← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

القصر من غير تنوينٍ، ويجوز (١) التَّنوين لغةً، وصوَّبه أبو عبيدٍ لأنَّ المراد الدُّعاء بالعقر والحلق كرعيًا وسقيًا ونحو ذلك من المصادر التي يُدعَى بها، وعلى الأوَّل: هو نعتٌ لا دعاءٌ، ثمَّ معنى «عقرى» أي (٢): عقرها الله، أي: جرحها، أو جعلها عاقرًا لا تلد، أو عقر قومها، ومعنى «حلقى»: حلق شعرها؛ وهو زينة المرأة، أو أصابها وجعٌ في حلقها، أو: حلق قومها بشؤمها، أي: أهلكهم، وحكى القرطبيُّ: أنَّها كلمةٌ تقولها اليهود للحائض، فهذا أصل هاتين الكلمتين، ثمَّ اتَّسع العرب في قولهما بغير إرادة حقيقتهما كما قالوا: قاتله (٣) الله، ونحو ذلك، وقول الزَّركشيِّ كابن بطَّالٍ: فيه توبيخُ الرَّجلِ أهلَه على ما يدخل على النَّاس بسببها كما وبَّخ الصِّدِّيقُ عائشةَ ﵄ في قصَّة العقد، تعقَّبه ابن المُنيِّر بأنَّه لا يمكن أن يُحمَل على التَّوبيخ لأنَّ الحيض ليس من صنيعها، وقد جاء في الحديث الآخر [خ¦٢٩٤]: «إنَّ هذا الأمر كتبه الله تعالى على بنات آدم»، وإنَّما هذا القول يجري على سبيل التَّعجُّب، ولم يقصد معناه، وقول القرطبيِّ وغيره: شتَّان بين قوله ﷺ لعائشة لمَّا حاضت معه في الحجِّ: «هذا شيء كتبه الله على بنات آدم» لِما يُشعِر به من الميل إليها (٤) والحنوِّ عليها بخلاف صفيَّة، تعقَّبه الحافظ ابن حجرٍ بأنَّه ليس فيه دليلٌ على اتِّضاع قدر صفيَّة عنده، لكن اختلف الكلام باختلاف المقام فعائشة دخل عليها وهي تبكي أسفًا على ما فاتها من النُّسك فسلَّاها بذلك، وصفيَّة أراد منها ما يريد الرَّجل من أهله، فأبدت له المانع، فناسب كلًّا منهما ما خاطبها به في تلك الحالة. (إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا) عن السَّفر بسبب الحيض المانع من طواف الإفاضة (أَمَا كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ) طواف الإفاضة؟ (قَالَتْ: بَلَى) طفت (قَالَ) ﵊: (فَلَا بَأْسَ، انْفِرِي) بكسر الفاء، وفي رواية أبي سلمة [خ¦١٧٣٣] «قال: اخرجوا (٥)» أي: من منًى إلى المدينة، قالت عائشة: (فَلَقِيتُهُ)

стр. 3992

﵊ بالمُحصَّب، حال كونه (مُصْعِدًا) بضمِّ الميم وكسر العين، أي: صاعدًا (عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، وَأَنَا) أي: والحال أنِّي (مُنْهَبِطَةٌ) عليهم (أَوْ أَنَا) أي: والحال أنِّي (مُصْعِدَةٌ) عليهم (وَهُوَ) أي: والحال أنَّه (مُنْهَبِطٌ) عليهم؛ بالشَّكِّ من الرَّاوي، وسقطت: الهمزة من قوله «أو أنا مصعدةٌ» من (١) رواية ابن عساكر كما رأيته في الفرع وأصله حيث رقم على الهمزة علامة السُّقوط له (٢)، والظَّاهر أنَّ العلَّامة البدر بن (٣) الدَّمامينيِّ شرح عليها فقال: جمعت بين جعل أوَّل الحالين للأخير من صاحبي الحال وثانيهما للأوَّل وبين العكس، وصرَّح قومٌ بأولويَّة الوجه الأوَّل لاشتماله على فصلٍ واحدٍ، بخلاف الثَّاني لاشتماله على فصلين. انتهى. أي: جمعت بين جعل (٤) أوَّل الحالين الذي هو: «مصعدًا» للأخير من صاحبي الحال الذي هو ضمير المفعول في: «لقيته»، وثانيهما الذي هو «وأنا منهبطةٌ» لصاحب الحال الأوَّل الذي هو ضمير الفاعل -وهو التَّاء- وبين العكس بأن جعلت الثَّاني من الحالين الذي هو «وهو منهبطٌ» للأخير من صاحبي الحال الذي هو ضمير المفعول، والأوَّل الذي هو «مصعدةٌ» للأوَّل الذي هو: ضمير الفاعل، وقوله: لاشتماله، أي: الأوَّل على فصلٍ واحدٍ؛ وهو: «وأنا» بخلاف الثَّاني لاشتماله على فصلين هما: «أنا» و «هو»، فإن قلت: قوله: «وصرَّح قومٌ بأولويَّة الوجه الأوَّل» مخالفٌ لقول صاحب «المغني» حيث قال: ويجب كون الأولى من المفعول والثَّانية من الفاعل تقليلًا للفصل، فصرَّح بالوجوب، أُجيب بأنَّ الرَّضيَّ قال: إنَّ كون الأولى من المفعول والثَّانية من الفاعل

стр. 3993

جائزٌ على ضعفٍ، لا واجبٌ، ثمَّ إنَّ قولها: «فلقيته مصعدًا وأنا منهبطة، أو أنا مصعدةٌ وهو منهبطٌ» مشكلٌ على هذه الرِّواية لأنَّ وقوع الإصعاد والإهباط في زمانٍ (١) واحدٍ ومكانٍ (٢) واحدٍ من شخصٍ واحدٍ محالٌ، فيُحمَل على تعدُّد الزَّمان والمكان. (وَقَالَ مُسَدَّدٌ) ممَّا وصله (٣) في «مسنده» في رواية أبي خليفة عنه قال: حدَّثنا أبو عَوانة، ولفظه: ما كنتِ طفتِ ليالي قدمنا؟ (قُلْتُ: لَا) وهذا التَّعليق -كما قاله في «الفتح» - ثبت في غير رواية أبي ذرٍّ، وسقط له. (تَابَعَهُ) ولأبي ذرٍّ: «وتابعه» أي: تابع مُسدَّدًا (جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (فِي قَوْلِهِ: لَا) وهذا سبق موصولًا في «باب التَّمتُّع والقِران» [خ¦١٥٦١] عن عثمان ابن أبي شيبة عنه. (١٤٦) (بابُ مَنْ صَلَّى العَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ) من منًى (بِالأَبْطَحِ) وهو المُحصَّب.

стр. 3994

١٧٦٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ الزَّمِن البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ) الأزرق الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ) بضمِّ الرَّاء وفتح الفاء آخره عينٌ مهملةٌ مُصغَّرًا (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁: (أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ) ثامن ذي الحجَّة؟ (قَالَ: بِمِنًى، قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى العَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ) من منًى؟ (قَالَ): صلَّى (١) (بِالأَبْطَحِ) وهو المُحصَّب، وهذا موضع التَّرجمة (افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ) أي: صلِّ حيث يصلُّون، وفيه: دليلٌ على الجواز. ١٧٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ المُتَعَالِ) بحذف الياء (بْنُ طَالِبٍ) الأنصاريُّ البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبدُ الله (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ) بفتح العين (أَنَّ قَتَادَةَ) بن دعامة (حَدَّثَهُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) ولأبي ذرٍّ: «أنَّ أنس بن مالكٍ» (حَدَّثَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ، وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ، وَرَقَدَ رَقْدَةً بِالمُحَصَّبِ) يتعلَّق بقوله: «صلَّى» (٢) وقوله: «ورقد»: عُطِف عليه (ثُمَّ رَكِبَ إِلَى البَيْتِ فَطَافَ بِهِ) للوداع، وقوله: «صلَّى الظُّهر» لا ينافي أنَّه ﵊ لم يرمِ إلَّا بعد الزَّوال لأنَّه رمى فنفر، فنزل المُحصَّب، فصلَّى به الظُّهر. (١٤٧) (بابُ المُحَصَّبِ) بضمِّ الميم وفتح الحاء والصَّاد المُشدَّدة المهملتين ثمَّ مُوحَّدةٍ: اسمٌ لمكانٍ متَّسعٍ بين مكَّة ومنًى، وهو أقرب إلى منًى، ويُقال له: الأبطح والبطحاء وخَيْفُ بني كنانة، وحدُّه: ما بين الجبلين إلى المقبرة، والمراد: حكم النُّزول به. ١٧٦٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ هِشَامٍ،

стр. 3995

عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (١) (قَالَتْ: إِنَّمَا كَانَ) المُحصَّب (مَنْزِلٌ) بالرَّفع، قال ابن مالكٍ: في رفعه ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أن تجعل «ما» بمعنى «الذي»، واسم «كان» ضميرٌ يعود على المُحصَّب، وخبرها محذوفٌ، والتَّقدير: إنَّ الذي كأنَّه هو؛ يعني: أنَّ المنزل الذي كان المُحصَّب إيَّاه منزلٌ ينزله النَّبيُّ ﷺ ، فـ «منزلٌ»: خبر «إنَّ»، الثَّاني: أن تكون «ما» كافَّةً، و «منزلٌ» اسم «كان»، وخبرها ضميرٌ محذوفٌ عائدٌ على المُحصَّب، وفي هذا الوجه تعريف الخبر وتنكير الاسم إلَّا أنَّه نكرةٌ مُخصَّصةٌ بصفتها فسهل لذلك، الثَّالث: أن يكون «منزلٌ» منصوبًا في اللَّفظ إلَّا أنَّه كُتِب بلا ألفٍ (٢) على لغة ربيعة؛ فإنَّهم يقفون على المنصوب المُنوَّن بالسُّكون. انتهى. وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ بأنَّ الوجه الثَّالث ليس توجيهًا للرَّفع بوجهٍ، وقد قال أوَّلًا: في رفعه -أي: رفع «منزل» - ثلاثة أوجهٍ، وعدَّ الثَّالث وهو مقتضٍ للنَّصب لا للرَّفع، ثمَّ كيف يتَّجه هذا مع ثبوت الرِّواية بالرَّفع؟! وهل هذا إلَّا مقتضٍ للنَّصب (٣)؟! لأنَّ الرَّاوي اعتمد على صورة الخطِّ فظنَّه مرفوعًا، فيظنُّ به كذلك ولم يستند فيه إلى روايةٍ، فما هذا الكلام؟! ولأبي ذرٍّ: «إنَّما كان» أي: المُحصَّب منزلًا؛ بالنَّصب. (يَنْزِلُهُ النَّبِيُّ ﷺ لِيَكُونَ) النُّزول به (أَسْمَحَ) أسهل (لِخُرُوجِهِ) راجعًا إلى المدينة ليستوي (٤) في ذلك البطيء والمعتدل (٥)، ويكون مبيتهم وقيامهم في السَّحر ورحيلهم بأجمعهم إلى المدينة (تَعْنِي) عائشة: (بِالأَبْطَحِ) يتعلَّق (٦) بقوله: «ينزله» ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «تعني: الأبطح» بإسقاط حرف الجرِّ.

стр. 3996

١٧٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ عَمْرٌو) هو ابن دينارٍ، وسقط «قال عمرٌو» لابن عساكر (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: قال الدَّارقطنيُّ: هذا الحديث سمعه سفيان من الحسن بن صالحٍ عن عمرو بن دينارٍ؛ يعني: أنَّه دلَّسه هنا عن عمرٍو، وتُعقِّب بأنَّ الحُمَيديَّ أخرجه في «مسنده» عن سفيان قال: حدَّثنا عمرٌو، وكذلك أخرجه الإسماعيليُّ من طريق (١) أبي خيثمة عن سفيان فانتفت تهمة تدليسه (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَيْسَ التَّحْصِيبُ) أي: النُّزول في المُحصَّب؛ وهو الأبطح (بِشَيْءٍ) من أمر المناسك الذي يلزم فعله (إِنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) للاستراحة بعد الزَّوال، فصلَّى فيه العصرين والمغربين، وبات فيه ليلة الرَّابع عشر، لكن لمَّا نزل به ﵊ كان النُّزول به مُستحَبًّا اتِّباعًا له لتقريره على ذلك، وقد فعله الخلفاء بعده، رواه مسلمٌ عن ابن عمر بلفظ: كان النَّبيُّ ﷺ وأبو بكرٍ وعمر ينزلون الأبطح، قال نافعٌ: وقد حَصَّبَ رسولُ الله ﷺ والخلفاءُ بعده، وهذا مذهب الشَّافعيَّة والمالكيَّة والجمهور، والله أعلم (٢). (١٤٨) (بابُ النُّزُولِ بِذِي طَُِوًى) بتثليث الطَّاء غير مصروفٍ ويجوز صرفه: موضعٌ بأسفل مكَّة (قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ وَالنُّزُولِ) بالجرِّ عطفًا على «النُّزولِ» السَّابق (بِالبَطْحَاءِ الَّتِي (٣) بِذِي الحُلَيْفَةِ)، احتُرِز به عن البطحاء التي بين مكَّة ومنًى (إِذَا رَجَعَ) الحاجُّ (مِنْ مَكَّةَ) إلى المدينة.

стр. 3997

١٧٦٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) بن عبد الله بن المنذر الحزاميُّ -بالزَّاي- أحد الأئمَّة، وثَّقه ابن معينٍ وابن وضَّاحٍ والنَّسائيُّ وأبو حاتمٍ والدَّارقطنيُّ، وتكلَّم فيه أحمد من أجل القرآن، وقال السَّاجي: عنده مناكير، وتعقَّب ذلك الخطيب، وقد اعتمده البخاريُّ وانتقى من حديثه، وروى له التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ) بفتح المعجمة وسكون الميم أنس بن عياضٍ اللَّيثيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بضمِّ العين وسكون القاف الأسديُّ، مولى آل الزُّبير، الإمام في المغازي (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر: (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ) ولابن عساكر: «عن ابن عمر» (¬﵄ كَانَ يَبِيتُ بِذِي طَُِوًى) بتثليث الطَّاء، غير مصروفٍ، ويجوز صرفه، وللمُستملي والحَمُّويي: «بذي الطُّوى التي» (بَيْنَ الثَّنِيَّتَيْنِ) تثنية: ثنيَّةٍ؛ وهي طريق العقبة (ثُمَّ يَدْخُلُ مِنَ الثَّنِيَّةِ الَّتِي بِأَعْلَى مَكَّةَ، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ حَاجًّا) ولغير أبي ذرٍّ: «إذا قدم مكَّة حاجًّا» (أَوْ مُعْتَمِرًا) بات بذي طوًى، وإذا أصبح ركب (لَمْ يُنِخْ نَاقَتَهُ إِلَّا عِنْدَ بَابِ المَسْجِدِ) الحرام (ثُمَّ يَدْخُلُ فَيَأْتِي الرُّكْنَ الأَسْوَدَ فَيَبْدَأُ بِهِ، ثُمَّ يَطُوفُ سَبْعًا) أي: سبع مرَّاتٍ (ثَلَاثا سَعْيًا) نُصِب على الحال، أو: صفةٌ لـ «ثلاثًا» (وَأَرْبَعًا مَشْيًا) كذلك (ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ) من باب إطلاق اسم الجزء على الكلِّ، أي: ركعتين بسجداتهما (١)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ركعتين» والمراد: ركعتا الطَّواف (ثُمَّ يَنْطَلِقُ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَيَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) سبعًا (وَكَانَ إِذَا صَدَرَ) أي: رجع متوجِّهًا نحو المدينة (عَنِ الحَجِّ أَوِ العُمْرَةِ أَنَاخَ) راحلته (بِالبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الحُلَيْفَةِ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُنِيخُ بِهَا) وهذا النُّزول ليس من المناسك.

стр. 3998

١٧٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) الحجبيُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ) الهجيميُّ (قَالَ: سُئِلَ عُبَيْدُ اللهِ) بالتَّصغير ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب (عَنِ المُحَصَّبِ) بضمِّ الميم (١) وتشديد الصَّاد المفتوحة، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «عن التَّحصِيب» بالمُثنَّاة الفوقيَّة وسكون الحاء وكسر الصَّاد وهو النُّزول بالمُحصَّب لما (٢) ذكر (فَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) العمريُّ المذكور (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (قَالَ: نَزَلَ بِهَا) أي: بمنزلة المُحصَّب (رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) وهذا من مرسلات نافعٍ (وَعُمَرُ) منقطعٌ (وَابْنُ عُمَرَ) موصولٌ ويحتمل أن يكون نافعٌ سمع ذلك من ابن عمر، فيكون الجميع موصولًا. (وَعَنْ نَافِعٍ) بالإسناد السَّابق: (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يُصَلِّي بِهَا -يَعْنِي: المُحَصَّبَ-) فسَّر الضَّمير المُؤنَّث بالمُذكَّر، على إرادة البقعة، ولأنَّ من أسمائها البطحاء (الظُّهْرَ وَالعَصْرَ -أَحْسِبُهُ قَالَ (٣)) أي: أظنُّه قال: (وَالمَغْرِبَ- قَالَ خَالِدٌ) هو ابن الحارث: (لَا أَشُكُّ فِي العِشَاءِ) يعني: أنَّ الشَّكَّ إنَّما هو في المغرب، وأخرج الإسماعيليُّ عن أيُّوب وعن عبيد الله ابن عمر جميعًا عن نافعٍ: أنَّ ابن عمر كان يصلِّي بالأبطح الظُّهر والعصر، والمغرب والعشاء، من غير شكٍّ في المغرب ولا في غيرها (وَيَهْجَعُ هَجْعَةً) أي: ينام نومةً (وَيَذْكُرُ) أي: ابن عمر (ذَلِكَ) التَّحصيب (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ووسَّع مالكٌ لمن لا يقتدى به في تركه، وكان يفتي بالتَّرك سرًّا لئلَّا يشتهر ذلك فتُترَك السُّنَّة.

стр. 3999

(١٤٩) (بابُ مَنْ نَزَلَ بِذِي طُوًى إِذَا رَجَعَ مِنْ مَكَّةَ) إلى مقصده. ١٧٦٩ - (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى) بن الطَّبَّاع البصريُّ (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابن سلمة فيما جزم به الإسماعيليُّ، أو هو ابن زيدٍ (١) كما جزم به المزِّيُّ، وقال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه الظَّاهر (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَقْبَلَ) من المدينة إلى مكَّة (بَاتَ بِذِي طُوًى، حَتَّى إِذَا أَصْبَحَ دَخَلَ) مكَّة (وَإِذَا نَفَرَ) من منًى (مَرَّ بِذِي طُوًى) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «مرَّ من ذي طوًى» (وَبَاتَ بِهَا حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ يَذْكُرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ) وليس هذا من مناسك الحجِّ -كما مرَّ- وإنَّما يُؤخَذ منه: أماكن نزوله ﷺ ليتأسَّى به فيها؛ إذ لا يخلو شيءٌ من أفعاله من (٢) حكمةٍ. (١٥٠) (بابُ) جواز (التِّجَارَةِ أَيَّامَ المَوْسِمِ) بفتح الميم وسكون الواو وكسر السِّين المهملة، قال في «القاموس»: موسم الحجِّ: مُجتمَعُه (وَ) جواز (البَيْعِ فِي أَسْوَاقِ الجَاهِلِيَّةِ) وهي أربعةٌ: عكاظٌ، وذو المجاز، ومَجِنَّة: بفتح الميم وكسر الجيم والنُّون المُشدَّدة (٣)، على أميالٍ يسيرةٍ من مكَّة بناحية مرِّ الظَّهران، ويُقال: هي على بريدٍ من مكَّة، وهي لكنانة، وحُبَاشَة: بضمِّ المهملة وتخفيف المُوحَّدة وبعد الألفِ شينٌ معجمةٌ، وكانت بأرض بارِقٍ من مكَّة إلى (٤) جهة اليمن على ستِّ مراحل، ولا ذكر للأخيرين في هذا الحديث. نعم أخرج أحمد عن جابرٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لبث ثلاث عشرة سنةً

стр. 4000

يتبع النَّاس في منازلهم في الموسم بمجنَّة، وإنَّما لم يذكر سوق حباشة في الحديث لأنَّه لم يكن من (١) مواسم الحجِّ وإنَّما كان يُقام في شهر رجبٍ. ١٧٧٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الهَيْثَمِ) بفتح الهاء وسكون التَّحتيَّة وفتح المُثلَّثة، المؤذِّن البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك المكِّيُّ (قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) بفتح العين: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄¬) وفي رواية إسحاق بن رَاهُوْيَه في «مسنده» عن عيسى بن يونس عن ابن جريجٍ: أخبرني عمرو بن دينارٍ عن ابن عبَّاسٍ: (كَانَ ذُو المَجَازِ) بفتح الميم والجيم المُخفَّفة وبعد الألف زايٌ، وكانت بناحية عرفة إلى جانبها، وعند ابن الكلبيِّ -ممَّا ذكره الأزرقيُّ-: أنَّه كان لهُذَيلٍ على فرسخٍ من عرفة، وقول البرماويِّ -كالكِرمانيِّ-: موضعٌ بمنًى كان له (٢) سوقٌ في الجاهليَّة، ردَّه الحافظ ابن حجرٍ بما رواه الطَّبريُّ (٣) عن مجاهدٍ: أنَّهم كانوا لا يبيعون ولا يبتاعون (٤) بعرفة ولا منًى، لكن روى الحاكم في «مستدركه» من حديث ابن عبَّاسٍ: أنَّ النَّاس في أوَّل الحجِّ كانوا يتبايعون بمنًى وعرفة وسوق ذي المجاز ومواسم الحجِّ، فخافوا البيع وهم حرمٌ، فأنزل الله تعالى: فـ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾. انتهى. (وَعُكَاظٌ) بضمِّ العين المهملة وتخفيف الكاف وبعد الألف ظاءٌ معجمةٌ (٥) كـ «غُرَابٍ»، قال الرُّشاطيُّ: وهي صحراء مستويةٌ لا عَلَم فيها ولا جبلٌ إلَّا ما كان من الأنصاب التي كانت بها في الجاهليَّة، وعن ابن إسحاق: أنَّها فيما بين نخلة والطَّائف إلى بلدٍ يُقال له: الفُتُق؛ بضمِّ الفاء والفوقيَّة بعدها قافٌ، وعن

стр. 4001

ابن الكلبيِّ: أنَّها كانت وراء قرن المنازل بمرحلةٍ على طريق صنعاء، وكانت لقيسٍ وثقيفٍ (مَتْجَرَ النَّاسِ) بفتح الميم والجيم بينهما مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ، أي: مكان تجارتهم (فِي الجَاهِلِيَّةِ) وفي رواية ابن عُيَيْنَة [خ¦٢٠٥٠]: أسواقًا في الجاهليَّة (فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ كَأَنَّهُمْ) أي: المسلمين (كَرِهُوا ذَلِكَ) قال في «المصابيح»: فإن قلت: أتى جواب «لمَّا» هنا جملةً اسميَّةً، وإنَّما أجازوه إذا كانت مُصدَّرةً بـ «إذا» الفجائيَّة، وزاد ابن مالكٍ: جواز وقوعها جوابًا إذا تصدَّرت بالفاء؛ نحو: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ﴾ [لقمان: ٣٢] والفرض: أن ليس هنا «إذا» ولا الفاء، وأجاب بأنَّ الجواب محذوفٌ لدلالة الجملة الواقعة بعده عليه، أي: فلمَّا جاء الإسلام تركوا التِّجارة فيها كأنَّهم كرهوا ذلك. انتهى. وقال الزَّمخشريُّ: وكان ناسٌ من العرب يتأثَّمون أن يتَّجروا أيَّام الحجِّ، وإذا دخل العشر كفُّوا عن البيع والشِّراء، فلم يقم (١) لهم سوقٌ، ويسمُّون من يخرج بالتِّجارة: الدَّاجَّ، ويقولون: هؤلاء الدَّاجُّ، وليسوا بالحاجِّ، وفي رواية ابن عُيَيْنَة [خ¦٢٠٥٠]: «كأنَّهم تأثَّموا» أي (٢): خافوا الوقوع في الإثم للاشتغال في أيَّام النُّسك بغير العبادة (حَتَّى نَزَلَتْ) آية (﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾) في (﴿أَن تَبْتَغُواْ﴾) أي (٣): تطلبوا (﴿فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]) عطاءً ورزقًا منه؛ يريد: الرِّبح بالتِّجارة، زاد أبيٌّ في قراءته: ((فِي مَوَاسِمِ الحَجِّ)) الجارُّ متعلِّقٌ بـ «جناحٌ»، والمعنى: أنَّ الجُنَاح منتفٍ، ويبعد (٤) تعلُّقه بـ «ليس» لأنَّه لم يُرِد أن ينفي الجُناح مطلقًا، ويجعل ابتغاء (٥) التِّجارة ظرفًا (٦) للنَّفي، فيبعد (٧) لهذا أن يكون

стр. 4002

متعلِّقًا به (١)، وقد كان أهل الجاهليَّة يصبحون بعكاظٍ يوم هلال ذي القعدة، ثمَّ يذهبون منه إلى مجنَّة بعد مضيِّ عشرين يومًا من ذي القعدة، فإذا رأوا هلال ذي الحجَّة ذهبوا من مجنَّة إلى ذي المجاز فلبثوا به (٢) ثمان ليالٍ، ثمَّ يذهبون إلى عرفة، ولم تزل هذه الأسواق قائمةً في الإسلام إلى أن كان أوَّل ما تُرِك منها سوق عكاظٍ في زمن الخوارج سنة تسعٍ وعشرين ومئةٍ، لمَّا خرج الحروريُّ بمكَّة مع أبي حمزة المختار بن عوفٍ خاف النَّاس أن يُنتهَبوا وخافوا الفتنة، فتُرِكت إلى الآن، ثمَّ تُرِكَ (٣) مجنَّة وذو المجاز بعد ذلك، واستغنوا بالأسواق بمكَّة ومنًى وعرفة، وآخر ما تُرِك سوق حُبَاشة في زمن داود بن عيسى بن موسى العباسيِّ في سنة سبعٍ وتسعين ومئةٍ. (١٥١) (بابُ الإِدِّلَاجِ) بهمزة وصلٍ وتشديد الدَّال، على صيغة «الافتعال» بالتَّاء إلَّا أنَّها قُلِبت دالًا مثل: ادَّخر ادِّخارًا، أي: السَّير في آخر اللَّيل (مِنَ المُحَصَّبِ) بعد المبيت به، وفي روايةٍ لأبي ذرٍّ -كما في «فتح الباري» -: «الإِدلاج» بهمزة قطعٍ مكسورةٍ على صيغة «الإفعال»، مصدر: أدلج إدلاجًا، وسكون الدَّال، أي: المسير (٤) في أوَّل الليل، والأوَّل: هو الصَّواب لأنَّه المراد، لا الثَّاني على ما لا يخفى، نعم قِيل: إنَّ كلًّا من الفعلين يُستعمَل في مسير اللَّيل كيف كان، والأكثرون على الأوَّل. ١٧٧١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) هو ابن غياثٍ النَّخعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصٌ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: حَاضَتْ صَفِيَّةُ) بنت حُيَيٍّ أمُّ المؤمنين ﵂ بعد

стр. 4003

أن طافت طواف الإفاضة يوم النَّحر (لَيْلَةَ النَّفْرِ) من منًى (فَقَالَتْ: مَا أُرَانِي) بضمِّ الهمزة: ما أظنُّ نفسي (إِلَّا حَابِسَتَكُمْ) عن الرِّحلة إلى المدينة لانتظار طهري وطوافي للوداع، فظنَّت أنَّ طواف الوداع لا يسقط عن الحائض، قال الزَّمخشريُّ في «الفائق»: مفعولا «أُرَى» (١): الضَّمير والمستثنى، وإلَّا لغوٌ، قال الأشرف: يمكن (٢) ألَّا يجعل الاستثناء لغوًا، والمعنى: ما أُراني على حالةٍ أو صفةٍ إلَّا على حالة أو صفة كوني حابستكم، وتعقَّبه الطِّيبيُّ فقال: لم يُرِد باللَّغو أنَّ «إلَّا» زائدةٌ، بل أنَّ (٣) المستثنى معمول الفعل المذكور ولذلك (٤) سُمِّي مُفرَّغًا (٥) (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : عَقْرَى حَلْقَى) بفتح أوَّلهما من غير تنوينٍ، وجوَّزه أهل اللُّغة (أَطَافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ) طواف الإفاضة؟ (قِيلَ: نَعَمْ) طافت (قَالَ: فَانْفِرِي) بكسر الفاء، أي: ارحلي. ورواة هذا الحديث إلى عائشة كوفيُّون، وفيه: ثلاثةٌ من التَّابعين، وأخرجه مسلمٌ في «الحجِّ» وكذا النَّسائيُّ وابن ماجه. ١٧٧٢ - (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي (٦): المؤلِّف: (وَزَادَنِي) في الحديث المذكور (مُحَمَّدٌ) وفي رواية ابن السَّكن: «محمَّد بن سلام» وقال الغسَّانيُّ: هو ابن يحيى الذُّهليُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَاضِرٌ) بضمِّ الميم وكسر الضَّاد المعجمة ابن المُوَرِّع -بضمِّ الميم وفتح الواو وكسر الرَّاء المُشدَّدة ثمَّ عينٍ

стр. 4004

مهملةٍ- الهمدانيُّ الياميُّ الكوفيُّ، قال النَّسائيُّ: ليس به بأسٌ، وقال أحمد: كان مغفلًا ولم يكن من أصحاب الحديث، وقال أبو حاتمٍ: ليس بمتينٍ يُكتَب حديثه، وقال أبو زرعة: صدوق الحديث، وقد أخرج له المؤلِّف حديثين بصورة التَّعليق الموصول (١) عن بعض شيوخه عنه؛ أحدهما هذا، والآخر في «البيوع» [خ¦٥١/ ١٢ - ٤٠٤٥] وعلَّق له غيرهما، وروى له مسلمٌ حديثًا واحدًا في «كتاب الأحكام»: عن خالدٍ الحذَّاء مقرونًا بغيره، وروى له التِّرمذيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الحَجَّ) بالنُّون ونصب «الحجَّ» (فَلَمَّا قَدِمْنَا) مكَّة (أَمَرَنَا) ﷺ (أَنْ نَحِلَّ) بفتح أوَّله وكسر ثانيه، أي: من إحرامنا (فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ) يوم (النَّفْرِ) من منًى (حَاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ) ﵂ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : حَلْقَى عَقْرَى) في السَّابقة [خ¦١٧٧١]: تقديم المُؤخَّر (مَا أُرَاهَا) بضمِّ الهمزة، أي: ما أظنُّ صفيَّة (إِلَّا حَابِسَتَكُمْ، ثُمَّ قال: كُنْتِ طُفْتِ) بحذف همزة الاستفهام (يَوْمَ النَّحْرِ) طواف الإفاضة؟ (قَالَتْ) صفيَّة: (نَعَمْ) طفت (قَالَ): (فَانْفِرِي) بكسر الفاء: ارحلي، قالت عائشة: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي لَمْ أَكُنْ حَلَلْتُ) أي: حين قدمت مكَّة لأنِّي لم أكن تمتَّعت، بل كنت قارنةً (قَالَ) لها ﵊: (فَاعْتَمِرِي مِنَ التَّنْعِيمِ) وإنَّما أمرها بالاعتمار لتطييب قلبها حيث أرادت أن تكون (٢) لها عمرةٌ مستقلَّةٌ كسائر أمَّهات المؤمنين (فَخَرَجَ مَعَهَا أَخُوهَا) عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ، قالت عائشة: (فَلَقِينَاهُ) أي: النَّبيَّ ﷺ بعد ما قضيت العمرة ورجعنا إلى المنزل، حال كونه (مُدَّلِجًا) بتشديد الدَّال، أي: سائرًا من آخر اللَّيل إلى مكَّة لطواف الوداع (فَقَالَ) ﵊ لها: (مَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا) بنصب: «مكانَ» على الظَّرفيَّة، وفي بعض النُّسخ: «مكانُ» بالرَّفع خبر «موعدُك»، والمراد: موضع المنزلة، أي: أنَّه ﷺ لمَّا لقيها قال لعائشة: موضع المنزلة كذا وكذا؛ يعني: تكون الملاقاة هناك، حتَّى إذا عاد ﷺ من طوافه يجتمع بها هناك للرَّحيل.

стр. 4005

((٢٦)) (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لأبي ذرٍّ، وثبتت لغيره (بَابُ العَُمُْرَةِ) بضمِّ العين مع ضمِّ الميم وإسكانها وبفتح العين وإسكان الميم، وهي في اللُّغة: الزِّيارة، وقِيل: القصد إلى مكانٍ عامرٍ، وفي الشَّرع: قصد الكعبة للنُّسك بشروطٍ مخصوصةٍ (وُجُوبِ العُمْرَةِ وَفَضْلِهَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «باب وجوب العمرة وفضلها» ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «أبواب العمرة، باب وجوب العمرة وفضلها (١)» وسقط عنده عن غيره (٢) «أبواب العمرة»، وللأَصيليِّ وكريمة: «باب العمرة وفضلها» حسب (٣)، وسقط لابن عساكر «باب العمرة». (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄¬) ممَّا وصله ابن خزيمة والدَّارقطنيُّ والحاكم: (لَيْسَ) من خلق الله (٤) (أَحَدٌ) من المُكلَّفين (إِلَّا وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ) واجبتان مع الاستطاعة (٥). (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄¬) ممَّا وصله إمامنا الشَّافعيُّ وسعيد بن منصورٍ، كلاهما عن سفيان بن عُيَيْنَةَ عن عمرو بن دينارٍ، سمعت طاوسًا يقول: سمعت ابن عبَّاسٍ يقول: والله (إِنَّهَا لَقَرِينَتُهَا فِي كِتَابِ اللهِ) (﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]) الضَّمير الأوَّل في قوله: «إنَّها (٦) لقرينتها»

стр. 4006

للعمرة، والثَّاني: لفريضة الحجِّ، والأصل: لقَرينتُه؛ أي (١): لَقرينةُ الحجِّ، لكن (٢) قُصِد التَّشاكل فأُخرِج على هذا الوجه بالتَّأويل، فوجوب العمرة من عطفها على الحجِّ الواجب، وأيضًا إذا كان الإتمام واجبًا كان الابتداء واجبًا، وأيضًا معنى ﴿وَأَتِمُّواْ﴾: أقيموا، وقال الشَّافعيُّ فيما قرأته في «المعرفة» للبيهقيِّ: والذي هو أشبهُ بظاهر القرآن وأَوْلى بأهل العلم عندي، وأسأل الله التَّوفيق أن تكون العمرةُ واجبةً بأنَّ الله تعالى قرنها مع الحجِّ (٣)، فقال تعالى: (﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾) وأنَّ رسول الله ﷺ اعتمر قبل أن يحجَّ، وأنَّ رسول الله ﷺ سنَّ إحرامها والخروج منها بطوافٍ وسعيٍ وحِلَاقٍ (٤) وميقاتٍ، وفي الحجِّ زيادةُ عملٍ على العمرة، وظاهر القرآن أولى إذا لم تكن دلالةٌ. انتهى. وقول التِّرمذيِّ عن الشَّافعيِّ أنَّه قال: العمرة سنَّةٌ، لا نعلم أحدًا رخَّص في تركها، وليس فيها شيءٌ ثابتٌ بأنَّها تطوُّعٌ، لا يريد به أنَّها ليست واجبةً؛ بدليل قوله: لا نعلم أحدًا رخَّص في تركها لأنَّ السُّنَّة التي يُراد بها خلاف الواجب يُرخَّص في تركها قطعًا، والسُّنَّة تُطلَق ويُراد بها: الطَّريقة، قاله الزَّين العراقيُّ. ومذهب الحنابلة: الوجوب كالحجِّ، ذكره الأصحاب، قال الزَّركشيُّ منهم: جزم به جمهور الأصحاب، وعنه: أنَّها سنَّةٌ، والمشهور عن المالكيَّة: أنَّ العمرة تطوُّعٌ، وهو قول الحنفيَّة. لنا: ما سبق، وحديث زيد ابن ثابتٍ عند الحاكم والدَّارقطنيِّ قال: قال رسول الله ﷺ : «الحجُّ والعمرة فريضتان»، لكن قال الحاكم: الصَّحيح عن زيد بن ثابتٍ من قوله. انتهى. وفيه: إسماعيل بن مسلمٍ ضعَّفوه، وأخرج الدَّارقطنيُّ عن عمر بن الخطَّاب ﵁: أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، وأن تقيم الصَّلاة، وتؤتي الزَّكاة، وأن تحجَّ وتعتمر، قال الدَّارقطنيُّ: إسناده صحيحٌ، وحديثٌ (٥) عن

стр. 4007

عائشة عند ابن ماجه والبيهقيِّ وغيرهما بأسانيد صحيحةٍ: قالت: قلت: يا رسول الله؛ هل على النِّساء جهادٌ؟ قال: «نعم، جهادٌ لا قتال فيه: الحجُّ والعمرة»، وروى التِّرمذيُّ وصحَّحه: أنَّ أبا رَزِينٍ لَقِيط بن عامرٍ العُقَيليَّ أتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله؛ إنَّ أبي شيخٌ كبيرٌ لا يستطيع الحجَّ ولا العمرة ولا الظَّعن؟ قال: «حجَّ عن أبيك واعتمر»، واحتجَّ القائلون بالسُّنِّيَّة: بحديث (١): «بني الإسلام على خمسٍ» [خ¦٨]، فذكر الحجَّ دون العمرة، وأجابوا عن ثبوتها في حديث الدَّارقطنيِّ بأنَّها شاذَّةٌ، وبحديث الحجَّاج بن أرطاة عن محمَّد بن المنكدر عن جابرٍ عند التِّرمذيِّ -وقال: حسنٌ صحيحٌ- قال: سُئِل رسول الله ﷺ عن العمرة: أواجبةٌ هي؟ قال: «لا، وإن تعتمر فهو أفضل»، لكن قال في «شرح المُهذَّب»: اتَّفق الحفَّاظ على أنَّه حديثٌ ضعيفٌ، ولا يغترَّ بقول التِّرمذيِّ فيه: حسنٌ صحيحٌ، وقال العلَّامة الكمال ابن الهمام في «فتح القدير»: إنَّه لا ينزل عن كونه حسنًا، والحسن حجَّةٌ اتِّفاقًا، وإن قال الدَّارقطنيُّ: الحجَّاج بن أرطاة لا يُحتَجُّ به فقد اتَّفقت الرِّوايات عن التِّرمذيِّ على تحسين حديثه هذا، وقد رواه ابن جريجٍ عن محمَّد بن المنكدر عن جابرٍ، وأخرجه الطَّبرانيُّ في «الصَّغير» والدَّارقطنيُّ بطريقٍ آخر عن جابرٍ، فيه يحيى بن أيُّوب وضعَّفه، وروى عبد الباقي ابن قانعٍ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الحجُّ جهادٌ والعمرة تطوُّعٌ»، وهو أيضًا حجَّةٌ، وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁: الحجُّ فريضةٌ والعمرة تطوُّعٌ، وكفى بعبد الله قدوةً، وتعدُّد طرق حديث التِّرمذيِّ الذي اتَّفقت الرِّوايات على تحسينه ترفعه إلى درجة الصَّحيح، كما أنَّ تعدُّد طرق الضَّعيف ترفعه إلى الحسن، فقام ركن المعارضة، والافتراض لا يثبت مع المعارضة لأنَّ المعارضة تمنعه من إثبات مقتضاه، ولا يخفى أنَّ المراد من قول الشَّافعيِّ: الفرض الظَّنِّيُّ هو الوجوب عندنا، ومقتضى ما ذكرناه: ألَّا يثبت مقتضى ما رويناه أيضًا للاشتراك في موجب المعارضة، فحاصل التَّقرير حينئذِ: تعارض

стр. 4008

مقتضيات الوجوب والنَّفل فلا يثبت، ويبقى مجرَّد فعله ﵊ وأصحابه والتَّابعين، وذلك يوجب السُّنِّيَّة، فقلنا بها. انتهى. وأجاب القائلون بالاستحباب أيضًا عن الآية بأنَّه لا يلزم من الاقتران بالحجِّ أن تكون العمرة واجبةً، فهذا الاستدلال ضعيفٌ، وبأنَّ في قراءة الشَّعبيِّ: (وَالعُمْرَةُ للهِ) بالرَّفع، فَفَصَل بهذه القراءة عطفَ العمرة على الحجِّ ليرتفع الإشكال. ١٧٧٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ سُمَيٍّ) بضمِّ السِّين المهملة وفتح الميم (مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن الحارث بن هشامٍ، مات مقتولًا بقُدَيدٍ سنة ثلاثين ومئةٍ، وحديثه هذا من غرائب الصَّحيح لأنَّه تفرَّد به واحتاج النَّاس إليه فيه، فرواه عنه مالكٌ والسفيانان وغيرهما، حتَّى إنَّ سهيل بن أبي صالحٍ حدَّث به عن سُمَيٍّ عن أبي صالحٍ، فكأنَّ سهيلًا لم يسمعه من أبيه، وتحقَّق بذلك تفرُّد سُمَيٍّ به، قاله ابن عبد البرِّ فيما حكاه عنه (١) في «الفتح» (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ) يحتمل -كما قاله ابن التِّين- أنَّ: «إلى» بمعنى «مع» كقوله تعالى: ﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] ﴿مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] (كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا) من الذُّنوب غير الكبائر، وظاهره: أنَّ العمرة الأولى هي المكفِّرة لأنَّها هي التي وقع الخبر عنها أنَّها تكفِّر، ولكنَّ الظَّاهر من جهة المعنى أنَّ العمرة الثَّانية هي التي تكفِّر ما قبلها إلى العمرة السَّابقة، فإنَّ التَّكفير قبل وقوع الذَّنب خلاف الظَّاهر، واستشكل بعضهم كون العمرة كفَّارةً، مع أنَّ اجتناب الكبائر مكفِّرٌ (٢)، فماذا تكفِّر العمرة؟ وأُجيب بأنَّ تكفير العمرة مقيَّدٌ بزمنها، وتكفير الاجتناب عامٌّ لجميع عمر العبد، فتغايرا من هذه الحيثيَّة.

стр. 4009

(وَالحَجُّ المَبْرُورُ) الذي لا يخالطه إثمٌ، أو المُتقبَّل، أو (١) الذي لا رياءَ فيه ولا سمعةَ ولا رفثَ ولا فسوقَ (لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ) فلا يقتصر لصاحبه من (٢) الجزاء على تكفير بعض ذنوبه (٣)، وفي «التِّرمذيِّ» من حديث عبد الله بن مسعودٍ قال: قال رسول الله ﷺ : «تابعوا بين الحجِّ والعمرة فإنَّهما ينفيان الفقر كما ينفي الكير خبث الحديد والذَّهب والفضَّة، وليس للحجَّة المبرورة ثوابٌ إلَّا الجنَّة». وهذا الحديث رواه مسلمٌ والتِّرمذيُّ. (٢) (بابُ مَنِ اعْتَمَرَ قَبْلَ الحَجِّ) هل يجزيه ذلك أم لا؟ ١٧٧٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو ابن ثابت بن عثمان المعروف بابن شبُّويه، قاله

стр. 4010

الدَّارقطنيُّ، وقال الحاكم أبو عبد الله: هو أحمد بن محمَّد بن موسى المروزيُّ، يُعرَف بمردويه، ورجَّح المزِّيُّ وغيرُه هذا الثَّاني، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) هو ابن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك المكِّيُّ (أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ خَالِدٍ) هو ابن العاص (١) بن هشامٍ المخزوميَّ: (سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ عَنِ العُمْرَةِ قَبْلَ الحَجِّ؟ فَقَالَ) ابن عمر: (لَا بَأْسَ) زاد أحمد وابن خزيمة فقالا: لا بأس على أحدٍ أن يعتمر قبل الحجِّ. (قَالَ عِكْرِمَةُ) بن خالدٍ بالإسناد السَّابق: (قَالَ ابْنُ عُمَرَ: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ) ولمَّا كان قوله في الحديث السَّابق: «أخبرنا ابن جريجٍ: أنَّ عكرمة بن خالدٍ سأل ابن عمر» يقتضي أنَّ الإسناد مُرسَلٌ لأنَّ ابن جريجٍ لم يدرك زمان سؤال عكرمة لابن عمر استظهر المؤلِّف بالتَّعليق الذي سيذكره عن ابن إسحاق المصرِّح بالاتِّصال فقال: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريُّ المدنيُّ، نزيل بغداد، تُكلِّم فيه بلا قادحٍ، ممَّا وصله أحمد: (عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ) محمَّدٍ صاحب المغازي، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ) المذكور قال: (سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ مِثْلَهُ) ولفظ أحمد: قدمتُ المدينة في نفرٍ من أهل مكَّة، فلقيت عبد الله بن عمر، فقلت: إنَّا لم نحجَّ قطُّ، أفنعتمر من المدينة؟ قال: نعم، وما يمنعكم من ذلك؟ فقد اعتمر رسول الله ﷺ عُمَرَهُ كلَّها من المدينة (٢) قبل حجِّه، قال: «فاعتمرنا». وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي الوقت: «حدَّثني» (عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم ابن بحرٍ الباهليُّ الصَّيرفيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلدٍ النَّبيل قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك (قَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ) هو المخزوميُّ السَّابق: (سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ مِثْلَهُ) وقول ابن بطَّالٍ: جواب ابن عمر بجواز الاعتمار قبل الحجِّ يدلُّ على أنَّ مذهبه أنَّ فرض الحجِّ كان قد نزل على النَّبيِّ ﷺ قبل اعتماره، وذلك يدلُّ على أنَّ الحجَّ

стр. 4011

على التَّراخي؛ إذ لو كان وقته مُضيَّقًا لوجب إذا أخَّره إلى سنةٍ أخرى أن يكون قضاءً، واللَّازم باطلٌ، تعقَّبه ابن المُنيِّر بأنَّ القضاء خاصٌّ بما وُقِّت بوقتٍ مُعيَّنٍ مضيَّقٍ كالصَّلاة والصِّيام، وأمَّا ما ليس كذلك فلا يُعَدُّ تأخيره قضاءً، سواءٌ كان على الفور أو على التَّراخي كما في الزَّكاة يؤخِّرها ما شاء الله بعد تمكُّنه من أدائها على الفور، فإنَّ المؤخِّر على هذا الوجه يأثم، ولا يُعَدُّ أداؤه له (١) بعد ذلك قضاءً، بل هو أداءٌ، ومن ذلك: الإسلام واجبٌ على الكفَّار على الفور، فلو تراخى عنه الكافر ما شاء الله ثمَّ أسلم لم يُعَدَّ ذلك قضاءً (٢). (٣) هذا (٣) (بابٌ) بالتَّنوين، يذكر فيه: (كَمِ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ ؟). ١٧٧٥ - ١٧٧٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ البغلانيُّ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن

стр. 4012

عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ المفسِّر (قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ المَسْجِدَ) المدنيَّ النَّبويَّ (فَإِذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ جَالِسٌ) خبر «عبدُ الله» (إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ) ﵂، وعند أحمد في رواية مُفَضَّلٍ عن منصورٍ: فإذا ابن عمر مستندٌ إلى حجرة عائشة (وَإِذَا أُنَاسٌ) بهمزةٍ مضمومةٍ، وفي «الفتح»: «ناسٌ» بحذفها للكُشْمِيْهَنِيِّ، وفي الفرع وأصله علامة ثبوتها لأبي الوقت (يُصَلُّونَ فِي المَسْجِدِ صَلَاةَ الضُّحَى قَالَ) مجاهدٌ: (فَسَأَلْنَاهُ) أي: ابن عمر (عَنْ صَلَاتِهِمْ) التي يصلُّونها في المسجد (فَقَالَ) أي (١): ابن عمر: صلاتهم على هذه الصِّفة من الاجتماع لها في المسجد (بِدْعَةٌ، ثُمَّ قَالَ) عروة بن الزُّبير، وقع (٢) التَّصريح بأنَّه عروة في «مسلمٍ» في رواية عن إسحاق بن رَاهُوْيَه عن جريرٍ (٣) (لَهُ) أي: لابن عمر: (كَمِ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ: أَرْبَعٌ) بالرَّفع خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: عُمَرُهُ أربعٌ، ولأبي ذرٍّ: «أربعًا» بالنَّصب، أي: اعتمر أربعًا، قال ابن مالكٍ: الأكثر في جواب الاستفهام مطابقة اللَّفظ والمعنى، وقد يكتفىَ بالمعنى، فمن الأوَّل: قوله تعالى: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ (٤)﴾ [طه: ١٨] في جواب: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ١٧] ومن الثَّاني: قوله ﵊: «أربعين يومًا» جوابًا لقول السَّائل: ما لبثه في الأرض؟ فأُضمِر «يلبث» ونُصِب به: «أربعين»، ولو قصد تكميل المطابقة لقال: أربعون لأنَّ الاسم المُستفهَم به في موضع الرَّفع، فظهر بهذا أنَّ الوجهين (٥) جائزان إلَّا أنَّ النَّصب أقيس وأكثر نظائر، قال: ويجوز أن يكون «أربعٌ» كُتِبَ بالألف (٦) على لغة ربيعة في الوقف بالسُّكون على المنصوب المُنوَّن (٧). انتهى.

стр. 4013

وهو (١) مثل ما سبق له قريبًا، وقد مرَّ قول (٢) العلَّامة البدر الدَّمامينيِّ: إنَّه مقتضٍ للنَّصب لا للرَّفع (إحْدَاهُنَّ) أي: العمرات كانت (فِي) شهر (رَجَبٍ) بالتَّنوين (فَكَرِهْنَا أَنْ نَرُدَّ عَلَيْهِ). (قَالَ: وَسَمِعْنَا اسْتِنَانَ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ) ﵂، أي: حسَّ مرور السِّواك على أسنانها (فِي الحُجْرَةِ، فَقَالَ عُرْوَةُ) بن الزُّبير لعائشة: (يَا أُمَّاهُ) بالألف بين الميم والهاء المضمومة (٣) في الفرع وغيره، وقال الحافظ ابن حجرٍ والبرماويُّ -كالكِرمانيِّ-: بسكونها، ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «يا أمَّهْ» بحذف الألف وسكون الهاء، وفي نسخةٍ (٤): «يا أمَّ المؤمنين» وهذا بالمعنى (٥) الأعمِّ لأنَّها أمُّ المؤمنين، والسَّابق بالمعنى الأخصِّ لأنَّها خالته (أَلَا تَسْمَعِينَ مَا يَقُولُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الله بن عمر ﵄؟ (قَالَتْ) عائشة ﵂: (مَا يَقُولُ) عبد الله؟ (قَالَ) عروة: (يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَُْرَاتٍ) بسكون الميم وفتحها وضمِّها (٦)، والتَّحريكُ لأبي ذرٍّ: «عَمَرَاتٍ» بفتحاتٍ (٧) (إِحْدَاهُنَّ فِي) شهر (رَجَبٍ، قَالَتْ) أي (٨): عائشة: (يَرْحَمُ اللهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ابن عمر ﵄ (مَا اعْتَمَرَ) النَّبيُّ ﷺ (عُمْرَةً إِلَّا وَهُوَ) أي: ابن عمر (شَاهِدُهُ) أي: حاضرٌ معه (وَمَا اعْتَمَرَ) ﷺ (فِي) شهر (رَجَبٍ قَطُّ) قالت ذلك مبالغةً في نسبته إلى النِّسيان، ولم تنكر عليه إلَّا قوله: «إحداهنَّ في رجبٍ»، وزاد مسلمٌ عن عطاءٍ عن عروة قال: «وابن عمر يسمع، فما قال: لا ولا نعم (٩)، سكت» قال النَّوويُّ: سكوت ابن عمر على إنكار عائشة يدلُّ

стр. 4014

على أنَّه كان اشتبه عليه أو نسي أو شكَّ. انتهى. وبهذا يُجاب عمَّا استشكل من تقديم قول عائشة النَّافي على قول ابن عمر المثبت، وهو خلاف القاعدة المقرَّرة (١). ١٧٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) النَّبيل، الضَّحَّاك بن مخلدٍ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂¬) أي: عن قول ابن عمر [خ¦١٧٧٦]: إنَّ النَّبيَّ ﷺ اعتمر أربع عمراتٍ، إحداهنَّ في رجبٍ (قَالَتْ: مَا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي رَجَبٍ) زاد في الأولى: «قطُّ». ١٧٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ حَسَّانَ) غير مصروفٍ البصريُّ نزيل مكَّة، قال البخاريُّ: كان المقرئ يثني عليه، وقال أبو حاتمٍ: منكر الحديث، لكن روى عنه البخاريُّ حديثين فقط؛ أحدهما: هذا، وأخرجه أيضًا عن هدبة وأبي الوليد الطَّيالسيِّ بمتابعته عن همَّامٍ، والآخر: في «المغازي» [خ¦٤٠٤٨] عن محمَّد بن طلحة عن حُميَدٍ، وله طرقٌ أخر (٢) عن حُمَيدٍ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بتشديد الميم بعد فتح الهاء ابن يحيى بن دينارٍ العَوْذِيُّ الشَّيبانيُّ البصريُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة قال: (سَأَلْتُ أَنَسًا) هو ابن مالكٍ (¬﵁: كَمِ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ: أَرْبَعٌ) بالرَّفع: أي: الذي اعتمره أربع (عُمْرَةُ الحُدَيْبِيَةِ) بتخفيف الياء على الفصيح (٣)، و «عمرةُ»: رَفعُ بدلٍ من

стр. 4015

«أربعٌ»، ولأبي ذرٍّ: «أربعًا» بالنَّصب، أي: اعتمر أربعَ عُمَرٍ (١): «عمرةَ الحديبية» بالنَّصب بدلٌ من المنصوب (فِي ذِي القَعْدَةِ) سنة ستٍّ (حَيْثُ صَدَّهُ المُشْرِكُونَ) بالحديبية فنحر الهدي بها، وحلق هو وأصحابه، ورجع إلى المدينة (وَعُمْرَةٌ) بالرَّفع عطفًا (٢) على المرفوع، ولأبي ذرٍّ: «وعمرةً» بالنَّصب عطفًا على المنصوب (مِنَ العَامِ المُقْبِلِ فِي ذِي القَعْدَةِ حَيْثُ صَالَحَهُمْ) يعني: قريشًا، وهي عمرة القضاء والقضيَّة، وإنَّما سُمِّيت بهما لأنَّه ﷺ قاضى قريشًا فيها، لا أنَّها وقعت قضاءً عن العمرة التي صُدَّ عنها؛ إذ لو كان كذلك لكانتا عمرةً واحدةً، وهذا مذهب الشَّافعيَّة والمالكيَّة، وقال الحنفيَّة: هي قضاءٌ عنها، قال في «فتح القدير»: وتسمية الصَّحابة وجميع السَّلف إيَّاها بعمرة القضاء ظاهرٌ في خلافه، وتسمية بعضهم إيَّاها عمرة القضيَّة لا ينفيه؛ فإنَّه اتَّفق في الأولى مقاضاة النَّبيِّ ﷺ أهلَ مكَّة على أن يأتي من العام المقبل فيدخل مكَّة بعمرةٍ ويقيم ثلاثًا، وهذا الأمر قضيَّةٌ تصحُّ إضافة هذه العمرة إليها، فإنَّها عمرةٌ كانت عن تلك القضيَّة، فهي قضاءٌ عن تلك القضيَّة، فتصحُّ إضافتها إلى كلٍّ منهما، فلا تستلزم الإضافة إلى القضيَّة نفي القضاء، والإضافة إلى القضاء تفيدُ ثبوته فيثبت مفيد ثبوته بلا معارضٍ. انتهى. (وَعُمْرَةُ) بالرَّفع وبالنَّصب كما مرَّ (الجِعِْرَّانَةِ) بكسر الجيم وسكون العين المهملة وتخفيف الرَّاء وبكسر العين وتشديد الرَّاء، والأوَّل: ذهب إليه الأصمعيُّ، وصوَّبه الخطَّابيُّ، وهي (٣) ما بين الطَّائف ومكَّة (إِذْ) أي: حين (قَسَمَ غَنِيمَةَ) بالنَّصب معمول «قَسَمَ» من غير تنوينٍ؛ لإضافته في الحقيقة إلى حنينٍ (-أُرَاهُ-) بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّه، وهو اعتراضٌ بين المضاف وبين (حُنَيْنٍ) المضاف إليه، وكأنَّ الرَّاوي طرأ عليه شكٌّ، فأدخل لفظ: «أُراه» بينهما، وقد رواه مسلمٌ عن همَّامٍ بغير شكٍّ، و «حُنَينٌ»: وادٍ بينه وبين مكَّة ثلاثة أميالٍ، وكانت في سنة ثمانٍ في زمن غزوة الفتح، ودخل ﵊ بهذه العمرة إلى مكَّة ليلًا، وخرج منها ليلًا إلى الجعرانة فبات بها، فلمَّا أصبح وزالت الشَّمس خرج في (٤) بطن سَرِف حتَّى جامع الطَّريق، ومن ثمَّ خفيت هذه العمرة على كثيرٍ من النَّاس.

стр. 4016

قال قتادة: (قُلْتُ) لأنسٍ: (كَمْ حَجَّ) ﷺ ؟ (قَالَ): حجَّ (وَاحِدَةً) وقد سقط من رواية حسَّان هذه العمرة الرَّابعة؛ ولذا استظهر المؤلِّف بطريق أبي الوليد الثَّابت ذِكْرُها فيها (١) [خ¦١٧٧٩] حيث قال: «وعمرةً مع حجَّته». ١٧٧٩ - ١٧٨٠ - فقال بالسَّند السابق: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ) الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) العوذيُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعَامة (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا ﵁¬) أي (٢): كم اعتمر النَّبيُّ ﷺ (فَقَالَ: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ (٣) حَيْثُ رَدُّوهُ) أي: المشركون بالحديبية (وَ) اعتمر (مِنَ) العام (القَابِلِ عُمْرَةَ الحُدَيْبِيَةِ) وهي عمرة القضاء وهي و (٤) سابقتها من الحديبية، أو (٥) قوله: «الحديبية» يتعلَّق بقوله: «حيث ردُّوه» (وَ) اعتمر (عُمْرَةً فِي ذِي القَعْدَةِ) وهي عمرة الجِعْرَانة (وَ) اعتمر (عُمْرَةً) وهي الرَّابعة (مَعَ حَجَّتِهِ) وهذا بعينه هو الحديث الأوَّل بمتنه وسنده [خ¦١٧٧٨] لكنَّ شيخه في الأوَّل: حسَّان، وفي الثَّاني: أبو الوليد، وأسقط في الأوَّل: العمرة الرَّابعة، وأثبتها في هذا -كـ «مسلمٍ» - من طريق عبد الصَّمد عن هشامٍ، لكن قال الكِرمانيُّ: إنَّها داخلةٌ في الحديث الأوَّل ضمن الحجِّ لأنَّه ﷺ إمَّا أن يكون (٦) متمتِّعًا أو قارنًا أو مفردًا، والمشهور عن عائشة: أنَّه كان مفردًا، لكن ما ذكر هنا يشعر بأنَّه كان قارنًا، وكذا ابن عمر أنكر على أنسٍ كونه كان قارنًا،

стр. 4017

مع أنَّ حديثه المذكور هنا يدلُّ على أنَّه كان قارنًا؛ لأنَّه لم ينقل أنَّه اعتمر بعد حجَّته، فلم يبق إلَّا أنَّه اعتمر مع حجَّته، ولم يكن متمتِّعًا لأنَّه اعتذر عن ذلك بكونه ساق الهدي، وقد كان أحرم أوَّلًا بالحجِّ ثمَّ أدخل عليه العمرة بالعقيق، ومن ثمَّ اختلف في عدد عُمَرِه: فمن قال: أربعًا فهذا وجهه، ومن قال: ثلاثًا أسقط الأخيرة لدخول أفعالها في الحجِّ، ومن قال: اعتمر عمرتين أسقط عمرة الحديبية لكونهم صُدُّوا عنها، وأسقط الأخيرة لِما ذُكِر، وأثبت عمرة القضيَّة والجِعْرَانة. وبه قال: (حَدَّثَنَا هُدْبَةُ) بضمِّ الهاء وسكون المهملة وفتح المُوحَّدة بغير تنوينٍ، ابن خالدٍ القيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) أي (١): المذكور (وَقَالَ) أي: بالإسناد المذكور، وهو عن قتادة عن أنسٍ: (اعْتَمَرَ) أي: النَّبيُّ ﷺ (أَرْبَعَ عُمَرٍ) كلُّهنَّ (فِي ذِي القَعْدَةِ إِلَّا الَّتِي اعْتَمَرَ) وللحَمُّويي والمُستملي: «إِلَّا الذي» بصيغة المُذكَّر، أي: إلَّا النُّسك الذي اعتمر (مَعَ حَجَّتِهِ) في ذي الحجَّة، ثمَّ بيَّن الأربعة المذكورة بقوله: (عُمْرَتَهُ) نُصِب بـ «اعتمر» (مِنَ الحُدَيْبِيَةِ) وهي الأولى (وَ) الثَّانية: (مِنَ العَامِ المُقْبِلِ) وهي عمرة القضيَّة (وَ) الثَّالثة: (مِنَ الجِعْرَانَةِ حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ) بالصَّرف (وَ) الرَّابعة: (عُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ) في ذي الحجَّة -كما مرَّ- قال القابسيُّ: هذا الاستثناء كلامٌ زائدٌ، وصوابه: أربع عُمَرٍ: في ذي القعدة، وعمرته (٢) من الحديبية … إلى آخره، وقد عدَّها في آخر الحديث فكيف يستثنيها أوَّلًا؟ قال عياضٌ: والرِّواية عندي هي الصَّواب، وقد عدَّها بعدُ في الأربع، فكأنَّه قال: في ذي القعدة منها ثلاثٌ، والرَّابعة عمرته في حجَّته. ١٧٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ) بن حكيم بن دينارٍ الأوديُّ قال: (حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ

стр. 4018

مَسْلَمَةَ) بفتح الميمين واللَّام، و «شُرَيح»: بالشِّين المعجمة المضمومة والحاء المهملة قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ) يوسف بن إسحاق الهَمْدانيُّ السَّبيعيِّ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ (قَالَ: سَأَلْتُ مَسْرُوقًا) يعني: ابن الأجدع (وَعَطَاءً) هو ابن أبي رباحٍ (وَمُجَاهِدًا) هو ابن جبرٍ، أي: كم اعتمر رسول الله ﷺ ؟ (فَقَالُوا: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي الوقت: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ فِي ذِي القَعْدَةِ) وسقط قوله: «في ذي القعدة» في رواية أبوي ذرٍّ والوقت (قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ) حجَّة الوداع. (وَقَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵄ يَقُولُ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ذِي القَعْدَةِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ مَرَّتَيْنِ) لا يدلُّ على نفي غيره لأنَّ مفهوم العدد لا اعتبار له، وقِيلَ: إنَّ البراء لم يعدَّ الحديبية لكونها لم تتمَّ، والتي مع حجَّته لأنَّها دخلت في أفعال الحجِّ، وكلُّهنَّ، أي: الأربعة في ذي القعدة في أربعة أعوامٍ على ما هو الحقُّ؛ كما ثبت عن عائشة وابن عبَّاسٍ ﵃: لم يعتمر رسول الله ﷺ إلَّا في ذي القعدة، ولا ينافيه كون عمرته التي مع حجَّته في ذي الحجَّة، لأنَّ مبدأها كان في ذي القعدة، لأنَّهم خرجوا لخمسٍ بقين من ذي القعدة؛ كما في «الصَّحيح» [خ¦١٧٠٩] وكان إحرامه بها في وادي العقيق قبل أن يدخل ذو الحجَّة، وفعلها كان في ذي الحجَّة، فصحَّ طريقا (١) الإثبات والنَّفي، وأمَّا ما رواه الدَّارقطنيُّ عن عائشة: خرجت مع رسول الله ﷺ في عمرة رمضان فقد حكم الحفَّاظ بغلط هذا الحديث؛ إذ لا خلاف أنَّ عُمَره لم تزد على أربعٍ، وقد عيَّنها أنسٌ وعدَّها وليس فيها ذكر شيءٍ منها في غير ذي القعدة سوى التي مع حجَّته، فلو كانت له عمرةٌ في رجبٍ وأخرى في رمضان لكانت ستًّا، ولو كانت أخرى في شوَّال -كما هو في «سنن أبي داود» - عن عائشة: أنَّه ﵊ اعتمر في شوَّال لكانت سبعًا، والحقُّ في ذلك: أنَّ ما أمكن فيه الجمع وجب ارتكابه دفعًا للمعارضة، وما لم يمكن فيه حُكِمَ بمقتضى الأصحِّ والأثبت، وهذا أيضًا ممكن (٢) الجمع بإرادة عمرة الجعرانة؛ فإنَّه ﵊ خرج إلى حُنَينٍ في شوَّال، والإحرام بها في ذي القعدة، فكان مجازًا للقرب، هذا إن صحَّ وحُفِظ، وإلَّا فالمُعوَّل عليه الثَّابت، والله أعلم. ورواة هذا الحديث كلُّهم كوفيُّون إلَّا عطاءً ومجاهدًا فمكِّيَّان، وفيه: التَّحديث والعنعنة والسُّؤال والسَّماع والقول.

стр. 4019

(٤) (باب) فضل (عُمْرةٍ) تُفعَل (فِي) شهر (رَمَضَانَ). ١٧٨٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بفتح السِّين المهملة بعد ضمِّ الميم والدَّال الأولى مُشدَّدةً قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ، ولـ «مسلمٍ»: أخبرني عطاءٌ (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄¬) حال كونه (يُخْبِرُنَا) وحال كونه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي الوقت: «قال النَّبيُّ» (¬ ﷺ : لِامْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ) هي أمُّ سنان؛ كما عند المصنِّف [خ¦١٨٦٣] و «صحيح مسلمٍ» في «باب حجِّ النِّساء» (سَمَّاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ) قال ابن جريجٍ: (فَنَسِيتُ اسْمَهَا) وليس النَّاسي عطاءً؛ لأنَّه سمَّاها في حديثه المرويِّ عند المؤلِّف من طريق حَبيبٍ المعلِّم عنه في «باب حج النِّساء» [خ¦١٨٦٣] لكن يحتمل أن يكون عطاءٌ كان ناسيًا لاسمها لمَّا حدَّث به ابن جريجٍ، وذاكرًا له لمَّا حدَّث به حَبيبًا: (مَا مَنَعَكِ أَنْ تَحُجِّينَ مَعَنَا؟) بإثبات نون «تحجِّين» على إهمال «أن» النَّاصبة، وهو قليلٌ، وبعضهم ينقل: أنَّها لغةٌ لبعض العرب، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «أن تحجِّي» بحذفها، على إعمال «أن»، وهو المشهور (قَالَتْ) أي (١): أمُّ سنانٍ: (كَانَ لَنَا نَاضِحٌ) بالنُّون والضَّاد المعجمة المكسورة وبالحاء المهملة: البعير الذي يُستقَى عليه (فَرَكِبَهُ أَبُو فُلَانٍ وَابْنُهُ -لِزَوْجِهَا) أبي سنانٍ (وَابْنِهَا-) سنانٍ، وفي «النَّسائيِّ» و «الطَّبرانيِّ» في قصَّةٍ تشبه هذه: اسمها أمُّ معقلٍ زينب، وزوجها أبو

стр. 4020

معقلٍ الهيثم، ووقع مثله لأمِّ طليقٍ وأبي طليقٍ عند ابن أبي شيبة (١) وابن السَّكن، وعند ابن حبَّان في «صحيحه»: قالت أمُّ سليمٍ: حَجَّ أبو طلحة وابنه وتركاني، ونحوه عند ابن أبي شيبة من وجهٍ آخر عن عطاءٍ، والابن المذكور: الظَّاهر أنَّه أنسٌ لأنَّ أبا طلحة لم يكن له ابنٌ كبيرٌ يحجُّ، فيكون المراد بالابن أنسًا مجازًا، ويؤيِّد ذلك: أنَّ في حديث البخاريِّ أنَّها من الأنصار، وليست أمُّ معقلٍ أنصاريَّةً، بل وفي «سنن أبي داود»: أنَّ أبا معقلٍ لم يحجَّ معهم، بل تأخَّر لمرضه فمات، وأمَّا أمُّ سنانٍ فهي أنصاريَّةٌ أيضًا، وبالجملة فيحتمل أنَّها وقائع متعدِّدةٌ لمن ذكر هنا، والضَّمير في قوله: «لزوجها وابنها» للمرأة المذكورة من الأنصار، ولـ «مسلمٍ»: ناضحان كانا لأبي فلانٍ زوجها، حجَّ هو وابنه على أحدهما. (وَتَرَكَ نَاضِحًا نَنْضَحُ عَلَيْهِ) بفتح الضَّاد في الفرع وغيره، وضبطه الحافظ ابن حجرٍ والعينيُّ: بالكسر، كالنَّوويِّ في «شرح مسلمٍ» (قَالَ) ﷺ : (فَإِذَا كَانَ رَمَضَانُ) بالرَّفع على أنَّ «كان» تامَّةٌ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فإذا كان في رمضان» (اعْتَمِرِي) وفي نسخةٍ: «فاعتمري» (فِيهِ؛ فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ حَجَّةٌ، أَوْ نَحْوًا مِمَّا قَالَ) وللمُستملي: «أو نحوًا من ذلك» (٢)، وسقط في رواية ابن عساكر قوله: «ممَّا قال»، و «حجَّةٌ»: بالرَّفع خبر «إنَّ» أي: كحجَّةٍ في الفضل، ولـ «مسلمٍ»: فإنَّ عمرةً فيه تعدل حجَّةً، ولعلَّ هذا هو السَّبب في قول المؤلِّف: «أو نحوًا ممَّا قال»، وقال المظهريُّ في قوله: «تعدل حجَّةً» أي: تقابل وتماثل في الثَّواب؛ لأنَّ الثَّواب يفضل بفضيلة الوقت، وقال الطِّيبيُّ: هذا من باب المبالغة وإلحاق النَّاقص بالكامل ترغيبًا وبعثًا عليه، وإلَّا كيف يعدل ثواب العمرة ثواب الحجِّ، قال ابن خزيمة ﵀: إنَّ الشَّيء يُشَبَّه بالشَّيء ويُجْعَل عِدْلَه إذا أشبهه في بعض المعاني لا جميعها؛ لأنَّ العمرة لا يُقضَى بها فرض الحجِّ ولا النَّذر. انتهى. وقول الزَّركشيِّ كابن بطَّالٍ: إنَّ الحجَّ الذي ندبها إليه كان تطوُّعًا لأنَّ العمرة لا تجزئ عن (٣) حجَّة الفريضة، ردَّه

стр. 4021

ابن المُنيِّر فقال: هو وهمٌ من ابن بطَّالٍ لأنَّ حجَّة الوداع أوَّل حجٍّ أُقيم في الإسلام، وقد تقدَّم أنَّ حجَّ أبي بكرٍ كان إنذارًا ولم يكن فرض الإسلام، قال: فعلى هذا يستحيل أن تكون تلك المرأة كانت قامت بوظيفة الحجِّ بعد لأنَّ أوَّل حجٍّ لم تحضره هي، ولم يأت زمان حجٍّ ثانٍ عند قوله ﵊ لها ذلك، وما جاء (١) الحجُّ الثَّاني إلَّا والرَّسول ﵊ قد تُوفِّي، فإنَّما أراد ﵊ أن يستحثَّها على استدراك ما فاتها من البدار، ولا سيَّما الحجُّ معه ﵊ لأنَّ فيه مزيَّةً على غيره. انتهى. وتعقَّبه الحافظ (٢) ابن حجرٍ فقال: وما قاله غير مسلمٍ؛ إذ لا مانع أن تكون حجَّت مع أبي بكرٍ، فسقط عنها الفرض بذلك، لكنَّه بُنِي على أنَّ الحجَّ إنَّما فُرِض في السَّنة العاشرة حتَّى يسلم ممَّا يرد على مذهبه من القول: بأنَّ الحجَّ على الفور، وقال ابن التِّين: يحتمل أن يكون قوله: «حجَّةٌ» على بابه، ويحتمل أن يكون لبركة رمضان، ويحتمل أن يكون مخصوصًا بهذه المرأة. انتهى. وفي رواية أحمد بن منيعٍ: قال سعيد بن جبيرٍ: ولا نعلم هذا إلَّا لهذه المرأة وحدها، وقال ابن الجوزيِّ: فيه أنَّ ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت؛ كما يزيد بحضور القلب وخلوص القصد. انتهى. وقال غيره: لمَّا ثبت أنَّ عُمَرَهُ ﷺ كانت كلُّها في ذي القعدة، وقع تردُّدٌ لبعض أهل (٣) العلم في أنَّ أفضل أوقات العمرة أشهر الحجِّ أو رمضان، ففي رمضان ما تقدَّم ممَّا يدلُّ على الأفضليَّة، لكن فعله ﵊ لمَّا لم يقع إلَّا في أشهر الحجِّ كان ظاهرًا أنَّه أفضل إذ لم يكن الله يختار لنبيِّه إلَّا ما هو الأفضل، أو أنَّ رمضان أفضل؛ لتنصيصه ﵊ على ذلك، فَتَركه لاقترانه بأمرٍ يخصُّه؛ كاشتغاله بعباداتٍ أخرى في رمضان تبتُّلًا، وألَّا يشقَّ على أمَّته؛ فإنَّه لو اعتمر فيه لخرجوا معه ولقد كان بهم رؤوفًا رحيمًا، وقد أخبر في بعض العبادات أنَّه تركها لئلَّا يشقَّ على أمَّته مع محبَّته لذلك؛

стр. 4022

كالقيام في رمضان بهم، ومحبَّته لأن يستقي بنفسه مع سقاة زمزم كيلا (١) يغلبهم النَّاس على سقايتهم، والذي يظهر: أنَّ العمرة في رمضان لغيره ﵊ أفضل، وأمَّا في حقِّه هو (٢) فلا، فالأفضل ما صنعه لأنَّ فعله لبيان (٣) جواز ما كان (٤) أهل الجاهليَّة يمنعونه، فأراد الرَّدَّ عليهم بالقول والفعل، وهو لو (٥) كان مكروهًا لغيره (٦) لكان (٧) في حقِّه أفضل، والله أعلم. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الحجِّ». (٥) (بابُ) مشروعيَّة (العُمْرَةِ لَيْلَةَ الحَصْبَةِ) بفتح الحاء وسكون الصَّاد المهملتين وفتح المُوحَّدة، أي: ليلة المبيت بالمُحصَّب، وجميع السَّنة وقتٌ للعمرة إلَّا لحاجٍّ، فيمتنع إحرامه بها قبل نفره، أمَّا قبل تحلُّله فلامتناع إدخالها على الحجِّ، وأمَّا بعده فلاشتغاله بالرَّمي والمبيت، فهو عاجزٌ عن التَّشاغل بعملها، أمَّا إحرامه بها بعد نفره فصحيحٌ إن كان وقت الرَّمي بعد النَّفر الأوَّل باقيًا لأنَّه بالنَّفر خرج من الحجِّ وصار كما لو مضى وقت الرَّمي، نقله القاضي أبو الطَّيِّب عن نصِّ «الأمِّ»، وقال في «المجموع»: لا خلاف فيه (وَغَيْرَهَا) بنصب الرَّاء، ولأبي ذرٍّ: «وغَيْرِهَا» بكسرها.

стр. 4023

١٧٨٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي الوقت: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) وسقط لأبوي ذرٍّ والوقت «ابن سلامٍ» قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ (١) الضَّرير البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (٢) (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها قالت: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) في حجَّة الوداع لخمسٍ بقين من ذي القعدة، حال كوننا مكملين ذا القعدة (مُوَافِينَ) مستقبلين (لِهِلَالِ ذِي الحَجَّةِ) قال الجوهريُّ: وافى فلانٌ: أتى، ووفى: تمَّ، والخمس قريبةٌ من آخر الشَّهر، فوافاهم الهلال وهم في الطَّريق؛ لأنَّهم دخلوا مكَّة في الرَّابع من ذي الحجَّة (فَقَالَ لَنَا) ﷺ بسَرِف بعد الإحرام كما في رواية عائشة [خ¦١٧٨٨] أو بعد الطَّواف كما في رواية جابرٍ [خ¦١٥٦٨] فيحتمل أنَّه كرَّر أمرهم بذلك بعد الطَّواف؛ لأنَّ العزيمة إنَّما كانت في الآخر حين أمرهم بفسخ الحجِّ إلى العمرة: (مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِالحَجِّ) يدخله على العمرة (فَلْيُهِلَّ) بالحجِّ إذا كان معه هديٌ، فيصير قارنًا، ثمَّ لا يحلُّ منهما جميعًا حتَّى ينحر هديه (وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ) منكم (بِعُمْرَةٍ) يدخلها على الحجِّ (فَلْيُهِلَّ (٣) بِعُمْرَةٍ) يفسخ بها حجَّه (٤) إذا لم يكن معه هديٌ (فَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ) وفي رواية السَّرخسيِّ: «لأحللت» بالحاء المهملة (قَالَتْ) عائشة ﵂: (فَمِنَّا) أي: فكان منَّا (مَنْ أَهَلَّ) من الميقات (بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ) مفردًا، أي: ومنَّا من قرن (وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ) وروى القاسم عنها [خ¦٢٩٤] أنَّها قالت: «خرجنا مع رسول الله ﷺ ولا نرى إلَّا الحجَّ»، وفي روايةٍ [خ¦٣٠٥] «لا نذكر إلَّا الحجَّ»، وفي روايةٍ: «لبَّينا بالحجِّ» [خ¦٢٥/ ٨٣ - ٢٥٩٧] وفي روايةٍ (٥) أخرى: «مهلِّين بالحجِّ» [خ¦١٧٨٨] وقد جمع ذلك مسلمٌ في «صحيحه»، وقد جمعوا بين ذلك بأنَّها أحرمت أوَّلًا بالحجِّ كما صحَّ عنها في رواية الأكثرين، وكما هو الأصحُّ من فعله ﵊ وأكثر

стр. 4024

أصحابه، ثمَّ أحرمت بالعمرة حين أمر النَّبيُّ ﷺ أصحابه بفسخ الحجِّ إلى العمرة، فأخبر عروة باعتمارها في آخر الأمر ولم يذكر أوَّل أمرها. (فَأَظَلَّنِي) أي: قرب منِّي (يَوْمُ عَرَفَةَ) يُقال: أظلَّني فلانٌ، وإنَّما يُقال (١) ذلك لأنَّ ظلَّه كأنَّه وقع عليك لقربه منك (وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) ترك الطَّواف بالبيت وبين الصَّفا والمروة بسبب الحيض (فَقَالَ: ارْفُضِي عُمْرَتَكِ) أي: اتركي عملها من الطَّواف والسَّعي وتقصير الشَّعر، لا أنَّها تدع العمرة نفسها، وإنَّما أمرها بذلك لأنَّها لمَّا حاضت تعذَّر عليها إتمام العمرة والتَّحلُّل منها (وَانْقُضِي رَأْسَكِ) أي: حلِّي ضفر شعره (وَامْتَشِطِي) سرِّحيه بالمشط (وَأَهِلِّي بِالحَجِّ) فصارت مدخلةً للحجِّ على العمرة وقارنةً (فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الحَصْبَةِ) بعد أن طهرت يوم النَّحر (أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ) أخي (إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ) منه (بِعُمْرَةٍ مَكَانَِ عُمْرَتِي) بنصب «مكانَ» على الظَّرفيَّة، ويجوز الجرُّ على البدل من «عمرةٍ»، والمراد: مكان عمرتها التي أرادت أن تأتي بها مفردةً كما وقع لسائر أمَّهات المؤمنين وغيرهنَّ من الصَّحابة الذين فسخوا الحجَّ إلى العمرة، وأتمُّوا العمرة، وتحلَّلوا منها قبل يوم التَّروية، وأحرموا بالحجِّ من مكَّة يوم التَّروية، فحصلت لهم حجَّةٌ منفردةٌ (٢) وعمرةٌ منفردةٌ، وأمَّا عائشة فإنمَّا (٣) حصل لها عمرةٌ مندرجةٌ في حجَّةٍ بالقران، فأرادت عمرةً منفردةً، كما حصل لغيرها. (٦) (بابُ عُمْرَةِ التَّنْعِيمِ) «تفعيل» بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون النُّون وكسر العين المهملة: موضعٌ على ثلاثة أميالٍ أو أربعةٍ من مكَّة أقرب أطراف الحلِّ إلى البيت، سُمِّي به لأنَّ على (٤)

стр. 4025

يمينه جبلَ نُعَيمٍ، وعلى (١) يساره جبلَ ناعمٍ، والوادي اسمه: نعمان، قاله في «القاموس»، وقال المحبُّ الطَّبريُّ فيما قرأته في «تحصيل المرام»: هو أمام أدنى الحلِّ وليس بطرف الحلِّ، ومن فسَّره بذلك فقد تجوَّز وأطلق اسم الشَّيء على ما قَرُب منه. انتهى. وروى الأزرقيُّ (٢) من طريق ابن جريجٍ قال: رأيت عطاءً يصف الموضع الذي اعتمرت منه عائشة، قال: فأشار إلى الموضع الذي ابتنى فيه محمَّد بن عليِّ (٣) بن شافعٍ المسجدَ الذي وراء الأَكَمة، وهو المسجد الخَرِب، وهو أفضل مواقيت العمرة بعد الجعرانة عند الأربعة إلَّا أبا حنيفة. ١٧٨٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ، أنَّه (سَمِعَ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ) بفتح الهمزة وسكون الواو، و «عَمْرو»: بفتح العين في الموضعين (٤)، والثَّاني هو الثَّقفيُّ المكِّيُّ (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (٥) (¬﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُرْدِفَ) أي: بإرداف (عَائِشَةَ) أخته، أي: يركبها وراءه على ناقته (وَيُعْمِرَهَا) بضمِّ الياء من الإعمار (مِنَ التَّنْعِيمِ) إنَّما عيَّن التَّنعيم لأنَّه أقرب إلى الحلِّ من غيره. (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة (مَرَّةً: سَمِعْتُ عَمْرًا) هو ابن دينارٍ (كَمْ سَمِعْتُهُ مِنْ عَمْرٍو!) أثبت السَّماع صريحًا بخلاف السَّابق، فإنَّه معنعنٌ وإن كان معنعنه محمولًا (٦) على السَّماع، وزاد أبو

стр. 4026

داود بعد قوله: «من (١) التَّنعيم»: فإذا هبطتَ بها من الأَكَمة فلتُحْرِم، فإنَّها عمرةٌ مُتقبَّلةٌ، وزاد أحمد في روايةٍ له: وذلك ليلة الصَّدَر بفتح الدَّال، أي: الرُّجوع من منًى، واستدلَّ بالحديث: على تعيين الخروج إلى أدنى الحلِّ لمريد العمرة، فيلزمه الخروج من الحرم ولو بقليلٍ من أيِّ جانبٍ شاء للجمع فيها بين الحلِّ والحرم؛ كالجمع في الحجِّ بينهما بوقوفه بعرفة، ولأنَّه ﷺ أمر عائشة بالخروج إلى الحلِّ للإحرام بالعمرة، فلو لم يجب الخروج لأحرمت من مكانها لضيق الوقت؛ لأنَّه كان عند رحيل الحاجِّ، وأفضل بقاع الحلِّ للإحرام بالعمرة الجعرانة ثمَّ التَّنعيم ثمَّ الحديبية، ولو أحرم بها من مكَّة وتمَّم أفعالها ولم يخرج إلى الحلِّ قبل تلبُّسه بفرضٍ منها أجزأه ما أحرم به ولزمه الدَّم لأنَّ الإساءة بترك الإحرام من الميقات إنَّما تقتضي لزوم الدَّم، لا عدم الإجزاء، فإن عاد إلى الحلِّ قبل التَّلبُّس بفرضٍ سقط عنه الدَّم. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الجهاد» [خ¦٢٩٨٥]، ومسلمٌ في «الحجِّ». ١٧٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) الزَّمِن قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ المَجِيدِ) بن الصَّلت (٢) الثَّقفيُّ البصريُّ (عَنْ حَبِيبٍ المُعَلِّمِ) البصريِّ مولى معقل بن يسارٍ، اختُلِف في اسم أبيه؛ فقِيل: زائدة، وقِيل: زيدٌ، وثَّقه أحمد وابن معينٍ وأبو زرعة، وقال النَّسائيُّ: ليس

стр. 4027

بالقويِّ، له في «البخاريِّ» هذا الحديث عن عطاءٍ عن ابن عبَّاسٍ [خ¦١٨٦٣] وآخر عن عطاءٍ (١) عن جابرٍ [خ¦١٦٥١] وعلَّق له المؤلِّف في «بدء الخلق» [خ¦٣٣١٦] آخر عن عطاءٍ عن جابرٍ، والأحاديث الثَّلاثة بمتابعة ابن (٢) جريجٍ عن عطاءٍ، وروى له الجماعة (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريُّ (¬﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهَلَّ وَأَصْحَابُهُ بِالحَجِّ) برفع «أصحابُه»، وفي نسخة «اليونينيَّة» (٣): «وأصحابَه» بالنَّصب مفعولٌ معه (٤) (وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بنصب «غيرَ» على الاستثناء (وَطَلْحَةَ) هو ابن عبيد الله بن عثمان التَّيميَّ القرشيَّ المدنيَّ، أحد المشهود لهم بالجنَّة، وأحد الثَّمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكرٍ، وأحد السِّتَّة أصحاب الشُّورى، والواو للعطف، أي: لم يكن هديٌ إلَّا مع النَّبيِّ ﷺ ومع طلحة فقط، لكنَّ هذا مخالفٌ لما في «مسلمٍ» و «سنن أحمد» وغيرهما، من طريق عبد الرَّحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ﵂: أنَّ الهدي كان مع النَّبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ وعمر وذوي اليسار، وفي «البخاريِّ» بعد بابين من طريق أفلح عن القاسم بلفظ [خ¦١٧٨٨]: ورجالٍ من أصحابه ذوي قوَّةٍ، فيحمل على أنَّ كلًّا منهما ذكر ما اطَّلع عليه وشاهده (وَكَانَ عَلِيٌّ) ﵁ (قَدِمَ مِنَ اليَمَنِ) إلى مكَّة (وَمَعَهُ الهَدْيُ) جملةٌ حاليَّةٌ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ومعه هديٌ» بالتَّنكير (فَقَالَ) بعد أن سأله النَّبيُّ ﷺ : «بما أهللت؟»: (أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) زاد في «الشَّركة» [خ¦٢٥٠٥] «فأمره أن يقيم على إحرامه وأشركه في الهدي» وقد مرَّ مبحث (٥) ذلك في

стр. 4028

«باب التَّمتُّع والإقران» (١) [خ¦١٥٦١] (وَأَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ¬) بكسر همزة «أَإِنَّ» وفتحها (أَذِنَ لأَصْحَابِهِ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً) الضَّمير للحجِّ، وأنَّثه باعتبار الحجَّة (يَطُوفُوا) زاد في غير رواية أبي الوقت: «بالبيت» (ثُمَّ يُقَصِّرُوا) من شعر (٢) رؤوسهم (وَيَحِلُّوا) من إحرامهم، والعطف بـ «ثمَّ» والواو على «يطوفوا»، و «يَحِلوا»: بفتح أوَّله وكسر ثانيه مِنْ «حَلَّ»، وزاد: «وأصيبوا النِّساء» [خ¦٧٣٦٧] قال عطاءٌ: ولم يعزم عليهم ولكن أحلَّهنَّ لهم (٣) (إِلَّا مَنْ مَعَهُ الهَدْيُ) فلا يحلُّ (فَقَالُوا) أي: الصَّحابة: (نَنْطَلِقُ إِلَى مِنًى) بحذف همزة الاستفهام، أي: أننطلق إلى منًى (وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ؟) بالمنيِّ، وهو من باب المبالغة، أي: أنَّ الحِلَّ يفضي بنا إلى مجامعة النِّساء ثمَّ نحرم بالحجِّ عقب (٤) ذلك، فنخرج وذكر أحدنا -لقربه من المواقعة- يقطر منيًّا، وحالة الحجِّ تنافي التَّرفُّه، وتناسب الشَّعث فكيف يكون ذلك؟ (فَبَلَغَ) ذلك الذي قالوه (النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ) زاد مسلمٌ: «قد علمتم أنِّي أتقاكم لله وأصدقكم وأبرُّكم» (لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ) أي: لو علمت من أمري في (٥) الأوَّل ما علمته في الآخر (مَا أَهْدَيْتُ) وأحللت، والأمر الذي استدبره ﵊ هو ما حصل لأصحابه من مشقَّة انفرادهم عنه بالفسخ، حتَّى إنَّهم توقَّفوا وتردَّدوا وراجعوه (وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الهَدْيَ لأَحْلَلْتُ) من إحرامي لأنَّ من كان (٦) معه الهدي؛ لا يحلُّ حتَّى ينحره (٧)، ولا ينحر إلَّا يوم النَّحر، فلا يصحُّ له فسخ الحجِّ بعمرةٍ، وليس السَّبب في ذلك مجرَّد سوق الهدي كما يقوله أبو حنيفة وأحمد، و «لو» في التَّأسُّف على فوات أمرٍ (٨) في الدِّين، وأمَّا حديث: «لو: تفتح عمل الشَّيطان» ففي حظوظ الدُّنيا.

стр. 4029

(وَأَنَّ عَائِشَةَ ﵂¬) بفتح همزة «أنَّ» (حَاضَتْ) بسَرِف قبل دخولهم مكَّة (فَنَسَكَتِ المَنَاسِكَ) المتعلِّقة بالحجِّ (كُلَّهَا غَيْرَ (١) أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ) للعمرة لمانع الحيض، زاد في غير رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر: «بالبيت» أي: ولم تَسْعَ بين الصَّفا والمروة، وحذفَه لأنَّ السَّعي لا بدَّ له من تقدُّم طوافٍ عليه، فيلزم من نفيهِ نفيُه، فاكتفى بنفي الطَّواف (قَالَ: فَلَمَّا طَهَُرَتْ) بعرفة -كما في «مسلمٍ» - وله: صبيحة ليلة عرفة حين قدموا منًى، وله: أنَّها طهرت في منًى، وجُمِع (٢) بأنَّها رأت الطُّهر بعرفة ولم يتهيَّأ لها الاغتسال إلَّا في منًى، و «طَهُِرت»: بضمِّ الهاء وفتحها (وَطَافَتْ) بالبيت طواف الإفاضة يوم النَّحر، وسعت بين الصَّفا والمروة (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتَنْطَلِقُونَ بِعُمْرَةٍ) منفردةٍ عن حجَّةٍ (وَحَجَّةٍ) منفردةٍ عن عمرةٍ (وَأَنْطَلِقُ بِالحَجِّ) من غير عمرةٍ منفردةٍ؟ (فَأَمَرَ) ﷺ (عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵄ (أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ) لتعتمر منه تطييبًا لقلبها (فَاعْتَمَرَتْ) منه (بَعْدَ الحَجِّ فِي ذِي الحَجَّةِ) ليلة المُحصَّب. (وَأَنَّ سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ) بضمِّ الجيم والشِّين المعجمة بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، و «سُرَاقة»: بضمِّ السِّين المهملة وتخفيف الرَّاء وبالقاف، الكنانيَّ المدلجيَّ (لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ بِالعَقَبَةِ) ولغير أبي ذرٍّ: «وهو بالعقبة» (وَهُوَ يَرْمِيهَا) جملةٌ حاليَّةٌ، أي: وهو ﷺ يرمي جمرة العقبة (فَقَالَ) أي: سراقة: (أَلَكُمْ هَذِهِ) الفعلة، وهي فسخ الحجِّ إلى العمرة أو القِران أو العمرة في أشهر الحجِّ (خَاصَّةً يَا رَسُولَ اللهِ؟) أي: هل هي مخصوصةٌ بكم في هذه السَّنة أو لكم ولغيركم أبدًا؟ (قَالَ) ﵊ مجيبًا له: (لَا، بَلْ لِلأَبَدِ) وفي رواية جعفرٍ عند مسلمٍ: فقام سراقة فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبَّك أصابعه واحدةً في الأخرى،

стр. 4030

وقال: «دخلت العمرة في الحجِّ» مرَّتين «لا، بل للأبد أبدًا (١)» ومعناه كما قال النَّوويُّ: عند الجمهور: أنَّ العمرة يجوز فعلها في أشهر الحجِّ إبطالًا لما كان عليه أهل الجاهليَّة، وقيل: معناه: جواز فسخ الحجِّ إلى العمرة، قال: وهو ضعيفٌ، وتُعقِّب بأنَّ سياق السُّؤال يقوِّي هذا التَّأويل، بل الظَّاهر أنَّ السُّؤال وقع عن الفسخ، وهو مذهب الحنابلة، بل قال المرداويُّ في كتابه «الإنصاف في معرفة الرَّاجح من الخلاف» وهو شرح «المقنع» لشيخ الإسلام مُوفَّق الدِّين بن قدامة: إنَّ فسخ القارن والمفرد حجَّهما إلى العمرة مُستحَبٌّ بشرطه، نصَّ عليه، وعليه الأصحاب قاطبةً، قال: وهو من مفردات المذهب، لكنَّ المصنِّف -أي: ابن قدامة- هنا ذكر الفسخ بعد الطَّواف والسَّعي، وقطع به الخرقيُّ، وقدَّمه (٢) الزَّركشيُّ وقال: هذا ظاهر الأحاديث، وعن ابن عقيلٍ: الطَّواف بنيَّة العمرة هو الفسخ، وبه حصل رفض الإحرام لا غير، قال: فهذا تحقيق فسخ الحجِّ وما ينفسخ به، وقال في «الكافي»: يُسَنُّ لهما إذا لم يكن معهما هديٌ أن يفسخا نيَّتهما بالحجِّ وينويا عمرةً مفردةً، ويحلَّا من إحرامهما بطوافٍ وسعيٍ وتقصيرٍ؛ ليصيرا متمتِّعين، وقال في «الانتصار» (٣): لو ادَّعى مُدٍَّع وجوب الفسخ؛ لم يبعد، وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: يجب على من اعتقد عدم مساغه أن يعتقده (٤)، ولو ساق هديًا فهو على إحرامه، لا يصحُّ فسخه الحجَّ إلى العمرة على الصَّحيح عندهم، وحيث صحَّ الفسخ لزم (٥) دمٌ على الصَّحيح من مذهبهم، نصَّ عليه، وعليه أكثر (٦) الأصحاب. انتهى. وقال بعض الحنابلة: نحن نُشهِد الله أنَّا لو أحرمنا بحجٍّ لرأينا فرضًا فسخه إلى عمرةٍ؛ تفاديًا من غضب رسول الله ﷺ ؛ وذلك أنَ في «السُّنن» عن البراء بن عازبٍ: خرج رسول الله ﷺ وأصحابه، فأحرمنا بالحجِّ، فلمَّا قدمنا مكَّة قال: «اجعلوها عمرةً»، فقال النَّاس: يا رسول الله قد أحرمنا بالحجِّ، فكيف نجعلها عمرةً؟ قال: «انظروا ما آمركم به،
следующие страницы →