١٦٦٩ - ١٦٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ مولى زُرَيقٍ المؤدِّب (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ) مولى آل حُوَيطبٍ (عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: رَدِفْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) بكسر دال «ردِفتُ» أي: ركبتُ وراءه (مِنْ عَرَفَاتٍ، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الشِّعْبَ الأَيْسَرَ الَّذِي دُونَ المُزْدَلِفَةِ) أي: قربها (أَنَاخَ) راحلته (فَبَالَ، ثُمَّ جَاءَ، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الوَضُوءَ) بفتح الواو: الماء الذي يتوضَّأ به (تَوَضَّأَ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «فتوضَّأ» بفاء العطف (وُضُوءًا خَفِيفًا) إمَّا بأنَّه مرَّةً مرَّةً، أو خفَّف استعمال الماء على خلاف عادته، قال أسامة: (فَقُلْتُ: الصَّلَاةَُ يَا رَسُولَ اللهِ) رُفِع على تقدير: حضرت الصَّلاة، أو نُصِب بفعلٍ مُقدَّرٍ (قَالَ) ﵊: (الصَّلَاةَُ) حاضرةٌ (أَمَامَكَ) بفتح الهمزة، ويجوز نصب الصَّلاة بفعلٍ مُقدَّرٍ كما مرَّ (فَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى المُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى) المغرب والعشاء، لم يبدأ بشيءٍ قبل الصَّلاة (ثُمَّ رَدِفَ الفَضْلُ) بن العبَّاس (رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) أي: ركب خلفه، فـ «الفضلُ»: رُفِعَ على الفاعليَّة (غَدَاةَ جَمْعٍ) أي: غداة اللَّيلة التي كان فيها الجمع؛ وهي صبيحة يوم النَّحر.
(قَالَ كُرَيْبٌ: فَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ (١) ﵄ عَنِ الفَضْلِ) بن عبَّاسٍ: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الجَمْرَةَ) التي بالعقبة، فقطع التَّلبية حين بلوغها، وهذا الحديث رواه مسلمٌ.
(٩٤) (بابُ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أصحابه (بِالسَّكِينَةِ) بالوقار (عِنْدَ الإِفَاضَةِ) من عرفة (وَإِشَارَتِهِ إِلَيْهِمْ بِالسَّوْطِ) بذلك.
стр. 3852
١٦٧١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن محمَّد بن الحكم بن أبي مريم الجمحيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُوَيْدٍ) بضمِّ السِّين وفتح الواو ابن حيَّان المدينيُّ، روى له البخاريُّ هذا الحديث فقط، وقد وثَّقه ابن معينٍ وأبو زرعة، وقال ابن حبَّان في «الثِّقات»: ربَّما أتى بمناكير. لكن لمتنه هذا شواهد، وقد تابعه فيه سليمان بن بلالٍ عند الإسماعيليِّ وكذا غيره قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين فيهما (مَوْلَى المُطَّلِبِ) قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح المُوحَّدة (مَوْلَى وَالِبَةَ) بلامٍ مكسورةٍ ومُوحَّدةٍ مفتوحةٍ، لا ينصرف للعلميَّة والتَّأنيث بالهاء (الكُوفِيُّ) وقتله الحجَّاج سنة خمسٍ وتسعين، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّهُ دَفَعَ) انصرف (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) من عرفاتٍ (يَوْمَ عَرَفَةَ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَاءَهُ زَجْرًا) بفتح الزَّاي وسكون الجيم: صياحًا (شَدِيدًا وَضَرْبًا) زاد في غير رواية أبي الوقت -كما في «اليونينيَّة» - وعزاها غيره لكريمة فقط: «وصوتًا» وكأنَّه تصحيفٌ من: «ضربًا»، وعُطِف عليه (لِلإِبِلِ، فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ): يا (أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ) أي: الزموا الرِّفق وعدم المزاحمة في السَّير، ثمَّ علَّل ذلك بقوله: (فَإِنَّ البِرَّ) بكسر المُوحَّدة، أي: الخير (لَيْسَ بِالإِيضَاعِ) بكسر الهمزة وبالضَّاد المعجمة، وآخره عينٌ مهملةٌ؛ وهو حمل الدَّابَّة على إسراعها في السَّير، يُقال: وَضَعَ البعيرُ وغيره: أسرع في سيره، وأوضعَهُ راكبُه، أي: ليس البِرُّ بالسَّير السَّريع، ثمَّ قال المؤلِّف مفسِّرًا لـ «الإيضاع» على عادته: (أَوْضَعُوا) معناه: (أَسْرَعُوا) ركائبهم (﴿خِلَالَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٧] مِنَ التَّخَلُّلِ بَيْنَكُمْ، ﴿فَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا﴾ [الكهف: ٣٣]) أي: (بَيْنَهُمَا) وفي الفرع وأصله مكتوبٌ على:
стр. 3853
«وصوتًا» علامة السُّقوط لأبي الوقت، ثمَّ كتب على (١) «بينهما»: «إلى» (٢)، ذكر: «خلالكم» استطرادًا لبقيَّة الآية (٣)، ثمَّ الآية الأخرى بسورة «الكهف» تكثيرًا لفرائد الفوائد اللُّغويَّة (٤) ﵀ وأثابه، وهذا الحديث من أفراد المؤلِّف، والله أعلم (٥).
(٩٥) (بابُ) استحباب (الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ) المغرب والعشاء في وقت الثَّانية (بِالمُزْدَلِفَةِ) قيَّده الدَّارميُّ والبندنيجيُّ (٦) والقاضي أبو الطَّيِّب وابن الصَّبَّاغ والطَّبريُّ والعمرانيُّ بما إذا لم يَخْشَ فوت وقت الاختيار للعشاء، فإن خشيه صلَّى بهم في الطَّريق، ونقله القاضي أبو الطَّيِّب وغيره عن النَّصِّ (٧)، قال في «شرح المُهذَّب»: ولعلَّ إطلاق الأكثرين محمولٌ على هذا.
١٦٧٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) بضمِّ العين وسكون القاف المدنيِّ (عَنْ كُرَيْبٍ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄: أَنَّهُ سَمِعَهُ) حال كونه (يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ) أي: رجع من وقوف عرفة بعرفاتٍ لأنَّ «عرفة» اسمٌ لليوم، و «عرفات» -بلفظ الجمع- اسمٌ للموضع، وحينئذٍ فيكون المضاف إليه محذوفًا، لكن على مذهب من يقول: إنَّ «عرفة» اسمٌ للمكان أيضًا لا حاجة
стр. 3854
إلى التَّقدير (فَنَزَلَ الشِّعْبَ) الأيسر الذي (١) دون المزدلفة (فَبَالَ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «بال» بإسقاط الفاء (ثُمَّ تَوَضَّأَ) وضوءًا شرعيًّا أو استنجى، وأطلق عليه اسم الوضوء اللُّغويِّ لأنَّه من الوضاءة وهي النَّظافة (وَلَمْ يُسْبِغِ الوُضُوءَ) أي: خفَّفه، أو لم يتوضَّأ في جميع (٢) أعضاء الوضوء، بل اقتصر على بعضها فيكون لغويًّا، أو على بعض العدد فيكون شرعيًّا، ويؤيِّد هذا قوله في روايةٍ [خ¦١٦٦٩]: «وضوءًا خفيفًا» لأنَّه لا يُقال في النَّاقص: خفيفٌ، قال أسامة: (فَقُلْتُ لَهُ) ﵊: حضرت (الصَّلَاةَُ) أو نُصِب بفعلٍ مُقدَّرٍ (فَقَالَ) ﵊: (الصَّلَاةُ أَمَامَكَ) مبتدأٌ وخبرٌ، أي: موضع هذه الصَّلاة قدَّامك؛ وهو المزدلفة، فهو من باب ذكر الحال وإرادة المحلِّ، أو التَّقدير: وقت الصَّلاة قدَّامك، فالمضاف فيه محذوفٌ؛ إذ الصَّلاة نفسها لا توجد قبل إيجادها، وعند إيجادها لا تكون أمامه، قال الحنفيَّة: فيكون المراد: وقتها، فيجب تأخيرها، وهو مذهب أبي حنيفة ومحمَّدٍ، فلو صلَّى المغرب في الطَّريق لم يجز، وعليه إعادتها ما لم يطلع الفجر، وقال المالكيَّة: يُندَب الجمع بينهما، وظاهره: أنَّه لو صلَّاهما قبل إتيانه إليها أجزأه لأنَّه جعل ذلك مندوبًا، والذي في «المُدوَّنة»: أنَّه يعيدهما إلَّا أنها عند ابن القاسم على سبيل الاستحباب، وقال ابن حبيبٍ: يعيدهما أبدًا، وقال الشَّافعيَّة: لو جمع بينهما في وقت المغرب في أرض عرفاتٍ، أو في الطَّريق (٣)، أو صلَّى كلَّ صلاةٍ في وقتها جاز وإن خالف الأفضل، وفي الحديث: تخصيصٌ لعموم الأوقات المُؤقَّتة للصَّلوات الخمس ببيان فعله ﵊.
(فَجَاءَ المُزْدَلِفَةَ، فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ) أي: الوضوءَ، فحذف المفعول، قال الخطَّابيُّ: إنَّما ترك إسباغه حين نزل الشِّعب ليكون مستصحبًا للطَّهارة في طريقه، وتجوَّز فيه لأنَّه لم يُرِدْ أن يصلِّي فيه (٤)، فلمَّا نزل المزدلفة وأرادها أسبغه، ويحتمل أن يكون تجديدًا وأن يكون عن حدثٍ
стр. 3855
طرأ، واستُبعِد القول بأنَّ المراد بقوله: «لم يسبغ الوضوء» الوضوءُ اللُّغويُّ، وأبعد منه أنَّ المراد به الاستنجاء، وممَّا يقوِّي استبعادَه روايةُ المؤلِّف السَّابقة في «باب الرَّجل يوضِّئ صاحبه» [خ¦١٨١]: عن أسامة: أنَّه ﷺ عدل إلى الشِّعب فقضى حاجته، فجعلت أصبُّ الماء عليه ويتوضَّأ. إذ لا يجوز أن يصبَّ عليه أسامة إلَّا وضوء الصَّلاة لأنَّه كان لا يقرب منه أحدٌ وهو على حاجته.
(ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى) ﵊ بالنَّاس (المَغْرِبَ) أي: قبل حطِّ الرِّحال كما جاء مُصرَّحًا به في روايةٍ (١) أخرى (ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ) منَّا (بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى) ﵊ بالنَّاس صلاة العشاء (وَلَمْ يُصَلِّ) نفلًا (بَيْنَهُمَا) لأنَّه يخلُّ بالجمع لأنَّ الجمع يجعلهما كصلاةٍ واحدةٍ، فوجب الولاء كركعات الصَّلاة، ولولا اشتراط الولاء لَمَا ترك (٢) ﵊ الرَّواتب، لكنَّ هذا فيه تفصيلٌ بين جمع التَّقديم فيخلُّ، وبين جمع التَّأخير فلا يخلُّ (٣) كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه عن قريبٍ، والله الموفِّق.
(٩٦) (بابُ مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا) أي: بين العشاءين بالمزدلفة (وَلَمْ يَتَطَوَّعْ) بينهما ولا على أثر واحدةٍ منهما.
١٦٧٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي أياسٍ، عبد الرَّحمن قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو محمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي ذئبٍ المدنيُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ
стр. 3856
سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِجَمْعٍ) بسكون الميم بعد فتح الجيم، أي: المزدلفة، وسقط لأبي ذرٍّ لفظة «بين»، فقوله: «المغرب» نُصِبَ على المفعوليَّة، و «العشاء»: عُطِفَ عليه (كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) من العشاءين (بِإِقَامَةٍ، وَلَمْ يُسَبِّحْ) أي: لم يتنفَّل (بَيْنَهُمَا وَلَا عَلَى إِثْرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) بكسر الهمزة وسكون المُثلَّثة من «إثرِ» بمعنى: أَثَر -بفتحتين- أي: عقبهما، أي: لم يصلِّ بعد كلِّ واحدةٍ منهما، وليس المراد أنَّه لم (١) يتنفَّل لا بينهما ولا بعدهما لأنَّ المنفيَّ التَّعقيب لا المهلة (٢)، وحينئذٍ فلا ينافي قولهم باستحباب تأخير سنَّة العشاءين عنهما، ومذهب الشَّافعيَّة: أنَّه إذا جمع بين الظُّهر والعصر قدَّم سنَّة الظُّهر التي قبلها، وله تأخيرها سواءٌ جمع تقديمًا أو تأخيرًا، وتوسيطها إن جمع تأخيرًا سواءٌ قدَّم الظُّهر أم العصر، وأخَّر سنَّتها التي بعدها، وله توسيطها إن جمع تأخيرًا وقدَّم الظُّهر وأخَّر عنهما سنَّة العصر، وله توسيطها وتقديمها إن جمع تأخيرًا، سواءٌ قدَّم الظُّهر أم العصر، وإذا جمع بين المغرب والعشاء أخَّر سنَّتيهما (٣)، وله توسيط سنَّة المغرب إن جمع تأخيرًا وقدَّم المغرب، وتوسيط سنَّة العشاء إن جمع تأخيرًا وقدَّم العشاء، وما سوى ذلك ممنوعٌ، وهذا كلُّه بناءً على أنَّ التَّرتيب والولاء شرطان في جمع التَّقديم دون جمع التَّأخير، والأَولى من ذلك تقديم سنَّة الظُّهر أو المغرب المُقدَّمة وتأخير ما سواها على كلِّ تقديرٍ.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود في «الحجِّ» (٤)، وكذا النَّسائيُّ.
١٦٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم وسكون الخاء البجليُّ قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) هو سليمان بن أيُّوب بن بلالٍ القرشيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ
стр. 3857
(قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ) هو عديُّ بن أبان بن ثابتٍ الأنصاريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ الخَطْمِيُّ) بفتح الخاء المعجمة وسكون الطَّاء المهملة نسبةً إلى خطمة: فخذٌ من الأوس، و «يزيد» من الزِّيادة (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو أَيُّوبَ) خالدٌ (الأَنْصَارِيُّ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَمَعَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ بِالمُزْدَلِفَةِ) أي: ولم يصلِّ بينهما تطوُّعًا، وقد سبق قريبًا: أنَّه يُسَنُّ التَّطوُّع على التَّفصيل السَّابق، نعم لا يُسَنُّ التَّنفُّل المُطلَق لا بين الصَّلاتين ولا على أثرهما لئلَّا ينقطع عن المناسك.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف في «المغازي» [خ¦٤٤١٤]، ومسلمٌ في «المناسك»، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة»، وابن ماجه في «الحجِّ».
(٩٧) (بابُ مَنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) أي: من العشاءين بالمزدلفة.
١٦٧٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) بفتح العين، قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابن معاوية بن خديجٍ الجعفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) السَّبيعيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ) من الزِّيادة، حال كونه (يَقُولُ: حَجَّ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁¬) زاد النَّسائيُّ هنا: «فأمرني علقمة أن ألزمه» فلزمته (فَأَتَيْنَا المُزْدَلِفَةَ حِينَ الأَذَانِ بِالعَتَمَةِ) أي: وقت العشاء الأخيرة (١) (أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ) أي: من مغيب الشَّفق (فَأَمَرَ رَجُلًا) لم يُعلَم اسمه، ويحتمل أن يكون هو عبد الرَّحمن بن يزيد (فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ، وَصَلَّى بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ) سنَّتها (ثُمَّ دَعَا بِعَشَائِهِ) بفتح
стр. 3858
العين: ما يتعشَّى به من المأكول (فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَمَرَ -أُرَى (١) -) بضمِّ الهمزة؛ يعني: أنَّه أمر فيما يظنُّه، لا فيما يعلمه يقينًا (فَأَذَّنَ وَأَقَامَ -قَالَ عَمْرٌو) شيخ المؤلِّف: (لَا أَعْلَمُ الشَّكَّ) في قوله: «أُرى، فأذَّن وأقام» (إِلَّا مِنْ زُهَيْرٍ-) المذكور في السَّند، وقد أخرجه الإسماعيليُّ من طريق الحسن بن موسى عن زهيرٍ مثل ما رواه عمرٌو عنه: ولم يقل ما قاله (٢) عمرٌو (ثُمَّ صَلَّى العِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ) فيه: الأذان والإقامة لكلٍّ من الصَّلاتين، وهو (٣) مذهب مالكٍ، قال ابن عبد البرِّ: وليس لهم في ذلك حديثٌ مرفوعٌ. انتهى. لكن حمل الطَّحاويُّ حديث ابن مسعودٍ هذا على أنَّ أصحابه تفرَّقوا عنه فأذَّن لهم ليجتمعوا ليجمع بهم. قال الحافظ ابن حجرٍ: ولا يخفى تكلُّفه، وقد اختلفت طرق الحديث في الأذان والإقامة للصَّلاتين على ستَّة أوجهٍ: الإقامة لكلٍّ منهما بغير أذانٍ، كما سبق قريبًا (٤) من حديث ابن عمر [خ¦١٦٧٣] أو الإقامة لهما مرَّةً واحدةً، رواه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ من حديث سعيد بن جُبَيرٍ عن ابن عمر، أو الأذان مرَّةً مع إقامتين، رواه مسلمٌ وغيره في حديث جابرٍ الطَّويل، وهو الصَّحيح من مذهب الشَّافعيَّة والحنابلة، أو مع الأذان إقامةٌ واحدةٌ، رواه النَّسائيُّ من رواية سعيد بن جبيرٍ عن ابن عمر (٥)، وهو مذهب الحنفيَّة، أو الأذان والإقامة لكلٍّ منهما كما في (٦) حديث هذا الباب، ورواه النَّسائيُّ أيضًا، وقول ابن عبد البرِّ: لا أعلم في هذا الباب حديثًا مرفوعًا إلى النَّبيِّ ﷺ بوجهٍ من الوجوه، تعقَّبه الحافظ زين الدِّين العراقيُّ في «شرح التِّرمذيِّ» بأنَّ ابن مسعودٍ قال في آخر هذا الحديث -كما سيأتي إن شاء الله تعالى-: رأيت النَّبيَّ ﷺ يفعله، فإن أراد به جميع ما ذكره في الحديث فهو إذًا (٧)
стр. 3859
مرفوعٌ، وإن أراد به كون هاتين الصَّلاتين في هذين الوقتين -وهو الظَّاهر- فيكون ذكر الأذانين والإقامتين موقوفًا عليه. انتهى. والوجه السَّادس: ترك الأذان والإقامة فيهما، رواه ابن حزمٍ في «حجَّة الوداع» عن طَلْق بن حَبيبٍ عن ابن عمر من فعله، ويمكن الجمع بين أكثرها (١)، فقوله: بإقامةٍ واحدةٍ، أي: لكلِّ صلاةٍ، أو على صفةٍ واحدةٍ لكلٍّ منهما، ويتأيَّد برواية من صرَّح بإقامتين، وقول من قال كلُّ واحدةٍ بإقامةٍ، أي: ومع إحداهما بأذانٍ، ويدلُّ عليه (٢) رواية من قال: بأذانٍ وإقامتين، ومذهب الشَّافعيَّة: أنَّه يُسَنُّ الأذان للفرض الأوَّل دون الثَّاني في جمع التَّقديم لفعله ﷺ بعرفة، رواه مسلمٌ، وحفظًا للولاء، ويُسَنُّ للفرض الثَّاني في جمع التَّأخير إن ابتدأ بالفرض الثَّاني لأنَّه في وقته ولم يتقدَّمه فرضٌ، دون الأوَّل لأنَّه كالفائت، فإن ابتدأ بالأوَّل فلا يؤذِّن له كالفائت، على ما صحَّحه الرَّافعيُّ، ولا للثَّاني لتبعيَّته للأوَّل، وحفظًا للولاء، ولأنه ﷺ جمع بين العشاءين بمزدلفة بإقامتين كما في الحديث السَّابق في الباب الذي قبل هذا الباب [خ¦١٦٧٣] ونصَّ عليه الشَّافعيُّ كما رأيته في «المعرفة» للبيهقيِّ بلفظ: قال الشَّافعيُّ: ويصلِّي بالمزدلفة بإقامتين؛ إقامةٍ للمغرب وإقامةٍ للعشاء، ولا أذان، لكنَّ الأظهر في «الرَّوضة»: أنَّه يؤذِّن للفرض (٣) الأوَّل لأنَّه ﷺ جمع بينهما بمزدلفة بأذانٍ وإقامتين كما رواه الشَّيخان (٤) من حديث جابرٍ، وهو مُقدَّمٌ على الذي قبله لأنَّ معه زيادة علمٍ.
(فَلَمَّا طَلَعَ الفَجْرُ) أي: صلَّى صلاة الفجر، فالجواب محذوفٌ، وللمُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ وابن عساكر: «فلمَّا حين طلع الفجر» أي: لمَّا كان حين طلوعه، وفي نسخةٍ: «فلمَّا كان حين طلع الفجر» قال في «المصابيح»: الظَّاهر أنَّ «كان» تامَّةٌ و «حين»: فاعلها، غير أنَّه أُضيف إلى الجملة الفعليَّة التي صدرها ماضٍ، فبُنِي على المختار، ويجوز فيه الإعراب، وقال الزَّركشيُّ:
стр. 3860
ويُروَى: فلمَّا أحسَّ وقت طلوع الفجر؛ من الإحساس (قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ) بالنَّصب (إِلَّا هَذِهِ الصَّلَاةَ) بالنَّصب أيضًا (فِي هَذَا المَكَانِ، مِنْ هَذَا اليَوْمِ، قَالَ عَبْدُ اللهِ) يعني: ابن مسعودٍ: (هُمَا صَلَاتَانِ تُحَوَّلَانِ) بالمُثنَّاة الفوقيَّة المضمومة، أو بالتَّحتيَّة مع فتح الواو المُشدَّدة (عَنْ وَقْتِهِمَا) المُستحَبِّ المعتاد، وليس المراد بالتَّحويل إيقاعهما قبل دخول الوقت المحدود لهما في الشَّرع، قاله المُهلَّب (صَلَاةُ المَغْرِبِ بَعْدَ مَا يَأْتِي النَّاسُ المُزْدَلِفَةَ) وقت العشاء (وَالفَجْرُ حِينَ يَبْزُغُ الفَجْرُ) بزايٍ مضمومةٍ وغينٍ معجمةٍ، أي: يطلع، فتحوَّلت بتقديمها عن الوقت الظَّاهر لكلِّ أحدٍ، فقُدِّمت إلى وقتٍ، منهم من يقول: طلع الفجر، ومنهم من يقول: لم يطلع، لكنَّ النَّبيَّ ﷺ تحقَّق طلوعه إمَّا بوحيٍ أو بغيره، والمراد به: المبالغة في التَّغليس على باقي (١) الأيَّام ليتَّسع الوقت لما بين أيديهم من أعمال يوم النَّحر من المناسك (قَالَ) أي: ابن مسعودٍ: (رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُهُ) الظَّاهر: أنَّ الضَّمير يرجع إلى فعل الصَّلاتين في هذين الوقتين، أو إلى جميع ما ذكره (٢)، فيكون مرفوعًا كما سبق قريبًا (٣) تقريره.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا [خ¦١٦٨٣]، وكذا النَّسائيُّ.
(٩٨) (بابُ مَنْ قَدَّمَ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ) بفتح الضَّاد المعجمة والعين المهملة جمع ضعيفٍ؛ النِّساء والصِّبيان والمشايخ العاجزين وأصحاب الأمراض، ليرموا (٤) قبل الزَّحمة (بِلَيْلٍ) أي: في ليلٍ من منزله بجمعٍ (فَيَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ) عند المشعر الحرام، أو عند غيره منها (وَيَدْعُونَ) ويذكرون بها (وَيُقَدِّمُ) بكسر الدَّال المُشدَّدة (٥) (إِذَا غَابَ القَمَرُ) عند أوائل الثُّلث الأخير، فهو بيانٌ لقوله: «بليلٍ» إذ هو شاملٌ لجميع أجزائه، فبيَّنه بقوله: «إذا غاب القمر».
стр. 3861
١٦٧٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام المصريُّ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ المدنيِّ (قَالَ سَالِمٌ) هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب: (وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ) النِّساء والصِّبيان والعاجزين (١) من منزله الذي نزله بالمزدلفة إلى منًى خوف التَّأذِّي بالاستعجال والازدحام (فَيَقِفُونَ عِنْدَ المَِشْعَرِ) بفتح ميم «المَِشعر» ويجوز كسرها (الحَرَامِ بِالمُزْدَلِفَةِ) الذي يحرم فيه الصَّيد وغيره لأنَّه من الحرم، أو لأنَّه ذو حرمةٍ، وسُمِّي مشعرًا -فيما قاله الأزهريُّ- لأنَّه مَعْلَمٌ للعبادة، وهو -كما قاله النَّوويُّ كابن الصَّلاح-: جبلٌ صغيرٌ بآخر المزدلفة، يُقال له: قُزَح -بضمِّ القاف وفتح الزَّاي آخره حاءٌ مهملةٌ- وهو منها لأنَّه ما بين مأزِمَي عرفة ووادي مُحَسِّرٍ، وقد استبدل النَّاس الوقوف به على بناءٍ مُحدَثٍ هناك يظنُّونه المشعر، وليس كما يظنُّون، لكن يحصل بالوقوف عنده أصل السُّنَّة، أي: وكذا بغيره من مزدلفة على الأصحِّ، وقال المحبُّ الطَّبريُّ: هو بأوسط المزدلفة، وقد بُنِي عليه بناءٌ، ثمَّ حكى كلام ابن الصَّلاح، ثمَّ قال: والظَّاهر أنَّ البناء إنَّما هو على الجبل، والمشاهدة تشهد له، قال: ولم أر ما ذكره ابن الصَّلاح لغيره (٢)، وقال ابن الحاجِّ: المزدلفة والمشعر ومنًى (٣) وجمعٌ وقُزَحٌ: أسماءٌ مترادفةٌ. انتهى. والمعروف أنَّ المشعر موضعٌ خاصٌّ بالمزدلفة، ويحصل أصل السُّنَّة بالمرور -وإن لم
стр. 3862
يقف- كما في عرفة، نقله في «الكفاية» عن القاضي وأقرَّه (١) (بِلَيْلٍ) أي: في ليلٍ (فَيَذْكُرُونَ اللهَ) ويدعونه (مَا بَدَا لَهُمْ) من غير همزٍ، أي: ما ظهر لهم وسنح في خواطرهم وأرادوا (ثُمَّ يَرْجِعُونَ) إلى منًى، ولـ «مسلمٍ»: ثمَّ يدفعون، قال في «الفتح»: وهو أظهر (قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الإِمَامُ) بالمشعر الحرام (٢) أو بالمزدلفة، ولأبي الوقت: «ثمَّ يرجعون ما بدا لهم قبل أن يقف الإمام» (وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ) إلى منًى (فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ) بفتح الياء والدَّال وسكون القاف بينهما (مِنًى) بالصَّرف (لِصَلَاةِ الفَجْرِ) أي: عند صلاة الفجر، فاللَّام للتَّوقيت لا للعلَّة (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَدِمُوا رَمَوُا الجَمْرَةَ) الكبرى؛ وهي جمرة العقبة.
(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: أَرْخَصَ) بهمزةٍ مفتوحةٍ وسكون الرَّاء فعلٌ ماضٍ، وفاعله: الرَّسول ﵊، وفي بعض الرِّوايات كما في «الفتح»: «رخَّص» بدون همزةٍ (٣) وتشديد الخاء، وهو (٤) أوضح في المعنى لأنَّه من التَّرخيص ضدَّ العزيمة، لا من الرُّخْص ضدَّ الغلاء (فِي أُولَئِكَ) أي: الضَّعفة (رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬).
١٦٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو ابن درهمٍ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ مِنْ جَمْعٍ) بفتح الجيم وسكون الميم من المزدلفة (بِلَيْلٍ) قيَّده الشَّافعيُّ وأصحابه بالنِّصف الثَّاني.
стр. 3863
١٦٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابن عبد الله المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَة (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ) بضمِّ العين مُصغَّرًا المكِّيُّ، مولى آل قارظ بن شيبة الكنانيُّ أنَّه (سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ المُزْدَلِفَةِ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ) إلى منًى.
١٦٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى) القطَّان (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ) بن كيسان (مَوْلَى أَسْمَاءَ) بنت أبي بكرٍ (عَنْ أَسْمَاءَ) ﵂ (١): (أَنَّهَا نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ عِنْدَ المُزْدَلِفَةِ، فَقَامَتْ تُصَلِّي، فَصَلَّتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ) لعبد الله بن كيسان: (يَا بُنَيَّ) بضمِّ المُوحَّدة مُصغَّرًا (هَلْ غَابَ القَمَرُ؟) قال ابن كيسان: (قُلْتُ: لَا، فَصَلَّت سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ) له: (هَلْ) ولأبي ذرٍّ: «ثمَّ (٢) قالت: يا بنيَّ؛ هل» (غَابَ القَمَرُ؟) قال: (قُلْتُ: نَعَمْ) غاب (قَالَتْ: فَارْتَحِلُوا) بكسر الحاء أمرٌ من الارتحال (فَارْتَحَلْنَا، وَمَضَيْنَا) بها، ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «فمضينا» بفاء العطف بدل الواو (حَتَّى رَمَتِ الجَمْرَةَ) الكبرى (ثُمَّ رَجَعَتْ) إلى منزلها بمنًى (فَصَلَّتِ الصُّبْحَ فِي مَنْزِلِهَا) وفي «سنن أبي داود» بإسنادٍ صحيحٍ على شرط مسلمٍ: عن عائشة ﵂: أنَّ رسول الله ﷺ أرسل أمَّ سلمة ليلة النَّحر، فرمت قبل الفجر، ثمَّ أفاضت. واستدلَّ به: على أنَّه يدخل وقت الرَّمي بنصف ليلة النَّحر، ووجَّهه: أنه ﵊ علَّق الرَّمي بما قبل الفجر، وهو صالحٌ لجميع اللَّيل، ولا ضابط له، فجعل النِّصف ضابطًا لأنَّه أقرب إلى الحقيقة ممَّا قبله، ولأنَّه وقَّت به (٣) للدَّفع
стр. 3864
من مزدلفة ولأذان الصُّبح، فكان وقتًا للرَّمي كما بعد الفجر، ومذهب المالكيَّة والحنفيَّة: يحلُّ (١) بطلوع الفجر، وقبله لغوٌ حتَّى للنِّساء والضَّعفة، والرُّخصة في الدَّفع ليلًا إنَّما هي في الدَّفع خوف الزِّحام، والأفضل الرَّمي من طلوع الشَّمس، وفي «سنن أبي داود» بإسنادٍ حسنٍ من حديث ابن عبَّاسٍ: أنَّه ﷺ قال لغلمان بني عبد المطَّلب: «لا ترموا حتَّى تطلع الشَّمس»، وإذا كان من رُخِّص له مُنِع أن يرمي قبل طلوع الشَّمس فمن لم يُرخَّص له أَوْلى، وقد جمعوا بين حديث ابن عبَّاسٍ هذا وحديث الباب بحمل الأمر في حديث ابن عبَّاسٍ على النَّدب، ويؤيِّده حديث ابن عبَّاسٍ عند الطَّحاويِّ قال: بعثني النَّبيُّ ﷺ مع أهله وأمرني أن أرمي مع الفجر.
(فَقُلْتُ لَهَا: يَا هَنْتَاهْ) بفتح الهاء وسكون النُّون وبعد المُثنَّاة الفوقيَّة ألفٌ آخره هاءٌ ساكنةٌ (٢)، أي: يا هذه (مَا أُرَانَا) بضمِّ الهمزة، أي: ما أظنُّ (إِلَّا قَدْ غَلَّسْنَا) بفتح الغين المعجمة وتشديد اللَّام وسكون السِّين المهملة، أي: تقدَّمنا على الوقت المشروع (قَالَتْ: يَا بُنَيَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَذِنَ لِلظُّعُْنِ) بضمِّ الظَّاء المعجمة والعين المهملة ويجوز سكونها، جمع ظعينةٍ: المرأة في الهودج، واستدلَّ بقولها: «أَذِنَ» على عدم وجوب المبيت بالمزدلفة؛ إذ لو كان واجبًا لم يسقط بعذر الضَّعف كالوقوف بعرفة، وهو مذهب المالكيَّة، قال الشَّيخ خليلٌ: ونُدِب بياته بها، وإن لم ينزل فالدَّم، أي: على الأشهر، وهذا ما (٣) صحَّحه الرَّافعيُّ، وصحَّح النَّوويُّ وجوبه على غير المعذور؛ بخلاف المعذور كالرِّعاء وأهل سقاية العبَّاس، أو له مالٌ يخاف تلفه بالمبيت، أو مريضٌ يحتاج إلى تعهُّده، أو أمرٌ يخاف فوته، قال النَّوويُّ: ويحصل المبيت بمزدلفة بحضورها لحظةً في النِّصف الثَّاني كالوقوف بعرفة، نصَّ عليه في «الأمِّ»، وبه قطع جمهور العراقيِّين وأكثر الخراسانيِّين، وقِيلَ: يُشترَط معظم اللَّيل كما لو حلف: لا يبيت (٤) بموضعٍ لا يحنث إلَّا بمعظم اللَّيل، وهذا صحَّحه الرَّافعيُّ، ثمَّ استشكله من جهة أنَّهم لا يصلونها حتَّى يمضي ربع اللَّيل، مع جواز الدَّفع منها بعد نصف اللَّيل، وقال أبو حنيفة بوجوب المبيت أيضًا.
стр. 3865
١٦٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة العبديُّ البصريُّ، وهو ثقةٌ، ولم يُصِبْ من ضعَّفه، قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -هُوَ ابْنُ القَاسِمِ- عَنِ القَاسِمِ) ابن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق، و «القاسم» هو والد عبد الرَّحمن (عَنْ عَائِشَةَ) عمَّة القاسم (¬﵂ قَالَتِ: اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ) بنت زمعة أمُّ المؤمنين (النَّبِيَّ (١) ﷺ لَيْلَةَ جَمْعٍ، وَكَانَتْ (٢) ثَقِيلَةً) من عِظَمِ جسمها (ثَبْطَةً) بسكون المُوحَّدة بعد المُثلَّثة المفتوحة، ولأبي ذرٍّ: «ثبِطةً» بكسرها، أي: بطيئة الحركة، وفي «مسلمٍ» عن القعنبيِّ عن أفلح بن حُمَيدٍ: أنَّ تفسير «الثَّبطة» بالثَّقيلة من القاسم راوي الحديث، وحينئذٍ: فيكون قوله في هذه الرِّواية: «ثقيلة ثبطة» من الإدراج الواقع قبل ما أدرج عليه وأمثلته قليلة جدًا، وسببه: أن الراوي أدرج التفسير بعد الأصل، فظن الراوي الآخر أن اللفظين ثابتان في أصل المتن فقدَّم وأخَّر، قاله في «الفتح» (فَأَذِنَ لَهَا) ﷺ . ولم يذكر محمَّد بن كثيرٍ شيخ المؤلِّف عن سفيان ما استأذنته سودة فيه فلذلك عقَّبه المؤلِّف بطريق أفلح عن القاسم (٣) المبيِّنة لذلك، فقال بالسَّند السَّابق إليه في أوَّل هذا المجموع:
١٦٨١ - (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ) الأنصاريُّ (عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) والد عبد الرَّحمن المذكور في سند الحديث السَّابق (عَنْ) عمَّته (عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: نَزَلْنَا المُزْدَلِفَةَ، فَاسْتَأْذَنَتِ النَّبِيَّ ﷺ سَوْدَةُ) بنت زمعة ﵂ (أَنْ تَدْفَعَ) أي: أن تتقدَّم إلى منًى (قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ) بفتح الحاء وسكون الطَّاء المهملتين، أي: قبل زحمتهم لأنَّ بعضهم
стр. 3866
يحطم بعضًا من الزِّحام (وَكَانَتِ) سودة (امْرَأَةً بَطِيئَةً، فَأَذِنَ لَهَا) ﷺ (فَدَفَعَتْ) إلى منًى (قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، وَأَقَمْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا نَحْنُ، ثُمَّ دَفَعْنَا بِدَفْعِهِ) ﷺ .
قالت عائشة: (فَلأَنْ أَكُونَ) بفتح اللَّام (اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ -كَمَا اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ-) أي: كاستئذان سودة، فـ «ما»: مصدريَّةٌ، والجملة معترضةٌ بين المبتدأ الذي هو قوله: «فلأن أكون» وبين خبره وهو (١) قوله: (أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ) كل شيءٍ (مَفْرُوحٍ بِهِ) وأَسَرُّه، وهذا كقوله في الحديث الآخر: أَحَبُّ إليَّ من حُمْر النَّعم، قال أبو عبد الله الأبيُّ ﵀: الشَّائع في (٢) كلام الفخر والأصوليِّين: أنَّ ذكر الحكم عقب الوصف المناسب يشعر بكونه علَّةً فيه، وقول عائشة هذا يدلُّ على أنَّه لا يشعر بكونه علَّةً لأنَّه لو أشعر بكونه علَّةً لم ترد ذلك؛ لاختصاص سودة بذلك الوصف إلَّا أن يُقال (٣): إنَّ عائشة نقحت المناط، ورأت أنَّ (٤) العلَّة إنَّما هي الضَّعف، والضَّعف أعمُّ من أن يكون لثقل الجسم (٥) أو غيره، كما قال: «أذن لضعفة أهله»، ويحتمل أنَّها قالت ذلك لأنَّها شركتها في الوصف لِما رُوِي أنَّها قالت: سابقت رسول الله (٦) ﷺ فسبقته، فلمَّا ربَّيت اللَّحم سبقني.
(٩٩) (بَابُ مَنْ) وللأربعة: «متى» (يُصَلِّي الفَجْرَ بِجَمْعٍ) وهو أوضح من الأوَّل.
стр. 3867
١٦٨٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) بكسر الغين المعجمة آخره مُثلَّثةٌ، قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياث بن طَلْقٍ النَّخعيُّ قاضي الكوفة قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان ابن مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُمَارَةُ) بن عُمَيرٍ (١) التَّيميُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن يزيد النَّخعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) يعني: ابن مسعودٍ (¬﵁ قَالَ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةً بِغَيْرِ مِيقَاتِهَا) المعتاد، ولأبي ذرٍّ: «لغير» باللَّام بدل المُوحَّدة (٢) (إِلَّا صَلَاتَيْنِ جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ) جَمْعَ تأخيرٍ، قال النَّوويُّ: احتجَّ الحنفيَّة بقول ابن مسعودٍ: «ما رأيته ﵊ صلَّى صلاةً بغير ميقاتها (٣) إلَّا صلاتين» على منع الجمع بين الصَّلاتين في السَّفر، وجوابه: أنَّه مفهومٌ، وهم لا يقولون به ونحن نقول به؛ إذا لم يعارضه منطوقٌ، وقد تظاهرت الأحاديث على جواز الجمع، ثمَّ هو (٤) متروك الظَّاهر بالإجماع في صلاتي الظُّهر والعصر بعرفاتٍ، وقد تعقَّبه العينيُّ -في قوله: «إنَّه مفهومٌ وهم لا يقولون به» - فقال: لا نسلِّم هذا على إطلاقه، وإنَّما لا يقولون بالمفهوم المخالف، قال: وما ورد في الأحاديث من الجمع بين الصَّلاتين في السَّفر فمعناه الجمع بينهما فعلًا لا وقتًا. انتهى، فليُتأمَّل. (وَصَلَّى الفَجْرَ) حين طلوعه (قَبْلَ مِيقَاتِهَا) المعتاد مبالغةً في التَّبكير ليتَّسع الوقت لفعل ما يستقبل من المناسك، وإلَّا فقد كان يؤخِّرها في غير هذا اليوم حتَّى يأتيه بلالٌ، وليس المراد أنَّه صلَّاها قبل الفجر؛ إذ هو غير جائزٍ بالاتِّفاق.
ورواة هذا الحديث كلُّهم كوفيُّون، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ في «الحجِّ».
стр. 3868
١٦٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ) بفتح الرَّاء والجيم ابن عُمر (١)، ويُقال: ابن المُثنَّى بدل «عمر» الغُدَانيُّ -بضمِّ الغين (٢) المعجمة وتخفيف الدَّال المهملة- البصريُّ، قال أبو حاتمٍ: كان ثقةً رضًا، وقال ابن معينٍ: ليس به بأسٌ، وقال عمرو بن الفلَّاس: كان كثير الغلط والتَّصحيف، ليس بحجَّةٍ. انتهى. وقد لقيه المؤلِّف وحدَّث عنه بأحاديث يسيرةٍ، وروى له النَّسائيُّ وابن ماجه قال: (حَدَّثَنَا (٣) إِسْرَائِيلُ) بن يونس (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد (٤) الله السَّبيعيِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ) النَّخعيِّ الكوفيِّ (قَالَ: خَرَجْنَا) بلفظ الجمع، ولأبي ذرٍّ: «خرجت» (مَعَ عَبْدِ اللهِ) أي (٥): ابن مسعودٍ (¬﵁ إِلَى مَكَّةَ، ثُمَّ قَدِمْنَا جَمْعًا) بفتح الجيم وسكون الميم، أي: المزدلفة من عرفاتٍ (فَصَلَّى الصَّلَاتَيْنِ) المغرب والعشاء (كُلَّ صَلَاةٍ) بنصب: «كلَّ» أي: صلَّى كلَّ صلاةٍ منهما (وَحْدَهَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَالعَِشَاءُ بَيْنَهُمَا) بكسر العين في فرع «اليونينيَّة» وغيره، وفي بعض الأصول -وهو الذي في «اليونينيَّة» - (٦): «والعَشاء» بفتحها وهو الصَّواب؛ لأنَّ المراد به: الطَّعام، أي: أنَّه تعشَّى بين الصَّلاتين، وقد وقع ذلك مُبيَّنًا فيما سبق بلفظ [خ¦١٦٧٥]: إنَّه دعا بعَشائه فتعشَّى، ثمَّ صلَّى العِشاء، قال
стр. 3869
عياضٌ: وإنَّما فعل ذلك لينبِّه على أنَّه يُغتفَر الفصل اليسير بينهما، والواو في قوله: «والعشاء» للحال (ثُمَّ صَلَّى الفَجْرَ حِينَ طَلَعَ (١) الفَجْرُ، قَائِلٌ) كذا في فرع «اليونينيَّة»: «قائلٌ» بغير واوٍ، وفي غيره: «وقائلٌ» بإثباتها (يَقُولُ: طَلَعَ الفَجْرُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: لَمْ يَطْلُعِ الفَجْرُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ حُوِّلَتَا) غُيِّرتا (عَنْ وَقْتِهِمَا) المعتاد (فِي هَذَا المَكَانِ) المزدلفة، قال البُلقِينيُّ -فيما نقله عنه صاحب «اللَّامع» -: لعلَّ هذا مُدرَجٌ من كلام ابن مسعودٍ، ففي «باب من أذَّن وأقام» [خ¦١٦٧٥]: قال عبد الله: هما صلاتان مُحوَّلتان، قال: وحكى البيهقيُّ عن أحمد تردُّدًا (٢) في: أنَّه مرفوعٌ أو مُدرَجٌ، ثمَّ جزم البيهقيُّ بأنَّه مُدرَجٌ، وأجاب البرماويُّ بأنَّه لا تنافيَ بين الأمرين، فمرَّةً رُفِع، ومرَّةً وُقِف (المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ) بالنَّصب فيهما، قال الزَّركشيُّ: بدلٌ من اسم «إنَّ»، وكذا: «صلاةَ الفجر»، وتعقَّبه الدَّمامينيُّ بأنَّ المُبدَل منه مُثنَّى، فلا يُبدَل منه بدل كلٍّ إلَّا ما يصدق عليه المُثنَّى، وهو اثنان، فحينئذٍ: المغرب وصلاة الفجر. مجموعهما هو البدل، ويحتمل أن يكون نصبهما بفعلٍ محذوفٍ، أي: أعني المغربَ وصلاة الفجر. انتهى. ويجوز الرَّفع فيهما على أنَّ المغرب خبر مبتدأٍ محذوفٍ، تقديره: إحدى الصَّلاتين المغرب، وسقط في رواية ابن عساكر «والعشاء».
(فَلَا يَقْدَمُ النَّاسُ جَمْعًا) أي: المزدلفة، بفتح دال «يقدَم» بعد سكون قافها (حَتَّى يُعْتِمُوا) بضمِّ أوَّله وكسر ثالثه مِنَ الإعتام، أي: يدخلوا في العتمة وهو وقت العشاء الأخيرة (٣) (وَصَلَاةَ الفَجْرِ) بالنَّصب، ولأبي ذرٍّ: «صلاةُ» بالرفع كإعراب «المغرب» فيهما السَّابق (هَذِهِ السَّاعَةَ) بالنَّصب، أي: بعد طلوع الفجر قبل ظهوره للعامة.
(ثُمَّ وَقَفَ) ابن مسعودٍ ﵁ بمزدلفة أو بالمشعر الحرام (حَتَّى أَسْفَرَ) أضاء الصُّبح وانتشر ضوؤه (ثُمَّ قَالَ: لَوْ أَنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ) عثمان ﵁ (أَفَاضَ الآنَ) عند الإسفار قبل طلوع الشَّمس (أَصَابَ السُّنَّةَ) التي فعلها رسول الله ﷺ خلافًا لما كانت عليه الجاهليَّة من الإفاضة بعد طلوع الشَّمس كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الباب التَّالي [خ¦١٦٨٤].
стр. 3870
قال عبد الرَّحمن بن يزيد الرَّاوي عن ابن مسعودٍ: (فَمَا أَدْرِي أَقَوْلُهُ) أي: أَقَولُ ابن مسعودٍ: لو أنَّ أمير المؤمنين أفاض … إلى آخره، (كَانَ أَسْرَعَ أَمْ دَفْعُ عُثْمَانَ ﵁¬) أي (١): أسرع، ووقع في «شرح الكِرمانيِّ» -وتبعه البرماويُّ-: أنَّ القائل: فما أدري … إلى آخره، هو (٢) ابن مسعودٍ نفسه، وهو خطأٌ -كما قاله في «فتح الباري» - قال: ووقع في رواية جرير بن حازمٍ عن أبي إسحاق عند أحمد من الزِّيادة في هذا الحديث: أنَّ نظير هذا القول صدر من ابن مسعودٍ عند الدَّفع من عرفة (٣) أيضًا، ولفظه: فلمَّا وقفنا بعرفة غابت الشَّمس، فقال (٤): لو أنَّ أمير المؤمنين أفاض الآن كان قد أصاب (٥)، قال: فما أدري أكلامُ (٦) ابن مسعودٍ أسرع أو إفاضة عثمان … الحديث.
(فَلَمْ يَزَلْ) أي: ابن مسعودٍ (يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ) أي: ابتدأ الرَّمي لأخذه في أسباب التَّحلُّل، وسيأتي إن شاء الله تعالى البحث في «التَّلبية» بعد بابٍ [خ¦١٦٨٥].
(١٠٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (مَتَى يُدْفَعُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ: «يَدفَع» بفتح أوَّله مبنيًّا للفاعل، أي: متى يدفع الحاجُّ (مِنْ جَمْعٍ) من المزدلفة بعد الوقوف بالمشعر الحرام.
١٦٨٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم وسكون النُّون الأنماطيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) السَّبيعيِّ قال: (سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ) بالتَّنوين، و «عَمْرو» -بفتح العين وسكون الميم- ابن مهران البصريَّ (يَقُولُ: شَهِدْتُ عُمَرَ) بن
стр. 3871
الخطَّاب (¬﵁ صَلَّى بِجَمْعٍ) بالمزدلفة (الصُّبْحَ، ثُمَّ وَقَفَ) بالمشعر الحرام (فَقَالَ: إِنَّ المُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ) بضمِّ أوَّله من الإفاضة، أي: لا يدفعون من المزدلفة إلى منىً (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) وعند الطَّبريِّ من رواية عبيد الله بن موسى عن سفيان: حتَّى يروا الشَّمس على ثَبْيرٍ (وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ) بفتح الهمزة وسكون الشِّين المعجمة وكسر الرَّاء وجزم القاف، فعل أمرٍ مِنَ الإشراق، وثَبِيرُ: بفتح المُثلَّثة وكسر المُوحَّدة والضَّمِّ منادى حُذِف منه حرف النِّداء، وزاد أبو الوليد عن شعبة عند الإسماعيليِّ: كيما نُغير، وفي بعض الأصول: «ثُبَيرْ» كـ «نُغَيرْ» (١) لإرادة السَّجع، قال النَّوويُّ: هو جبلٌ عظيمٌ بالمزدلفة على يسار الذَّاهب إلى منًى ويمين الذَّاهب على عرفاتٍ، وإنَّه المذكور في صفة الحجِّ والمراد في مناسك الحجِّ. انتهى. ومراده: ما ذُكِرَ في المناسك أنَّه يُستَحبُّ المبيت بمنًى ليلة تاسع ذي (٢) الحجَّة، فإذا طلعت الشَّمس وأشرقت على ثبيرٍ، يسيرون إلى عرفاتٍ، قال صاحب «تحصيل المرام في (٣) تاريخ البلد الحرام»: وهذا (٤) غير مستقيمٍ لأنَّه يقتضي أنَّ ثبيرًا المذكور في صفة الحجِّ بالمزدلفة، وإنَّما هو بمنًى على ما ذكره المحبُّ الطَّبريُّ في «شرح التَّنبيه»، بل قال المجد الشِّيرازيُّ في «كتاب الوصل والمنى في بيان (٥) فضل منى»: إنَّ قول النَّوويِّ مخالفٌ لإجماع أئمَّة اللُّغة والتَّواريخ، وقال في «القاموس»: وثبير الأَثْبِرة (٦)، وثَبيرُ الخضراءِ، والنِّصْع، والزِّنْج، والأعرج، والأحدب، وغَيْنَاء: جبالٌ بظاهر مكَّة. انتهى. وسُمِّي برجلٍ من هُذَيلٍ اسمه: ثَبيرٌ دُفِن به (٧)، والمعنى: لتطلع عليك الشَّمس، و «كيما نغير» -بالنُّون- أي: نذهب سريعًا، يُقال: أغار يغير إذا أسرع في العَدْوِ، وقِيل: نغير على لحوم الأضاحي، أي: ننهبها.
стр. 3872
(وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ¬) بفتح همزة «أَنَّ» وفي بعض النُّسخ: بكسرها (خَالَفَهُمْ) فأفاض حين أسفر قبل طلوع الشَّمس (ثُمَّ أَفَاضَ) أي: النَّبيُّ ﷺ ، أو ابن مسعودٍ (١)، والمعتمد الأوَّل لعطفه على قوله: «خالفهم»، وفي حديث جابرٍ الطَّويل عند مسلمٍ: فلم يزل واقفًا؛ أي (٢): عند المشعر الحرام حتَّى أسفر جدًّا فدفع (قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ) ولابن خزيمة عن ابن عبَّاسٍ: فدفع رسول الله ﷺ حين أسفر كلُّ شيءٍ قبل أن تطلع الشَّمس، وهذا مذهب الشَّافعيِّ والجمهور، وقال مالكٌ في «المُدونَّة»: ولا يقف أحدٌ به، أي: بالمشعر الحرام إلى طلوع الفجر والإسفار، ولكن يدفع قبل ذلك، وإذا أسفر ولم يدفع الإمام دفع النَّاس وتركوه، واحتجَّ له بعض أصحابه بأنَّ النَّبيَّ (٣) ﷺ لم يعجِّل الصَّلاة مغلسًا إلَّا ليدفع قبل الشَّمس، فكلَّما بَعُد دفعه من طلوع الشَّمس كان أَولى، وهذا موضع التَّرجمة.
(١٠١) (بابُ التَّلْبِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ غَدَاةَ النَّحْرِ حِينَ يَرْمِي الجَمْرَةَ) أي: الكبرى، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «حتَّى» قال في «الفتح»: وهو (٤) أصوب (وَالاِرْتِدَافِ) بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق؛ وهو الرُّكوب خلف الرَّاكب (فِي السَّيْرِ) من المزدلفة إلى منًى.
١٦٨٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم واللَّام بينهما معجمةٌ ساكنةٌ النَّبيل البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز الأمويُّ (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) عبد الله (¬﵄: أَنَّ النَّبِيَّ) ولأبي الوقت: «أنَّ رسول الله» (¬ ﷺ أَرْدَفَ الفَضْلَ) بن العبَّاس من المزدلفة إلى منًى (فَأَخْبَرَ الفَضْلُ) أخاه عبد الله (أَنَّهُ) ﵊ (لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الجَمْرَةَ) الكبرى؛ وهي جمرة العقبة.
стр. 3873
١٦٨٦ - ١٦٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بفتح الحاء المهملة وسكون الرَّاء آخره مُوحَّدةٌ النَّسائيُّ؛ بالنُّون والسِّين المهملة، قال: (حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بفتح الجيم، قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) جرير بن حازم بن زيدٍ البصريُّ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد (الأَيْلِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بتصغير «عبد» الأوَّل، ابن عتبة بن مسعودٍ أحد الفقهاء السَّبعة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) عبد الله (¬﵄: أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ) الحِبَّ (¬﵄ كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ) بكسر الرَّاء وسكون الدَّال، ولأبي ذرٍّ: «ردف رسول الله» (¬ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى المُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ) ﷺ (الفَضْلَ) بن عبَّاسٍ (مِنَ المُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى -قَالَ-) عبد الله بن عبَّاسٍ: (فَكِلَاهُمَا) أي: الفضل وأسامة (قَالَا) وللأربعة: «قال»: (لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي) أي: في أوقات حجَّته (١) (حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ) غداة النَّحر؛ أي (٢): عند رمي أوَّل حصاةٍ من حصيَّات جمرة العقبة، وهذا مذهب الحنفيَّة والشَّافعيَّة، ونقل البرماويُّ والحافظ ابن حجرٍ أنَّ مذهب الإمام أحمد ﵀ لا يقطعها حتَّى يرميها، فيكون الحديث مستندًا له، والذي رأيته في «تنقيح المقنع» -وعليه الفتوى عند الحنابلة- ما نصُّه: ويقطع التَّلبية مع رمي أوَّل حصاةٍ منها. فلعلَّ ما نقله البرماويُّ وصاحب «الفتح» قولٌ له أيضًا، وهو قول بعض الشَّافعيَّة، واستدلُّوا له: بحديث ابن عبَّاسٍ عن الفضل عند ابن خزيمة قال: «أفضت مع النَّبيِّ ﷺ من عرفاتٍ، فلم يزل يلبِّي حتَّى رمى جمرة العقبة، يكبِّر مع كلِّ حصاةٍ» ثمَّ قطع التَّلبية مع آخر حصاةٍ، قال ابن خزيمة: هذا حديثٌ صحيحٌ مفسِّرٌ لما أُبهِم من الرِّوايات الأخرى، وإنَّ المراد بقوله: «حتَّى رمى جمرة العقبة» أي: حتَّى (٣) أتمَّ رميها. انتهى. وذهب الإمام مالكٍ: إلى أنَّه إذا راح إلى مصلَّى عرفة،
стр. 3874
قال ابن القاسم: وذلك بعد الزَّوال، وراح يريد الصَّلاة، وليس في حديثي (١) الباب ذكر التَّكبير المترجم له، نعم روى البيهقيُّ عن عبد الله بن سَخْبرة قال: غدوت مع عبد الله بن مسعودٍ ﵁ من منًى إلى عرفة، وكان رجلًا آدم له ضفيرتان، عليه مسحةُ أهل البادية، وكان يلبِّي، فاجتمع عليه الغَوْغاءُ، فقالوا: يا أعرابيُّ إنَّ هذا ليس يوم تلبيةٍ، إنَّما هو التَّكبير، فالتفت إليَّ فقال: جهل النَّاس أم نسوا، والذي بعث محمَّدًا بالحقِّ لقد خرجت معه من منًى إلى عرفة، فما ترك التَّلبية حتَّى رمى الجمرة (٢) إلَّا أن يخلطها بتكبيرٍ أو تهليلٍ. فيحتمل أنَّ البخاريَّ أشار في التَّرجمة لهذا تشحيذًا لذهن الطَّالب وحثًّا له على البحث.
تنبيهٌ: وقع في هذا الحديث عند مسلمٍ من رواية إبراهيم بن عقبة عن كُرَيبٍ: أنَّ أسامة بن زيدٍ انطلق من المزدلفة في سُبَّاق (٣) قريشٍ على رجليه (٤)، ومقتضاه: أن يكون قوله هنا: «لم يزل النَّبيُّ ﷺ يلبِّي» مرسلًا لأنَّه لم يحضر ذلك، لكن أُجيب باحتمال أن يكون رجع إلى (٥) النَّبيِّ ﷺ وصَحِبَهُ إلى الجمرة، والله أعلم.
وفي سند هذا الحديث تابعيٌّ عن تابعيٍّ وثلاثةٌ من الصَّحابة.
(١٠٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾) قال البيضاويُّ: أي (٦): فمن استمتع وانتفع بالتَّقرُّب إلى الله تعالى بالعمرة قبل الانتفاع بتقرُّبه بالحجِّ في أشهره (﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾)
стр. 3875
فعليه دمٌ استيسره (١) بسبب التَّمتُّع، فهو دم جبرانٍ يذبحه إذا أحرم بالحجِّ ولا يأكل منه، وقال أبو حنيفة: إنَّه دم نسكٍ، فهو كالأضحية (﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾) أي: الهدي (﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾) في أيَّام الاشتغال به بعد الإحرام وقبل التَّحلُّل، وقال أبو حنيفة: في أشهره بين الإحرامين، ولا يجوز يوم النَّحر وأيَّام التَّشريق عند الأكثر (﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾) إلى أهليكم، أو نفرتم وفرغتم من أعماله، وهو مذهب أبي حنيفة (﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾) فذلكة الحساب، وفائدتها: ألَّا يتوهَّم أنَّ الواو بمعنى «أو» كقولك: جالس الحسن وابن سيرين، وأن يعلم العدد جملةً كما علم تفصيلًا، فإنَّ أكثر العرب لم يحسنوا الحساب، وأنَّ المراد بالسَّبعة: العدد دون الكثرة، فإنَّه يُطلَق لهما (﴿كَامِلَةٌ﴾) صفةٌ مؤكِّدةٌ، تفيد المبالغة في محافظة العدد (﴿ذَلِكَ﴾) إشارةٌ إلى الحكم المذكور عندنا، والتَّمتُّع عند أبي حنيفة؛ إذ لا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام عنده، فمن فعل ذلك منهم فعليه دم جنايةٍ (﴿لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]) وهو من كان من الحرم على مسافة القصر عندنا، فإنَّ من (٢) كان على أقلَّ فهو مقيم الحرم أو في حكمه، ومَنْ مسكنه وراء الميقات عنده، وأهل الحرم عند طاوسٍ، وغير المكِّيِّ عند مالكٍ. ولفظ رواية أبوي ذرٍّ والوقت: «﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾» إلى قوله: «﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾» فأسقطا بقيَّة الآية.
١٦٨٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولابن عساكر: «حدَّثني» (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكوسج المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا النَّضْرُ) بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة ابن شميلٍ قال: (أَخْبَرَنَا
стр. 3876
شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ) بالجيم والرَّاء المفتوحتين بينهما ميمٌ ساكنةٌ نصر ابن عمران الضُّبعيُّ (قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ المُتْعَةِ) أي: عن مشروعيَّتها؛ وهي: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحجِّ، ويفرغ منها، ثمَّ يحجَّ من عامه (فَأَمَرَنِي بِهَا) أي: فأذن لي فيها، وإلَّا فالإفراد أفضل عند الأكثر -كما مرَّ- ولم يُنقَل عن ابن عبَّاسٍ (١) خلافه (وَسَأَلْتُهُ عَنِ الهَدْيِ) أي: عن أحكام الهدي الواجب فيها لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إ﴾ [البقرة: ١٩٦] … الآيةَ (فَقَالَ) ابن عبَّاسٍ: (فِيهَا) أي: في المتعة (جَزُورٌ) بفتح الجيم وضمِّ الزَّاي على وزن «فَعُول» من الجزر؛ وهو القطع (٢) من الإبل، يقع على الذَّكر والأنثى (أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ شَاةٌ) واحدة الغنم، تُطلَق على الذَّكر والأنثى من (٣) الضَّأن والمعز (أَوْ شِرْكٌ) بكسر الشِّين المعجمة وسكون الرَّاء، أي: النَّصيب الحاصل (٤) للشَّريك من الشَّركة (فِي) إراقة (دَمٍ) والمراد به هنا (٥) على الوجه المُصرَّح به في حديث أبي داود، قال النَّبيُّ ﷺ : «البقرة عن سبعةٍ والجزور عن سبعةٍ»، فهو من المجمل والمبيَّن، فإذا شارك غيره في سُبْع بقرةٍ أو جزورٍ أجزأ عنه.
(قَالَ) أي (٦): أبو جمرة (٧): (وَكَأَنَّ نَاسًا) يعني: كعمر بن الخطَّاب وعثمان بن عفَّان وغيرهما، ممَّن نُقِل عنه الخلاف في ذلك (كَرِهُوهَا) أي: المتعة (فَنِمْتُ فَرَأَيْتُ فِي المَنَامِ كَأَنَّ إِنْسَانًا) ولابن عساكر: «كأنَّ المنادي» (يُنَادِي: حَجٌّ مَبْرُورٌ، وَمُتْعَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ، فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ فَحَدَّثْتُهُ) بما رأيت (فَقَالَ) متعجِّبًا من الرُّؤيا التي وافقت السُّنَّة: (اللهُ أَكْبَرُ) هذا (سُنَّةُ أَبِي القَاسِمِ ﷺ ¬) أي: طريقته، وليس المراد بها ما يقابل الفرض لأنَّ السُّنَّة الإفراد على الأرجح كما مرَّ، واستأنس بالرُّؤيا لمَّا قام به الدَّليل الشَّرعيُّ؛ فإنَّ «الرُّؤيا الصَّالحة جزءٌ من ستَّةٍ وأربعين جزءًا من النُّبوَّة» كما في «الصَّحيح» [خ¦٦٩٨٩].
стр. 3877
(قَالَ: وَقَالَ آدَمُ) بن أبي إياسٍ فيما وصله المؤلِّف في «باب التَّمتُّع والإقران (١)» [خ¦١٥٦٧] وسقط «وقال» من «وقال آدم» لأبي ذرٍّ (٢) (وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) فيما وصله البيهقيُّ (وَغُنْدَرٌ) وهو محمَّد بن جعفرٍ البصريُّ، ممَّا وصله أحمد عنه، الثَّلاثة (عَنْ شُعْبَةَ: عُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ، وَحَجٌّ مَبْرُورٌ) بدل قول النَّضر: «متعةٌ»، قال الإسماعيليُّ وغيره: تفرَّد النَّضر بقوله: «متعة»، ولا أعلم أحدًا من أصحاب شعبة رواه عنه إلَّا قال: «عمرة»، وهذه فائدة إتيان المؤلِّف بهذا التَّعليق؛ فافهم.
(١٠٣) (بابُ) جواز (رُكُوبِ البُدْنِ) بضمِّ المُوحَّدة وسكون الدَّال وهي الإبل أو البقر، وعن عطاءٍ -فيما رواه ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» -: البدنة: البعير والبقرة، وعن مجاهدٍ: لا تكون البدن (٣) إلَّا من الإبل، وعن (٤) بعضهم: البدنة: ما يُهدى من (٥) الإبل والبقر والغنم، وهو غريبٌ (لِقَولِهِ) تعالى: (﴿وَالْبُدْنَ﴾) نُصِبَ بفعلٍ يفسِّره قوله: (﴿جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللهِ﴾) من أعلام دينه التي شرعها راتبةً (﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾) منافع دينيَّةٌ ودنيويَّةٌ؛ من الرُّكوب والحلب كما روى ابن أبي حاتمٍ وغيره بإسنادٍ جيِّدٍ عن إبراهيم النَّخعيِّ: لكم فيها خير؛ من شاء ركب، ومن شاء حلب (﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا﴾) عند نحرها بأن تقولوا: الله أكبر لا إله إلَّا الله والله أكبر، اللَّهمَّ منك وإليك؛ كذا رُوِي عن ابن عبَّاسٍ (﴿صَوَافَّ﴾) قائماتٍ على ثلاثة قوائم، معقولةٌ يدها
стр. 3878
اليسرى أو رجلها اليسرى (١) (﴿فَإِذَا وَجَبَتْ﴾) سقطت (﴿جُنُوبُهَا﴾) على الأرض، أي: ماتت (﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ﴾) السَّائل، من قنع إذا سأل، أو فقيرًا لا يسأل من القناعة (﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾) الذي لا يتعرَّض للمسألة، أو هو السَّائل (﴿كَذَلِكَ﴾) مثل ما وصفنا من نحرها قيامًا (﴿سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾) مع عظمها وقوَّتها حتَّى تأخذوها منقادةً، فتعقلوها وتحبسوها (٢) صافَّةً قوائمها، ثمَّ تطعنوا في لبَّاتها (٣) (﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾) إنعامنا عليكم بالتَّقرُّب والإخلاص (﴿لَن يَنَالَ اللهَ﴾) لن يصيب رضاه ولن يقع منه موقع القبول (﴿لُحُومُهَا﴾) المُتصدَّق بها (﴿وَلَا دِمَاؤُهَا﴾) المهراقة بالنَّحر من حيث إنَّها لحومٌ ودماءٌ (﴿وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ﴾) ولكن يصيبه ما يصحبه (٤) من تقوى قلوبكم من النِّيَّة والإخلاص، فإنَّها هي المُتقبَّل (٥) منكم (﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾) كرَّرها تذكيرًا لنعمة التَّسخير وتعليلًا له بقوله: (﴿لِتُكَبِّرُوا اللهَ﴾) أي: لتعرفوا عظمته باقتداره على ما لا يقدر غيره عليه، فتوحِّدوه بالكبرياء (﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾) إلى كيفيَّة التَّقرُّب إليه تعالى بها، ولتضمُّن «تكبِّروا» معنى «تشكروا» عدَّاه بـ «على» (﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج: ٣٦ - ٣٧]) الذين أحسنوا أعمالهم، وسياق الآيتين بتمامهما رواية كريمة، وأمَّا رواية أبوي ذرٍّ والوقت؛ فالمذكور منهما قوله: «﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم﴾ إلى قوله: ﴿وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾»، ثمَّ المذكور بعد «﴿جُنُوبُهَا﴾» إلى قوله: «﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾».
(قَالَ مُجَاهِدٌ: سُمِّيَتِ البُدْنَ لِبُدْنِهَا) بضمِّ المُوحَّدة وسكون المهملة، وللحَمُّويي والمُستملي: «لبَدَنها» بفتح المُوحَّدة والمهملة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لبَدَانَتها» بفتح المُوحَّدة والمهملة والنُّون
стр. 3879
وألفٌ قبلها ومُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ بعدها، أي: لسمنها، وأخرج عبد بن حُمَيٍد من طريق ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ قال: إنَّما سُمِّيت البدن من قِبَل السَّمانة (وَالقَانِعُ: السَّائِلُ) من قنع إذا سأل (وَالمُعْتَرُّ: الَّذِي يَعْتَرُّ) أي (١): يطيف (بِالبُدْنِ) يتعرَّض لها (٢) (مِنْ غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ) قال مجاهدٌ -فيما أخرجه عبد بن حُمَيدٍ-: القانع: جارك الذي ينتظر ما دخل بيتك، والمُعتَرُّ: الذي يعترُّ ببابك ويريك نفسه ولا يسألك شيئًا، وروى عنه ابن أبي حاتمٍ: القانع: الطَّامع، وقال مرَّة: هو السَّائل (وَشَعَائِرُ الله) (٣) المذكورة (٤) في الآية: (اسْتِعْظَامُ البُدْنِ وَاسْتِحْسَانُهَا) عن مجاهدٍ، فيما أخرجه عبد بن حُمَيدٍ أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ﴾ [الحج: ٣٢] فإنَّ استعظامَ البُدن استحسانُها واستسمانها (وَالعَتِيقُ) المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] (عِتْقُهُ مِنَ الجَبَابِرَةِ) قال مجاهدٌ: كما رواه عبد بن حُمَيدٍ أيضًا إنَّما سُمِّي، أي: البيت العتيق لأنَّه عُتِق من الجبابرة (وَيُقَالُ: وَجَبَتْ) أي: (سَقَطَتْ إِلَى الأَرْضِ) هو قول ابن عبَّاسٍ -فيما أخرجه ابن أبي حاتمٍ- والمراد به تفسير قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ وسقطت «الواو» من قوله (٥): «ويُقال» (وَمِنْهُ: وَجَبَتِ الشَّمْسُ) إذا سقطت للغروب.
١٦٨٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي
стр. 3880
الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا) لم يُعرَف اسمه (١) (يَسُوقُ بَدَنَةً) زاد مسلمٌ: «مقلَّدةً» والبدنة: تقع على الجمل والنَّاقة والبقرة، وهي بالإبل أشبه، وكثر (٢) استعمالها فيما كان هديًا (فَقَالَ) له ﵊: (ارْكَبْهَا) لتخالف بذلك الجاهليَّة في ترك الانتفاع بالسَّائبة والوصيلة والحَامِ، وأوجب بعضهم ركوبها لهذا المعنى عملًا بظاهر هذا الأمر، وحمله الجمهور على الإرشاد لمصلحةٍ دنيويَّةٍ، واستدلُّوا بأنَّه ﷺ أهدى ولم يركب، ولم يأمر النَّاس بركوب الهدايا، وجزم به (٣) النَّوويُّ في «الرَّوضة» كأصلها في الضَّحايا، ونقل (٤) في «المجموع» عن القفَّال والماورديِّ: جواز الرُّكوب مطلقًا، ونقل فيه عن أبي حامدٍ والبندنيجيِّ وغيرهما تقييده بالحاجة، وفي «شرح مسلمٍ»: عن عروة بن الزُّبير ومالكٍ في روايةٍ عنه وأحمد وإسحاق: له ركوبها من غير حاجةٍ بحيث لا يضرُّها، ثمَّ قال: ودليلنا على عروة وموافقيه رواية جابرٍ عند مسلمٍ: «اركبها بالمعروف إذا أُلجئِت إليها حتَّى تجد ظهرًا». انتهى. يعني: لأنَّه مقيَّدٌ، والمُقيَّد يقضي على المطلق، ولأنَّه شيءٌ خرج عنه لله، فلا يرجع فيه، ولو أُبيح النَّفع لغير ضرورةٍ أُبيح استئجاره ولا يجوز باتِّفاقٍ، والذي رأيته في «تنقيح المقنع» من كتب الحنابلة -وعليه الفتوى عندهم-: وله ركوبها لحاجةٍ فقط بلا ضررٍ ويضمن نقصها، وهو مذهب الحنفيَّة أيضًا (فَقَالَ) الرَّجل: (إِنَّهَا بَدَنَةٌ) أي: هديٌ (فَقَالَ) ﷺ له: (ارْكَبْهَا، فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قال (٥): ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ) نُصِب أبدًا على المفعول (٦) المطلق بفعلٍ من معناه، محذوفٍ وجوبًا، أي: ألزمه الله ويلًا، وهي كلمةٌ تُقال
стр. 3881
لمن وقع في الهلاك، أو لمن يستحقُّه، أو هي بمعنى الهلاك، أو مشقَّة العذاب، أو الحزن، أو وادٍ في جهنم، أو بئرٍ، أو بابٍ، لها أقوالٌ، فيحتمل إجراؤها على هذا المعنى هنا لتأخُّر المخاطب عن امتثال أمره ﷺ ؛ لقول الرَّاوي: (فِي) المرَّة (الثَّالِثَةِ أَوْ فِي) المرَّة (الثَّانِيَةِ) ولأبي ذرٍّ: «ويلك، في الثَّانية أو الثَّالثة» والشَّكُّ من الرَّاوي (١)، قال القرطبيُّ وغيره: قالها -أي: «ويلك» - تأديبًا لأجل مراجعته له مع عدم خفاء الحال عليه، ويحتمل ألَّا يُراد بها موضوعها الأصليُّ، ويكون ممَّا جرى على لسان العرب في المخاطبة من غير قصدٍ لموضوعه كما في: تَرِبت يداك، ونحوه، وقِيل: إنَّه (٢) كان أشرف على هلكةٍ من الجهد، وويلٌ: كلمةٌ تُقال لمن وقع في هلكةٍ -كما مرَّ- فالمعنى: أشرفتَ على الهلاك فاركب، فعلى هذا هي إخبارٌ.
١٦٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ الأزديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابن أبي عبد الله سَنْبر؛ بمهملةٍ ثمَّ نونٍ ثمَّ مُوحَّدةٍ بوزن «جعفرٍ» الدَّسْتَوائيُّ؛ بفتح الدَّال وسكون السِّين المهملتين وفتح المُثنَّاة ثمَّ مدٍّ، ثقةٌ ثبتٌ، قدَّمه أحمد على الأوزاعيِّ، وعلى أصحاب يحيى بن أبي كثيرٍ، وعلى أصحاب قتادة، وكان شعبة يقول: هو أحفظ منِّي، وكان القطَّان يقول: إذا سمعت الحديث من هشام الدَّستَوائيِّ لا تبالي ألَّا تسمعه من غيره، ومع هذا فقال محمَّد بن سعدٍ: كان ثقةً حجَّةً إلَّا أنَّه يرى القدر (٣)، وقال العجليُّ: ثقةٌ ثبتٌ في الحديث إلَّا أنَّه كان يرى القدر ولا يدعو إليه، لكن احتجَّ به الأئمَّة (وَشُعْبَةُ) بن الحجاج بن الورد العتكيُّ الواسطيُّ ثمَّ البصريُّ (قَالَا: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة السَّدوسيُّ البصريُّ (عَنْ أَنَسٍ) وعند الإسماعيليِّ: «سمعت أنس بن مالكٍ» (¬﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ)
стр. 3882
ولأبي ذرٍّ: «قال»: (ارْكَبْهَا، قَالَ) الرَّجل: (إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ) ﵊: (ارْكَبْهَا، قَالَ) الرَّجل: (إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ) ﵊: (ارْكَبْهَا، ثَلَاثًا) أي: قالها ثلاث مرَّاتٍ، وفي رواية أبي ذرٍّ: «فقال: اركبها -ثلاثًا-» فسقط عنده ما ثبت عند الباقين: «قال: إنَّها بدنةٌ، قال: اركبها، قال: إنَّها بدنةٌ، قال: اركبها»، وقد وافق الباقين على إثبات ذلك أبو مسلمٍ الكجِّيُّ في «السُّنن» عن مسلم بن إبراهيم شيخ المؤلِّف فيه، وأخرجه الإسماعيليُّ عن مسلمٍ كذلك، لكن قال في آخره: «ويلك» بدل: «ثلاثًا»، وللتِّرمذيِّ: فقال له في الثَّالثة أو الرَّابعة: اركبها ويحَك، أو ويلَك، وهو في «البخاريِّ»: في «باب هل ينتفع الواقف بوقفه» [خ¦٢٧٥٤] كذلك.
(١٠٤) (بابُ مَنْ سَاقَ البُدْنَ) التي للهدي (١) (مَعَهُ) من الحلِّ إلى الحرم.
١٦٩١ - ١٦٩٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بُكَيرٍ، ونسبه لجدِّه لشهرته به،
стр. 3883
المخزوميُّ مولاهم المصريُّ -بالميم (١) - قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين بن خالد بن عَقيلٍ -بفتح العين- الأَيْليِّ؛ بفتح الهمزة وسكون التَّحتيَّة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب (أَنَّ) أباه (ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ) التَّمتُّع بلغة القرآن الكريم، وعُرْف الصَّحابة أعمُّ من القران؛ كما ذكره غير واحدٍ، وإذا كان أعمَّ منه احتمل أن يُراد به الفرد المُسمَّى بالقِران في الاصطلاح الحادث، وأن يُراد به المخصوص باسم التَّمتُّع في ذلك الاصطلاح، لكن يبقى النَّظر في أنَّه أعمُّ في عُرْف الصَّحابة أو (٢) لا؟ ففي «الصَّحيحين» [خ¦١٥٦٩] عن سعيد بن المُسيَّب قال: اجتمع عليٌّ وعثمان بِعُسْفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة، فقال عليٌّ: ما تريد إلى أمرٍ فعله رسول ﷺ تنهى عنه؟ فقال عثمان: دعنا منك، فقال: إنِّي لا أستطيع أن أدعك، فلمَّا رأى عليٌّ ذلك أهلَّ بهما جميعًا، فهذا يبيِّن أنَّه ﵊ كان قارنًا، ويفيد أيضًا أنَّ الجمع بينهما تمتُّعٌ، فإنَّ عثمان كان ينهى عن المتعة، وقصد عليٌّ إظهار مخالفته تقديرًا لما فعله ﵊ وأنَّه لم يُنسَخ فقرن، وإنَّما تكون مخالفةً إذا كانت المتعة التي نهى عنها عثمان، فدلَّ على الأمرين اللذين عيَّناهما وتضمَّن اتِّفاق عليٍّ وعثمان على أنَّ القِران من مُسمَّى التَّمتُّع، وحينئذٍ يجب حمل قول ابن عمر: «تمتَّع رسول الله ﷺ » على التَّمتُّع الذي نسمِّيه قِرانًا، لو (٣) لم يكن عنده (٤) ما يخالف ذلك اللَّفظ، فكيف وقد وُجِد عنه ما يفيد ما قلنا؟ وهو ما في «صحيح مسلمٍ» عن ابن عمر: أنَّه قرن الحجَّ مع العمرة، وطاف لهما طوافًا واحدًا، ثمَّ قال: هكذا فعل رسول الله ﷺ ، فظهر أنَّ مراده بلفظ المتعة في هذا الحديث: الفرد المُسمَّى بالقِران.
(وَأَهْدَى) ﵊، أي: تقرَّب إلى الله تعالى بما هو مألوفٌ عندهم من سَوق شيءٍ من النَّعم إلى الحرم ليُذبَح ويُفرَّق على مساكينه (٥) تعظيمًا له (فَسَاقَ مَعَهُ الهَدْيَ) وكان أربعًا وستِّين بدنةً (مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ) ميقات أهل المدينة (وَبَدَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَهَلَّ) أي: لبَّى
стр. 3884
في (١) أثناء الإحرام (بِالعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ) أي: لبَّى (بِالحَجِّ) وليس المراد أنَّه أحرم بالحجِّ؛ لأنَّه يؤدِّي إلى مخالفة الأحاديث الصَّحيحة (٢) السَّابقة، فوجب تأويل هذا على موافقتها، ويؤيِّد هذا التأويل قوله: (فَتَمَتَّعَ النَّاسُ) في آخر الأمر (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ) لأنَّه معلومٌ أنَّ كثيرًا منهم أو أكثرهم أحرموا أوَّلًا بالحجِّ مفردين، وإنَّما فسخوه إلى العمرة آخِرًا، فصاروا متمتِّعين (فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ) زاد في بعض الأصول: «معه» (الهَدْيَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ؛ قَالَ لِلنَّاسِ) (٣) في روايةٍ عن عائشة ﵂ تقتضي أنَّه ﷺ قال لهم ذلك بعد أن أهلُّوا بذي الحليفة، لكن الذي تدلُّ عليه الأحاديث في «الصَّحيحين» وغيرهما -من رواية عائشة وجابرٍ وغيرهما- أنَّه إنَّما قال لهم ذلك في منتهى سفرهم ودنوِّهم من مكَّة، وهم بسرف كما في حديث عائشة [خ¦١٧٨٨] أو بعد طوافه كما في حديث جابرٍ [خ¦١٦٥١] ويحتمل تكرار الأمر بذلك في الموضعين، وأنَّ العزيمة كانت آخرًا (٤) حين أمرهم بفسخ الحجِّ إلى العمرة.
(مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِشَيْءٍ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «من شيءٍ» (حَرُمَ مِنْهُ) أي: من أفعاله (حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ) إن كان حاجًّا، فإن كان معتمرًا فكذلك لِما في الرِّواية الأخرى [خ¦٣١٩] «ومن أحرم بعمرةٍ فلم يُهْدِ فليُحْلِلْ، ومن أحرم بعمرةٍ وأهدى، فلا يُحِلُّ حتَّى ينحر هديه» (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ) من شعر رأسه، وإنَّما لم يقل: «وليحلق» وإن كان أفضل ليبقى له شعرٌ يحلقه في الحجِّ؛ فإنَّ الحلق في تحلُّل الحجِّ أفضل منه في تحلُّل العمرة، ولأبي ذرٍّ: «ويقصِّرْ» بحذف لام الأمر والجزم، عطفًا على المجزوم قبله، والرَّفع على الأصل لأنَّه فعلٌ مضارعٌ مجرَّدٌ من ناسخٍ (٥)، أي: وبعد الطَّواف بالبيت والسَّعي بين الصَّفا والمروة يقصِّر (وَلْيَحْلِلْ) بسكون اللَّام الأولى والثَّالثة
стр. 3885
وكسر الثَّانية وفتح التَّحتيَّة أمرٌ معناه: الخبر، أي: صار حلالًا، فله فعل كلِّ ما كان محظورًا عليه في الإحرام، ويحتمل أن يكون إذنًا كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ﴾ [المائدة: ٢] والمراد: فسخ الحجِّ عمرةً وإتمامها حتَّى يحلَّ منها، وفيه: دليلٌ على أنَّ الحلق أو التَّقصير نسكٌ، وهو الصَّحيح (ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالحَجِّ) أي: في (١) وقت خروجه إلى عرفاتٍ، لا أنَّه يهلُّ عقب تحلُّل العمرة ولذا قال: «ثمَّ ليهلَّ»، فعبَّر: بـ «ثمَّ» المقتضية للتَّراخي والمهلة (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا) بأن عدم وجوده، أو ثمنه، أو زاد على ثمن المثل، أو كان صاحبه لا يريد بيعه (فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ) بعد الإحرام به، والأَولى: تقديمها قبل يوم عرفة لأنَّ الأَولى فطره، فيُندَب أن يحرم المتمتِّع العاجز عن الدَّم قبل سادس ذي الحجَّة، ويمتنع تقديم الصَّوم على الإحرام (وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ) ببلده أو بمكانٍ توطَّن به كمكَّة، ولا يجوز صومها في توجُّهه إلى أهله لأنَّه تقديمٌ للعبادة البدنيَّة على وقتها، ويُندَب تتابع الثَّلاثة والسَّبعة.
(فَطَافَ) رسول الله ﷺ (حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، وَاسْتَلَمَ) أي: مسح (الرُّكْنَ) الأسود، حال كونه (أَوَّلَ شَيْءٍ) أي: مبدوءًا به (ثُمَّ خَبَّ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد المُوحَّدة، أي: رمل (ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعًا) ولأبي ذرٍّ: «أربعةً» أي: من الأطواف (فَرَكَعَ حِينَ قَضَى) أدَّى (طَوَافَهُ بِالبَيْتِ) سبعًا (عِنْدَ المَقَامِ) مقام إبراهيم (رَكْعَتَيْنِ) للطَّواف (ثُمَّ سَلَّمَ) منهما (فَانْصَرَفَ فَأَتَى) عقب ذلك (الصَّفَا) بالقصر (فَطَافَ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ) بالوقوف بعرفاتٍ ورمي الجمرات، ولم يقل: «وعمرته» لدخولها في الحجِّ، أو لأنَّه كان مفردًا (وَنَحَرَ هَدْيَهُ) الذي ساقه معه من المدينة (يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَفَاضَ) أي: دفع نفسه أو راحلته بعد الإتيان بما ذُكِر إلى المسجد الحرام (فَطَافَ بِالبَيْتِ) طواف الإفاضة (ثُمَّ حَلَّ) ﵊ (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ) أي: حصل له الحلُّ، قال ابن عمر: (وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أي: مثل فعله، فـ «ما»: مصدريَّةٌ، وفاعل «فَعَلَ» قولُه: (مَنْ أَهْدَى) ممَّن كان معه ﵊ (وَسَاقَ الهَدْيَ مِنَ النَّاسِ) و «من» للتَّبعيض لأنَّ من كان معه الهدي بعضُهم لا كلُّهم.
стр. 3886
وقال ابن شهابٍ: (وَعَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير، عطفًا على قوله: «عن سالم بن عبد الله أنَّ ابن عمر»، ووقع في بعض النُّسخ هنا، ونُسِب لرواية (١) أبي الوقت بعد قوله ﷺ «باب من أهدى وساق (٢) الهدي من النَّاس»: «وعن عروة» وهو غير صوابٍ (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَمَتُّعِهِ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللهِ) ولابن عساكر: «عن النَّبيِّ» (٣) (¬ ﷺ ¬) قال في «الفتح»: وقد تعقَّب المُهلَّب قول ابن شهابٍ (٤) بمثل الذي أخبرني سالمٌ، فقال: يعني: مثله في الوهم لأنَّ أحاديث عائشة كلَّها شاهدةٌ بأنَّه حجَّ مفردًا. وأجاب الحافظ ابن حجرٍ بأنَّه ليس وهمًا؛ إذ لا مانع من الجمع بين الرِّوايتين، فيكون المرادُ بالإفراد في حديثها البداءةَ بالحجِّ، وبالتَّمتُّع بالعمرة إدخالها على الحجِّ، قال: وهو أَولى من توهيم جبلٍ من جبال الحفظ. انتهى.
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ في «الحجِّ».
(١٠٥) (بابُ مَنِ اشْتَرَى الهَدِْيَّ) بإسكان الدَّال مع تخفيف الياء، ويجوز كسر الدَّال مع تشديد الياء: ما يُهدَى إلى الحرم من النَّعم ويجزئ في الأضحية، ويُطلَق أيضًا على دم الجبران عند توجُّهه إلى البيت الحرام (مِنَ الطَّرِيقِ) سواءٌ كان في الحلِّ أو الحرم.
стр. 3887
١٦٩٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابن زيدٍ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵃ لأَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب في عام نزول (١) الحجَّاج بمكَّة لقتال ابن الزُّبير: (أَقِمْ) بفتح الهمزة وكسر القاف أمرٌ من الإقامة، أي: لا تحجَّ في هذه السَّنة (فَإِنِّي لَا آمَنُهَا) بفتح الهمزة الممدودة والميم المُخفَّفة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي وابن عساكر: «لا إِيمَنُها» بكسر الهمزة، فتُقلَب الألف ياءً ساكنةً، على لغة من يكسر حرف المضارعة إذا كان الماضي على «فعِل» -بكسر العين- ومستقبله «يفعَل» -بفتحها- نحو: أنا أعلم، وأنت (٢) تعلم، ونحن نعلم، وهو يعلم، أي: لا آمن الفتنة (أَنْ سَتُصَدَُّ) بفتح الهمزة وفتح (٣) السِّين والصَّاد ونصب الدَّال ورفعها، أي: ستُمنَع، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أن تُصَدَّ» (عَنِ البَيْتِ، قَالَ) ابن عمر: (إِذَنْ أَفْعَلَ) نُصِب (٤) بـ «إذًا» (كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) من الإحلال حين صُدَّ بالحديبية (وَقَدْ قَالَ اللهُ) تعالى: (﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] فَأَنَا أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عَلَى نَفْسِي العُمْرَةَ، فَأَهَلَّ بِالعُمْرَةِ) زاد أبو ذرٍّ: «من الدَّار» وفيها: جواز الإحرام من قبل الميقات، وهو من الميقات أفضل منه من دويرة أهله؛ خلافًا للرَّافعيِّ في تصحيحه عكسه لأنَّه ﷺ أحرم بحجَّته وبعمرة الحديبية من ذي الحُلَيفة، ولأنَّ في مصابرة الإحرام بالتَّقديم عسرًا وتغريرًا (٥) بالعبادة وإن كان جائزًا.
(قَالَ) عبد الله بن عبد الله بن عمر (٦): (ثُمَّ خَرَجَ) أي: أبوه إلى الحجِّ (حَتَّى إِذَا كَانَ بِالبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالحَجِّ وَالعُمْرَةِ، وَقَالَ: مَا شَأْنُ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ) في العمل (إِلَّا وَاحِدٌ) لأنَّ القارن عنده
стр. 3888
لا يطوف إلَّا طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا، وهو مذهب الجمهور؛ خلافًا للحنفيَّة، وأجابوا عن هذا بأنَّ المرادَ من هذا الطَّواف: طوافُ (١) القدوم كما مرَّ في «باب طواف القارن» [خ¦١٦٣٩] (ثُمَّ اشْتَرَى الهَدْيَ مِنْ قُدَيْدٍ) بضمِّ القاف وفتح الدَّال بعدها: موضعٌ في أرض الحلِّ، وهذا موضع التَّرجمة، وكونه معه من بلده أفضل، وشراؤه من طريقه أفضل من شرائه من مكَّة ثمَّ من عرفة، فإن لم يسقه أصلًا بل اشتراه من منًى جاز وحصل أصل الهدي (ثُمَّ قَدِمَ) بفتح القاف وكسر الدَّال؛ مكَّة (فَطَافَ) بالكعبة (لَهُمَا) أي: للحجِّ والعمرة (طَوَافًا وَاحِدًا) وسعى سعيًا واحدًا (فَلَمْ يَحِلَّ) من إحرامه (حَتَّى حَلَّ) وللحَمُّويي: «حتَّى أحلَّ» بزيادة ألفٍ قبل الحاء، وهي لغةٌ مشهورةٌ، يقال: حلَّ وأحلَّ (مِنْهُمَا) أي: من الحجِّ والعمرة (جَمِيعًا).
(١٠٦) (بابُ مَنْ أَشْعَرَ وَقَلَّدَ) هديه (بِذِي الحُلَيْفَةِ) ميقات أهل المدينة (ثُمَّ أَحْرَمَ) بعد الإشعار والتَّقليد.
(وَقَالَ نَافِعٌ) مولى ابن عمر بن الخطَّاب ممَّا وصله مالكٌ في «مُوطَّئه» (٢): (كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا أَهْدَى مِنَ المَدِينَةِ قَلَّدَهُ) أي: الهدي بأن يعلِّق في عنقه نعلين من النِّعال التي تُلبَس في الإحرام (وَأَشْعَرَهُ بِذِي الحُلَيْفَةِ) من الإِشعار -بكسر الهمزة- وهو لغةً: الإعلام، وشرعًا: ما هو مذكورٌ في قوله: (يَطْعُنُ) بضمِّ العين، أي: يضرب (فِي شِقِّ) بكسر الشِّين المعجمة، أي: ناحية صفحة (سَنَامِهِ) بفتح السِّين المهملة، أي: سنام الهدي (الأَيْمَنِ) نعتٌ لـ «شِقِّ»، وقال مالكٌ: في الأيسر، وهو الذي في «المُوطَّأ»، نعم روى البيهقيُّ عن ابن جريجٍ عن نافعٍ عن ابن عمر: أنَّه كان لا يبالي في أيِّ الشِّقَّين أشعر؛ في الأيسر أو في الأيمن، قال: وإنَّما يقول الشَّافعيُّ
стр. 3889
بما روى في ذلك عن النَّبيِّ ﷺ (١)؛ يشير إلى حديث ابن عبَّاسٍ: أشعر النَّبيُّ ﷺ في الشِّقِّ الأيمن (بِالشَّفْرَةِ) بفتح الشِّين (٢) المعجمة: السِّكِّين العريضة؛ بحيث يكشط جلدها حتَّى يظهر الدَّم (وَوَجْهُهَا) أي: البدنة (قِبَلَ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: جهة (القِبْلَةِ) أي (٣): في حالتي التَّقليد والإشعار، حال كونها (بَارِكَةً) ويلطِّخها بالدَّم لتُعرَف إذا ضلَّت، وتتميَّز إذا اختلطت بغيرها، فإن لم يكن لها سنامٌ أشعر موضعه، هذا مذهب الشَّافعيَّة، وهو ظاهر «المُدوَّنة»، وفي كتاب محمد: لا تُشْعر؛ لأنَّه تعذيبٌ، فيقتصر فيه (٤) على ما ورد، وقال أبو حنيفة: الإشعار مكروهٌ، وخالفه صاحباه، فقالا: إنَّه سنَّةٌ، واحتجَّ لأبي حنيفة بأنَّه مثلةٌ، وهي منهيٌّ عنها وعن تعذيب الحيوان، وأُجيب بأنَّ أخبار النَّهي عن ذلك عامَّةٌ، وأخبار الإشعار خاصَّةٌ، فقُدِّمت، وقال الخطَّابيُّ: أشعر النَّبيُّ ﷺ بدنةً آخر حياته، ونهيه عن المثلة كان أوَّل مَقْدَمه المدينة، مع أنَّه ليس من المثلة، بل من بابٍ آخر. انتهى. أي: بل هو كالختان والفصد وشقِّ أذن (٥) الحيوان؛ ليكون علامةً وغير ذلك كالختان، وقد كَثُر تشنيع المتقدِّمين على أبي حنيفة ﵀ في إطلاقه كراهة الإشعار، فقال ابن حزمٍ في «المُحلَّى»: هذه طامَّةٌ من طوامِّ العالم أن يكون مُثْلَةً شيءٌ فعله رسول الله ﷺ ، أفٍّ لكلِّ عقلٍ يتعقَّب حكم رسول الله ﷺ ، وهذه قولةٌ لأبي حنيفة لا نعلم (٦) له فيها متقدِّمًا (٧) من السَّلف ولا موافقًا (٨) من فقهاء عصره إلَّا من قلَّده. انتهى. وقد ذكر التِّرمذيُّ عن أبي السَّائب قال: كنَّا عند
стр. 3890
وكيعٍ، فقال له رجلٌ: رُوِي عن إبراهيم النَّخعيِّ أنَّه قال: الإشعار مثلةٌ، فقال له وكيعٌ: أقول لك: أشعر رسول الله ﷺ ، وتقول: قال إبراهيم، ما أحقَّك أن تُحبَس! انتهى. وهذا فيه ردٌّ على ابن حزمٍ؛ حيث زعم أنَّه ليس لأبي حنيفة سلفٌ في ذلك، وقد أجاب الطَّحاويُّ منتصرًا لأبي حنيفة فقال: لم يكره أبو حنيفة أصل الإشعار، بل ما يُفعَل منه (١) على وجهٍ يخاف منه (٢) هلاك البدن كسراية الجرح -لا سيَّما- مع الطَّعن بالشَّفرة، فأراد سدَّ الباب عن العامَّة لأنَّهم (٣) لا يراعون الحدَّ في ذلك، وأمَّا من كان عارفًا بالسُّنَّة في ذلك فلا، وقد ثبت عن عائشة وابن عبَّاسٍ التَّخيير في الإشعار وتركه، فدلَّ على أنَّه ليس بنسكٍ. انتهى.
١٦٩٤ - ١٦٩٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو فيما قاله الدَّارقطنيُّ: ابن شَبُّويه، وقال الحاكم أبو عبد الله: هو المروزيُّ المعروف بـ «مردويه»، ورجَّح المزِّيُّ هذا الثَّاني قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) هو ابن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنِ المِسْوَرِ) بكسر الميم وسكون السِّين المهملة وفتح الواو (بْنِ مَخْرَمَةَ) بفتح الميمين وسكون (٤) الخاء المعجمة وفتح الرَّاء، أمُّه عاتكة (٥) أخت عبد الرَّحمن ابن عوفٍ القرشيِّ الزُّهريِّ، وكان مولده بعد الهجرة بسنتين، وقدم المدينة بعد الفتح سنة ثمانٍ (٦)، ابن ستِّ سنين، قال البغويُّ: حفظ عن النَّبيِّ ﷺ أحاديث، وحديثه عنه ﷺ في خطبة عليٍّ بنتَ أبي جهلٍ في «الصَّحيحين» [خ¦٣٧٢٩] وغيرهما، ووقع في بعض طرقه عند مسلمٍ: سمعت النَّبيَّ ﷺ ، وأنا محتلمٌ، وهذا يدلُّ على أنَّه وُلِد قبل الهجرة، لكنَّهم أطبقوا على أنَّه