(﴿ذَلِكَ﴾) أي: الأمرُ ذلك (﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ﴾) بترك ما نهى الله عنه (١)، أو بتعظيم بيته والشَّهر الحرام والبلد الحرام والإحرام (﴿فَهُوَ﴾) أي: التَّعظيم (﴿خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠]) ثوابًا، ورواية أبوي ذرٍّ والوقت: «﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ إلى قوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾» فحذفا ما ثبت عند غيرهما ممَّا ذُكِرَ من الآيات، وعزا في «فتح الباري» سياق الآيات كلِّها لرواية كريمة، قال: والمراد منها هنا قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ ولذلك عطف عليها (٢) في التَّرجمة: «وما يأكل من البدن وما يتصدَّق» أي: بيان المراد من الآية. انتهى. واعترضه صاحب «عمدة القاري» بأنَّ الذي في مُعظَم النُّسخ «بابٌ» بعد قوله تعالى: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠] وقبل قوله: «ما يأكل من البدن»، ثمَّ قال: وأين العطف في هذا وكلُّ واحدٍ من البابين ترجمةٌ مستقلَّةٌ؟ والظَّاهر أنَّ المؤلِّف لم يجد في التَّرجمة الأولى حديثًا يطابقها على شرطه. انتهى. وهذا عجيبٌ منه؛ فإنَّ قوله: «في معظم النُّسخ بابٌ» فيه إشعارٌ بحذفه في بعض النُّسخ ممَّا وقف هو عليه، ولا مانع أن يعتمده شيخ الصَّنعة الحافظ ابن حجرٍ لِما ترجَّح عنده، بل صرَّح ﵀ بأنَّه الصَّواب، وهو رواية الحافظ أبي ذرٍّ مع ثبوت واو العطف قبل قوله: «وما يأكل من البدن» ولغير أبي ذرٍّ كما في الفرع وغيره.
(١٢٤) (بابُ مَا يَأْكُلُ) صاحب الهدي (مِنَ البُدْنِ وَمَا يَتَصَدَّقُ) به (٣) منها، ولغير أبي ذرٍّ: «وما يُتَصَّدقُ» بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول.
(وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ) أي (٤): ابن عمر العمريُّ كما (٥) وصله ابن أبي شيبة بمعناه، والطَّبرانيُّ (٦)
стр. 3922
من طريق القطَّان بلفظه: (أخْبَرَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه قال: (لَا يُؤْكَلُ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَالنَّذْرِ) بضمِّ الياء، من «يُؤكَل» أي: لا يأكل المالك من الذي جعله جزاءً لصيد الحرم (١) ولا من المنذور (٢)، بل يجب التَّصدُّق بهما، وهو قول مالكٍ، وروايةٌ عن أحمد، وزاد مالكٌ: إلَّا فدية الأذى، وعن أحمد: لا يُؤكَل إلَّا من هدي التَّطوُّع والمتعة والقِران، وهو قول الحنفيَّة بناءً على أنَّ دم التَّمتُّع والقران دم نسكٍ، لا دم جبرانٍ (وَيُؤْكَلُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ) ولو عطب الهدي في الطَّريق وكان تطوُّعًا فله التَّصرُّف فيه ببيعٍ وأكلٍ وغيرهما لأنَّ ملكه ثابتٌ عليه، وإن كان نذرًا لزمه ذبحه لأنَّه هديٌ (٣) معكوفٌ على الحرم، فوجب نحره مكانه كهدي المحصر، وليس له التَّصرُّف فيه بما يزيل الملك أو يؤول إلى زواله كالوصيَّة والرَّهن والهبة لأنَّه بالنَّذر زال ملكه عنه وصار للمساكين، وفارق ما لو قال: لله عَلَيَّ إعتاق هذا العبد، حيث لا يزول ملكه عنه إلَّا بإعتاقه وإن امتنع التَّصرُّف فيه بأنَّ الملك هنا ينتقل إلى المساكين (٤)، فانتقل بنفس النَّذر كالوقف، وأمَّا الملك في العبد فلا ينتقل إليه ولا إلى غيره، بل ينتقل العبد عنه، وإن (٥) لم يذبح الهدي المعطوب (٦) حتَّى تلف ضمنه لتفريطه كنظيره في الوديعة.
(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عن ابن جريجٍ عنه: (يَأْكُلُ) من جزاء الصَّيد والنَّذر (وَيُطْعِمُ مِنَ المُتْعَةِ) أي: من الهدي المُسمَّى بدم التَّمتُّع الواجب على المتمتِّع.
стр. 3923
١٧١٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان البصريُّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز قال: (حَدَّثَنَا عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ، أنَّه (سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ يَقُولُ: كُنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلَاثِ مِنًى) بإضافة «ثلاث» إلى «منًى» أي: الأيَّام الثَّلاثة التي يُقام بها بمنًى (١)، وهي الأيَّام المعدودات، وقال في «المصابيح»: والأصل: ثلاثِ ليالي منًى كما في قولهم: حَبُّ رُمَّان زيدٍ؛ فإنَّ القصد (٢) إضافة الحبِّ المختصِّ بكونه للرُّمَّان إلى زيدٍ، ومثله: ابن قيسِ الرُّقيَّات؛ فإنَّ المتلبَّس بالرُّقيَّات ابن قيسٍ، لا قيسٌ، قال الشَّيخ سعد الدِّين التَّفتازانيُّ: وتحقيقه أنَّ مُطلَق الحبِّ مضافٌ إلى الرُّمَّان، والحبُّ المقيَّد بالإضافة إلى الرُّمَّان مضافٌ (٣) إلى زيدٍ، قال الدَّمامينيُّ: وفيه نظرٌ، فتأمَّله (فَرَخَّصَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: كُلُوا وَتَزَوَّدُوا، فَأَكَلْنَا وَتَزَوَّدْنَا) قال ابن جريجٍ: (قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَقَالَ) جابرٌ: (حَتَّى جِئْنَا المَدِينَةَ؟ قَالَ) عطاءٌ: (لَا) أي: لم يقل جابرٌ: «حتَّى جئنا المدينة»، ووقع في «مسلمٍ»: «نعم» بدل قوله: «لا»، وجُمِع بينهما بالحمل على أنَّه نسي، فقال: لا، ثمَّ تذكَّر، فقال: نعم.
стр. 3924
وهذا الحديث ناسخٌ للنَّهي الوارد في حديث عليٍّ عند مسلم: أنَّ رسول الله ﷺ نهانا أن نأكل من لحوم نسكنا بعد ثلاثٍ، وغيره، وهو من نسخ السُّنَّة بالسُّنَّة، وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في «الأضاحي»، والنَّسائيُّ في «الحجِّ».
١٧٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة البجليُّ الكوفيُّ القَطَوانيُّ بفتح القاف والطَّاء، قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) ولأبي ذرٍّ: «سليمان بن بلالٍ» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريُّ قال: (حَدَّثَتْنِي) بالإفراد (عَمْرَةُ) بنت عبد الرَّحمن بن سعد (١) بن زرارة الأنصاريَّة المدنيَّة (قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) في حجَّة الوداع (لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ) سنة عشرٍ (وَلَا نُرَى) بضمِّ النُّون، أي: لا نظنُّ (إِلَّا الحَجَّ) لأنَّهم كانوا لا يعرفون العمرة في أشهر الحجِّ (حَتَّى إِذَا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ) بسَرِف؛ كما في روايةٍ عن عائشة [خ¦١٧٨٨] وفي رواية جابرٍ [خ¦١٥٦٨] (٢): بعد الطَّواف والسَّعي (أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) ويحتمل تكرير (٣) أمره ﵊ بذلك مرَّتين في الموضعين، وأنَّ العزيمة كانت آخرًا حين أمرهم بفسخ الحجِّ إلى العمرة (مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طَافَ بِالبَيْتِ) أي: يتمُّ عمرته (ثُمَّ يَحِلُّ) بفتح الياء وكسر الحاء، فجواب «إذا» محذوفٌ، ويجوز أن تكون (٤) «إذا» ظرفًا لقوله: «لم يكن»، وجواب «من (٥) لم يكن» محذوفٌ، وجوَّز الكِرمانيُّ
стр. 3925
زيادة «ثُمَّ» كقول الأخفش في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١١٨] أنَّ «تاب» جواب «إذا»، و «ثمَّ»: زائدةٌ، وفي بعض الأصول: لفظ «إِذَا» ساقطٌ، فيكون التَّقدير: من لم يكن معه هديٌ طاف، وحينئذٍ فجوابُ «من» قولُه: «طاف»، وقوله: «ثمَّ يحلُّ» عطفٌ، أي: ثمَّ بعد طوافه يحلُّ، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «إذا طاف بالبيت أن يحلَّ» أي: يخرج من إحرام العمرة.
(قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَدُخِلَ عَلَيْنَا) وثبت لفظ: «علينا» لأبي الوقت (١) (يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ) بضمِّ دال «فدُخِل» وكسر خائه، ولغير أبي ذرٍّ: «فدَخَلَ علينا رسول الله ﷺ يوم النَّحر بلحم بقرٍ» (فَقُلْتُ: مَا هَذَا) اللَّحم؟ (فَقِيلَ: ذَبَحَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ) وسبق (٢) في «باب ذبح الرَّجل البقر عن نسائه بغير أمرهنَّ» [خ¦١٧٠٩] التَّعبير بـ «نحر»، والذَّبح للبقر أَوْلى من النَّحر لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧].
(قَالَ يَحْيَى) بن سعيدٍ المذكور بالسَّند السَّابق إليه: (فَذَكَرْتُ هَذَا الحَدِيثَ لِلْقَاسِمِ) بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (فَقَالَ: أَتَتْكَ) أي: عَمْرَة (بِالحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ) وهذا الحديث قد سبق، كما مرَّ [خ¦١٧٠٩].
(١٢٥) (بابُ الذَّبْحِ قَبْلَ الحَلْقِ).
١٧٢١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَوْشَبٍ) بفتح الحاء المهملة والشِّين المعجمة بينهما واوٌ ساكنةٌ وآخره مُوحَّدةٌ؛ بوزن «جعفرٍ» نزيل الكوفة قال: (حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضمِّ الهاء وفتح الشِّين المعجمة ابن بَشِيرٍ -بوزن «عَظِيمٍ» - ابن القاسم بن دينارٍ السُّلميُّ قال: (أَخْبَرَنَا (٣)
стр. 3926
مَنْصُورٌ) ولأبوي ذرٍّ والوقت عن المُستملي: «منصور بن زاذان» بالزَّاي والذَّال المعجمتين (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَمَّنْ حَلَقَ) رأسه (قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ) الهدي (وَنَحْوِهِ) كطواف الرُّكن قبل الرَّمي (فَقَالَ) ﵊: (لَا حَرَجَ، لَا حَرَجَ) مرَّتين، ونفيُ الحرجِ يقتضي أنَّ الأصل سبق الذَّبح على الحلق، فتحصل المطابقة بين التَّرجمة وهذا الحديث والذي بعده (١).
١٧٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعيُّ الكوفيُّ قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ) هو ابن عيَّاشٍ بتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة وبالشِّين المعجمة الأسديُّ الكوفيُّ (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ) بضمِّ الرَّاء وفتح الفاء وسكون التَّحتيَّة آخره عينٌ مهملةٌ الأسديِّ المكِّيِّ، سكن الكوفة (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه قال: (قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : زُرْتُ) أي: طفت طواف الزِّيارة (قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ) جمرة العقبة (قَالَ: لَا حَرَجَ) عليك (قَالَ: حَلَقْتُ) رأسي (قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ) الهدي (قَالَ: لَا حَرَجَ) عليك (قَالَ: ذَبَحْتُ) الهدي (قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ) الجمرة (قَالَ: لَا حَرَجَ) عليك.
стр. 3927
(وَقَالَ عَبْدُ الرَّحِيمِ) بن سليمان الأشلُّ (الرَّازِيُّ) ممَّا وصله الإسماعيليُّ (عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ) بضمِّ الخاء المعجمة وفتح المُثلَّثة عبد الله بن عثمان المكِّيِّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ولفظ الإسماعيليِّ: أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله طفت بالبيت قبل أن أرمي، قال: «ارمِ، ولا حرج»، وعُرِف (١) بهذا أنَّ مرادَ المؤلِّف أصلُ الحديث لا خصوص ما ترجم به (٢) من الذَّبح قبل الحلق كما نبَّه عليه في «الفتح».
(وَقَالَ القَاسِمُ بْنُ يَحْيَى) بن عطاءٍ الهلاليُّ الواسطيُّ المُتوفَّى سنة سبعٍ وتسعين ومئةٍ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ خُثَيْمٍ) عبد الله المذكور (عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على طريق القاسم بن يحيى هذه موصولةً.
(وَقَالَ عَفَّانُ) غير منصرفٍ، ابن مسلمٍ الصَّفَّار البصريُّ، ممَّا (٣) أخرجه أحمد عنه: (أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة: أظنُّه (عَنْ وُهَيْبٍ) بضمِّ الواو وفتح الهاء مُصغَّرًا، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ خُثَيْمٍ) عبد الله (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ) الأسديِّ الكوفيِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ولفظ رواية أحمد: جاءه رجلٌ فقال: يا رسول الله حلقتُ ولم أنحر، قال: «لا حرج فانحر» وجاءه آخر فقال: يا رسول الله نحرت قبل أن أرمي، قال: «فارمِ ولا حرج»، قال الحافظ ابن حجرٍ: والقائل «أُراه» البخاريُّ، فقد أخرجه أحمد عن عفَّان (٤) بدونها، والمراد بهذا التَّعليق: بيان الاختلاف فيه على ابن خُثَيمٍ، هل شيخه فيه عطاءٌ أو سعيد بن جُبَيرٍ؟ كما اختُلِف على عطاء: هل شيخه فيه ابن عبَّاسٍ أو جابرٌ؟ والذي تبيَّن من صنيع المؤلِّف ترجيح كونه عن ابن عبَّاسٍ، ثمَّ كونه عن عطاءٍ، وأنَّ الذي يخالف ذلك شاذٌّ.
(وَقَالَ حَمَّادٌ) هو ابن سلمة (عَنْ قَيسِ بْنِ سَعْدٍ) ممَّا وصله النَّسائيُّ والطَّحاويُّ والإسماعيليُّ وابن حبَّان (وَ) عن (عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ) ممَّا وصله الإسماعيليُّ، كلاهما (عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريِّ (¬﵁¬) وعن أبيه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ولفظ الإسماعيليِّ: سُئِل عن رجلٍ
стр. 3928
رمى قبل أن يحلق، وحلق قبل أن يرمي، وذبح قبل أن يحلق، فقال ﵊: «افعل ولا حرج».
١٧٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) الزَّمِن العَنَزِيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) هو ابن عبد الأعلى قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: سأله رجلٌ، فحذف السَّائل وأقام المفعول مُقامه (فَقَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا (١) أَمْسَيْتُ) والمساء: من بعد (٢) الزَّوال إلى المغرب (٣) (فَقَالَ: لَا حَرَجَ) عليك، وخرج بالغروب ما بعده، فلا يكفي الرَّمي بعده؛ لعدم وروده كذا صرَّح به في «الرَّوضة»، واعتُرِض بأنَّهم قالوا: إذا أخَّر رمي يومٍ إلى ما بعده من أيَّام الرَّمي يقع أداءً، وقضيَّته: أنَّ وقته لا يخرج بالغروب، وأُجيبَ بحمل (٤) ما هنا على وقت الاختيار، وهناك على وقت الجواز. وقد صرَّح الرَّافعيُّ بأنَّ وقت الفضيلة لرمي يوم النَّحر ينتهي بالزَّوال، فيكون لرميه ثلاثة أوقاتٍ: وقت فضيلةٍ، ووقت اختيارٍ، ووقت جوازٍ، ويبقى وقت الذَّبح للهدي إلى عصر آخر أيَّام التَّشريق كالأضحية، وأمَّا الحلق أو التَّقصير والطَّواف فلا يُؤقَّتان لأنَّ الأصل عدم التَّأقيت، نعم يُكره تأخيرهما عن يوم النَّحر، وتأخيرهما عن أيَّام التَّشريق أشدُّ كراهةً، وخروجه من مكَّة قبل فعلهما أشدُّ.
(قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ، قَالَ: لَا حَرَجَ) والرَّجل السَّائل عن التَّقديم والتَّأخير في النَّحر والحلق ونحوهما لم يُسَمَّ، ويحتمل تعدُّده، ثمَّ إنَّ أعمال يوم النَّحر في الحجِّ أربعةٌ: رمي جمرة العقبة والذَّبح والحلق أو التَّقصير والطَّواف، وترتيبها على ما ذُكِرَ سنَّةٌ، فلو حلق أو قصَّر قبل الثَّلاثة الأُخَر فلا فدية عليه، وإنَّما لم يجب ترتيبها لِما ذُكِر، ولحديث عبد الله بن عمرو بن
стр. 3929
العاص في «الصَّحيحين» [خ¦٨٣]: سمعت النَّبيَّ ﷺ يوم النَّحر في حجَّة الوداع وهم يسألونه، فقال رجلٌ: لم أشْعُر فحلقت قبل أن أذبح، فقال: «اذبح ولا حرج»، فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، فقال: «ارمِ ولا حرج». ولـ «مسلمٍ» أيضًا عنه: سمعت النَّبيَّ ﷺ وأتاه رجلٌ يوم النَّحر وهو واقفٌ عند الجمرة، فقال: يا رسول الله إنِّي حلقت قبل أن أرمي، فقال: «اِرمِ ولا حرج»، وأتاه آخر فقال: إنِّي ذبحت قبل أن أرمي، فقال: «اِرمِ ولا حرج»، فأتاه رجلٌ آخر، فقال: إنِّي أفضت إلى البيت قبل أن أرمي، فقال: «ارمِ ولا حرج»، قال: فما سُئِل عن شيءٍ يومئذٍ قُدِّم ولا أُخِّر إلَّا قال: افعل ولا حرج، وقال المالكيَّة: يجب الدَّم إذا قدَّم الحلق على الرَّمي لأنَّه وقع قبل حصول شيءٍ من التَّحلُّل، وروى ابن القاسم عن مالكٍ، وبه أخذ: أنَّ في (١) تقديم الإفاضة على الرَّمي الدَّمَ، وحجُّه مجزئٌ، وعن مالكٍ: لا يجزئه، وهو كمن لم يُفِضْ، وقال أصبغ: أحبُّ إليِّ (٢) أن يعيد، وذلك في يوم النَّحر آكد، ولو حلق قبل النَّحر أو نحر (٣) قبل الرَّمي فلا شيء عليه على الأصحِّ، وقال عبد الملك: إن حلق قبل النَّحر أهدى، قال الطَّبريُّ: والعجب ممَّن يحمل قوله: «ولا حرج» على نفي الإثم فقط، ثمَّ يخصُّ (٤) ذلك ببعض الأمور دون بعضٍ، فإن كان التَّرتيب واجبًا يجب بتركه دمٌ فليكن في الجميع، وإلَّا فما وجه تخصيص بعضٍ دون بعضٍ (٥) مع تعميم الشَّارع الجميع بنفي الحرج. انتهى. وقال أبو حنيفة: عليه دمٌ، وإن كان قارنًا فدمان، وقال محمَّدٌ وأبو يوسف: لا شيء عليه لقوله ﵊: «لا حرج»، واحتجُّوا لأبي حنيفة: بما رواه ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» من حديث ابن عبَّاسٍ أنَّه قال: من قدَّم شيئًا من حجَّه أو أخَّره فليهرق لذلك دمًا، وأجابوا عن حديث الباب بأنَّ المراد بالحرج المنفيِّ هو الإثم، ولا يستلزم ذلك نفي الفدية.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف من أربعة طرقٍ ومن ستَّة أوجهٍ؛ كما ترى.
стр. 3930
١٧٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله بن عثمان بن جَبَلة بن أبي روَّاد، واسم أبي روَّادٍ: ميمونٌ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) هو عثمان (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ) الجَدليِّ بفتح الجيم (عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) هو ابن عبد شمسٍ البجليِّ الأحمسيِّ الكوفيِّ، قال أبو داود: رأى النَّبيَّ ﷺ ولم يسمع منه (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريِّ (¬﵁ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ بِالبَطْحَاءِ) بطحاء مكَّة (فَقَالَ) لي: (أَحَجَجْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: بِمَا) بإثبات ألف «ما» الاستفهاميَّة مع دخول الجارِّ عليها وهو قليلٌ، ولابن عساكر: «بم (١)» بحذفها (أَهْلَلْتَ؟ قُلْتُ: لَبَّيْكَ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ) وفي «باب من أحرم في زمن النَّبيِّ ﷺ » [خ¦١٥٥٩]: قلت: أهللت كإهلال النَّبيِّ (¬ ﷺ ، قَالَ: أَحْسَنْتَ) وفيه: استحباب الثَّناء على من فعل جميلًا (انْطَلِقْ فَطُفْ بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ) فأمره (٢) بالفسخ إلى العمرة، ولم يذكر الحلق لأنَّه عندهم (٣) معلومٌ (ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ بَنِي قَيْسٍ) أي: فطفت، ثمَّ أتيت المرأة (فَفَلَتْ رَأْسِي) استخرجت القمل منه، والفاء الأولى: للتَّعقيب، والثَّانية: من نفس الكلمة، واللَّام مُخفَّفةٌ (ثُمَّ أَهْلَلْتُ بِالحَجِّ) أي: بعد أن تحلَّلت من العمرة، فصار متمتِّعًا لأنَّه لم يكن معه هديٌ (فَكُنْتُ أُفْتِي بِهِ النَّاسَ) أي: بالتَّمتُّع بالعمرة إلى الحجِّ الذي دلَّ عليه السِّياق (حَتَّى) أي: إلى (خِلَافَةِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (٤) (¬﵁، فَذَكَرْتُهُ لَهُ، فَقَالَ: إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللهِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُنَا (٥) بِالتَّمَامِ) زاد في «باب من أحرم في زمن النَّبيِّ ﷺ »: «قال الله
стр. 3931
تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]» (وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَحِلَّ) من إحرامه (حَتَّى بَلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ) بكسر الحاء، وهذا (١) موضع التَّرجمة لأنَّ بلوغ الهدي محلَّه يدلُّ على ذبح الهدي، فلو تقدَّم الحلق عليه لصار متحلِّلًا قبل بلوغ الهدي محلَّه، وهذا هو الأصل؛ وهو تقديم الذَّبح على الحلق، وأمَّا تأخيره فهو رخصةٌ، والله أعلم (٢).
(١٢٦) (بابُ مَنْ لَبَّدَ رَأْسَهُ) بتشديد المُوحَّدة، أي: شعره (٣)؛ وهو أن يجعل فيه ما يمنعه من الانتتاف كالصَّمغ في الغاسول، ثمَّ يلطِّخ به رأسه (عِنْدَ الإِحْرَامِ وَحَلَقَ) أي: رأسه بعد ذلك عند الإحلال، والجمهور: على أنَّ من لبَّد رأسه وجب عليه الحلق كما فعل النَّبيُّ ﷺ ، وبذلك أمر عمر بن الخطَّاب ﵁ النَّاس، والصَّحيح عند الشَّافعيَّة أنَّه مُستحَبٌّ (٤).
١٧٢٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ) أمِّ المؤمنين (¬﵃ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا) من الحجِّ (بِعُمْرَةٍ وَلَمْ تَحْلِلْ) بكسر اللَّام الأولى (أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ) التي مع حجَّتك، وقيل: «من» بمعنى: الباء، أي: بعمرتك، وضعَّفه ابن دقيق العيد من جهة أنَّه أقام حرفًا مقام حرفٍ، وهي طريقةٌ كوفيَّةٌ، وأُجيب بأنَّه ورد في قوله تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ﴾ [الرعد: ١١] أي: بأمر الله (قَالَ: إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي) بوضع القلادة في عنقه (فَلَا أَحِلُّ) بفتح الهمزة وكسر الحاء من إحرامي (حَتَّى أَنْحَرَ) الهدي يوم النَّحر.
وليس في هذا الحديث ذكر الحلق المذكور في التَّرجمة، فقيل: إنَّه معلومٌ من حاله (٥)
стр. 3932
ﷺ أنَّه في حجَّة الوداع حلق رأسه؛ كما سيأتي صريحًا إن شاء الله تعالى في أوَّل الباب التَّالي (١)، وقد سبق هذا الحديث في «باب التَّمتُّع والقران» [خ¦١٥٦٦] (٢)، وقد أخرجه الجماعة إلَّا التِّرمذيَّ.
(١٢٧) (بابُ الحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ عِنْدَ الإِحْلَالِ) من الإحرام، وهو نسكٌ، لا استباحة محظورٍ للدُّعاء لفاعله بالرَّحمة كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى [خ¦١٧٢٧] والدُّعاء ثوابٌ، والثَّواب إنَّما يكون على العبادات لا على المباحات (٣)، ولتفضيله أيضًا على التَّقصير؛ إذ المباحات لا تتفاضل، ولا تحلُّل للحجِّ والعمرة بدونه كسائر أركانهما، إلَّا لمن لا شعر برأسه، فيتحلَّل منهما بدونه، والحلق أفضل للرِّجال -كما سيأتي- (٤) فلا يُؤمَر به بعد نبات شعره، ولا يفدي عاجزٌ عن أخذه لجراحةٍ أو نحوها، بل يصبر إلى قدرته، ولا يسقط عنه، ويُستحَبُّ لمن لا شعر برأسه أن يُمِرَّ الموسى عليه تشبيهًا بالحالقين، وليس بفرضٍ عند الحنفيَّة، بل هو واجبٌ، وقيل: مُستحَبٌّ، وأقلُّ ما يجزئ عند الشَّافعيَّة: ثلاث شعراتٍ، وعند أبي حنيفة: ربع الرَّأس، وعند أبي يوسف: النِّصف، وعند أحمد: أكثرها، وعند المالكيَّة: (٥) جميع شعر رأسه، ويستوعبه بالتَّقصير من قرب أصله، قال العلَّامة الكمال بن الهمام: اتَّفق الأئمَّة الثَّلاثة -أبو حنيفة ومالكٌ والشَّافعيُّ- أنْ قال كلٌّ منهم بأنَّه (٦) يجزئ في الحلق القدر الذي قال: إنَّه يجزئ في الوضوء، ولا يصحُّ أن يكون هذا منهم بطريق القياس لأنَّه يكون قياسًا بلا جامعٍ
стр. 3933
يظهر أثره؛ وذلك لأنَّ حكم الأصل على تقدير القياس وجوب المسح، ومحلُّه المسح، وحكم الفرع وجوب الحلق، ومحلُّه الحلق للتَّحلُّل، ولا يظنُّ أنَّ محلَّ الحكم الرَّأس؛ إذ لا يتَّحد الفرع والأصل؛ وذلك أنَّ الأصل والفرع هما محلَّا الحكم المُشبَّه به والمُشبَّه، والحكم هو الوجوب مثلًا، ولا قياس يُتصوَّر مع (١) اتِّحاد محلِّه؛ إذ لا اثنينيَّة، وحينئذٍ فحكم الأصل -وهو وجوب المسح- ليس فيه معنًى يوجب جواز قصره على الرُّبع، وإنَّما فيه نفس النَّصِّ الوارد فيه؛ وهو قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] بناءً إمَّا على الإجمال والتحاق حديث المغيرة بيانًا، أو على عدمه، والمفاد بسبب الباء إلصاق اليد كلِّها بالرَّأس لأنَّ الفعل حينئذٍ يصير متعدِّيًا إلى الآلة بنفسه فيشملها، وتمام اليد يستوعب الرُّبع عادةً فيتعيَّن (٢) قدره، لا أنَّ فيه معنًى ظهر أثره في الاكتفاء بالرُّبع أو بالبعض مطلقًا، أو تعيَّن الكلُّ وهو متحقِّقٌ (٣) في وجوب حلقها عند التَّحلُّل من الإحرام ليتعدَّى الاكتفاء بالرُّبع من المسح إلى الحلق، وكذا الآخران، وإذا انتفت صحَّة القياس فالمرجع في كلٍّ من المسحة وحلق التَّحلُّل ما يفيده نصُّه (٤) الوارد فيه، والوارد في المسح دخلت فيه الباء على الرَّأس التي هي المحلُّ، فأوجب عند الشَّافعيِّ (٥) التَّبعيض، وعندنا وعند مالكٍ، لا بل الإلصاق، غير أنَّا لاحظنا تعدِّي الفعل للآلة، فيجب قدرها من الرَّأس، ولم يلاحظها مالكٌ رحمه الله تعالى، فاستوعب الكلَّ، أو جعلها صلةً كما في: ﴿فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] في آية التَّيمُّم، فاقتضى وجوب استيعاب المسح، وأمَّا الوارد في الحلق فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ﴾ [الفتح: ٢٧] من غير باءٍ، ففيها: إشارةٌ إلى طلب تحليق الرُّؤوس أو تقصيرها، وليس فيها ما هو الموجب بطريق التَّبعيض على اختلافه عندنا وعند الشَّافعيِّ، وهو دخول الباء على المحلِّ، ومِنَ السُّنَّة فعلُه ﵊؛ وهو الاستيعاب، فكان مقتضى الدَّليل في الحلق وجوب
стр. 3934
الاستيعاب (١) كما هو قول مالكٍ، وهو الذي أدين الله (٢) به، والله أعلم.
١٧٢٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي المعجمة (قَالَ نَافِعٌ) مولى ابن عمر: (كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: حَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) رأسه (فِي حَجَّتِهِ) أي: في (٣) حجَّة الوداع، وهذا (٤) طرفٌ من حديثٍ طويلٍ، رواه مسلمٌ من حديث نافعٍ: أنَّ ابن عمر أراد الحجَّ عام نزل (٥) الحجَّاج بابن الزُّبير … الحديث، وفيه: ولم يَحْلِلْ (٦) من شيءٍ حَرُمَ منه حتَّى كان يومُ النَّحر فنحر وحلق.
١٧٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ) في حجَّة الوداع، أو في الحديبية، أو في الموضعين جمعًا بين الأحاديث: (اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ، قَالُوا) أي: الصَّحابة، قال الحافظ (٧) ابن حجرٍ: ولم أقف في شيءٍ من الطُّرق على الذي تولى (٨) السُّؤال في ذلك بعد البحث الشَّديد. انتهى. وفي رواية ابن سعدٍ في «الطَّبقات» في «غزوة الحديبية» كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- قريبًا:
стр. 3935
أنَّ عثمان وأبا قتادة هما اللذان قصَّرا ولم يحلقا في عام الحديبية، قال شيخ الإسلام الجلال بن البلقينيِّ: فيحتمل أن يكونا هما اللذان قالا: (وَالمُقَصِّرِينَ) أي: قل: وارحم المقصِّرين (يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ) ﷺ : (اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ، قَالُوا): قل: (وَ) ارحم (المُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: وَ) ارحم (١) (المُقَصِّرِينَ) بالنَّصب (٢)، فالعطف (٣) على محذوفٍ، ومثله يُسمَّى بالعطف التَّلقينيِّ كقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] قال الزَّمخشريُّ في «كشَّافه»: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ عُطِفَ على الكاف، كأنَّه قال: وجاعلٌ بعض ذرِّيَّتي كما يُقال: سأكرمك، فتقول: وزيدًا. انتهى. وتعقَّبه أبو حيَّان فقال: لا يصحُّ العطف على الكاف لأنَّها مجرورةٌ، فالعطف عليها لا يكون إلَّا بإعادة الجارِّ، ولم يُعِدْ، ولأنَّ «مِن» لا يمكن تقدير الجارِّ مضافًا إليها لأنَّها حرفٌ، فتقديرها بأنَّها مرادفةٌ لـ «بعض» حتَّى يقدِّر «جاعل» مضافًا إليها لا يصحُّ، ولا يصحُّ أن يكون تقدير العطف من باب العطف على موضع الكاف لأنَّه نُصِب، فيُجعَل (٤) «مِن» (٥) في موضع نصبٍ لأنَّ هذا ليس ممَّا يُعطَف فيه على الموضع على -مذهب سيبويه- لفوات المجوِّز، وليس نظير: سأكرمك، فتقول: وزيدًا؛ لأنَّ الكاف هنا في موضع نصبٍ، والذي يقتضيه المعنى أن يكون ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ متعلِّقًا بمحذوفٍ، التَّقدير: واجعل من ذرِّيَّتي إمامًا لأنَّ إبراهيم فَهِمَ من قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ الاختصاص، فسأل الله أن يجعل من ذرِّيَّته إمامًا. انتهى.
(وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عمر ممَّا وصله مسلمٌ: (رَحِمَ اللهُ المُحَلِّقِينَ -مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ-) شكَّ اللَّيث؛ إذ الأكثرون على وفاق ما رواه مالكٌ، لأنَّ في معظم الرِّوايات عنه إعادة الدُّعاء للمحلِّقين مرَّتين، وعطف «المقصِّرين» عليه في الثَّالثة، وانفرد يحيى ابن بُكَيرٍ دون رواة «المُوطَّأ» بإعادة ذلك ثلاثًا كما نبَّه عليه أبو عمر في «التَّقصِّي» ولم ينبِّه عليه في «التَّمهيد» (قَالَ: وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، وهو العمريُّ
стр. 3936
ممَّا (١) وصله مسلمٌ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ: قَالَ) ولغير أبي الوقت: «وقال» (فِي الرَّابِعَةِ: وَالمُقَصِّرِينَ) أي: وارحم المقصِّرين.
١٧٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة المُشدَّدة والشِّين المعجمة الرَّقَّام، ووقع في رواية ابن السَّكن: عبَّاس -بالمُوحَّدة والمهملة- قال أبو عليٍّ الجيَّانيُّ: والأوَّل أرجح، بل هو الصَّواب، قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيلٍ) بضمِّ الفاء وفتح الضَّاد المعجمة مُصغَّرًا ابن غزوان الضَّبيُّ قال: (حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ القَعْقَاعِ) بتخفيف الميم بعد ضمِّ العين ابن القَعقَاع -بقافين مفتوحتين بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ وبعد الألف مهملةٌ أخرى- ابن شبرمة (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هَرِمٍ، أو عبد الله، أو عبد الرَّحمن بن عمرٍو (٢) البجليِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) في حجَّة الوداع، قال في «الفتح» (٣): أو في الحديبية، وصحَّح النَّوويُّ: الأوَّل، والثَّاني: ابنُ عبد البرِّ، وجزم به إمام الحرمين في «النِّهاية»، وجوَّز النَّوويُّ وقوعه في الموضعين، قال في «الفتح»: ولم يقع في شيءٍ من الطُّرق التَّصريح بسماع أبي هريرة ﵁ لذلك من النَّبيِّ ﷺ ، ولو وقع لقطعنا بأنَّه كان في حجَّة الوداع لأنَّه شهدها ولم يشهد الحديبية. (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ) قال في حديث ابن عمر [خ¦١٧٢٧]: «ارحم»، وقال هنا: «اغفر»، فيحتمل أن يكون بعض الرُّواة رواه بالمعنى، أو قالهما جميعًا (قَالُوا) أي: الصَّحابة: يا رسول الله؛ ضُمَّ إليهم المقصِّرين، وقل: اللَّهمَّ اغفر للمحلِّقين (وَلِلْمُقَصِّرِينَ، قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ، قَالُوا: وَلِلْمُقَصِّرِينَ، قَالَ: اللَّهُمَّ؛ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ، قَالُوا: وَلِلْمُقَصِّرِينَ، قَالَهَا
стр. 3937
ثَلَاثًا) أي: قال: اغفر للمحلِّقين ثلاث مرَّاتٍ، وفي الرَّابعة (قَالَ: وَلِلْمُقَصِّرِينَ) وفيه: تفضيل الحلق للرِّجال على التَّقصير الذي هو أخذ أطراف الشَّعر لقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] إذ العرب تبدأ بالأهمِّ والأفضل، نعم إن اعتمر قبل الحجِّ في وقتٍ لو حلق فيه جاء يوم النَّحر ولم يسودَّ رأسه من الشَّعر فالتَّقصير له أفضل، كذا نقله الإسنويُّ عن نصِّ الشَّافعيِّ (١) في «الإملاء»، قال: وقد تعرَّض النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ» للمسألة، لكنَّه أطلق أنَّه يُستحَبُّ للمتمتِّع أن يقصِّر في العمرة ويحلق في الحجِّ ليقع الحلق في أكمل العبادتين، قال الزَّركشيُّ: ويُؤخَذ ممَّا قاله الشَّافعيُّ: أنَّ مثله يأتي فيما لو قدَّم الحجَّ على العمرة قال: وإنَّما لم يُؤمَر في ذلك بحلق بعض رأسه في الحجِّ وبحلق بعضه في العمرة؛ لأنَّه يُكرَه القزع، نعم؛ لو خُلِقَ له رأسان فحلق أحدهما (٢) في العمرة، والآخر (٣) في الحجِّ لم يُكرَه لانتفاء القزع، ويكون ذلك مستثنًى من كلام الشَّافعيِّ، وأمَّا المرأة فالتَّقصير لها أفضل (٤) لحديث أبي داود بإسنادٍ حسنٍ: «ليس على النِّساء الحلق، وإنَّما (٥) عليهنَّ التَّقصير»، فيُكرَه لها الحلق لنهيها عن التَّشبُّه بالرِّجال.
وفي الحديث من الفوائد: أنَّ التَّقصير مجزئٌ (٦) عن الحلق وإن لبَّد رأسه، ولا عبرة بكون التَّلبيد لا يفعله إلَّا العازم على الحلق غالبًا، لكن لو نذر الحلق وجب عليه لأنَّه في حقِّه قربةٌ بخلاف المرأة والخنثى، ولم يجزه عنه القصُّ ونحوه ممَّا لا يُسمَّى حلقًا كالنَّتف والإحراق؛ إذ الحلق استئصال الشَّعر بالموسى، وإذا استأصله بما لا يُسمَّى حلقًا هل يبقى الحلق في ذمَّته حتَّى يتعلَّق بالشَّعر المستخلف تداركًا لما التزمه أو لا؟ لأنَّ النُّسك إنَّما هو إزالة شعرٍ اشتمل عليه الإحرام، المتَّجه الثَّاني، لكن يلزمه لفوات الوصف دمٌ.
стр. 3938
١٧٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ) بن عبيد بن مخراق البصريُّ ابن أخي جويرية بن أسماء قال: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ) بضمِّ الجيم وفتح الواو وتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة الثَّانية مُصغَّرًا (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر: (أَنَّ عَبْدَ اللهِ) زاد أبو الوقت: «ابن عمر» (قَالَ: حَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ وطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ) قال شيخ الإسلام (١) الجلال البُلقينيُّ: بيَّن في رواية ابن سعدٍ في «الطَّبقات» في «غزوة الحديبية» البعضَ الذي قصَّر، ولفظه: عن أبي سعيدٍ الخدريِّ: أنَّ رسول الله ﷺ رأى أصحابه حلَّقوا رؤوسهم (٢) عام الحديبية غير عثمان وأبي قتادة، فاستغفر رسول الله ﷺ للمحلِّقين ثلاث مرَّاتٍ، وللمقصِّرين مرَّةً. قال صاحب «المصابيح»: إنْ ثبت أنَّ ما أورده البخاريُّ في هذا الباب كان في عام الحديبية حَسُنَ التَّفسير بذلك وإلا فلا (٣)؛ إذ لا يلزم من كون عثمان وأبي قتادة قصَّرا في عام الحديبية أن يكونا قصَّرا في غيره.
١٧٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مَخْلدٍ النَّبيل (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ) هو ابن ينَّاق (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابن كيسان اليمانيِّ الحميريِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان (¬﵃ قَالَ: قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أي: أخذت من شعر رأسه (بِمِشْقَصٍ) بميمٍ مكسورةٍ فشينٍ معجمةٍ ساكنةٍ فقافٍ مفتوحةٍ فصادٍ مهملةٍ: سهمٌ فيه نصلٌ عريضٌ، وقال القزَّاز: نصلٌ عريضٌ يُرمَى به الوحش، وقال صاحب «المحكم»: هو الطَّويل من النِّصال وليس بعريضٍ، زاد مسلمٌ: «وهو على المروة» وهو يعيِّن
стр. 3939
كونه في عمرةٍ، ويحتمل أن يكون في عمرة القضيَّة (١) أو الجعرانة، ورجَّح النَّوويُّ الثَّاني، وصوَّبه المحبُّ الطَّبريُّ وابن القيِّم، وتعقَّبه في «فتح الباري» بأنَّه (٢) جاء أنَّه حلق في الجِعْرَانة، قال (٣): واستبعاد بعضهم أنَّ معاوية قصَّر عنه في عمرة الحديبية -لكونه لم يكن أسلم- ليس ببعيدٍ، وقوله في رواية أحمد: «قصَّرت عن رأس رسول الله ﷺ عند المروة» يردُّ على من قال: إنَّ في رواية معاوية هنا حذفًا، تقديره: قصَّرت أنا شعري عن أمر رسول الله ﷺ ، ولا يُقال: إنَّ ذلك كان في حجَّة الوداع لأنَّه ﷺ لم يحلَّ حتَّى بلغ الهدي محلَّه، فكيف يقصِّر عنه على (٤) المروة؟
وفي هذا (٥) الحديث: رواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، ورواته كلُّهم مكِّيُّون سوى أبي عاصمٍ فبصريٌّ.
(١٢٨) (بابُ تَقْصِيرِ المُتَمَتِّعِ بَعْدَ العُمْرَةِ) أي: عند الإحلال منها.
١٧٣١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) المُقدَّميُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بضمِّ الفاء تصغير «فضل» النُّميريُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) الأسديُّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (كُرَيْبٌ) هو ابن أبي مسلمٍ الهاشميُّ مولاهم المدنيُّ أبو رِشدين (٦) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «قال: قدم» (النَّبِيُّ ﷺ
стр. 3940
مَكَّةَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ) الذين لم يسوقوا الهدي (أَنْ يَطُوفُوا بِالبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحِلُّوا) بفتح الياء وكسر الحاء (وَيَحْلِقُوا أَوْ يُقَصِّرُوا) فيه: التَّخيير بين الحلق والتَّقصير للمتمتِّع، لكن إن كان يطلع شعره في الحجِّ فالأَولى له الحلق، وإلَّا فالتَّقصير ليقع الحلق في أكمل العبادتين، وقد مرَّ البحث فيه.
(١٢٩) (بَابُ الزِّيَارَةِ) أي: زيارة الحاجِّ البيت للطَّواف به، وهو طواف الإفاضة، ويُسمَّى: طواف الصَّدر والرُّكن (يَومَ النَّحْرِ).
(وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ) بضمِّ الزَّاي وفتح المُوحَّدة وسكون التَّحتيَّة محمَّد بن مسلم بن تَدْرُسَ؛ بلفظ المخاطب من المضارع من الدِّراسة، وقد وثَّقه الجمهور، وضعَّفه بعضهم لكثرة التَّدليس وغيره، ولم يرو له المؤلِّف سوى حديثٍ واحدٍ في «البيوع» [خ¦٢١٨٩] (١)، قَرَنَهُ بعطاءٍ عن جابرٍ، وعلَّق له عدَّة أحاديث، واحتجَّ به مسلمٌ والباقون، وسمع من (٢) ابن عبَّاسٍ، وفي سماعه من عائشة نظرٌ، ممَّا وصله التِّرمذيُّ وأبو داود وأحمد (عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃¬) أنَّهما قالا: (أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الزِّيَارَةَ) أي: طوافها (إِلَى اللَّيْلِ) أي: أخَّره إلى ما بعد الزَّوال، وأمَّا الحمل على ما بعد الغروب فبعيدٌ جدًّا، فقد ثبت في الأحاديث الصَّحيحة: أنَّه ﵊ طاف يوم النَّحر نهارًا، أو يُحمَل على ما رواه ابن حبَّان: أنَّه ﷺ رمى جمرة العقبة ونحر، ثمَّ تطيَّب للزِّيارة، ثمَّ أفاض وطاف بالبيت طواف الزِّيارة، ثمَّ رجع إلى منًى، فصلَّى الظُّهر بها والعصر والمغرب والعشاء، ورقد رقدةً بها، ثمَّ ركب إلى البيت ثانيًا، وطاف به طوافًا آخر باللَّيل، وروى البيهقيُّ: أنَّه ﷺ كان يزور البيت كلَّ ليلةٍ من ليالي منًى.
(وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (عَنْ أَبِي حَسَّانَ) بالصَّرف وعدمه، مسلم بن عبد الله
стр. 3941
العدويِّ البصريِّ، المشهور بالأجرد والأعرج أيضًا، ممَّا وصله الطَّبرانيُّ في «الكبير» والبيهقيُّ كما قاله الحافظ ابن حجرٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَزُورُ البَيْتَ) العتيق (أَيَّامَ مِنًى) أي: بعد اليوم الأوَّل من أيَّام التَّشريق.
١٧٣٢ - (وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ ممَّا وصله الإسماعيليُّ قال (١): (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ طَافَ طَوَافًا وَاحِدًا) للإفاضة (ثُمَّ يَقِيلُ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر القاف من القيلولة، أي: بمكَّة (ثُمَّ يَأْتِي مِنًى) يحتمل أن يكون في وقت الظُّهر لأنَّ النَّهار كان طويلًا، وقد ثبت [خ¦١٦٥٣] أنَّه صلَّى الظُّهر بمنًى (يَعْنِي: يَوْمَ النَّحْرِ).
قال أبو نُعيمٍ: (وَرَفَعَهُ) أي: الحديث (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) إلى رسول الله ﷺ ، فيما وصله الإسماعيليُّ في «مستخرجه» قال: (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ) العمريُّ.
١٧٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الكاف، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ) بن شُرَحْبيل ابن حسنة القرشيِّ (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
стр. 3942
حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) حجَّة الوداع (فَأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ) طفنا طواف الإفاضة (فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ) بنت حييٍّ أمِّ المؤمنين ﵂، أي: بعدما أفاضت (فَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهَا) قبيل (١) وقت النَّفر (مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ) قالت عائشة: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّهَا حَائِضٌ، قَالَ) ﵊: (حَابِسَتُنَا هِيَ) عن السَّفر حتَّى تطوف طواف الإفاضة، والجملة اسميَّةٌ مُقدَّمةُ الخبر على المبتدأ، ولا يجوز العكس إلَّا أن يُقال: همزة الاستفهام مُقدَّرةٌ قبل «حابستنا»، فيجوز الأمران حينئذٍ (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ) قبل أن تحيض، واستُشكِل إرادته ﵊ منها الوقاع مع عدم تحقُّقه لحلِّها من الإحرام كما أشعر ذلك بقوله: «حابستنا (٢) هي» وأُجيب بأنَّه ﵊ كان يعلم إفاضة نسائه، فظنَّ أنَّ صفيَّة أفاضت معهنَّ، فلمَّا قِيل له: إنَّها حائضٌ؛ خشي أن يكون الحيض تقدَّم على الإفاضة فلم تطف، فقال: «أحابستنا هي»، فلمَّا قيل له: إنَّها طافت قبل أن تحيض (قَالَ: اخْرُجُوا) أي: ارحلوا، ورخَّص لها في ترك طواف الوداع، وهو غير واجبٍ عند المالكيَّة، بل مندوبٌ إليه، ولا دم في تركه، فلو حاضت المرأة تَرَكَتْهُ؛ لهذا الحديث، وقال الشَّافعيَّة: هو واجبٌ على من أراد سفرًا، فلو لم يطفه جُبِر بالدَّم لتركه نسكًا واجبًا، فإن عاد بعد خروجه قبل مسافة القصر وطافه سقط عنه الدم؛ لأنَّه في حكم المقيم، لا إن عاد بعدها فلا يسقط عنه؛ لاستقراره بالسَّفر الطَّويل، ولا يلزم الطَّواف حائضًا طهرت خارج مكَّة ولو في الحرم بخلاف ما لو طهرت قبل خروجها.
وهذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ في «الحجِّ».
(وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (عَنِ القَاسِمِ) بن محمَّدٍ ممَّا أخرجه مسلمٌ (وَعُرْوَةَ) بن الزُّبير، ممَّا وصله المصنِّف في «المغازي» [خ¦٤٤٠١] (وَالأَسْوَدِ) ممَّا وصله المؤلِّف في «باب الإدلاج (٣) من المُحصَّب» [خ¦١٧٧١] الثَّلاثةُ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها قالت: (أَفَاضَتْ صَفِيَّةُ يَوْمَ النَّحْرِ) فلم ينفرد أبو سلمة بن عبد الرَّحمن عن عائشة بذلك، وإنَّما لم يجزم به، بل قال: «ويُذكَر» لأنَّه أورده بالمعنى.
стр. 3943
(١٣٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إذَا رَمَى) الحاجُّ جمرة العقبة (بَعْدَ مَا أَمْسَى) أي (١): دخل في المساء ليلًا أو بعد الزَّوال (أَوْ حَلَقَ) شعر رأسه (قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ) الهدي، حال كونه (نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا) لا حرج عليه.
١٧٣٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو وفتح الهاء ابن خالدٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوس بن كيسان (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ) في حجَّة الوداع بمنًى (فِي الذَّبْحِ وَالحَلْقِ وَالرَّمْيِ وَالتَّقْدِيمِ) كتقديم بعض هذه الثَّلاثة على بعضٍ (وَالتَّأْخِيرِ) لها عن بعضٍ (فَقَالَ) ﵊: (لَا حَرَجَ) لا إثم ولا فدية، وتقدَّم البحث في ذلك في «باب الذَّبح قبل الحلق» [خ¦١٧٢٢] وأوجب المالكيَّة الدَّم إذا قدَّم الحلق على الرَّمي، وكذا إذا (٢) قدَّم الإفاضة على الرَّمي عند ابن القاسم، فيكون المراد نفي (٣) الإثم لا نفي الفدية، ولم يقع في هذا الحديث ذكر النِّسيان (٤) والجهل المترجم بهما، فقِيلَ: يحتمل أنَّه أشار إلى قوله في الحديث الآتي في الباب التَّالي (٥) -إن شاء الله تعالى-[خ¦١٧٣٦]: فقال رجلٌ: لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح، قال: «اذبح، ولا حرج .... » الحديث، فإنَّ عدم الشعور أعمُّ من أن يكون بجهلٍ أو نسيانٍ، فكأنَّه أشار إليه لأنَّ أصل الحديث واحدٌ وإن كان المخرج متعدِّدًا، وقد أخرج الحديث مسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا النَّسائيُّ.
стр. 3944
١٧٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسْأَلُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى) في حجَّة الوداع عن التَّقديم والتَّأخير في أفعال يوم النَّحر (فَيَقُولُ) ﷺ : (لَا حَرَجَ، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (فَقَالَ: حَلَقْتُ) شعر رأسي (قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ) هديي (١) (قَالَ) ﵊: (اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ) عليك (قَالَ) ولغير أبي الوقت: «وقال»: (رَمَيْتُ) جمرة العقبة (بَعْدَمَا أَمْسَيْتُ) أي: دخلت في المساء، أي: بعد الزَّوال إلى الغروب واشتداد الظَّلام، فلم يتعيَّن أنَّ رمي المذكور كان باللَّيل (فَقَالَ) ﵊: (لَا حَرَجَ) عليك، وقد سبق في «باب الذَّبح قبل الحلق» [خ¦١٧٢٣] أنَّ الرَّافعيَّ صرَّح بأنَّ وقت (٢) الفضيلة لرمي يوم النَّحر ينتهي إلى الزَّوال، وأنَّ للرَّمي وقت فضيلةٍ، ووقت اختيارٍ، ووقت جوازٍ.
(١٣١) (بابُ الفُتْيَا عَلَى الدَّابَّةِ عِنْدَ الجَمْرَةِ) الكبرى، وقد (٣) سبق في «كتاب العلم»: «بابُ الفتيا وهو واقفٌ على الدَّابَّة أو على غيرها» [خ¦٣/ ٢٣ - ١٥١] وبعده بأبوابٍ كثيرةٍ «بابُ السُّؤال والفتيا عند رمي الجمار» [خ¦٣/ ٤٦ - ٢١٤] ولكلٍّ وجهٌ (٤) يظهر (٥) بالتَّأمُّل.
١٧٣٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام الأعظم (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ) القرشيِّ التَّيميِّ التَّابعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) هو ابن
стр. 3945
العاص ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَفَ) أي: على ناقته؛ كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في الحديث الأخير من هذا الباب [خ¦١٧٣٨] (فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ) زاد في «كتاب العلم» [خ¦٨٣]: «بمنًى للنَّاس» (فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ) لم يُسَمَّ: (لَمْ أَشْعُرْ) أي: لم أفطن، وهو أعمُّ من الجهل والنِّسيان، ولم يُفصِح في رواية مالكٍ بمتعلَّق الشُّعور، وقد بيَّنه يونس عند مسلمٍ، ولفظه: لم أشعر أنَّ النَّحر قبل الحلق (فَحَلَقْتُ) شعر رأسي، والفاء سببيَّةٌ، جعل الحلق مُسبَّبًا عن عدم شعوره، كأنَّه يعتذر لتقصيره (قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ) هديي (قَالَ) ﵊: (اذْبَحْ) هديك (وَلَا حَرَجَ) عليك (فَجَاءَ) رجلٌ (آخَرُ، فَقَالَ): يا رسول الله (لَمْ أَشْعُرْ) أي: أنَّ الرَّمي (١) قبل النَّحر (فَنَحَرْتُ) هديي (قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ) الجمرة (قَالَ) ﵊: (ارْمِ) الجمرة (وَلَا حَرَجَ) عليك (فَمَا سُئِلَ) النَّبيُّ ﷺ (يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ) من الرَّمي والنَّحر والحلق والطَّواف (قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ) بضمِّ القاف والهمزة فيهما، أي: لا قدم، فحذف لفظ (٢): «لا»، والفصيح: تكرارها في الماضي، قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩]، ولـ «مسلمٍ»: ما سُئِل عن شيءٍ قُدِّم أو أُخِّر (إِلَّا قَالَ) ﷺ : (افْعَلْ) ذلك التَّقديم والتَّأخير متى شئت (وَلَا حَرَجَ) عليك مطلقًا، لا في التَّرتيب ولا في ترك الفدية، وهذا مذهب الشَّافعيَّة والحنابلة، وقال مالكٌ وأبو حنيفة: التَّرتيب واجبٌ، يُجبَر بدمٍ لِما رُوِي عن ابن عبَّاسٍ: من قدَّم شيئًا في حجِّه أو أخَّره فليهرق دمًا، وتأوَّلا «لا حرج»: لا إثم؛ لأنَّ الفعل صدر من غير قصدٍ، بل جهلًا أو نسيانًا كما يدلُّ (٣) عليه قوله: «لم أشعر»، واحتجَّ به من قال: إنَّ الرُّخصة تختصُّ بالجاهل والنَّاسي، لا بمن تعمَّد، وأُجيب بأنَّ التَّرتيب لو كان واجبًا لَما سقط بالسَّهو كالتَّرتيب بين السَّعي والطَّواف، فإنَّه لو سعى قبل أن يطوف وجب إعادة السَّعي، وقول ابن التِّين: هذا الحديث لا يقتضي رفع الحرج في غير المسألتين المنصوص عليهما لأنَّ قوله: «لَا حَرَجَ» وقع جوابًا للسُّؤال، فلا يدخل فيه غيره، وكأنَّه غفل عن قوله في بقيَّة الحديث: فما سُئِل عن شيءٍ قُدِّم ولا أُخِّر إلَّا قال: «افْعَلْ»، أو: حمل ما أُبهِم فيه على ما ذُكِر، ويردُّه (٤) قوله في
стр. 3946
رواية ابن جريجٍ التَّالية (١) لهذه [خ¦١٧٣٧] وأشباه ذلك، قال ابن دقيق العيد (٢): وهذا القول -في سقوط الدَّم عن الجاهل أو النَّاسي دون العامد- قويٌّ من جهة أنَّ الدَّليل دلَّ على وجوب اتِّباع فعل الرَّسول ﷺ في الحجِّ بقوله: «خذوا عنِّي مناسككم»، وهذه الأحاديث المرخِّصة في تقديم ما وقع السُّؤال عنه إنَّما قُرِنت (٣) بقول السَّائل: «لم أشعر»، فيختصُّ الحكم بهذه الحالة، وتبقى حالة العمد على أصل اتِّباع الرَّسول ﵇ في الحجِّ، وأيضًا: الحكم إذا رُتِّب على وصفٍ يمكن أن يكون معتبرًا لم يجز اطِّراحه وإلحاق غيره بما لا يساويه، ولا شكَّ أنَّ عدم الشُّعور وصفٌ مناسبٌ لعدم التَّكليف والمُؤاخَذة، والحكم عُلِّق به، فلا يمكن اطِّراحه بإلحاق العمد به؛ إذ لا يساويه، وأمَّا التَّمسُّك بقول الرَّاوي: فما سُئِل عن شيء قُدِّم إلَّا قال: «افعل ولا حرج» فإنَّه قد يُشعِر بأنَّ التَّرتيب مطلقًا مراعًى في الوجوب، فجوابه: أنَّ الرَّاوي لم يجد لفظًا عامًّا عن الرَّسول ﷺ يقتضي جواز التَّقديم والتَّأخير مطلقًا، وإنَّما أخبر عن قوله ﵇: «لا حرج» بالنِّسبة لأجل ما سُئِل عنه من التَّقديم والتَّأخير حينئذٍ، فالإخبار من الرَّاوي إنَّما تعلَّق بما وقع السُّؤال عنه، وذلك مطلقٌ بالنِّسبة إلى حال السَّائل، والمطلق لا يدلُّ على أحد الخاصَّين بعينه، فلا تبقى حجَّةً في حال العمد (٤)، وليس في هذا الحديث ذكر الدَّابَّة المترجم بها، بل قال الإسماعيليُّ: إنَّها لم تكن في شيءٍ من الرِّوايات عن مالكٍ، لكن في رواية يحيى القطَّان عنه: أنَّه جلس في حجَّة الوداع، فقام رجلٌ، قال الإسماعيليُّ: فإن ثبت في شيءٍ من الطُّرق أنَّه كان على دابَّةٍ فيُحمَل قوله: «جلس» أي: على دابَّته. انتهى. والدَّابَّة: تُطلَق على المركوب من ناقةٍ وفرسٍ وغيرهما.
وفي هذا الحديث: رواية التَّابعيِّ عن التَّابعيِّ عن الصَّحابيِّ، ورواته كلُّهم مدنيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف.
стр. 3947
١٧٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) هو يحيى بن سعيد بن أبان ابن سعيد بن العاصي الأمويُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز قال: (حَدَّثَنِي) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «أخبرني» بالإفراد فيهما (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ) التَّابعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ) ولأبي ذرٍّ: «أنَّ عبد الله بن عمرو بن العاص» (¬﵁¬) أنَّه (حَدَّثَهُ: أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ ¬) أي: حضره حال كونه (يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ) بمنًى على راحلته (فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ) لم يُعرَف اسمه (فَقَالَ): يا رسول الله (كُنْتُ أَحْسِبُ) أي: أظنُّ (أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا) الكاف للتَّشبيه، و «ذا»: للإشارة (ثُمَّ قَامَ) إليه رجلٌ (آخَرُ فَقَالَ: كُنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا، حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ، نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ) أي: قال الأوَّل: كنت أظنُّ أنَّ الحلق قبل النَّحر، فحلقت قبل أن أنحر، وقال الآخر: كنت أظنُّ أنَّ النَّحر قبل الرَّمي، فنحرت قبل أن أرمي (وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ) أي: من الأشياء التي كان يحسبها على خلاف الأصل، وفي رواية محمَّد بن أبي حفصة (١) عن الزُّهريِّ عند مسلمٍ: حلقت قبل أن أرمي، وقال آخر: أفضتُ إلى البيت قبل أن أرمي.
وحاصل ما في حديث عبد الله بن عمرٍو: السُّؤال عن أربعة أشياء: الحلق قبل الذَّبح، والذَّبح قبل الرَّمي، والحلق قبل الرَّمي، والإفاضة قبل الرَّمي، وفي حديث عليٍّ: السُّؤال عن الإفاضة قبل الحلق، وفي حديثه عند الطَّحاويِّ: السُّؤال عن الرَّمي
стр. 3948
والإفاضة قبل الحلق، وفي حديث جابرٍ المُعلَّق عند المؤلِّف فيما سبق [خ¦١٧٢٢]: السُّؤال عن الإفاضة قبل الذَّبح، وفي حديث أسامة بن شريك عند (١) أبي داود: السُّؤال عن السَّعي قبل الطَّواف، وهو محمولٌ على من سعى (٢) بعد طواف القدوم، ثمَّ طاف طواف الإفاضة، فإنَّه يصدق عليه أنَّه سعى قبل الطَّواف، أي: طواف الرُّكن، قال في «الفتح»: وقد بقيت عدَّة صورٍ لم يذكرها الرُّواة؛ إمَّا اختصارًا، وإمَّا لكونها لم تقع، وبلغت بالتَّقسيم أربعًا وعشرين صورةً؛ منها: صورة التَّرتيب المتَّفق عليها (٣).
(فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : افْعَلْ) ما ذكر من التَّقديم والتَّأخير (وَلَا حَرَجَ لَهُنَّ) متعلِّقٌ بـ «قال» أي: قال لأجل هذه الأفعال (كُلِّهِنَّ) بجر اللَّام «افعل»، أو: «لهنَّ» (٤) متعلِّقٌ (٥) بمحذوفٍ، أي: قال يوم النَّحر لهنَّ، أو متعلِّقٌ بقوله: «لا حرج» أي: لا حرج لأجلهنَّ عليك، قاله الكِرمانيُّ. قال في «الفتح»: ويحتمل أن تكون اللَّام بمعنى «عن» أي: قال عنهنَّ كلِّهنَّ: «افعل ولا حرج» (فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ) ممَّا قُدِّم أو أُخِّر (٦) (إِلَّا قَالَ: افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ) وهو ظاهرٌ في رفع الإثم والفدية معًا، وقول الطَّحاويِّ: إنَّه يحتمل أن يكون قوله: «ولا حرج» أي: لا إثم في ذلك الفعل، وهو كذلك لمن (٧) كان ناسيًا أو جاهلًا، وأمَّا من تعمَّد المخالفة فتجب (٨) عليه الفدية، فيه نظرٌ لأنَّ وجوب الفدية يحتاج إلى دليلٍ، ولو كان واجبًا لبيَّنه ﷺ حينئذٍ لأنَّه وقت الحاجة، فلا يجوز تأخيره، وقد أجمع العلماء على الإجزاء في التَّقديم والتَّأخير؛ كما قاله ابن قدامة في «المغني» إلَّا أنَّهم اختلفوا في وجوب الدَّم في بعض المواضع كما تقدَّم تقريره.
стр. 3949
وفي هذا الحديث: التَّحديثُ والإخبار والعنعنة، وشيخه بغداديٌّ وأبوه كوفيٌّ، ورواية التَّابعيِّ عن التَّابعيِّ عن الصَّحابيِّ.
١٧٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «حدَّثني» (إِسْحَاقُ) غير منسوبٍ، لكن قال الحافظ ابن حجرٍ في مقدِّمة «الفتح»: وقع في رواية الأَصيليِّ ورواية أبي عليِّ (١) بن شبُّويه معًا: «حدَّثنا إسحاق بن منصورٍ» يعني: ابن بهرام (٢) الكوسج المروزيُّ، صاحب «مسائل أحمد ابن حنبل» (قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريُّ المدنيُّ، نزيل بغداد، المُتوفَّى -فيما نقله المزِّيُّ في «التَّهذيب» عن البخاريِّ-بنيسابور يوم الإثنين، ودُفِن يوم الثُّلاثاء لعشرٍ خلون من جمادى الأولى سنة إحدى وخمسين ومئتين، قال: (حَدَّثَنَا (٣) أَبِي) إبراهيمُ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا التَّيميُّ المدنيُّ (أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄ قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى نَاقَتِهِ) (٤) زاد في الحديث الأوَّل من هذا الباب [خ¦١٧٣٦]: «في حجَّة الوداع» وفي الثَّاني [خ¦١٧٣٧]: «يوم النَّحر» وفي «كتاب العلم» [خ¦١٢٤]: «عند الجمرة» (٥) (فَذَكَرَ الحَدِيثَ) نحو ما سبق.
(تَابَعَهُ) أي: تابع صالح بن كيسان (مَعْمَرٌ) بميمين مفتوحتين بينهما عينٌ ساكنةٌ ابن راشدٍ في روايته (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهاب، فيما وصله مسلمٌ بلفظ: رأيت رسول الله ﷺ على ناقته بمنًى، وقوله: «بمنًى» لا يُضادُّ (٦) قوله: «عند الجمرة».
стр. 3950
وفي هذا الحديث: رواية ثلاثةٍ من التَّابعين يروي بعضهم عن بعضٍ: صالحٍ والزُّهريِّ وعيسى.
(١٣٢) (بابُ) مشروعيَّة (الخُطْبَةِ أَيَّامَ مِنًى) الأربعة يوم النَّحر والثَّلاثة بعده.
١٧٣٩ - وبالسَّند (١) قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان قال: (حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ) بضمِّ الفاء وفتح الضَّاد المعجمة، و «غَزْوان»: بفتح الغين المعجمة وسكون الزَّاي وبالنُّون في آخره، قال: (حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ) فيه: أنَّ السُّنَّة أن يخطب الإمام يوم النَّحر خطبةً فردةً يعلِّم الناس بها المبيت والرَّمي في أيَّام التَّشريق والنَّفر وغير ذلك، ممَّا يحتاجون إليه ممَّا بين أيديهم وما مضى لهم في يومهم ليأتي به من لم يفعله، أو يعيده من فعله على غير وجهه، وهذه الخطبة هي الثَّالثة من خطب الحجِّ الأربعة، وكلُّها بعد الصَّلاة إلَّا عرفة فَقَبْلَها، وهي خطبتان بخلاف الثَّلاثة الباقية ففُرادى، وهذا مذهب الشَّافعيِّ وأحمد، وما ذكر من كون خطبة يوم النَّحر بعد صلاة الظُّهر، قال في «المجموع»: كذا قاله الشَّافعيُّ والأصحاب، واتَّفقوا عليه، وهو مشكلٌ لأنَّ المعتمد فيها الأحاديث، وهي مصرِّحةٌ بأنَّها كانت ضحوة يوم النَّحر كما سيأتي (٢)
стр. 3951
إن شاء الله تعالى (١). وقال المالكيَّة والحنفيَّة: خطب الحجِّ ثلاثةٌ: سابع ذي الحجَّة ويوم عرفة بها وثاني يوم النَّحر بمنًى (٢)، ووافقهم الشَّافعيُّ إلَّا أنَّه قال بدل ثاني يوم النَّحر: ثالثه لأنَّه أوَّل النَّفر (٣)، وزاد الرَّابعة يوم النَّحر، قال: وبالنَّاس حاجةٌ إليها ليعلموا أعمال ذلك اليوم من الرَّمي والذَّبح والحلق والطَّواف، واعترضه الطَّحاويُّ بأنَّ الخطبة المذكورة ليست من متعلَّقات الحجِّ لأنَّه لم يذكر فيها شيئًا من أمور الحجِّ، وإنَّما ذكر فيها وصايا عامَّةً لا على أنَّها (٤) خطبةٌ وشعيرةٌ من شعائر الحجِّ، ولم ينقل أحدٌ أنَّه علَّمهم فيها شيئًا ممَّا يتعلَّق بيوم النَّحر، فعرفنا أنَّها لم تُقصَد لأجل الحجِّ، وأُجيب بأنَّ البخاريَّ أراد أن يبيِّن أنَّ الرَّاوي قد سمَّاها خطبةً كما سمَّى التي وقعت في عرفاتٍ خطبةً، وقد اتَّفقوا على خطبة يوم عرفة، فألحق المُختَلَف فيه بالمُتَّفَق عليه، قاله ابن المُنيِّر في «الحاشية»، وقد جزم الصَّحابة: ابن عبَّاسٍ وأبو بكرٍ وأبو أمامة عند أبي داود بتسميتها خطبةً، فلا يُلتفَت لتأويل غيرهم، وقد ثبت في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص السَّابق [خ¦١٧٣٧] وغيره: أنَّه شهد النَّبيَّ ﷺ يخطب يوم النَّحر، وفي حديث عبد الرَّحمن بن معاذٍ عند أبي داود والنَّسائيِّ قال: خطبنا رسول الله ﷺ ونحن بمنًى، ففتحنا (٥) أسماعنا حتَّى كنَّا نسمع ما يقول، ونحن في منازلنا، فطفق يعلِّمهم مناسكهم حتَّى بلغ الجمار، فوضع إصبعيه، ثمَّ (٦) قال: بحصى الخَذْف، ثمَّ أمر المهاجرين، فنزلوا في مُقدَّم المسجد، وأمر الأنصار أن ينزلوا من وراء المسجد، ثمَّ نزل النَّاس بعد (فَقَالَ) ﵊ في خطبته المذكورة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) خطابًا (٧) للحاضرين معه حينئذٍ (أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟) استفهامٌ تقريريٌّ (قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ، قَالَ: فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ قَالُوا: بلدٌ حرامٌ، قَالَ: فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قَالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ) وليس الحرام عين اليوم والبلد والشَّهر، وإنَّما المراد ما يقع فيه
стр. 3952
من القتال، وقال البيضاويُّ: يريد بذلك تذكارهم حرمة ما ذكر، وتقريرها في نفوسهم ليَبنيَ عليها ما أراد تقريره حيث (قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ) جمع عِرضٍ -بكسر العين-: وهو ما يُمدَح به الإنسان ويُذَمُّ، وقِيل: الحسب، أو الأخلاق النَّفسانيَّة، قال في «شرح المشكاة»: والتَّحقيق ما ذكره صاحب «النِّهاية»: العِرض: موضع المدح والذَّمِّ من الإنسان، سواءٌ كان في نفسه أو في سَلَفِه. ولمَّا كان موضع العِرض النَّفس قال من قال: العِرض: النَّفس؛ إطلاقًا للمحلِّ على الحالِّ، وحيث كان نسبَةُ الشَّخص إلى المدح نسبةً (١) إلى الأخلاق الحميدة، والذَّمِّ؛ نسبه (٢) إلى الذَّميمة، سواءٌ كانت فيه أم (٣) لا؛ قال من قال: العِرض: الخُلُق؛ إطلاقًا لاسم اللَّازم على الملزوم (عَلَيْكُمْ حَرَامٌ) أي: أنَّ (٤) انتهاك دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ، وهذا أَولى من قول من قال: فإنَّ سفك دمائكم وأخذ أموالكم وثلب (٥) أعراضكم لأنَّ ذلك إنَّما يحرم إذا كان بغير حقِّ؛ فلا بدَّ من التَّصريح به، فلفظ: انتهاك (٦) أَولى لأنَّ موضوعها لتناول الشَّيء بغير حقٍّ (٧) كما مرَّ في «باب العلم» [خ¦٦٧] (كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا) يوم النَّحر (فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا) ذي الحجَّة، وإنَّما شبَّهها في الحرمة بهذه الأشياء لأنَّهم كانوا لا يرون استباحتها وانتهاك حرمتها بحالٍ، وقال ابن المُنيِّر: قد استقرَّ في القواعد أنَّ الأحكام لا تتعلَّق إِلَّا بأفعال المكلَّفين، فمعنى تحريم اليوم والبلد والشَّهر: تحريم أفعال الاعتداء فيها على النَّفس والمال والعِرض، فما معنى إذًا تشبيه الشَّيء بنفسه؟ وأجاب بأنَّ المراد أنَّ هذه الأفعال في غير هذا البلد وهذا الشَّهر وهذا اليوم مُغلَّظةُ الحرمة، عظيمةٌ عند الله، فلا يستسهل المعتدي كونه تعدَّى في غير البلد الحرام، والشَّهر الحرام، بل ينبغي له أن يخاف خوف من فعل ذلك في البلد الحرام وإن كان فعل العدوان في
стр. 3953
البلد الحرام أغلظ، فلا ينفي كون ذلك في غيره غليظًا أيضًا، وتفاوت ما بينهما في الغلظ لا ينفع المتعدِّي في غير البلد الحرام، فإن فرضناه تعدَّى في البلد الحرام فلا يستسهل حرمة البلد، بل ينبغي أن يعتقد أنَّ فعله أقبح الأفعال، وأنَّ عقوبته بحسب ذلك، فيراعي الحالتين.
(فَأَعَادَهَا) أي: المذكورات (مِرَارًا) وأقلُّه: ثلاث مرَّاتٍ، وهي عادته ﵊ (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) زاد الإسماعيليُّ من هذا الوجه: إلى السَّماء (فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللَّهُمَّ؛ هَلْ بَلَّغْتُ؟) مرَّتين، أي: بلَّغت ما أمرتني به، وإنَّما قال ذلك لأنَّه ﵊ كان التَّبليغ فرضًا عليه. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَوَصِيَّتُهُ إِلَى أُمَّتِهِ) بفتح لام: «لَوصيَّته» وهي للتَّأكيد، والضَّمير فيه للنَّبيِّ ﷺ ، وفي: «إنَّها» لقوله: (فَلْيُبْلِّغِ الشَّاهِدُ) الحاضر (١) ذلك المجلس (الغَائِبَ) عنه، والضَّمير وإن كان مُقدَّمًا في الذِّكر فالقرينة تدلُّ على أنَّه مُؤخَّرٌ في المعنى، وقول ابن عبَّاسٍ معترضٌ بين قوله ﷺ : «هَلْ بَلَّغْتُ؟» وبين قوله: «فَلْيُبْلِغِ الشَّاهِدُ الغائب» (لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي) بعد فراقي من موقفي هذا، أو: بعد حياتي، وفيه استعمال «رجع» كـ «صار» معنًى وعملًا، قال ابن مالكٍ: وهو ممَّا خفي على أكثر النَّحويِّين، أي: لا تصيروا بعدي (كُفَّارًا) أي: كالكفَّار، أو: لا يكفِّر بعضكم بعضًا فتستحلُّوا القتال، أو: لا تكن أفعالكم شبيهةً بأفعال (٢) الكفَّار (يَضْرِبُْ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) برفع «يضربُ» جملةٌ مستأنفةٌ مبيِّنةٌ لقوله: «لا ترجعوا بعدي كفَّارًا» ويجوز الجزم، قال أبو البقاء: على تقدير شرطٍ مُضمَرٍ، أي: إنْ ترجعوا بعدي.
ورواة هذا الحديث ما بين مدنيٍّ وبصريٍّ وكوفيٍّ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الفتن» [خ¦٧٠٨٩]، وكذا التِّرمذيُّ.
стр. 3954
١٧٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث الحوضيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) بفتح العين وسكون الميم ابن دينارٍ (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زَيدٍ) أبا الشَّعثاء الأزديَّ اليحمديَّ (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ) ولا مطابقة بينه وبين التَّرجمة على ما لا يخفى، لكن يحتمل أنَّه قصد التَّنبيه على إلحاق المُختلَف فيه بالمُتَّفَق (١) عليه -كما مرَّ- وهذا الحديث طرفٌ من حديثٍ ذكره المؤلِّف -فيما يأتي إن شاء الله تعالى- في «باب لبس الخفَّين للمحرم» [خ¦١٨٤١] عن أبي الوليد عن شعبة بهذا الإسناد، ولفظه: يخطب بعرفاتٍ: «من لم يجد النَّعلين فليلبس الخفَّين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل للمُحْرِم».
وفي هذا الحديث: روايةُ التَّابعيِّ عن التَّابعيِّ عن الصَّحابيِّ، وأخرجه المؤلِّف في الباب المذكور، وفي «اللِّباس» [خ¦٥٨٠٤] أيضًا، ومسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الحجِّ»، والنَّسائيُّ أيضًا في «الزِّينة».
(تَابَعَهُ) أي: تابع شعبةَ بن الحجَّاج (ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ (عَنْ عَمْرٍو) أي: ابن دينارٍ المذكور، والمراد: أنَّه تابعه في رواية أصل هذا الحديث، فإنَّ أحمد أخرجه في «مُسنَده» عن سفيان بن عُيَيْنَة بلفظ: سمعت النَّبيَّ ﷺ يخطب يقول: من لم يجد … فَذَكَره، فلم يقل: «عرفاتٍ» ولا غيرها.
стр. 3955
١٧٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ الجعفيُّ قال (١): (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك بن عمرٍو العقديُّ قال: (حَدَّثَنَا قُرَّةُ) بضمِّ القاف وتشديد الرَّاء ابن خالدٍ السَّدوسيُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ) أبيه (أَبِي بَكْرَةَ) نفيع بن الحارث بن كلدة (وَرَجُلٌ) بالرَّفع عطفًا على عبد الرَّحمن (أَفْضَلُ فِي نَفْسِي مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن أبي بكرة، أي: لأنَّ عبد الرَّحمن دخل في الولايات، وكان الرَّجل المذكور وهو (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي (٢): الحميريُّ -فيما قاله الحافظ ابن حجرٍ- زاهدًا، أو هو ابن عوفٍ القرشيُّ الزُّهريُّ -كما (٣) قاله الكِرمانيُّ- وكلُّ واحدٍ منهما سمع من أبي بكرة، وسمع منه محمَّد بن سيرين، و «حُمَيدٌ»: مرفوعٌ خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أو بدلٌ من «رجلٌ»، أو عطف بيانٍ (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) نُفَيعٍ (¬﵁ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ) أي: بمنى عند الجمرة (قَالَ: أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) فيه: مراعاة الأدب وتحرُّزٌ عن التَّقدُّم بين يدي الله ورسوله ﷺ ، وتوقُّفٌ فيما لا يُعلَم الغرض من (٤) السُّؤال عنه (فَسَكَتَ) ﵊ (حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ) قال الطِّيبيُّ: فيه إشارةٌ إلى تفويض الأمور بالكلِّيَّة إلى الشَّارع، وعزلٌ لِما أَلِفوه من المُتعارَف
стр. 3956
المشهور، وفي حديث ابن عبَّاسٍ [خ¦١٧٣٩]: فقال: «يا أيُّها النَّاس أيُّ يومٍ هذا؟» قالوا: يومٌ حرامٌ … إلى آخره، ففيه: أنَّهم أجابوه، وفي حديث أبي بكرة: أنَّهم سكتوا وفوَّضوا إليه الأمر، فقِيل في التَّوفيق بينهما: إنَّ (١) في حديث أبي بكرة فخامةً ليست في حديث ابن عبَّاسٍ لزيادة لفظ: «أتدرون؟» فلهذا سكتوا فيه (٢)، وفوَّضوا الأمر إليه بخلاف حديث ابن عبَّاسٍ فالسَّكت فيه كان أوَّلًا، والجواب بالتَّعيين كان آخرًا، وهذا يُفهِم أنَّهما واقعتان، وهو مردودٌ لأنَّ الخطبة يوم النَّحر إنَّما شُرِعت مرَّةً واحدةً، وأُجيب بأنَّ السُّؤال وقع في الخطبة المذكورة مرَّتين بلفظين، فلم يجيبوا عند قوله: «أتدرون؟» لِما ذُكِر، وأجابوا في المرَّة الأخرى العارية عن ذلك، أو كان السُّؤال واحدًا، وأجاب بعضهم دون بعضٍ، أو أنَّ في حديث ابن عبَّاسٍ اختصارًا.
(قَالَ) ﵊: (أَلَيْسَ يَوْمَُ النَّحْرِ) بنصب «اليومَ» خبر «ليس» أي: أليس اليومُ يومَ النَّحر؟ ويجوز الرَّفع على أنَّه اسمها، والخبر محذوفٌ، أي: أليس يومُ النَّحر هذا اليومَ؟ (قُلْنَا: بَلَى، قَالَ) ﵊: (أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ) ﵊: (أَلَيْسَ ذُو الحَجَّةِ؟) بالرَّفع اسم «ليس»، وخبرها محذوفٌ، أي: أليس (٣) ذو الحجَّة هذا الشَّهر؟ قال ابن مالكٍ: والأصل: أليسه ذو الحجَّة، فحُذِف الضَّمير المتَّصل؛ كقوله:
أين المَفَرُّ؟ والإله الطَّالب
والأشرمُ المغلوبُ ليس الغالبُ
فإنَّه خُرِّج على أنَّ الغالب اسم «ليس» والخبر محذوفٌ، قال ابن مالكٍ: وهو في الأصل ضميرٌ متَّصلٌ عائدٌ على «الأشرم» أي (٤): ليسه الغالب؛ كما تقول: الصَّديق كأنَّه زيدٌ، ثمَّ حُذِف لاتِّصاله، قال في «المغني»: ومقتضى كلامه أنَّه لولا تقديره متَّصلًا لم يجز حذفه، وفيه
стр. 3957
نظرٌ، قال صاحب «تحفة الغريب»: أمَّا أنَّ ذلك مقتضى كلامه فظاهرٌ لأنَّه علَّل حذفه بالاتِّصال، فقال: ثمَّ حُذِف لاتِّصاله، وأمَّا أنَّ فيه نظرًا فليس معناه أنَّه مشكلٌ، وإنَّما المراد: أنَّه محلُّ نظرٍ وتثبُّتٍ، فيبحث عن النَّقل فيه: هل هو كذلك عند (١) العرب أو لا، والله أعلم. وفي رواية أبوي ذرٍّ والوقت: «قال: ذو الحجَّة» فأسقطا (٢) الفاء من «فقال»، ولفظ: «أليس» والتَّقدير: هو ذو الحجَّة، وفي بعض الأصول: «قال: أليس ذا الحجَّةَ» بالنَّصب خبر «ليس» (قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟) بالتَّذكير (قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَتْ بِالبَلْدَةِ الحَرَامِ؟) بتأنيث: «البلدة» وتذكير: «الحرام» الذي هو صفتها، واستُشكِل، وأُجيب بأنَّه اضمحلَّ منه معنى (٣) الوصفيَّة وصار اسمًا، وسقط لفظ «الحرام» في رواية غير ابن عساكر، والجارُّ والمجرور الذي هو: «بالبلدة» في موضع رفعٍ أو نصبٍ -كما مرَّ- والمراد: مكَّة، وقِيلَ: إنَّها اسمٌ خاصٌّ لها، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ (٤) [النمل: ٩١] كذا قاله الزَّركشيُّ وغيره، لكن لا دلالة في الآية على ما ادَّعوه من الاختصاص، قاله في «المصابيح» (٥)، وقال التُّورِبشتيُّ: وجه تسميتها بالبلدة -وهي تقع على سائر البلاد (٦) - أنَّها البلدة الجامعة للخير المستحقَّة أن تُسمَّى بهذا الاسم لتفوُّقها سائر مُسمَّيات أجناسها تفوُّقَ (٧) الكعبةِ في تسميتها بالبيت سائر مُسمَّيات أجناسها، حتَّى كأنَّها هي المحلُّ المستحقُّ للإقامة بها، وقال ابن جنِّي: من عادة العرب أن يوقعوا على الشَّيء الذي يخصُّونه بالمدح اسم الجنس، ألا تراهم كيف سمَّوا الكعبة: بالبيت، وكتاب سيبويه: بالكتاب.
стр. 3958
(قُلْنَا: بَلَى، قَالَ) ﵊: (فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ) زاد في الرِّواية السَّابقة [خ¦١٧٣٩]: «وأعراضكم» (عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ) بجرِّ «يومِ» من غير تنوينٍ، ويجوز فتحه وكسره مع التَّنوين، والأوَّل: هو المرويُّ، وشبَّه الأموال والدِّماء والأعراض في الحرمة باليوم وبالشَّهر وبالبلد لاشتهار الحرمة فيها عندهم، وإلَّا فالمُشبَّه إنَّما يكون دون المُشبَّه به، ولهذا قدَّم السُّؤال عنها مع شهرتها لأنَّ تحريمها أثبت في نفوسهم (١)؛ إذ هي عادة سلفهم، وتحريم الشَّرع طارئٌ، وحينئذٍ فإنَّما شبَّه بما هو أعلى منه باعتبار ما هو مُقرَّرٌ عندهم، وقد سبق هذا في «باب العلم» [خ¦٦٧] وذُكِر هنا لبُعْد العهد به (أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ قَالُوا: نَعَمْ) بلَّغتَ (قَالَ) ﵊: (اللَّهُمَّ؛ اشْهَدْ) أنِّي أدَّيت ما أوجبته عليَّ من التَّبليغ (فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ) الحاضرُ هذا المجلسَ (الغَائِبَ) عنه ما ذُكِر فيه، أو جميع الأحكام التي سمعها، ولأبي ذرٍّ: «وليبلِّغ» بالواو بدل (٢) الفاء (فَرُبَّ مُبَلَّغٍ) بفتح اللَّام المُشدَّدة اسم مفعولٍ: بَلَغَه كلامي بواسطةٍ (أَوْعَى) أَحْفَظُ وأفهمُ لمعنى كلامي (مِنْ سَامِعٍ) سمعه منِّي، قال النَّوويُّ: وفيه تصريحٌ بوجوب نقل العلم على الكفاية، وإشاعة السُّنن والأحكام، وقال المُهلَّب: فيه أنَّه يأتي في آخر الزمان من يكون له من الفهم في العلم ما ليس لمن تقدَّم إلَّا أنَّ ذلك يكون في الأقلِّ لأنَّ «رُبَّ» موضوعةٌ للتَّقليل. انتهى. وفيه شيءٌ، فقد قال ابن هشامٍ في «مغنيه»: وليس معناه التَّقليل دائمًا خلافًا للأكثرين، ولا التَّكثير (٣) دائمًا خلافًا لابن درستويه وجماعةٌ، بل تَرِدُ للتَّكثير كثيرًا، وللتَّقليل قليلًا؛ فمن الأوَّل: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢] وفي الحديث [خ¦١١٢٦]: «يا رُبَّ كاسيةٍ في الدُّنيا عاريةٍ يوم القيامة»، وقال (٤) الشَّاعر:
فيا رُبَّ يومٍ قد لهوتُ وليلةٍ … بآنِسةٍ كأنَّها خَطُّ تِمثالِ
وتوجيه ذلك: أنَّ الآية والحديث مسوقان للتَّخويف، والبيت مسوقٌ للافتخار، ولا
стр. 3959
يناسب واحدٌ منها التَّقليل، ومن الثَّاني: قول أبي طالبٍ في النَّبيِّ ﷺ :
وأبيضَ يُستسقى الغمامُ بوجهه … ثِمَالُ اليتامى، عصمةٌ للأراملِ
انتهى.
لكنَّ الظَّاهر: أنَّ المراد بها هنا في حديث الباب: التَّقليل؛ بدليل قوله في الرِّواية السَّابقة في «العلم» [خ¦٦٧]: «عسى أن يبلِّغ من هو أوعى له منه» (فَلَا) بالفاء، ولأبي الوقت: «ولا» (تَرْجِعُوا) أي: لا تصيروا (بَعْدِي كُفَّارًا) أي: كالكفَّار (يَضْرِبُْ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) برفع «يضرب»، ويجوز جزمه كما مرَّ في الحديث السابق (١) [خ¦١٧٣٩].
وفي هذا (٢) الحديث: رواية ثلاثةٍ من التَّابعين؛ وهم: محمَّد بن سيرين، وعبد الرَّحمن بن أبي بكرة، وحُمَيد بن عبد الرَّحمن، وفيه: التحديث والإخبار والعنعنة والقول، ويأتي إن شاء الله تعالى في «التَّفسير» [خ¦٤٦٦٢] و «بدء الخلق» [خ¦٣١٩٧] و «الفتن» [خ¦٧٠٧٨].
١٧٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السَّلميُّ الواسطيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ) محمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر ابن الخطَّاب (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) جدِّ محمَّد بن زيدٍ (¬﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) حال كونه (بِمِنًى) أي: فيها في خطبته التي خطبها يوم النَّحر: (أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟) برفع «أيُّ»،
стр. 3960
والجملة مقول القول (قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) بذلك (فَقَالَ) ﵊، ولأبي الوقت: «قال»: (فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ حَرَامٌ) حرَّم الله فيه القتل (أَفَتَدْرُونَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟) بالتَّذكير (قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) ﵊: إنَّه (بَلَدٌ حَرَامٌ) بالتَّذكير، لا يجوز فيه القتل (أَفَتَدْرُونَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) ﵊: إنَّه (١) (شَهْرٌ حَرَامٌ) يحرم فيه القتل (قَالَ) ﵊: (فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا) يوم النَّحر (فِي شَهْرِكُمْ هَذَا) ذي الحجَّة (فِي بَلَدِكُمْ هَذَا) مكَّة.
وفي هذا الحديث -كسابقه- من الفوائد: مشروعيَّة ضرب المثل وإلحاق النَّظير بالنَّظير ليكون أوضح للسَّامع، وجواز تحمُّل الحديث لمن لم يفهم معناه ولا فقهه إذا ضبط ما يحدِّث به، وجواز وصفه بكونه من أهل العلم بذلك، وأخرجه البخاريُّ أيضًا في «الدِّيات» [خ¦٦٨٦٨] و «الفتن» [خ¦٧٠٧٧] و «الأدب» [خ¦٦٠٤٣] و «الحدود» [خ¦٦٧٨٥] و «المغازي» [خ¦٤٤٠٦]، ومسلمٌ في «الإيمان».
(وَقَالَ هِشَامُ بْنُ الغَازِ) بفتح الغين المعجمة وتخفيف الزَّاي من الغزو؛ بحذف الياء (٢) وإثباتها، ابن ربيعة الجُرَشيُّ؛ بضمِّ الجيم وفتح الرَّاء وبالمعجمة (٣)، ممَّا وصله ابن ماجه ولفظه (٤): حدَّثنا المُؤمَّل بن الفضل (٥) عن الوليد بن مسلم عن هشام بن الغاز قال: حدَّثنا نافعٌ عن ابن عمر: أنَّ رسول الله ﷺ وقف يوم النَّحر في الحجَّة التي حجَّ فيها، فقال: «أيُّ يومٍ هذا؟» فقالوا: يوم النَّحر، فقال: «هذا يوم الحجِّ الأكبر» ورواه ابن ماجه وغيره (أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي الوقت: «أخبرنا» (نَافِعٌ) مولى ابن عمر بن الخطَّاب (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) قال: (وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الجَمَرَاتِ) بفتح الجيم والميم، جمع جمرةٍ، وفيه: تعيين