داود بعد قوله: «من (١) التَّنعيم»: فإذا هبطتَ بها من الأَكَمة فلتُحْرِم، فإنَّها عمرةٌ مُتقبَّلةٌ، وزاد أحمد في روايةٍ له: وذلك ليلة الصَّدَر بفتح الدَّال، أي: الرُّجوع من منًى، واستدلَّ بالحديث: على تعيين الخروج إلى أدنى الحلِّ لمريد العمرة، فيلزمه الخروج من الحرم ولو بقليلٍ من أيِّ جانبٍ شاء للجمع فيها بين الحلِّ والحرم؛ كالجمع في الحجِّ بينهما بوقوفه بعرفة، ولأنَّه ﷺ أمر عائشة بالخروج إلى الحلِّ للإحرام بالعمرة، فلو لم يجب الخروج لأحرمت من مكانها لضيق الوقت؛ لأنَّه كان عند رحيل الحاجِّ، وأفضل بقاع الحلِّ للإحرام بالعمرة الجعرانة ثمَّ التَّنعيم ثمَّ الحديبية، ولو أحرم بها من مكَّة وتمَّم أفعالها ولم يخرج إلى الحلِّ قبل تلبُّسه بفرضٍ منها أجزأه ما أحرم به ولزمه الدَّم لأنَّ الإساءة بترك الإحرام من الميقات إنَّما تقتضي لزوم الدَّم، لا عدم الإجزاء، فإن عاد إلى الحلِّ قبل التَّلبُّس بفرضٍ سقط عنه الدَّم.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الجهاد» [خ¦٢٩٨٥]، ومسلمٌ في «الحجِّ».
١٧٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) الزَّمِن قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ المَجِيدِ) بن الصَّلت (٢) الثَّقفيُّ البصريُّ (عَنْ حَبِيبٍ المُعَلِّمِ) البصريِّ مولى معقل بن يسارٍ، اختُلِف في اسم أبيه؛ فقِيل: زائدة، وقِيل: زيدٌ، وثَّقه أحمد وابن معينٍ وأبو زرعة، وقال النَّسائيُّ: ليس
стр. 4027
بالقويِّ، له في «البخاريِّ» هذا الحديث عن عطاءٍ عن ابن عبَّاسٍ [خ¦١٨٦٣] وآخر عن عطاءٍ (١) عن جابرٍ [خ¦١٦٥١] وعلَّق له المؤلِّف في «بدء الخلق» [خ¦٣٣١٦] آخر عن عطاءٍ عن جابرٍ، والأحاديث الثَّلاثة بمتابعة ابن (٢) جريجٍ عن عطاءٍ، وروى له الجماعة (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريُّ (¬﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهَلَّ وَأَصْحَابُهُ بِالحَجِّ) برفع «أصحابُه»، وفي نسخة «اليونينيَّة» (٣): «وأصحابَه» بالنَّصب مفعولٌ معه (٤) (وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بنصب «غيرَ» على الاستثناء (وَطَلْحَةَ) هو ابن عبيد الله بن عثمان التَّيميَّ القرشيَّ المدنيَّ، أحد المشهود لهم بالجنَّة، وأحد الثَّمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكرٍ، وأحد السِّتَّة أصحاب الشُّورى، والواو للعطف، أي: لم يكن هديٌ إلَّا مع النَّبيِّ ﷺ ومع طلحة فقط، لكنَّ هذا مخالفٌ لما في «مسلمٍ» و «سنن أحمد» وغيرهما، من طريق عبد الرَّحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ﵂: أنَّ الهدي كان مع النَّبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ وعمر وذوي اليسار، وفي «البخاريِّ» بعد بابين من طريق أفلح عن القاسم بلفظ [خ¦١٧٨٨]: ورجالٍ من أصحابه ذوي قوَّةٍ، فيحمل على أنَّ كلًّا منهما ذكر ما اطَّلع عليه وشاهده (وَكَانَ عَلِيٌّ) ﵁ (قَدِمَ مِنَ اليَمَنِ) إلى مكَّة (وَمَعَهُ الهَدْيُ) جملةٌ حاليَّةٌ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ومعه هديٌ» بالتَّنكير (فَقَالَ) بعد أن سأله النَّبيُّ ﷺ : «بما أهللت؟»: (أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) زاد في «الشَّركة» [خ¦٢٥٠٥] «فأمره أن يقيم على إحرامه وأشركه في الهدي» وقد مرَّ مبحث (٥) ذلك في
стр. 4028
«باب التَّمتُّع والإقران» (١) [خ¦١٥٦١] (وَأَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ¬) بكسر همزة «أَإِنَّ» وفتحها (أَذِنَ لأَصْحَابِهِ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً) الضَّمير للحجِّ، وأنَّثه باعتبار الحجَّة (يَطُوفُوا) زاد في غير رواية أبي الوقت: «بالبيت» (ثُمَّ يُقَصِّرُوا) من شعر (٢) رؤوسهم (وَيَحِلُّوا) من إحرامهم، والعطف بـ «ثمَّ» والواو على «يطوفوا»، و «يَحِلوا»: بفتح أوَّله وكسر ثانيه مِنْ «حَلَّ»، وزاد: «وأصيبوا النِّساء» [خ¦٧٣٦٧] قال عطاءٌ: ولم يعزم عليهم ولكن أحلَّهنَّ لهم (٣) (إِلَّا مَنْ مَعَهُ الهَدْيُ) فلا يحلُّ (فَقَالُوا) أي: الصَّحابة: (نَنْطَلِقُ إِلَى مِنًى) بحذف همزة الاستفهام، أي: أننطلق إلى منًى (وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ؟) بالمنيِّ، وهو من باب المبالغة، أي: أنَّ الحِلَّ يفضي بنا إلى مجامعة النِّساء ثمَّ نحرم بالحجِّ عقب (٤) ذلك، فنخرج وذكر أحدنا -لقربه من المواقعة- يقطر منيًّا، وحالة الحجِّ تنافي التَّرفُّه، وتناسب الشَّعث فكيف يكون ذلك؟ (فَبَلَغَ) ذلك الذي قالوه (النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ) زاد مسلمٌ: «قد علمتم أنِّي أتقاكم لله وأصدقكم وأبرُّكم» (لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ) أي: لو علمت من أمري في (٥) الأوَّل ما علمته في الآخر (مَا أَهْدَيْتُ) وأحللت، والأمر الذي استدبره ﵊ هو ما حصل لأصحابه من مشقَّة انفرادهم عنه بالفسخ، حتَّى إنَّهم توقَّفوا وتردَّدوا وراجعوه (وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الهَدْيَ لأَحْلَلْتُ) من إحرامي لأنَّ من كان (٦) معه الهدي؛ لا يحلُّ حتَّى ينحره (٧)، ولا ينحر إلَّا يوم النَّحر، فلا يصحُّ له فسخ الحجِّ بعمرةٍ، وليس السَّبب في ذلك مجرَّد سوق الهدي كما يقوله أبو حنيفة وأحمد، و «لو» في التَّأسُّف على فوات أمرٍ (٨) في الدِّين، وأمَّا حديث: «لو: تفتح عمل الشَّيطان» ففي حظوظ الدُّنيا.
стр. 4029
(وَأَنَّ عَائِشَةَ ﵂¬) بفتح همزة «أنَّ» (حَاضَتْ) بسَرِف قبل دخولهم مكَّة (فَنَسَكَتِ المَنَاسِكَ) المتعلِّقة بالحجِّ (كُلَّهَا غَيْرَ (١) أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ) للعمرة لمانع الحيض، زاد في غير رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر: «بالبيت» أي: ولم تَسْعَ بين الصَّفا والمروة، وحذفَه لأنَّ السَّعي لا بدَّ له من تقدُّم طوافٍ عليه، فيلزم من نفيهِ نفيُه، فاكتفى بنفي الطَّواف (قَالَ: فَلَمَّا طَهَُرَتْ) بعرفة -كما في «مسلمٍ» - وله: صبيحة ليلة عرفة حين قدموا منًى، وله: أنَّها طهرت في منًى، وجُمِع (٢) بأنَّها رأت الطُّهر بعرفة ولم يتهيَّأ لها الاغتسال إلَّا في منًى، و «طَهُِرت»: بضمِّ الهاء وفتحها (وَطَافَتْ) بالبيت طواف الإفاضة يوم النَّحر، وسعت بين الصَّفا والمروة (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتَنْطَلِقُونَ بِعُمْرَةٍ) منفردةٍ عن حجَّةٍ (وَحَجَّةٍ) منفردةٍ عن عمرةٍ (وَأَنْطَلِقُ بِالحَجِّ) من غير عمرةٍ منفردةٍ؟ (فَأَمَرَ) ﷺ (عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵄ (أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ) لتعتمر منه تطييبًا لقلبها (فَاعْتَمَرَتْ) منه (بَعْدَ الحَجِّ فِي ذِي الحَجَّةِ) ليلة المُحصَّب.
(وَأَنَّ سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ) بضمِّ الجيم والشِّين المعجمة بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، و «سُرَاقة»: بضمِّ السِّين المهملة وتخفيف الرَّاء وبالقاف، الكنانيَّ المدلجيَّ (لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ بِالعَقَبَةِ) ولغير أبي ذرٍّ: «وهو بالعقبة» (وَهُوَ يَرْمِيهَا) جملةٌ حاليَّةٌ، أي: وهو ﷺ يرمي جمرة العقبة (فَقَالَ) أي: سراقة: (أَلَكُمْ هَذِهِ) الفعلة، وهي فسخ الحجِّ إلى العمرة أو القِران أو العمرة في أشهر الحجِّ (خَاصَّةً يَا رَسُولَ اللهِ؟) أي: هل هي مخصوصةٌ بكم في هذه السَّنة أو لكم ولغيركم أبدًا؟ (قَالَ) ﵊ مجيبًا له: (لَا، بَلْ لِلأَبَدِ) وفي رواية جعفرٍ عند مسلمٍ: فقام سراقة فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبَّك أصابعه واحدةً في الأخرى،
стр. 4030
وقال: «دخلت العمرة في الحجِّ» مرَّتين «لا، بل للأبد أبدًا (١)» ومعناه كما قال النَّوويُّ: عند الجمهور: أنَّ العمرة يجوز فعلها في أشهر الحجِّ إبطالًا لما كان عليه أهل الجاهليَّة، وقيل: معناه: جواز فسخ الحجِّ إلى العمرة، قال: وهو ضعيفٌ، وتُعقِّب بأنَّ سياق السُّؤال يقوِّي هذا التَّأويل، بل الظَّاهر أنَّ السُّؤال وقع عن الفسخ، وهو مذهب الحنابلة، بل قال المرداويُّ في كتابه «الإنصاف في معرفة الرَّاجح من الخلاف» وهو شرح «المقنع» لشيخ الإسلام مُوفَّق الدِّين بن قدامة: إنَّ فسخ القارن والمفرد حجَّهما إلى العمرة مُستحَبٌّ بشرطه، نصَّ عليه، وعليه الأصحاب قاطبةً، قال: وهو من مفردات المذهب، لكنَّ المصنِّف -أي: ابن قدامة- هنا ذكر الفسخ بعد الطَّواف والسَّعي، وقطع به الخرقيُّ، وقدَّمه (٢) الزَّركشيُّ وقال: هذا ظاهر الأحاديث، وعن ابن عقيلٍ: الطَّواف بنيَّة العمرة هو الفسخ، وبه حصل رفض الإحرام لا غير، قال: فهذا تحقيق فسخ الحجِّ وما ينفسخ به، وقال في «الكافي»: يُسَنُّ لهما إذا لم يكن معهما هديٌ أن يفسخا نيَّتهما بالحجِّ وينويا عمرةً مفردةً، ويحلَّا من إحرامهما بطوافٍ وسعيٍ وتقصيرٍ؛ ليصيرا متمتِّعين، وقال في «الانتصار» (٣): لو ادَّعى مُدٍَّع وجوب الفسخ؛ لم يبعد، وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: يجب على من اعتقد عدم مساغه أن يعتقده (٤)، ولو ساق هديًا فهو على إحرامه، لا يصحُّ فسخه الحجَّ إلى العمرة على الصَّحيح عندهم، وحيث صحَّ الفسخ لزم (٥) دمٌ على الصَّحيح من مذهبهم، نصَّ عليه، وعليه أكثر (٦) الأصحاب. انتهى. وقال بعض الحنابلة: نحن نُشهِد الله أنَّا لو أحرمنا بحجٍّ لرأينا فرضًا فسخه إلى عمرةٍ؛ تفاديًا من غضب رسول الله ﷺ ؛ وذلك أنَ في «السُّنن» عن البراء بن عازبٍ: خرج رسول الله ﷺ وأصحابه، فأحرمنا بالحجِّ، فلمَّا قدمنا مكَّة قال: «اجعلوها عمرةً»، فقال النَّاس: يا رسول الله قد أحرمنا بالحجِّ، فكيف نجعلها عمرةً؟ قال: «انظروا ما آمركم به،
стр. 4031
فافعلوا»، فردُّوا (١) عليه القول، فغضب … الحديثَ، وقال سلمة بن شبيبٍ لأحمد: كلُّ أمرك عندي حسنٌ إلَّا خلَّةً واحدةً، قال (٢): وما هي؟ قال: تقول: بفسخ الحجِّ إلى العمرة، فقال: يا سلمة كنت أرى لك عقلًا، عندي في ذلك أحد عشر حديثًا صِحَاحٌ (٣) عن رسول الله ﷺ ، أتركها لقولك؟ وقال مالكٌ والشَّافعيُّ وأبو حنيفة وجماهير العلماء من السَّلف والخلف: هو مختصٌّ بهم تلك السَّنَة لا يجوز بعدها ليخالفوا ما كانت عليه الجاهليَّة من تحريم العمرة في أشهر الحجِّ، وفي حديث أبي ذرٍّ عند مسلمٍ: كانت المتعة في الحجِّ لأصحاب محمَّدٍ ﷺ خاصَّةً؛ يعني: فسخ الحجِّ إلى العمرة، وعند النَّسائيِّ عن الحارث بن بلالٍ عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله فسخ الحجِّ لنا خاصَّةً أم للنَّاس عامَّةً؟ قال (٤): «بل (٥) لنا خاصَّةً»، وهذا لا يعارضه حديث سراقة لأنَّ سبب الأمر بالفسخ ما كان إلَّا تقريرًا (٦) لشرع العمرة في أشهر الحجِّ، ما لم يكن مانعٌ من (٧) سوق الهدي؛ وذلك أنَّه كان مستعظمًا عندهم حتَّى كانوا يعدُّونها في أشهر الحجِّ من أفجر الفجور، فكسر سَورة ما استحكم في نفوسهم من الجاهليَّة من إنكاره بحملهم على فعله بأنفسهم، فلو لم يكن حديث بلال بن الحارث ثابتًا -كما قال الإمام أحمد؛ حيث قال: لا يثبت عندي ولا يعرف (٨) هذا الرَّجل- كان حديث ابن عبَّاسٍ [خ¦١٥٦٤] «كانوا يرون العمرة في أشهر الحجِّ من أفجر الفجور في الأرض … » الحديثَ صريحًا في كون سبب الأمر بالفسخ هو قصد محو ما استقرَّ (٩) في نفوسهم في الجاهليَّة بتقرير الشَّرع بخلافه.
стр. 4032
وقال ابن المُنيِّر: ترجم على أنَّ العمرة من التَّنعيم، ثمَّ ذكر حديث سراقة، وليس فيه تعرُّضٌ لميقاتٍ، ولكن لأصل العمرة في أشهر الحجِّ، وأجاب: بأنَّ وجه ذكره في التَّرجمة الرَّدُّ على من لعلَّه يزعم أنَّ التَّنعيم كان خاصًّا باعتمار عائشة حينئذٍ، فقرَّر بحديث سراقة أنَّه غير خاصٍّ وأنَّه عامٌّ أبدًا.
وحديث الباب أخرجه المؤلِّف في «التَّمنِّي» [خ¦٧٢٣٠]، وأبو داود في «الحجِّ».
(٧) (بابُ الاِعْتِمَارِ بَعْدَ الحَجِّ) في أشهره (بِغَيْرِ هَدْيٍ) يلزم المعتمر.
١٧٨٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) الزَّمن قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير (قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) في حجَّة الوداع، حالة كوننا (مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الحَجَّةِ) أي: قرب طلوعه، فقد مرَّ أنَّها قالت [خ¦١٧٠٩] «خرجنا لخمسٍ بقين من ذي القعدة» والخمس قريبةٌ من آخر الشَّهر، فوافاهم الهلال وهم في الطَّريق (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) وَهُمْ بِسَرِف [خ¦١٧٨٨] أو بعد الطَّواف [خ¦١٥٦٨] كما مرَّ قريبًا: (مَنْ أَحَبَّ) منكم ممَّن لم يكن معه هديٌ (أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ) يدخلها على الحجِّ (فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَحَبَّ) منكم ممَّن معه هديٌ (أَنْ يُهِلَّ بِحَجَّةِ) يدخلها على
стр. 4033
العمرة (فَلْيُهِلَّ، وَلَوْلَا أَنِّي) وفي روايةٍ: «أنَّني» بزيادة نونٍ ثانيةٍ (أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ) قال في «فتح الباري» -وتبعه العينيُّ-: وفي رواية السَّرخسيِّ: «لأحللت» بالحاء المهملة، أي: بحجٍّ (١) (فَمِنْهُمْ) أي: من الصَّحابة (مَنْ) كان (أَهَلَّ) من الميقات (بِعُمْرَةٍ، وَمِنْهُمْ مِنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ) ومنهم من قرن، قالت عائشة ﵂: (وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ) الذي رواه الأكثرون عنها: أنَّها أحرمت أوَّلًا بالحجِّ، فتُحمَل رواية عروة على آخر أمرها (فَحِضْتُ) بسرف (قَبْلَ أَنْ أَدْخُلَ مَكَّةَ، فَأَدْرَكَنِي) أي: قَرُبَ منِّي (٢) (يَوْمُ عَرَفَةَ، وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) يوم التَّروية كما في «مسلمٍ»، ولأبي ذرٍّ: «فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ » (فَقَالَ: دَعِي عُمْرَتَكِ) أي: أعمالها (وَانْقُضِي رَأْسَكِ) بحلِّ ضفائر شعره (وَامْتَشِطِي) سرِّحيه بالمشط (وَأَهِلِّي) يوم التَّروية (بِالحَجِّ) قالت: (فَفَعَلْتُ) ما أمرني به ﵊.
(فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَرْدَفَهَا) فيه التفاتٌ لأنَّ الأصل أن يُقال: فأردفني، أي: أركبها خلفه على الرَّاحلة (فَأَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ) من التَّنعيم (مَكَانَ عُمْرَتِهَا) التي أرادت أن تكون منفردةً عن حجَّتها (٣) (فَقَضَى اللهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ، وَلَا صَدَقَةٌ، وَلَا صَوْمٌ) وهذا الكلام مُدرَجٌ من قول هشامٍ كما مرَّ في «الحيض» [خ¦٣١٧] ولعلَّه نفى ذلك بحسب علمه، ولا يلزم من ذلك نفيه في نفس الأمر، وحال عائشة لا يخلو من أمرين: إمَّا أن تكون قارنةً، أو متمتِّعةً، وعليهما فلا بدَّ من الهدي، وقد ثبت أنَّها روت [خ¦٢٩٤]: أنَّه ﷺ ضحَّى عن نسائه بالبقر، وفي «مسلمٍ»: أنَّه أهدى عنها، فيحتمل أن يكون قوله: لم يكن في ذلك هديٌ، أي: لم تتكلَّف له، بل قام (٤) به عنها، وحمله ابن خزيمة: على أنَّه ليس في تركها لعمل العمرة الأولى وإدراجها لها في الحجِّ، ولا في عمرتها التي اعتمرتها من التَّنعيم أيضًا شيءٌ، قال في «فتح الباري»: وهو حسنٌ، والله أعلم (٥).
стр. 4034
(٨) (بابُ أَجْرِ العُمْرَةِ) بالإضافة، ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين، أجر العمرة (عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ) بفتح النُّون والمهملة: التَّعب.
١٧٨٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) العبسيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) هو عبد الله بن عون بن أَرْطَبَان البصريُّ (عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵃ (وَعَنِ ابْنِ عَوْنٍ) المذكور (عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ) النَّخعيَّيَن (قَالَا) أي: القاسم والأسود: (قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: يَا رَسُولَ اللهِ يَصْدُرُ النَّاسُ) أي: يرجعون (بِنُسُكَيْنِ) حجَّةٍ منفردةٍ عن عمرةٍ، وعمرةٍ منفردةٍ عن حجَّةٍ (وَأَصْدُرُ) وأرجع أنا (بِنُسُكٍ) بحجَّةٍ غير منفردةٍ (١) لأنَّها أوَّلًا كانت قارنةً (٢) (فَقِيلَ لَهَا) أي: قال لها النَّبيُّ ﷺ : (انْتَظِرِي، فَإِذَا طَهَُرْتِ) من الحيض، بضمِّ الهاء وفتحها (فَاخْرُجِي إِلَى التَّنْعِيمِ) أي: مع عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍالصِّدِّيق (فَأَهِلِّي) أي: بعمرةٍ منه (ثُمَّ ائْتِينَا (٣) بِمَكَانِ كَذَا) أي: بالأبطح، وهو المُحصَّب (وَلَكِنَّهَا) عمرتك (عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ، أَوْ نَصَبِكِ) تعبك لما في إنفاق المال في الطَّاعات من الفضل، وقمع النَّفس عن شهواتها من المشقَّة، وقد وعد الله الصَّابرين أن يوفِّيهم أجرهم بغير حسابٍ، لكن قال الشَّيخ عزُّ الدِّين بن عبد السَّلام: إنَّ هذا ليس بمطَّردٍ، فقد يكون بعض العبادات أخفَّ من بعضٍ، وهي أكثر فضلًا بالنِّسبة إلى الزَّمان، كقيام ليلة القدر بالنِّسبة لقيام ليالٍ من رمضان غيرها،
стр. 4035
وبالنِّسبة للمكان كصلاة ركعتين بالمسجد الحرام بالنِّسبة لصلاة ركعاتٍ في غيره، وأُجيب بأنَّ الذي ذكره لا يمنع الاطِّراد لأنَّ الكثرة الحاصلة فيما ذكره ليست من ذاتها، وإنَّما هي بحسب (١) ما يعرض لها من الأمور المذكورة. و «أو» في قوله: «أو نصبك» إمَّا للشَّكِّ، ووقع في رواية الإسماعيليِّ من طريق أحمد بن منيعٍ عن إسماعيل ما يؤِّيد ذلك، ولفظه: «على قدر نصبك أو تعبك» وفي روايةٍ له: «على قدر (٢) نفقتك أو نصبك» -أو كما قال رسول الله ﷺ وإمَّا للتَّنويع في كلامه ﵊ ووقع عند الدَّارقطنيِّ والحاكم ما يؤيِّده، ولفظه: «إنَّ لك من الأجر على قدر نصبك ونفقتك» بواو العطف، وقد استدلَّ بظاهر هذا الحديث على أنَّ الاعتمار لمن كان بمكَّة من جهة الحلِّ القريبة أقلُّ أجرًا من جهة الحلِّ البعيدة، وهذا ليس بشيءٍ لأنَّ الجعرانة والحديبية مسافتهما إلى مكَّة واحدةٌ ستَّة فراسخ، والتَّنعيم مسافته إليها فرسخٌ واحدٌ، فهو أقرب إليها منهما، وقد قال الشَّافعيُّ: أفضل بقاع الحلِّ للاعتمار الجعرانة لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أحرم منها، ثمَّ من التَّنعيم لأنَّه أذن لعائشة، قال: وإذا تنحَّى عن هذين الموضعين؛ فأين أبعدَ حتَّى يكون أكثر لسفره كان أحبَّ إليَّ. انتهى.
(٩) (بابُ المُعْتَمِرِ إِذَا طَافَ طَوَافَ العُمْرَةِ، ثُمَّ خَرَجَ، هَلْ يُجْزِئُهُ مِنْ طَوَافِ الوَدَاعِ؟).
стр. 4036
١٧٨٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ) بالفاء الأنصاريُّ المدنيُّ البخاريُّ، يُقال له: ابن صُفَيراء (عَنِ القَاسِمِ) بن (١) محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا) حال كوننا (مُهِلِّينَ) ولأبي ذرٍّ: «خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلِّين» (بِالحَجِّ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، وَحُرُمِ الحَجِّ) بضمِّ الحاء والرَّاء: الحالات والأماكن والأوقات التي للحجِّ (فَنَزَلْنَا سَرِفَ) بفتح السِّين المهملة وكسر الرَّاء آخره فاءٌ وحذف المُوحَّدة، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «بسرف» ولابن عساكر: «فنزلنا منزلًا» (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَصْحَابِهِ: مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا) أي: حجَّته (عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَا) يفسخ الحجَّ إلى العمرة، وفي غير هذه الرِّواية [خ¦١٥٧٢] أنَّ قوله ﵊ لهم ذلك كان بعد دخوله مكَّة، فيحتمل التَّعدُّد، والعزيمة وقعت أخيرًا كما مرَّ قريبًا (وَكَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَرِجَالٍ) بالجرِّ عطفًا على المجرور (مِنْ أَصْحَابِهِ ذَوِي قُوَّةٍ الهَدْيُ) بالرَّفع اسم «كان» (فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ عُمْرَةً) مستقلَّةً لأنَّهم كانوا قارنين، و «عمرةً»: بالنَّصب خبر «كان» (فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ¬) يوم التَّروية كما في «مسلمٍ» (وَأَنَا أَبْكِي) جملةٌ حاليَّةٌ (فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ قُلْتُ: سَمِعْتُكَ تَقُولُ لأَصْحَابِكَ مَا قُلْتَ، فَمُنِعْتُ العُمْرَةَ؟) بضمِّ الميم مبنيًّا للمفعول، و «العمرةَ»: نُصِب بنزع الخافض، أي: من العمرة (قَالَ: وَمَا شَأْنُكِ؟ قُلْتُ: لَا أُصَلِّي) لمانع الحيض، وهو من ألطف الكنايات (قَالَ: فَلَا يَضُِرَّْكِ) بضمِّ المعجمة وتشديد الرَّاء، أو بكسر الضَّاد وسكون الرَّاء، ولم يضبط ذلك في «اليونينيَّة» ولا في «فرعها» (٢) (أَنْتِ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ، كُتِبَ عَلَيْكِ) بضمِّ كاف «كُتِب» مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ: «كَتَبَ اللهُ عليك» (مَا كُتِبَ عَلَيْهِنَّ) من الحيض وغيره (فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ) بتاء التَّأنيث، ولأبي الوقت: «في (٣) حجِّك» وعزاها في «الفتح» لأبي ذرٍّ
стр. 4037
(عَسَى اللهُ أَنْ يَرْزُقَكِهَا) (١) أي: العمرة (قَالَتْ: فَكُنْتُ) في حجِّي (٢) كما أمرني ﵊ (حَتَّى نَفَرْنَا مِنْ مِنًى (٣)، فَنَزَلْنَا المُحَصَّبَ) وهو الأبطح، أي: بعد أن طَهُرت من الحيض وطافت للإفاضة (فَدَعَا) ﷺ (عَبْدَ الرَّحْمَنِ) بن أبي بكر الصِّدِّيق (٤) ﵄ (فَقَالَ: اخْرُجْ بِأُخْتِكَ الحَرَمَ) أي: من الحرم، فنصبه (٥) على نزع الخافض، قال في «الفتح»: وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «من الحرم» قال: وهو أوضح، والمرادُ الإخراجُ من أرض الحرم إلى الحلِّ (فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ) من التَّنعيم (ثُمَّ افْرُغَا مِنْ طَوَافِكُمَا) فارجعا، فإنِّي (أَنْتَظِرْكُمَا هَهُنَا) يعني: المُحصَّب، قالت عائشة: (فَأَتَيْنَا) أي: بعد أن فرغنا من الاعتمار وتحلَّلنا (فِي جَوْفِ اللَّيْلِ) إلى المُحصَّب، وللإسماعيليِّ: «من آخر اللَّيل» وهو أوفق ببقيَّة (٦) الرِّوايات، وهذا لا تخالفه الرِّواية السَّابقة [خ¦١٧٦٢] فلقيته مصعدًا وأنا منهبطةٌ، أو العكس لأنَّه كان خرج بعد ذهابها ليطوف للوداع فلقيها وهو صادرٌ بعد الطَّواف، وهي راحلةٌ لطواف عمرتها، ثمَّ لقيته بعد ذلك وهو بمنزله بالمُحصَّب، ويحتمل أنَّ لقاءه لها كان حين انتقل من المُحصَّب كما عند عبد الرَّزَّاق: أنَّه كره أن يقتدي النَّاس بإناخته بالبطحاء، فرحل حتَّى أناخ على ظهر العقبة، أو من ورائها ينتظرها، فيحتمل أن يكون لقاؤه لها كان في هذا الرَّحيل، وأنَّه المكان الذي عيَّنه لها في رواية الأسود [خ¦١٧٦٢] حيث قال لها: موعدُكِ مكانَ كذا وكذا، قال في «الفتح»: وهذا تأويلٌ حسنٌ.
(فَقَالَ) ﵊: (فَرَغْتُمَا) من عمرتكما؟ قالت: (قُلْتُ: نَعَمْ) فرغنا (فَنَادَى بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ، فَارْتَحَلَ النَّاسُ وَمَنْ طَافَ بِالبَيْتِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ) طواف الوداع، وهذا من عطف الخاصِّ على العام لأنَّ النَّاس أعمُّ من الطَّائفين ومن الذين لا طواف وداعٍ عليهم كالحائض (٧)، أو هو صفةٌ لـ «النَّاس»، ويجوز توسُّط العاطف بين الصِّفة والموصوف لتأكيد لصوقها بالموصوف، نحو: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [الأنفال: ٤٩] قال سيبويه: هو مثل: مررت
стр. 4038
بزيدٍ وصاحبك إذا أردت بـ «صاحبك»: زيدًا، وقال الزَّمخشريُّ: في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] جملةٌ واقعةٌ صفةً لـ «قريةٍ»، والقياسُ ألَّا تتوسَّط الواو بينهما، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] وإنَّما توسَّطت لتأكيد لصوق الصِّفة بالموصوف؛ كما يقال في الحال: جاءني زيدٌ عليه ثوبٌ، وجاءني وعليه ثوبٌ. انتهى. وتعقَّبه أبو حيَّان فقال: وافقه على ذلك أبو البقاء، قال: وهذا الذي قاله الزَّمخشريُّ وتبعه فيه أبو البقاء لا نعلم أحدًا قاله من النَّحويِّين، وهو مبنيٌّ على أنَّ ما بعد «إلَّا» يجوز أن يكون صفةً، وهم (١) قد منعوا ذلك، قال الأخفش: لا يُفصَل بين الصِّفة والموصوف بـ «إلَّا» قال: ونحو: «ما جاءني رجلٌ إلَّا راكبٌ» تقديره: إلَّا رجلٌ راكبٌ، وفيه قبحٌ لجعل (٢) الصِّفة كالاسم، وقال أبو عليٍّ الفارسيُّ: تقول: ما مررت بأحدٍ إلَّا قائمًا، «قائمًا»: حالٌ من «أحدٍ»، ولا يجوز: إلَّا قائمٌ لأنَّ «إلَّا» لا تعترض بين الصِّفة والموصوف، وقال ابن مالكٍ -وقد ذكر ما ذهب إليه الزَّمخشريُّ من قوله: في نحو: ما مررت بأحدٍ إلَّا زيدٌ خيرٌ منه: إنَّ الجملة بعد «إلَّا» صفةٌ لـ «أحدٍ» - إنَّه مذهبٌ لم يُعرَف لبصريٍّ ولا كوفيٍّ (٣)، فلا يُلتَفت إليه. انتهى. قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذا كلُّه مبنيٌّ على صحَّة هذا السِّياق، والذي يغلب عندي أنَّه وقع فيه تحريفٌ، وأنَّ (٤) الصَّواب: فارتحل النَّاس ثمَّ طاف بالبيت … إلى آخره، وكذا وقع عند أبي داود من طريق أبي بكرٍ الحنفيِّ عن أفلح بلفظ: فأذَّن في أصحابه بالرَّحيل فارتحل فمرَّ بالبيت قبل صلاة الصُّبح فطاف به حتَّى خرج، ثمَّ انصرف متوجِّهًا إلى المدينة. ولـ «مسلمٍ»: فآذن في أصحابه بالرَّحيل فخرج فمرَّ بالبيت فطاف به قبل صلاة الصُّبح، فيحتمل أنَّه أعاد (٥) طواف الوداع (٦) لمَّا رجع من الأبطح.
(ثُمَّ خَرَجَ) ﵊ (مُوَجِّهًا إِلَى المَدِينَةِ) بضمِّ الميم وفتح الواو وتشديد الجيم المكسورة،
стр. 4039
كذا (١) في الفرع وغيره (٢)، ولابن عساكر: «متوجِّهًا» بزيادة تاءٍ كما في «اليونينيَّة» أيضًا، فالأولى: من التَّوجيه؛ وهو الاستقبال تلقاء وجهه، والثَّانية: من التَّوجُّه من باب «التَّفعُّل»، وموضع التَّرجمة من قوله (٣): «فلتهلَّ بعمرةٍ … » إلى آخره؛ من حيث (٤) كونه اكتفى فيه بطواف العمرة عن طواف الوداع.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف [خ¦١٥٦٠] أيضًا، ومسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا النَّسائيُّ.
(١٠) هذا (٥) (بابٌ) بالتَّنوين، يُذكَر فيه: أنَّ الرَّجل (يَفْعَلُ فِي العُمْرَةِ) من التُّروك (مَا يَفْعَلُ في الحَجِّ) أو يفعل فيها بعض ما يفعل فيه، وللحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «بالعمرة» وللحَمُّويي والمُستملي: «بالحجِّ» بالمُوحَّدة فيهما بدل: «في».
١٧٨٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابن يحيى البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ)
стр. 4040
المكِّيُّ، زاد في غير رواية أبي ذرٍّ (يَعْنِي: عَنْ أَبِيهِ) يَعْلى بن أميَّة بن أبي عُبَيدة (١) بن همَّامٍ، التَّميميِّ (٢)، حليف قريشٍ، وهو يَعلى بن مُنْيَة -بضمِّ الميم وسكون النُّون بعدها مُثنَّاةٌ تحتيَّةٌ مفتوحةٌ- وهي أمُّه، صحابيٌّ مشهورٌ (أَنَّ رَجُلًا) قيل: هو عطاء بن مُنْيَة أخو يَعلى الرَّاوي (أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِالجِعْرَانَةِ) بكسر الجيم (٣) وسكون العين (وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ وَعَلَيْهِ أَثَرُ الخَلُوقِ) بفتح الخاء المعجمة وتخفيف اللَّام المضمومة: ضربٌ من الطِّيب (أَوْ قَالَ: صُفْرَةٌٍ) بالجرِّ عطفًا على المضاف إليه، وبالرَّفع عطفًا على المضاف، والشَّكُّ من الرَّاوي (فَقَالَ: كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي؟ فَأَنْزَلَ اللهُ) (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) أي: قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] كما رواه الطَّبرانيُّ في «الأوسط»، والإتمام: يتناول الهيئات والصِّفات (فَسُتِرَ) ﵊ (بِثَوْبٍ وَوَدِدْتُ) بواو العطف وكسر الدَّال الأولى (٤)، وفي بعض الأصول: بإسقاط الواو (أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ) بضمِّ همزة «أُنزِل» مبنيًّا للمفعول، و «الوحيُ»: بالرَّفع نائب الفاعل (فَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁: (تَعَالَ (٥)، أَيَسُرُّكَ) بهمزة الاستفهام المفتوحة وفتح الياء (٦) التَّحتيَّة وضمِّ السِّين المهملة (أَنْ تَنْظُرَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ (٧) عَلَيْهِ الوَحْيَ؟) بنصب «الوحيَ» على المفعوليَّة، والجملة في موضع الحال، ولغير أبي ذرٍّ: «وقد أُنزِل إليه الوحيُ» بالرَّفع نائبٌ عن الفاعل، و «أُنزِل»: بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، و «إليه»: بالهمزة، بدل: «عليه» بالعين، والذي في «اليونينيَّة»: «أَنزل» بفتح الهمزة «اللهُ الوحيَ»، ولأبي الوقت: «أَنزل» بفتح الهمزة أيضًا (٨) «اللهُ عليه الوحي» فزاد لفظة: «عليه» (٩) (قُلْتُ: نَعَمْ) يسرُّني
стр. 4041
(فَرَفَعَ طَرَفَ الثَّوْبِ) عن رسول الله ﷺ (فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ) زاده الله شرفًا لديه (لَهُ غَطِيطٌ) بفتح الغين (١) المعجمة: نخيرٌ وصوتٌ فيه بحوحةٌ (وَأَحْسِبُهُ) أي: وأظنُّه (قَالَ: كَغَطِيطِ البَكْرِ) بفتح المُوحَّدة وسكون الكاف: الفتيُّ من الإبل (فَلَمَّا سُرِّيَ) بضمِّ السِّين المهملة وتشديد الرَّاء المكسورة وتخفيفها، أي: كُشِف (عَنْهُ) ﵊ (قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ العُمْرَةِ؟ اخْلَعْ عَنْكَ الجُبَّةَ وَاغْسِلْ أَثَرَ الخَلُوقِ) الطِّيب (عَنْكَ، وَأَنْقِ الصُّفْرَةَ) بهمزة قطعٍ مفتوحةٍ وسكون النُّون من الإنقاء، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «واتَّقِ» بهمزة وصلٍ ومُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مُشدَّدةٍ من الاتِّقاء، أي: احذر الصُّفرة (وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ؛ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكِ (٢)) أي: كصنعك في حجِّك من اجتناب المُحرَّمات، ومن أعمال الحجِّ إلَّا الوقوف، فلا وقوف فيها ولا رمي، وأركانها أربعةٌ: الإحرام والطَّواف والسَّعي والحلق أو التَّقصير، وهذا (٣) موضع التَّرجمة، وسبق الحديث في «باب غسل الخَلُوق» [خ¦١٥٣٦] في أوائل «أبواب (٤) الحجِّ».
١٧٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام الأئمَّة (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ
стр. 4042
حَدِيثُ السِّنِّ) لم يكن لي فقهٌ ولا علمٌ بالسُّنن ممَّا يتأوَّل به نصُّ الكتاب والسُّنَّة: (أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللهِ تَعَالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ﴾) جمع شعيرةٍ وهي العلامة، أي: من أعلام مناسكه (﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] فَلَا أُرَى) بضمِّ الهمزة، أي: فلا أظنُّ، ولأبي ذرٍّ: «أَرى» بفتحها (عَلَى أَحَدٍ شَيْئًا أَلَّا يَطَّوَّفَ بِهِمَا) بتشديد الطَّاء والواو المفتوحتين، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «بينهما» (فَقَالَتْ) ولابن عساكر: «قالت» (عَائِشَةُ: كَلَّا) ليس الأمر كذلك (لَوْ كَانَتْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «كان» (كَمَا تَقُولُ) من عدم وجوب السَّعي (كَانَتْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَلَّا يَطَّوَّفَ بِهِمَا، إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي الأَنْصَارِ، كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ) بفتح الميم وتخفيف النُّون: اسم صنمٍ (وَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ) أي: محاذية (قُدَيْدٍ) بضمِّ القاف: موضعٌ بين مكَّة والمدينة (وَكَانُوا) أي: الأنصار (يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) يتحرَّزون من الإثم الذي في الطَّواف باعتقادهم، أو يتحرَّزون عنه لأجل الطَّواف، أو يتكلَّفون الحرج في الطَّواف ويرونه فيه (فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]) الآيةَ (زَادَ سُفْيَانُ) أي (١): ابن عيينة كما قال الكِرمانيُّ، وقال غيره: الثَّوريُّ، ممَّا وصله الطَّبريُّ (وَأَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ -بالخاء والزَّاي المعجمتين- الضَّرير ممَّا وصله مسلمٌ، كلاهما (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: (مَا أَتَمَّ اللهُ حَجَّ امْرِئٍ وَلَا عُمْرَتَهُ مَا (٢) لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ)، والله أعلم (٣).
(١١) هذا (٤) (بابٌ) بالتَّنوين (مَتَى يَحِلُّ المُعْتَمِرُ) من إحرامه؟ (وَقَالَ عَطَاءٌ) ممَّا وصله المؤلِّف في «باب تقضي الحائض المناسك كلَّها إِلَّا الطَّواف بالبيت» [خ¦١٦٥١] (عَنْ جَابِرٍ ﵁: أَمَرَ
стр. 4043
النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ) الذين كانوا معه في حجَّة الوداع (أَنْ يَجْعَلُوهَا) أي: الحجَّة (عُمْرَةً، وَيَطُوفُوا) بضمِّ الطَّاء وسكون الواو، بالبيت وبين الصَّفا والمروة (ثُمَّ يُقَصِّرُوا) من شعر رؤوسهم (وَيَحِلُّوا) بفتح أوَّله وكسر ثانيه.
١٧٩١ - ١٧٩٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو ابن رَاهُوْيَه (عَنْ جَرِيرٍ) هو (١) ابن عبد الحميد (٢) (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالدٍ الأحمسيِّ البجليِّ الكوفيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى) علقمة، أنَّه (٣) (قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) عمرة القضاء (وَاعْتَمَرْنَا مَعَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ طَافَ) بالبيت (وَطُفْنَا) بالواو، ولأبي الوقت: «فطفنا» (مَعَهُ، وَأَتَى الصَّفَا وَالمَرْوَةَ) فسعى بينهما (وَأَتَيْنَاهَا) بإفراد الضَّمير، أي: أتينا بقعة الصَّفا والمروة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «وأتيناهما» بالتَّثنية، أي: الصَّفا والمروة (مَعَهُ، وَكُنَّا نَسْتُرُهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ) المشركين؛ مخافة (أَنْ يَرْمِيَهُ أَحَدٌ) منهم، وفي «عمرة القضيَّة» [خ¦٤٢٥٥] «سترناه من غلمان المشركين ومنهم أن يؤذوه» قال إسماعيل بن أبي خالدٍ: (فَقَالَ لَهُ) أي: لعبد الله بن أبي أوفى (صَاحِبٌ لِي) لم يُسَمَّ: (أَكَانَ) ﵊ (دَخَلَ الكَعْبَةَ؟ قَالَ) ابن أبي أوفى: (لَا) لم يدخلها في تلك العمرة.
(قَالَ) أي: ذلك الصَّاحب المذكور لابن أبي أوفى: (فَحَدِّثْنَا) بلفظ الأمر (٤) (مَا قَالَ) ﵊ (لِخَدِيجَةَ؟) بنت خويلدٍ، زوجته ﵊ (قَالَ: بَشِّرُوا خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ مِنَ الجَنَّةِ) ولأبي ذرٍّ: «في» بدل «من» (مِنْ قَصَبٍ) بفتح القاف والصَّاد المهملة بعدها مُوحَّدةٌ، ووقع في حديثٍ عند
стр. 4044
الطَّبرانيِّ في «الأوسط»: تفسيره من طريق ابن أبي أوفى بلفظ: «يعني: من (١) قصب اللُّؤلؤ»، وعنده في «الكبير» من حديث أبي هريرة: ببيتٍ من لؤلؤةٍ مُجوَّفةٍ، وعنده في «الأوسط» في (٢) حديث فاطمة قالت: قلت: يا رسول الله أين أمِّي خديجة؟ قال: «في بيتٍ من قصبٍ»، قلت: أمن هذا القصب؟ قال: «لا، من القصب المنظوم بالدُّرِّ واللُّؤلؤ والياقوت»، فإن قلت: ما النُّكتة في قوله: «من قصبٍ»، ولم يقل: من لؤلؤٍ؟ أُجيب: بأنَّ في لفظ القصب مناسبةً لكونها أحرزت قصب السَّبق لمبادرتها إلى الإيمان دون غيرها، فإن قلت: لم قال: «ببيتٍ»، ولم يقل: بقصرٍ، والقصر أعلى وأشرف؟ أُجيب: بأنَّها لمَّا (٣) كانت ربَّة بيتٍ قبل المبعث ثمَّ صارت ربَّة بيتٍ في الإسلام منفردةً به، فلم يكن على وجه الأرض في أوَّل يومٍ بُعِثَ النَّبيُّ ﷺ بيت إسلامٍ إلَّا بيتها، وهي فضيلةٌ ما شاركها فيها غيرُها، وجزاء الفعل يُذكَر غالبًا بلفظه وإن كان أشرف منه؛ قصدًا للمشاكلة ومقابلة اللَّفظ باللَّفظ فلهذا جاء الحديث بلفظ «البيت» دون ذكر «القصر».
(لَا صَخَبَ فِيهِ) بفتح المهملة والمعجمة والمُوحَّدة، أي: لا صياح؛ إذ ما من بيتٍ في الدُّنيا يجتمع فيه أهله إلَّا وفيه صياحٌ وجلبةٌ (وَلَا نَصَبَ) بفتح النُّون والمهملة والمُوحَّدة: ولا تعب لأنَّ قصور الجنَّة ليس فيها شيءٌ من ذلك، قال السُّهيليُّ: مناسبة نفي هاتين الصِّفتين أنَّه ﵊ لمَّا دعا إلى الإيمان أجابت خديجة طوعًا، فلم تحوجه إلى رفع صوتٍ ولا منازعةٍ ولا تعبٍ في ذلك، بل أزالت عنه كلَّ نصبٍ، وآنسته من كلِّ وحشةٍ، وهوَّنت عليه كلَّ عسيرٍ، فناسب أن يكون منزلها الذي بشَّرها به ربُّها بالصِّفة المقابلة لذلك (٤).
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٦٠٠] وفي «المغازي» [خ¦٤١٨٨]، وكذا أخرجه أبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه.
стр. 4045
١٧٩٣ - ١٧٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير القرشيُّ الأسديُّ المكِّيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالبَيْتِ) سقط قوله «بالبيت» في رواية أبوي ذرٍّ والوقت (فِي عُمْرَةٍ) ولأبي ذرٍّ: «في عمرته» (وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟) أي: أيجامعها، والهمزة للاستفهام (فَقَالَ) ابن عمر: (قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ سَبْعًا، وقد كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُإِسْوَةٌ حَسَنَةٌ) بكسر الهمزة وضمِّها، وفيه الرَّدُّ على من قال: إنَّه يحلُّ من جميع ما حرم عليه بمُجرَّد الطَّواف، وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاسٍ.
(قَالَ) عمرو بن دينارٍ: (وَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄¬) أي (١): عمَّا سألنا عنه ابن عمر (فَقَالَ: لَا يَقْرَبَنَّهَا) بنون التَّوكيد، بجماعٍ ولا بمقدِّماته (حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) أي: يسعى بينهما، وإطلاق الطَّواف على السَّعي إمَّا للمشاكلة، وإمَّا لكونه نوعًا من الطَّواف.
١٧٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي الوقت: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح المُوحَّدة
стр. 4046
وتشديد المعجمة المُلقَّب ببندارٍ العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) بضمِّ الغين (١) المعجمة وسكون النُّون منصرفٌ، محمَّد بن جعفرٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ) بضمِّ الميم وسكون السِّين، الجَدليِّ -بفتح الجيم- الكوفيِّ (عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) الأحمسيِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالبَطْحَاءِ) بطحاء مكَّة (وَهُوَ مُنِيخٌ) راحلته؛ بضمِّ الميم وكسر النُّون وسكون التَّحتيَّة آخره خاءٌ (٢) معجمةٌ وهو كنايةٌ عن النُّزول بالبطحاء (فَقَالَ) ﵊: (أَحَجَجْتَ (٣)؟) أي: هل أحرمت بالحجِّ أو نويته؟ (قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: بِمَا أَهْلَلْتَ؟ قُلْتُ: لَبَّيْكَ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: أَحْسَنْتَ) زاد في «باب من أحرم في زمن النَّبيِّ ﷺ » [خ¦١٥٥٩]: قال: «هل معك من هديٍ؟» قلت: لا، قال (٤): (طُفْ بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ أَحِلَّ) من إحرامك؛ بفتح الهمزة وكسر الحاء، وهذا موضع التَّرجمة، فإنَّه يقتضي تأخُّره عن السَّعي.
قال أبو موسى: (فَطُفْتُ بِالبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَيْسٍ) لم تُسَمَّ (فَفَلَتْ رَأْسِي) بفتح الفاءين واللَّام المُخفَّفة؛ بوزن: رَمَتْ، أي: فتَّشته واستخرجت (٥) القمل منه (ثُمَّ أَهْلَلْتُ بِالحَجِّ) أي: يوم التَّروية (فَكُنْتُ أُفْتِي بِهِ) أي: النَّاس (حَتَّى كَانَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁، زاد مسلمٌ: فقال له رجلٌ: يا أبا موسى -أو يا (٦) عبد الله بن قيسٍ- رويدك بعض فتياك، فإنَّك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النُّسك بعدك، فقال: يا أيُّها النَّاس مَنْ كنَّا أفتيناه فتيا فَلْيَتَّئد (٧)؛ فإنَّ أمير المؤمنين قادمٌ عليكم، فائتمُّوا به. قال (٨): فقدم عمر، فذكرت له ذلك (فَقَالَ: إِنْ أَخَذْنَا بِكِتَابِ اللهِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُنَا بِالتَّمَامِ) لأفعالهما بعد الشُّروع فيهما (وَإِنْ أَخَذْنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ) من إحرامه (حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ
стр. 4047
مَحِلَّهُ) بكسر الحاء المهملة: وهو نحره يوم النَّحر بمنًى، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فإنَّه يأمر» بإسقاط ضمير المفعول «حتَّى بلغ» بلفظ الماضي، والذي أنكره عمرُ المتعةَ التي هي الاعتمار في أشهر الحجِّ ثمَّ الحجَّ من عامه كما قاله النَّوويُّ، قال: ثمَّ انعقد الإجماع على جوازه من غير كراهةٍ.
١٧٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ) غير منسوبٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وفي رواية كريمة: «حدَّثنا أحمد بن عيسى» وفي رواية أبي ذرٍّ: «حدَّثنا أحمد بن صالحٍ» والأوَّل: هو التُّستريُّ، المصريُّ الأصل، والثَّاني: هو ابن الطَّبريِّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبدُ الله قال: (أَخْبَرَنَا عَمْرٌو) بفتح العين هو ابن الحارث (عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ) محمَّد بن عبد الرَّحمن المشهور بيتيم عروة بن الزُّبير (أَنَّ عَبْدَ اللهِ) بن كيسان (مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵄ (حَدَّثَهُ: أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ أَسْمَاءَ تَقُولُ كُلَّمَا مَرَّتْ بِالحَجُونِ) بفتح الحاء وضمِّ الجيم المُخفَّفة وسكون الواو آخره نونٌ، قال التَّقيُّ الفاسيُّ في «تاريخ البلد الحرام»: هو جبلٌ بالمُعلَّى (١)؛ مقبرة أهل مكَّة على يسار الدَّاخل إلى مكَّة ويمين الخارج منها إلى منًى، على مقتضى ما ذكر (٢) الأزرقيُّ والفاكهيُّ في تعريفه لأنَّهما ذكراه في شقِّ مُعلَّى مكَّة اليمانيِّ؛ وهو الجهة التي ذكرناها، وإذا كان كذلك فهو يخالف ما يقوله النَّاس: من أنَّ الحجون: الثَّنيَّة التي يهبط منها إلى مقبرة المُعَلَّى (٣)،
стр. 4048
وكلام المحبِّ الطَّبريِّ يوافق (١) ما (٢) يقوله (٣) النَّاس، وكنت قلَّدته في ذلك ثمَّ ظهر لي أنَّ ما قاله الأزرقيُّ والفاكهيُّ أَوْلى لأنَّهما بذلك أدرى، وقد وافقهما على ذلك إسحاق الخزاعيُّ راوي «تاريخ الأزرقيِّ»، ولعلَّ الحَجُون على مقتضى قول الأزرقيِّ والفاكهيِّ والخزاعيِّ: الجبل الذي يُقال فيه قبر ابن عمر، أو الجبل المقابل له الذي بينهما الشِّعب المعروف بشعب العفاريت (٤). انتهى.
ومقول قول أسماء (٥): (صَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ) ولأبي ذرٍّ: «على رسوله محمَّدٍ» (لَقَدْ نَزَلْنَا مَعَهُ هَهُنَا، وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ خِفَافٌ) بكسر الخاء المعجمة، جمع خفيفٍ، ولـ «مسلمٍ»: خفاف الحقائب، جمع حقيبةٍ، بفتح المهملة وبالقاف (٦) والمُوحَّدة: ما احتقب الرَّاكب خلفه من حوائجه في موضع الرَّديف (قَلِيلٌ ظَهْرُنَا) أي: مراكبنا (قَلِيلَةٌ أَزْوَادُنَا، فَاعْتَمَرْتُ أَنَا وَأُخْتِي عَائِشَةُ) أي: بعد أن فسخنا الحجَّ إلى العمرة (وَالزُّبَيْرُ) بن العوَّام (وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على تعيينهما (٧)، وكأنَّها سمَّت بعض من عرفته ممَّن لم يسق الهدي (فَلَمَّا مَسَحْنَا البَيْتَ) أي: مسحنا بركنه، وكنَّت بذلك عن الطَّواف؛ إذ هو من لوازم المسح عليه (٨) عادةً، والمراد غير عائشة لأنَّها كانت حائضًا (أَحْلَلْنَا) أي: بعد السَّعي، وحُذِف اختصارًا، فلا حجَّة فيه لمن لم يوجب السَّعي لأنَّ أسماء أخبرت أنَّ ذلك كان (٩) في حجَّة الوداع. وقد جاء من طرقٍ أخرى صحيحةٍ: أنَّهم طافوا معه وسعوا، فيُحمَل ما أُجْمِلَ على ما بُيِّن، ولم يذكر الحلق ولا التَّقصير، فاستدلَّ به على أنَّه استباحة محظورٍ، وأُجيب بأنَّ عدم ذكره هنا لا يلزم منه ترك فعله؛ فإنَّ القصَّة واحدةٌ، وقد ثبت الأمر بالتَّقصير في عدَّة أحاديث، وهذا كقوله: لمَّا
стр. 4049
زنى فلانٌ رُجِم، والتَّقدير: لمَّا أحصن وزنى رُجِم، فإن قلت: في «مسلمٍ»: وكان مع الزُّبير هديٌ فلم يحلَّ، وهو مغايرٌ لما هنا؛ لذكرها الزُّبير مع من أحلَّ، أجاب النَّوويُّ: بأنَّ إحرام الزُّبير بالعمرة وتحلُّله منها كان في غير حجَّة الوداع (ثُمَّ أَهْلَلْنَا مِنَ العَشِيِّ بِالحَجِّ).
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ» أيضًا.
(١٢) (بابُ مَا يَقُولُ إِذَا رَجَعَ مِنَ الحَجِّ أَوِ العُمْرَةِ أَوِ الغَزْوِ).
١٧٩٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَفَلَ) رجع (مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ) الله تعالى (عَلَى كُلِّ شَرَفٍ) بفتحتين: مكانٍ عالٍ (مِنَ الأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) قال القرطبيُّ: في تعقيب التَّكبير بالتَّهليل إشارةٌ إلى أنَّه المنفرد بإيجاد جميع الموجودات، وأنَّه المعبود في جميع الأماكن (آيِبُونَ) بالرَّفع خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: نحن آيبون، جمع: آيبٍ، أي: راجعٍ، وزنه ومعناه، أي: راجعون إلى الله تعالى، وليس المرادُ الإخبارَ بمحض الرُّجوع، فإنَّه تحصيل الحاصل، بل الرُّجوع في حالةٍ (١) مخصوصةٍ؛ وهي تلبُّسهم بالعبادة المخصوصة والاتِّصاف بالأوصاف المذكورة (تَائِبُونَ) من التَّوبة؛ وهي الرُّجوع عمَّا هو مذمومٌ شرعًا إلى ما هو محمودٌ شرعًا، وفيه: إشارةٌ إلى التَّقصير في العبادة، قاله ﷺ على سبيل التَّواضع، أو تعليمًا لأمَّته (عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ) كلُّها رفعٌ بتقدير: «نحن»، والجارُّ والمجرور متعلِّقٌ
стр. 4050
بـ «ساجدون»، أو بسائر الصِّفات على طريق التنازع (صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ) فيما وعد به من إظهار دينه بقوله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ [الفتح: ٢٠] وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ (١)﴾ … الآيةَ [النور: ٥٥] وهذا في الغزو ومناسبته للحجِّ قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] (وَنَصَرَ عَبْدَهُ) محمَّدًا ﷺ (وَهَزَمَ الأَحْزَابَ) يوم الأحزاب، أو أحزاب الكفر في جميع الأيَّام والمواطن (وَحْدَهُ) من غير فعل أحدٍ من الآدميِّين، ويحتمل أن يكون خبرًا بمعنى الدُّعاء، أي: اللَّهمَّ اهزم الأحزاب، والأوَّل أظهر، وظاهر قوله: «من غزوٍ أو حجٍّ أو عمرةٍ» اختصاصه بها، والذي عليه الجمهور: أنَّه يُشرَع في كلِّ سفرِ طاعةٍ كطلب علمٍ، وقِيل: يتعدَّى إلى المباح لأنَّ المسافر فيه لا ثواب له فلا يمتنع عليه ما يحصِّل له الثَّواب، وقيل: يُشرَع في سفر المعصية أيضًا لأنَّ مرتكب المعصية أحوج إلى تحصيل الثَّواب من غيره، وتُعقِّب بأنَّ الذي يخصُّه بسفر الطَّاعة لا يمنع المسافر في مباحٍ ولا معصيةٍ من الإكثار من ذكر الله تعالى، وإنَّما النِّزاع في خصوص هذا الذِّكر في هذا الوقت المخصوص، فخصَّه قومٌ به كما يختصُّ الذِّكر المأثور عقب الأذان والصَّلاة (٢). انتهى.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا (٣) في «الدَّعوات» [خ¦٦٣٨٥]، ومسلمٌ في «الحجِّ»، وأبو داود في «الجهاد»، والنَّسائيُّ في «السِّير».
(١٣) (بابُ اسْتِقْبَالِ الحَاجِّ القَادِمِينَ) إلى مكَّة -بكسر الميم وفتح النُّون بصيغة الجمع- صفةٌ لـ «الحاجِّ» لإطلاقه على المفرد والجمع مجازًا واتسَّاعًا كقوله تعالى: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] قال في «الكشَّاف» ممَّا قرأته فيه: والسَّامر نحو الحاضر في الإطلاق على الجمع، و «استقبال»: مصدرٌ مضافٌ إلى مفعوله، ولأبي ذرٍّ: «القادِمَيْن» بفتح الميم؛ بصيغة التَّثنية (وَالثَّلَاثَةِ) بالجرِّ: كما في بعض الأصول، عطفًا على «استقبالِ» (٤) أي: واستقبال الثَّلاثة، وفي
стр. 4051
«اليونينيَّة»: «والثَّلاثة» بالنَّصب، أي: واستقبال الحاجِّ الثَّلاثة، حال كونهم (عَلَى الدَّابَّةِ) والاستقبال يكون من الطَّرفين لأنَّ من استقبلك فقد استقبلته، ولابن عساكر: «باب استقبال الحاجِّ الغلامين» بإضافة «الاستقبال» إلى «الحاجِّ»، و «الغلامين»: مفعوله، أو: «استقبال»: مضافٌ إلى «الغلامين»، و «الحاجَّ»: نُصِب على المفعوليَّة؛ كقراءة ابن عامرٍ بالفصل بين المضافين بالمفعول في قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿قَتْلُ﴾ برفع اللَّام على ما لم يُسَمَّ فاعله (أَوْلَادَهِمْ) بالنَّصب على المفعول بالمصدر ﴿شُرَكَآؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] بالخفض على إضافة المصدر إليه، المذكور توجيهه في «كتاب القراءات الأربع عشرة» ممَّا جمعته، و «الثَّلاثةَ»: بالنَّصب عُطِف على «الغلامين»، لكن لا أعرف (١) نصب «الحاجِّ» في روايةٍ.
١٧٩٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) بضمِّ الميم وفتح العين واللَّام المُشدَّدة العمِّيُّ، أخو بَهْز بن أسدٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضمِّ الزَّاي، قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (٢): لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ مَكَّةَ) في الفتح (اسْتَقْبَلَهُ (٣) أُغَيْلِمَةُ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ) بضمِّ الهمزة من «أُغيلمة» وفتح الغين المعجمة، قال في «الصِّحاح»: الغلام معروفٌ، وتصغيره: غُلَيِّمٌ، والجمع: غِلْمَةٌ وغِلْمانٌ،
стр. 4052
واستغنوا بـ «غِلْمةٍ» عن أَغْلِمَةٍ، وتصغير الغِلْمَة: أُغَيْلِمَةٌ على غير مُكَبَّره، كأنَّهم صغَّروا أغلمةً وإن كانوا لم يقولوه؛ كما قالوا: أصيبيةٌ في تصغير: صبيةٍ، وبعضهم يقول: غليمةٌ على القياس، وقال في «القاموس»: الغلام: الطارُّ الشَّارب، والكهلُ ضدٌّ (١)، أو: من حين يُولَد إلى أن يَشِبَّ، جمعه: أَغْلِمةٌ وغِلْمَةٌ وغِلْمانٌ، وهي غلامةٌ. انتهى. ومراده: صبيان بني عبد المطَّلب، وإضافتهم إليه لكونهم من ذريَّته (فَحَمَلَ) ﵊ (وَاحِدًا) منهم (بَيْنَ يَدَيْهِ) هو عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطَّلب (وَآخَرَ خَلْفَهُ) هو قُثَم بن العبَّاس بن عبد المطَّلب؛ كذا قاله ابن حجرٍ، لكن لا أعلم هل خرج عبد الله بن جعفرٍ من المدينة إلى مكَّة بعد أن دخلها مع أبيه من الحبشة حتَّى استقبل النَّبيَّ ﷺ حين قدومه مكَّة في الفتح؟ فليُنظَر، وقول الحافظ ابن حجرٍ: -وكونُ التَّرجمة لتلقِّي القادم من الحجِّ، والحديثُ دالٌّ على تلقِّي القادم للحجِّ؛ ليس بينهما تخالفٌ لاتِّفاقهما من حيث المعنى- تعقَّبه العينيُّ فقال: لا نسلِّم أنَّ كون التَّرجمة لتلقِّي القادم من الحجِّ، بل هي لتلقِّي القادم للحجِّ، والحديث يطابقه، وهذا القائل ذهل وظنَّ أنَّ التَّرجمة وُضِعت لتلقِّي القادم من الحجِّ، وليس كذلك؛ وذلك لأنَّه لو علم أنَّ لفظ الاستقبال في التَّرجمة مصدرٌ مضافٌ إلى مفعوله، والفاعل ذكرُهُ مطويٌّ لَمَا احتاج إلى قوله: «وكون التَّرجمة … » إلى آخره. انتهى. ولعلَّه أخذه من كلام ابن المُنيِّر؛ حيث تعقَّب ابن بطَّالٍ لمَّا قال في الحديث: من الفقه جواز تلقِّي القادمين من الحجِّ لأنَّه ﵊ لم ينكر ذلك، بل سُرَّ به لحمله لهما بين يديه وخلفه، فقال (٢): هذا ليس تلقِّيًا للقادم من الحجِّ، ولكنَّه تلقِّي القادم للحجِّ، قال: وتلك العادة إلى الآن، يتلقَّى المجاورون وأهل مكَّة القادمين من الرُّكبان. انتهى. نعم يُؤخَذ منه بطريق القياس تلقِّي القادمين من الحجِّ، بل ومَنْ في معناهم كمن قدم من جهادٍ أو سفرٍ تأنيسًا لهم وتطييبًا لقلوبهم، وفي «صحيح مسلمٍ» عن عبد الله بن جعفرٍ قال: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا قدم من سفرٍ تُلُقِّيَ بصبيان أهل بيته، وإنَّه قدم من سفرٍ، فسُبِق بي إليه، فحملني بين يديه، ثمَّ جيء بأحد ابنَي فاطمة، فأردفه خلفه، فدخلنا المدينة ثلاثةً على دابَّةٍ»، وفي «المُسنَد» و «صحيح الحاكم»: عن عائشة قالت: «أقبلنا من مكَّة في حجٍّ أو عمرةٍ، فتلقَّانا غلمانٌ من الأنصار كانوا يتلقَّون أهاليهم إذا قدموا» وذكر ابن رجبٍ في «لطائفه»: عن أبي معاوية الضَّرير
стр. 4053
عن حجَّاجٍ عن الحكم قال: قال ابن عبَّاسٍ ﵄: لو يعلم المقيمون ما للحجَّاج (١) عليهم من الحقِّ لأتوهم حين يقدمون حتَّى يقبِّلوا رواحلهم لأنَّهم وفد الله في جميع النَّاس (٢).
وفي حديث (٣) الباب: التَّحديث والعنعنة والقول، ورواته الثَّلاثة الأُوَل بصريُّون، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٩٦٥]، والنَّسائيُّ في «الحجِّ».
(١٤) (بابُ) استحباب (القُدُومِ) أي: قدوم المسافر إلى منزله (بِالغَدَاةِ).
١٧٩٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الحَجَّاجِ) بفتح الحاء المهملة وتشديد الجيم الذُّهليُّ الشَّيبانيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ) المدنيُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بتصغير: «عبد»، ابن عمر العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ عَنِ) عبد الله (ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ) من المدينة (إِلَى مَكَّةَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ الشَّجَرَةِ) التي بمسجد ذي الحليفة (وَإِذَا رَجَعَ) من مكَّة (صَلَّى بِذِي الحُلَيْفَةِ بِبَطْنِ الوَادِي، وَبَاتَ) بها (حَتَّى يُصْبِحَ) ثمَّ يتوجَّه إلى المدينة لئلَّا يفجأ النَّاسُ أهاليهم ليلًا، وهذا الحديث مرَّ في «باب خروج النَّبيِّ ﷺ على طريق الشَّجرة» [خ¦١٥٣٣] وليس الدُّخول بالغداة متعيِّنًا (٤)؛ ولذا قال المؤلِّف:
стр. 4054
(١٥) (بابُ الدُّخُولِ) أي: دخول المسافر على أهله (بِالعَشِيِّ) والمراد به هنا: من وقت الزَّوال إلى الغروب.
١٨٠٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابن يحيى العَوْذِيُّ -بفتح العين (١) المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة- البصريُّ (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريِّ المدنيِّ (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالكٍ (¬﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَطْرُقُ أَهْلَهُ) بضمِّ الرَّاء من الطُّروق، أي: لا يأتيهم ليلًا إذا رجع من سفره (٢)، ولا يكون الطُّروق (٣) إِلَّا ليلًا، وقِيل: إنَّ (٤) أصل الطُّروق من الطَّرق؛ وهو الدَّقُّ، وسُمِّي الآتي باللَّيل طارقًا لحاجته إلى دقِّ الباب (كَانَ لَا يَدْخُلُ إِلَّا غُدْوَةً أَوْ عَشِيَّةً) لكراهته لطروق أهله ليلًا، والله أعلم (٥).
(١٦) هذا (٦) (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يَطْرُقُ) المسافر (أَهْلَهُ إِذَا بَلَغَ المَدِينَةَ) أي: البلد التي يريد دخولها، وللحَمُّويي (٧): «إذا دخل المدينة» أي: أراد دخولها.
١٨٠١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَارِبٍ) هو ابن دِثَارٍ السَّدوسيِّ الكوفيِّ (عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ
стр. 4055
أَنْ يَطْرُقَ) المسافر (أَهْلَهُ لَيْلًا) كراهة أن يهجم منها على ما يقبح عند اطِّلاعه عليه فيكون سببًا إلى بغضها وفراقها، فنبَّه ﷺ على ما تدوم به الألفة وتتأكَّد به (١) المحبَّة، فينبغي أن يجتنب مباشرة أهله في حال (٢) البذاذة وغير النَّظافة، وألَّا يتعرَّض لرؤية عورةٍ يكرهها منها، وكلمة «أَنْ» في قوله: «أن يطرق» مصدريَّةٌ، و «ليلًا»: نُصِب على الظَّرفيَّة، وأتى به للتَّأكيد، أو على لغة من قال: إنَّ «طَرَقَ» يُستعمَل بالنَّهار أيضًا، حكاه ابن فارسٍ.
(١٧) (بابُ مَنْ أَسْرَعَ نَاقَتَهُ إِذَا بَلَغَ المَدِينَةَ) قال في «المحكم»: «أسرع»: يتعدَّى بنفسه ويتعدَّى بالباء، وهو يردُّ على من خطَّأ المؤلِّف حيث لم يعدِّه بالباء.
١٨٠٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن الحكم بن محمَّد بن سالم بن أبي مريم الجُمَحيُّ (٣) قال: (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي كثيرٍ المدنيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حُمَيْدٌ) الطَّويل: (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَأَبْصَرَ دَرَجَاتِ المَدِينَةِ) بفتح الدَّال والرَّاء والجيم، أي: طرقها المرتفعة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «دَوْحَات المدينة» بواوٍ ساكنةٍ، بعدها مهملةٌ بدل الرَّاء والجيم، أي: شجرها العظام (أَوْضَعَ نَاقَتَهُ) بفتح الهمزة والضَّاد المعجمة والعين المهملة، أي: حملها على السَّير السَّريع (وَإِنْ كَانَتْ) أي: المركوبة (دَابَّةً) وهي أعمُّ من النَّاقة (حَرَّكَهَا) جواب «إنْ».
стр. 4056
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) المؤلِّف (١): (زَادَ الحَارِثُ بْنُ عُمَيْرٍ) مُصغَّرًا البصريُّ، ممَّا وصله الإمام أحمد (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل، أي (٢): عن أنسٍ (حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا) الجارُّ والمجرور يتعلَّق (٣) بقوله: «حرَّكها» أي: حرَّك دابَّته بسبب حبِّه المدينة.
وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قَالَ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن جعفر بن أبي كثيرٍ المدنيُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ) أنَّه (قَالَ: جُدُرَاتِ) بضمِّ الجيم والدَّال بغير تنوينٍ كما في الفرع وغيره، أي: جدرات المدينة جمع: جُدُرٍ -بضمَّتين- جمع: جدارٍ، وفي بعض النُّسخ: «جدراتٍ» بالتَّنوين، وقال القاضي عياضٌ ممَّا رأيته في «المطالع»: «جدرات» أشبه من «دوحات» و «درجات»، قال الحافظ (٤) ابن حجرٍ: وهي -أي: جدرات (٥) - رواية التِّرمذيِّ من طريق إسماعيل بن جعفرٍ أيضًا (٦). وقد رواه أيضًا الإسماعيليُّ من هذا الوجه بلفظ: جدْران -بسكون الدَّال وآخره نونٌ- جمع: جدارٍ (تَابَعَهٌ) أي: تابع إسماعيلَ (الحَارِثُ بْنُ عُمَيْرٍ) في قوله: جُدُرَات.
(١٨) (بابُ) بيان سبب نزول (قَوْلِ اللهِ تَعَالَى (٧): ﴿وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]).
١٨٠٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ الكوفيِّ (قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ) بن عازبٍ (¬﵁
стр. 4057
يَقُولُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينَا، كَانَتِ الأَنْصَارُ إِذَا حَجُّوا فَجَاؤُوْا) المدينة (لَمْ يَدْخُلُوا مِنْ قِبَلِ أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ، وَلَكِنْ مِنْ ظُهُورِهَا) بكسر قاف «قِبَل» وفتح المُوحَّدة، وقد روى ابن خزيمة والحاكم في «صحيحيهما»: عن جابرٍ قال: كانت قريشٌ تُدعَى الحُمْس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام، وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من الأبواب … الحديثَ. ورواه عبد بن حُمَيدٍ من مُرسَل قتادة كما قال البراء، وكذا أخرجه الطَّبريُّ من مُرسَل الرَّبيع بن أنسٍ نحوه، وهذا صريحٌ في أنَّ سائر العرب كانوا يفعلون ذلك كالأنصار إلَّا قريشًا، وعكس ذلك مجاهد (١) (فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَدَخَلَ (٢) مِنْ قِبَلِ بَابِهِ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، والرَّجل هو قُطْبَة -بضمِّ القاف وسكون المهملة وفتح المُوحَّدة- ابن عامر بن حَدِيدة -بمهملاتٍ؛ بوزن كبيرة- الأنصاريُّ الخزرجيُّ؛ كما سُمِّي في رواية جابرٍ السَّابقة عند ابن خزيمة والحاكم في «صحيحيهما»، وقيل: هو رفاعة بن تابوت، والأوَّل أَوْلى، ويؤيِّده: أنَّ في مُرسَل الزُّهريِّ عند الطَّبريِّ: فدخل رجلٌ من الأنصار من بني سلمة، وقطبة من بني سلمة (٣) بخلاف رفاعة، وقد وقع في حديث ابن عبَّاسٍ عند ابن جريرٍ: أنَّ القصَّة وقعت أوَّل ما قدم النَّبيُّ ﷺ المدينة، وفي إسناده ضعفٌ، وفي «مُرسَل الزُّهريِّ»: أنَّه وقع في عمرة الحديبية، وفي «مُرسَل السُّدِّيِّ» عند الطَّبريِّ: في حجَّة الوداع، قال في «الفتح»: وكأنَّه أخذه من قوله: كانوا إذا حجُّوا، لكن وقع في رواية الطَّبريِّ: كانوا إذا أحرموا، وهو (٤) يتناولهما، أي: الحجِّ والعمرة (٥)، والأقرب ما قال (٦) الزُّهريُّ، وقد بيَّن الزُّهريُّ السَّبب في صنيعهم ذلك، فقال: كان ناسٌ من الأنصار إذا أهلُّوا بالعمرة لم يَحُلْ بينهم وبين السَّماء شيءٌ، فكان الرَّجل إذا أهلَّ فَبَدَتْ له حاجةٌ في بيته لم يدخل من الباب من أجل (٧) السَّقف أن يحول بينه وبين السَّماء.
стр. 4058
(فَكَأَنَّهُ عُيِّرَ بِذَلِكَ) بضمِّ العين المهملة مبنيًّا للمفعول، أي: بدخوله من قِبَل بابه، وكانوا يعدُّون إتيان البيوت من ظهورها برًّا (فَنَزَلَتْ) أي: الآية؛ وهي قوله تعالى: (﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾) برُّ (﴿مَنِ اتَّقَى﴾) أي (١): المحارم والشَّهوات (﴿وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]) واتركوا سنَّة الجاهليَّة، فليس في العدول برٌّ.
(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (السَّفَرُ قِطْعَةٌ) جزءٌ (مِنَ العَذَابِ).
١٨٠٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بن قعنب القعنبيُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) إمام الأئمَّة (عَنْ سُمَيٍّ) بضمِّ السِّين المهملة وفتح الميم وتشديد التَّحتيَّة مُصغَّرًا القرشيِّ المخزوميِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: السَّفَرُ قِطْعَةٌ) جزءٌ (مِنَ العَذَابِ) بسبب الألم النَّاشئ عن المشقَّة فيه لما يحصل في الرُّكوب والمشي من ترك المألوف (يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَوْمَهُ) بنصب الأربعة لأنَّ «مَنَعَ» يتعدَّى إلى مفعولين (٢)؛ الأوَّل: «أحدَكم»، والثَّاني: «طعامَه»، و «شرابَه»: عُطِف عليه، و «نومَه» إمَّا على الأوَّل، أو على الثَّاني على الخلاف، والجملة استئنافيَّةٌ، وهي في الحقيقة جوابٌ عمَّا يُقال: لِمَ كان السَّفر قطعةً من العذاب؟ فقال: لأنَّه يمنع أحدكم، وليس المراد بالمنع في المذكورات منع حقيقتها، بل منع كمالها، أي: لذَّة طعامه … إلى آخره، وفي حديث أبي سعيدٍ المَقْبُرِيِّ: «السَّفر قطعةٌ من العذاب لأنَّ الرَّجل يشتغل فيه عن صلاته وصيامه»، وللطَّبرانيِّ: «لا يهنأ أحدُكم نومَه ولا طعامَه ولا شرابَه»، أو المراد: يمنعه (٣) ذلك في الوقت الذي يريده لاشتغاله
стр. 4059
بالمسير (١)، ولمَّا جلس إمام الحرمين موضع أبيه سُئِل: لِمَ كان السَّفر قطعةً من العذاب؟ فأجاب على الفور: لأنَّ فيه فراق الأحباب. ولا يعارض ما ذكر حديث ابن عبَّاسٍ وابن عمر ﵃ مرفوعًا: «سافروا تغنموا»، وفي روايةٍ: «تُرزَقوا»، ويُروَى: «سافروا تصحُّوا» لأنَّه لا يلزم من الصِّحَّة بالسَّفر -لما فيه من الرِّياضة والغنيمة والرِّزق- ألَّا يكون قطعةً من العذاب لما فيه من المشقَّة.
(فَإِذَا قَضَى) المسافر (نَهْمَتَهُ) بفتح النُّون وإسكان الهاء، أي: رغبته وشهوته وحاجته (٢) (فَلْيُعَجِّلْ) أي: الرُّجوع (إِلَى أَهْلِهِ) زاد في حديث عائشة عند الحاكم: «فإنَّه أعظم لأجره» قال ابن عبد البرِّ: وزاد فيه بعض الضُّعفاء عن مالكٍ: «وليتَّخذ لأهله هديَّةً وإن لم يجد إلَّا حجرًا» يعني: حجر الزِّناد، قال: وهي زيادةٌ مُنكَرةٌ.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجهاد» [خ¦٣٠٠١] وفي «الأطعمة» [خ¦٥٤٢٩]، ومسلمٌ في «المغازي» والنَّسائيُّ في «السِّير».
(٢٠) (بابُ المُسَافِرِ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ) قال ابن الأثير: إذا اهتمَّ به وأسرع فيه (٣) يُقال: جَدَّ يَجُدُّ ويَجِدُّ بالضَّمِّ والكسر، وجَدَّ به الأمرُ وأَجَدَّ، وجَدَّ فيه وأَجَدَّ (٤) إذا اجتهد، وجواب «إذا» قوله: (يُعَجِّلُ إِلَى أَهْلِهِ) بضمِّ الياء وفتح العين وتشديد الجيم، وفي نسخةٍ: «تَعجَّل» بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والجيم، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والنَّسفيِّ -كما في «الفتح» -: «ويعجِّل» بالواو. وجواب «إذا» حينئذٍ محذوفٌ، أي: ماذا يصنع؟
стр. 4060
١٨٠٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) الجُمَحيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي كثيرٍ المدنيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويُّ مولى عمر، المدنيُّ، كان يرسل (عَنْ أَبِيهِ) أسلم، وهو مخضرمٌ، مات سنة ثمانين وهو ابن أربع (١) عشرة ومئة سنةٍ (قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَبَلَغَهُ عَنْ) زوجته (صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ) الثَّقفيِّ والد المختار الكذَّاب الخارجيِّ، وكان يزعم أنَّ جبريل ﵇ يأتيه بالوحي (شِدَّةُ وَجَعٍ، فَأَسْرَعَ السَّيْرَ) فيه: تعدِّي «أسرع» إلى المفعول (٢) بنفسه، فيردُّ على من اعترض على المؤلِّف في قوله السَّابق: «باب من أسرع ناقته» بأنَّه إنَّما يتعدَّى بحرف الجرِّ (حَتَّى) إذا (٣) (كَانَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّفَقِ نَزَلَ) عن دابَّته (فَصَلَّى المَغْرِبَ وَالعَتَمَةَ، جَمَعَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ قَالَ) أي: ابن عمر: (إِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ أَخَّرَ المَغْرِبَ) إلى وقت العشاء (وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا) جمع تأخيرٍ، والجملة حاليَّةٌ أو استئنافيَّةٌ، والله أعلم (٤).
стр. 4061
((٢٧)) (بابُ) بيان أحكام (المُحْصَرِ) بضمِّ الميم وسكون الحاء وفتح الصَّاد المهملتين آخره راءٌ، ولأبي ذرٍّ: «أبواب» بالجمع، و «المُحصَر»: الممنوع من الوقوف بعرفة أو الطَّواف بالبيت؛ كالمعتمر الممنوع منه (وَ) أحكام (جَزَاءِ الصَّيْدِ) الذي يتعرَّض إليه المحرم (وَقَوْلُِهُ تَعَالَى) بالرَّفع على الاستئناف، أو بالجرِّ عطفًا على «المُحصَر» أي: وبيان المراد من قوله تعالى: (﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾) مُنِعتم، يُقال: حصره العدوُّ وأحصره إذا حبسه ومنعه عن المضيِّ؛ مثل: صدَّه وأصدَّه (﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾) أي: فعليكم ما استيسر، أو: فأهدوا ما استيسر، والمعنى: إن مُنِعتم عن المضيِّ إلى البيت وأنتم محرمون بحجٍّ أو عمرةٍ فعليكم إذا أردتم (١) التَّحلُّل أن تتحلَّلوا بذبح هديٍ يُسِّر عليكم؛ من بدنةٍ أو بقرةٍ أو شاةٍ حيث أُحصِرتم عند الأكثر (﴿وَلَا تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]) حيث يحلُّ ذبحه حلًّا (٢) كان أو حرامًا، أو: لا تحلُّوا (٣) حتَّى تعلموا أنَّ الهدي المبعوث به إلى الحرم بلغ محلَّه، أي: مكانه الذي يجب أن يُنحَر فيه، وسقط في رواية أبي ذرٍّ قوله: «﴿وَلَا تَحْلِقُواْ﴾ … إلى آخره».
(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ، ممَّا وصله ابن أبي شيبة: (الإِحْصَارُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسْبِهِ)
стр. 4062
والذي في «اليونينيَّة»: «يَحْبِسه» بفتح التَّحتيَّة وسكون المهملة وكسر المُوحَّدة بعدها سينٌ مهملةٌ، فلا يختصُّ بمنع العدوِّ فقط، بل هو (١) عامٌ في كلِّ حابسٍ من عدوٍّ ومرضٍ وغيرهما، وبه قال الحنفيَّة ككثيرٍ من الصَّحابة وغيرهم، حتَّى أفتى ابن مسعودٍ رجلًا لُدِغ بأنَّه محصرٌ، أخرجه ابن حزمٍ بإسنادٍ صحيحٍ والطَّحاويُّ، ولفظه: عن علقمة قال: لُدِغ صاحبٌ لنا وهو محرمٌ بعمرةٍ، فذكرناه لابن مسعودٍ، فقال: يبعث بهديٍ ويواعد أصحابه موعدًا، فإذا نَحَرَ عنه حلَّ، قالوا: وإذا قامت الدَّلالة على أنَّ شرعيَّته للحابس مطلقًا استُفيد جوازه لمن سُرِقت نفقته ولا يقدر على المشي، وقال مالكٌ والشَّافعيُّ وأحمد: لا إحصار إلَّا بالعدوِّ لأنَّ الآية وردت لبيان حكم انحصاره ﵊ وأصحابه وكان بالعدوِّ، وقال في سياق الآية: ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] فعُلِم أنَّ شرعيَّة الإحلال في العدوِّ كان (٢) لتحصيل الأمن منه، وبالإحلال لا ينجو من المرض، فلا يكون الإحصار بالمرض في معناه، فلا يكون النَّصُّ الوارد في العدوِّ واردًا في المرض، فلا يلحق به دلالةً ولا قياسًا لأنَّ شرعيَّة التَّحلُّل قبل أداء الأفعال بعد الشُّروع في الإحرام على خلاف القياس، فلا يُقاس عليه، وفي «المُوطَّأ»: عن سالمٍ عن أبيه قال: من حُبِس دون البيت بمرضٍ فإنَّه لا يحلُّ حتَّى يطوف بالبيت، واحتجَّ الحنفيَّة بأنَّ الإحصار هو المنع، والاعتبار بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب، وبأنَّ إجماع أهل اللُّغة على أنَّ مدلول لفظ: «الإحصار بالعمرة» المنع الكائن بالمرض، والآية وردت بذلك اللَّفظ، وبحث فيه المحقِّق الكمال بن الهمام: بأنَّه ظاهرٌ في أنَّ (٣) الإحصار خاصٌّ بالمرض، والحصر خاصٌّ بالعدوِّ، ويحتمل أن يُراد كون المنع بالمرض مِنْ مَاصدقات الإحصار، فإن أراد الأوَّل ورد عليه كون الآية لبيان حكم الحادثة التي وقعت للرَّسول ﷺ وأصحابه ﵃، واحتاج إلى جواب صاحب «الأسرار»، وحاصله: أنَّ كون النَّصِّ الوارد لبيان حكم حادثةٍ قد ينتظمها لفظًا، وقد ينتظم
стр. 4063
غيرها ممَّا يُعرَف به حكمها دلالةً، وهذه الآية كذلك؛ إذ يُعلَم منها حكم منع العدوِّ بطريق الأَوْلى (١) لأنَّ منع العدوِّ حسِّيُّ لا يتمكَّن معه من المضيِّ؛ بخلافه في المرض إذ يمكن بالمحمل والمركب والخدم، فإذا جاز التَّحلُّل مع هذا فمع ذلك أولى، وفي «نهاية ابن الأثير»: يُقال: أحصره المرضُ أو السُّلطانُ إذا منعه من مقصده، فهو مُحصَرٌ، وحَصَرَه إذا حبسه، فهو محصورٌ، وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] والمراد: منعهم الاشتغال بالجهاد، وهو أمرٌ راجعٌ إلى العدوِّ، أو المراد: أهل الصُّفَّة منعهم تعلُّم القرآن، أو: شدَّة الحاجة والجهد عن الضَّرب في الأرض للتَّكسُّب، وليس هو بالمرض. انتهى. وزاد أبو ذرٍّ عن المُستملي: «قال أبو عبد الله» أي: المؤلِّف على عادته في ذكر تفسير ما يناسب ما هو بصدده «حصورًا» في قوله تعالى في يحيى بن زكريَّا: ﴿وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩] معناه: «لا يأتي النِّساء»، وهو بمعنى محصورٍ لأنَّه مُنِع ممَّا يكون من الرِّجال، وقد ورد «فعولٌ» بمعنى: «مفعولٍ» كثيرًا، وهذا التَّفسير نقله الطَّبريُّ عن سعيد بن جبيرٍ وعطاءٍ ومجاهدٍ، وليس المراد: أنَّه لا يأتي النِّساء لأنَّه كان هَيُّوبًا لهنَّ أو لا ذَكَرَ له لأنَّ هذه نقيصةٌ لا تليق بالأنبياء ﵈، بل معناه: أنَّه معصومٌ عن الفواحش والقاذورات والملاهي، رُوِي: أنَّه مرَّ في صباه بصبيانٍ فدعوه إلى اللَّعب، فقال: ما للَّعبِ خُلِقت.
(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أُحْصِرَ المُعْتَمِرُ).
١٨٠٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام الأئمَّة (عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ حِينَ (٢) خَرَجَ) أي: أراد أن يخرج (إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي الفِتْنَةِ) حين نزل الحجَّاج لقتال ابن الزُّبير، ولا تنافي بين قوله: «معتمرًا» وبين قوله في رواية «المُوطَّأ»: خرج إلى مكَّة يريد الحجَّ فإنَّه خرج أوَّلًا يريد الحجَّ، فلمَّا ذكروا له أمر الفتنة أحرم بالعمرة،
стр. 4064
ثمَّ قال: ما شأنهما إلَّا واحدٌ (١)، فأضاف إليها الحجَّ، فصار قارنًا (قَالَ) جوابًا لقولهم: إنَّا نخاف أن يُحال بينك وبين البيت؛ بسبب الفتنة: (إِنْ صُدِدْتُ) بضمِّ الصَّاد مبنيًّا للمفعول، أي: إن مُنِعْتُ (عَنِ البَيْتِ صَنَعْتُ) ولأبي الوقت: «صنعنا» (كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) حين صدَّه المشركون عن البيت في الحديبية، فإنَّه تحلَّل من العمرة فنحر (٢) وحلق (فَأَهَلَّ) أي: فرفع ابن عمر صوته بالإهلال والتَّلبية (بِعُمْرَةٍ) زاد في رواية جويرية [خ¦١٨٠٧]: «من ذي الحليفة» وفي رواية أيُّوب الماضية [خ¦١٦٩٣]: «فأهلَّ بالعمرة من الدَّار» أي: المنزل الذي نزله بذي الحليفة، أو المراد: التي بالمدينة، فيكون أهلَّ بالعمرة من داخل بيته، ثمَّ أظهرها بعد أن استقرَّ بذي الحليفة (مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ) سنة ستٍّ.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤١٨٣]، ومسلمٌ في «الحجِّ».
١٨٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ) بن عبيدٍ الضُّبَعيُّ -بضمِّ المعجمة وفتح
стр. 4065
المُوحَّدة- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) تصغير: «جارية»، ابن أسماء بن عُبَيدٍ (١) الضُّبَعيُّ، وهو عمُّ عبد الله بن محمَّدٍ الرَّاوي عنه (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ) بتصغير: «عبد» الأوَّل، ابن عمر بن الخطَّاب العدويَّ المدنيَّ (وَ) شقيقه (سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) بن عمر (أَخْبَرَاهُ) ضمير المفعول لـ «نافعٍ»: (أَنَّهُمَا كَلَّمَا) أباهما (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ لَيَالِيَ نَزَلَ الجَيْشُ) القادمون مع الحجَّاج من الشَّام لمكَّة (بِابْنِ الزُّبَيْرِ) لمقاتلته وهو بها (فَقَالَا) لأبيهما: (لَا يَضُرُّكَ أَلَّا تَحُجَّ العَامَ، إِنَّا) ولغير أبي الوقت: «وإنَّا» (نَخَافُ أَنْ يُحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ البَيْتِ، فَقَالَ) ابن عمر: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) من المدينة حتَّى بلغنا الحديبية (فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ البَيْتِ، فَنَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ هَدْيَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ) فحلَّ من عمرته (وَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ العُمْرَةَ) على نفسي، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «عمرةً» بالتَّنكير، والظَّاهر: أنَّه أراد تعليم غيره، وإلَّا فليس التَّلفُّظ شرطًا، وقوله (٢): (إِنْ شَاءَ اللهُ) شرطٌ، وجزاؤه قوله: (أَنْطَلِقُ) إلى مكَّة، أو: «إن شاء الله تعالى» يتعلَّق بإيجابه العمرة، وقصد به التَّبرُّك لا التَّعليق لأنَّه كان جازمًا بالإحرام بقرينة الإشهاد (فَإِنْ خُلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ البَيْتِ) بضمِّ الخاء المعجمة وتشديد اللَّام المكسورة (طُفْتُ) به وأكملت النُّسك (وَإِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ) بكسر الحاء المهملة وسكون التَّحتيَّة؛ أي (٣): مُنِعت من الوصول إليه لأطوف به (فَعَلْتُ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا مَعَهُ) من التَّحلُّل من العمرة بالنَّحر والحلق (فَأَهَلَّ) أي: ابن عمر (بِالعُمْرَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ) ميقات المدينة (ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا شَأْنُهُمَا) أي: الحجُّ والعمرة (وَاحِدٌ) في جواز التَّحلُّل منهما بالإحصار (أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجَّةً مَعَ عُمْرَتِي، فَلَمْ يَحِلَّ مِنْهُمَا حَتَّى حَلَّ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَهْدَى) بنصب: «يومَ» على الظَّرفيَّة، ولأبي ذرٍّ: «حتَّى دخل» من الدُّخول «يومُ» بالرَّفع على الفاعليَّة (وَكَانَ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ طَوَافًا وَاحِدًا يَوْمَ يَدْخُلُ مَكَّةَ) أي: فإنَّ القارن لا يحتاج لطوافين خلافًا للحنفيَّة، كما مرَّ.
١٨٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولغير أبي الوقت: «حدَّثني» (مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ المنقريُّ