← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

بـ «عن»؛ لأنَّ في المخالفة معنى التَّباعدِ والحَيْدِ، كأنَّ المعنى: الذين يحيدون عن أمره بالمُخالَفة، فالإتيان بـ «عن» أبلغ للتَّنبيه على هذا الغرض، وفي «باب دعاء النَّبيِّ ﷺ النَّاس إلى الإسلام والنبوَّة»: «ولو كنت عنده لغسلت قدميه» [خ¦٢٩٤١] وفي رواية عبد الله بن شدَّادٍ عن أبي سفيان: «لو علمت أنَّه هو لمشيت إليه حتَّى أُقَبِّلَ رأسه وأغسل قدميه»، وزاد فيها: «ولقد رأيت جبهته يتحادر عرقها من كرب الصَّحيفة» يعني: لمَّا قُرِئ عليه الكتاب، وتثنية «قدميه» رواية أبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر والأَصيليِّ، وفي روايةٍ: «قدمه» بالإفراد. قال أبو سفيان: (ثُمَّ دَعَا) هِرَقْلُ (بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أي: من وكَّل ذلك إليه؛ ولهذا عُدِّيَ «الكتابُ» بالباء، كذا قرَّره في «الفتح»، وقال العينيُّ: الأحسن أن يُقال: ثمَّ دعا مَن يأتي بكتاب رسول الله ﷺ ، وجوَّز (١) زيادة الباء، أي: دعا الكتاب على سبيل المجاز، أو ضمَّن «دعا» معنى: طلب (الَّذِي بَعَثَ بِهِ دَِحْيَةُ) بكسر الدَّال وفتحها ورفْعِ التَّاء على الفاعليَّة، ابن خليفة الكلبيُّ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت عن المُستملي (٢) وابن عساكر: «بعث به مع دحيةَ» أي: بعثه ﵊ معه، وكان في آخر سنة ستٍّ بعد أن رجع من الحديبية (إِلَى عَظِيمِ) أهل (بُصْرَى) بضمِّ المُوحَّدة مقصورًا، بمدينة حوران، أي: أميرها الحارث بن أبي شِمْرٍ الغسَّانيِّ (فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ) فيه مجازٌ؛ لأنَّه أرسل به إليه صحبة عديِّ بن حاتمٍ، كما في رواية ابن السَّكن في «الصَّحابة»، وكان وصوله إليه كما قاله الواقديُّ وصوَّبه الحافظ ابن حجرٍ في سنة سبعٍ (فَقَرَأَهُ) هِرَقْلُ بنفسه أو التَّرجمان بأمره، وفي مُرسَل محمَّد بن كعبٍ القرظيِّ عند الواقديِّ في هذه

стр. 422

القصَّة: فدعا التَّرجمان الذي يقرأ بالعربيَّة فقرأه (فَإِذَا فِيهِ: بسم الله الرحمن الرحيم) فيه استحباب تصدير الكتب بالبسملة وإن كان المبعوث إليه كافرًا، فإن قلت: قد قدَّم سليمانُ اسمه على البسملة، أُجِيب: بأنَّه إنَّما ابتدأ الكتاب بالبسملة، وكتب اسمه عنوانًا بعد ختمه؛ لأنَّ بلقيس إنَّما عرفت كونه من سليمان بقراءة عنوانه كما هو المعهود؛ ولذلك قالت: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ (١) وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] فالتَّقديم واقعٌ على حكاية الحال (مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ) وَصَفَ نفسَه الشَّريفةَ بالعبوديَّة؛ تعريضًا لبطلان قول النَّصارى في المسيح: إنَّه ابنُ الله، تعالى الله عن ذلك؛ لأنَّ الرُّسل ﵈ مستوون في أنَّهم عباد الله، وللأَصيليِّ وابن عساكرَ: «من محمَّد بن عبد الله رسول الله» (إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ) أهل (الرُّومِ) أي: المُعظَّم (٢) عندهم، ووصفه بذلك لمصلحة التَّأليف، ولم يصفه بالإمرة ولا المُلْك لكونه معزولًا بحكم الإسلام، وقوله: «عظيم» بالجرِّ بدلٌ من سابقه، ويجوز الرَّفع على القطع والنَّصب على الاختصاص، وذكر المدائنيُّ: أنَّ القارئ لمَّا قرأ: «من محمَّدٍ رسولِ الله» غضب ابن أخي هِرَقْلَ، واجتذب الكتاب، فقال له هِرَقْلُ: مَا لَكَ؟ فقال: إنَّه بدأ بنفسه، وسمَّاك صاحب الرُّوم، فقال: إنَّك لَضعيفُ الرَّأي، أتريد أن أرميَ بكتابٍ قبل أنْ أَعْلَمَ ما فيه؟ لئن كان رسولَ الله إنَّه لَأَحَقُّ أن يبدأ بنفسه، ولقد صَدَقَ أنا صاحب الرُّوم، واللهُ مالكي ومالِكُه (سَلَامٌ) بالتَّنكير، وعند المؤلِّف في «الاستئذان»: «السَّلام» [خ¦٦٢٦٠] (عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى) أي: الرَّشاد، على حدِّ قول موسى وهارون ﵉ لفرعون: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧] والظَّاهر أنَّه من جملة ما أُمِرَا به أن يقولاه؛ ومعناه: سَلِمَ من عذاب الله مَنْ أَسْلَمَ،

стр. 423

فليس المرادُ به التَّحيَّة، وإن كان اللَّفظ يُشعِر به لأنَّه لم يُسْلِم، فليس هو ممَّن اتَّبع الهُدَى (أَمَّا بَعْدُ) بالبناء على الضَّمِّ لقطعه عن الإضافة المنْويَّة لفظًا، ويُؤتَى بها للفصل بين الكلامين، قال في «الفتح»: واختُلِف في أوَّل مَنْ قالها؛ فقِيل: داود ﵇، وقيل: يَعْرُبُ بن قحطان، وقِيلَ: كعب بن لؤيٍّ، وقِيلَ: قسُّ بن ساعدة، وقِيلَ: سَحْبان، وفي «غرائب مالكٍ» للدَّارقطنيِّ: أنَّ يعقوبَ ﵇ أوَّلُ مَنْ قالها، فإن ثبت وقلنا: إنَّ قحطان من ذرية إسماعيل ﵇ فيعقوب ﵇ أوَّلُ مَنْ قالها مُطلَقًا، وإن قلنا: إن قحطان قبل إبراهيم ﵇ فـ «يَعْرُبُ» أوَّلُ من قالها (فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ) بكسر الدَّال المُهملَة، ولمسلمٍ كالمؤلِّف في «الجهاد»: «بداعية الإسلام» [خ¦٢٩٤١] أي: بالكلمة الداعية إلى الإسلام؛ وهي شهادة أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، والباء بمعنى «إلى» أي: أدعوك إلى الإسلام (أَسْلِمْ) بكسر اللَّام (تَسْلَمْ) بفتحها (يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ) بالجزم في الأوَّل على الأمر، وفي الثَّاني جوابٌ له، والثَّالث بحذف حرف العلَّة جوابٌ ثانٍ له أيضًا، أو بدلٌ منه، وإعطاء الأجر مرَّتين لكونه مؤمنًا بنبيِّه، ثمَّ آمن بمحمَّدٍ ﷺ ، أو من جهة أنَّ إسلامه يكون سببًا لإسلام أتباعه، وقوله: «أَسْلِمْ تَسْلَمْ» فيه غايةُ الاختصار، ونهاية الإيجاز والبلاغة، وجمع المعاني، مع ما فيه من الجناس الاشتقاقيِّ؛ وهو أن يرجع اللَّفظان في الاشتقاق إلى أصلٍ واحدٍ، وعند المؤلِّف في «الجهاد» [خ¦٢٩٤٠]: «أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وأسلمْ يؤتك» بتكرار «أَسْلِمْ» مع زيادة الواو في الثَّانية، فيكون الأمر الأوَّل

стр. 424

للدُّخول في الإسلام، والثَّاني للدَّوام عليه، على حدِّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ﴾ [النساء: ١٣٦] قاله في «الفتح»، وعُورِض: بأنَّ الآية في حقِّ المنافقين، أي: يا أيُّها الذين آمَنوا نِفَاقًا آمِنوا إخلاصًا، وأُجِيب: بأنَّه قول مجاهدٍ. وقال ابن عبَّاسٍ: في مؤمنِي أهل الكتاب، وقال جماعةٌ من المفسِّرين: خطابٌ للمؤمنين، وتأويل ﴿آمِنُواْ بِاللّهِ﴾: أقيموا أو دُومُوا واثبتوا على إيمانكم (فَإِنْ تَوَلَّيْتَ) أي: أعرضت عن الإسلام (فَإِنَّ عَلَيْكَ) مع إثمك (إِثْمَ اليَرِيْسِيْنَ) بمُثنَّاتين تحتيَّتين: الأولى مفتوحةٌ والثَّانية ساكنةٌ بينهما راءٌ مكسورةٌ ثمَّ سينٌ مكسورةٌ ثمَّ مثنَّاةٌ تحتيَّةٌ ساكنةٌ ثمَّ نونٌ، جمع يَرِيْسٍ؛ على وزن كَرِيمٍ، وفي روايةٍ: «الأريسين» بقلب المُثنَّاة الأولى همزةً، وفي أخرى: «اليريسيِّين» بتشديد الياء بعد السِّين، جمع: يريسيٍّ، وهي التي في الفرع كأصله عن الأربعة، والرَّابعة وهي للأَصيليِّ كما في «اليونينيَّة»: «الأريسيِّين» بتشديد الياء بعد السِّين كذلك، إلَّا أنَّه بالهمزة في أوَّله موضع الياء؛ والمعنى: أنَّه إذا كان عليه إثمُ الأتباعِ بسبب اتِّباعهم له على استمرار الكفر فَلَأنْ يكون عليه إثمُ نفسه أَوْلَى، فإن قلت: هذا مُعَارَضٌ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] أُجِيب: بأنَّ وزر الإثم لا يتحمَّله غيره، ولكنَّ الفاعل المتسبِّب والمتلبِّس بالسَّيِّئات يتحمَّل من جهتين: جِهة فعله، وجِهة تسبُّبه. والأريسيُّون: الأكَّارون، أي: الفلَّاحون والزَّرَّاعون، أي: عليك إثم رعاياك الذين يتَّبعونك وينقادون لأمرك، ونبَّه بهم على جميع الرَّعايا لأنَّهم الأغلب في رعاياه، وأسرع انقيادًا، فإذا أسلم أسلموا، وإذا امتنع امتنعوا، وقال أبو عبيدٍ: المراد بالفلَّاحين أهل مملكته؛ لأنَّ كلَّ مَنْ كان يزرع فهو عند العرب فلَّاحٌ، سواءٌ كان يلي ذلك بنفسه أم بغيره، وعند كُرَاعٍ: هم الأمراء (١)، وعند اللَّيث: هم (٢) العشَّارون؛ يعني: أهل المَكْس، وعند أبي عبيدة: الخدم والخَوَل؛ يعني: لصدِّه إيَّاهم عن الدِّين؛ كما قال تعالى:

стр. 425

﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا … ﴾ [الأحزاب: ٦٧] الآية، والأوَّل أظهر، وقِيلَ: كان أهلُ السَّواد أهلَ فلاحةٍ وكانوا مجوسًا، وأهلُ الرُّوم أهلَ صِناعةٍ، فأُعلِموا بأنَّهم وإن كانوا أهل كتابٍ فإنَّ (١) عليهم إن لم يؤمنوا من الإثم مثلَ إثم المجوس الذين لا كتابَ لهم، وفي قوله: «فإن تولَّيتَ» استعارةٌ تبعيَّةٌ؛ لأنَّ حقيقة التَّولِّي إنَّما هو بالوجه، ثمَّ استُعمِل مجازًا في الإعراض عن الشَّيء. (وَ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾) كذا في رواية عبدوسٍ والنَّسفيِّ والقابسيِّ بالواو، وهو الذي في «اليونينيَّة» عطفًا على قوله: «أدعوك» أي: أدعوك بدعاية الإسلام، وأدعوك بقول الله تعالى، أو أتلو عليك، أو أقرأ عليك: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ وعلى هذا التَّقدير فلا تكون زائدةً في التِّلاوة لأنَّ الواو إنَّما دخلت على محذوفٍ، ولا محذور (٢) فيه، فإن قلت: يلزم عليه حذف المعطوف وبقاء حرف العطف، وهو ممتنعٌ، أُجِيب: بأنَّ ذاك إذا حُذِفَ المعطوف وجميع متعلَّقاته (٣)، أمَّا إذا بقي من اللَّفظ شيءٌ هو معمولٌ للمحذوف فلا نسلِّم امتناع ذلك؛ كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩] أي: وأخلصوا الإيمان، وكقوله: وزجَّجن الحواجبَ والعيونا

стр. 426

أي: وكَحَّلْنَ. و: علفتُها تبنًا وماءً باردًا أي: وسقيتها، إلى غير ذلك. فإن قلت: العطف مشكلٌ؛ لأنَّه يقتضي تقييد التِّلاوة بتولِّيه، وليس كذلك، أُجِيب: بأنَّه إنَّما هو معطوفٌ على مجموع الجملة المشتملة على الشَّرط والجزاء، لا على الجزاء فقط، وقِيلَ: إنَّه ﷺ لم يُرِدِ التِّلاوة، بل أراد مُخاطَبتهم بذلك، وحينئذٍ فلا إشكال، وعُورِض: بأنَّ العلماء استدلُّوا بهذا الحديث على جواز كتابة الآية والآيتين إلى أرض العدوِّ، ولولا أنَّ المراد الآية لمَا صَحَّ الاستدلال، وهم أقوم وأعرف بأنَّه لو لم يُرِدِ الآية لقال ﵊: «فإن تولَّيتم» وفي الحديث: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ لكن يمكن الانفصال عن هذا الأخير بأنَّه من باب الالتفات، وفي رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ -كما قاله عيا «: - ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾» بإسقاط الواو، فيكون بيانًا لقوله: أدعوك بدعاية الإسلام، وقوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ يعمُّ أهلَ الكتابين (﴿تَعَالَوْاْ﴾) بفتح اللَّام (﴿إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء﴾) أي: مستويةٍ (﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾) لا يختلف فيها القرآن والتَّوراة والإنجيل، وتفسير «الكلمة» (﴿أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ﴾) أي: نوحِّده بالعبادة ونُخْلِص له فيها (﴿وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾) ولا نجعل غيره شريكًا له في استحقاق العبادة، ولا نراه أهلًا لأن يُعبَد (﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ﴾) فلا نقول: عزيرٌ ابن الله، ولا المسيحُ ابن الله، ولا نطيع الأحبار فيما أحدثوه من التَّحريم والتَّحليل؛ لأنَّ كلًّا منهم بشرٌ مثلنا. وَرُوِيَ أنَّه لمَّا نزلت: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣١] قال عديُّ بن حاتمٍ: ما كنَّا نعبدهم يا رسول الله، قال: «أليس كانوا يحلُّون لكم ويُحرِّمون فتأخذون بقولهم؟» قال: نعم،

стр. 427

قال: «هو ذاك» (﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾) عن التَّوحيد (﴿فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]) أي: لزمتكم الحجَّة، فاعترِفوا بأنَّا مسلمون دونكم، أو اعترِفوا بأنَّكم كافرون بما نطقت به الكتب وتطابقت عليه الرُّسل صلوات الله عليهم وسلامه، وقد قِيلَ: إنَّه ﷺ كتب ذلك قبل نزول الآية، فوافق لفظُه لفظَها لمَّا نزلت؛ لأنَّها نزلت في وفد نجرانَ سنة الوفود سنة تسعٍ، وقصَّة أبي سفيان قبل ذلك سنة ستٍّ، وقِيل: بل نزلت في اليهود، وجوَّز بعضهم نزولها مرَّتين، وقِيل -فيما حكاه السُّهيليُّ-: إنَّ هِرَقْلَ وضع هذا الكتاب في قصبةٍ من ذهبٍ تعظيمًا له، وإنَّهم لم يزالوا يتوارثونه كابرًا عن كابرٍ في أعزِّ مكانٍ، وحُكِيَ: أنَّ ملك الفرنج في دولة الملك المنصور قلاوون الصَّالحيِّ أخرج لسيف الدِّين قَلِج (١) صندوقًا مصفحًا بالذَّهب، واستخرج منه مقلمةً من ذهبٍ، فأخرج منها كتابًا زالت أكثر حروفه، فقال: هذا كتاب نبيِّكم إلى جدِّي قيصر، ما زلنا نتوارثه إلى الآن، وأوصانا آباؤنا أنَّه ما دام هذا الكتاب عندنا لا يَزَال المُلكُ فينا، فنحن نحفظه. (قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا قَالَ) هِرْقَلُ (مَا قَالَ) أي: الذي قاله في السُّؤال والجواب (وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الكِتَابِ) النَّبويِّ (كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ) بالصَّاد المُهملَة والخاء المُعجَمة المفتوحتين، أي: اللَّغط، كما في «مسلمٍ»؛ وهو اختلاط الأصوات في المُخاصَمة (وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ) بذلك (وَأُخْرِجْنَا) بضمِّ الهمزة وكسر الرَّاء (فَقُلْتُ لأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا) وعند المؤلِّف في «الجهاد» [خ¦٢٩٤١]: «حين خلوت بهم: والله» (لَقَدْ أَمِرَ) بفتح أوَّله مقصورًا وكسر ثانيه، أي: كَبُرَ (٢) وعَظُمَ (أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ) بسكون الميم، أي: شأنه، و «كَبْشَة» بفتح الكاف وسكون المُوحَّدة، قال ابن جنِّيٍّ: اسمٌ مُرتَجلٌ، ليس بمؤنَّثِ الكبش؛ لأنَّ مؤنَّثَ الكبشِ من غير

стр. 428

لفظه (١)؛ يريد: النَّبيَّ ﷺ ؛ لأنَّها كنية أبيه من الرَّضاعة الحارثِ بن عبد العزَّى، فيما قاله ابن ماكولا وغيره، وعند ابن بُكيرٍ: أنَّه أسلم وكانت له بنتٌ تُسمَّى: كبشة، فكُنِّي بها، أو هو والدُ حليمةَ مرضعتِهِ، أو ذلك نسبة إلى جدِّ جدِّه وهبٍ؛ لأنَّ أمَّه آمنة بنت وهبٍ، وأمُّ وهبٍ: قَيْلةُ بنت أبي كبشة، أو لجدِّ جدِّه عبد المطَّلب لأمِّه، أو هو رجلٌ من خزاعةَ؛ اسمه: وَجْزٌ -بواوٍ مفتوحةٍ فجيمٍ ساكنةٍ فزاي- ابن غالبٍ، خالف قريشًا في عبادة الأوثان، فَعَبَدَ الشِّعرى، فنسبوه إليه للاشتراك في مُطلَق المُخالَفة (إِنَّهُ يَخَافُهُ) بكسر الهمزة على الاستئناف، وجوَّز العينيُّ: فتحها، قال: وإن كان على ضعفٍ على أنَّه مفعولٌ من أجله، والمعنى: عظم أمره ﵊ لأجل أنَّه يخافه (مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ) وهم: الرُّوم؛ لأنَّ جدَّهم روم بن عيص بن إسحاق ﵇ تزوَّج بنت ملك الحبشة، فجاء ولده بين البياض والسَّواد، فقِيلَ له: الأصفر، أو لأنَّ جدَّته سارة (٢) حَلَّتْهُ بالذَّهب، وقِيلَ غير ذلك.

стр. 429

قال أبو سفيان: (فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا (١) أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللهُ عَلَيَّ الإِسْلَامَ) فأبرزت ذلك اليقين (وَكَانَ ابْنُ النَّاطُورِ) بالمُهمَلَة، أي: حافظ البستان؛ وهو لفظٌ أعجميٌّ تكلَّمت به العرب، وفي رواية الحَمُّويي: «الناظور» بالمُعجَمَة، وفي رواية اللَّيث عن يونس: «ابن ناطورا» بزيادة ألفٍ في آخره، والواو: عاطفةٌ، فالقصَّة الآتية موصولةٌ إلى ابن النَّاطور مرويَّةٌ عن الزُّهريِّ، خلافًا لمن توهَّم أنَّها مُعلَّقةٌ، أو مرويَّةٌ بالإسناد المذكور عن أبي سفيان، والتَّقدير: عن الزُّهريِّ أخبرني عبيد الله … ؛ وذكر الحديث، ثمَّ قال الزُّهريُّ: وكان ابن النَّاطور يحدِّث، فذكر هذه القصَّة، وقوله: (صاحِبَُ إِيلِيَاءَ) بكسر الهمزة واللَّام بينهما مُثنَّاةٌ تحتيَّةٌ مع المدِّ على الأَشْهَر؛ وهي بيت المقدس، أي: أميرها، و «صاحبَ» منصوبٌ في رواية أبي ذرٍّ على الاختصاص أو الحال، لا خبر «كان» لأنَّ خبرها إمَّا «أُسْقُفًا» أو «يحدِّث»، وجوَّزه البدر الدَّمامينيُّ: بأنَّه لا مانع من تعدُّد الخبر، وفي رواية (٢) أبي ذَرٍّ: «صاحبُ» بالرَّفع صفةٌ لابن النَّاطور، وردَّه الزَّركشيُّ: بأنَّه معرفةٌ، و «صاحبُ» لا يتعرَّف بالإضافة لأنَّه (٣) في تقدير الانفصال، وجوَّزه الكِرمانيُّ لأنَّ الإضافة معنويَّةٌ، قال البرماويُّ: وهو الظَّاهر، وقال البدر الدَّمامينيُّ: وهو -أي: قول الزَّركشيِّ- وهمٌ؛ فقد قال سيبويه: تقول: مررت بعبدِ الله ضاربِك؛ كما تقول: مررت بعبدِ الله صاحِبِك، أي: المعروف بضربك، قال الرَّضيُّ: فإذا قصدت هذا المعنى لم يعمل اسم الفاعل في محلِّ المجرور به نصبًا كما في «صاحبك»، وإن كان أصله اسم فاعلٍ من «صَحِبَ يصحَب»، بل نقدِّره (٤) كأنَّه جامدٌ، وأعربه بعضهم خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هو صاحبُ إيلياء (وَهِرَقْلَ) بفتح اللَّام مجرورٌ عطفًا على «إيلياء» أي: صاحب إيلياء وصاحب هِرَقْل، وأطلق عليه الصُّحبة؛ إمَّا بمعنى: التَّبع، وإمَّا

стр. 430

بمعنى: الصَّداقة، فوقع استعمال «صاحب» في المجاز بالنِّسبة لإمرته إيلياء، وفي الحقيقة: بالنِّسبة إلى هِرَقْل (أُسقُفَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول من الثُّلاثيِّ المزيد، وهي رواية المُستملي والحَمُّويي، وعَزَاها في الفرع كأصله للكُشْمِيهَنِيِّ فقط، وعند الجواليقي، وهي في الفرع كأصله للقابسيِّ فقط: «أُسْقُفًا» بضمِّ الهمزة وسكون السِّين وضمِّ القاف وتخفيف الفاء، وعنده (١) والقابسيّ: «أُسْقُفًّا» كذلك، إلَّا أنَّه بتشديد الفاء، وعَزَاها في الفرع كأصله لابن عساكرَ فقط، قال النَّوويُّ: وهو الأشهر، وعند الكُشْمِيهَنيِّ وهي في «اليونينيَّة» نسخةٌ بغير رقمٍ: «سُقِّف» بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول من التَّسقيف، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ عن المروزيِّ «سُقِف» بالتَّخفيف مبنيًّا للمفعول، وللجرجانيِّ: «سُقِفًّا» بضمِّ السِّين وكسر القاف وتشديد الفاء، ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: «سُقُفًّا» بضمِّ السِّين والقاف وتشديد الفاء، أي: مُقدَّمًا (عَلَى نَصَارَى الشَّأمِ) لكونه رئيس دينهم أو عالمهم، أو هو قيِّم شريعتهم، وهو دون القاضي، أو هو فوق القسِّيس ودون المَِطران، أو الملك المتخاشع في مشيته، الجمع: أساقفة وأساقف (يُحَدِّثُ: أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ) عند غلبة جنوده على جنود فارس، وإخراجهم في سنة عمرته ﷺ الحديبية (أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ) رديئها غير طيِّبها؛ ممَّا حلَّ به من الهمِّ، وعبَّر بـ «النَّفس» عن جملة الإنسانِ روحِه وجسدِه؛ اتِّساعًا لغلبة أوصاف الجسد على الرُّوح، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكرَ: «أصبح يومًا خبيث النَّفس» (فَقَالَ) له (بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ) بفتح المُوحَّدة، جمع بِطريقٍ

стр. 431

بِكَسْرِها، أي: قوَّاده وخواصِّ دولته، وأهل الرَّأي والشُّورى منهم: (قَدِ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ) أي: سَمْتَك وحالتك؛ لكونها مخالفةً لسائر الأَيَّام (قَالَ ابْنُ النَّاطُورِ) ولابن عساكر «الناظور» بالظَّاء المُعجَمة: (وَكَانَ) عُطِف على مقدَّرٍ تقديره: قال ابن النَّاطور: كان (هِرَقْلُ) عالمًا، وكان (حَزَّاءً) فلمَّا حُذِفَ المعطوف عليه أُظْهِرَ هِرَقْل في المعطوف، و «حزَّاءً»: منصوبٌ لأنَّه خبر كان، وهو بالمُهملَة وتشديد الزَّاي آخره همزةٌ مُنوَّنةٌ، أي: كاهنًا (يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ) خبرٌ ثانٍ لـ «كان» إن قلنا: إنَّه ينظر في الأمرين، أو: هو تفسيرٌ لـ «حزَّاءً» لأنَّ الكهانة تُؤخَذ تارةً من ألفاظ الشَّياطين، وتارةً من أحكام النُّجوم، وكان هِرَقْلُ علم ذلك بمقتضى حساب المنجِّمين الزَّاعمين أنَّ المولدَ النَّبويَّ كان بِقران العُلْوِيَّيْنِ ببرج العقرب، وهما يقترنان في كلِّ عشرين سنةً مرَّةً، إلى أن تستوفيَ الثَّلاثة (١) بروجها في ستِّين سنةً، وكان ابتداء العشرين الأولى للمولد النَّبويِّ في القِران المذكور (٢)، وعند تمام العشرين الثَّانية مجيء جبريل ﵇ بالوحي، وعند تمام الثَّالثة فتح خيبر وعمرة القَضِيَّة التي جرَّت فتح مكة وظهور الإسلام، وفي تلك الأيَّام رأى هِرَقْلُ ما رأى، وليس المراد بذكر هذا هنا تقوية قول المنجِّمين، بل المراد البشارات به ﵊ على لسان كلِّ فريقٍ من إنسيٍّ وجنِّيٍّ، والجملة السَّابقة من قوله: «قال ابن النَّاطور» اعتراضٌ بين سؤال بعض البطارقة وجواب هِرَقْلَ إيَّاهم، إلى قوله: (فَقَالَ) هِرَقْلُ (لَهُمْ) أي: لبعض بطارقته (حِينَ سَأَلُوهُ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ مَلِكَ الخِتَانِ) بفتح الميم وكسر اللَّام، ولغير الكُشْمِيهَنيِّ: «مُلْك» بالضَّمِّ ثمَّ الإسكان (قَدْ ظَهَرَ) أي: غلب، وهو كما قال؛ لأنَّ في تِلك الأيَّام كان ابتداء ظهوره ﷺ ؛ إذ صالحَ الكفَّار بالحديبية، وأنزل الله تعالى

стр. 432

سورة الفتح، ومقدِّمة الظُّهور ظهور (فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ؟) أي: من أهل هذا العصر، وإطلاق «الأمَّة» على أهل العصر كلِّهم فيه تجوُّزٌ، وفي رواية يونسَ: «فمن يختتن من هذه الأمم؟» (قَالُوا) مُجيبين لاستفهامه إيَّاهم: (لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّا اليَهُودُ) أجابوا بمقتضى علمهم؛ لأنَّ اليهود كانوا بإيلياءَ تحت الذِّلَّة مع النَّصارى بخلاف العرب (فَلَا يُهِمَّنَّكَ) بضمِّ المثنَّاة التَّحتيَّة من «أَهَمَّ» أي: لا يُقْلِقَنَّكَ (شَأْنُهُمْ، وَاكْتُبْ إِلَى مَدَائِنِ مُلْكِكَ) بالهمز، وقد يُترَك (فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ اليَهُودِ) وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكرَ: «فليقتلوا» باللَّام (فَبَيْنَمَا هُمْ) بالميم، وأصله: بين، فأُشبِعت الفتحة، فصار: بَينَا، ثمَّ زِيدت عليها الميمُ، وفي رواية الأربعة: «فبينا» بغير ميمٍ، ومعناهما واحدٌ، و «هم» مبتدأٌ خبرُهُ (عَلَى أَمْرِهِمْ) مشورتهم التي كانوا فيها (أُتِيَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ) أي: بينما هم بين أوقات أمرهم إذ أُتِيَ برجلٍ

стр. 433

(أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ) بالغين المُعجَمة والسِّين المُهملَة المُشدَّدة، والملك: هو الحارث بن أبي شِمْرٍ، و «غسَّانَ»: اسم ماءٍ نزل عليه قومٌ من الأزد فنُسِبوا إليه، أو ماءٌ بالمُشلَّل، ولم يُسمَّ الرَّجل ولا مَنْ أرسل به (يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) فقال -كما عند ابن إسحاق-: «خرج بين أظهرنا رجلٌ يزعم أنَّه نبيٌّ، فقد اتَّبعه ناسٌ وصدَّقوه، وخالفه ناسٌ، فكانت بينهم ملاحمُ في مواطنَ، وتركتهم وهم على ذلك» (فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ) وأخبره بذلك (قَالَ) هِرَقْلُ لجماعته: (اذْهَبُوا فَانْظُرُوا) إلى الرَّجل (أَمُخْتَتِنٌ هُوَ؟) بهمزة الاستفهام وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة الأولى وكسر الثَّانية (أَمْ لَا؟ فَنَظَرُوا إِلَيْهِ) وعند ابن إسحاق: «فجرَّدوه، فإذا هو مُختَتِنٌ» (فَحَدَّثُوهُ) أي: هِرَقْل (أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ) بفتح الفوقيَّة الأولى وكسر الثَّانية (وَسَأَلَهُ عَنِ العَرَبِ) هل يختتنون؟ (فَقَالَ) أي الرَّجلُ: (هُمْ يَخْتَتِنُونَ) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكرَ في نسخةٍ: «مختتنون» بالميم، قال العينيُّ كابن حجرٍ: والأوَّل أفيد وأشمل (فَقَالَ هِرَقْلُ: هَذَا) الذي نظرته في النُّجوم (مُلْكُ هَذِهِ الأُمَّةِ) أي: العرب (قَدْ ظَهَرَ) بضمِّ ميم «مُلك» وسكون لامها وللقابسيِّ: «مَلِك» بالفتح ثمَّ الكسر، فاسم الإشارة للنَّبيِّ ﷺ ، وهو مبتدأٌ خبره: «مُلْكُ هذه الأمَّة»، و «قد ظهر» حالٌ، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ وحده: «يملك» فعلٌ مضارعٌ «هذه الأمَّةَ» بالنَّصب على المفعوليَّة، لكنَّه في فرع «اليونينيَّة» كـ «الأصل» ضُبِّب على الياء، ثمَّ ضُرِبَ على الضَّبَّة بالحُمْرة خافيًا، وقال عياضٌ: أظنُّها -أي: الياء- ضمَّةَ الميم اتَّصلت بها، فتصحَّفت، ووجَّهها العينيُّ كغيره بأنَّ قوله: «هذا» مبتدأٌ، و «يملك» جملةٌ من الفعل والفاعل في محلِّ رفعٍ خبرُه، وقوله: «هذه الأمَّة» مفعولُ «يملك»، وقوله: «قد ظهر» جملةٌ وقعت حالًا، قال: وقد عُلِمَ أنَّ الماضيَ المُثبَت إذا وقع حالًا لابدَّ أن تكون فيه «قد» ظاهرةً أو مقدَّرةً، وقال غيره: قوله: «قد ظهر» جملةٌ مُستأنَفةٌ، لا في موضع الصِّفة ولا الخبر، ويجوز أن يكون: «يملك» نعتًا (١)، أي: هذا الرَّجل (٢)

стр. 434

يملك هذه الأمَّة، وقد جاء النَّعت بعد النَّعت ثمَّ حُذِفَ المنعوت. انتهى. (ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ) يُسمَّى: ضغاطرُ الأسقف (بِرُومِيَةَ) بالتَّخفيف، أي: فيها، وفي رواية ابن عساكرَ: «بالرُّوميَّة» وهي مدينة رئاسة الرُّوم، قِيل: إنَّ دور سورها أربعةٌ وعشرون ميلًا (وَكَانَ نَظِيرَهُ) وفي رواية ابن عساكرَ والأَصيليِّ: «وكان هِرَقْلُ نظيره» (فِي العِلْمِ، وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ) مجرورٌ بالفتحة لأنَّه غيرُ منصرفٍ؛ للعلميَّة والتَّأنيث، لا للعلميَّة والعجمة على الصَّحيح؛ لأنَّها لا تمنع صرف الثَّلاثيِّ، وجوَّز بعضهم صَرْفَه كعدمه؛ نحو هندٍ وغيره من الثُّلاثيِّ السَّاكن الوسط، ولم يجعل للعُجْمة أثرًا، وإنَّما سار هِرَقْل إلى حمصَ لأنَّها دار ملكه (فَلَمْ يَرِمْ) هِرَقْلُ (حِمْصَ) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة وكسر الرَّاء، أي: لم يبرح منها، أو لم يصل إليها (حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ) ضغاطرَ (يُوَافِقُ رَأْيَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أي: ظهوره (وَأَنَّهُ نَبِيٌّ) بفتح الهمزة عطفًا على «خروجِ»، وهذا يدلُّ على أنَّ هِرَقْلَ وصاحبَه أَقَرَّا بنبوَّته ﷺ ، لكن هِرَقْلُ لم يستمرَّ على ذلك، ولم يعمل بمُقتضاه، بل شحَّ بملكه ورغب في الرِّئاسة فآثرهما على الإسلام، بخلاف صاحبه ضغاطر فإنَّه أظهر إسلامه، وخرج على الرُّوم فدعاهم إلى الإسلام فقتلوه (فَأَذِنَ) بالقصر، مِنَ: الإذن، وللمستملي وغيره: «فآذَنَ» بالمدِّ، أي: أَعْلَمَ (هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ) -بمُهمَلتين الأولى مفتوحةٌ والثَّانية ساكنةٌ وفتح الكاف والرَّاء- كائنةٍ

стр. 435

(لَهُ بِحِمْصَ) أي: فيها، والدَّسْكَرَةُ: القصرُ حولَه البيوتُ (ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا) أي: الدَّسْكَرَة (فَغُلِّقَتْ) بتشديد اللَّام لأبي ذَرٍّ، وكأنَّه دخلها ثمَّ أغلقها، وفتح أبواب البيوت التي حولها، فأذن للرُّوم في دخولها، ثمَّ أغلقها (ثُمَّ اطَّلَعَ) عليهم من علوٍّ خوفَ أن ينكروا مقالته فيقتلوه، ثمَّ خاطبهم (فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، هَلْ لَكُمْ) رغبةٌ (فِي الفَلَاحِ وَالرُّشْدِ؟) -بالضَّمِّ ثمَّ السُّكون، أو بفتحتين- خلاف الغيِّ (وَأَنْ يَثْبُتَ) بفتح الهمزة، وهي مصدريَّةٌ عطفًا على قوله: «في الفلاح» أي: وهل لكم في ثبوت (مُلْكُكُمْ، فَتُبَايِعُوا) بمثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مضمومةٍ ثمَّ مُوحَّدةٍ وبعد الألف مُثنَّاةٌ تحتيَّةٌ، منصوبٌ بحذف النُّون «بأن» مقدَّرةً في جواب الاستفهام، وفي نسخةٍ بفرع «اليونينيَّة» كأصلها: «فبايعوا» بإسقاط المُثنَّاة قبل المُوحَّدة، وفي رواية الأَصيليِّ: «نُبايع» بنون الجمع ثمَّ مُوحَّدةٍ، وفي أخرى لأبي الوقت: «نتابع» بنون الجمع أيضًا، ثمَّ مُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ فألفٍ فمُوحَّدةٍ، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فتتابعوا» بمُثنَّاتين فوقيَّتين وبعد الألف مُوحَّدةٌ، فالثَّلاثة الأُوَل (١) من البيعة، والتي بعدها من الاِتِّباع، كالرِّواية الأخرى لابن عساكر في نسخةٍ: «فَنَتبع» (هَذَا النَّبِيَّ؟) وفي «اليونينيَّة» بين الأسطر من غير رقمٍ: « ﷺ » وفي رواية ابن عساكر وأبي ذَرٍّ: «لهذا» باللَّام، وإنَّما قال ذلك لِمَا عرفه من الكتب السَّالفة أنَّ التَّماديَ على الكفر سببٌ لذهاب المُلْك، ونُقِلَ أنَّ في التَّوراة: ونبيًّا مثلك أُرْسِله؛ أيُّ إنسانٍ لم يقبل كلامي الذي يؤدِّيه عنِّي، فإنِّي أهلكه (فَحَاصُوا) بمُهمَلتين، أي: نفروا (حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ) أي: كحيصتها (إِلَى الأَبْوَابِ) المعهودة (فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ) بضمِّ الغين المُعجَمة وكسر اللَّام مشدَّدةً، وشبَّه نفرتهم وجفلهم ممَّا قال لهم من اتِّباع الرَّسول ﵊ بنفرة حمر الوحش؛ لأنَّها أشدُّ نفرةً من سائر الحيوانات (فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ، وَأَيِسَ) بهمزةٍ ثمَّ مُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ، جملةٌ حاليَّةٌ بتقدير «قد»، وفي رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «يئس» بتقديم الياء على الهمزة، وهما بمعنًى، والأوَّل مقلوبٌ من الثَّاني، أي: قنط (مِنَ الإِيمَانِ) أي: من إيمانهم لِمَا أظهروه،

стр. 436

ومن إيمانه لكونه شحَّ بملكه، وكان يحبُّ أن يطيعوه فيستمرَّ ملكه، ويُسْلِم ويُسْلِمون (قَالَ: رُدُّوهُمْ عَلَيَّ، وَقَالَ) لهم: (إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا) بالمدِّ مع كسر النُّون وقد تُقصَر، وهو نصبٌ على الظَّرفيَّة، أي: قلت مقالتي هذه السَّاعة حال كوني (أَخْتَبِرُ) أي: أمتحن (بِهَا شِدَّتَكُمْ) أي: رسوخكم (عَلَى دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ) شدَّتكم، فحذف المفعول للعلم به ممَّا سبق، وعند المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٥٥٣]: «فقد رأيت منكم الذي أحببت» (فَسَجَدُوا لَهُ) حقيقةً على عادتهم لملوكهم، أو قبَّلوا الأرض بين يديه؛ لأنَّ ذلك ربَّما كان كهيئة السُّجود (وَرَضُوا عَنْهُ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ) -بالنَّصب- خبر «كان» (شَأْنِ هِرَقْلَ) فيما يتعلَّق بهذه القصَّة خاصَّةً، أو فيما يتعلَّق بالإيمان، فإنَّه قد وقعت له أمورٌ من تجهيز الجيش إلى مؤتة وتبوك ومحاربته للمسلمين، وهذا يدلُّ ظاهره على استمراره على الكفر، لكن يحتمل مع ذلك أنَّه كان يضمر الإيمان ويفعل هذه المعاصي مراعاةً لمملكته، وخوفًا من أن يقتله قومه، إلَّا أن في «مُسنَد أحمد»: أنَّه كتب من تبوك إلى النَّبيِّ ﷺ : إنِّي مسلمٌ، قال النَّبيُّ ﷺ : «بل هو على نصرانيَّته … » الحديث. (رَوَاهُ) أي: حديث هِرَقْلَ، وفي رواية ابن عساكر: «ورواه» بواو العطف، وفي روايةٍ: «قال محمَّدٌ -أي: البخاريّ-: رواه» (صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) -بفتح الكاف- أبو محمَّدٍ، أو أبو الحارث الغِفَاريُّ؛ بكسر الغين المُعجَمة مُخفَّف الفاء، المدنيُّ المُتوفَّى بعد الأربعين ومئةٍ، أو سنة خمسٍ وأربعين ومئةٍ، عن مئة سنةٍ ونيِّفٍ وستِّين سنةً.

стр. 437

(وَ) رواه أيضًا (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (وَ) رواه (مَعْمَرٌ) -بفتح الميمين بينهما عينٌ ساكنةٌ- ابن راشدٍ؛ الثَّلاثة (عَنِ الزُّهْرِيِّ). فالأوَّل: أخرجه المصنِّف في «الجهاد» من طريق إبراهيم بن سعد عن صالحٍ عن الزُّهريِّ، لكنَّه انتهى عند قول أبي سفيان: «حتَّى أدخل الله عليَّ الإسلام» [خ¦٢٩٤١]، وكذا مسلمٌ، والثَّاني أيضًا: بهذا الإسناد في «الجهاد» مُختَصرًا من طريق اللَّيث [خ¦٣١٧٤] وفي «الاستئذان» أيضًا مختصرًا من طريق ابن المُبارَك (١)، كلاهما عن يونس عن الزُّهريِّ بسنده بعينه [خ¦٦٢٦٠] والثَّالث أيضًا: بتمامه في «التَّفسير» [خ¦٤٥٥٣] فالأحاديث الثَّلاثة عند المصنِّف عن غير أبي اليمان، والزُّهريُّ إنَّما رواها لأصحابه بسندٍ واحدٍ عن شيخٍ واحدٍ، وهو عبيد الله بن عبد الله، وفي هذا الحديث من لطائف الإسناد: رواية حمصيٍّ عن حمصيٍّ عن شاميٍّ عن مدنيٍّ، وأخرج متنه المؤلِّف هنا، وفي «الجهاد» [خ¦٢٩٤٠] [خ¦٢٩٤١] و «التَّفسير» في موضعين [خ¦٤٥٥٣] (٢) وفي «الشَّهادات» [خ¦٢٦٨١] و «الجزية» [خ¦٣١٧٤] و «الأدب» في موضعين [خ¦٥٩٨٠] وفي «الإيمان» [خ¦٥١] و «العلم» [خ¦٦٤] و «الأحكام» [خ¦٧١٩٦] و «المغازي» [خ¦٤٤٢٤] و «خبر الواحد» [خ¦٧٢٦٤] و «الاستئذان» [خ¦٦٢٦٠]، وأخرجه مسلمٌ في «المغازي»، وأبو داودَ في «الأدب»، والتِّرمذيُّ في «الاستئذان»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير»، ولم يخرجه ابن ماجه. ووجه مناسبة ذكر هذا الحديث في هذا الباب أنَّه (٣) مشتملٌ على ذكر جملٍ من أوصاف من يُوحَى إليه، والباب في كيفيَّة بدء الوحي، وأيضًا فإنَّ قصَّة هِرَقْل متضمِّنةٌ كيفيَّة حاله ﷺ في ابتداء الأمر.

стр. 438

ولمَّا فرغ المؤلِّف رحمه الله تعالى من «باب الوحي» الذي هو كالمقدِّمة لهذا الكتاب الجامع شرع يذكر المقاصد الدِّينيَّة، وبدأ منها بالإيمان لأنَّه مِلاك الأمر كلّه؛ لأنَّ الباقيَ مبنيٌّ عليه ومشروطٌ به، وهو أوَّل واجبٍ على المكلَّف، فقال مبتدئًا بقوله: ((٢)) (بسم الله الرحمن الرحيم) كأكثر كتب هذا «الجامع» تبرُّكًا وزيادةً في الاعتناء بالتَّمسُّك بالسُّنَّة، واختلفت الرِّوايات في تقديمها هنا على «كتاب الإيمان» أو تأخيرها عنه، ولكلٍّ وجهٌ، ووجه الثَّاني: بأنَّه جعل التَّرجمة قائمةً مقام تسمية السُّورة، ووجه الأوَّل ظاهرٌ. هذا (كِتَابُ الإِيمَانِ) بكسر الهمزة، وهو لغةً: التَّصديق، وهو كما قاله التَّفتازانيُّ: إذعانٌ لحكم المخبر وقبوله وجعله صادقًا، إفعالٌ من الأمن، كأنَّ حقيقة «آمن به»: آمَنَهُ التَّكذيب

стр. 439

والمُخالَفة، يُعدَّى باللَّام؛ كما في قوله تعالى حكايةً عن إخوة يوسف ﵊: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا﴾ [يوسف: ١٧] أي: بمصدِّقٍ لنا، وبالباء؛ كما في قوله ﷺ : «الإيمان أن تؤمن بالله … » الحديث، فليس حقيقة التَّصديق أن يقع في القلب نسبة التَّصديق إلى الخبر أو المخبر من غير إذعانٍ وقبولٍ، بل هو إذعانٌ وقبولٌ لذلك؛ بحيث يقع عليه اسم التَّسليم، على ما صرَّح به الإمام الغزاليُّ، والكتاب: من الكَتْب؛ وهو الجمع والضَّمُّ، ومن ثمَّ استُعمِل جامعًا للأبواب والفصول الجامعة للمسائل، والضَّمُّ فيه بالنِّسبة إلى الحروف المكتوبة حقيقةٌ، وبالنِّسبة إلى المعاني المُرَادة منها مجازٌ (١)، ولم يَقُلْ في الأوَّل: كتاب بدء الوحي؛ لأنَّه كالمقدِّمة، ومن ثمَّ بدأ به؛ لأنَّ من شأن المقدِّمة كونَها أمام المُراد، وأيضًا: فإنَّ مِنَ الوحيِ عُرِفَ الإيمانُ وغيره (٢).

стр. 440

(١) هذا (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) في الحديث الموصول الآتي تامًا إن شاء الله تعالى: (بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ) [خ¦٨] وفي فرع «اليونينيَّة» كهي: «كتاب الإيمان، وقول النَّبيِّ ﷺ » وفي أخرى: «باب الإيمان وقول النَّبيِّ» والأوَّل أصحُّ؛ لأنَّ ذكر الإيمان بعد ذكر كتاب الإيمان لا طائل تحته كما لا يخفى، وسقط لفظ «باب» عند الأَصيليِّ، والإسلام لغةً: الانقياد والخضوع، ولا يتحقَّق ذلك إلَّا بقبول الأحكام والإذعان، وذلك حقيقة التَّصديق كما سبق، قال الله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦] فالإيمان لا ينفكُّ عن الإسلام حكمًا، فهما متَّحدان في التَّصديق، وإن تغايرا بحسب المفهوم؛ إذ مفهوم الإيمان: تصديق القلب، ومفهوم الإسلام: أعمال الجوارح، وبالجملة: لا يصحُّ في الشَّرع أن يُحكَم على أحدٍ بأنَّه مؤمنٌ وليس بمسلمٍ، أو مسلمٌ وليس بمؤمنٍ، ولا نعني بوحدتهما سوى هذا، ومن أثبت التَّغاير فقد يُقَال له: ما حكم من آمن ولم يسلم، أو أسلم ولم يؤمن؟ فإن أثبت لأحدهما حكمًا ليس بثابتٍ للآخر فقد ظهر بطلان قوله، فإن قِيلَ قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] صريحٌ في تحقُّق الإسلام بدون الإيمان، أُجِيب: بأنَّ المراد أنَّهم

стр. 441

انقادوا في الظَّاهر دون الباطن، فكانوا كمن تلفَّظ بالشَّهادتين ولم يصدِّق بقلبه، فإنَّه تجري عليه الأحكام في الظَّاهر. انتهى. (وَهُوَ) أي: الإيمان المبَوَّب عليه عند المصنِّف كابن عُيَيْنَةَ والثَّوريِّ وابن جريجٍ ومجاهدٍ ومالكِ بن أنسٍ، وغيرهم من سلف الأمَّة وخلفها من المتكلِّمين والمحدِّثين: (قَوْلٌ) باللِّسان وهو النُّطق بالشَّهادتين (وَفِعْلٌ) ولأبي ذَرٍّ عن (١) الكُشْمِيهَنيِّ: «وعملٌ» بدل «فعلٌ» وهو أعمُّ من عمل القلب والجوارح؛ لتدخل الاعتقادات والعبادات، وهو موافقٌ لقول السَّلف: اعتقادٌ بالقلب ونطقٌ باللِّسان وعملٌ بالأركان، وأرادوا بذلك: أنَّ الأعمال شرط في كماله، وقال المتأخِّرون -ومنهم الأشعريَّة وأكثر الأئمَّة كالقاضي، ووافقهم ابن الرَّاونديُّ من المعتزلة-: هو تصديق الرَّسول ﵇ بما عُلِمَ مجيئه به ضرورةً، تفصيلًا فيما عُلِمَ تفصيلًا، وإجمالًا فيما علم إجمالًا، تصديقًا جازمًا مُطلَقًا، سواءٌ كان لدليلٍ أم لا، قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢] ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] وقال ﵊: «اللهمَّ ثبِّت قلبي على دينك»، وإذا ثَبَتَ أنَّه فعل القلب وَجَبَ أن يكون عبارةً عن مجرَّد التَّصديق، وقد خرج بقيد «الضَّرورة» ما لم (٢) يُعلَمْ بالضَّرورة أنَّه جاء به كالاجتهادات، وبـ «الجازم»: التَّصديق الظَّنيُّ، فإنَّه غيرُ كافٍ، وقيل: هو المعرفة، فقومٌ: بالله، وهو مذهب جهم بن صفوان، وقومٌ: بالله وبما

стр. 442

جاء به الرَّسول إجمالًا، وهو منقولٌ عن بعض الفقهاء، وقال الحنفيَّة: التَّصديق بالجَنَان، والإقرار باللِّسان، قال العلَّامة التَّفتازانيُّ: إلَّا أنَّ التَّصديق ركنٌ لا يحتمل السُّقوط أصلًا، والإقرار قد يحتمله كما في حالة الإكراه، فإن قلت: قد لا يبقى التَّصديق (١) كما في حالة النَّوم والغفلة، أُجِيب: بأنَّ التَّصديق باقٍ في القلب، والذُّهول إنَّما هو عن حصوله، وذهب جمهور المحقِّقين إلى أنَّه هو التَّصديق بالقلب، وإنَّما الإقرارُ شرطٌ لإجراء الأحكام في الدُّنيا، لما أنَّ تصديق القلب أمرٌ باطنيٌّ لابدَّ له من علامةٍ. انتهى. وقال النَّوويُّ رحمه الله تعالى: اتَّفق أهل السُّنَّة من المحدِّثين والفقهاء والمتكلِّمين: أنَّ المؤمن الذي يُحكَم بأنَّه من أهل القبلة ولا يُخلَّد في النَّار لا يكون إلَّا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادًا جازمًا خاليًا من الشُّكوك، ونطق مع ذلك بالشَّهادتين، فإن اقتصر على أحدهما لم يكن من أهل القبلة أصلًا، بل يُخلَّد في النَّار، إلَّا أن يعجز عن النُّطق لخللٍ في لسانه، أو لعدم التَّمكُّن منه لمعاجلة المنيَّة أو لغير ذلك، فإنَّه حينئذٍ يكون مؤمنًا بالاعتقاد من غير لفظٍ. انتهى. وقالتِ الكرَّاميَّة: النُّطق بكلمتي الشَّهادة فقط، وقال قومٌ: العمل، وذهب الخوارج والعلَّاف وعبد الجبَّار إلى أنَّه الطَّاعات بأَسْرِها فرضًا كانت أو نفلًا، وذهب الجبَّائيُّ وابنه وأكثر المعتزلة البصريَّة إلى أنَّه الطَّاعات المُفترَضة من الأفعال والتُّروك دون النَّوافل، وقال الباقون منهم: العمل والنُّطق والاعتقاد، والفارق بينه وبين قول السَّلف السَّالف: أنَّهم جعلوا

стр. 443

الأعمال شرطًا في الكمال، والمعتزلة جعلوها شرطًا في الصِّحَّة، فهذه ثمانية أقوالٍ؛ خمسةٌ منها بسيطةٌ، والأوَّل والثامن (١) مُركَّبٌ ثلاثيٌّ، والرَّابع مُركَّبٌ ثُنائيٌّ، ووجه الحصر: أنَّ الإيمان لا يخرج بإجماع المسلمين عن فعل القلب وفعل الجوارح، فهو حينئذٍ: إمَّا فعل القلب فقط؛ وهو المعرفة على الوجهين أو التَّصديق المذكور، وإمَّا فعل الجوارح فقط؛ وهو فعل اللِّسان وهو الكلمتان، أو غير فعل اللِّسان؛ وهو العمل بالطَّاعات المُطلَقة أو المُفترَضة، وإمَّا فعل القلب والجوارح معًا، والجارحة: إمَّا اللِّسان وحده، أو جميع الجوارح، وهذا كلُّه بالنَّظر إلى ما عند الله تعالى، أمَّا بالنَّظر إلى ما عندنا فالإيمان هو الإقرار فقط، فإذا أقرَّ حكمنا بإيمانه اتِّفاقًا. نعم؛ النِّزاع واقعٌ في نفس الإيمان والكمال، فإنَّه لابدَّ فيه من الثَّلاثة إجماعًا، فمن أقرَّ بالكلمة جرت عليه الأحكام في الدُّنيا، ولم يُحكَم بكفره، إلَّا إنِ اقترن به فعلٌ كالسُّجود لصنمٍ، فإن كان غير دالٍّ عليه كالفسق؛ فمن أطلق عليه الإيمان فبالنَّظر إلى إقراره، ومن نفى عنه الإيمان فبالنَّظر إلى (٢) كماله، ومن أطلق عليه الكفر فبالنَّظر إلى أنَّه فَعَل فِعْل الكافر، ومن نفاه عنه فبالنَّظر إلى حقيقته، وأثبت المعتزلة الواسطة، فقالوا: الفاسق لا مؤمنٌ ولا كافرٌ. (وَ) إذا تقرَّر هذا؛ فاعلم أنَّ الإيمان (يَزِيدُ) بالطَّاعة (٣) (وَيَنْقُصُ) بالمعصية كما عند المؤلِّف [خ¦٢/ ١ - ١٠] وغيره، وأخرجه أبو نعيمٍ كذا بهذا اللَّفظ في ترجمة الشَّافعيِّ رحمه الله تعالى من «الحِلية»، وهو عند الحاكم بلفظ: الإيمان قولٌ وعملٌ، ويزيد وينقص، وكذا نقله اللَّالكائيُّ في «كتاب السُّنَّة» عن الشَّافعيِّ، وأحمد ابن حنبل، وإسحاق بن رَاهُوْيَه، بل قال به من الصَّحابة: عمر بن الخطاب، وعليُّ بن أبي طالبٍ، وابن مسعودٍ، ومعاذ بن جبلٍ، وأبو الدَّرداء، وابن عبَّاسٍ، وابن عمرَ، وعُمارةُ، وأبو هريرةَ، وحذيفةُ، وعائشةُ، وغيرهم ﵃، ومن التَّابعين: كعب

стр. 444

الأحبار، وعروة، وطاوس، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم، وروى اللَّالكائيُّ أيضًا بسندٍ صحيحٍ عن البخاريِّ قال: لقيت أكثر من ألف رجلٍ من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحدًا منهم يختلف في أنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ، ويزيد وينقص، وأمَّا توقُّف مالكٍ ﵀ عن القول بنقصانه فخشيةَ أن يُتَأَوَّل عليه مُوافقَة الخوارج. ثمَّ استدلَّ المؤلِّف على زيادة الإيمانِ بثمانِ آياتٍ من القرآن العظيم مصرِّحة بالزِّيادة، وبِثُبوتها يَثبُت المُقابل، فإنَّ كلَّ قابلٍ للزِّيادة قابلٌ للنُّقصان ضرورةً، فقال: (قَالَ) وفي رواية الأَصيليِّ: «وقال» (اللهُ تَعَالَى) بـ «الواو»، في سورة الفتح، ولأبي ذَرٍّ: « »: (﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]) وقال تعالى في الكهف: (﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]) أي: بالتَّوفيق والتَّثبيت، وهذه الآية ساقطةٌ في رواية ابن عساكر، كما في فرع «اليونينيَّة» كهي، والآية الثَّالثة في مريم: (﴿وَيَزِيدُ اللهُ﴾) بالواو، وفي رواية ابن عساكر: «يزيد الله» وفي أخرى للأَصيليِّ: «وقال: ﴿وَيَزِيدُ اللهُ﴾» (﴿الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]) أي: بتوفيقه (وَقَالَ) في القتال، وفي رواية ابن عساكر والأَصيليِّ: «وقوله» وفي روايةٍ بإسقاطهما والابتداء بقوله : (﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾) بالتَّوفيق (﴿وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد: ١٧]) أي: بيَّن لهم ما يتَّقون، أو أعانهم على تقواهم، أو أعطاهم جزاءها، وقال تعالى في المدَّثِّر: (﴿وَيَزْدَادَ﴾) ولابن عساكر والأَصيليِّ: «وقوله: ﴿وَيَزْدَادَ﴾» (﴿الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾) بتصديقهم بأصحاب النَّار المذكورين في

стр. 445

قوله : ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً … ﴾ [المدثر: ٣١] الآية (وَقَوْلُهُ) تعالى في براءة: (﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ﴾) أي: السُّورة (﴿إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]) بزيادة العلم الحاصل من تدبُّرها، وبانضمام الإيمان بها، وبما فيها إلى إيمانهم (وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ) في آل عمران: (﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ [آل عمران: ١٧٣]) لعدم التفاتهم إلى من ثبَّطهم عن قتال المشركين، بل ثبت يقينهم بالله وازداد إيمانهم، قال البيضاويُّ: وهو دليلٌ على أنَّ الإيمان يزيد وينقص (وَقَوْلُهُ تَعَالَى) في الأحزاب: (﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾) أي: لمَّا رأوا الخَطْب أو البلاء في قصَّة الأحزاب، وسقطت واو ﴿وَمَا﴾ للأَصيليِّ فقال: «﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾» (﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾) بالله تعالى ومواعيده (﴿وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢]) لأوامره ومقاديره، فإن قلت: الإيمان: هو التَّصديق بالله ورسوله، والتَّصديق شيءٌ واحدٌ لا يتجزَّأ، فلا يُتصوَّر كمالُه تارةً ونقصُه أخرى، أُجِيب: بأنَّ قبوله الزِّيادة والنَّقص ظاهرٌ، على تقدير دخول القول والفعل فيه، وفي الشَّاهد شاهدٌ بذلك؛ فإنَّ كلَّ أحدٍ يعلم أنَّ ما في قلبه يتفاضل، حتَّى إنَّه يكون في بعض الأحيان أعظم يقينًا وإخلاصًا وتوكُّلًا منه في بعضها (١)، وكذلك في التَّصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها، ومن ثمَّ كان إيمان الصِّدِّيقين أقوى من إيمان غيرهم، وهذا مبنيٌّ على ما ذهب إليه المحقِّقون من الأشاعرة: من أنَّ نفس التَّصديق لا يزيد ولا ينقص، وأنَّ الإيمان الشَّرعيَّ يزيد وينقص بزيادة ثمراته -التي هي الأعمال- ونقصانها، وبهذا يحصل التَّوفيق بين ظواهر النُّصوص الدَّالَّة على الزِّيادة وأقاويل السَّلف بذلك، وبين أصل وضعه اللُّغويِّ وما عليه أكثر المتكلِّمين. نعم؛ يزيد وينقص قوَّةً وضعفًا، وإجمالًا وتفصيلًا، أو تعدُّدًا بحسب تعدُّد المؤمن به، وارتضاه النَّوويُّ، وعَزَاه التَّفتازانيُّ في «شرح عقائد النَّسفيِّ» لبعض المحقِّقين، وقال في «المواقف»: إنَّه الحقُّ، وأنكر ذلك أكثر المتكلِّمين والحنفيَّة؛ لأنَّه متى قُبِلَ ذلك كان شكًّا

стр. 446

وكفرًا، وأجابوا عن الآيات السَّابقة ونحوها بما نقلوه عن إمامهم: أنَّها محمولةٌ على أنَّهم كانوا آمَنوا في الجملة، ثمَّ يأتي فرضٌ بعد فرضٍ، فكانوا يؤمنون بكل فرضٍ خاصٍّ، وحاصله: أنَّه كان يزيد بزيادة ما يجب الإيمان به، وهذا لا يُتصَّور في غير عصره ﷺ ، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الاطِّلاع على تفاصيل الفرائض يمكن في غير عصره ﵊، والإيمان واجبٌ إجمالًا فيما عُلِمَ إجمالًا، وتفصيلًا فيما عُلِمَ تفصيلًا، ولا خفاء في أنَّ التَّفصيليَّ أَزْيَدُ. انتهى. ثمَّ استدلَّ المؤلِّف على قبول الزِّيادة أيضًا بقوله: (وَالحُبُّ فِي اللهِ) وهو -بالرَّفع- مبتدأٌ (وَالبُغْضُ فِي اللهِ): عطفٌ عليه، وقوله: (مِنَ الإِيمَانِ) خبرُ المبتدأِ، وهذا لفظُ حديثٍ رواه أبو داودَ من حديث أبي أُمامةَ؛ لأنَّ الحبَّ والبغض يتفاوتان. (وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) بن مروان الأمويُّ القرشيُّ أحد الخلفاء الرَّاشدين، المُتوفَّى بدير سِمْعان بحمصَ يوم الجمعة لخمس ليالٍ بَقِين من رجب سنة إحدى ومئةٍ (إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ) بفتح العين وكسر الدَّال المُهملَتين فيهما، ابن عَمرة -بفتح العين- الكنديِّ التَّابعيِّ المُتوفَّى سنة عشرين ومئةٍ: (إِنَّ لِلإِيمَانِ) بكسر همزة «إنَّ» في «اليونينيَّة» (فَرَائِضَ) بالنَّصب اسم «إنَّ» مُؤخَّرًا، أي: أعمالًا مفروضةً (وَشَرَائِعَ) أي: عقائد دينيَّةً (وَحُدُودًا) أي: منهيَّاتٍ ممنوعةً

стр. 447

(وَسُنَنًا) أي: مندوباتٍ، وفي رواية ابن عساكرَ: «إنَّ الإيمان فرائضٌ» بالرَّفع خبر «إنَّ»، وما بعده معطوفٌ عليه، ووقع للجرجانيِّ: «فرائع» وليس بشيءٍ (فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا) أي: الفرائض وما معها فقد (اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الإِيمَانَ) فيه إشارةٌ إلى قبول الإيمان الزِّيادةَ والنُّقصانَ، ومن ثمَّ ذكره المؤلِّف هنا استشهادًا، لا يُقال: إنَّه لا يدلُّ على ذلك بل على خلافه؛ إذ قال: للإيمان كذا وكذا، فجعل الإيمان غير الفرائض وما ذُكِرَ معها، وقال: مَنِ استكملها، أي: الفرائض وما معها، فجعل الكمال لِمَا للإيمان، لا للإيمان؛ لأنَّا نقول: آخر كلامه يُشعِر بذلك حيث قال: فمن استكملها -أي: الفرائض وما معها- فقد استكمل الإيمان (فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا) أي: فسأوضِّحها (لَكُمْ) إيضاحًا يفهمه كلُّ أحدٍ منكم، والمُرَاد: تفاريعها لا أصولها؛ إذ كانت معلومةً لهم على سبيل الإجمال، وأراد: سأبيِّنها لكم على سبيل التَّفصيل (حَتَّى تَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنْ أَمُتْ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ) وليس في هذا تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ إذ الحاجة لم تتحقَّق، أو أنَّه علم أنَّهم يعلمون مقاصدها، ولكنَّه استظهر وبالغ في نصحهم وتنبيههم على المقصود، وعرَّفهم أقسام الإيمان مُجمَلًا، وأنَّه سيذكرها مفصَّلًا إذا تفرَّغ لها، فقد كان مشغولًا بالأهمِّ، وهو من تعاليق المؤلِّف المجزومة، وهي محكومٌ بصحَّتها، ووصله أحمدُ وابن أبي شيبة في «كتاب الإيمان» لهما من طريق عيسى بن عاصمٍ، قال: حدَّثني عديُّ بن عديٍّ … فذكره. (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) الخليل، زاد الأَصيليُّ في روايته، كما في فرع «اليونينيَّة» كهي: « ﷺ » وقد عاش فيما رُوِيَ مئة سنةٍ وخمسًا وسبعين سنةً، أو مئتي سنةٍ، ودُفِنَ بحبرون؛ بالحاء المُهملَة: (﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]) أي: ليزداد بصيرةً وسكونًا بمُضامَّة العيان إلى

стр. 448

الوحي والاستدلال؛ فإنَّ عين اليقين فيه طمأنينةٌ ليست في علم اليقين، ففيه دلالةٌ على قَبول التَّصديق اليقينيِّ للزِّيادة، وعند ابن جريرٍ بسندٍ صحيحٍ إلى سعيد بن جُبيرٍ أي: يزداد يقيني، وعن مجاهدٍ: لِأزدادَ إيمانًا إلى إيماني، لا يُقال: كان المناسب أن يذكر المؤلِّف رحمه الله تعالى هذه الآية عند الآيات السَّابقة؛ لأنَّا نقول: إنَّ هاتيك دلالتُها على الزِّيادة صريحةٌ (١) بخلاف هذه؛ فِلذا أخَّرها إشعارًا بالتَّفاوت. (وَقَالَ مُعَاذٌ) بضمِّ الميم والذَّال المُعجَمة، وللأَصيليِّ في روايته: «وقال معاذ بن جبلٍ» كما في فرع «اليونينيَّة» كهي، ابن عمرٍو (٢) الخزرجيُّ الأنصاريُّ، المُتوفَّى سنة ثمانيةَ عَشَرَ، وله في «البخاريِّ» ستَّةُ أحاديث للأسود بن هلالٍ: (اجْلِسْ بِنَا) بهمزة وصلٍ (نُؤْمِنْ) بالجزم (سَاعَةً) أي: نزداد إيمانًا؛ لأنَّ معاذًا كان مؤمنًا أيّ: مؤمنٍ، وقال النَّوويُّ: معناه: نتذاكر الخير وأحكام الآخرة وأمور الدِّين فإنَّ ذلك إيمانٌ، وقال القاضي أبو بكرِ بن العربيِّ: لا تعلُّق فيه للزِّيادة؛ لأنَّ معاذًا إنَّما أراد تجديد الإيمان؛ لأنَّ العبد يؤمن في أوَّل مرَّةٍ فرضًا، ثمَّ يكون أبدًا

стр. 449

مجدِّدًا كلَّما نظر أو فكَّر، قال في «الفتح» متعقِّبًا له: وما نفاه أوَّلًا أثبته آخرًا؛ لأنَّ تجديد الإيمان إيمانٌ، وهذا التَّعليق وصله أحمد وابن أبي شيبة -كالأوَّل- بسندٍ صحيحٍ إلى الأسود بن هلالٍ قال: قال لي معاذُ: اجلس … ؛ فذكره، وعُرِفَ من هذا أنَّ الأسود أبهم نفسه. (وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ) عبد الله، وجدُّه غافلٌ؛ بالمُعجَمة والفاء، الهُذليُّ؛ نسبةً إلى جدِّه هُذيل ابن مدركَة، المُتوفَّى بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، وله في «البخاريِّ» خمسةٌ وثمانون حديثًا: (اليَقِينُ الإِيمَانُ كُلُّهُ) أكَّده بـ «كلٍّ» لدلالتها -كـ «أجمع» - على التَّبعيض للإيمان؛ إذ لا يُؤكَّد بهما إلَّا ذو أجزاءٍ يصحُّ افتراقها حِسًّا أو حُكمًا، وهذا التَّعليق طرفٌ من أثرٍ رواه الطَّبرانيُّ بسندٍ صحيحٍ، وتتمَّته: «والصبر نصف الإيمان»، ولفظ «النِّصف» صريحٌ في التَّجزئة. (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) عبدُ الله، وجدُّه الخطَّاب، أحد العبادلة، السَّابق للإسلام مع أبيه، أحد السِّتَّة المكثرين للرِّواية، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ أو أربعٍ وسبعين: (لَا يَبْلُغُ العَبْدُ) بالتَّعريف، وفي رواية ابن عساكرَ: «عبدٌ» بالتنكير (حَقِيقَةَ التَّقْوَى) التي هي وقاية النَّفس عن الشِّرك والأعمال السَّيِّئة، والمُواظَبة على الأعمال الصَّالحة (حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ) بالمُهمَلة والكاف الخفيفة، أي: اضطرب (فِي الصَّدْرِ) ولم ينشرح له، وخاف الإثم فيه، وفي بعض نسخ المغاربة: «ما حَكَّ» بتشديد الكاف، وفي بعض نسخ العراقيَّة (١): «ما حاكَّ» بالألف والتَّشديد؛ من المُحاكَّة، حكاهما صاحب «عمدة القاري» والبرماويُّ، وقد روى مسلمٌ معناه من حديث النَّوَّاس

стр. 450

بن سَِمعان مرفوعًا: «البِرُّ حُسْنُ الخُلُق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يَطَّلِع النَّاسُ عليه» وفي أثر ابن عمر هذا إشارةٌ إلى أنَّ بعض المؤمنين بلغ كُنْهَ الإيمان، وبعضهم لم يَبْلُغْه، فتجوز الزِّيادة والنُّقصان. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) أي: ابن جَبْرٍ؛ بفتح الجيم وسكون المُوحَّدة غير مُصغَّرٍ على الأشهر، المخزوميُّ مولى عبد الله بن السَّائب المخزوميِّ، المُتوفَّى وهو ساجدٌ سنة مئةٍ؛ في تفسير قوله تعالى: (﴿شَرَعَ لَكُم﴾ [الشورى: ١٣]) زاد الهرويُّ وابن عساكرَ: «﴿مِّنَ الدِّينِ﴾» أي: (أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وَإِيَّاهُ) أي: نوحًا (دِينًا وَاحِدًا) خصَّ نوحًا ﵊ لِمَا قِيلَ إنَّه الذي جاء بتحريم الحرام وتحليل الحلال، وأوَّل من جاء بتحريم الأمَّهات والبنات والأخوات، لا يُقَال: إنَّ «إيَّاه» تصحيفٌ وقع في «أصل البخاريِّ» في هذا الأثر، وإنَّ الصَّواب: «وأنبياءه» كما عند عبد بن حميدٍ وابن المنذر وغيرهما، وكيف يفرد مجاهد الضَّمير لـ «نوحٍ» وحده؟ مع أنَّ في السِّياق ذكر جماعةً؛ لأنَّه أُجِيب: بأنَّ نوحًا ﵇ أُفْرِدَ في الآية، وبقيَّة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عطْفٌ عليه، وهم داخلون فيما وصَّى به نوحًا في تفسير مجاهدٍ، وكلُّهم مشتركون في ذلك، فَذِكْرُ واحدٍ منهم يغني عن الكلِّ، على أنَّ نوحًا أقربُ مذكورٍ في الآية، وهو أَوْلى بِعَوْدِ الضَّمير إليه في تفسير مجاهدٍ، فليس بتصحيفٍ بل هو صحيحٌ، وهذا التَّعليق أخرجه عبد بن حميدٍ في «تفسيره» بسندٍ صحيحٍ عن شبابة عن ورقاء عن ابن أبي نجيحٍ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله ﵄ في تفسير قوله تعالى: (﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]) أي: (سَبِيلًا) أي: طريقًا واضحًا (١)، وهو تفسيرٌ لـ ﴿وَمِنْهَاجًا﴾ (وَسُنَّةً) يُقَال: شَرَع

стр. 451

يَشْرَع شَرْعًا (١)، أي: سنَّ، فهو تفسيرٌ لـ ﴿شِرْعَةً﴾ فيكون من باب اللَّفِّ والنَّشر الغير المرتَّب، وسقطت «الواو» من «وقال» لابن عساكر، وهذا التَّعليق وصله عبد الرَّزَّاق في «تفسيره» بسندٍ صحيحٍ. وقد وقع هنا في رواية أبي ذَرٍّ وغيره: «بابٌ» بالتَّنوين، وهو ثابتٌ في أصلٍ عليه خطُّ الحافظ قطب الدِّين الحلبيِّ، كما قال العينيُّ: إنَّه رآه، ورأيته أنا كذلك في فرع «اليونينيَّة» كهي، لكنه فيها ساقطٌ في رواية الأَصيليِّ وابن عساكر، وأيَّدَه قول الكِرمانيِّ: إنَّه وقف على أصلٍ مسموعٍ على الفَِرَبْريِّ بحذفه، بل قال النَّوويُّ: ويقع في كثيرٍ من النُّسخ هنا (٢): بابٌ، وهو غلطٌ فاحشٌ، وصوابه بحذفه، ولا يصحُّ إدخاله هنا لأنَّه لا تعلُّق له بما نحن فيه، ولأنَّه ترجم لقوله ﵊: «بُنِي الإسلام» ولم يذكره قبل هذا وإنَّما ذكره بعده، وليس مطابقًا للتَّرجمة، وعلى هذا فقوله: (دُعَاؤُكُمْ إِيمَانُكُمْ) من قول ابن عبَّاسٍ يشير به إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧] فسُمِّي الدُّعاء إيمانًا، والدُّعاء عملٌ، فاحتجَّ به على أنَّ الإيمان عملٌ، وعطفه على ما قبله كعادته في حذف أداة العطف حيث ينقل التَّفسير، وهذا التَّعليق وصله ابن جريرٍ من قول ابن عبَّاسٍ، وفي رواية أبي ذرٍّ: «لقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾»، ومعنى «الدُّعاء» في اللُّغة: الإيمان. ٨ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بالتَّصغير، وفي الفرع خلافًا لأصله: «وحدَّثنا محمَّد بن إسماعيل -يعني البخاريَّ- حدَّثنا عبيد الله» (بْنُ مُوسَى) بن باذام؛ بالمُوحَّدة

стр. 452

والذَّال المُعجمَة آخره ميمٌ، العَبْسيُّ؛ بفتح المُهمَلة وتسكين المُوحَّدة، الشِّيعيُّ الغير داعيةٍ، المُتوفَّى بالإسكندريَّة سنة ثلاثَ عشْرةَ أو أربعَ عشْرَة أو خَمْسَ عَشْرةَ ومئتين (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وفي رواية الهرويِّ: «حدَّثنا» (حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) بن عبد الرَّحمن الجمحيُّ المكيُّ القرشيُّ، المُتوفَّى سنة إحدى وخمسين ومئةٍ (عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ) يعني: ابن العاصي المخزوميِّ القرشيِّ، المُتوفَّى بمكَّة بعد عطاءٍ، وهو تُوفِّي سنة أربع عشرة أو خمس عشرة ومئة (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب عبد الله (¬﵄¬) هاجر به أبوه، واستُصغِر يومَ أحدٍ، وشهد الخندق وبيعة الرِّضوان والمشاهد، وكان واسعَ العلم، متينَ الدِّين، وافرَ الصَّلاح، وتُوفِّي سنة ثلاثٍ وسبعين، وله في «البخاريِّ» مئتان وسبعون حديثًا (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : بُنِيَ الإِسْلَامُ) الذي هو الانقياد (عَلَى خَمْسٍ) أي: خمسِ دعائمَ، وقال بعضهم: «على» بمعنى

стр. 453

«مِن» أي: بني الإسلام من خمسٍ، وبهذا يحصل الجواب عمَّا يُقَال: إنَّ هذه الخمس هي الإسلام، فكيف يكون الإسلام مبنيًّا عليها؟! والمبنيُّ لابدَّ أن يكون غير المبنيِّ عليه، ولا حاجة إلى جواب الكِرمانيِّ: بأنَّ الإسلام عبارةٌ عن المجموع، والمجموع غير كلِّ واحدٍ من أركانه: (شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَ) شهادةِ (أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وإِقَامِ الصَّلَاةِ) أي: المُداوَمة عليها، والمُرَاد: الإتيان بها بشروطها وأركانها (وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) أي: إعطائها مستحقِّيها بإخراج جزءٍ من المال على وجهٍ مخصوصٍ، كما سيأتي البحث فيه -إن شاء الله تعالى- في محلِّه بعون الله تعالى (وَالحَجِّ) إلى بيت الله الحرام (وَصَوْمِ) شهر (رَمَضَانَ) بخفض «شهادة» على البدل من «خمسٍ»، وكذا ما بعدها، ويجوز الرَّفع خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: وهي، والنَّصب بتقدير: أعني، قال البدر الدَّمامينيُّ: أمَّا وجه الرَّفع فواضحٌ، وأمَّا وجه الجرِّ فقد يُقال فيه: إنَّ البدل من «خمسٍ» هو مجموع (١) المجرورات المتعاطفة، لا كلُّ واحدٍ منها، فإن قلت: يكون كلٌّ منها بدلَ بعضٍ؛ قلت: حينئذٍ يحتاج إلى تقدير رابطٍ. انتهى.

стр. 454

و «لا» في قوله: «لا إله إلَّا الله» هي النَّافية للجنس، و «إله» اسمها مُركَّبٌ معها تركيبَ مَزْجٍ كأحدَ عَشَرَ، وفَتْحَتُه فتحةُ بناءٍ، وعند الزَّجَّاج: فتحةُ إعرابٍ؛ لأنَّه عنده منصوبٌ بها لفظًا، وخبرُها محذوفٌ اتِّفاقًا، تقديره: موجودٌ، و «إلَّا» حرف استثناءٍ، و «الاسم الكريم» مرفوعٌ على البدليَّة من الضَّمير المستتر في الخبر، وقِيل: مرفوعٌ على الخبريَّة لقوله: «لا»، وعليه جماعةٌ، وفي هذه المسألة مباحثُ ضربتُ عليها (١) بعد أن أَثْبَتُّها خوفَ الإطالة، ثمَّ إنَّ مثل هذا التَّركيب عند علماء المعاني يفيد القصر، وهو في هذه الكلمة من باب قصر الصِّفة على الموصوف، لا العكس، فإنَّ «إلهَ» في معنى الوصف، فإن قلت: لِمَ قُدِّمَ النَّفيُ على الإثبات؟ فقِيلَ: لا إله إلَّا الله، ولم يُقَلْ: الله لا إله (٢) إلَّا هو؛ بتقديم الإثبات على النَّفي؟ أُجِيب: بأنَّه إذا نفى أن يكون ثَمَّ إلهٌ غير الله؛ فقد فرَّغ قلبه ممَّا سوى الله تعالى بلسانه ليواطئ القلب، وليس مشغولًا بشيءٍ سوى الله تعالى، فيكون نفي الشَّريك عن الله تعالى بالجوارح الظَّاهرة والباطنة، ووجه الحصر في الخمسة: أنَّ العبادة؛ إمَّا قوليَّةٌ أو غيرها، الأولى: الشَّهادتان، والثَّانية: إمَّا تَرْكيَّةٌ أو فعليَّةٌ؛ الأولى: الصَّوم، والثَّانية: إمَّا بدنيَّةٌ أو ماليَّةٌ؛ الأولى: الصَّلاة، والثَّانية: الزَّكاة، أو مُركَّبةٌ منهما؛ وهي الحجُّ، وقد وقع ذكره مقدَّمًا على الصَّوم، وعليه بنى المصنِّف ترتيب (٣) جامعه هذا، لكن عند مسلمٍ من رواية سعد (٤) بن عبيدة عن ابن عمر تأخير (٥) الصَّوم عن الحجِّ، فقال رجلٌ -وهو يزيد بن بشرٍ السَّكسكيُّ-: والحجُّ وصوم رمضان، فقال ابن عمر: «لا، صيام رمضان والحجُّ» هكذا سمعته من رسول الله ﷺ ، فيحتمل أن يكون حنظلة رواه هنا بالمعنى لكونه لم يسمع رَدّ ابن عمر على يزيد، أو سمعه ونسيه. نعم؛ رواه ابن عمر في «مسلم» من أربع

стр. 455

طرقٍ، تارةً بالتَّقديم، وتارةً بالتَّأخير، فإن قلت: لِمَ لَمْ يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة وأسقط الجهاد؟ أُجِيب: بأنَّ الجهاد فرضُ كفايةٍ، ولا يتعيَّن إلَّا في بعض الأحوال، وإنَّما لم يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة؛ لأنَّ المُرَادُ بالشَّهادة تصديقُ الرَّسول فيما جاء به، فيستلزم جميع ما ذُكِرَ من المعتقدات (١). وفي قوله: «بُنِيَ … » إلى آخره، استعارةٌ بأن يقدِّر الاستعارة في «بُنِيَ»، والقرينة في «الإسلام»؛ شبَّه ثبات الإسلام واستقامته على هذه الأركان الخمسة ببناء الخباء على هذه الأعمدة الخمسة، ثمَّ تسري الاستعارة من المصدر إلى الفعل، أو تكون مكنيَّةً بأن تكون الاستعارة (٢) في الإسلام، والقرينةُ «بُنِيَ» على التَّخييل بأن شبَّه الإسلام بالبيت، ثمَّ خُيِّل كأنَّه بيتٌ على المُبالغَة، ثمَّ أطلق الإسلام على ذلك المُخيَّل، ثمَّ خُيِّل له ما يلازم الخباء المُشبَّه به من البناء، ثمَّ أثبت له ما هو لازمُ البيتِ من البناء على الاستعارة التَّخييليَّة، ثمَّ نسبه إليه؛ ليكون قرينةً مانعةً من إرادة الحقيقة، ويجوز أن تكون استعارة بالكناية لأنَّه شبَّه الإسلام بمبنًى له دعائمُ، فَذَكَرَ المُشبَّه، وطوى ذِكْرَ المُشبَّه به، وذكر ما هو من خواصِّ المشبَّه به، وهو البناء، ويُسمَّى هذا استعارةً ترشيحيَّةً، ويجوز أن تكون استعارةً تمثيليَّةً؛ فإنَّه مثَّل حالة الإسلام مع أركانه الخمسة بحالة خباءٍ أُقِيمَ على خمسة أعمدةٍ، وقطبُها التي تدور عليه هو شهادة أنْ لا إله إلَّا الله، وبقيَّةُ شعب الإيمان كالأوتاد للخباء (٣)، وقال في «الفتح»: فإن قلت: الأربعة المذكورة بعد الشَّهادة مبنيَّةٌ على الشَّهادة؛ إذ لا يصحُّ شيءٌ منها إلَّا بعد وجودها، فكيف يُضمُّ مبنيٌّ إلى مبنيٍّ عليه في مسمًّى واحدٍ؟ أُجِيب: بجواز ابتناء أمرٍ على أمرٍ، يُبتَنى على الأمرين أمرٌ آخرُ، فإن قلت: المبنيُّ لابدَّ أن يكون غير المبنيِّ عليه، فالجواب: أنَّ المجموع غيرٌ من حيث الانفراد، عينٌ من حيث الجمع، ومثاله: البيت من الشَّعر، يُجعل على خمسة أعمدةٍ، أحدها أوسطُ، والبقيَّة أركانٌ، فما دام الأوسط قائمًا فمُسمَّى البيت موجودٌ ولو سقط مهما سقط من الأركان، فإذا سقط الأوسط سقط مُسمَّى

стр. 456

البيت، فالبيت بالنَّظر إلى مجموعه شيءٌ واحدٌ، وبالنَّظر إلى أفراده أشياءُ، وأيضًا: فبالنَّظر إلى أسِّه وأركانه: الأسُّ أصلٌ والأركان تَبَعٌ وتكملةٌ له (١)، والله سبحانه الموفِّق. ومن لطائف إسناد هذا الحديث: جمعه للتَّحديث والإخبار والعنعنة، وكلُّ رجاله مَكِّيُّون إلَّا عبيد الله فإنَّه كوفيٌّ، وهو من الرُّباعيَّات، وأخرج متنه المؤلِّف أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٥١٤]، ومسلمٌ في «الإيمان» خماسيَّ الإسناد. انتهى. (٣) هذا (باب أُمُورِ الإِيمَانِ) بالإضافة البيانيَّة؛ لأنَّ المُرَاد بيان الأمور التي هي الإيمان؛ لأنَّ الأعمال عند المؤلِّف هي الإيمان، أو بمعنى: «اللَّام» أي: باب الأمور الثَّابتة للإيمان في تحقيق حقيقته وتكميل ذاته، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «أمرُ الإيمان» بالإفراد على إرادة الجنس (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على «أمورِ (٢)» وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: « » بدل قوله «تعالى»: (﴿لَّيْسَ الْبِرَّ﴾) وهو اسمٌ لكلِّ خيرٍ وفعلٍ مَرْضِيٍّ (﴿أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾) قال القاضي ناصر الدِّين البيضاويُّ: أي: ليس البرُّ مقصورًا على أمر القبلة، أو

стр. 457

ليس البِرُّ ما أنتم عليه؛ فإنَّه منسوخٌ (﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾) الذي ينبغي أن يُهتَمَّ به (﴿مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ﴾) القرآنِ أو أعمَّ (﴿وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾) تعالى أو حبِّ المال (﴿ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾) المحاويج منهم، ولم يقيِّده لعدم الإلباس (﴿وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾) المسافر أو الضَّيف (﴿وَالسَّآئِلِينَ﴾) أي: الذين ألجأَتْهمُ الحاجة إلى السُّؤال (﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾) أي: تخليصها بمعاونة المُكاتَبين، أو فكِّ الأسارى، أو ابتياع الرِّقاب لعتقها (﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾) المفروضتين، والمُرَاد بـ ﴿وَآتَى الْمَالَ﴾ بيانُ مصارِفِها (﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ﴾) عطفٌ على ﴿مَنْ آمَنَ﴾ (﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء﴾) نُصِبَ على المدح، ولم يُعطَف لفضل الصَّبر على سائر الأعمال، وعن الأزهريِّ (١): ﴿الْبَأْسَاء﴾ في الأموال؛ كالفقر، و ﴿والضَّرَّاء﴾ في الأنفس؛ كالمرض (﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾) وقتَ مجاهدة العدوِّ (﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾) في الدِّين واتِّباع الحقِّ وطلب البِرِّ (﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]) عن الكفر وسائر الرَّذائل، والآية -كما ترى- جامعةٌ للكمالات الإنسانيَّة بأَسْرِها، دالَّةٌ عليها صريحًا أو ضمنًا، فإنَّها (٢) بكثرتها وتشعُّبها منحصرةٌ في ثلاثةِ أشياءَ: صِحَّةِ الاعتقادِ، وحُسنِ المُعاشَرَةِ، وتهذيبِ النَّفسِ، وقد أُشِير إلى الأوَّل بقوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ … إلى: ﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾ وإلى الثَّاني بقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ﴾ … إلى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ وإلى الثَّالث بقوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ﴾ … إلى آخرها؛ ولذلك وُصِفَ المُستجمِع لها بالصِّدق نظرًا إلى إيمانه واعتقاده، وبالتَّقوى اعتبارًا لمُعاشرَته للخَلْق ومُعاملَته مع الحقِّ، وإليه أشار ﵊ بقوله: «مَنْ عمل بهذه الآية فقدِ استكمل الإيمان»، وهذا وجه استدلال المؤلِّف بهذه الآية ومُناسبَتها لتبويبه، وفي حديث أبي ذَرٍّ عند عبد الرَّزَّاق بسندٍ رجالُهُ ثقاتٌ: أنَّه سأل النَّبيَّ ﷺ عن الإيمان، فتلا عليه هذه الآية، ولم يذكره المؤلِّف لأنَّه ليس على شرطه، وقد سقط في

стр. 458

رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ «﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ … » إلى آخر الآية، وسقط لابن عساكرَ «﴿وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾». ثمَّ استدلَّ المؤلِّف لذلك أيضًا بآيةٍ أخرى فقال: (﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾) أي: فاز (﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ١]) بإسقاط واو العطف لعدم الإلباس، قال في «الفتح»: ويحتمل أن يكون ساقه تفسيرًا لقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ تقديره: المتَّقون هم الموصوفون بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ وفي رواية الأَصيليِّ: «وَ ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾» بإثبات الواو، وفي رواية ابن عساكرَ: «وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾» قلت: وفيهما ردٌّ لِما قاله في «الفتح» من احتمال التَّفسير (١)، والآية يجوز فيها النَّصبُ؛ بتقدير: اقرأ، والرَّفعُ مبتدأٌ حُذِفَ خبرُه. ٩ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي: ابن جعفرٍ المُسْنَدِيُّ؛ بضمِّ الميم وسكون المُهملَة وفتح النُّون، سُمِّي به لأنَّه كان يطلب المُسنَدات، ويرغب عنِ

стр. 459

المُرسَل والمنقطع، أو كان يتحرَّى المسانيد، أو لأنَّه أوَّلُ من جمع «مُسند الصَّحابة على التَّراجم بما وراء النَّهر»، وفي رواية ابن عساكرَ: «الجعفيُّ» كما في فرع «اليونينيَّة» كهي، المُتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك بن عمرو بن قيسٍ (العَقَدِيُّ) بفتح العين المُهملَة والقاف؛ نسبةً إلى العقَد، قومٌ من قيسٍ؛ وهم بطنٌ من الأزد أو بطن من بجيلة، أو قبيلةٌ من اليمن، البصريُّ، المُتوفَّى سنة خمسٍ أو أربعٍ ومئتين (١) (قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) القرشيُّ المدنيُّ، المُتوفَّى بها سنة اثنتين وسبعين ومئةٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِيْنَارٍ) القرشيِّ العدويِّ المدنيِّ، مولى ابن عمرَ، المُتوفَّى سنة سبعٍ وعشرين ومئةٍ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان الزَّيات المدنيِّ، المُتوفَّى بها سنة إحدى ومئةٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) تصغير هِرَّةٍ؛ عبدِ الرَّحمن بن صخرٍ الدَّوسيِّ، المُختلَف في اسمه، قال النَّوويُّ: على أكثر من ثلاثين قولًا، وحمله في «الفتح» على الاختلاف في اسمه واسم أبيه معًا، المُتوفَّى بالمدينة سنة تسعٍ أو ثمانٍ أو سبعٍ وخمسين، وأسلم عام خيبر، وشهدها مع النَّبيِّ ﷺ ، ثمَّ لزمه وواظبه حتَّى كان أحفظ أصحابه، وروى عنه ﵊ فَأَكْثَرَ، ذكر بَقِيُّ بن مَخْلَدٍ أنَّه روى خمسةَ آلافِ حديثٍ وثلاث مئةٍ وأربعةً وسبعين حديثًا، وله في «البخاريِّ» أربعُ مئةٍ وستَّةٌ وأربعون حديثًا، وهذا أوَّل حديثٍ وقع له في هذا «الجامع» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬)

стр. 460

أنَّه (قَالَ: الإِيمَانُ) بالرَّفع مبتدأٌ، خبرُه: (بِضْعٌ) بكسر المُوحَّدة وقد تُفتَح، قال الفرَّاء: هو خاصٌّ بالعشرات إلى التِّسعين، فلا يُقال: بضعٌ ومئةٌ، ولا بضعٌ وألفٌ، وفي «القاموس»: هو ما بين الثَّلاث إلى التِّسع أو إلى الخمس، أو ما بين الواحد إلى أربعةٍ، أو من أربعٍ إلى تسعٍ، أو هو سبعٌ، وإذا جاوز العشرَ ذهب البِضْعُ، لا يُقَال: بضعٌ وعشرون، أو يُقال ذلك. انتهى. ويكون مع المُذكَّر بِهَاءٍ، ومع المُؤنَّث بغير هاءٍ، فتقول: بضعةٌ وعشرون رجلًا، وبضعٌ وعشرون امرأةً، ولا تعكس، وفي رواية أبي ذَرٍّ وأبي الوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «بضعةٌ» (وَسِتُّونَ شُعْبَةً) بتأنيث «بضعةٌ» على تأويل الشُّعبة بالنَّوع، إذا فُسِّرتِ الشُّعبة (١) بالطَّائفة من الشَّيء، وقال الكِرمانيُّ: إنَّها في أكثر الأصول، قال ابن حجرٍ: بل هي في بعضها، وصوَّب العينيُّ قول الكِرمانيِّ تعصُّبًا، والذي رأيته في هامش فرع «اليونينيَّة» كهي، قال الأَصيليُّ: صوابه: «بضعٌ» يعني: بإسقاط الهاء، وقد وقع عند «مسلمٍ» من طريق سُهيل بن أبي (٢) صالحٍ عن عبد الله بن دينارٍ: «بضعٌ وستُّون، أو بضعٌ وسبعون» على الشَّكِّ، وعند أصحاب السُّنن الثَّلاثة من طريقه: «بضعٌ
следующие страницы →