الوقت (١): «قال»: (قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) مكَّة (فَطَافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، فَطَافَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ (٢): «وطاف» (بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ سَبْعًا) أي: فلم يتحلَّل ﵊ من عمرته حتَّى سعى بينهما، ومتابعته ﷺ واجبةٌ، فلا يحلُّ لهذا الرَّجل أن يواقع امرأته حتَّى يسعى بينهما (﴿لَقَدْ﴾) ولأبي الوقت: «وقد» (﴿كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]).
(وَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄¬) عن ذلك (فَقَالَ: لَا يَقْرَبَنَّهَا) بنون التَّوكيد الثَّقيلة (حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) لأنَّه ركنٌ لا يتحلَّل بدونه، ولا يُجبَر بدمٍ خلافًا للحنفيَّة لأنَّ عندهم أنَّ ما ثبت آحادًا يثبت الوجوب لا الرُّكنيَّة، لأنَّها إنَّما تثبت بدليلٍ قطعيٍّ.
١٦٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن بشير (٣) بن فرقد البلخيُّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ، فَطَافَ بِالبَيْتِ) أي: سبعًا (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) سنَّة الطَّواف (ثُمَّ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) أي: سبعًا، يبدأ بالصَّفا ويختم بالمروة، يحسب الذَّهاب من الصَّفا مرَّةً (٤)، والعَود من المروة مرَّةً ثانيةً، قال النَّوويُّ في «الإيضاح»: وهذا هو المذهب الصَّحيح الذي قطع به جماهير العلماء من أصحابنا وغيرهم، وعليه عمل النَّاس في الأزمان (٥) المتقدِّمة والمتأخِّرة، وذهب جماعةٌ من أصحابنا إلى أنَّه يحسب الذَّهاب والعود مرَّةً واحدةً،
стр. 3817
قاله من أصحابنا: أبو عبد الرَّحمن ابن بنت الشَّافعيِّ، وأبو حفص بن الوكيل، وأبو بكرٍ الصَّيدلانيُّ، وهذا قولٌ فاسدٌ لا اعتداد به ولا نظر إليه. انتهى. ووجهه (١): إلحاقه بالطَّواف حيث كان من المبدأ -أعني: الحجر- إلى المبدأ، وتُعقِّب بأنَّه لو كان كذلك لكان الواجب أربعة عشر شوطًا، وقد اتَّفق رواة نسكه ﵊ أنَّه إنَّما طاف سبعًا، وأُجيب بأنَّ هذا موقوفٌ على أنَّ مُسمَّى الشَّوط إمَّا من الصَّفا إلى المروة، أو من المروة إلى الصَّفا في الشَّرع، وهو ممنوعٌ؛ إذ نقول: هذا اعتباركم لا اعتبار الشَّرع لعدم النَّقل منه في ذلك، وأقلُّ الأمور إذا لم يثبت عن (٢) الشَّارع تنصيصٌ في مُسمَّاه أن يثبت احتمال أنَّه كما قلتم أو كما قلنا، قلت: فيجب الاحتياط فيه، ويقوِّيه أنَّ لفظ (٣) الشَّوط أُطلِق على ما حوالي البيت، وعُرِف قطعًا أنَّ المراد به ما بين المبدأ إلى المبدأ، فكذا إذا أُطلِق في السَّعي، ولا تنصيص على المراد، فيجب أن يُحمَل على المعهود منه في غيره، فالوجه إثبات أنَّ مُسمَّى الشَّوط -في اللُّغة- يُطلَق على كلٍّ من الذَّهاب من الصَّفا إلى المروة والرُّجوع منها إلى الصَّفا، ليس في الشَّرع ما يخالفه، فيبقى على المفهوم اللُّغويِّ، وذلك أنَّه في الأصل مسافةٌ تعدوها الفرس -كالميدان ونحوه- مرَةً واحدةً، فسبعة أشواطٍ حينئذٍ قطع مسافةٍ مُقدَّرةٍ بسبع مرَّاتٍ، فإذا قال: طاف بين كذا وكذا سبعًا صُدِّق بالتَّردُّد من كلٍّ من الغايتين إلى الأخرى سبعًا، بخلاف طاف بكذا فإنَّ حقيقته متوقِّفةٌ على أن يشمل بالطَّواف ذلك الشَّيء، فإذا قال: طاف به سبعًا كان بتكرير تعميمه بالطَّواف سبعًا، فمن هنا افترق الحال بين الطَّواف بالبيت حيث لزم في شوطه كونُه من المبدأ إلى المبدأ، والطَّواف بين الصَّفا والمروة حيث لم يلزم ذلك، قاله في «فتح القدير». (ثُمَّ تَلَا) أي: ابن عمر: (﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]).
стр. 3818
١٦٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) المعروف بابن شَبُّويه المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ) هو ابن سليمان الأحول البصريُّ (قَالَ: قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ؟ قَالَ) ولأبي الوقت: «فقال»: (نَعَمْ) بزيادة فاء العطف، أي: نعم كنَّا نكره، وعلَّل الكراهة بقوله: (لأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ شَعَائِرِ الجَاهِلِيَّةِ) أي: من (١) العلامات التي (٢) كانوا يتعبَّدون بها، وأُنِّث الضَّمير باعتبار السَّعي، وهو سبع مرَّاتٍ (حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]) أي: فزالت الكراهة.
وفي هذا الحديث: التَّحديث والإخبار (٣) والقول، وأخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٤٩٦]، ومسلمٌ في «المناسك»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «الحجِّ».
١٦٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن دينارٍ» (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباح (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّمَا سَعَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ لِيُرِيَ المُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ) بضمِّ الياء وكسر الرَّاء مِنْ «ليُرِيَ»، ومفهومه: قصر السَّبب فيما ذكره على ما ذُكِر في «إنَّما» من إفادة الحصر بها منطوقًا أو مفهومًا على الخلاف في العربيَّة والأصول، لكن روى أحمد من حديث ابن عبَّاسٍ سعيَ أبينا إبراهيم ﵇، فيجوز أن يكون هو المقتضي لمشروعيَّة الإسراع.
(زَادَ الحُمَيْدِيُّ) بضمِّ الحاء أبو بكرٍ عبد الله بن الزُّبير المكِّيُّ شيخ المؤلِّف فقال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) هو ابن دينارٍ (قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً) هو ابن أبي رباحٍ (عَنِ
стр. 3819
ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (مِثْلَهُ) أي: مثل الحديث السَّابق، وفائدة ذلك: أنَّ الحُمَيديَّ صرَّح بالتَّحديث في روايته عن عمرٍو، وهو صرَّح بالسَّماع عن (١) عطاءٍ.
(٨١) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين (تَقْضِي الحَائِضُ المَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ بِالبَيْتِ) للمنع الوارد فيه (وَ) الحكم فيما (إِذَا سَعَى عَلَى غَيرِ وُضُوءٍ بَينَ الصَّفَا وَالَمرْوَةِ).
١٦٥٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ) بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، وَلَمْ أَطُفْ بِالبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) لتوقُّفه على سبق الطَّواف، وإن كان يصحُّ بغير طهارةٍ، وقولها: «ولا بين الصَّفا والمروة» عُطِف على المنفيِّ قبله، على تقدير: «ولم أسعَ» وهو من باب:
علفتها تبنًا وماءً باردًا
ويجوز أن يقدَّر: ولم أطف بين الصَّفا والمروة، على طريق المجاز، وإنَّما ذهبوا إلى هذا التَّقدير دون الانسحاب (٢) لئلَّا يلزم استعمال اللَّفظ الواحد حقيقةً ومجازًا في حالةٍ واحدةٍ
стр. 3820
(قَالَتْ) عائشة: (فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الحَاجُّ) من الوقوف بعرفة وغيره (غَيْرَ أَلَّا تَطُوفِي بِالبَيْتِ) «لا» زائدةٌ (حَتَّى تَطْهُرِي) بسكون الطَّاء وضمِّ الهاء كذا فيما وقفت عليه من الأصول، وضبطه العينيُّ -كالحافظ ابن حجرٍ- بتشديد الطَّاء والهاء، على أنَّ أصله: تتطهَّري، أي: حتَّى ينقطع دمك وتغتسلي، ويؤِّيده رواية مسلمٍ: «حتَّى تغتسلي»، وهو ظاهرٌ في نهي الحائض حتَّى ينقطع دمها وتغتسل.
١٦٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) المعروف بالزَّمِن قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثَّقفيُّ (قَالَ) المؤلِّف:
«ح»: (وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ) بن خيَّاطٍ، أي: على سبيل المذاكرة؛ إذ لو كان على سبيل التَّحمُّل لقال: حدَّثنا ونحوه، والمسوق هنا لفظ حديثه، وأمَّا لفظ حديث محمَّد بن المُثنَّى فسيأتي إن شاء الله تعالى في «باب عمرة التَّنعيم» [خ¦١٧٨٥].
(حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَبِيبٌ المُعَلِّمُ) بكسر اللَّام المُشدَّدة مِنَ التَّعليم (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄ قَالَ: أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: أحرم (هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالحَجِّ) فيه دليلٌ على أنَّه ﵊ كان مفردًا، وإطلاق لفظ الأصحاب محمولٌ على الغالب لِما يأتي إن شاء الله تعالى (وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ، غَيْرَ
стр. 3821
النَّبِيِّ ﷺ وَطَلْحَةَ) بنصب «غيرَ» على الاستثناء، ولأبي ذرٍّ: «غيرِ» بجرِّها، صفةٌ لـ «أحدٍ»، قال أبو حيَّان: ولا يجوز الرَّفع (وَقَدِمَ عَلِيٌّ) هو ابن أبي طالبٍ (مِنَ اليَمَنِ، وَمَعَهُ هَدْيٌ) وفي روايةٍ: «وقدم عليٌّ من سِعايته» بكسر السِّين، أي: من عمله في السَّعي في الصَّدقات، لكن قال بعضهم: إنَّما بعثه أميرًا؛ إذ لا يجوز استعمال بني هاشمٍ على الصَّدقة، وأُجيب بأنَّ سعايته لا تتعيَّن للصَّدقة، فإنَّ مطلق الولاية يُسمَّى سعايةً، سلَّمنا، لكن يجوز أن يكون ولَّاه الصَّدقات محتسبًا، أو بعُمالةٍ من غير الصَّدقة، وقوله: «ومعه هديٌ»: جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ، وفي رواية أنسٍ السَّابقة في «باب من أهلَّ في زمن النَّبيِّ ﷺ » [خ¦١٥٥٨] فقال: «بما أهللت؟» (فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ¬) ولم يذكر في هذا الحديث جواب النَّبيِّ ﷺ حين قال له ذلك (١) كقوله: بما أهللت، وفي رواية أنسٍ المذكورة: فقال -أي: النَّبيُّ ﷺ : «لولا أنَّ معي الهدي لأحللت» وزاد محمَّد بن (٢) بكرٍ عن ابن جريجٍ قال [خ¦١٥٥٧]: «فأهدِ (٣)، وامكث حرامًا كما أنت»، وهذا غير ما أجاب به أبا موسى، فإنَّه قال له -كما في «الصَّحيحين» [خ¦١٥٥٨]-: «بما أهللتَ؟» قال: بإهلال النَّبيِّ ﷺ ، قال: «هل (٤) سقت الهدي؟» قال: لا، قال: «فطف بالبيت وبالصَّفا والمروة ثمَّ أحلَّ … » الحديثَ، وإنَّما أجابه بذلك لأنَّه ليس معه هديٌ، فهو من المأمورين بفسخ الحجِّ؛ بخلاف عليٍّ فإن معه هديًا. وفيه: صحَّة الإحرام المُعلَّق على ما أحرم به فلانٌ، وينعقد ويصير محرمًا بما أحرم به فلانٌ، وأخذ بذلك الشَّافعيُّ فأجاز الإهلال بالنِّيَّة المبهمة، ثمَّ له أن ينقلها إلى ما شاء من حجٍّ أو عمرةٍ.
стр. 3822
(فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ) ممَّن ليس معه هديٌ (أَنْ يَجْعَلُوهَا) أي: الحجَّة التي أهلُّوا بها (عُمْرَةً) وهو معنى فسخ الحجِّ إلى العمرة (وَيَطُوفُوا) هو من عطف المُفصَّل على المجمل؛ مثل: توضَّأ وغسل وجهه، والمراد بالطَّواف هنا: ما هو أعمُّ من الطَّواف بالبيت والسَّعي بين الصَّفا والمروة، قال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] أو اقتصر على الطَّواف بالبيت لاستلزامه السَّعي بعده، والتَّقدير: فيطوفوا ويسعوا، فحُذِف اكتفاءً على أنَّه قد جاء في رواية التَّصريح بهما (ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا) بفتح أوَّله وكسر الحاء، أي: يصيروا حلالًا (إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الهَدْيُ) استثناءٌ من قوله: «فأمر أصحابه» (فَقَالُوا) أي: المأمورون بالفسخ، ولغير أبي ذرٍّ: «قالوا»: (نَنْطَلِقُ) أي: أننطلق، فحذف همزة الاستفهام التَّعجبيِّ (إِلَى مِنًى، وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ) منيًّا؟! هو من باب المبالغة، أي: أنَّه يفضي بنا إلى مجامعة النِّساء، ثمَّ نحرم بالحجِّ عقب ذلك، فنخرج وذَكَرُ أحدنا لقربه من الجماع يقطر منيًّا، وحالة الحجِّ تنافي التَّرفُّه وتناسب الشَّعث، فكيف يكون ذلك؟ (فَبَلَغَ ذلك) (١) أي: قولهم هذا، وليس في «اليونينيَّة» لفظ: «ذلك» (النَّبِيَّ ﷺ ¬) بنصب: «النَّبيَّ» على المفعوليَّة (٢)، وفي روايةٍ: «فما ندري أشيءٌ بلغه من السَّماء أم شيءٌ من قِبَل النَّاس؟» (فَقَالَ) ﷺ : (لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ) يجوز أن تكون «ما» موصولةً، أي: الذي، أو نكرةً موصوفةً، أي: شيئًا، وأيًّا كان فالعائد محذوفٌ، أي: استدبرته، أي: لو كنت الآن مستقبلًا زمن الأمر الذي استدبرته (مَا أَهْدَيْتُ) أي (٣): ما سقت الهدي (وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الهَدْيَ؛ لَأَحَلَلْتُ) أي: بالفسخ (٤) لأنَّ وجوده مانعٌ من فسخ الحجِّ إلى العمرة، والتَّحلُّل منها والأمر الذي استدبره ﷺ هو ما حصل لأصحابه من مشقَّة انفرادهم عنه بالفسخ، حتَّى (٥) إنَّهم توقَّفوا وتردَّدوا وراجعوه، أو المعنى: لو أنَّ الذي رأيت في الآخر وأمرتكم به من الفسخ عنَّ لي في أوَّل الأمر ما سقت الهدي لأنَّ سوقه يمنع منه لأنَّه لا ينحر إلَّا بعد بلوغه محلِّه يوم
стр. 3823
النَّحر، وقال في «المعالم»: إنَّما أراد ﵊ تطييب قلوب أصحابه لأنَّه كان يشقُّ عليهم أن يحلُّوا وهو محرمٌ، ولم يعجبهم أن يرغبوا بأنفسهم ويتركوا الاقتداء به، فقال ذلك لئلَّا يَجِدوا في أنفسهم، وليعلموا أنَّ الأفضل في حقِّهم ما دعاهم إليه. ولا يُقال: إنَّ الحديث يدلُّ على أنَّ التَّمتُّع أفضل لأنَّه ﵊ لا يتمنَّى إلَّا الأفضل لأنَّا نقول: التَّمنِّي هنا ليس لكونه أفضل مطلقًا، بل لأمرٍ خارجٍ، فلا يلزم من ترجيحه من وجهٍ ترجيحَه مطلقًا كما ذكره ابن دقيق العيد، فإن قلت: قد ورد عنه ﷺ ما يقتضي كراهة قول: «لو» حيث قال ﵊: «لو: تفتح عمل الشَّيطان»، أُجيب بأنَّ المكروه استعمالها في التَّلهُّف على أمور (١) الدُّنيا: إمَّا طلبًا كقوله: لو فعلت كذا حصل لي كذا، وإمَّا هربًا كقوله: لو كان كذا وكذا؛ لما كان (٢) بي كذا وكذا (٣) لما في ذلك من صورة عدم التَّوكُّل ونسبة الأفعال إلى غير القضاء والقدر، أمَّا تمنِّي القربات -كما في هذا (٤) الحديث- فلا كراهة لانتفاء المعنى المذكور.
(وَحَاضَتْ عَائِشَةُ ﵂ فَنَسَكَتِ المَنَاسِكَ كُلَّهَا) أتت بأفعال الحجِّ كلِّها (غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالبَيْتِ) أي: ولم تسعَ بين الصَّفا والمروة، وحذفه لأنَّ السَّعي لا بدَّ من تقديم طوافٍ عليه، فيلزم من نفيِه نفيَه، فاكتفى بنفي الطَّواف (فَلَمَّا طَهَُرَتْ) بفتح الهاء وضمِّها (طَافَتْ بِالبَيْتِ) أي: وَسَعَتْ بين الصَّفا والمروة (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ تَنْطَلِقُونَ)؟ أي: أتنطلقون، فحُذِفت همزة الاستفهام (بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ) أي: العمرة التي فسخوا الحجَّ إليها، والحجَّة التي أنشؤوها من مكَّة (وَأَنْطَلِقُ بِحَجٍّ) مفردٍ بلا عمرةٍ مفردةٍ (٥) كما وقع لهم؟ (فَأَمَرَ) النَّبيُّ ﷺ (عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵄ (أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ) لتعتمر منه (فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الحَجِّ).
وهذا الحديث أخرجه أبو داود، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وذكر الإسناد من طريقين، ورواته كلُّهم بصريُّون إلَّا عطاءً؛ فمكِّيٌّ.
стр. 3824
١٦٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ) بميمٍ مضمومةٍ فهمزةٍ فميمٍ مُشددَّةٍ مفتوحتين (١) آخره لامٌ اليشكريُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) ابن عُلَيَّة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ حَفْصَةَ) بنت سيرين (قَالَتْ: كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا) نصب مفعول «نمنع»، والعواتق: جمع عاتقٍ؛ وهي التي لم تفارق بيت أهلها إلى زوجها لأنَّها عتقت عن آبائها في الخدمة والخروج إلى الحوائج، وقِيل غير ذلك ممَّا مرَّ في «باب شهود الحائض العيدين» [خ¦٣٢٤] عند ذكر الحديث (أَنْ يَخْرُجْنَ) أي: من خروجهنَّ في العيدين (٢) (فَقَدِمَتِ امْرَأَةٌ) لم تُسَمَّ (فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ) جدِّ طلحة الطَّلحات، وكان بالبصرة (فَحَدَّثَتْ: أَنْ أُخْتَهَا) هي أمُّ عطيَّة -فيما قِيلَ- أو غيرها (كَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ) لم يُسَمَّ (مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَدْ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً) قالت المرأة المحدِّثة: (وَكَانَتْ أُخْتِي مَعَهُ) أي: مع زوجها، أو مع النَّبيِّ ﷺ (فِي سِتِّ غَزَوَاتٍ، قَالَتْ) أي: الأخت: (كُنَّا نُدَاوِي الكَلْمَى) بفتح الكاف وسكون اللَّام وفتح الميم: الجرحى (وَنَقُومُ عَلَى المَرْضَى، فَسَأَلَتْ أُخْتِي رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: هَلْ عَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ) أي: إثمٌ (إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَلَّا تَخْرُجَ) إلى مُصلَّى العيد؟ فَـ (قَالَ) (٣) ﵊:
стр. 3825
(لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا) بكسر اللَّام وضمِّ الفوقيَّة وسكون اللَّام وكسر المُوحَّدة وجزم السِّين، والفاعل: «صاحبتُها» (مِنْ جِلْبَابِهَا) بكسر الجيم: خمارٌ واسعٌ كالملحفة تغطِّي به المرأة رأسها وصدرها، أي: لتعرْها جلبابًا لا تحتاج إليه (وَلْتَشْهَدِ الخَيْرَ) أي: مجالسه (وَدَعْوَةَ المُؤْمِنِينَ) وفي «باب شهود الحائض العيدين» [خ¦٣٢٤]: و «دعوة المسلمين» (فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ) نُسَيبة (¬﵂¬) البصرة (سَأَلْنَهَا) بنونٍ بعد اللَّام السَّاكنة (١)، ثمَّ هاءٍ من غير ألفٍ، أي: حفصة والنِّسوة معها (أَوْ قَالَتْ) حفصة: (سَأَلْنَاهَا) بألفٍ بعد النُّون، ولأبي الوقت: «سألتُها» ولأبي ذرٍّ: «فقال» بالتَّذكير، أي: قال أيُّوب عن حفصة: «سألناها» (فَقَالَتْ) ولأبي الوقت: «قالت»: (وَكَانَتْ لَا تَذْكُرُ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِلَّا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «أبدًا إِلَّا» (قَالَتْ: بِأَبِي) بهمزةٍ بين مُوحَّدتين مكسورتين، أي: أفديه، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «بأبَا» بقلب التَّحتيَّة ألفًا فتُفتَح المُوحَّدة الأخيرة، وللمُستملي: «بِيَبَا»؛ بإبدال الهمزة ياءً وقلب الياء المضافة إليها ألفًا (فَقُلْنَا) ولأبي ذَرٍّ (٢): «قلنا»: (أَسَمِعْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: كَذَا وَكَذَا؟) كنايةٌ عن الشَّيء، والكاف: حرف تشبيهٍ، و «ذا»: للإشارة، أي: ما ذُكِر (قَالَتْ: نَعَمْ) سمعته (بِأَبِي) ولأبي ذرٍّ: «بِيَبَا» بإبدال الهمزة ياءً وقلب الياء (٣) المضافة إليها ألفًا (فَقَالَ: لِتَخْرُجِ العَوَاتِقُ ذَوَاتُ) ولأبي ذرٍّ: «وذوات» (الخُدُورِ) بالخاء المعجمة والدَّال المهملة، أي: البيوت، صفةٌ لـ «العواتق» (أَوِ العَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الخُدُورِ) وسقط لأبي ذرٍّ «أو العواتق وذوات الخدور» (وَالحُيَّضُ) بتشديد الياء جمع حائضٍ، عُطِفَ على «العواتق» (فَيَشْهَدْنَ) ولأبي ذرٍّ: «وليشهدن» (الخَيْرَ، وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ، وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ المُصَلَّى) وجوبًا (فَقُلْتُ: آلحَائِضُ؟!) بمدِّ الهمزة استفهامٌ تعجُّبيُّ من إخبارها بشهود (٤) الحائض، وليس في «اليونينيَّة» مدٌّ على الهمزة (٥) (فَقَالَتْ) أمُّ عطيَّة: (أَوَ لَيْسَ تَشْهَدُ) الحائض (عَرَفَةَ) أي: يومها (وَتَشْهَدُ كَذَا) نحو: المزدلفة ومنى ورمي الجمار (وَتَشْهَدُ كَذَا؟) كصلاة الاستسقاء.
стр. 3826
وموضع التَّرجمة منه قولها: «أوليس تشهد عرفة وتشهد كذا (١) وتشهد كذا؟» وهذا موافقٌ لقول جابرٍ: فنسكت المناسك كلَّها غير أنَّها لم تطف بالبيت، وكذا قولها: «يعتزل الحيَّض المُصلَّى» فإنَّه يناسب قوله: إنَّ الحائض لا تطوف بالبيت لأنَّها إذا أُمِرت باعتزال المُصلَّى كان اعتزالها للمسجد بل (٢) للمسجد الحرام بل للكعبة من بابٍ أَولى، قاله في «الفتح».
(٨٢) (بَابُ الإِهْلَالِ) أي: الإحرام بالحجِّ (مِنَ البَطْحَاءِ) وادي مكَّة (وَغَيْرِهَا) أي: من غير بطحاء مكَّة من سائر أجزائها (لِلْمَكِّيِّ) المقيم بها (وَلِلْحَاجِّ) الآفاقيِّ الذي دخل مكَّة متمتِّعًا (إِذَا خَرَجَ إِلَى مِنًى) والحاصل: أنَّ مُهَلَّ المكِّيِّ والمتمتِّع نفس مكَّة، وهو الصَّحيح من مذهب الشَّافعيَّة، وله أن يحرم من جميع بقاع مكَّة لا سائر الحرم لقوله ﵊: «حتَّى أهلُ مكَّة من مكَّة»، وقِيس بأهلها غيرُهم ممَّن هو بها، فإن فارق بنيانها وأحرم خارجها ولم يعد إليها قبل الوقوف أساء ولزمه دمٌ لمجاوزته (٣) سائر المواقيت، فإن عاد إليها قبل الوقوف سقط الدَّم، والأفضل أن يحرم من باب داره، وسواءٌ أراد المقيم بمكَّة الإحرام بالحجِّ منفردًا (٤) أم أراد القِران بين الحجِّ والعمرة فميقاته ما ذُكِر، وقال الحنفيَّة: من دُويرة أهله أو حيث شاء من الحرم إلَّا أنَّ إحرامه من المسجد أفضل لفضيلة المسجد، وقال المالكيَّة: ومكان الإحرام للحجِّ للمقيم
стр. 3827
بمكَّة مكَّة، وسواءٌ كان من أهلها أم (١) مقيمًا بها وقت الإحرام، والمُستحَبُّ له أن يحرم من المسجد لفعل السَّلف، وهو مذهب «المُدوَّنة»، قال أشهب: يريد من داخله لا من بابه، وقاله في «الموازية» عن مالكٍ، وقال ابن حبيبٍ: إنَّما يحرم من بابه، ولمن (٢) اتَّسع له الوقت من أهل الآفاق إذا كان بمكَّة، وأراد الإحرام بالحجِّ أن يخرج إلى ميقاته فيحرم منه، وقال المرداويُّ من الحنابلة: والأفضل من المسجد نصًّا، وفي «المنهج» و «الإيضاح»: من تحت الميزاب، وإن أحرم من خارج الحرم جاز وصحَّ ولا دم عليه نصًّا.
(وَسُئِلَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ فيما (٣) وصله سعيد بن منصورٍ (عَنِ المُجَاوِرِ) بمكَّة، حال كونه (يُلَبِّي بِالحَجِّ) ولأبي ذرٍّ: «أيلبِّي» بهمزة الاستفهام (قَالَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فقال»: (وَكَانَ) ولابن عساكر: «فكان» بالفاء بدل الواو، ولأبي ذرٍّ: «كان» (ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ يُلَبِّي يَوْمَ التَّرْوِيَةِ) الثَّامن من ذي الحَّجة، وسُمِّي به لأنَّهم كانوا يَرْوون إبلهم ويتروَّون من الماء فيه استعدادًا للموقف يوم عرفة لأنَّ تلك الأماكن لم يكن فيها إذ ذاك آبارٌ ولا عيونٌ، وقِيلَ: لأنَّ رؤيا إبراهيم عليه الصَّلاة السَّلام كانت في ليلته، فتروَّى في أنَّ ما رآه من الله أو لا؛ من الرَّأي، وهو مهموزٌ، وقِيلَ: لأنَّ الإمام يروي للنَّاس فيه مناسكهم من الرِّواية، وقِيلَ: غير ذلك (إِذَا صَلَّى الظُّهْرَ، وَاسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ).
(وَقَالَ عَبْدُ المَلِكِ) (٤) هو ابن أبي سليمان، ممَّا وصله مسلمٌ، وقال الكِرمانيُّ: هو ابن عبد العزيز بن جريجٍ، قال الحافظ (٥) ابن حجرٍ: الظَّاهر أنَّه الأوَّل (عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريِّ (¬﵁: قَدِمْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) مكَّة محرمين بالحجِّ، فأمرنا أن نحلَّ ونجعلها عمرةً (فَأَحْلَلْنَا حَتَّى) أي: إلى (يَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَجَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ) بفتح الظَّاء المعجمة، أي: جعلناها وراء ظهورنا حال كوننا (لَبَّيْنَا بِالحَجِّ) وجه دلالته على التَّرجمة: أنَّ الاستواء على الرَّاحلة كنايةٌ عن السَّفر، فابتداء الاستواء هو ابتداء الخروج إلى منًى، وفيه: أنَّ وقت الإهلال بالحجِّ يوم
стр. 3828
التَّروية، وهو الأفضل عند الجمهور، وروى مالكٌ وغيره بإسنادٍ منقطعٍ، وابن المنذر بإسنادٍ متَّصلٍ: عن عمر أنَّه قال لأهل مكَّة: «ما لكم يقدم النَّاس عليكم شعثًا وأنتم تنضحون طيبًا مدَّهنين؟ إذا رأيتم الهلال فأهلُّوا بالحجِّ» (وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ) محمَّد بن مسلم بن تَدْرُس، بفتح الفوقيَّة وسكون الدَّال المهملة وضمِّ الرَّاء آخره سينٌ مهملةٌ المكِّيُّ، ممَّا وصله أحمد ومسلمٌ من طريق ابن جريجٍ عنه (عَنْ جَابِرٍ: أَهْلَلْنَا) بالحجِّ (مِنَ البَطْحَاءِ) ولفظ مسلمٍ: «فأهللنا من الأبطح»، وفي روايةٍ له: «ثمَّ أهللنا يوم التَّروية».
(وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ جُرَيْجٍ) ممَّا وصله المؤلِّف في «باب غسل الرِّجلين في النَّعلين» [خ¦١٦٦] وفي «اللِّباس» [خ¦٥٨٥١] (لِابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄: رَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ) بالحجِّ (إِذَا رَأَوُا الهِلَالَ) قِيل: إنَّ ذلك محمولٌ منهم (١) على الاستحباب، وبه قال مالكٌ وأبو ثورٍ، وقال ابن المنذر: الأفضل أن يهلَّ يوم التَّروية إلَّا المتمتِّع الذي لا يجد الهدي ويريد الصَّوم، فيعجِّل الإهلال ليصوم ثلاثة أيَّامٍ بعد أن يحرم (وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى يَوْمَُِ التَّرْوِيَةِ) بالحركات الثَّلاثة (٢)، والجرُّ رواية أبي ذرٍّ (فَقَالَ) ابن عمر: (لَمْ أَرَ النَّبِيَّ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ) فإن قلت: إهلاله ﷺ حين انبعثت به راحلته إنَّما كان بذي الحُلَيفة، وإهلال ابن عمر بمكَّة يوم التَّروية، فكيف احتجَّ به لما ذهب إليه، ولم يكن إهلاله ﵊ بمكَّة ولا يوم التَّروية؟ أجاب ابن بطَّالٍ بأنَّ ذلك من جهة أنَّه ﷺ أهلَّ من ميقاته في حين ابتدائه في عمل حجَّته، واتَّصل له عمله ولم يكن بينهما مكثٌ ينقطع به العمل، فكذلك المكِّيُّ لا يهلُّ إلَّا يوم التَّروية الذي هو أوَّل عمله ليتَّصل له (٣) عمله تأسِّيًا به ﵊، بخلاف ما لو أهلَّ من أوَّل الشَّهر.
(٨٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (أَينَ يُصَلِّي الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟) وهو ثامن ذي الحجَّة.
стр. 3829
١٦٥٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الأَزْرَقُ) هو ابن يوسف قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ) بضمِّ الرَّاء وفتح الفاء وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره عينٌ مهملةٌ (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁¬) قال: (قُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ) بفتح القاف، أي: أدركته وفقهته (١)، جملةٌ في موضع جرٍّ صفةٌ (٢) لقوله: «بشيءٍ» (عَنِ النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «رسول الله» (٣) (¬ ﷺ ، أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ) أنسٌ: صلَّاهما (بِمِنًى) اتَّفق الأربعة على استحبابه (قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى العَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ) الأوَّل؟ بفتح النُّون وسكون الفاء: الرُّجوع من منًى (قَالَ) أنسٌ: صلَّاها (بِالأَبْطَحِ) هو المُحصَّب (ثُمَّ قَالَ) أنسٌ: (افْعَلْ كَمَا (٤) يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ) صلِّ حيث يصلُّون، وفيه: إشارةٌ إلى الجواز، وأنَّ الأمراء إذ ذاك ما كانوا يواظبون على صلاة الظُّهر ذلك اليوم بمكانٍ مُعيَّنٍ.
وفي هذا الحديث: التَّحديث بلفظ الإفراد والجمع والعنعنة والقول والسُّؤال، ورواته ما بين بخاريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ، وليس لعبد العزيز بن رُفَيعٍ عن أنسٍ في «الصَّحيحين» (٥) إلَّا هذا الحديث. وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٧٦٣] وكذا مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، وقد قال التِّرمذيُّ بعد أن أخرجه: صحيحٌ مستغربٌ من حديث إسحاق الأزرق عن الثَّوريِّ، قال في «الفتح»: يعني (٦) أنَّ إسحاق تفرَّد به، وله شواهد؛ منها: في حديث جابرٍ الطَّويل عند مسلمٍ:
стр. 3830
«فلمَّا كان يوم التَّروية توجَّهوا إلى منًى فأهلُّوا بالحجِّ، وركب رسول الله ﷺ فصلَّى بها الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر»، ولأبي داود والتِّرمذيِّ وأحمد والحاكم من حديث ابن عبَّاسٍ: «صلَّى النَّبيُّ ﷺ الظُّهر يوم التَّروية (١)، والفجر يوم عرفة بمنًى»، ولابن خزيمة من طريق القاسم بن محمَّدٍ عن عبد الله بن الزُّبير قال: من سنَّة الحجِّ أن يصلِّي الإمام الظُّهر وما بعدها والفجر بمنًى، ثمَّ يغدون إلى عرفة.
ولهذه النُّكتة التي ذكرها التِّرمذيُّ أردف المؤلِّف هذا الحديث بطريق أبي بكر بن عيَّاشٍ عن عبد العزيز، فقال بالسَّند السَّابق إليه:
١٦٥٤ - (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابن المدينيِّ أنَّه (سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ) بتشديد التَّحتيَّة آخره شينٌ معجمةٌ ابن سالمٍ الأسديَّ الكوفيَّ الحنَّاط؛ بالحاء المهملة والنُّون، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ) بن رُفَيعٍ (قَالَ: لَقِيتُ أَنَسًا) قال المؤلِّف:
«ح»: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ) بفتح الهمزة وتخفيف المُوحَّدة آخره نونٌ غير منصرفٍ -كما في «اليونينيَّة» - وقال العينيُّ: هو منصرفٌ على الأصحِّ، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ) هو ابن عيَّاشٍ (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ) بن رُفَيعٍ (قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى مِنًى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَلَقِيتُ أَنَسًا) هو ابن مالكٍ (¬﵁¬) حال كونه (ذَاهِبًا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «راكبًا» (عَلَى حِمَارٍ، فَقُلْتُ) له: (أَيْنَ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ هَذَا اليَوْمَ) أي: يوم التَّروية (الظُّهْرَ؟ فَقَالَ) أنسٌ لعبد العزيز: (انْظُرْ
стр. 3831
حَيْثُ يُصَلِّي أُمَرَاؤُكَ فَصَلِّ) فيه: إشارةٌ إلى متابعة أولي الأمر والاحتراز عن مخالفة الجماعة، وأنَّ ذلك ليس بنسكٍ واجبٍ. نعم المُستحَبُّ ما فعله الشَّارع، وبه قال الأئمَّة الأربعة، قال النَّوويُّ: وهو الصَّحيح المشهور من نصوص الشَّافعيِّ، وفيه قولٌ ضعيفٌ: إنَّه يصلِّي الظُّهر بمكَّة ثمَّ يخرج إلى منًى.
(٨٤) (بابُ) كيفيَّة (الصَّلَاةِ بِمِنًى) هل يصلِّي الرُّباعيَّة أربعًا أو اثنتين قصرًا؟
١٦٥٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزاميُّ بالحاء المهملة والزَّاي قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ قال: (أَخْبَرَنِي) (١) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (٢) (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بتصغير «عبد» الأوَّل (عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِنًى) الرُّباعيَّةَ (رَكْعَتَيْنِ) قصرًا (وَ) كذا صلَّاها (أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) ﵄ (وَ) كذا (عُثْمَانُ) ﵁ (صَدْرًا مِنْ) أيَّام (خِلَافَتِهِ) ثمَّ أتمَّها بعد ستِّ سنين لأنَّ الإتمام والقصر جائزان، ورأى ترجيح طرف الإتمام لأنَّ فيه زيادة مشقَّةٍ، وفي رواية أبي سفيان عن عبيد الله عند مسلمٍ: ثمَّ إنَّ عثمان صلَّى أربعًا، فكان ابن عمر إذا صلَّى مع الإمام صلَّى أربعًا، وإذا صلَّى وحده صلَّى ركعتين، ولـ «مسلمٍ» أيضًا قال: صلَّى النَّبيُّ ﷺ بمنًى صلاة المسافر، وأبو بكرٍ وعمر وعثمان ثماني سنين -أو ستَّ سنين- وقد اتَّفق الأئمَّة على أنَّ الحاجَّ القادم مكَّة يقصر الصَّلاة بها وبمنًى وسائر المشاهد لأنَّه عندهم في سفرٍ لأنَّ مكَّة ليست دار إقامةٍ إلَّا لأهلها أو لمن أراد الإقامة بها، وكان المهاجرون قد فُرِض عليهم ترك المقام بها، فلذلك لم ينوِ ﷺ الإقامة بها ولا بمنًى، ومذهب المالكيَّة
стр. 3832
القصر حتَّى أهل مكَّة وعرفة ومزدلفة للسُّنَّة، قال ابن المُنيِّر: السِّرُّ في القصر في هذه المواضع المتقاربة إظهار الله تعالى تفضُّله على عباده؛ حيث اعتدَّ لهم بالحركة القريبة اعتداده بالسَّفر البعيد، فجعل الوافدين من عرفة إلى مكَّة كأنَّهم سافروا إليها ثلاثة أسفارٍ: سفرٍ إلى المزدلفة؛ ولهذا يقصر أهل عرفة بالمزدلفة وسفرٍ إلى منًى؛ ولهذا يقصر أهل المزدلفة بمنًى، وسفرٍ إلى مكَّة ولهذا يقصر أهل مكَّة بمنًى، فهي على (١) قربها من عرفة معدودةٌ بثلاث مسافاتٍ، كلُّ مسافةٍ منها سفرٌ طويلٌ، وسرُّ ذلك -والله أعلم- أنَّهم كلَّهم وفد الله (٢) وأنَّ القريب كالبعيد في إسباغ الفضل. انتهى.
١٦٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) أي (٣): ابن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الهَمْدَانِيِّ) بسكون الميم المشهور بالسَّبيعيِّ (عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ الخُزَاعِيِّ) بضمِّ الخاء المعجمة وتخفيف الزَّاي، و «حارثة»: بالحاء المهملة والمُثلَّثة (¬﵁ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ) ولأبي الوقت: «رسول الله» (¬ ﷺ وَنَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا قَطُّ وَآمَنُهُ) بفتح القاف وتشديد الطَّاء مضمومةً في أفصح اللُّغات: ظرف زمانٍ لاستغراق ما مضى، فيختصُّ بالنَّفي، يُقال: ما فعلته قطُّ، والعامَّة تقول: لا أفعله قطُّ، وهو خطأٌ، واشتقاقه من: قططته، أي: قطعته، فمعنى ما فعلته قطُّ: ما فعلته فيما انقطع من عمري لأنَّ الماضي منقطعٌ عن الحال والاستقبال، وبُنِيت لتضمُّنها معنى «مذ» و «إلى» إذ المعنى: مذ أن خُلِقتُ إلى الآن، وعلى حركةٍ لئلَّا يلتقي ساكنان، وكانت ضمَّةً (٤) تشبيهًا بالغايات حملًا على «قبل» و «بعد»، قاله ابن هشامٍ. وتعقَّب الدَّمامينيُّ قوله: ويختصُّ بالنَّفي، بأنَّ ملازمة «قطُّ» للنَّفي ليست أمرًا مستمرًّا (٥) على الدَّوام، وإنَّما ذلك هو الغالب، قال في «التَّسهيل»:
стр. 3833
وربَّما استُعمِل «قطُّ» دونه لفظًا ومعنًى، يريد النَّفي، ومن شواهده: قوله هنا (١): أكثر ما كنَّا قطُّ، وله نظائر، والجملة حاليَّةٌ، و «ما»: مصدريَّةٌ، ومعناه: الجمع لأنَّ ما أضيف إليه «أفعل» يكون جمعًا، و «آمنُه»: رُفِع عطفًا على «أكثر»، والضَّمير فيه راجعٌ إلى «ما»، والمعنى صلَّى بنا النَّبيُّ (٢) ﷺ والحال أنَّا (٣) أكثر أكواننا في سائر الأوقات عددًا، وأكثر أكواننا في سائر الأوقات أمنًا، وإسناد الأمن إلى الأوقات مجازٌ، ويجوز أن تكون «ما» (٤) نافيةً، خبر المبتدأ الذي هو «نحن»، و «أكثرَ»: منصوبًا على أنَّه خبر «كان»، والتَّقدير: نحن ما كنَّا قطُّ في وقتٍ أكثر منَّا في هذا الوقت ولا آمن منَّا فيه، ويجوز إعمال ما بعد «ما» فيما قبلها إذا كانت بمعنى «ليس»، فكما يجوز تقديم خبر «ليس» عليه يجوز تقديم خبر «ما» في معناه عليه (بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ) قصرًا، أي: في منًى، والعامل فيه قوله: «صلَّى».
стр. 3834
١٦٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ) بفتح القاف وكسر المُوحَّدة، و «عُقْبة»: بضمِّ العين وسكون القاف، ابن محمَّد بن سفيان السُّوائيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ) من الزِّيادة ابن قيسٍ (١)، أخي الأسود الكوفيِّ النَّخعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) هو ابن مسعودٍ (¬﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) المكتوبة بمنًى (رَكْعَتَيْنِ، وَ) صلَّيت (مَعَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُمَرَ ﵁ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَفَرَّقَتْ) في قصر الصَّلاة وإتمامها (بِكُمُ الطُّرُقُ) فمنكم من يقصر، ومنكم من يتمُّ (فَيَا لَيْتَ حَظِّي) نصيبي (مِنْ أَرْبَعٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ) بالألف فيهما، رُفِع على الأصل، فـ «ركعتان» خبر «ليت»، و «مُتقبَّلتان» صفته، ولأبي الوقت: «ركعتين متقبَّلتين» بالياء فيهما، نُصِب على مذهب الفرَّاء؛ حيث جوَّز نصب خبر «ليت» كاسمه، والمعنى: ليت عثمان صلَّى ركعتين بدل الأربع كما صلَّى النَّبيُّ ﷺ وصاحباه. وفيه: إظهارٌ لكراهة مخالفتهم، أو يريد: أنا أتمُّ متابعةً لعثمان، وليت الله تعالى قَبِل منِّي من الأربع ركعتين.
وهذه الأحاديث الثَّلاثة سبقت في «أبواب تقصير الصَّلاة» [خ¦١٠٨٢] [خ¦١٠٨٣] [خ¦١٠٨٤].
(٨٥) (بابُ) حكم (صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ) بعرفاتٍ.
١٦٥٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ قال: (حَدَّثَنَا سَالِمٌ) هو أبو النَّضر -بالضَّاد المعجمة-
стр. 3835
ابن أبي أميَّة مولى عمر بن عبيد الله؛ كذا في فروع (١) «اليونينيَّة» والصَّواب سقوط: «الزُّهريِّ» كما في بعض الأصول، وعند المؤلِّف في «باب الوقوف على الدَّابَّة بعرفة» [خ¦١٦٦١] من طريق القعنبيِّ، و «كتاب الصَّوم» [خ¦١٩٨٨] من طريق مُسدَّدٍ، وطريق عبد الله بن يوسف، كلُّهم عن مالكٍ عن أبي النَّضر، لكن قال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: إن صحَّ سماع الزُّهريِّ من سالمٍ أبي النَّضر فيكون البخاريُّ رواه بالطَّريقين (قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا) بضمِّ العين وفتح الميم مُصغَّرُ: «عمر» (مَوْلَى أُمِّ الفَضْلِ) ويُقال: مولى ابن عبَّاسٍ، فالأوَّل: على الأصل، والثاني: باعتبار ما آل إليه (٢) لأنَّه انتقل إلى ابن عبَّاسٍ من قِبَل أمِّه (عَنْ أُمِّ الفَضْلِ) لبابة أمِّ عبد الله بن عبَّاسٍ قالت: (شَكَّ النَّاسُ) واختلفوا، وهو معنى قوله في «كتاب الصَّوم» [خ¦١٩٨٨]: «وتماروا» (يَوْمَ عَرَفَةَ) وهم معرِّفون (٣) (فِي صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فقال بعضهم: هو صائمٌ، وقال بعضهم: ليس بصائمٍ، فيه: إشعارٌ بأنَّ صوم يوم عرفة كان معروفًا عندهم معتادًا لهم في الحضر، فمن قال بصيامه له أخذ بما كان عليه ﵊ من عادته، ومن نفاه أخذ بكونه مسافرًا، قالت أمُّ الفضل: (فَبَعَثْتُ) بسكون المُثلَّثة وضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة بلفظ المتكلِّم، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فبعثَتْ» بفتح المُثلَّثة وسكون المُثنَّاة، أي: أمُّ الفضل، وفي «كتاب الصَّوم» [خ¦١٩٨٨]: «فأرسلت» وفي حديثٍ آخر [خ¦١٩٨٩]: أنَّ المرسلة هي ميمونة بنت الحارث، فيحتمل أنَّهما معًا أرسلتا، فنسب ذلك إلى كلٍّ منهما، فتكون ميمونة أرسلت لسؤال أمِّ الفضل لها بذلك لكشف الحال في ذلك، ويحتمل أن تكون أمُّ الفضل أرسلت ميمونة (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِشَرَابٍ) وفي «باب الوقوف على الدَّابَّة بعرفة» [خ¦١٦٦١] وفي «كتاب الصِّيام»: «بقدح لبنٍ» (فَشَرِبَهُ) زاد فيهما: «وهو واقفٌ على بعيره» وزاد أبو نُعيمٍ: وهو يخطب النَّاس بعرفة، وفيه: استحباب فطر يوم عرفة للحاجِّ، وفي «سنن أبي داود»: أنَّ نهيه ﷺ عن صوم يوم عرفة بعرفة، وهذا وجهٌ للشَّافعيَّة، والصَّحيحُ أنَّه
стр. 3836
خلاف الأَولى لا مكروهٌ، وعلى كلِّ حالٍ يُستحَبُّ فطره للحاجِّ للاتِّباع كما دلَّ عليه حديث الباب، وليقوى على الدُّعاء، وأمَّا حديث أبي داود فضُعِّف (١) بأنَّ في إسناده مجهولًا، قال في «المجموع»: قال الجمهور: وسواءٌ أَضْعَفَه الصَّوم عن الدُّعاء وأعمال الحجِّ أم لا، وقال المتولِّي: إن كان ممَّن لا يضعف بالصَّوم عن ذلك فالصَّوم أَولى له (٢)، وإلَّا فالفطر.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٦٦١] وفي «الصَّوم» [خ¦١٩٨٨] وفي «الأشربة» [خ¦٥٦٠٤]، ومسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا أبو داود.
(٨٦) (بابُ) مشروعيَّة (التَّلْبِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ إِذَا غَدَا) ذهب (مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ).
١٦٥٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِي) وليس له في «الصَّحيح» عن أنسٍ إلَّا هذا الحديث (أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ -وَهُمَا غَادِيَانِ) جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ، أي: ذاهبان غدوة (مِنْ مِنًى إِلَى) عرفاتٍ يوم (عَرَفَةَ-: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ) أي: من الذِّكر طول الطَّريق (فِي هَذَا اليَوْمِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ) أنسٌ: (كَانَ) أي: الشَّأن (يُهِلُّ مِنَّا المُهِلُّ) يرفع صوته بالتَّلبية (فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ) بضمِّ الياء وكسر
стр. 3837
الكاف مبنيًّا للفاعل، أي: النَّبيُّ ﷺ ، وفي نسخةٍ: «فلا يُنكَر» بفتح الكاف (١) مبنيًّا للمفعول والفتحة مكشوطةٌ من فرع «اليونينيَّة»، وفي رواية موسى بن عقبة عن محمَّد بن أبي بكرٍ عند مسلمٍ عن أنسٍ: لا يعيب أحدنا على صاحبه (وَيُكَبِّرُ مِنَّا المُكَبِّرُ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ) ومفهومه أنَّه لا حرج عليه في التَّكبير ذلك الوقت، بل يجوز كسائر الأذكار، ولكن ليس التَّكبير يوم عرفة سنَّةً للحاجِّ، وفي الحديث: ردٌّ على من قال: يقطع التَّلبية صبح يوم عرفة، بل السُّنَّة ألَّا يقطعها إلَّا في أوَّل حصاةٍ من جمرة العقبة، ويحتمل أنَّ تكبيرهم هذا كان شيئًا من الذِّكر يتخلَّل التَّلبية من غير تركٍ للتَّلبية، وهذا مذهب أبي حنيفة والشَّافعيِّ، وقال مالكٌ: يقطع إذا زالت الشَّمس وراح إلى الصَّلاة، قال ابن فرحون: وهو المشهور، وفرَّق ابن الجلَّاب بين من يأتي عرفة وبين من يُحرِم بعرفة، فيلبِّي حتَّى يرمي جمرة العقبة، وإذا قطع التَّلبية بعرفة لم يعاودها.
(٨٧) (بابُ التَّهْجِيرِ بِالرَّوَاحِ يَوْمَ عَرَفَةَ) من نَمِرَة إلى موضع الوقوف بعرفة (٢)، ونَمِرَة: هي بفتح النُّون وكسر الميم وفتح الرَّاء؛ موضعٌ خارج الحرم بين طرف الحرم وطرف عرفات، و «التَّهجير»: السَّير في الهاجرة؛ وهي عند نصف النَّهار واشتداد الحرِّ.
١٦٦٠ - وبالسَّند (٣) قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة
стр. 3838
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمٍ) هو ابن عبد الله بن عمر (قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ المَلِكِ) بن مروان الأمويُّ (إِلَى الحَجَّاجِ) بن يوسف الثَّقفيِّ حين أرسله إلى قتال ابن الزُّبير، وجعله واليًا على مكَّة وأميرًا على الحُجَّاج (١) (أَلَّا يُخَالِفَ (٢) ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ (فِي) أحكام (الحَجِّ) قال سالمٌ: (فَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ وَأَنَا مَعَهُ) أي: مع ابن عمر، والواو للحال (يَوْمَ عَرَفَةَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، فَصَاحَ عِنْدَ سُرَادِقِ الحَجَّاجِ) بضمِّ السِّين، قال البرماويُّ و (٣) الحافظ ابن حجرٍ وغيرهما -كالكِرمانيِّ-: الخيمة، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه إنَّما هو الذي يحيط بالخيمة، وله بابٌ يُدخَل منه إلى الخيمة، قال (٤): ولا يعمله غالبًا إلَّا الملوك الأكابر (٥). انتهى.
وفي «القاموس»: أنَّه الذي يُمَدُّ فوق صحن البيت، والبيت من الكُرْسُف، زاد الإسماعيليُّ من هذا الوجه: «أين هذا؟» يعني: الحجَّاج (فَخَرَجَ) من سُرادقه (وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ) مصبوغةٌ بالعصفر، والمِلحفة: بكسر الميم؛ الإزار الكبير (فَقَالَ) أي: الحجَّاج: (مَا لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟) كنية ابن عمر (فَقَالَ) له ابن عمر: عجِّل أو رُحْ (الرَّوَاحَ) فالنَّصب (٦) بفعلٍ مُقدَّرٍ، قال العينيُّ: والأصوب نصبه على الإغراء (إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ) أن (٧) تصيب (السُّنَّةَ) النَّبويَّة (قَالَ) الحجَّاج: (هَذِهِ السَّاعَةَ) وقت الهاجرة؟ (قَالَ) ابن عمر: (نَعَمْ، قَالَ) الحجَّاج: (فَأَنْظِرْنِي) بهمزة قطع ومعجمةٍ مكسورةٍ مِنَ الإنظار؛ وهو المهلة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فانظرني» بهمزة وصلٍ وظاءٍ معجمةٍ مضمومةٍ، أي: انتظرني (حَتَّى أُفِيضَ عَلَى رَأْسِي) أي: أغتسل لأنَّ إفاضة الماء على الرَّأس غالبًا إنَّما تكون في الغُسْل (ثُمَّ أَخْرُجَ) بالنَّصب عطفًا على «أُفيضَ» (فَنَزَلَ)
стр. 3839
ابن عمر عن مركوبه وانتظر (حَتَّى خَرَجَ الحَجَّاجُ) قال سالمٌ: (فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي) عبد الله بن عمر (فَقُلْتُ) للحجَّاج: (إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ) النَّبويَّة (فَاقْصُرِ الخُطْبَةَ) كذا في «اليونينيَّة»: بوصل الهمزة وضمِّ الصَّاد (وَعَجِّلِ الوُقُوفَ) كذا في رواية عبد الله بن يوسف عن مالكٍ، ووافقه القعنبيُّ في «المُوطَّأ»، وأشهب عند النَّسائيِّ، وخالفهم (١) يحيى وابن القاسم وابن وهبٍ ومطرِّفٌ عن مالكٍ، فقالوا: «وعجِّل الصَّلاة» وقد غلَّط أبو عمر ابن عبد البرِّ الرِّواية الأولى لأنَّ أكثر الرُّواة عن مالكٍ على خلافها، ووُجِّهت بأنَّ تعجيل الوقوف يستلزم تعجيل الصَّلاة (فَجَعَلَ) الحجَّاج (يَنْظُرُ إِلَى عَبْدِ اللهِ) بن عمر، كأنَّه يستدعي معرفة ما عنده فيما قاله ابنه سالمٌ، هل هو كذا (٢) أم لا؟ (فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ قَالَ: صَدَقَ).
وفي هذا الحديث: فوائدُ جمَّةٌ تظهر عند التَّأمُّل لا نطيل بها، وموضع التَّرجمة منه قوله: «هذه السَّاعة» لأنَّه أشار به إلى وقت زوال الشَّمس عند الهاجرة، وهو وقت الرَّواح إلى الموقف لحديث ابن عمر عند أبي داود قال: غدا رسول الله ﷺ حين صلَّى الصُّبح في صبيحة يوم عرفة حتَّى أتى عرفة، فنزل نَمِرة، وهو منزل الإمام الذي ينزل به بعرفة، حتَّى إذا كان عند صلاة الظُّهر راح رسول الله ﷺ مهجِّرًا، فجمع بين الظُّهر والعصر، ثمَّ خطب النَّاس، ثمَّ راح فوقف.
وحديث الباب قد أخرجه النَّسائيُّ في «الحجِّ».
(٨٨) (بابُ الوُقُوفِ عَلَى الدَّابَّةِ بِعَرَفَةَ).
١٦٦١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ أَبِي النَّضْرِ) بسكون الضاد المعجمة سالم بن أبي أمية (عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ العَبَّاسِ) حقيقةً أو مجازًا
стр. 3840
(عَنْ أُمِّ الفَضْلِ) لبابة (بِنْتِ الحَارِثِ) ﵂: (أَنَّ نَاسًا اخْتَلَفُوا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ) كعادته (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ) لكونه مسافرًا (فَأَرْسَلَتْ) أمُّ الفضل (إِلَيْهِ) ﷺ (بِقَدَحِ لَبَنٍ، وَهْوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ) بعرفاتٍ (فَشَرِبَهُ) وفي حديث جابرٍ الطَّويل المرويِّ في «مسلمٍ»: «ثمَّ ركب إلى الموقف فلم يَزَلْ واقفًا حتَّى غربت الشَّمس» وهذا يدلُّ لمذهب الجمهور: أنَّ الأفضل الرُّكوب اقتداءً به ﷺ ، ولما فيه من العون على الاجتهاد في الدُّعاء والتَّضرُّع الذي هو المطلوب في ذلك الموضع حينئذٍ، وخصَّه آخرون بمن يحتاج النَّاس إليه للتَّعليم. وفيه: أنَّ الوقوف على ظهر الدَّابَّة مباحٌ إذا لم يجحف بها، ولا يعارضه النَّهي الوارد: «لا تتَّخذوا ظهورها منابر» لأنَّه محمولٌ على الأغلب الأكثر.
(٨٩) (بابُ الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ) الظُّهر والعصر في وقت الأولى (بِعَرَفَةَ) للمسافرين سفر القصر، وقال المالكيَّة: للنُّسك، فيجوز لكلِّ أحدٍ؛ المكِّيِّ وغيره، وقال أبو حنيفة: يختصُّ الجمع بمن صلَّى مع الإمام، حتَّى لو صلَّى الظُّهر وحده أو بجماعةٍ بدون الإمام لا يجوز، وخالفه صاحباه، فقالا: والمنفرد أيضًا كالأئمَّة الثَّلاثة.
(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄¬) ممَّا وصله إبراهيم الحربيُّ في «المناسك» (إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الإِمَامِ) يوم عرفة (جَمَعَ بَيْنَهُمَا) أي: بين الظُّهر والعصر في منزله.
стр. 3841
١٦٦٢ - (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام ممَّا وصله الإسماعيليُّ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين وفتح القاف ابن خالدٍ الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ) هو ابن عبد الله بن عمر: (أَنَّ الحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ) الثَّقفيَّ (عَامَ نَزَلَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ) عبدِ الله (¬﵄¬) بمكَّة لمحاربته سنة ثلاثٍ وسبعين (سَأَلَ عَبْدَ اللهِ) بن عمر (¬﵁¬) وعن أبيه (١): (كَيْفَ تَصْنَعُ فِي المَوْقِفِ يَوْمَ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ) له (سَالِمٌ) ولدُ ابن عمر: (إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ) النَّبويَّة (فَهَجِّرْ بِالصَّلَاةِ) بتشديد الجيم المكسورة، أي: صلِّها وقت الهجير (٢) شدَّة الحرِّ (يَوْمَ عَرَفَةَ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) أبوه: (صَدَقَ) سالمٌ (إِنَّهُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ فِي السُّنَّةِ) بضمِّ السين، قال الطِّيبيُّ: حالٌ من فاعل «يجمعون» أي: متوغِّلين في السُّنَّة ومتمسِّكين بها، قاله تعريضًا بالحَجَّاج.
قال ابن شهابٍ: (فَقُلْتُ لِسَالِمٍ) مستفهمًا له: (أَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ سَالِمٌ: وَهَلْ تَتَّبِعُونَ فِي ذَلِكَ) بتشديد الفوقيَّة الثَّانية وكسر المُوحَّدة بعدها عينٌ مهملةٌ من الاتِّباع (إِلَّا سُنَّتَهُ؟) على سبيل الحصر بعد الاستفهام، أي: ما تتَّبعون في التَّهجير والجمع لشيءٍ من الأشياء إلَّا سنَّته، فـ «سنَّتَه»: منصوبٌ بنزع الخافض، وللحَمُّويي والمُستملي -كما في فرع (٣) «اليونينيَّة» -: «وهل تَبْتَغون بذلك» بمُثنَّاتين فوقيَّتين مفتوحتين بينهما مُوحَّدةٌ ساكنةٌ وبالغين المعجمة من الابتغاء؛ وهو الطَّلب، و «بذلك» بالمُوحَّدة بدل «في»، وللحَمُّويي والمُستملي -كما في فرع «اليونينيَّة» -: «(٤) يتَّبعون» بالمُثنَّاة التَّحتيَّة بلفظ الغيبة (٥)، وقال العينيُّ -كالحافظ ابن حجرٍ-: إنَّ الذي بالمهملة لأكثر الرُّواة، والذي بالغين المعجمة للكُشْمِيْهَنِيِّ، وإنَّه في رواية الحَمُّويي: «وهل تتَّبعون ذلك» بحذف «في»، وهي مُقدَّرةٌ.
(٩٠) (بابُ قَصْرِ الخُطْبَةِ بِعَرَفَةَ) بفتح القاف وسكون الصَّاد.
стр. 3842
١٦٦٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر: (أَنَّ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ كَتَبَ إِلَى الحَجَّاجِ أَنْ يَأْتَمَّ) أي: يقتدي (بِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ فِي) أحكام (الحَجِّ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ جَاءَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ وَأَنَا مَعَهُ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ) أي: مالت (أَوْ زَالَتْ) شكٌّ من (١) الرَّاوي (فَصَاحَ عِنْدَ فُسْطَاطِهِ) بيتٌ من شَعرٍ: (أَيْنَ هَذَا؟) فيه: تحقيرٌ للحَجَّاج، ولعلَّه؛ لتقصيره في تعجيل الرَّواح ونحوه (فَخَرَجَ إِلَيْهِ) الحجَّاج (فَقَالَ) له (ابْنُ عُمَرَ): عجِّل (الرَّوَاحَ) أو النَّصب على الإغراء (فَقَالَ) له (٢) الحجَّاج: (الآنَ؟ قَالَ) ابن عمر: (نَعَمْ، قَالَ) الحجَّاج: (أَنْظِرْنِي) بهمزة قطعٍ (٣) وكسر المعجمة، أي: أمهِلْني (أُفِيضُ عَلَيَّ مَاءً) بضمِّ الهمزة والرَّفع على الاستئناف، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أُفِضْ» بالجزم جواب الأمر (فَنَزَلَ ابْنُ عُمَرَ ﵄¬) عن مركوبه (حَتَّى خَرَجَ) الحجَّاج من فُسْطاطه (فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي) عبد الله بن عمر (فَقُلْتُ) للحجَّاج: (إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ) النَّبويَّة (اليَوْمَ؛ فَاقْصُرِ الخُطْبَةَ) بهمزة وصلٍ وضمِّ الصَّاد (وَعَجِّلِ الوُقُوفَ) في رواية ابن وهبٍ وغيره: «وعجِّل الصَّلاة» ومرَّ ما فيه قريبًا (فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: صَدَقَ) سالمٌ، ولأبي الوقت والحَمُّويي: «لو كنت تريد السُّنَّة»، فـ «لو» بمعنى «إنْ» أي: لمُجرَّد الشَّرطيَّة من غير ملاحظة الامتناع.
(٩٠ م) (بابُ التَّعْجِيلِ إِلَى المَوْقِفِ).
لم يذكر الأكثرون في هذه التَّرجمة حديثًا، بل سقطت من رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر أصلًا، لكن قال أبو ذرٍّ: إنَّه رأى في بعض النُّسخ عقب هذه التَّرجمة: «قال أبو عبد الله» أي: المؤلِّف:
стр. 3843
«حديث مالكٍ» أي: المذكور قبل «يُذكَر هنا، ولكنِّي لا أُريد أن أدخل فيه» أي: في هذا «الجامع» «مُعَادًا» بضمِّ الميم، أي: مُكرَّرًا، فإن وقع ما يوهم التَّكرار فتأمَّله تجدْه لا يخلو من فوائد إسناديَّةٍ أو متنيَّةٍ؛ كتقييد مُهمَلٍ أو تفسير مُبهَمٍ أو زيادةٍ لا بدَّ منها، ونحو ذلك ممَّا يقف عليه من تتَّبع هذا الكتاب، وما وقع له ممَّا سوى ذلك فبغير قصدٍ، وهو نادر الوقوع. ووقع في نسخة الصَّغانيِّ: «يدخل في هذا الباب هذا الحديث» حديث مالكٍ عن ابن شهابٍ «ولكنِّي أريد أن أدخل فيه غير مُعادٍ» والحاصل من ذلك أنَّه قال: زيادة الحديث المذكور كانت مناسِبةً أن تدخل في «باب التَّعجيل إلى الموقف» ولكنِّي ما أدخلته فيه (١) لأنِّي ما أدخلت فيه مُكرَّرًا إلَّا لفائدةٍ، وكأنَّه لم يظفر بطريقٍ آخر فيه غير الطَّريقين المذكورين (٢) فلذا لم يُدِخله، وفي «الكِرمانيِّ»: وقال أبو عبد الله: يُزاد في هذا الباب هَمْ هذا الحديث؛ بفتح هاء «هَمْ» وسكون ميمها، قِيلَ: إنَّها فارسيَّةٌ، وقِيلَ: عربيَّةٌ، ومعناها قريبٌ من معنى: «أيضًا». انتهى.
(٩١) (بابُ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ) دون غيرها من الأماكن.
١٦٦٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ قال: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) هو ابن دينارٍ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) بضمِّ الجيم (٣) وفتح المُوحَّدة، و «مُطعِمٍ»: بضمِّ الميم وكسر العين (عَنْ أَبِيهِ) أنَّه قَالَ: (كُنْتُ أَطْلُبُ بَعِيرًا لِي). قال
стр. 3844
البخاريُّ: «ح»: (وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ أنَّه (سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن مطعمٍ» (عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا) أي: أضعته أو ذهب هو، زاد إسحاق بن رَاهُوْيَه في «مسنده»: في الجاهليَّة، وزاد المؤلِّف في غير رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر: «لي» (فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ) أي: في يوم عرفة، متعلِّقٌ بـ «أضللتُ» (فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ) قال جُبَيرٌ: (فَقُلْتُ: هَذَا) أي (١): النَّبيُّ ﷺ (وَاللهِ مِنَ الحُمْسِ) بحاءٍ مهملةٍ مضمومةٍ وميمٍ ساكنةٍ، قال في «القاموس»: والحُمْس: الأمكنة الصُّلبة، جمع: أَحْمَسَ، وبه لُقِّبت (٢) قريشٌ وكنانة وجَديلة ومَنْ تابعهم لتحمُّسهم في دينهم، أو لالتجائهم للحمساء؛ وهي الكعبة لأنَّ حجرها أبيض يميل (٣) إلى السَّواد. انتهى.
وهذا الأخير رواه إبراهيم الحربيُّ (٤) في «غريب الحديث» من طريق عبد العزيز بن عمر (٥)، والأوَّل أكثر وأشهر، وقال ابن إسحاق: كانت قريشٌ -لا أدري قبل الفيل أو بعده- ابتدعت أمر الحُمْس رأيًا، فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها وهم يعرفون ويقرُّون أنَّها من المشاعر والحجِّ إلَّا أنَّهم قالوا: نحن أهل الحرم ونحن الحُمْس، والحُمْسُ أهل الحرم، قالوا (٦): ولا ينبغي للحُمْس أن يتأقَّطوا الأقط ولا يسلوا (٧) السَّمن وهم حرمٌ، ولا يدخلوا بيتًا من شعرٍ، ولا يستظلُّوا -إن استظلُّوا (٨) - إلَّا في بيوت الأدم ما كانوا حرمًا، ثمَّ قالوا: لا ينبغي لأهل الحلِّ أن يأكلوا من طعامٍ جاؤوا به معهم من الحلِّ إلى الحرم إذا جاؤوا حجَّاجًا أو عُمَّارًا، ولا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أوَّل طوافهم إلَّا في ثياب الحُمْس.
стр. 3845
(فَمَا شَأْنُهُ هَهُنَا؟) تعجُّبٌ من جُبَيرٍ وإنكارٌ منه لمَّا رأى النَّبيَّ ﷺ واقفًا بعرفة، فقال: هو من الحمس، فما باله يقف بعرفة والحمس لا يقفون بها لأنَّهم لا يخرجون من الحرم؟ وعند الحُمَيديِّ عن سفيان: وكان الشَّيطان قد استهواهم، فقال لهم: إنَّكم إن عظَّمتم غير حرمكم استخفَّ النَّاس بحرمكم، فكانوا لا يخرجون من الحرم، وعند الإسماعيليِّ: وكانوا يقولون: نحن أهل الله لا نخرج من الحرم، وكان سائر النَّاس يقف بعرفة، وذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩].
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الحجِّ».
١٦٦٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي المَغْرَاءِ) بفتح الميم وسكون الغين المعجمة آخره راءٌ ممدودةٌ، و «فَرْوَة»: بفتح الفاء والواو بينهما راءٌ ساكنةٌ الكنديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بضمِّ الميم وسكون السِّين المهملة وكسر الهاء، قاضي الموصل (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (قَالَ عُرْوَةُ) أبو هشامٍ: (كَانَ النَّاسُ يَطُوفُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ) بالكعبة، حال كونهم (عُرَاةً إِلَّا الحُمْسَ، وَالحُمْسُ قُرَيْشٌ وَمَا وَلَدَتْ) من أمَّهاتهم، وعبَّر بـ «ما» دون «مَنْ» لقصد التَّعميم، وزاد معمرٌ: «وكان (١) ممَّن ولدت قريشٌ خزاعة وبنو كنانة وبنو عامر بن صعصعة» وعند إبراهيم الحربيِّ: وكانت قريشٌ إذا خطب إليهم الغريب اشترطوا عليه أنَّ ولدها على دينهم، فدخل في الحُمْس من غير قريشٍ ثقيفٌ وليثٌ وخزاعة وبنو عامر بن صعصعة؛ يعني: وغيرهم، وعُرِف بهذا أنَّ المراد بهذه القبائل من كانت له من أمَّهاته قرشيَّةٌ (٢)، لا جميع القبائل المذكورة.
стр. 3846
(وَكَانَتِ الحُمْسُ يَحْتَسِبُونَ عَلَى النَّاسِ) يعطونهم حِسبةً لله (يُعْطِي الرَّجُلُ الرَّجُلَ الثِّيَابَ يَطُوفُ فِيهَا (١)، وَتُعْطِي المَرْأَةُ المَرْأَةَ الثِّيَابَ تَطُوفُ فِيهَا، فَمَنْ لَمْ يُعْطِهِ (٢) الحُمْسُ) ثيابًا (طَافَ بِالبَيْتِ عُرْيَانًا، وَكَانَ يُفِيضُ جَمَاعَةُ النَّاسِ) أي: كان غير الحمس يدفعون (مِنْ عَرَفَاتٍ) قال الزَّمخشريُّ: عرفات: عَلَمٌ للموقف، سُمِّي بجمعٍ كأَذْرعِاتٍ، فإن قلت: هلَّا منعت الصَّرف وفيها السَّببان التَّعريف والتَّأنيث؟ قلت: لا يخلو التَّأنيث؛ إمَّا أن يكون بالتَّاء التي في لفظها، وإمَّا (٣) بتاءٍ مُقدَّرةٍ كما في «سعاد»، فالتي في لفظها ليست للتَّأنيث وإنَّما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع المُؤنَّث، ولا يصحُّ تقدير التَّاء فيها لأنَّ هذه التَّاء لاختصاصها بجمع المُؤنَّث مانعةٌ من تقديرها كما لا تُقدَّر تاء التَّأنيث في «بنتٍ» لأنَّ التَّاء التي هي بدلٌ من الواو لاختصاصها بالمُؤنَّث؛ كتاء التَّأنيث، فأبت تقديرها، وتعقَّبه ابن المُنيِّر بأنَّه يلزمه إذا سمَّى امرأةً بـ «مسلمات» أن يصرفه، وهو قولٌ رديءٌ، والأفصح تنوينه، وهو يرى أنَّ تنوين «عرفاتٍ» للتَّمكين لا للمقابلة، ولم يعدَّ تنوين المقابلة في «مُفصَّله» بناءً منه (٤) على أنَّه راجعٌ إلى التَّمكين، ونقل (٥) الزَّجَّاج فيها وجهين: الصَّرفَ وعدمَه، إلَّا أنَّه قال: لا يكون إلَّا مكسورًا وإن سقط التَّنوين.
(وَتُفِيضُ (٦) الحُمْسُ مِنْ جَمْعٍ) بفتح الجيم وسكون الميم؛ أي (٧): من المزدلفة، وسُمِّيت به لأنَّ آدم اجتمع فيها مع حوَّاء، وازدلف إليها، أي: دنا منها، أو لأنَّه يجمع فيها بين
стр. 3847
الصَّلاتين، وأهلها يزدلفون، أي: يتقرَّبون إلى الله تعالى بالوقوف فيها.
(قَالَ) هشامٌ: (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروةُ بن الزُّبير: (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الحُمْسِ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]) إبراهيم الخليل عليه أفضل (١) الصَّلاة والسَّلام، رواه التِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ من حديث يزيد بن شيبان قال: أتانا ابن مِرْبَعٍ -بكسر الميم وسكون الرَّاء وفتح المُوحَّدة- زيدٌ الأنصاريُّ، ونحن وقوفٌ بالموقف، فقال: إنِّي رسولُ (٢) رسولِ الله ﷺ إليكم (٣)، يقول: «كونوا على مشاعركم، فإنَّكم على إرثٍ من إرث (٤) إبراهيم ﵊» وقُرِئ: ﴿النَّاسُ﴾ بالكسر أي: النَّاسِ؛ يريد: آدم، من قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥] أو المراد: سائر النَّاس غير الحُمْس، قال ابن التِّين (٥): وهو الصَّحيح، والمعنى: أفيضوا من عرفة لا من المزدلفة، والخطاب مع قريشٍ، كانوا يقفون بجمعٍ وسائر النَّاس بعرفة، ويرون ذلك ترفُّعًا عليهم -كما مرَّ- فأُمِروا بأن (٦) يساووهم، فإن قلت: ما وجه إدخال «ثمَّ» هنا، حيث كانت الإفاضة المذكورة بعدها هي بعينها الإفاضة المذكورة قبلها، فما معنى عطف الأمر بها بكلمة: «ثمَّ» الدَّالَّة على التَّراخي على الأمر بالذِّكر المتأخِّر عنها؟ وكيف موقع «ثمَّ» من كلام البلغاء؟ فقال البيضاويُّ -كالزَّمخشريِّ-: و «ثمَّ» لتفاوت ما بين الإفاضتين كما في قولك: أحسن إلى النَّاس ثمَّ لا تحسن إلى غير كريمٍ، وزاد الزَّمخشريُّ: تأتي بـ «ثمَّ» لتُفاوِتَ ما بين الإحسان إلى الكريم والإحسان إلى غيره وبُعْد ما بينهما، فكذلك حين أمرهم بالذِّكر عند الإفاضة من عرفاتٍ، قال: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ﴾ لتفاوت ما بين الإفاضتين، وأنَّ إحداهما صوابٌ، والأخرى خطأٌ. انتهى.
وتعقبَّه أبو حيَّان فقال: ليست الآية كالمثال الذي مثَّله، وحاصل ما ذكر: أنَّ «ثمَّ» تسلب التَّرتيب، وأنَّ لها معنًى غيره، سمَّاه بالتَّفاوت والبُعد لما بعدها ممَّا قبلها، ولم يجرِ في الآية
стр. 3848
أيضًا (١) ذكر الإفاضة الخطأ، فتكون «ثمَّ» في قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ﴾ جاءت لبُعْد ما بين الإفاضتين وتفاوتهما، ولا نعلم (٢) أحدًا سبقه إلى إثبات هذا المعنى لـ «ثمَّ». انتهى. وقِيلَ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ وهم الحُمْس، أي: من المزدلفة إلى منًى بعد الإفاضة من عرفاتٍ. انتهى. فيكون المراد بـ ﴿النَّاسُ﴾ هنا: المعهودين؛ وهم الحُمْس، ويكون هذا الأمر أمرًا بالإفاضة من المزدلفة إلى منًى بعد الإفاضة من عرفاتٍ.
(قَالَ) عروة، ولابن عساكر: «قالت» أي: عائشة: (كَانُوا) أي: الحُمْس (يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ) من المزدلفة (فَدُفِعُوا) بضمِّ الدَّال المهملة مبنيًّا للمفعول، أي: أُمِروا بالذَّهاب (إِلَى عَرَفَاتٍ) حيث قِيلَ لهم: أفيضوا، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فرُفِعوا» بالرَّاء بدل الدَّال، ولـ «مسلمٍ»: رجعوا إلى عرفاتٍ؛ يعني: أُمِروا أن يتوجَّهوا إلى عرفاتٍ ليقفوا بها، ثمَّ يفيضوا منها.
(٩٢) (بابُ السَّيْرِ إِذَا دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ).
١٦٦٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الأصبحيُّ الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ) بن زيد بن حارثة، حِبُّ رسول الله ﷺ (وَأَنَا جَالِسٌ) أي: (٣) معه، والواو للحال: (كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ؟) أي: انصرف من عرفاتٍ إلى المزدلفة، وسُمِّي دَفْعًا لازدحامهم إذا انصرفوا، فيدفع بعضهم بعضًا (قَالَ) أسامة: (كَانَ) ﵊، ولأبي الوقت: «فكان» (يَسِيرُ
стр. 3849
العَنَقَ) بفتح العين والنُّون، منصوبٌ على المصدر انتصاب «القَهْقَرى» في قولهم: رجع القَهْقَرى، أو التَّقدير: يسير السَّير (١) العنق؛ وهو السَّير بين الإبطاء والإسراع (فَإِذَا وَجَدَ) ﵇ (فَجْوَةً) بفتح الفاء وسكون الجيم؛ أي (٢): مُتَّسعًا (نَصَّ) بفتح النُّون والصَّاد المهملة المُشدَّدة، أي: سار سيرًا شديدًا يبلغ به الغاية.
(قَالَ هِشَامٌ) هو ابن عروة: (وَالنَّصُّ فَوْقَ العَنَقِ) أي: أرفع منه في السُّرعة (فَجْوَةٌ) وللمُستملي: «قال أبو عبد الله» أي (٣): البخاريّ: «فجوةٌ» (مُتَّسَعٌ) يريد: المكان الخالي عن (٤) المارَّة (وَالجَمِيعُ) بكسر الميم والتَّحتيَّة السَّاكنة (فَجَوَاتٌ وَفِجَاءٌ) بكسر الفاء والمدِّ (وَكَذَلِكَ: رَكْوَةٌ) بفتح الرَّاء (وَرِكَاءٌ) بكسرها مع المدِّ (مَنَاصٌٍ) بالرَّفع، ويجوز جرُّه على الحكاية للفظ القرآن (لَيْسَ حِينَ فِرَارٍ) بنصب «حينَ» خبر «ليس»، واسمها محذوفٌ تقديره: ليس الحينُ حينَ هربٍ، يشير المؤلِّف بهذا إلى أنَّه ليس النَّصُّ والمناص أحدهما مشتقٌّ من الآخر.
وحديث الباب أخرجه أيضًا في «الجهاد» [خ¦٢٩٩٩] و «المغازي» [خ¦٤٤١٣]، ومسلمٌ في «المناسك»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(٩٣) (بابُ النُّزُولِ بَيْنَ عَرَفَةَ وَجَمْعٍ) لقضاء حاجته، أيَّ حاجةٍ كانت، وليس من المناسك.
١٦٦٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ الأسديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو
стр. 3850
ابن درهمٍ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) بضمِّ العين وسكون القاف (عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَيْثُ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ) بلفظ الإفراد، قال الفرَّاء: إفراده شبيهٌ بالمُولَّد، وليس بعربيٍّ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «حين» بالنون بدل: «حيث» بالمُثلَّثة، وهو أصوب لأنَّه ظرف (١) زمانٍ، و «حيث»: ظرف مكانٍ (مَالَ) أي: عَدَلَ (إِلَى الشِّعْبِ) بكسر الشِّين المعجمة: الطَّريق بين الجبلين (فَقَضَى حَاجَتَهُ) أي: استنجى (فَتَوَضَّأَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتُصَلِّي) بهمزة الاستفهام (فَقَالَ) ﵊: (الصَّلَاةُ أَمَامَكَ) بفتح الهمزة، أي: مشروعةٌ فيما بين يديك، أي: في المزدلفة، و «الصَّلاة»: رَفعُ مبتدأٍ خبره (٢) محذوفٌ، وتقديره (٣): الصَّلاة حاضرةٌ، أو الخبر الظَّرف المكانيُّ المستقرُّ، ويجوز النَّصب بفعلٍ مُقدَّرٍ.
وهذا الحديث سبق في «باب إسباغ الوضوء» [خ¦١٣٩].
١٦٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) تصغير: «جارية» ابن أسماء الضُّبعيُّ البصريُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ) جمعَ تأخيرٍ (بِجَمْعٍ) بالمزدلفة (غَيْرَ أَنَّهُ) في معنى الاستثناء المنقطع، أي: كان يجمع بينهما بمزدلفة، لكن بهذه الهيئة؛ وهي: أنَّه (يَمُرُّ بِالشِّعْبِ الَّذِي أَخَذَهُ) أي: سلكه (رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَيَدْخُلُ) فيه (فَيَنْتَفِضُ) بفاءٍ وضادٍ معجمةٍ من الانتفاض، وهو كنايةٌ عن قضاء الحاجة، أي: يستنجي (وَيَتَوَضَّأُ، وَلَا يُصَلِّي) شيئًا (حَتَّى يُصَلِّيَ بِجَمْعٍ) وهو المزدلفة، كما مرَّ.
стр. 3851
١٦٦٩ - ١٦٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ مولى زُرَيقٍ المؤدِّب (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ) مولى آل حُوَيطبٍ (عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: رَدِفْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) بكسر دال «ردِفتُ» أي: ركبتُ وراءه (مِنْ عَرَفَاتٍ، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الشِّعْبَ الأَيْسَرَ الَّذِي دُونَ المُزْدَلِفَةِ) أي: قربها (أَنَاخَ) راحلته (فَبَالَ، ثُمَّ جَاءَ، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الوَضُوءَ) بفتح الواو: الماء الذي يتوضَّأ به (تَوَضَّأَ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «فتوضَّأ» بفاء العطف (وُضُوءًا خَفِيفًا) إمَّا بأنَّه مرَّةً مرَّةً، أو خفَّف استعمال الماء على خلاف عادته، قال أسامة: (فَقُلْتُ: الصَّلَاةَُ يَا رَسُولَ اللهِ) رُفِع على تقدير: حضرت الصَّلاة، أو نُصِب بفعلٍ مُقدَّرٍ (قَالَ) ﵊: (الصَّلَاةَُ) حاضرةٌ (أَمَامَكَ) بفتح الهمزة، ويجوز نصب الصَّلاة بفعلٍ مُقدَّرٍ كما مرَّ (فَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى المُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى) المغرب والعشاء، لم يبدأ بشيءٍ قبل الصَّلاة (ثُمَّ رَدِفَ الفَضْلُ) بن العبَّاس (رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) أي: ركب خلفه، فـ «الفضلُ»: رُفِعَ على الفاعليَّة (غَدَاةَ جَمْعٍ) أي: غداة اللَّيلة التي كان فيها الجمع؛ وهي صبيحة يوم النَّحر.
(قَالَ كُرَيْبٌ: فَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ (١) ﵄ عَنِ الفَضْلِ) بن عبَّاسٍ: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الجَمْرَةَ) التي بالعقبة، فقطع التَّلبية حين بلوغها، وهذا الحديث رواه مسلمٌ.
(٩٤) (بابُ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أصحابه (بِالسَّكِينَةِ) بالوقار (عِنْدَ الإِفَاضَةِ) من عرفة (وَإِشَارَتِهِ إِلَيْهِمْ بِالسَّوْطِ) بذلك.
стр. 3852
١٦٧١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن محمَّد بن الحكم بن أبي مريم الجمحيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُوَيْدٍ) بضمِّ السِّين وفتح الواو ابن حيَّان المدينيُّ، روى له البخاريُّ هذا الحديث فقط، وقد وثَّقه ابن معينٍ وأبو زرعة، وقال ابن حبَّان في «الثِّقات»: ربَّما أتى بمناكير. لكن لمتنه هذا شواهد، وقد تابعه فيه سليمان بن بلالٍ عند الإسماعيليِّ وكذا غيره قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين فيهما (مَوْلَى المُطَّلِبِ) قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح المُوحَّدة (مَوْلَى وَالِبَةَ) بلامٍ مكسورةٍ ومُوحَّدةٍ مفتوحةٍ، لا ينصرف للعلميَّة والتَّأنيث بالهاء (الكُوفِيُّ) وقتله الحجَّاج سنة خمسٍ وتسعين، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّهُ دَفَعَ) انصرف (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) من عرفاتٍ (يَوْمَ عَرَفَةَ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَاءَهُ زَجْرًا) بفتح الزَّاي وسكون الجيم: صياحًا (شَدِيدًا وَضَرْبًا) زاد في غير رواية أبي الوقت -كما في «اليونينيَّة» - وعزاها غيره لكريمة فقط: «وصوتًا» وكأنَّه تصحيفٌ من: «ضربًا»، وعُطِف عليه (لِلإِبِلِ، فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ): يا (أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ) أي: الزموا الرِّفق وعدم المزاحمة في السَّير، ثمَّ علَّل ذلك بقوله: (فَإِنَّ البِرَّ) بكسر المُوحَّدة، أي: الخير (لَيْسَ بِالإِيضَاعِ) بكسر الهمزة وبالضَّاد المعجمة، وآخره عينٌ مهملةٌ؛ وهو حمل الدَّابَّة على إسراعها في السَّير، يُقال: وَضَعَ البعيرُ وغيره: أسرع في سيره، وأوضعَهُ راكبُه، أي: ليس البِرُّ بالسَّير السَّريع، ثمَّ قال المؤلِّف مفسِّرًا لـ «الإيضاع» على عادته: (أَوْضَعُوا) معناه: (أَسْرَعُوا) ركائبهم (﴿خِلَالَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٧] مِنَ التَّخَلُّلِ بَيْنَكُمْ، ﴿فَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا﴾ [الكهف: ٣٣]) أي: (بَيْنَهُمَا) وفي الفرع وأصله مكتوبٌ على:
стр. 3853
«وصوتًا» علامة السُّقوط لأبي الوقت، ثمَّ كتب على (١) «بينهما»: «إلى» (٢)، ذكر: «خلالكم» استطرادًا لبقيَّة الآية (٣)، ثمَّ الآية الأخرى بسورة «الكهف» تكثيرًا لفرائد الفوائد اللُّغويَّة (٤) ﵀ وأثابه، وهذا الحديث من أفراد المؤلِّف، والله أعلم (٥).
(٩٥) (بابُ) استحباب (الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ) المغرب والعشاء في وقت الثَّانية (بِالمُزْدَلِفَةِ) قيَّده الدَّارميُّ والبندنيجيُّ (٦) والقاضي أبو الطَّيِّب وابن الصَّبَّاغ والطَّبريُّ والعمرانيُّ بما إذا لم يَخْشَ فوت وقت الاختيار للعشاء، فإن خشيه صلَّى بهم في الطَّريق، ونقله القاضي أبو الطَّيِّب وغيره عن النَّصِّ (٧)، قال في «شرح المُهذَّب»: ولعلَّ إطلاق الأكثرين محمولٌ على هذا.
١٦٧٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) بضمِّ العين وسكون القاف المدنيِّ (عَنْ كُرَيْبٍ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄: أَنَّهُ سَمِعَهُ) حال كونه (يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ) أي: رجع من وقوف عرفة بعرفاتٍ لأنَّ «عرفة» اسمٌ لليوم، و «عرفات» -بلفظ الجمع- اسمٌ للموضع، وحينئذٍ فيكون المضاف إليه محذوفًا، لكن على مذهب من يقول: إنَّ «عرفة» اسمٌ للمكان أيضًا لا حاجة
стр. 3854
إلى التَّقدير (فَنَزَلَ الشِّعْبَ) الأيسر الذي (١) دون المزدلفة (فَبَالَ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «بال» بإسقاط الفاء (ثُمَّ تَوَضَّأَ) وضوءًا شرعيًّا أو استنجى، وأطلق عليه اسم الوضوء اللُّغويِّ لأنَّه من الوضاءة وهي النَّظافة (وَلَمْ يُسْبِغِ الوُضُوءَ) أي: خفَّفه، أو لم يتوضَّأ في جميع (٢) أعضاء الوضوء، بل اقتصر على بعضها فيكون لغويًّا، أو على بعض العدد فيكون شرعيًّا، ويؤيِّد هذا قوله في روايةٍ [خ¦١٦٦٩]: «وضوءًا خفيفًا» لأنَّه لا يُقال في النَّاقص: خفيفٌ، قال أسامة: (فَقُلْتُ لَهُ) ﵊: حضرت (الصَّلَاةَُ) أو نُصِب بفعلٍ مُقدَّرٍ (فَقَالَ) ﵊: (الصَّلَاةُ أَمَامَكَ) مبتدأٌ وخبرٌ، أي: موضع هذه الصَّلاة قدَّامك؛ وهو المزدلفة، فهو من باب ذكر الحال وإرادة المحلِّ، أو التَّقدير: وقت الصَّلاة قدَّامك، فالمضاف فيه محذوفٌ؛ إذ الصَّلاة نفسها لا توجد قبل إيجادها، وعند إيجادها لا تكون أمامه، قال الحنفيَّة: فيكون المراد: وقتها، فيجب تأخيرها، وهو مذهب أبي حنيفة ومحمَّدٍ، فلو صلَّى المغرب في الطَّريق لم يجز، وعليه إعادتها ما لم يطلع الفجر، وقال المالكيَّة: يُندَب الجمع بينهما، وظاهره: أنَّه لو صلَّاهما قبل إتيانه إليها أجزأه لأنَّه جعل ذلك مندوبًا، والذي في «المُدوَّنة»: أنَّه يعيدهما إلَّا أنها عند ابن القاسم على سبيل الاستحباب، وقال ابن حبيبٍ: يعيدهما أبدًا، وقال الشَّافعيَّة: لو جمع بينهما في وقت المغرب في أرض عرفاتٍ، أو في الطَّريق (٣)، أو صلَّى كلَّ صلاةٍ في وقتها جاز وإن خالف الأفضل، وفي الحديث: تخصيصٌ لعموم الأوقات المُؤقَّتة للصَّلوات الخمس ببيان فعله ﵊.
(فَجَاءَ المُزْدَلِفَةَ، فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ) أي: الوضوءَ، فحذف المفعول، قال الخطَّابيُّ: إنَّما ترك إسباغه حين نزل الشِّعب ليكون مستصحبًا للطَّهارة في طريقه، وتجوَّز فيه لأنَّه لم يُرِدْ أن يصلِّي فيه (٤)، فلمَّا نزل المزدلفة وأرادها أسبغه، ويحتمل أن يكون تجديدًا وأن يكون عن حدثٍ
стр. 3855
طرأ، واستُبعِد القول بأنَّ المراد بقوله: «لم يسبغ الوضوء» الوضوءُ اللُّغويُّ، وأبعد منه أنَّ المراد به الاستنجاء، وممَّا يقوِّي استبعادَه روايةُ المؤلِّف السَّابقة في «باب الرَّجل يوضِّئ صاحبه» [خ¦١٨١]: عن أسامة: أنَّه ﷺ عدل إلى الشِّعب فقضى حاجته، فجعلت أصبُّ الماء عليه ويتوضَّأ. إذ لا يجوز أن يصبَّ عليه أسامة إلَّا وضوء الصَّلاة لأنَّه كان لا يقرب منه أحدٌ وهو على حاجته.
(ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى) ﵊ بالنَّاس (المَغْرِبَ) أي: قبل حطِّ الرِّحال كما جاء مُصرَّحًا به في روايةٍ (١) أخرى (ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ) منَّا (بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى) ﵊ بالنَّاس صلاة العشاء (وَلَمْ يُصَلِّ) نفلًا (بَيْنَهُمَا) لأنَّه يخلُّ بالجمع لأنَّ الجمع يجعلهما كصلاةٍ واحدةٍ، فوجب الولاء كركعات الصَّلاة، ولولا اشتراط الولاء لَمَا ترك (٢) ﵊ الرَّواتب، لكنَّ هذا فيه تفصيلٌ بين جمع التَّقديم فيخلُّ، وبين جمع التَّأخير فلا يخلُّ (٣) كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه عن قريبٍ، والله الموفِّق.
(٩٦) (بابُ مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا) أي: بين العشاءين بالمزدلفة (وَلَمْ يَتَطَوَّعْ) بينهما ولا على أثر واحدةٍ منهما.
١٦٧٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي أياسٍ، عبد الرَّحمن قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو محمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي ذئبٍ المدنيُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ