← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

المشهور، وفي حديث ابن عبَّاسٍ [خ¦١٧٣٩]: فقال: «يا أيُّها النَّاس أيُّ يومٍ هذا؟» قالوا: يومٌ حرامٌ … إلى آخره، ففيه: أنَّهم أجابوه، وفي حديث أبي بكرة: أنَّهم سكتوا وفوَّضوا إليه الأمر، فقِيل في التَّوفيق بينهما: إنَّ (١) في حديث أبي بكرة فخامةً ليست في حديث ابن عبَّاسٍ لزيادة لفظ: «أتدرون؟» فلهذا سكتوا فيه (٢)، وفوَّضوا الأمر إليه بخلاف حديث ابن عبَّاسٍ فالسَّكت فيه كان أوَّلًا، والجواب بالتَّعيين كان آخرًا، وهذا يُفهِم أنَّهما واقعتان، وهو مردودٌ لأنَّ الخطبة يوم النَّحر إنَّما شُرِعت مرَّةً واحدةً، وأُجيب بأنَّ السُّؤال وقع في الخطبة المذكورة مرَّتين بلفظين، فلم يجيبوا عند قوله: «أتدرون؟» لِما ذُكِر، وأجابوا في المرَّة الأخرى العارية عن ذلك، أو كان السُّؤال واحدًا، وأجاب بعضهم دون بعضٍ، أو أنَّ في حديث ابن عبَّاسٍ اختصارًا. (قَالَ) ﵊: (أَلَيْسَ يَوْمَُ النَّحْرِ) بنصب «اليومَ» خبر «ليس» أي: أليس اليومُ يومَ النَّحر؟ ويجوز الرَّفع على أنَّه اسمها، والخبر محذوفٌ، أي: أليس يومُ النَّحر هذا اليومَ؟ (قُلْنَا: بَلَى، قَالَ) ﵊: (أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ) ﵊: (أَلَيْسَ ذُو الحَجَّةِ؟) بالرَّفع اسم «ليس»، وخبرها محذوفٌ، أي: أليس (٣) ذو الحجَّة هذا الشَّهر؟ قال ابن مالكٍ: والأصل: أليسه ذو الحجَّة، فحُذِف الضَّمير المتَّصل؛ كقوله: أين المَفَرُّ؟ والإله الطَّالب والأشرمُ المغلوبُ ليس الغالبُ فإنَّه خُرِّج على أنَّ الغالب اسم «ليس» والخبر محذوفٌ، قال ابن مالكٍ: وهو في الأصل ضميرٌ متَّصلٌ عائدٌ على «الأشرم» أي (٤): ليسه الغالب؛ كما تقول: الصَّديق كأنَّه زيدٌ، ثمَّ حُذِف لاتِّصاله، قال في «المغني»: ومقتضى كلامه أنَّه لولا تقديره متَّصلًا لم يجز حذفه، وفيه

стр. 3957

نظرٌ، قال صاحب «تحفة الغريب»: أمَّا أنَّ ذلك مقتضى كلامه فظاهرٌ لأنَّه علَّل حذفه بالاتِّصال، فقال: ثمَّ حُذِف لاتِّصاله، وأمَّا أنَّ فيه نظرًا فليس معناه أنَّه مشكلٌ، وإنَّما المراد: أنَّه محلُّ نظرٍ وتثبُّتٍ، فيبحث عن النَّقل فيه: هل هو كذلك عند (١) العرب أو لا، والله أعلم. وفي رواية أبوي ذرٍّ والوقت: «قال: ذو الحجَّة» فأسقطا (٢) الفاء من «فقال»، ولفظ: «أليس» والتَّقدير: هو ذو الحجَّة، وفي بعض الأصول: «قال: أليس ذا الحجَّةَ» بالنَّصب خبر «ليس» (قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟) بالتَّذكير (قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَتْ بِالبَلْدَةِ الحَرَامِ؟) بتأنيث: «البلدة» وتذكير: «الحرام» الذي هو صفتها، واستُشكِل، وأُجيب بأنَّه اضمحلَّ منه معنى (٣) الوصفيَّة وصار اسمًا، وسقط لفظ «الحرام» في رواية غير ابن عساكر، والجارُّ والمجرور الذي هو: «بالبلدة» في موضع رفعٍ أو نصبٍ -كما مرَّ- والمراد: مكَّة، وقِيلَ: إنَّها اسمٌ خاصٌّ لها، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ (٤) [النمل: ٩١] كذا قاله الزَّركشيُّ وغيره، لكن لا دلالة في الآية على ما ادَّعوه من الاختصاص، قاله في «المصابيح» (٥)، وقال التُّورِبشتيُّ: وجه تسميتها بالبلدة -وهي تقع على سائر البلاد (٦) - أنَّها البلدة الجامعة للخير المستحقَّة أن تُسمَّى بهذا الاسم لتفوُّقها سائر مُسمَّيات أجناسها تفوُّقَ (٧) الكعبةِ في تسميتها بالبيت سائر مُسمَّيات أجناسها، حتَّى كأنَّها هي المحلُّ المستحقُّ للإقامة بها، وقال ابن جنِّي: من عادة العرب أن يوقعوا على الشَّيء الذي يخصُّونه بالمدح اسم الجنس، ألا تراهم كيف سمَّوا الكعبة: بالبيت، وكتاب سيبويه: بالكتاب.

стр. 3958

(قُلْنَا: بَلَى، قَالَ) ﵊: (فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ) زاد في الرِّواية السَّابقة [خ¦١٧٣٩]: «وأعراضكم» (عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ) بجرِّ «يومِ» من غير تنوينٍ، ويجوز فتحه وكسره مع التَّنوين، والأوَّل: هو المرويُّ، وشبَّه الأموال والدِّماء والأعراض في الحرمة باليوم وبالشَّهر وبالبلد لاشتهار الحرمة فيها عندهم، وإلَّا فالمُشبَّه إنَّما يكون دون المُشبَّه به، ولهذا قدَّم السُّؤال عنها مع شهرتها لأنَّ تحريمها أثبت في نفوسهم (١)؛ إذ هي عادة سلفهم، وتحريم الشَّرع طارئٌ، وحينئذٍ فإنَّما شبَّه بما هو أعلى منه باعتبار ما هو مُقرَّرٌ عندهم، وقد سبق هذا في «باب العلم» [خ¦٦٧] وذُكِر هنا لبُعْد العهد به (أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ قَالُوا: نَعَمْ) بلَّغتَ (قَالَ) ﵊: (اللَّهُمَّ؛ اشْهَدْ) أنِّي أدَّيت ما أوجبته عليَّ من التَّبليغ (فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ) الحاضرُ هذا المجلسَ (الغَائِبَ) عنه ما ذُكِر فيه، أو جميع الأحكام التي سمعها، ولأبي ذرٍّ: «وليبلِّغ» بالواو بدل (٢) الفاء (فَرُبَّ مُبَلَّغٍ) بفتح اللَّام المُشدَّدة اسم مفعولٍ: بَلَغَه كلامي بواسطةٍ (أَوْعَى) أَحْفَظُ وأفهمُ لمعنى كلامي (مِنْ سَامِعٍ) سمعه منِّي، قال النَّوويُّ: وفيه تصريحٌ بوجوب نقل العلم على الكفاية، وإشاعة السُّنن والأحكام، وقال المُهلَّب: فيه أنَّه يأتي في آخر الزمان من يكون له من الفهم في العلم ما ليس لمن تقدَّم إلَّا أنَّ ذلك يكون في الأقلِّ لأنَّ «رُبَّ» موضوعةٌ للتَّقليل. انتهى. وفيه شيءٌ، فقد قال ابن هشامٍ في «مغنيه»: وليس معناه التَّقليل دائمًا خلافًا للأكثرين، ولا التَّكثير (٣) دائمًا خلافًا لابن درستويه وجماعةٌ، بل تَرِدُ للتَّكثير كثيرًا، وللتَّقليل قليلًا؛ فمن الأوَّل: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢] وفي الحديث [خ¦١١٢٦]: «يا رُبَّ كاسيةٍ في الدُّنيا عاريةٍ يوم القيامة»، وقال (٤) الشَّاعر: فيا رُبَّ يومٍ قد لهوتُ وليلةٍ … بآنِسةٍ كأنَّها خَطُّ تِمثالِ وتوجيه ذلك: أنَّ الآية والحديث مسوقان للتَّخويف، والبيت مسوقٌ للافتخار، ولا

стр. 3959

يناسب واحدٌ منها التَّقليل، ومن الثَّاني: قول أبي طالبٍ في النَّبيِّ ﷺ : وأبيضَ يُستسقى الغمامُ بوجهه … ثِمَالُ اليتامى، عصمةٌ للأراملِ انتهى. لكنَّ الظَّاهر: أنَّ المراد بها هنا في حديث الباب: التَّقليل؛ بدليل قوله في الرِّواية السَّابقة في «العلم» [خ¦٦٧]: «عسى أن يبلِّغ من هو أوعى له منه» (فَلَا) بالفاء، ولأبي الوقت: «ولا» (تَرْجِعُوا) أي: لا تصيروا (بَعْدِي كُفَّارًا) أي: كالكفَّار (يَضْرِبُْ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) برفع «يضرب»، ويجوز جزمه كما مرَّ في الحديث السابق (١) [خ¦١٧٣٩]. وفي هذا (٢) الحديث: رواية ثلاثةٍ من التَّابعين؛ وهم: محمَّد بن سيرين، وعبد الرَّحمن بن أبي بكرة، وحُمَيد بن عبد الرَّحمن، وفيه: التحديث والإخبار والعنعنة والقول، ويأتي إن شاء الله تعالى في «التَّفسير» [خ¦٤٦٦٢] و «بدء الخلق» [خ¦٣١٩٧] و «الفتن» [خ¦٧٠٧٨]. ١٧٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السَّلميُّ الواسطيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ) محمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر ابن الخطَّاب (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) جدِّ محمَّد بن زيدٍ (¬﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) حال كونه (بِمِنًى) أي: فيها في خطبته التي خطبها يوم النَّحر: (أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟) برفع «أيُّ»،

стр. 3960

والجملة مقول القول (قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) بذلك (فَقَالَ) ﵊، ولأبي الوقت: «قال»: (فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ حَرَامٌ) حرَّم الله فيه القتل (أَفَتَدْرُونَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟) بالتَّذكير (قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) ﵊: إنَّه (بَلَدٌ حَرَامٌ) بالتَّذكير، لا يجوز فيه القتل (أَفَتَدْرُونَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) ﵊: إنَّه (١) (شَهْرٌ حَرَامٌ) يحرم فيه القتل (قَالَ) ﵊: (فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا) يوم النَّحر (فِي شَهْرِكُمْ هَذَا) ذي الحجَّة (فِي بَلَدِكُمْ هَذَا) مكَّة. وفي هذا الحديث -كسابقه- من الفوائد: مشروعيَّة ضرب المثل وإلحاق النَّظير بالنَّظير ليكون أوضح للسَّامع، وجواز تحمُّل الحديث لمن لم يفهم معناه ولا فقهه إذا ضبط ما يحدِّث به، وجواز وصفه بكونه من أهل العلم بذلك، وأخرجه البخاريُّ أيضًا في «الدِّيات» [خ¦٦٨٦٨] و «الفتن» [خ¦٧٠٧٧] و «الأدب» [خ¦٦٠٤٣] و «الحدود» [خ¦٦٧٨٥] و «المغازي» [خ¦٤٤٠٦]، ومسلمٌ في «الإيمان». (وَقَالَ هِشَامُ بْنُ الغَازِ) بفتح الغين المعجمة وتخفيف الزَّاي من الغزو؛ بحذف الياء (٢) وإثباتها، ابن ربيعة الجُرَشيُّ؛ بضمِّ الجيم وفتح الرَّاء وبالمعجمة (٣)، ممَّا وصله ابن ماجه ولفظه (٤): حدَّثنا المُؤمَّل بن الفضل (٥) عن الوليد بن مسلم عن هشام بن الغاز قال: حدَّثنا نافعٌ عن ابن عمر: أنَّ رسول الله ﷺ وقف يوم النَّحر في الحجَّة التي حجَّ فيها، فقال: «أيُّ يومٍ هذا؟» فقالوا: يوم النَّحر، فقال: «هذا يوم الحجِّ الأكبر» ورواه ابن ماجه وغيره (أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي الوقت: «أخبرنا» (نَافِعٌ) مولى ابن عمر بن الخطَّاب (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) قال: (وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الجَمَرَاتِ) بفتح الجيم والميم، جمع جمرةٍ، وفيه: تعيين

стр. 3961

موضع وقوفه ﵊ كما أنَّ في الرِّواية السَّابقة تعيين الزَّمان كحديثي ابن عبَّاسٍ [خ¦١٧٣٩] [خ¦١٧٤٠] تعيين اليوم كتعيين الوقت منه في رواية رافع بن عمرٍو المزنيِّ عند أبي داود والنَّسائيِّ، ولفظه: رأيت النَّبيَّ (١) ﷺ يخطب النَّاس بمنًى حين ارتفع الضُّحى (فِي الحَجَّةِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «في حجَّته» (الَّتِي حَجَّ) وللطَّبرانيِّ: في حجِّة الوداع (بِهَذَا) قال البرماويُّ -كالكِرمانيِّ-: أي (٢): وقف متلبِّسًا بهذا الكلام المذكور. واستغربه الحافظ ابن حجرٍ، وقال: بهذا، أي: بالحديث الذي تقدَّم من طريق محمَّد بن زيدٍ عن جدِّه، قال: وأراد المصنِّف بذلك أصل الحديث، وقيل (٣): معناه، لكنَّ السِّياق مختلفٌ؛ فإنَّ في طريق محمَّد بن زيدٍ أنَّهم أجابوا بالتَّفويض، وفي هذا عند ابن ماجه وغيره في أجوبتهم: قالوا: يوم النَّحر، قالوا: بلدٌ حرامٌ، قالوا: شهرٌ حرامٌ. انتهى. واعترضه العينيُّ بأنَّ في الطَّريقين اختلافًا؛ يعني: التَّفويض والجواب بيوم النَّحر، قال: وكأنَّ في طريق هشامٍ ورد الطَّريقان المذكوران: التَّفويض والجواب، وفي تعليق البخاريِّ عنه اللَّفظ: هو التَّفويض؛ فلذلك فسَّر الكِرمانيُّ لفظة: «بهذا» بقوله: وقف متلبِّسًا بهذا الكلام المذكور، وأراد بالكلام المذكور (٤) التَّفويض، قال: وهذا هو الوجه، فلا يُنسَب إلى الاستغراب لأنَّ الباء في: «بهذا» تتعلَّق بقوله: وقف النَّبيُّ ﷺ ، ومن تأمَّل سرَّ التَّراكيب لم يَزِغ عن طريق الصَّواب. انتهى. (وَقَالَ) ﵊: (هَذَا) أي: يوم النَّحر (يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ) واختُلِف في المراد بالحجِّ الأصغر؛ فالجمهور: على أنَّه العمرة، وصل ذلك عبد الرَّزَّاق من طريق عبد الله بن شدَّادٍ أحد كبار التَّابعين، ووصله الطَّبريُّ عن جماعةٍ؛ منهم عطاءٌ والشَّعبيُّ، وقِيل: يوم الحجِّ الأصغر:

стр. 3962

يوم عرفة، ويوم الحجِّ الأكبر: يوم النَّحر لأنَّه فيه تتكمَّل بقيَّة المناسك، وعن مجاهدٍ: الأكبر: القِرَان، والأصغر: الإفراد، والذي تحصَّل من اختلافهم في يوم الحجِّ الأكبر خمسة أقوالٍ: أحدها: أنَّه يوم النَّحر، رواه التِّرمذيُّ مرفوعًا وموقوفًا، ورواه أبو داود عن ابن عمر مرفوعًا -كما مرَّ- وهو قول عليٍّ وعبد الله بن أبي أوفى والشَّعبيِّ، الثَّاني: أنَّه يوم عرفة، رواه ابن مردويه في «تفسيره» من رواية ابن جريحٍ: عن محمَّد بن قيسٍ عن المسور بن مخرمة قال: خطبنا رسول الله ﷺ وهو بعرفاتٍ، فحمد الله وأثنى عليه، ثمَّ قال: «أمَّا بعد؛ فإنَّ هذا اليوم الحجُّ الأكبر» وتُؤوِّل على معنى: أنَّ الوقوف هو المهمُّ من أفعاله لأنَّ الحجَّ يفوت بفواته، الثَّالث: أنَّه أيَّام الحجِّ كلِّها، قاله الثَّوريُّ، وقد يُعبَّر عن الزَّمان باليوم كقولهم: يوم بُعَاثٍ ويوم الجمل ويوم صِفِّين، الرَّابع: أنَّ الأكبر: القِران، والأصغر: الإفراد، قاله مجاهدٌ كما مرَّ، الخامس: حجُّ أبي بكرٍ ﵁ بالنَّاس، رواه ابن مردويه في «تفسيره» من رواية الحسن عن سمرة بلفظ: قال رسول الله ﷺ : «يوم الحجِّ الأكبر يوم حَجَّ أبو (١) بكرٍ الصِّدِّيق ﵁ بالنَّاس»، وقد استنبط حميد بن عبد الرَّحمن من قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣] ومن مناداة أبي هريرة بذلك بأمر الصِّدِّيق يوم النَّحر: أنَّ يوم الحجِّ الأكبر هو يوم النَّحر. (فَطَفِقَ) أي: جعل أو شرع (النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ) جملةٌ وقعت خبرًا لطفق (وَوَدَّعَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «فودَّع» (النَّاسَ) بفاء العطف بدل واوه لأنَّه ﵊ علم أنَّه لا يتَّفق له بعد هذا وقفةٌ أخرى ولا اجتماعٌ آخر مثل ذلك، وسبب ذلك: أنَّه أُنزِلت عليه ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] في وسط أيَّام التَّشريق، وعرف أنَّه الوداع، فأمر براحلته القصواء (٢) فرُحِلت له، فركب عليها فوقف (٣) بالعقبة واجتمع النَّاس إليه … الحديثَ. ورواه البيهقيُّ بسندٍ فيه ضعفٌ (فَقَالُوا) أي: الصَّحابة: (هَذِهِ) الحجَّة (حَجَّةُ الوَدَاعِ) بفتح الواو، قال في «الصِّحاح»:

стр. 3963

التَّوديع عند الرَّحيل، والاسم: الوَداع؛ بالفتح وقال في «القاموس»: وهو تخليف المسافر النَّاس خافضين، وهم يودِّعونه إذا سافر تفاؤلًا بالدَّعة التي يصير إليها إذا قفل، أي: يتركونه وسفره. (١٣٣) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين: (هَلْ يَبِيتُ أَصْحَابُ السِّقَايَةِ) سقاية العبَّاس أو غيرها (أَوْ غَيْرُهُمْ) ممَّن له عذرٌ من مرضٍ أو شغلٍ كالحطَّابين والرِّعاء (بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى؟) بنصب «لياليَ» على الظَّرفيَّة، والباء في «بمكَّة» تتعلَّق (٢) بقوله: «يبيت». ١٧٤٣ - ١٧٤٤ - ١٧٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ) بتصغير: «عبد»، المعروف بابن أبي عبادٍ، القرشيُّ التَّيميُّ مولاهم المدنيُّ، وقيل: الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ) الهمدانيُّ الكوفيُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بن عمر العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر بن الخطَّاب (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) قال: (رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي (٣): في البيتوتة ليالي منًى بمكَّة لأهل السِّقاية، فالمفعول محذوفٌ، واقتصر عليه ليحيل على ما بعده، ولفظه عند الإسماعيليِّ من طريق إبراهيم بن موسى عن عيسى بن يونس المذكور: أنَّ رسول الله ﷺ رخَّص للعبَّاس أن يبيت بمكَّة أيَّام منًى من أجل سقايته. وقد أخرج المؤلِّف هذا الحديث في «باب سقاية العبَّاس» [خ¦١٦٣٤].

стр. 3964

وبه قال: (حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ مُوسَى) البلخيُّ المُلقَّب بخَتٍّ؛ بفتح الخاء المعجمة وتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة، قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) البرسانيُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) العمريُّ (٢) (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ) كذا اقتصر عليه أيضًا، وأحال به على ما بعده، ولفظه عند أحمد في «مُسنَده» عن محمَّد بن (٣) بكرٍ البرسانيِّ: أذن للعبَّاس بن عبد المطَّلب أن يبيت بمكَّة ليالي منًى من أجل السِّقاية. وبه قال: «ح»: ((٤) حَدَّثَنَا) ولأبي الوقت: «وحدَّثني» بالواو والإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) بضمِّ النُّون وفتح الميم الهَمْدانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) عبدُ الله قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) العمريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ العَبَّاسَ ﵁ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ﷺ لِيَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ) المعروفة بالمسجد الحرام (فَأَذِنَ) ﵊ (لَهُ) في المبيت. (تَابَعَهُ) أي: تابع محمَّدَ بن عبد الله بن نُمَيرٍ (أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة اللَّيثيُّ، فيما أخرجه مسلمٌ (وَعُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ) أبو مسعودٍ السَّكونيُّ ممَّا أخرجه ابن أبي شيبة في «مُسنَده» عنه (وَأَبُو ضَمْرَةَ) بفتح الضَّاد المعجمة وسكون الميم أنس بن عياضٍ، ممَّا أخرجه المؤلِّف في «باب سقاية الحاجِّ» [خ¦١٦٣٤] قال في «الفتح»: والنُّكتة في استظهار البخاريِّ بهذه المتابعات بعد إيراده له من ثلاث طرقٍ لشكٍّ وقع في رواية يحيى بن سعيدٍ القطَّان في وصله، فقد أخرجه أحمد عن يحيى عن (٥) عبيد الله عن نافعٍ قال: ولا أعلمه إلَّا عن ابن عمر، قال الإسماعيليُّ: وقد وصله أيضًا بغير شكٍّ موسى بن عقبة والدَّراورديُّ وعليُّ بن مسهرٍ ومحمَّد ابن فليحٍ، كلُّهم عن عبيد الله، وأرسله ابن المبارك عن عبيد الله، قال الحافظ ابن حجرٍ: والظَّاهر: أنَّ عبيد الله ربَّما كان يشكُّ في وصله

стр. 3965

بدليل رواية يحيى بن سعيدٍ القطَّان، وكأنَّه كان في أكثر أحواله يجزم بوصله بدليل رواية الجماعة. انتهى. وفي الحديث: دليلٌ على وجوب المبيت ليالي أيَّام التَّشريق بمنًى لأنَّه ﷺ رخَّص للعبَّاس في ترك المبيت لأجل سقايته، فدلَّ على أنَّه لا يجوز لغيره لأنَّ التَّعبير بالرُّخصة يقتضي أنَّ مقابلها عزيمةٌ، وأنَّ الإذن وقع للعلَّة المذكورة، وإذا لم توجد العلَّة المذكورة أو ما في معناها لم يحصل الإذن، وهذا مذهب الشَّافعيَّة، وقال به من الحنابلة صاحب «الرِّعايتين» و «الحاويين» والمراد: مبيت (١) معظم اللَّيل كما لو حلف لا يبيت بمكانٍ لا يحنث إلَّا بمبيته معظم اللَّيل، وإنَّما اكتفى بساعةٍ في نصفه الثَّاني بمزدلفة -كما سبق- لأنَّ نصَّ الشَّافعيِّ وقع فيها بخصوصها إذ بقيَّة المناسك يدخل وقتها بالنِّصف، وهي كثيرةٌ مُشِقَّةٌ (٢)، فسُومِح (٣) في التَّخفيف لأجلها، وفي قول الشَّافعيِّ (٤) وروايةٍ عن أحمد (٥): قال المرداويُّ: وهو الصَّحيح من المذهب، وقطع به ابن أبي موسى في «الإرشاد»، والقاضي في «الخلاف»، وابن عقيلٍ في «الفصول»، وأبو الخطَّاب في «الهداية»، وهو مذهب الحنفيَّة: أنَّه سنَّةٌ، واستدلُّوا بأنَّه لو كان واجبًا لما رخَّص ﵊ للعبَّاس فيه، ووجوب الدَّم بتركه مبنيٌّ على هذا الخلاف، فيجب بتركه دمٌ عند الشَّافعيَّة كنظيره في ترك مبيت مزدلفة (٦)، وفي ترك مبيت اللَّيلة الواحدة من ليالي منًى يجب مُدٌّ، واللَّيلتين مُدَّان من الطَّعام، وفي ترك الثَّلاث مع ليلة مزدلفة دمان لاختلاف المبيتين مكانًا، ويسقط المبيت بمنًى ومزدلفة والدَّم عن أهل السِّقاية، سواءٌ كانوا من آل العبَّاس أم من غيرهم مطلقًا، سواءٌ أخرجوا قبل الغروب أو بعده، ولو كانت السِّقاية مُحدَثةً كما صحَّحه النَّوويُّ ونقله الرَّافعيُّ عن البغويِّ، ونُقِل المنعُ عن ابن كجٍّ، قال في «المهمَّات»: والصَّحيح: المنع، فقد نقله صاحبا «الحاوي» و «البحر» وغيرهما عن نصِّ الشَّافعيِّ، وهو

стр. 3966

المشهور كما أشعر به كلام الرَّافعيِّ، وذكر الأذرعيُّ نحوه، وما صحَّحه النَّوويُّ -كما قال (١) الزَّركشيُّ- هو (٢) ما نصَّ عليه الشَّافعيُّ من إلحاق الخائف على نفسٍ (٣) أو نحوها كما (٤) يأتي قريبًا -إن شاء الله تعالى- قال في «الفتح»: والمعروف عن أحمد: اختصاص العبَّاس بذلك، وعليه اقتصر صاحب «المغني»، لكن قال في «التَّنقيح»: وإن دفع من مزدلفة غير سقاةٍ ورعاةٍ قبل نصف اللَّيل فعليه دمٌ إن لم يعد نصًّا إليها ليلًا ولو بعد نصفه. انتهى. ومقتضاه: العموم، وكذا يسقط المبيت بها (٥) والرَّمي عن الرِّعاء -بكسر الرَّاء والمدِّ- إن خرجوا منها قبل الغروب لأنَّه ﷺ رخَّص لرعاء الإبل أن يتركوا المبيت. رواه التِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ، وقِيس بمنًى مزدلفة، فإن لم يخرجوا قبل الغروب -بأن كانوا بهما بعده- لزمهم مبيت تلك اللَّيلة والرَّمي من الغد، وصورة الخروج قبل الغروب من مزدلفة: أن يأتيها قبل الغروب، ثمَّ يخرج منها حينئذٍ على خلاف العادة، وإنَّما لم يقيِّد الخروج قبل الغروب في حقِّ أهل السِّقاية أيضًا لأنَّ عملهم باللَّيل بخلاف الرَّعي، وألحق بأهل السِّقاية أيضًا الخائف على نفسٍ، أو مالٍ، أو فوت أمرٍ يطلبه؛ كآبقٍ، أو ضياع مريضٍ، وكذا من اشتغل بتدارك الحجِّ بأن انتهى إلى عرفة ليلة النَّحر، واشتغل بالوقوف بها عن مبيت مزدلفة لاشتغاله بالأهمِّ، وكذا من أفاض من عرفة إلى مكَّة ليطوف للإفاضة بعد نصف اللَّيل ففاته المبيت لاشتغاله بالطَّواف كاشتغاله بالوقوف، وقال المالكيَّة: ويلزم المبيت بمنًى لياليها الثَّلاث، والمتعجِّل ليلتين، وقال ابن حبيبٍ عن ابن الماجشون، وابن عبد الحكم عن مالكٍ: من أقام بمكَّة أكثر ليله (٦) ثمَّ أتى منًى فبات فيها باقي ليله فلا شيء عليه إلَّا أن يبيت ليلةً كاملةً فيلزمه (٧) الدَّم، ولو كان له عذرٌ من مرضٍ أو غيره لم يسقط عنه الدَّم، حكاه الباجي، وما حكاه عن ابن عبد الحكم وابن حبيبٍ خلاف ما في «المُدوَّنة»، والمشهور: لزوم الدَّم إذا بات بغير منًى جُلَّ ليله، وقال المرداويُّ من

стр. 3967

الحنابلة في «تنقيحه»: وفي ترك مبيت ليلةٍ دمٌ، وقال في «شرح المقنع»: فيه ما في حلق شعره؛ وهو مدٌّ من طعامٍ، قال: وهو إحدى الرِّوايات؛ لأنَّها ليست نسكًا بمفردها بخلاف المبيت بمزدلفة، قاله القاضي وغيره، وقال: لا تختلف الرِّواية أنَّه لا يجب دمٌ. (١٣٤) (بابُ) وقت (رَمْيِ الجِمَارِ) واحدها: جمرةٌ، وهي في الأصل: النَّار المتَّقدة والحصاة، وواحدة جمرات المناسك، وهي المرادة هنا، وهي ثلاثٌ: الجمرة الأولى والوسطى وجمرة العقبة، يُرمَين بالجمار، قاله في «القاموس»، وقال القَرافيُّ من المالكيَّة: الجمار: اسمٌ للحصى لا للمكان، والجمرة: اسمٌ للحصاة، وإنَّما سُمِّي الموضع جمرةً باسم ما جاوره؛ وهو اجتماع الحصى فيه، والأولى منها: هي التي إلى (١) مسجد الخيف أقرب، ومن بابِه الكبيرِ إليها ألفُ ذراعٍ ومئتا ذراعٍ وأربعةٌ وخمسون ذراعًا وسُدُسُ ذراعٍ، ومنها إلى الجمرة الوسطى مئتا ذراعٍ وخمسةٌ وسبعون ذراعًا، ومن الوسطى إلى جمرة العقبة مئتا ذراعٍ وثمانية أذرعٍ، كلُّ ذلك بذراع الحديد. (وَقَالَ جَابِرٌ) هو ابن عبد الله الأنصاريُّ، ممَّا وصله مسلمٌ: (رَمَى النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: رمى (٢) جمرة العقبة (يَوْمَ النَّحْرِ ضُحىً) بالتَّنوين على أنَّه مصروفٌ (٣)، وهو مذهب نحاة البصرة، سواءٌ قصد التَّعريف أو التَّنكير، قال في «الصِّحاح»: تقول: لقيته ضحًى، وضحَى إذا أردت به ضحى يومك لم تنوِّنه، وقال في «القاموس»: الضَّحْوُ والضَّحوة والضَّحِيَّة كـ «عشيَّةٍ»: ارتفاع النَّهار، والضُّحى: فُوَيقه، ويُذكَّر ويُصغَّر (٤): ضُحَيًّا؛ بلا هاءٍ، والضَّحاء بالمدِّ: إذا قَرُبَ (٥) انتصاف النهار، وبالضَّمِّ والقصر: الشَّمس، وأتيتُك ضحوةً: ضُحًى، وأضحى: صار فيها. انتهى. ويدخل وقت الرَّمي يوم النَّحر بنصف ليلة النَّحر لما روى أبو داود بإسنادٍ

стр. 3968

صحيحٍ على شرط مسلمٍ عن عائشة ﵂: أنَّه ﷺ أرسل أمَّ سلمة ليلة النَّحر، فرمت قبل الفجر، ثمَّ أفاضت. ويبقى وقت الرَّمي إلى آخر يوم النَّحر (وَرَمَى) ﵊ (بَعْدَ ذَلِكَ) الجمار أيَّام التَّشريق (بَعْدَ الزَّوَالِ) ويمتدُّ وقته المختار إلى الغروب، ويُندَب تقديمه على صلاة الظُّهر كما في «المجموع» عن الأصحاب، ولا يجوز تقديمه على الزَّوال. ١٧٤٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بميمٍ مكسورةٍ فسينٍ ساكنةٍ فعينٍ مفتوحةٍ -مهملتين- فراءٍ ابن كِدَامٍ (عَنْ وَبَرَةَ) بالواو والمُوحَّدة والرَّاء المفتوحات، ابن عبد الرَّحمن المُسْلي؛ بضمِّ الميم وسكون السِّين المهملة بعدها لامٌ (قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄: مَتَى أَرْمِي الجِمَارَ؟) أيَّام التَّشريق غير يوم النَّحر (قَالَ: إِذَا رَمَى إِمَامُكَ) يعني: أمير الحاجِّ (فَارْمِهْ) بهاءٍ ساكنةٍ للسَّكت (١) والهمزة وصل، وزاد ابن عيينة عن مِسْعَرٍ بهذا الإسناد: فقلت له: أرأيت إن أخَّر إمامي، أي: الرَّمي، أخرجه ابن أبي عمر في «مسنده» عنه ومن طريقه الإسماعيليُّ، قال وبرة: (فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ) أي: على ابن عمر (المَسْأَلَةَ، قَالَ: كُنَّا نَتَحَيَّنُ) بوزن «نتفعَّل» من الحين وهو الزَّمان، أي: نراقب الوقت (فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا) أي: الجمار الثَّلاث في أيَّام التَّشريق، وكأنَّ ابن عمر خاف على وبرة أن يخالف الأمير فيحصل له منه ضررٌ، فلمَّا أعاد عليه المسألة لم يسعه الكتمان، فأعلمه بما كانوا يفعلونه في زمن النَّبيِّ ﷺ ، ويُشترَط أن يبدأ بالجمرة الأولى ثمَّ الوسطى ثمَّ جمرة العقبة للاتِّباع، رواه البخاريُّ [خ¦١٧٥١] [خ¦١٧٥٢] [خ¦١٧٥٣] كما سيأتي مع قوله ﵊: «خذوا عنِّي مناسككم»،

стр. 3969

ولأنَّه نسكٌ متكرِّرٌ فيُشترَط فيه التَّرتيب؛ كما في السَّعي، فلا يعتدُّ برمي الثَّانية قبل تمام الأولى، ولا بالثَّالثة قبل تمام الأوليين، وقال الحنفيَّة: بسقوط التَّرتيب، فلو بدأ بجمرة العقبة ثمَّ بالوسطى ثمَّ بالتي تلي مسجد الخيف جاز لأنَّ كلَّ جمرةٍ قربةٌ بنفسها، فلا يكون بعضها تابعًا للآخر. انتهى. وإذا ترك رمي يوم النَّحر ورمي أيَّام التَّشريق ولو سهوًا لزمه دمٌ. ورواة هذا الحديث كلُّهم كوفيُّون، وأخرجه أبو داود. (١٣٥) (بابُ رَمْيِ الجِمَارِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي) أي: جمار العقبة يوم النَّحر، وجمرة العقبة: هي أسفل الجبل على يمين (١) السَّائر إلى مكَّة. ١٧٤٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة العبديُّ البصريُّ، قال ابن معينٍ: لم يكن بالثِّقة، وقال أبو حاتمٍ: صدوقٌ، ووثَّقه أحمد ابن حنبل، وروى عنه البخاريُّ ثلاثة أحاديث؛ في: «العلم» [خ¦٩٠] و «البيوع» [خ¦٢٠٥١] و «التَّفسير» [خ¦٤٦٢٦] وقد تُوبِع عليها قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ) النَّخعيِّ (قَالَ: رَمَى عَبْدُ اللهِ) أي: ابن مسعودٍ ﵁ جمرةَ العقبة (مِنْ بَطْنِ الوَادِي) فتكون مكَّة عن (٢) يساره وعرفة عن (٣) يمينه، ويكون مستقبل الجمرة، ولفظ التِّرمذيِّ: لمَّا أتى عبد الله جمرة العقبة استبطن الوادي (فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هي كنية عبد الله بن مسعودٍ: (إِنَّ نَاسًا يَرْمُونَهَا) أي: جمرة العقبة يوم النَّحر (مِنْ فَوْقِهَا، فَقَالَ) ابن مسعودٍ: (وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ ﷺ ¬) بفتح ميم «مَقام» اسم مكانٍ من قام

стр. 3970

يقوم، أي: هذا موضع قيام النَّبيِّ ﷺ ، وخصَّ سورة البقرة لمناسبتها للحال لأنَّ معظم المناسك مذكورٌ فيها، خصوصًا ما يتعلَّق بوقت الرَّمي؛ وهو قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وهو من باب التَّلميح، فكأنَّه قال: مِن هنا رمى مَنْ أُنزِلت عليه (١) أمور المناسك وأخذ عنه أحكامها، وهو أَولى وأحقُّ بالاتِّباع ممَّن رمى الجمرة من فوقها. (وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الوَلِيدِ) العدنيُّ ممَّا وصله ابن منده قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشُ) وفي نسخةٍ -وهي التي في الفرع وأصله لا غير-: «حدَّثنا الأعمش» (بِهَذَا) الحديث المذكور عن ابن مسعودٍ، وفائدة ذكر هذا بيان سماع سفيان الثَّوريِّ له من الأعمش. ورواة هذا الحديث كلُّهم كوفيُّون إلَّا شيخه فبصريٌّ، وسفيان مكِّيٌّ، وفيه: رواية الرَّجل عن خاله لأنَّ عبد الرَّحمن خال إبراهيم، وفيه: ثلاثةٌ من التَّابعين يروي بعضهم عن بعضٍ؛ الأعمش وإبراهيم وعبد الرَّحمن، وأخرجه المؤلِّف أيضًا عن مُسدَّدٍ [خ¦١٧٥٠] وعن حفص بن عمر [خ¦١٧٤٨]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الحجِّ». (١٣٦) (بابُ رَمْيِ الجِمَارِ) الثَّلاث (بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ: ذَكَرَهُ) أي: السَّبع (ابْنُ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) في حديثه الآتي قريبًا إن شاء الله تعالى موصولًا في «باب إذا رمى الجمرتين» [خ¦١٧٥١]. ١٧٤٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ) بفتحتين، ابن عُتَيْبَة؛ بضمِّ العين وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون التَّحتيَّة وفتح المُوحَّدة

стр. 3971

(عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ) خال (١) إبراهيم المذكور (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود (¬﵁: أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى الجَمْرَةِ الكُبْرَى) وهي جمرة العقبة (جَعَلَ البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ) واستقبل الجمرة (وَرَمَى) الجمرة (بِسَبْعٍ) من الحصيات، فلا يجزئ بستٍّ، وهذا قول الجمهور خلافًا لعطاءٍ في الإجزاء بالخَمْسِ، ومجاهدٍ بالسِّتِّ، وبه قال أحمد لحديث النَّسائيِّ عن سعد بن مالكٍ قال: رجعنا في الحجَّة مع النَّبيِّ ﷺ وبعضنا يقول: رميت بسبعٍ، وبعضنا يقول: رميت بستٍّ، فلم يَعِبْ بعضهم على بعضٍ، وحديث أبي داود والنَّسائيِّ أيضًا عن أبي مِجْلَزٍ قال: سألت ابن عبَّاسٍ عن شيءٍ من أمر الجمار، قال: ما (٢) أدري رماها رسول الله ﷺ بستٍّ أو بسبعٍ، وأُجيب بأنَّ حديث سعدٍ (٣) ليس بمسندٍ، وحديث ابن عبَّاسٍ ورد على الشَّكِّ، وشكُّ الشَّاكِّ لا يقدح في جزم الجازم، وحصى الرَّمي جميعه سبعون حصاةً، لرمي يوم النَّحر سبعٌ، ولكلِّ يومٍ من أيَّام التَّشريق إحدى وعشرون، لكلِّ جمرةٍ سبعٌ، فإن نفر في اليوم الثَّاني قبل الغروب سقط رمي اليوم الثَّالث، وهو إحدى وعشرون حصاةً، ولا دم عليه ولا إثم، فيطرحها، وما يفعله النَّاس من دفنها لا أصل له، وهذا مذهب الأئمَّة الأربعة، وعليه أصحاب أحمد، لكن رُوِي (٤) عنه: أنَّها ستُّون، فيرمي كلَّ جمرةٍ بستَّةٍ، وعنه أيضًا: خمسون، فيرمي كلَّ جمرةٍ بخمسةٍ، وإذا ترك رمي يومٍ أو يومين عمدًا أو سهوًا تداركه في باقي الأيَّام، فيتدارك الأوَّل في الثَّاني أو الثَّالث، والثَّاني أو الأوليين في الثَّالث، ويكون ذلك أداءً، وفي قولٍ: قضاءً لمجاوزته للوقت المضروب له، وعلى الأداء يكون الوقت المضروب وقت اختيارٍ؛ كوقت الاختيار للصَّلاة، وجملة الأيَّام في حكم الوقت الواحد، ويجوز تقديم رمي التَّدارك على (٥) الزَّوال،

стр. 3972

ويجب التَّرتيب بينه وبين رمي يوم التَّدارك بعد الزَّوال (١)، وعلى القضاء: لا يجب التَّرتيب بينهما، ويجوز التَّدارك باللَّيل لأنَّ القضاء لا يتأقَّت، وقِيلَ: لا يجوز لأنَّ الرَّمي عبادة النَّهار كالصَّوم، ذكره كلَّه الرَّافعيُّ في «الشَّرح»، وتبعه في «الرَّوضة» و «المجموع»، وحَكَىَ في «الشَّرح الصغير» عن القاضي (٢) وجهين في التَّدارك قبل الزَّوال: أصحُّهما: المنع لأنَّ ما قبل الزَّوال لم يُشرَع فيه رميٌ قضاءً ولا أداءً، قال: ويجري (٣) الوجهان في التَّدارك ليلًا، وإن جعلناه أداءً ففيما قبل الزَّوال واللَّيل الخلاف، قال الإمام: والوجه: القطع بالمنع، فإنَّ تعيين الوقت بالأداء أليق، ولا دم مع التَّدارك، وفي قولٍ: يجب، وإن لم يتدارك المتروك فعليه دمٌ في ترك (٤) يومٍ، وكذا في اليومين والثَّلاثة لأنَّ الرَّمي فيها كالشَّيء الواحد، ولو ترك رمي ثلاث حصيَّاتٍ لزمه دمٌ كما يجب في حلق ثلاث شعراتٍ لمُسمَّى الجمع، وفي الحصاة: مُدُّ طعامٍ، والحصاتين: مُدَّان لعسر تبعيض الدَّم (وَقَالَ) أي (٥): ابن مسعودٍ: (هَكَذَا رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ ﷺ ¬). (١٣٧) (بابُ مَنْ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ فَجَعَلَ) بالفاء، ولأبي الوقت: «وجعل» (البَيْتَ) الحرام (عَنْ يَسَارِهِ). ١٧٤٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا الحَكَمُ) بن عُتَيبة (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ) خاله (عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ) النَّخعيِّ (أَنَّهُ حَجَّ

стр. 3973

مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فَرَآهُ يَرْمِي (١) الجَمْرَةَ الكُبْرَى) جمرة العقبة (بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، فَجَعَلَ) بالفاء، ولأبي الوقت: «وجعل» (البَيْتَ) الحرام (عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ) (٢) أي: النَّبيُّ ﷺ ، وهذا إنَّما يُندَب في رمي يوم النَّحر، أمَّا رمي أيَّام التَّشريق فمن فوقها، وقد امتازت جمرة العقبة عن الجمرتين الأخريين بأربعة أشياء: اختصاصها بيوم النَّحر، وألَّا يُوقَف عندها، وتُرمَى ضحًى، ومن أسفلها استحبابًا، وقد اتَّفقوا على أنَّه من حيث رماها جاز، سواء استقبلها أو جعلها عن يمينه أو (٣) يساره أو من فوقها أو من أسفلها أو وسطها، والاختلاف في الأفضل. وفي الحديث: جواز أن يُقال: سورة البقرة وسورة آل عمران ونحو ذلك، وهو قول كافَّة العلماء إلَّا ما حُكِي عن بعض التَّابعين من كراهة ذلك، وأنَّه ينبغي أن يُقال: السُّورة التي يُذكَر فيها كذا. (١٣٨) هذا (٤) (بابٌ) بالتَّنوين (يُكَبِّرُ) الحاجُّ إذا رمى الجمرات الثَّلاث في يوم النَّحر وغيره (مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، قَالَهُ) أي: التَّكبير مع كلِّ حصاةٍ (ابْنُ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) (٥) كما سيأتي (٦) في «باب إذا رمى الجمرتين» [خ¦١٧٥١].

стр. 3974

١٧٥٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (عَنْ عَبْدِ الوَاحِدِ) بن زيادٍ البصريِّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ: سَمِعْتُ الحَجَّاجَ) بن يوسف الثَّقفيَّ نائب عبد الملك بن مروان، حال كونه (يَقُولُ عَلَى المِنْبَرِ: السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا البَقَرَةُ، وَالسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا آلُ عِمْرَانَ، وَالسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا النِّسَاءُ) ولم يقل: سورة البقرة وسورة آل عمران وسورة النِّساء، وللنَّسائيِّ: «لا تقولوا سورة البقرة، قولوا: السُّورة التي يُذكَر (١) فيها البقرة». (قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ) الذي سمعته من الحجَّاج (لإِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ استيضاحًا للصَّواب، لا قصدًا للرِّواية عن الحَجَّاج لأنَّه لم يكن أهلًا لذلك (فَقَالَ) إبراهيم: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ: أَنَّهُ كَانَ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ حِينَ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ، فَاسْتَبْطَنَ الوَادِيَ) أي: دخل في بطنه (حَتَّى إِذَا حَاذَى بِالشَّجَرَةِ) التي كانت هناك، أي: قابلها، والباء: زائدةٌ، وذال «حاذى» (٢) معجمةٌ (اعْتَرَضَهَا) أتاها من عرضها (فَرَمَى) أي: الجمرة، وفي نسخةٍ: «فرماها» (بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ) ولابن عساكر: «سبع» بإسقاط حرف الجرِّ (يُكَبِّرُمَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ قَالَ) أي (٣): ابن مسعودٍ: (مِنْ هَهُنَا) من بطن الوادي (-وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ- قَامَ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ ﷺ ¬) وكيفيَّة التَّكبير أن يقول: الله أكبر الله أكبر لاإله إلَّا الله، والله أكبر ولله الحمد، نقله الماورديُّ عن الشَّافعيِّ. (١٣٩) (بابُ مَنْ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ وَلَمْ يَقِفْ) عندها (قَالَهُ) أي: عدم الوقوف عند جمرة العقبة (ابْنُ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) في الحديث الآتي في الباب التَّالي (٤) إن شاء الله تعالى [خ¦١٧٥١].

стр. 3975

(١٤٠) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا رَمَى) الحاجُّ (الجَمْرَتَيْنِ) الأولى التي تلي مسجد الخيف والوسطى (يَقُومُ) أي: يقف عندهما طويلًا بقدر سورة البقرة في الأولى كما رواه البيهقيُّ من فعل ابن عمر، وكذا بعد رمي الثَّانية (ويُسْهِلُ) بضمِّ أوَّله وسكون السِّين المهملة وكسر الهاء مضارع «أسهل» أي: يقصد السَّهل من الأرض، فينزل إليه من بطن الوادي، حال كونه (مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ) وفي رواية أبي ذرٍّ: «يقوم مستقبل القبلة ويُسهِل» بالتَّقديم والتَّأخير. ١٧٥١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: «حدَّثني» بالإفراد (عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) أخو أبي بكرٍ قال: (حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى) بن النُّعمان الزُّرقيُّ الأنصاريُّ المدنيُّ نزيل بغداد، وثَّقه ابن معينٍ، وقال أحمد: مقارب الحديث، وقال أبو حاتمٍ: ليس بالقويِّ، وقال يعقوب بن (٢) شيبة: ضعيفٌ جدًّا. انتهى. لكن ليس له في البخاريِّ إلَّا هذا الحديث بمتابعة سليمان بن بلالٍ، كلاهما عن يونس بن يزيد؛ كما يأتي في الباب التَّالي -إن شاء الله تعالى-[خ¦١٧٥٢] قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ سَالِمٍ) هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الجَمْرَةَ الدُِّنْيَا) بضمِّ الدَّال -وهو الذي في «اليونينيَّة» فقط (٣) - وكسرها، أي: القريبة إلى جهة مسجد الخيف (بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ) من السَّبع، و «إِثْر»: بكسر الهمزة وسكون المُثلَّثة، أي: عقب كلِّ

стр. 3976

حصاةٍ (ثُمَّ يَتَقَدَّمُ) عنها (حَتَّى يُسْهِلَ) ينزل إلى السَّهل من بطن الوادي بحيث لا يصيبه المتطاير من الحصى الذي يرمي به (فَيَقُومَ) بالنَّصب حال كونه (مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ) مستدبر الجمرة (فَيَقُومُ) بالرَّفع (طَوِيلًا) وفي رواية سليمان بن بلالٍ [خ¦١٧٥٢]: «قيامًا طويلًا» فزاد: قيامًا (وَيَدْعُو) بقدر سورة البقرة -رواه البيهقيُّ- مع حضور قلبه وخشوع جوارحه (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) في الدُّعاء (ثُمَّ يَرْمِي) الجمرة (الوُسْطَى، ثُمَّ يَأْخُذُ) عنها (ذَاتَ الشِّمَالِ) بكسر الشِّين المعجمة، أي: يمشي إلى جهة شماله، ولأبي الوقت: «بذات» بزيادة المُوحَّدة (فَيَسْتَهِلُ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وسكون السِّين المهملة ومُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مفتوحةٍ وكسر الهاء وتخفيف اللَّام، أي: ينزل إلى السَّهل من بطن الوادي كما فعل في الأولى، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «فيُسهِل» بضمِّ التَّحتيَّة وإسقاط الفوقيَّة (وَيَقُومُ) حال كونه (مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ) في مكانٍ لا يصيبه فيه الرمي (فَيَقُومُ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «ويقوم قيامًا» (طَوِيلًا) كما وقف في الأولى (وَيَدْعُو) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «ثمَّ يدعو» (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) في دعائه (وَيَقُومُ) قيامًا (طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ العَقَبَةِ) في رواية عثمان بن عمر [خ¦١٧٥٣]: ثمَّ يأتي الجمرة التي عند العقبة (مِنْ بَطْنِ الوَادِي، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا) للدُّعاء؛ برفع الفاء، ولأبي ذرٍّ: «ولا يَقِفْ» بجزمها على النَّهي (ثُمَّ يَنْصَرِفُ) عقب رميها (فَيَقُولُ) أي: ابن عمر، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «ويقول» بالواو بدل الفاء (هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُهُ) أي: جميع ما ذُكِر. (١٤١) بابُ (رَفْعِ اليَدَيْنِ) في الدُّعاء (عِنْدَ الجَمْرَتَيْنِ الدُِّنْيَا) بضمِّ الدَّال وكسرها؛ القريبة من مسجد الخيف، والذي في الفرع وأصله (١): «عند الجمرة (٢) الدنيا» ليس إلَّا (٣) (وَالوُسْطَى) التي بينها وبين جمرة العقبة.

стр. 3977

١٧٥٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَخِي) عبد الحميد بن عبد الله (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن بلالٍ (عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ) الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب (أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يَرْمِي الجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ) ولأبي الوقت (١): «ثمَّ يكبِّر» (عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ) منها؛ بكسر الهمزة وسكون المُثلَّثة، أي: عقبها (ثُمَّ يَتَقَدَّمُ) عن الجمرة (فَيُسْهِلُ) بضمِّ الياء وكسر الهاء بعد سكون السِّين: ينزل السَّهل من الأرض؛ وهو المكان المصطحب الذي لا ارتفاع فيه (فَيَقُومُ) حال كونه (مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ قِيَامًا طَوِيلًا، فَيَدْعُو) مع حضور قلبه وخشوع جوارحه (٢) قدر سورة البقرة (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) في الدُّعاء كغيره، قال أبو موسى الأشعريُ -كما عند (٣) البخاريِّ [خ¦٤٣٢٣]-: «دعا النَّبيُّ ﷺ ، ثمَّ رفع يديه حتَّى رأيت بياض إبطيه» وعنده أيضًا من حديث ابن عمر [خ¦٨٠/ ٢٣ - ٩٤٥٥]: رفع ﷺ يديه فقال: «اللَّهمَّ إنِّي أبرأ إليك ممَّا صنع خالدٌ»، لكن في حديث أنسٍ [خ¦١٠٣١]: «لم يكن النَّبيُّ ﷺ يرفع يديه في شيءٍ من دعائه إلَّا في الاستسقاء» وهو حديثٌ صحيحٌ، ويُجمَع بينه وبين ما سبق: أنَّ الرَّفع في الاستسقاء يخالف غيره (٤) بالمبالغة إلى أن تصير اليدان في (٥) حذو (٦) الوجه مثلًا، وفي الدُّعاء إلى حذو المنكبين، ولا يعكِّر (٧) على ذلك أنَّه ثبت في كلٍّ منهما: حتَّى يُرى بياضُ إبطيه، بل

стр. 3978

يُجمَع بأن يكون رؤية البياض في الاستسقاء أبلغ منها في غيره، وأمَّا ما رُوِي عن مالكٍ من ترك رفع اليدين عند الدُّعاء بعد (١) رمي الجمار فقال ابن قدامة وابن المنذر: إنَّه شيءٌ تفرَّد به، وتعقَّبه ابن المُنيِّر بأنَّ الرَّفع لو كان هنا (٢) سنَّةً ثابتةً ما خفي عن (٣) أهل المدينة، وأُجيب بأنَّ الرَّاوي لذلك ابن عمر، وهو أعلم أهل المدينة من الصَّحابة في زمانه (٤)، وابنه سالمٌ أحد الفقهاء السَّبعة من أهل المدينة، والرَّاوي عنه: ابن شهابٍ عالمُ المدينة ثمَّ الشَّام، وقال ابن فرحون من المالكيَّة في «مناسكه»: وفي رفع يديه في الدُّعاء قولان، قال ابن حبيبٍ: وإذا دعا راغبًا بسط يديه فجعل بطونهما إلى السَّماء، وإذا دعا راهبًا جعل بطونهما ممَّا يلي الأرض، وذلك في كلِّ دعاءٍ (ثُمَّ يَرْمِي الجَمْرَةَ الوُسْطَى كَذَلِكَ، فَيَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيُسْهِلُ، وَيَقُومُ) حال كونه (مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ قِيَامًا طَوِيلًا، فَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) عند دعائه (ثُمَّ يَرْمِي الجَمْرَةَ ذَاتَ العَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا) للدُّعاء (وَيَقُولُ) أي (٥): ابن عمر: (هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «رأيت النَّبيَّ» (¬ ﷺ يَفْعَلُ) بحذف ضمير المفعول الثَّابت في رواية الباب السَّابق [خ¦١٧٥١]. (١٤٢) (بابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ الجَمْرَتَيْنِ) الدنيا والوسطى.

стр. 3979

١٧٥٣ - (وَقَالَ مُحَمَّدٌ) هو ابن بشَّارٍ كما قاله ابن السَّكن، أو ابن المُثنَّى، أو هو الذُّهليُّ: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين وفتح الميم ابن فارسٍ العبديُّ البصريُّ، ممَّا وصله الإسماعيليُّ عن ابن ناجية عن ابن المُثنَّى وغيره عن عثمان بن عمر قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا رَمَى الجَمْرَةَ) الأولى (الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ مِنًى يَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ) منها (ثُمَّ تَقَدَّمَ) ﵊ (أَمَامَهَا فَوَقَفَ) حالة كونه (مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ) حال كونه (رَافِعًا يَدَيْهِ) حال كونه (يَدْعُو، وَكَانَ) ﵊ (يُطِيلُ الوُقُوفَ) للدُّعاء، زاد البيهقيُّ وابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ: «قدر سورة البقرة» (ثُمَّ يَأْتِي الجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ) وهي الوسطى (فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ) حال كونه (يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ) منها (ثُمَّ يَنْحَدِرُ ذَاتَ اليَسَارِ) أي: في النَّاحية التي هي ذات اليسار (مِمَّا يَلِي الوَادِيَ، فَيَقِفُ) في السَّهل (١) من الأرض الذي لا ارتفاع فيه، حال كونه (مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ) حال كونه (رَافِعًا يَدَيْهِ) حال كونه (يَدْعُو، ثُمَّ يَأْتِي الجَمْرَةَ) الأخيرة (الَّتِي عِنْدَ العَقَبَةِ فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ حَصَاةٍ) منها (ثُمَّ يَنْصَرِفُ) بعد أن يفرغ من رميها (وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا). (قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ بالإسناد السَّابق أوَّل حديث هذا الباب: (سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يُحَدِّثُ مِثْلَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «بمثل» (هَذَا عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَ) ولأبي الوقت: «قال: وكان» (ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ) بإثبات ضمير المفعول المحذوف في سابقه، وهذا من تقديم المتن على بعض السَّند، فإنَّه ساق السَّند من أوَّله

стр. 3980

إلى أن قال: عن الزُّهريِّ أنَّ رسول الله ﷺ ، ثمَّ بعد أن ذكر المتن كلَّه ساق تتمَّة السَّند فقال: قال الزُّهريّ … إلى آخره، وقد صرَّح جماعةٌ بجواز ذلك؛ منهم: الإمام أحمد، ولا يمنع التَّقديم في ذلك الوصل، بل يُحكَم باتِّصاله، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولا خلاف بين أهل الحديث أنَّ الإسناد بمثل هذا السِّياق موصولٌ، قال: وأغرب الكِرمانيُّ فقال: هذا الحديث من مراسيل الزُّهريِّ، ولا يصير بما ذكره (١) آخرًا مسندًا لأنَّه قال: يحدِّث بمثله لا بنفسه؛ كذا قال، وليس مراد المحدِّث بقوله في هذا: بمثله إلَّا: نفسه (٢)، وهو كما لو ساق المتن بإسنادٍ ثمَّ عقَّبه بإسنادٍ (٣) آخر، ولم يعد المتن، بل قال: بمثله، ولا نزاع بين أهل الحديث في الحكم بوصل مثل هذا، وكذا عند أكثرهم لو قال: بمعناه، خلافًا لمن يمنع الرِّواية بالمعنى، وقد أخرج الحديث المذكور الإسماعيليُّ عن ابن ناجية عن محمَّد بن المُثنَّى، وغيره عن عثمان بن عمر، وقال في آخره: قال الزُّهريُّ: سمعت سالمًا يحدِّث بهذا عن أبيه عن النَّبيِّ ﷺ ، فعُرِف أنَّ المراد بقوله: «مثله»: نفسه، وإذا تكلَّم المرء في غير فنِّه أتى بهذه العجائب. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ فقال: من أين هذا التَّصرُّف؟ وكيف يصحُّ احتجاجه في دعواه بحديث الإسماعيليِّ؟ فإنَّ الزُّهريَّ فيه صرَّح (٤)

стр. 3981

بالسَّماع عن سالمٍ، وسالمٌ صرَّح بالتَّحديث عن أبيه، وأبوه صرَّح (١) عن النَّبيِّ ﷺ ، فكيف يدلُّ هذا على أنَّ المراد بقوله: «بمثله»: نفسه، وهذا شيءٌ عجيبٌ لأنَّ بين قوله: يحدِّث بهذا عن أبيه، وبين قوله: يحدِّث مثل هذا عن أبيه فرقًا عظيمًا؛ لأنَّ مثل الشَّيء غيره، فكيف يكون نفسه؟ تيقَّظ؛ فإنَّه موضع التَّأمُّل (٢). انتهى. واختُلِف (٣) في جواز تقديم بعض المتن على بعض السَّند، وتقديم بعض المتن على بعضه (٤)، لكن منع (٥) البلقينيُّ مجيء الخلاف في الأوَّل، وفرَّق بأنَّ تقديم بعض المتن على بعضٍ (٦) قد يؤدِّي إلى خللٍ في المقصود في العطف وعود الضَّمير ونحو ذلك بخلاف تقديم المتن على بعض السَّند، وسبقه إلى الإشارة إلى ذلك النَّوويُّ، فقال في «إرشاده»: والصَّحيح أو الصَّواب: جواز هذا، وليس كتقديم بعض المتن على بعضٍ فإنَّه قد يتغيَّر به (٧) المعنى بخلاف هذا. انتهى (٨). (١٤٣) (بابُ) استعمال (الطِّيبِ بَعْدَ رَمْيِ الجِمَارِ) يوم النَّحر (وَالحَلْقِ) لشعر الرَّأس (قَبْلَ) طواف (الإِفَاضَةِ). ١٧٥٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ القَاسِم -وَكَانَ أَفْضَلَ أَهْلِ

стр. 3982

زَمَانِهِ-) وسقط قوله: «وكان أفضل أهل زمانه» في رواية غير أبوي ذرٍّ والوقت (١) (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ) أي: القاسم بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (-وَكَانَ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ-) وهو أحد الفقهاء السَّبعة (يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ حِينَ أَحْرَمَ) أي: أراد الإحرام (وَلِحِلِّهِ حِينَ أَحَلَّ) أي (٢): بعد أن أحلَّ من الإحرام بعد أن رمى وحلق (قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ) بالبيت طواف الإفاضة (وَبَسَطَتْ يَدَيْهَا) قال الحافظ ابن حجرٍ: ومطابقة الحديث للتَّرجمة مِنْ جهة أنَّه ﷺ لمَّا أفاض من مزدلفة (٣) لم تكن عائشة مسايرته، وقد ثبت أنَّه استمرَّ راكبًا إلى أن رمى جمرة العقبة، فدلَّ ذلك على أنَّ تطييبها له وقع بعد الرَّمي، وأمَّا الحلق قبل الإفاضة فلأنَّه ﷺ حلق رأسه الشَّريفة (٤) بمنًى لمَّا رجع من الرَّمي، وأخذه المؤلِّف من حديث الباب من جهة التَّطييب، فإنَّه لا يقع إلَّا بعد التَّحلُّل، والتَّحلُّل الأوَّل يقع باثنين من ثلاثةٍ: رمي جمرة العقبة، والحلق أو التَّقصير، وطواف الإفاضة، واحتجُّوا لذلك بحديث: «إذا رميتم وحلقتم فقد حلَّ لكم الطِّيب والثِّياب وكلُّ شيءٍ إلَّا النِّساء» رواه البيهقيُّ وغيره وضعَّفوه، والذي صحَّ في ذلك: ما رواه النَّسائيُّ بإسنادٍ جيِّدٍ -كما في «شرح المُهذَّب» -: أنَّه ﷺ قال: «إذا رميتم الجمرة فقد حلَّ لكم كلُّ شيءٍ إلَّا النِّساء»، وقضيَّته: حصول التَّحلُّل الأوَّل بالرَّمي وحده، وهو يدلُّ على أنَّ للحجِّ تحلُّلين، فمن قال إنَّ الحلق نسكٌ كما هو قول الجمهور والصَّحيح عند الشَّافعيَّة يُوقَف (٥) استعمال الطِّيب

стр. 3983

وغيره من مُحرَّمات الإحرام عليه، وقال المالكيَّة: إذا رمى وحلق ونحر، حلَّ له كلُّ شيءٍ إلَّا النِّساء والصَّيد والطِّيب، فإن (١) تطيَّب قبل طواف الإفاضة فلا شيء عليه على المشهور. انتهى. وفي هذا الحديث: استحباب التَّطيُّب (٢) بين التَّحلُّلين، والدُّهن مُلحَقٌ بالطِّيب. (١٤٤) (بابُ) حكم (طَوَافِ الوَدَاعِ) ويُسمَّى: طواف الصَّدَر -بفتح الدَّال- لأنَّه يصدر عن البيت، أي: يرجع إليه، وليس هو من المناسك، بل هو عبادةٌ مستقلَّةٌ لاتِّفاقهم على أنَّ قاصد الإقامة بمكَّة لا يُؤمَر به ولو كان منها لأُمِر به، وهذا ما صحَّحه النَّوويُّ والرَّافعيُّ، ونقلاه عن صاحبي «التَّتمَّة» و «التَّهذيب» وغيرهما، ونقلا عن الإمام والغزاليِّ أنَّه منها، ويختصُّ بمن يريد الخروج من ذوي النُّسك، قال السُّبكيُّ: وهذا هو الذي تظاهرت عليه نصوص الشَّافعيِّ والأصحاب، ولم أَرَ من قال: إنَّه ليس (٣) منها إلَّا المتولِّي، فجعله تحيَّةً للبقعة مع أنَّه يمكن تأويل كلامه على أنَّه ليس ركنًا منها، كما قال غيره: إنَّه ليس بركنٍ ولا شرطٍ، قال: وأمَّا استدلال الرَّافعيِّ والنَّوويِّ بأنَّه لو كان منها لأُمِر به قاصد الإقامة بمكَّة فممنوعٌ لأنَّه إنَّما شُرِع للمفارقة، ولم تحصل، كما أنَّ طواف القدوم لا يُشرَع للمحرم من مكَّة، ويلزمهما القول بأنَّه لا يُجبَر بدمٍ، ولا قائل به، وذكر نحوه الإسنويُّ، فمن أراد الخروج من مكَّة إلى مسافة القصر أو دونها وجب عليه طواف الوداع، سواءٌ كان مكِّيًّا أو آفاقيًّا تعظيمًا للحرم، وهذا مذهب الشَّافعيَّة والحنفيَّة والحنابلة، وقال المالكيَّة: مندوبٌ إليه، ولا دم في تركه. ١٧٥٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أُمِرَ النَّاسُ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول و «النَّاسُ» رفع

стр. 3984

نائبٍ عن (١) الفاعل، أي: أَمَرَ رسولُ الله ﷺ النَّاسَ أمر وجوبٍ أو ندبٍ إذا أرادوا سفرًا (أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ) طواف الوداع (بِالبَيْتِ) برفع «آخرُ»، اسم «كان»، والجارُّ والمجرور ومتعلِّقه: خبرها، ولأبي ذرٍّ: «آخرَ» بالنَّصب: خبرها، وقد روى هذا الحديثَ مسلمٌ عن سفيان أيضًا عن سليمان الأحول عن طاوسٍ، فصرَّح فيه بالرَّفع، ولفظه عن ابن عبَّاسٍ: كان النَّاس ينصرفون في كلٍّ وجهٍ، فقال رسول الله ﷺ : «لا ينفرنَّ أحدٌ (٢) حتَّى يكون آخرُ عهده بالبيت» أي: الطَّواف به كما رواه أبو داود (إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الحَائِضِ) فلم يجب عليها، واستُفيد الوجوب على غيرها مِنَ الأمر المُؤكَّد والتَّعبير في حقِّ الحائض بالتَّخفيف، والتَّخفيف لا يكون إلَّا من أمرٍ مُؤكَّدٍ، قال في «فتح القدير»: لا يُقال: أمرُ ندبٍ بقرينة المعنى وهو أنَّ المقصود الوداع لأنَّا نقول: ليس هذا يصلح صارفًا عن الوجوب لجواز أن يُطلَب حتمًا لِما في عدمه من شائبة عدم التَّأسُّف على الفراق وعدم المبالاة به، على أنَّ معنى الوداع ليس مذكورًا في النُّصوص، بل أن يُجعَل آخرُ عهدهم بالطَّواف، فيجوز أن يكون معلولًا (٣) بغيره ممَّا لم نقف (٤) عليه، ولو سَلِمَ فإنَّما تُعتبَر (٥) دلالة القرينة إذا لم يقم منها ما يقتضي خلاف مقتضاها، وهنا كذلك، فإنَّ لفظ التَّرخيص يفيد أنَّه حتمٌ في حقِّ من لم يُرخَّص له لأنَّ معنى عدم التَّرخيص في الشَّيء هو تحتيمُ طلبه؛ إذ التَّرخيص فيه هو إطلاق تركه، فعدمُه عدمُ إطلاق تركه، ولا وداع على مريد الإقامة وإن أراد السَّفر بعده، قاله الإمام، ولا على مريد السَّفر قبل فراغ الأعمال، ولا على المقيم بمكَّة الخارج للتَّنعيم ونحوه لأنَّه ﷺ أمر عبد الرَّحمن أخا عائشة بأن يعمرها من التَّنعيم ولم يأمرها بوداعٍ، فلو نفر من منًى ولم يطف للوداع جُبِر بدمٍ لتركه نسكًا واجبًا، ولو أراد الرُّجوع إلى بلده من منًى لزمه طواف الوداع

стр. 3985

وإنْ كان قد طافه قبل عوده من مكَّة إلى منًى؛ كما صرَّح به في «المجموع»، فإن عاد بعد خروجه من مكَّة أو منًى بلا وداعٍ قبل مسافة القصر وطاف للوداع سقط عنه الدَّم لأنَّه في حكم المقيم، لا إن عاد بعدها فلا يسقط لاستقراره بالسَّفر الطَّويل، ولا يلزم الطَّواف حائضًا طَهُرت خارج مكَّة ولو في الحرم. وهذا الحديث يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى [خ¦١٧٦٠] وسبق في «الطَّهارة» [خ¦٣٢٩]، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الحجِّ». ١٧٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ) بالغين المعجمة بعد المُوحَّدة في الأوَّل وآخر الآخر جيمٌ، قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ) بفتح العين وسكون الميم (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة: (أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ حَدَّثَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ، وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ) بعد أن رمى الجمار ونفر من منًى (ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالمُحَصَّبِ) متعلِّقٌ (١) بقوله: «صلَّى»، وقوله: «ثمَّ رقد» عُطِف عليه (ثُمَّ رَكِبَ إِلَى البَيْتِ فَطَافَ بِهِ) طواف الوداع. (تَابَعَهُ) أي: تابع عمرَو بن الحارث في روايته لهذا الحديث عن قتادة (اللَّيْثُ) بن سعدٍ فيما ذكره البزَّار والطَّبرانيُّ من طريق عبد الله بن صالح كاتب اللَّيث عن اللَّيث قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (خَالِدٌ) هو ابن يزيد السَّكسكيُّ (٢) (عَنْ سَعِيدٍ) هو ابن أبي هلالٍ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة: (أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ حَدَّثَهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وقد ذكر البزَّار والطَّبرانيُّ: أنَّ خالد بن يزيد

стр. 3986

تفرَّد بهذا الحديث عن سعيدٍ، وأنَّ اللَّيث تفرَّد به عن خالدٍ، وأنَّ سعيد بن أبي هلالٍ لم يرو عن قتادة عن أنسٍ غير هذا الحديث، حكاه في «فتح الباري». (١٤٥) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا حَاضَتِ المَرْأَةُ بَعْدَ مَا أَفَاضَتْ) أي: بعدما طافت طواف الإفاضة؛ هل يجب عليها طوافٌ أم لا؟ وإذا وجب هل يُجبَر بدمٍ أم لا؟ ١٧٥٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ) القاسم بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵃ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ﵂ (حَاضَتْ) بعد أن أفاضت يوم النَّحر (فَذَكَرْتُ) بسكون الرَّاء، أي: قالت عائشة: فذكرتُ، ولأبوي ذرٍّ والوقت (٢): «فذُكِر» بالبناء (٣) للمفعول (ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟) أي: مانعتنا من السَّفر لأجل طواف الإفاضة بسبب الحيض؛ ظنًّا منه ﵊ أنَّها لم تطفه، وهمزةُ الاستفهام ثابتةٌ للكُشْمِيْهَنِيِّ (قَالُوا: إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ) أي: طافت طواف الإفاضة (قَالَ) ﵊: (فَلَا) حبسَ علينا (إِذًا) لأنَّها قد فعلت الذي قد (٤) وجب عليها؛ وهو طواف الإفاضة، وهذا موضع التَّرجمة لأنَّ حاصل المعنى: أنَّ طواف الوداع ساقطٌ عنها، وحديث النَّسائيِّ وأبي داود عن الحارث بن عبد الله بن أويسٍ الثَّقفيِّ قال: أتيت عمر ﵁، فسألته عن المرأة تطوف بالبيت يوم النَّحر، ثمَّ تحيض،

стр. 3987

قال: ليكن آخر عهدها بالبيت، فقال الحارث: كذلك أفتاني رسول الله ﷺ ، أجاب عنه الطَّحاويُّ بأنَّه منسوخٌ بحديث عائشة هذا وغيره. ١٧٥٨ - ١٧٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع (١) (أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابن زيدٍ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ: (أَنَّ أَهْلَ المَدِينَةِ) وعند الإسماعيليِّ من طريق عبد الوهَّاب الثَّقفيِّ: أنَّ ناسًا من أهل المدينة، وهو يفيد أنَّ المراد من قوله: «أنَّ أهل المدينة»: بعضُهم (سَأَلُوا ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ امْرَأَةٍ طَافَتْ) طواف الإفاضة (ثُمَّ حَاضَتْ، قَالَ) ابن عبَّاسٍ (لَهُمْ) أي: للذين سألوه: (تَنْفِرُ) هذه المرأة التي طافت، ثمَّ حاضت (قَالُوا) أي: السَّائلون لابن عبَّاسٍ: (لَا نَأْخُذُ بِقَوْلِكَ وَنَدَعَ قَوْلَ زَيْدٍ) هو ابن ثابتٍ، و «ندعَ»: بالواو والنَّصب، جواب النَّفي، وللحَمُّويي والمُستملي: «فندعَ» بالفاء بدل الواو، والنَّصب أيضًا كذلك، وفي رواية عبد الوهَّاب الثَّقفيِّ: أَفْتَيْتَنَا أو لم تُفْتِنا، زيد بن ثابتٍ يقول: لا تنفر، أي: حتَّى تطوف طواف الوداع (قَالَ) ابن عبَّاسٍ: (إِذَا قَدِمْتُمُ المَدِينَةَ فَاسْأَلوا) عن ذلك مَنْ بها، والذي في «اليونينيَّة»: «فسلوا» (فَقَدِمُوا المَدِينَةَ فَسَأَلُوا، فَكَانَ فِيمَنْ سَأَلُوا أُمُّ سُلَيْمٍ) برفع: «أمُّ»، وهي أمُّ أنسٍ (فَذَكَرَتْ) أي: أمُّ سليمٍ (حَدِيثَ صَفِيَّةَ) المعروف. (رَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (خَالِدٌ) الحذَّاء فيما وصله البيهقيُّ (وَقَتَادَةُ) فيما وصله أبو داود الطَّيالسيُّ في «مسنده»، كلاهما (عَنْ عِكْرِمَةَ) عن ابن عبَّاسٍ.

стр. 3988

١٧٦٠ - ١٧٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابن إبراهيم الفراهيديُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مُصغَّرًا ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ) عبدُ الله (عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: رُخِّصَ لِلْحَائِضِ) بضمِّ الرَّاء مبنيًّا للمفعول، وللنَّسائيِّ: رخَّص رسول الله ﷺ للحائض (أَنْ تَنْفِرَ) بكسر الفاء (إِذَا أَفَاضَتْ) طافت للإفاضة قبل أن تحيض. (قَالَ) طاوسٌ بالإسناد المذكور: (وَسَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (يَقُولُ: إِنَّهَا لَا تَنْفِرُ) أي: حتَّى تطهر وتطوف للوداع (ثُمَّ سَمِعْتُهُ) أي: ابن عمر (يَقُولُ بَعْدُ) بضمِّ الدَّال، أي: بعد أن قال: «لا تنفر»: (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لَهُنَّ) أي: للحُيَّض في ترك طواف الوداع بعد أن طفن طواف الإفاضة، قال في «الفتح»: وهذا من مراسيل الصَّحابة لأنَّ ابن عمر لم يسمعه من النَّبيِّ ﷺ ، ويبيِّن ذلك: ما رواه النَّسائيُّ والطَّحاويُّ عن طاوسٍ: أنَّه سمع ابنَ عمر يسأل عن النِّساء إذا حضن قبل النَّفر، وقد أفضن يوم النَّحر (١)، فقال: إنَّ عائشة كانت تذكر أنَّ رسول الله ﷺ رخَّص لهنَّ قبل موته بعامٍ، وفي رواية الطَّحاويِّ: قبل موت ابن عمر بعامٍ.

стр. 3989

١٧٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا) من المدينة (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) في حجَّة الوداع (وَلَا نُرَى) بضمِّ النُّون، أي: لا (١) نظنُّ، وفي نسخةٍ: «ولا نَرى» بفتحها (إِلَّا الحَجَّ) أي: لا نعرف غيره، ولم يكونوا يعرفون العمرة في أشهر الحجِّ (فَقَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) مكَّة (فَطَافَ بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) هو من باب: عَلَفْتُها تبنًا وماءً باردًا أو على طريق المجاز (وَلَمْ يَحِلَّ) بفتح أوَّله، أي: من إحرامه (وَكَانَ مَعَهُ الهَدْيُ، فَطَافَ) ولأبي الوقت: «وطاف» بالواو بدل الفاء (مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ نِسَائِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَحَلَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ الهَدْيُ) منهم (فَحَاضَتْ هِيَ) أي: عائشة، وكان ابتداء حيضها بسَرِف يوم السَّبت لثلاثٍ خلون من ذي الحجَّة (فَنَسَكْنَا مَنَاسِكَنَا مِنْ حَجِّنَا، فَلَمَّا كَانَ (٢) لَيْلَةُ الحَصْبَةِ) بفتح الحاء وسكون الصَّاد المهملتين، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ليلة الحصباء» بالمدِّ (لَيْلَةُ النَّفْرِ) من منًى؛ برفع: «ليلةُ» في الموضعين جميعًا، على أنَّ «كان» تامَّةٌ، و «ليلة النَّفر»: بدلٌ، أو خبر مبتدأٍ مُضمَرٍ، أي: هي ليلة النَّفر، قال في «التَّنقيح»: وجُوِّز رفع الأولى ونصب الثَّانية، وعكسه، ولم يبيِّن وجهه، قال في «المصابيح»: ولا يمكن أن يكون نصب «ليلة النَّفر» على أنَّها خبر «كان» إذ لا معنى له، وإنَّما «كان» تامَّةٌ، و «ليلة النَّفر» منصوبٌ بمحذوفٍ، تقديره: أعني: ليلة النَّفر، وأمَّا نصب الأولى ورفع الثَّانية فوجهه: أن تُجعَل «كان» ناقصةً، واسمها ضميرٌ يعود إلى الرَّحيل المفهوم من السِّياق، و «ليلةَ الحصبة»: خبرها، و «ليلةُ النَّفر»: خبر مبتدأٍ مضمرٍ، أي: هي ليلة النَّفر. انتهى. والذي في «اليونينيَّة»: رفعهما (٣)، ولأبي ذرٍّ:

стр. 3990

«ليلةَ الحصبة ليلةَ النَّفر» بنصبهما (١). (قَالَتْ) أي (٢): عائشة: (يَا رَسُولَ اللهِ كُلُّ أَصْحَابِكَ يَرْجِعُ بِحَجٍّ) منفردٍ عن العمرة (وَعُمْرَةٍ) منفردةٍ عن الحجِّ (غَيْرِي) فإني أرجع بحجٍّ، ليس لي عمرةٌ منفردةٌ عن الحجِّ (قَالَ) ﵊: (مَا كُنْتِ تَطُوفِي) بحذف النُّون تخفيفًا، وقِيلَ: حذفها من غير ناصبٍ أو جازمٍ لغةٌ فصيحةٌ، ولأبي ذرٍّ: «تطوفين» بإثباتها (بِالبَيْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا) مكَّة؟ (قُلْتُ: لَا) قال الحافظ ابن حجرٍ: كذا للأكثر، وفي رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي: «قلت: بلى» وهي محمولةٌ على أنَّ المراد: ما كنت أطوف (قَالَ: فَاخْرُجِي مَعَ أَخِيكِ) عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ (إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ) لمَّا سألها: أكانت متمتِّعةً؟ قالت: لا، ونفيُ التَّمتُّع وإن كان لا يلزم منه الحاجة إلى العمرة (٣) لجواز القِران، وهي قد (٤) كانت قارنةً كما عند الأكثر؛ كما هو صريح رواية مسلمٍ، وإنَّما أمرها ﷺ بالعمرة تطييبًا لقلبها حيث أرادت عمرةً منفردةً (وَمَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا) سبق في «باب قول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]» [خ¦١٥٦٠]: «ثمَّ ائتيا ههنا» أي: المُحصَّب، و «مكانَ» (٥): نُصِب على الظَّرفيَّة، قالت عائشة: (فَخَرَجْتُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، وَحَاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ) في أيَّام منًى ليلة النَّفر (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : عَقْرَى حَلْقَى) بفتح أوَّلهما وسكون ثانيهما مع

стр. 3991

القصر من غير تنوينٍ، ويجوز (١) التَّنوين لغةً، وصوَّبه أبو عبيدٍ لأنَّ المراد الدُّعاء بالعقر والحلق كرعيًا وسقيًا ونحو ذلك من المصادر التي يُدعَى بها، وعلى الأوَّل: هو نعتٌ لا دعاءٌ، ثمَّ معنى «عقرى» أي (٢): عقرها الله، أي: جرحها، أو جعلها عاقرًا لا تلد، أو عقر قومها، ومعنى «حلقى»: حلق شعرها؛ وهو زينة المرأة، أو أصابها وجعٌ في حلقها، أو: حلق قومها بشؤمها، أي: أهلكهم، وحكى القرطبيُّ: أنَّها كلمةٌ تقولها اليهود للحائض، فهذا أصل هاتين الكلمتين، ثمَّ اتَّسع العرب في قولهما بغير إرادة حقيقتهما كما قالوا: قاتله (٣) الله، ونحو ذلك، وقول الزَّركشيِّ كابن بطَّالٍ: فيه توبيخُ الرَّجلِ أهلَه على ما يدخل على النَّاس بسببها كما وبَّخ الصِّدِّيقُ عائشةَ ﵄ في قصَّة العقد، تعقَّبه ابن المُنيِّر بأنَّه لا يمكن أن يُحمَل على التَّوبيخ لأنَّ الحيض ليس من صنيعها، وقد جاء في الحديث الآخر [خ¦٢٩٤]: «إنَّ هذا الأمر كتبه الله تعالى على بنات آدم»، وإنَّما هذا القول يجري على سبيل التَّعجُّب، ولم يقصد معناه، وقول القرطبيِّ وغيره: شتَّان بين قوله ﷺ لعائشة لمَّا حاضت معه في الحجِّ: «هذا شيء كتبه الله على بنات آدم» لِما يُشعِر به من الميل إليها (٤) والحنوِّ عليها بخلاف صفيَّة، تعقَّبه الحافظ ابن حجرٍ بأنَّه ليس فيه دليلٌ على اتِّضاع قدر صفيَّة عنده، لكن اختلف الكلام باختلاف المقام فعائشة دخل عليها وهي تبكي أسفًا على ما فاتها من النُّسك فسلَّاها بذلك، وصفيَّة أراد منها ما يريد الرَّجل من أهله، فأبدت له المانع، فناسب كلًّا منهما ما خاطبها به في تلك الحالة. (إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا) عن السَّفر بسبب الحيض المانع من طواف الإفاضة (أَمَا كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ) طواف الإفاضة؟ (قَالَتْ: بَلَى) طفت (قَالَ) ﵊: (فَلَا بَأْسَ، انْفِرِي) بكسر الفاء، وفي رواية أبي سلمة [خ¦١٧٣٣] «قال: اخرجوا (٥)» أي: من منًى إلى المدينة، قالت عائشة: (فَلَقِيتُهُ)

стр. 3992

﵊ بالمُحصَّب، حال كونه (مُصْعِدًا) بضمِّ الميم وكسر العين، أي: صاعدًا (عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، وَأَنَا) أي: والحال أنِّي (مُنْهَبِطَةٌ) عليهم (أَوْ أَنَا) أي: والحال أنِّي (مُصْعِدَةٌ) عليهم (وَهُوَ) أي: والحال أنَّه (مُنْهَبِطٌ) عليهم؛ بالشَّكِّ من الرَّاوي، وسقطت: الهمزة من قوله «أو أنا مصعدةٌ» من (١) رواية ابن عساكر كما رأيته في الفرع وأصله حيث رقم على الهمزة علامة السُّقوط له (٢)، والظَّاهر أنَّ العلَّامة البدر بن (٣) الدَّمامينيِّ شرح عليها فقال: جمعت بين جعل أوَّل الحالين للأخير من صاحبي الحال وثانيهما للأوَّل وبين العكس، وصرَّح قومٌ بأولويَّة الوجه الأوَّل لاشتماله على فصلٍ واحدٍ، بخلاف الثَّاني لاشتماله على فصلين. انتهى. أي: جمعت بين جعل (٤) أوَّل الحالين الذي هو: «مصعدًا» للأخير من صاحبي الحال الذي هو ضمير المفعول في: «لقيته»، وثانيهما الذي هو «وأنا منهبطةٌ» لصاحب الحال الأوَّل الذي هو ضمير الفاعل -وهو التَّاء- وبين العكس بأن جعلت الثَّاني من الحالين الذي هو «وهو منهبطٌ» للأخير من صاحبي الحال الذي هو ضمير المفعول، والأوَّل الذي هو «مصعدةٌ» للأوَّل الذي هو: ضمير الفاعل، وقوله: لاشتماله، أي: الأوَّل على فصلٍ واحدٍ؛ وهو: «وأنا» بخلاف الثَّاني لاشتماله على فصلين هما: «أنا» و «هو»، فإن قلت: قوله: «وصرَّح قومٌ بأولويَّة الوجه الأوَّل» مخالفٌ لقول صاحب «المغني» حيث قال: ويجب كون الأولى من المفعول والثَّانية من الفاعل تقليلًا للفصل، فصرَّح بالوجوب، أُجيب بأنَّ الرَّضيَّ قال: إنَّ كون الأولى من المفعول والثَّانية من الفاعل

стр. 3993

جائزٌ على ضعفٍ، لا واجبٌ، ثمَّ إنَّ قولها: «فلقيته مصعدًا وأنا منهبطة، أو أنا مصعدةٌ وهو منهبطٌ» مشكلٌ على هذه الرِّواية لأنَّ وقوع الإصعاد والإهباط في زمانٍ (١) واحدٍ ومكانٍ (٢) واحدٍ من شخصٍ واحدٍ محالٌ، فيُحمَل على تعدُّد الزَّمان والمكان. (وَقَالَ مُسَدَّدٌ) ممَّا وصله (٣) في «مسنده» في رواية أبي خليفة عنه قال: حدَّثنا أبو عَوانة، ولفظه: ما كنتِ طفتِ ليالي قدمنا؟ (قُلْتُ: لَا) وهذا التَّعليق -كما قاله في «الفتح» - ثبت في غير رواية أبي ذرٍّ، وسقط له. (تَابَعَهُ) ولأبي ذرٍّ: «وتابعه» أي: تابع مُسدَّدًا (جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (فِي قَوْلِهِ: لَا) وهذا سبق موصولًا في «باب التَّمتُّع والقِران» [خ¦١٥٦١] عن عثمان ابن أبي شيبة عنه. (١٤٦) (بابُ مَنْ صَلَّى العَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ) من منًى (بِالأَبْطَحِ) وهو المُحصَّب.

стр. 3994

١٧٦٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ الزَّمِن البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ) الأزرق الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ) بضمِّ الرَّاء وفتح الفاء آخره عينٌ مهملةٌ مُصغَّرًا (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁: (أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ) ثامن ذي الحجَّة؟ (قَالَ: بِمِنًى، قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى العَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ) من منًى؟ (قَالَ): صلَّى (١) (بِالأَبْطَحِ) وهو المُحصَّب، وهذا موضع التَّرجمة (افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ) أي: صلِّ حيث يصلُّون، وفيه: دليلٌ على الجواز. ١٧٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ المُتَعَالِ) بحذف الياء (بْنُ طَالِبٍ) الأنصاريُّ البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبدُ الله (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ) بفتح العين (أَنَّ قَتَادَةَ) بن دعامة (حَدَّثَهُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) ولأبي ذرٍّ: «أنَّ أنس بن مالكٍ» (حَدَّثَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ، وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ، وَرَقَدَ رَقْدَةً بِالمُحَصَّبِ) يتعلَّق بقوله: «صلَّى» (٢) وقوله: «ورقد»: عُطِف عليه (ثُمَّ رَكِبَ إِلَى البَيْتِ فَطَافَ بِهِ) للوداع، وقوله: «صلَّى الظُّهر» لا ينافي أنَّه ﵊ لم يرمِ إلَّا بعد الزَّوال لأنَّه رمى فنفر، فنزل المُحصَّب، فصلَّى به الظُّهر. (١٤٧) (بابُ المُحَصَّبِ) بضمِّ الميم وفتح الحاء والصَّاد المُشدَّدة المهملتين ثمَّ مُوحَّدةٍ: اسمٌ لمكانٍ متَّسعٍ بين مكَّة ومنًى، وهو أقرب إلى منًى، ويُقال له: الأبطح والبطحاء وخَيْفُ بني كنانة، وحدُّه: ما بين الجبلين إلى المقبرة، والمراد: حكم النُّزول به. ١٧٦٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ هِشَامٍ،

стр. 3995

عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (١) (قَالَتْ: إِنَّمَا كَانَ) المُحصَّب (مَنْزِلٌ) بالرَّفع، قال ابن مالكٍ: في رفعه ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أن تجعل «ما» بمعنى «الذي»، واسم «كان» ضميرٌ يعود على المُحصَّب، وخبرها محذوفٌ، والتَّقدير: إنَّ الذي كأنَّه هو؛ يعني: أنَّ المنزل الذي كان المُحصَّب إيَّاه منزلٌ ينزله النَّبيُّ ﷺ ، فـ «منزلٌ»: خبر «إنَّ»، الثَّاني: أن تكون «ما» كافَّةً، و «منزلٌ» اسم «كان»، وخبرها ضميرٌ محذوفٌ عائدٌ على المُحصَّب، وفي هذا الوجه تعريف الخبر وتنكير الاسم إلَّا أنَّه نكرةٌ مُخصَّصةٌ بصفتها فسهل لذلك، الثَّالث: أن يكون «منزلٌ» منصوبًا في اللَّفظ إلَّا أنَّه كُتِب بلا ألفٍ (٢) على لغة ربيعة؛ فإنَّهم يقفون على المنصوب المُنوَّن بالسُّكون. انتهى. وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ بأنَّ الوجه الثَّالث ليس توجيهًا للرَّفع بوجهٍ، وقد قال أوَّلًا: في رفعه -أي: رفع «منزل» - ثلاثة أوجهٍ، وعدَّ الثَّالث وهو مقتضٍ للنَّصب لا للرَّفع، ثمَّ كيف يتَّجه هذا مع ثبوت الرِّواية بالرَّفع؟! وهل هذا إلَّا مقتضٍ للنَّصب (٣)؟! لأنَّ الرَّاوي اعتمد على صورة الخطِّ فظنَّه مرفوعًا، فيظنُّ به كذلك ولم يستند فيه إلى روايةٍ، فما هذا الكلام؟! ولأبي ذرٍّ: «إنَّما كان» أي: المُحصَّب منزلًا؛ بالنَّصب. (يَنْزِلُهُ النَّبِيُّ ﷺ لِيَكُونَ) النُّزول به (أَسْمَحَ) أسهل (لِخُرُوجِهِ) راجعًا إلى المدينة ليستوي (٤) في ذلك البطيء والمعتدل (٥)، ويكون مبيتهم وقيامهم في السَّحر ورحيلهم بأجمعهم إلى المدينة (تَعْنِي) عائشة: (بِالأَبْطَحِ) يتعلَّق (٦) بقوله: «ينزله» ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «تعني: الأبطح» بإسقاط حرف الجرِّ.
следующие страницы →