) وفي نسخةٍ: «أن يتطوَّفوا» بالتَّاء (٤) (في الجَاهِلِيَّةِ (٥) بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ) لكونه عندهم من أفعال الجاهليَّة (وَالَّذِينَ يَطُوفُونَ، ثُمَّ تَحَرَّجُوا أَنْ يَطُوفُوا بِهِمَا فِي الإِسْلَامِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالطَّوَافِ بِالبَيْتِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا) أي: ولا المروة (حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ) أي: الطَّواف بالصَّفا والمروة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ (بَعْدَ مَا ذَكَرَ الطَّوَافَ بِالبَيْتِ) في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] والمراد: تأخُّر نزول آية «البقرة» في الصَّفا

стр. 3814

والمروة عن آية «الحجِّ»: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١)، قال في «الفتح» (٢): ووقع في رواية المُستملي وغيره: «حتَّى ذَكَرَ بعد ذلك ما ذَكَرَ الطَّواف بالبيت» قال الحافظ ابن حجرٍ: وفي توجيهه عسرٌ، قال العينيُّ: لا عسر فيه، فقد وجَّهه الكِرمانيُّ فقال: لفظة (٣): «ما ذكر» بدلٌ من (٤) «ذلك»، أو أنَّ «ما» مصدريَّةٌ والكاف مُقدَّرةٌ كما في: زيدٌ أسدٌ، أي: ذكر السَّعي بعد ذكر الطَّواف كذكر الطَّواف واضحًا جليًّا ومشروعًا مأمورًا به. (٨٠) (بابُ مَا جَاءَ فِي) كيفيَّة (السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄¬) ممَّا وصله ابن أبي شيبة (٥) والفاكهيُّ: (السَّعْيُ مِنْ دَارِ بَنِي عَبَّادٍ) بفتح العين وتشديد المُوحَّدة ابن جعفرٍ، وتُعرَف اليوم بسلمة بنت عقيلٍ (إِلَى زُقَاقِ بَنِي أَبِي حُسَيْنٍ) تصغير «حسنٍ»، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي: «ابن أبي حسينٍ»، قال سفيان فيما رواه الفاكهيُّ: هو ما بين هذين العلمين، وقال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: دار بني عبَّادٍ من طرف الصَّفا، وزقاق بني أبي حسينٍ من طرف المروة. ١٦٤٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ) كذا في جميع ما وقفت عليه من الأصول، وقال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه الصَّواب، وبه جزم أبو نُعيمٍ، قال: وزاد أبو ذرٍّ في روايته: «هو ابن

стр. 3815

حاتمٍ» ولعلَّ حاتمًا اسمُ جدٍّ له إن كانت رواية أبي ذرٍّ فيه مضبوطةً. انتهى. قال: (حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ) السَّبيعيُّ الكوفيُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بتصغير «عبدٍ» العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا طَافَ الطَّوَافَ الأَوَّلَ) طواف القدوم، وكذا الرُّكن (خَبَّ ثَلَاثًا) بفتح الخاء المعجمة وتشديد المُوحَّدة، أي: رمل؛ وهو المشي مع تقارب الخطا (وَمَشَى أَرْبَعا) من غير رملٍ (وَكَانَ) ﵊ (يَسْعَى) جهده بأن يسرع فوق الرَّمل (بَطْنَ المَسِيلِ) نُصِب على الظَّرفيَّة، أي: المكان الذي يجتمع فيه السَّيل (١)، ولم يبق اليوم بطن المسيل لأنَّ السُّيول كبسته، فيسعى حين يدنو من الميل الأخضر المُعلَّق بجدار المسجد قدر ستَّة أذرعٍ، حتَّى يقابل الميلين الأخضرين اللذين أحدهما بجدار المسجد والآخر بدار العبَّاس، ثمَّ يمشي على هينته (إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) يفعل ذلك ذاهبًا وراجعًا. قال عبيد الله بن عمر العمريُّ: (فَقُلْتُ لِنَافِعٍ: أَكَانَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر (يَمْشِي) من غير رملٍ (إِذَا بَلَغَ الرُّكْنَ اليَمَانِيَ؟) بتخفيف الياء على المشهور (قَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ يُزَاحَمَ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الحاء (عَلَى الرُّكْنِ) فإنَّه يمشي ولا يرمل ليكون أسهل لاستلامه عند الازدحام (فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَدَعُهُ) أي: لا يترك الرُّكن (حَتَّى يَسْتَلِمَهُ) وموضع التَّرجمة قوله: «وكان يسعى بطن المسيل»، والحديث سبق في «باب من طاف بالبيت إذا قدم مكَّة» [خ¦١٦١٧]. ١٦٤٥ - ١٦٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄¬) وفي نسخة «اليونينيَّة»: «عنه» (٢) (عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالبَيْتِ فِي عُمْرَةٍ، وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟) بهمزة الاستفهام (فَقَالَ) ولأبي

стр. 3816

الوقت (١): «قال»: (قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) مكَّة (فَطَافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، فَطَافَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ (٢): «وطاف» (بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ سَبْعًا) أي: فلم يتحلَّل ﵊ من عمرته حتَّى سعى بينهما، ومتابعته ﷺ واجبةٌ، فلا يحلُّ لهذا الرَّجل أن يواقع امرأته حتَّى يسعى بينهما (﴿لَقَدْ﴾) ولأبي الوقت: «وقد» (﴿كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]). (وَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄¬) عن ذلك (فَقَالَ: لَا يَقْرَبَنَّهَا) بنون التَّوكيد الثَّقيلة (حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) لأنَّه ركنٌ لا يتحلَّل بدونه، ولا يُجبَر بدمٍ خلافًا للحنفيَّة لأنَّ عندهم أنَّ ما ثبت آحادًا يثبت الوجوب لا الرُّكنيَّة، لأنَّها إنَّما تثبت بدليلٍ قطعيٍّ. ١٦٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن بشير (٣) بن فرقد البلخيُّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ، فَطَافَ بِالبَيْتِ) أي: سبعًا (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) سنَّة الطَّواف (ثُمَّ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) أي: سبعًا، يبدأ بالصَّفا ويختم بالمروة، يحسب الذَّهاب من الصَّفا مرَّةً (٤)، والعَود من المروة مرَّةً ثانيةً، قال النَّوويُّ في «الإيضاح»: وهذا هو المذهب الصَّحيح الذي قطع به جماهير العلماء من أصحابنا وغيرهم، وعليه عمل النَّاس في الأزمان (٥) المتقدِّمة والمتأخِّرة، وذهب جماعةٌ من أصحابنا إلى أنَّه يحسب الذَّهاب والعود مرَّةً واحدةً،

стр. 3817

قاله من أصحابنا: أبو عبد الرَّحمن ابن بنت الشَّافعيِّ، وأبو حفص بن الوكيل، وأبو بكرٍ الصَّيدلانيُّ، وهذا قولٌ فاسدٌ لا اعتداد به ولا نظر إليه. انتهى. ووجهه (١): إلحاقه بالطَّواف حيث كان من المبدأ -أعني: الحجر- إلى المبدأ، وتُعقِّب بأنَّه لو كان كذلك لكان الواجب أربعة عشر شوطًا، وقد اتَّفق رواة نسكه ﵊ أنَّه إنَّما طاف سبعًا، وأُجيب بأنَّ هذا موقوفٌ على أنَّ مُسمَّى الشَّوط إمَّا من الصَّفا إلى المروة، أو من المروة إلى الصَّفا في الشَّرع، وهو ممنوعٌ؛ إذ نقول: هذا اعتباركم لا اعتبار الشَّرع لعدم النَّقل منه في ذلك، وأقلُّ الأمور إذا لم يثبت عن (٢) الشَّارع تنصيصٌ في مُسمَّاه أن يثبت احتمال أنَّه كما قلتم أو كما قلنا، قلت: فيجب الاحتياط فيه، ويقوِّيه أنَّ لفظ (٣) الشَّوط أُطلِق على ما حوالي البيت، وعُرِف قطعًا أنَّ المراد به ما بين المبدأ إلى المبدأ، فكذا إذا أُطلِق في السَّعي، ولا تنصيص على المراد، فيجب أن يُحمَل على المعهود منه في غيره، فالوجه إثبات أنَّ مُسمَّى الشَّوط -في اللُّغة- يُطلَق على كلٍّ من الذَّهاب من الصَّفا إلى المروة والرُّجوع منها إلى الصَّفا، ليس في الشَّرع ما يخالفه، فيبقى على المفهوم اللُّغويِّ، وذلك أنَّه في الأصل مسافةٌ تعدوها الفرس -كالميدان ونحوه- مرَةً واحدةً، فسبعة أشواطٍ حينئذٍ قطع مسافةٍ مُقدَّرةٍ بسبع مرَّاتٍ، فإذا قال: طاف بين كذا وكذا سبعًا صُدِّق بالتَّردُّد من كلٍّ من الغايتين إلى الأخرى سبعًا، بخلاف طاف بكذا فإنَّ حقيقته متوقِّفةٌ على أن يشمل بالطَّواف ذلك الشَّيء، فإذا قال: طاف به سبعًا كان بتكرير تعميمه بالطَّواف سبعًا، فمن هنا افترق الحال بين الطَّواف بالبيت حيث لزم في شوطه كونُه من المبدأ إلى المبدأ، والطَّواف بين الصَّفا والمروة حيث لم يلزم ذلك، قاله في «فتح القدير». (ثُمَّ تَلَا) أي: ابن عمر: (﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]).

стр. 3818

١٦٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) المعروف بابن شَبُّويه المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ) هو ابن سليمان الأحول البصريُّ (قَالَ: قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ؟ قَالَ) ولأبي الوقت: «فقال»: (نَعَمْ) بزيادة فاء العطف، أي: نعم كنَّا نكره، وعلَّل الكراهة بقوله: (لأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ شَعَائِرِ الجَاهِلِيَّةِ) أي: من (١) العلامات التي (٢) كانوا يتعبَّدون بها، وأُنِّث الضَّمير باعتبار السَّعي، وهو سبع مرَّاتٍ (حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]) أي: فزالت الكراهة. وفي هذا الحديث: التَّحديث والإخبار (٣) والقول، وأخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٤٩٦]، ومسلمٌ في «المناسك»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «الحجِّ». ١٦٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن دينارٍ» (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباح (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّمَا سَعَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ لِيُرِيَ المُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ) بضمِّ الياء وكسر الرَّاء مِنْ «ليُرِيَ»، ومفهومه: قصر السَّبب فيما ذكره على ما ذُكِر في «إنَّما» من إفادة الحصر بها منطوقًا أو مفهومًا على الخلاف في العربيَّة والأصول، لكن روى أحمد من حديث ابن عبَّاسٍ سعيَ أبينا إبراهيم ﵇، فيجوز أن يكون هو المقتضي لمشروعيَّة الإسراع. (زَادَ الحُمَيْدِيُّ) بضمِّ الحاء أبو بكرٍ عبد الله بن الزُّبير المكِّيُّ شيخ المؤلِّف فقال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) هو ابن دينارٍ (قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً) هو ابن أبي رباحٍ (عَنِ

стр. 3819

ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (مِثْلَهُ) أي: مثل الحديث السَّابق، وفائدة ذلك: أنَّ الحُمَيديَّ صرَّح بالتَّحديث في روايته عن عمرٍو، وهو صرَّح بالسَّماع عن (١) عطاءٍ. (٨١) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين (تَقْضِي الحَائِضُ المَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ بِالبَيْتِ) للمنع الوارد فيه (وَ) الحكم فيما (إِذَا سَعَى عَلَى غَيرِ وُضُوءٍ بَينَ الصَّفَا وَالَمرْوَةِ). ١٦٥٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ) بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، وَلَمْ أَطُفْ بِالبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) لتوقُّفه على سبق الطَّواف، وإن كان يصحُّ بغير طهارةٍ، وقولها: «ولا بين الصَّفا والمروة» عُطِف على المنفيِّ قبله، على تقدير: «ولم أسعَ» وهو من باب: علفتها تبنًا وماءً باردًا ويجوز أن يقدَّر: ولم أطف بين الصَّفا والمروة، على طريق المجاز، وإنَّما ذهبوا إلى هذا التَّقدير دون الانسحاب (٢) لئلَّا يلزم استعمال اللَّفظ الواحد حقيقةً ومجازًا في حالةٍ واحدةٍ

стр. 3820

(قَالَتْ) عائشة: (فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الحَاجُّ) من الوقوف بعرفة وغيره (غَيْرَ أَلَّا تَطُوفِي بِالبَيْتِ) «لا» زائدةٌ (حَتَّى تَطْهُرِي) بسكون الطَّاء وضمِّ الهاء كذا فيما وقفت عليه من الأصول، وضبطه العينيُّ -كالحافظ ابن حجرٍ- بتشديد الطَّاء والهاء، على أنَّ أصله: تتطهَّري، أي: حتَّى ينقطع دمك وتغتسلي، ويؤِّيده رواية مسلمٍ: «حتَّى تغتسلي»، وهو ظاهرٌ في نهي الحائض حتَّى ينقطع دمها وتغتسل. ١٦٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) المعروف بالزَّمِن قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثَّقفيُّ (قَالَ) المؤلِّف: «ح»: (وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ) بن خيَّاطٍ، أي: على سبيل المذاكرة؛ إذ لو كان على سبيل التَّحمُّل لقال: حدَّثنا ونحوه، والمسوق هنا لفظ حديثه، وأمَّا لفظ حديث محمَّد بن المُثنَّى فسيأتي إن شاء الله تعالى في «باب عمرة التَّنعيم» [خ¦١٧٨٥]. (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَبِيبٌ المُعَلِّمُ) بكسر اللَّام المُشدَّدة مِنَ التَّعليم (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄ قَالَ: أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: أحرم (هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالحَجِّ) فيه دليلٌ على أنَّه ﵊ كان مفردًا، وإطلاق لفظ الأصحاب محمولٌ على الغالب لِما يأتي إن شاء الله تعالى (وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ، غَيْرَ
следующие страницы →