← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

((٢٧)) (بابُ) بيان أحكام (المُحْصَرِ) بضمِّ الميم وسكون الحاء وفتح الصَّاد المهملتين آخره راءٌ، ولأبي ذرٍّ: «أبواب» بالجمع، و «المُحصَر»: الممنوع من الوقوف بعرفة أو الطَّواف بالبيت؛ كالمعتمر الممنوع منه (وَ) أحكام (جَزَاءِ الصَّيْدِ) الذي يتعرَّض إليه المحرم (وَقَوْلُِهُ تَعَالَى) بالرَّفع على الاستئناف، أو بالجرِّ عطفًا على «المُحصَر» أي: وبيان المراد من قوله تعالى: (﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾) مُنِعتم، يُقال: حصره العدوُّ وأحصره إذا حبسه ومنعه عن المضيِّ؛ مثل: صدَّه وأصدَّه (﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾) أي: فعليكم ما استيسر، أو: فأهدوا ما استيسر، والمعنى: إن مُنِعتم عن المضيِّ إلى البيت وأنتم محرمون بحجٍّ أو عمرةٍ فعليكم إذا أردتم (١) التَّحلُّل أن تتحلَّلوا بذبح هديٍ يُسِّر عليكم؛ من بدنةٍ أو بقرةٍ أو شاةٍ حيث أُحصِرتم عند الأكثر (﴿وَلَا تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]) حيث يحلُّ ذبحه حلًّا (٢) كان أو حرامًا، أو: لا تحلُّوا (٣) حتَّى تعلموا أنَّ الهدي المبعوث به إلى الحرم بلغ محلَّه، أي: مكانه الذي يجب أن يُنحَر فيه، وسقط في رواية أبي ذرٍّ قوله: «﴿وَلَا تَحْلِقُواْ﴾ … إلى آخره». (وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ، ممَّا وصله ابن أبي شيبة: (الإِحْصَارُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسْبِهِ)

стр. 4062

والذي في «اليونينيَّة»: «يَحْبِسه» بفتح التَّحتيَّة وسكون المهملة وكسر المُوحَّدة بعدها سينٌ مهملةٌ، فلا يختصُّ بمنع العدوِّ فقط، بل هو (١) عامٌ في كلِّ حابسٍ من عدوٍّ ومرضٍ وغيرهما، وبه قال الحنفيَّة ككثيرٍ من الصَّحابة وغيرهم، حتَّى أفتى ابن مسعودٍ رجلًا لُدِغ بأنَّه محصرٌ، أخرجه ابن حزمٍ بإسنادٍ صحيحٍ والطَّحاويُّ، ولفظه: عن علقمة قال: لُدِغ صاحبٌ لنا وهو محرمٌ بعمرةٍ، فذكرناه لابن مسعودٍ، فقال: يبعث بهديٍ ويواعد أصحابه موعدًا، فإذا نَحَرَ عنه حلَّ، قالوا: وإذا قامت الدَّلالة على أنَّ شرعيَّته للحابس مطلقًا استُفيد جوازه لمن سُرِقت نفقته ولا يقدر على المشي، وقال مالكٌ والشَّافعيُّ وأحمد: لا إحصار إلَّا بالعدوِّ لأنَّ الآية وردت لبيان حكم انحصاره ﵊ وأصحابه وكان بالعدوِّ، وقال في سياق الآية: ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] فعُلِم أنَّ شرعيَّة الإحلال في العدوِّ كان (٢) لتحصيل الأمن منه، وبالإحلال لا ينجو من المرض، فلا يكون الإحصار بالمرض في معناه، فلا يكون النَّصُّ الوارد في العدوِّ واردًا في المرض، فلا يلحق به دلالةً ولا قياسًا لأنَّ شرعيَّة التَّحلُّل قبل أداء الأفعال بعد الشُّروع في الإحرام على خلاف القياس، فلا يُقاس عليه، وفي «المُوطَّأ»: عن سالمٍ عن أبيه قال: من حُبِس دون البيت بمرضٍ فإنَّه لا يحلُّ حتَّى يطوف بالبيت، واحتجَّ الحنفيَّة بأنَّ الإحصار هو المنع، والاعتبار بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب، وبأنَّ إجماع أهل اللُّغة على أنَّ مدلول لفظ: «الإحصار بالعمرة» المنع الكائن بالمرض، والآية وردت بذلك اللَّفظ، وبحث فيه المحقِّق الكمال بن الهمام: بأنَّه ظاهرٌ في أنَّ (٣) الإحصار خاصٌّ بالمرض، والحصر خاصٌّ بالعدوِّ، ويحتمل أن يُراد كون المنع بالمرض مِنْ مَاصدقات الإحصار، فإن أراد الأوَّل ورد عليه كون الآية لبيان حكم الحادثة التي وقعت للرَّسول ﷺ وأصحابه ﵃، واحتاج إلى جواب صاحب «الأسرار»، وحاصله: أنَّ كون النَّصِّ الوارد لبيان حكم حادثةٍ قد ينتظمها لفظًا، وقد ينتظم

стр. 4063

غيرها ممَّا يُعرَف به حكمها دلالةً، وهذه الآية كذلك؛ إذ يُعلَم منها حكم منع العدوِّ بطريق الأَوْلى (١) لأنَّ منع العدوِّ حسِّيُّ لا يتمكَّن معه من المضيِّ؛ بخلافه في المرض إذ يمكن بالمحمل والمركب والخدم، فإذا جاز التَّحلُّل مع هذا فمع ذلك أولى، وفي «نهاية ابن الأثير»: يُقال: أحصره المرضُ أو السُّلطانُ إذا منعه من مقصده، فهو مُحصَرٌ، وحَصَرَه إذا حبسه، فهو محصورٌ، وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] والمراد: منعهم الاشتغال بالجهاد، وهو أمرٌ راجعٌ إلى العدوِّ، أو المراد: أهل الصُّفَّة منعهم تعلُّم القرآن، أو: شدَّة الحاجة والجهد عن الضَّرب في الأرض للتَّكسُّب، وليس هو بالمرض. انتهى. وزاد أبو ذرٍّ عن المُستملي: «قال أبو عبد الله» أي: المؤلِّف على عادته في ذكر تفسير ما يناسب ما هو بصدده «حصورًا» في قوله تعالى في يحيى بن زكريَّا: ﴿وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩] معناه: «لا يأتي النِّساء»، وهو بمعنى محصورٍ لأنَّه مُنِع ممَّا يكون من الرِّجال، وقد ورد «فعولٌ» بمعنى: «مفعولٍ» كثيرًا، وهذا التَّفسير نقله الطَّبريُّ عن سعيد بن جبيرٍ وعطاءٍ ومجاهدٍ، وليس المراد: أنَّه لا يأتي النِّساء لأنَّه كان هَيُّوبًا لهنَّ أو لا ذَكَرَ له لأنَّ هذه نقيصةٌ لا تليق بالأنبياء ﵈، بل معناه: أنَّه معصومٌ عن الفواحش والقاذورات والملاهي، رُوِي: أنَّه مرَّ في صباه بصبيانٍ فدعوه إلى اللَّعب، فقال: ما للَّعبِ خُلِقت. (١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أُحْصِرَ المُعْتَمِرُ). ١٨٠٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام الأئمَّة (عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ حِينَ (٢) خَرَجَ) أي: أراد أن يخرج (إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي الفِتْنَةِ) حين نزل الحجَّاج لقتال ابن الزُّبير، ولا تنافي بين قوله: «معتمرًا» وبين قوله في رواية «المُوطَّأ»: خرج إلى مكَّة يريد الحجَّ فإنَّه خرج أوَّلًا يريد الحجَّ، فلمَّا ذكروا له أمر الفتنة أحرم بالعمرة،

стр. 4064

ثمَّ قال: ما شأنهما إلَّا واحدٌ (١)، فأضاف إليها الحجَّ، فصار قارنًا (قَالَ) جوابًا لقولهم: إنَّا نخاف أن يُحال بينك وبين البيت؛ بسبب الفتنة: (إِنْ صُدِدْتُ) بضمِّ الصَّاد مبنيًّا للمفعول، أي: إن مُنِعْتُ (عَنِ البَيْتِ صَنَعْتُ) ولأبي الوقت: «صنعنا» (كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) حين صدَّه المشركون عن البيت في الحديبية، فإنَّه تحلَّل من العمرة فنحر (٢) وحلق (فَأَهَلَّ) أي: فرفع ابن عمر صوته بالإهلال والتَّلبية (بِعُمْرَةٍ) زاد في رواية جويرية [خ¦١٨٠٧]: «من ذي الحليفة» وفي رواية أيُّوب الماضية [خ¦١٦٩٣]: «فأهلَّ بالعمرة من الدَّار» أي: المنزل الذي نزله بذي الحليفة، أو المراد: التي بالمدينة، فيكون أهلَّ بالعمرة من داخل بيته، ثمَّ أظهرها بعد أن استقرَّ بذي الحليفة (مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ) سنة ستٍّ. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤١٨٣]، ومسلمٌ في «الحجِّ». ١٨٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ) بن عبيدٍ الضُّبَعيُّ -بضمِّ المعجمة وفتح

стр. 4065

المُوحَّدة- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) تصغير: «جارية»، ابن أسماء بن عُبَيدٍ (١) الضُّبَعيُّ، وهو عمُّ عبد الله بن محمَّدٍ الرَّاوي عنه (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ) بتصغير: «عبد» الأوَّل، ابن عمر بن الخطَّاب العدويَّ المدنيَّ (وَ) شقيقه (سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) بن عمر (أَخْبَرَاهُ) ضمير المفعول لـ «نافعٍ»: (أَنَّهُمَا كَلَّمَا) أباهما (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ لَيَالِيَ نَزَلَ الجَيْشُ) القادمون مع الحجَّاج من الشَّام لمكَّة (بِابْنِ الزُّبَيْرِ) لمقاتلته وهو بها (فَقَالَا) لأبيهما: (لَا يَضُرُّكَ أَلَّا تَحُجَّ العَامَ، إِنَّا) ولغير أبي الوقت: «وإنَّا» (نَخَافُ أَنْ يُحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ البَيْتِ، فَقَالَ) ابن عمر: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) من المدينة حتَّى بلغنا الحديبية (فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ البَيْتِ، فَنَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ هَدْيَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ) فحلَّ من عمرته (وَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ العُمْرَةَ) على نفسي، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «عمرةً» بالتَّنكير، والظَّاهر: أنَّه أراد تعليم غيره، وإلَّا فليس التَّلفُّظ شرطًا، وقوله (٢): (إِنْ شَاءَ اللهُ) شرطٌ، وجزاؤه قوله: (أَنْطَلِقُ) إلى مكَّة، أو: «إن شاء الله تعالى» يتعلَّق بإيجابه العمرة، وقصد به التَّبرُّك لا التَّعليق لأنَّه كان جازمًا بالإحرام بقرينة الإشهاد (فَإِنْ خُلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ البَيْتِ) بضمِّ الخاء المعجمة وتشديد اللَّام المكسورة (طُفْتُ) به وأكملت النُّسك (وَإِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ) بكسر الحاء المهملة وسكون التَّحتيَّة؛ أي (٣): مُنِعت من الوصول إليه لأطوف به (فَعَلْتُ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا مَعَهُ) من التَّحلُّل من العمرة بالنَّحر والحلق (فَأَهَلَّ) أي: ابن عمر (بِالعُمْرَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ) ميقات المدينة (ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا شَأْنُهُمَا) أي: الحجُّ والعمرة (وَاحِدٌ) في جواز التَّحلُّل منهما بالإحصار (أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجَّةً مَعَ عُمْرَتِي، فَلَمْ يَحِلَّ مِنْهُمَا حَتَّى حَلَّ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَهْدَى) بنصب: «يومَ» على الظَّرفيَّة، ولأبي ذرٍّ: «حتَّى دخل» من الدُّخول «يومُ» بالرَّفع على الفاعليَّة (وَكَانَ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ طَوَافًا وَاحِدًا يَوْمَ يَدْخُلُ مَكَّةَ) أي: فإنَّ القارن لا يحتاج لطوافين خلافًا للحنفيَّة، كما مرَّ. ١٨٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولغير أبي الوقت: «حدَّثني» (مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ المنقريُّ

стр. 4066

قال: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) بن أسماء (عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ بَعْضَ بَنِي عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب؛ إمَّا عبد الله، أو عبيد الله، أو سالم (قَالَ لَهُ) أي: قال لأبيه عبد الله بن عمر لمَّا أراد أن يعتمر في عام نزول الحجَّاج على ابن الزُّبير: (لَوْ أَقَمْتَ بِهَذَا) المكان، أو في هذا العام لكان خيرًا لك (١) أو نحوه، أو أنَّ «لو» للتَّمنِّي فلا تحتاج (٢) إلى جوابٍ، وإنَّما اقتصر في رواية موسى هذه هنا على الإسناد لنكتةٍ ذكرها الحافظ ابن حجرٍ؛ وهي: أنَّ قوله في الحديث الأوَّل [خ¦١٨٠٦] «عن نافعٍ أنَّ عبد الله بن عمر حين خرج إلى مكَّة معتمرًا في الفتنة» يشعر بأنَّه عن نافعٍ عن ابن عمر بغير وساطةٍ (٣)، لكن رواية جويرية التَّالية له تقتضي أنَّ نافعًا حمل ذلك عن سالمٍ وشقيقه عبيد الله عن أبيهما هكذا، قال البخاريُّ: عن عبد الله بن محمَّد بن أسماء، ووافقه الحسن بن سفيان وأبو يعلى، كلاهما عن عبد الله، أخرجه الإسماعيليُّ عنهما، وتابعهم (٤) معاذ بن المُثنَّى عن عبد الله بن محمَّد بن أسماء، أخرجه (٥) البيهقيُّ، وقد عقَّب المؤلِّف رواية عبد الله برواية موسى لينبِّه على الاختلاف في ذلك، قال الحافظ ابن حجرٍ: والذي يترجَّح عندي أنَّ ابنَي عبد الله أخبرا نافعًا بما كلَّما به أباهما وأشارا عليه به من التَّأخير ذلك العام، وأمَّا بقيَّة القصَّة فشاهدها نافعٌ وسمعها من ابن عمر لملازمته إيَّاه، فالمقصود من الحديث موصولٌ، وعلى تقدير: أن يكون نافعٌ لم يسمع شيئًا من ذلك من ابن عمر فقد عرف الواسطة بينهما؛ وهي ولدا عبد الله: سالمٌ وأخوه، وهما ثقتان لا يُطعَن فيهما. انتهى. ١٨٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) غير منسوب. قال الحاكم: هو (٦) الذُّهليُّ، وقال أبو مسعودٍ

стр. 4067

الدِّمشقيُّ: هو محمَّد بن مسلم بن وارة، وقال الكلاباذيُّ: قال لي (١) السَّرخسيُّ: هو أبو حاتمٍ محمَّد بن إدريس الرَّازي، ذكر أنَّه وجده في أصلٍ عتيقٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ) الحمصيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلاَّمٍ) بتشديد اللَّام الحبشيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄¬) ولأبي الوقت: «فقال» بفاء العطف على محذوفٍ ثبت في «كتاب الصَّحابة» لابن السَّكن؛ كما نبَّه عليه الحافظ ابن حجرٍ، وقال: إنَّه لم ينبِّه عليه من الشُّراح غيره، ولفظه: عن عكرمة قال: قال عبد الله بن رافعٍ مولى أمِّ سلمة: سألت الحجَّاج بن عمرٍو الأنصاريَّ عمَّن حُبِسَ وهو محرمٌ، فقال: قال رسول الله ﷺ : «من عَرِجَ أو كُسِرَ أو حُبِسَ فليجزي مثلها، وهو في حِلٍّ»، قال: فحدَّثت به أبا هريرة فقال: صدق، وحدَّثتُهُ ابنَ عبَّاسٍ (٢) فقال: (قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَحَلَقَ رَأْسَهُ وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ، حَتَّى) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «ثمَّ» (اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا) «عامًا»: نُصِب على الظَّرفيَّة، و «قابلًا» صِفتُه، والسَّبب في حذف البخاريِّ ما ذُكِرَ أنَّ الزَّائد ليس على شرطه لأنَّه قد اختُلِف في حديث الحجَّاج بن عمرٍو عن يحيى بن أبي كثيرٍ، مع كون عبد الله بن رافعٍ ليس من شرط البخاريِّ، فاقتصر على ما هو من شرط كتابه، وبهذا الحديث تمسَّك من قال: لا فرق بين الإحصار بالعدوّ وبغيره، والله أعلم (٣). (٢) (بابُ الإِحْصَارِ فِي الحَجِّ).

стр. 4068

١٨١٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) المعروف بمَرْدُوْيَه السِّمسار المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (١) (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ) هو ابن عبد الله بن عمر (قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟) بنصب «سنَّةَ» في «اليونينيَّة»، خبر «ليس»، واسمها: «حسبُكم»، والجملة الشَّرطيَّة؛ وهي قوله: (إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الحَجِّ) بأن مُنِع عن الوقوف بعرفة (طَافَ بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ) أي: إذا أمكنه ذلك، تفسيرٌ للسُّنَّة، وهل لها حينئذٍ محلٌّ أو لا؟ قولان، وقال القاضي عياضٌ: بالنَّصب على الاختصاص، أو على إضمار فعلٍ، أي: تمسَّكوا ونحوه (٢)، وقال السُّهيليُّ: من نصب «سنَّة» فالكلام أمرٌ بعد أمرٍ، كأنَّه قال: الزموا سنَّةَ نبيِّكم كما قال: يا أيُّها المائحُ دلوي دونكا فـ «دلوي»: منصوبٌ عندهم بإضمار فعل أمرٍ، و «دونك»: أمرٌ آخر (ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) حرم عليه (حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا) نُصِب على الظَّرفيَّة والصِّفة (فَيُهْدِي) بذبح (٣) شاةٍ؛ إذ التَّحلُّل لا يحصل إلَّا بنيَّة التَّحلُّل والذَّبح والحلق (أَوْ يَصُومُ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا) حيث شاء، ويتوقَّف تحلُّله على الإطعام كتوقُّفه على الذَّبح لا على الصَّوم لأنَّه يطول زمنه فتعظم المشقَّة في الصَّبر على الإحرام إلى فراغه. (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ) بن المبارك بالسَّند السابق (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بميمين مفتوحتين بينهما عينٌ ساكنةٌ، والظَّاهر أنَّ ابن المبارك كان يحدِّث به تارةً عن يونس، وتارةً عن مَعْمَرٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ، عَنِ) أبيه (ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ) وقد أخرجه التِّرمذيُّ: عن

стр. 4069

أبي كُرَيبٍ عن ابن المبارك عن مَعْمَرٍ، ولفظه: كان ينكر الاشتراط ويقول: أليس حَسْبُكم سنَّة نبيِّكم؟ وأخرجه الإسماعيليُّ من وجهٍ آخر عن عبد الرَّزَّاق بتمامه، وكذا أخرجه النَّسائيُّ، وأمَّا إنكار ابن عمر الاشتراط فثابتٌ في رواية يونس أيضًا إلَّا أنَّه حُذِف في رواية البخاريِّ هذه، فأخرجه البيهقيُّ من طريق السَّرَّاج عن أبي كُرَيبٍ عن ابن المبارك عن يونس، وقرأت في كتاب «معرفة السُّنن والآثار» له ما لفظه: قال أحمد: ابن شهابٍ إنَّما يرويه في رواية يونس بن يزيد عنه عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه: أنَّه كان ينكر الاشتراط في الحجِّ، ولو بلغه حديث رسول الله ﷺ في ضُبَاعة بنت الزُّبير لم ينكره. انتهى. وحديث ضُبَاعة أخرجه الشَّافعيُّ عن ابن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه: أنَّ رسول الله ﷺ مرَّ بضُبَاعة بنت الزُّبير، فقال: «أما تريدين الحجَّ؟» فقالت: إنِّي شاكيةٌ، فقال لها: «حجِّي واشترطي أنَّ مَحِلِّي حيث حبستني» وأخرجه البخاريُّ في «النِّكاح» [خ¦٥٠٨٩] وقول الأَصيليِّ -فيما (١) حكاه عياضٌ عنه: لا يثبت في الاشتراط إسنادٌ صحيحٌ- تعقَّبه النَّوويُّ بأنَّ الذي قاله غلطٌ فاحشٌ؛ لأنَّ الحديث مشهورٌ صحيحٌ من طرقٍ متعدِّدةٍ، وهذا مذهب الشَّافعيَّة، وقِيس بالحجِّ العمرة فإذا شرطه بلا هديٍ لم يلزمه هديٌ عملًا بشرطه، وكذا لو أطلق لعدم الشَّرط ولظاهر حديث ضُبَاعة، فالتَّحلُّل فيهما يكون بالنِّيَّة فقط، فإن شرطه بهديٍ لَزِمَهُ عملًا بشرطه (٢)، ولو قال: إن مرضت فأنا حلالٌ، فمرض، صار حلالًا بالمرض من غير نيَّةٍ، وعليه حملوا حديث: «من كُسِرَ أو عرج فقد حلَّ، وعليه الحجُّ من قابلٍ» رواه أبو داود وغيره بإسنادٍ صحيحٍ، وإن شرط قلب الحجِّ عمرةً بالمرض أو نحوه جاز؛ كما لو شرط (٣) التَّحلُّل به، بل أَوْلى، ولقول عمر لأبي أميَّة سويد بن غَفَلة: «حُجَّ واشترط، وقل: اللَّهمَّ الحجَّ أردتُ، وله عمدتُ، فإن تيسَّر،

стр. 4070

وإلَّا فعمرة» رواه البيهقيُّ بإسنادٍ حسنٍ، ولقول عائشة لعروة: «هل تستثني إذا حججتَ؟ فقال: ماذا أقول؟ قالت: قل: اللَّهمَّ الحجَّ أردتُ، وله عمدتُ، فإن يسَّرته فهو الحجُّ، وإن حبسني حابسٌ فهو عمرةٌ» رواه الشَّافعيُّ والبيهقيُّ بإسنادٍ صحيحٍ على شرط الشَّيخين، فله في ذلك إذا وُجِد العذرُ أن يقلب حجَّه عمرةً، وتجزئه عن عمرة الإسلام، ولو شرط أن يقلب (١) حجَّه عمرةً عند العذر فوُجِد العذر (٢) انقلب حجُّه عمرةً، وأجزأته عن عمرة الإسلام؛ كما صرَّح به البلقينيُّ؛ بخلاف عمرة التَّحلُّل في الإحصار لا تجزئ عن عمرة الإسلام لأنَّها في الحقيقة ليست عمرة، وإنَّما هي أعمال عمرةٍ (٣). (٣) (بابُ النَّحْرِ قَبْلَ الحَلْقِ فِي الحَصْرِ). ١٨١١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ) هو ابن غيلان المروزيُّ العدويُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنِ المِسْوَرِ) بكسر الميم وفتح الواو بينهما سينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، ابن (٤) مخرمة بن نوفلٍ القرشيِّ الزُّهريِّ، له ولأبيه صحبةٌ (¬﵁¬) وعن أبيه (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَحَرَ) الهدي بالحديبية (قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ) الذين كانوا معه (بِذَلِكَ) قال في «الفتح»: ولم يتعرَّض المصنِّف لما يجب على من حلق قبل أن ينحر، وقد روى ابن أبي شيبة: من طريق الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: عليه دمٌ، قال إبراهيم: حدَّثني سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبَّاسٍ مثله، فإن قلت: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] يقتضي تأخُّر الحلق عن النَّحر، فكيف يكون متقدِّمًا؟ أُجيب بأنَّ ذلك في غير الإحصار، أمَّا

стр. 4071

نحر هدي المحصر فحيث أُحصِر وهناك قد بلغ محلَّه، فقد ثبت أنَّه ﵊ تحلَّل بالحديبية ونحر بها بعد الحلق، وهي من الحلِّ لا من الحرم. وفي الحديث: أنَّ المحصر إذا أراد التَّحلُّل يلزمه دمٌ يذبحه، وقال المالكيَّة: لا هدي عليه إذا تحلَّل، وهو مذهب ابن القاسم، وأجاب عن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]: بأنَّ «أحصر» الرُّباعيَّ في الحصر بالمرض، و «حصر» الثُّلاثيَّ في الحصر بالعدوِّ، قال القاضي: ونَقْلُ بعض أئمَّة اللُّغة يساعدهم. انتهى. والحديث حجَّةٌ عليهم لأنَّه نُقِل فيه حكمٌ وسببٌ، فالسَّبب: الحصر، والحكم: النَّحر، فاقتضى الظَّاهر تعلُّق الحكم بذلك السَّبب، قاله التَّيميُّ، وأمَّا «أحصر» و «حصر» فسبق البحث فيهما قريبًا. ١٨١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «حدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) صاعقة قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو بَدْرٍ شُجَاعُ بْنُ الوَلِيدِ) بن قيسٍ الكوفيُّ (عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ) هو عمر بن محمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب، نزيل عسقلان، المُتوفَّى قبل (١) سنة خمسين ومئةٍ (العُمَرِيِّ، قَالَ: وَحَدَّثَ نَافِعٌ) بن عبد الله المدنيُّ، مولى ابن عمر بن الخطَّاب: (أَنَّ عَبْدَ اللهِ) بن عبد الله (٢) بن عمر (وَ) أخاه (سَالِمًا كَلَّمَا) أباهما (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄¬) ليالي نزل الجيش بابن الزُّبير بمكَّة فقالا: لا يضرُّك أَلَّا تحجَّ العام، وإنَّا نخاف أن يُحال بينك وبين البيت (فَقَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) إلى ذي الحليفة (مُعْتَمِرِينَ) بكسر الرَّاء (فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ البَيْتِ، فَنَحَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بُدْنَهُ) بضمِّ المُوحَّدة وسكون الدَّال (وَحَلَقَ رَأْسَهُ)، فتحلَّل.

стр. 4072

(٤) (بابُ مَنْ قَالَ: لَيْسَ عَلَى المُحْصَرِ بَدَلٌ) أي: قضاءٌ لِما أُحصِر فيه من حجٍّ أو عمرةٍ. ١٨١٢ م# (وَقَالَ رَوْحٌ) بفتح الرَّاء وسكون الواو آخره مهملةٌ ابن عُبَادة؛ بضمِّ العين وتخفيف المُوحَّدة، ممَّا وصله إسحاق بن رَاهُوْيَه في «تفسيره» (عَنْ شِبْلٍ) بكسر الشِّين المعجمة وسكون المُوحَّدة ابن عَبَّادٍ -بفتح العين وتشديد المُوحَّدة- المكِّيِّ، من صغار التَّابعين، وثَّقه أحمد وابن معينٍ والدَّارقطنيُّ وأبو داود، وزاد: كان يُرمَى (١) بالقدر، وله في «البخاريِّ» حديثان [خ¦١٨١٧] [خ¦٤٥٣١] (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) بفتح النُّون وكسر الجيم عبد الله (عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) موقوفًا: (إِنَّمَا البَدَلُ) أي: القضاء (عَلَى مَنْ نَقَضَ) بالضَّاد المعجمة، ولأبي ذرٍّ: «نقص» بالصَّاد المهملة (حَجَّهُ بِالتَّلَذُّذِ) بمعجمتين، أي: بالجماع (فَأَمَّا مَنْ حَبَسَهُ عُذْرٌ) بضمِّ العين وسكون الذَّال المعجمة؛ وهو ما يطرأ على المُكلَّف يقتضي التَّسهيل، قال البرماويُّ -كالكِرمانيِّ-: ولعلَّ المراد به هنا نوعٌ منه كالمرض ليصحَّ عطف (أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ) عليه، أي: من مرضٍ أو نفاد نفقةٍ، ولأبي ذرٍّ: «حبسه» عدوٌّ من العداوة (فَإِنَّهُ يَحِلُّ) من إحرامه (وَلَا يَرْجِعُ) أي: لا يقضي، وهذا في النَّفل، أمَّا الفرض فإنَّه ثابتٌ في ذمَّته، فيرجع لأجله في سنةٍ أخرى، والفرق بين حجِّ النَّفل الذي يفسد بالجماع الواجب قضاؤه، وبين النَّفل الذي يفوت عنه بسبب الإحصار التَّقصيرُ وعدمه، وقال الحنفيَّة: إذا تحلَّل لزمه القضاء، سواءٌ كان فرضًا أو نفلًا (وَإِنْ (٢) كَانَ مَعَهُ

стр. 4073

هَدْيٌ وَهُوَ مُحْصَرٌ نَحَرَهُ) حيث أُحصِر من حلٍّ أو حرمٍ (إِنْ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْعَثَ) زاد في رواية أبوي ذرٍّ والوقت: «به» أي: بالهدي إلى الحرم (وَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ) يوم النَّحر، وقال أبو حنيفة: لا يذبحه إلَّا في الحرم لأنَّ دم الإحصار قربةٌ، والإراقة لم تُعرَف قربةً إلَّا في زمانٍ أو مكانٍ، فلا تقع قربةً دونه، فلا يقع به التَّحلُّل، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] فإنَّ الهدي اسمٌ لِما يُهدَى إلى الحرم (١). (وَقَالَ مَالِكٌ) إمام الأئمَّة (وَغَيْرُهُ: يَنْحَرُ هَدْيَهُ، وَيَحْلِقُ) رأسه (فِي أَيِّ مَوْضِعٍ) ولابن عساكر: «في أيِّ المواضع» (كَانَ) الحصر، وهو مذهب الشَّافعيَّة، فلا يلزمه إذا أُحصِر في الحلِّ أن يبعث به إلى الحرم (وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ بِالحُدَيْبِيَةِ نَحَرُوا وَحَلَقُوا وَحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) من محظورات الإحرام (قَبْلَ الطَّوَافِ، وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ الهَدْيُ إِلَى البَيْتِ) أي: ولا طواف ولا وصول هدي إلى البيت (ثُمَّ لَمْ يُذْكَرْ) بضمِّ أوَّله وفتح الكاف مبنيًّا للمفعول (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَحَدًا) من أصحابه ممَّن كان معه (أَنْ يَقْضُوا شَيْئًا، وَلَا يَعُودُوا لَهُ) وكلمة: «لا» زائدةٌ؛ كهي في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] (وَالحُدَيْبِيَةُ خَارِجٌ مِنَ الحَرَمِ) وهذا يشبه ما قرأته في كتاب «المعرفة» للبيهقيِّ عن الشَّافعيِّ، وعبارته: قال الشَّافعيُّ (٢): قال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] قال (٣): فلم أسمع ممَّن حفظت عنه من أهل العلم بالتَّفسير مخالفًا في أنَّ الآية نزلت بالحديبية حين أُحصِر النَّبيُّ ﷺ ، فحال المشركون بينه وبين البيت، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ نحر بالحديبية وحلق ورجع حلالًا، ولم يصل إلى البيت ولا أصحابه إلَّا عثمان بن عفَّان وحده، ثمَّ قال: ونحر رسول الله ﷺ في الحلِّ، وقِيل: نحر في الحرم، قال الشَّافعيُّ: وإنَّما ذهبنا إلى أنَّه نحر في الحلِّ وبعض الحديبية في الحلِّ وبعضها في الحرم؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] والحرم كلُّه محلُّه عند أهل العلم، قال الشَّافعيُّ: فحيثما أُحصِر ذبح شاةً وحلَّ، قال الشَّافعيُّ: فيمن أُحصِر بعدوٍّ لا قضاء عليه، فإن كان لم يحجَّ حجَّة الإسلام فعليه حجَّة الإسلام من قبل قول الله (٤) تعالى:

стр. 4074

﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ولم يذكر قضاءً، قال الشَّافعيُّ: والذي أعقل من أخبار أهل المغازي شبيهٌ بما ذكرت من ظاهر الآية، وذلك أنَّا قد علمنا في متواطئ أحاديثهم أنَّه قد كان مع رسول الله ﷺ عام الحديبية رجالٌ معروفون بأسمائهم، ثمَّ اعتمر رسول الله ﷺ عمرة القضيَّة، وتخلَّف بعضهم بالمدينة من غير ضرورةٍ في نفسٍ ولا مالٍ علمته، ولو لزمهم القضاء لأمرهم رسول الله ﷺ -إن شاء الله- بألَّا يتخلَّفوا عنه. ١٨١٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ (١) عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: حِينَ خَرَجَ) أي: حين أراد أن يخرج (إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي الفِتْنَةِ) حين نزل (٢) الحجَّاج لقتال ابن الزُّبير: (إِنْ صُدِدْتُ) أي: إن (٣) مُنِعت (عَنِ البَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَهَلَّ) أي: فرفع ابن عمر صوته بالإهلال (بِعُمْرَةٍ) من ذي الحليفة، أو من المدينة (٤)، وأظهرها: بذي الحليفة (مِنْ أَجْلِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا) أي: الحجُّ والعمرة في جواز التَّحلُّل منهما بالإحصار (إِلَّا وَاحِدٌ، فَالتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الحَجَّ مَعَ العُمْرَةِ، ثُمَّ طَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا، وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ مُجْزِيًا عَنْهُ، وَأَهْدَى) بضمِّ الميم وسكون الجيم وكسر الزَّاي بغير همزةٍ (٥) في «اليونينيَّة»، وكشطها في: الفرع، وأبقى الياء صورتها، منصوبًا على أنَّ «أنَّ» تنصب الجزأين أو خبر «كان» محذوفةً، أي: ورأى أنَّ ذلك يكون

стр. 4075

مجزيًا عنه، ولأبي ذرٍّ: «مجزئٌ» بالهمزة (١)، والرَّفع خبر «أنَّ»، وقوله في «الفتح»: والذي عندي أنَّ النَّصب من خطأ الكاتب، فإنَّ أصحاب «المُوطَّأ» اتَّفقوا على روايته بالرَّفع على الصَّواب، تعقَّبه في «عمدة القاري» بأنَّه إنَّما يكون خطأً لو لم يكن له وجهٌ في العربيَّة، واتِّفاق أصحاب «المُوطَّأ» على الرَّفع لا يستلزم كون النَّصب خطأً، على أنَّ دعوى اتِّفاقهم على الرَّفع لا دليل لها (٢). والإجزاء هو الأداء الكافي لسقوط التَّعبُّد، ووجه ذكر حديث ابن عمر ﵁ في هذا الباب شهرة قصَّة صدِّ المشركين للنَّبيِّ ﷺ وأصحابه ﵃ بالحديبية، وأنَّهم لم يُؤمَروا بالقضاء في ذلك. وهذا الحديث سبق في «باب إذا أُحصِر المعتمر» [خ¦١٨٠٦] قريبًا. (٥) (بَابُ) تفسير (قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً﴾) مرضًا يحوجه إلى الحلق (﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ﴾) كجراحةٍ وقملٍ (﴿فَفِدْيَةٌ﴾) فعليه فديةٌ إن حلق (﴿مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]) بيانٌ لجنس الفدية، وأمَّا قدرها فيأتي -إن شاء الله تعالى- بيانه (٣) قريبًا في حديث الباب (وَهُوَ) أي: المريض ومن به أذًى من (٤) رأسه (مُخَيَّرٌ) بين الثَّلاثة الأشياء (٥) المذكورة في الآية (فَأَمَّا الصَّوْمُ فَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ)، كما في الحديث مع الآخرين (٦).

стр. 4076

١٨١٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ) المكِّيِّ الأعرج القارئ، قال عبد الله بن أحمد ابن حنبل عن أبيه: ليس بالقويِّ، ووثَّقه أحمد من رواية أبي طالبٍ عنه، وكذا ابن معينٍ وابن سعدٍ وأبو زرعة وأبو حاتمٍ الرَّازيَّان وأبو داود والنَّسائيُّ وغيرهم (عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ (١) كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ) بضمِّ العين وسكون الجيم وفتح الرَّاء، ابن أميَّة البَلَويِّ، حليف الأنصار، شهد الحديبية ونزلت فيه قصَّة الفدية، وأخرج ابن سعدٍ بسندٍ جيِّدٍ عن ثابت بن عبيدٍ (٢)، أنَّ يد كعبٍ قُطِعت في بعض المغازي، ثمَّ سكن الكوفة، وتُوفِّي بالمدينة سنة إحدى وخمسين، وله في «البخاريِّ» حديثان [خ¦١٨١٥] [خ¦٣٣٧٠] (¬﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ) له وهو محرمٌ معه بالحديبية، والقمل يتناثر على وجهه: (لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّكَ؟) بتشديد الميم، جمع: هامَّةٍ -بتشديدها-: وهي الدَّابَّة، والمراد بها هنا: القمل كما في كثيرٍ من الرِّوايات (قَالَ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللهِ) آذاني (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : احْلِقْ رَأْسَكَ) بكسر اللَّام، والمراد: الإزالة، وهي أعمُّ من أن تكون (٣) بالمُوسى أو مِقَصٍّ أو النُّورة (وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ) وفي الرِّواية الآتية -إن شاء الله تعالى- في الباب التَّالي (٤) [خ¦١٨١٥]: «أو تصدَّق بفَرَقٍ بين ستَّةٍ» (٥) فبيَّن قدر الإطعام (أَوِ انْسُكْ بِشَاةٍ) أي: تقرَّب بشاةٍ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «أو انسك شاةً» بغير مُوحَّدةٍ، أي: اذبح شاةً، وهذا دمُ تخييرٍ استُفيد من التَّعبير بـ «أو» المُكرَّرة، قال ابن عبَّاسٍ ﵄: ما كان في القرآن «أو» فصاحبه بالخيار، وفي حديث أبي داود من طريق الشَّعبيِّ عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال له: «إن شئت فانسك نسيكةً، وإن شئت فصم ثلاثة أيَّامٍ، وإن شئت فأطعم … » الحديث، وفي «المُوطَّأ»: «أيَّ ذلك فعلتَ أجزأ».

стр. 4077

(٦) (بابُ) تفسير الصَّدقة المذكورة في (قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]) لأنَّها مبهمةٌ فسَّرها بقوله: (وَهْيَ إِطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ). ١٨١٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا سَيْفٌ) هو ابن سليمان المكِّيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُجَاهِدٌ) المفسِّر (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى، أَنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ) ﵁ (حَدَّثَهُ قَالَ: وَقَفَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالحُدَيْبِيَةِ، وَرَأْسِي يَتَهَافَتُ قَمْلًا) أي: يتساقط شيئًا فشيئًا، والجملة حاليَّةٌ، وانتصاب: «قملًا» على التَّمييز، وفي رواية أيُّوب عن مجاهدٍ في «المغازي» [خ¦٤١٩٠] أتى عليَّ النَّبيُّ (١) ﷺ وأنا أوقد تحت بُرْمَةٍ، والقمل يتناثر على رأسي، زاد في رواية ابن عونٍ عن مجاهدٍ في «الكفَّارات» [خ¦٦٧٠٨] فقال: «ادنُ، فدنوت»، ولأحمد من وجهٍ آخر في هذه (٢) الطَّريق: وقع القمل في رأسي ولحيتي حتَّى حاجبي وشاربي، فأرسل إليَّ رسول الله (٣) ﷺ فقال: «لقد أصابك بلاءٌ»، ولأبي داود: أصابني هوامٌّ حتَّى تخوَّفت على بصري، وفي رواية أبي وائلٍ عن كعبٍ عند الطَّبريِّ: فحكَّ رأسي بأصبعه فانتثر منه القمل، زاد الطَّبرانيُّ من طريق الحكم: «إنَّ هذا لأذًى»، قلت: شديدٌ يا رسول الله، ولابن خزيمة: «رآه وقمله يسقط على وجهه» (فَقَالَ: يُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟) بحذف همزة الاستفهام (قُلْتُ: نَعَمْ) يا رسول الله (قَالَ: فَاحْلِقْ رَأْسَكَ -أو قال-: احْلِقْ) بحذف المفعول، وهو شكٌّ من الرَّاوي (قَالَ) أي: كعبٌ: (فِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] إلى آخرها، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : صُمْ ثَلَاثَةَ

стр. 4078

أَيَّامٍ، أَوْ تَصَدَّقْ بِفَرَْقٍ) بفتح الفاء والرَّاء، وقد تُسكَّن قاله ابن فارسٍ، وقال الأزهريُّ: بالفتح في كلام (١) العرب، والمحدِّثون يسكِّنونه، والمنقول جواز كلٍّ منهما، والذي في «اليونينيَّة»: الفتح، وهو مكيالٌ معروفٌ بالمدينة، وهو ستَّة عشر رطلًا (بَيْنَ سِتَّةٍ) من المساكين (أَوِ انْسُكْ) بصيغة الأمر، وللأربعة: «أو نُسُكٍ» (بِمَا) بالمُوحَّدة قبل «ما»، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «ممَّا» (تَيَسَّرَ) من أنواع الهدي. (٧) (بابُ الإِطْعَامِ) بالجرِّ على الإضافة، ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين «الإطعامُ» (فِي الفِدْيَةِ) المذكورة، و «الإطعامُ» بالرَّفع، مبتدأٌ خبرُه (نِصْفُ صَاعٍ) أي: لكلِّ مسكينٍ. ١٨١٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ) بفتح الهمزة والمُوحَّدة، ويجوز كسر الهمزة وإبدال المُوحَّدة فاءً، وهو عبد الرَّحمن بن عبد الله (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْقِلٍ) بفتح الميم وكسر القاف بينهما مهملةٌ ساكنةٌ ابن مُقَرِّنٍ -بفتح القاف وكسر الرَّاء المُشدَّدة- التَّابعيِّ الكوفيِّ، وليس له في «البخاريِّ» إلَّا هذا الحديث، وآخر [خ¦١٤١٧] (قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁¬) أي: انتهى جلوسي إليه، وفي رواية (٢) مسلمٍ من طريق غُنَدرٍ عن شعبة: «وهو في المسجد» وفي رواية أحمد عن

стр. 4079

بَهْزٍ: «قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد» وزاد في رواية سليمان بن قَرْمٍ عن ابن الأصبهانيِّ (١): «يعني: مسجد الكوفة» (فَسَأَلْتُهُ عَنِ الفِدْيَةِ) المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ﴾ (فَقَالَ: نَزَلَتْ) أي: الآية المرخِّصة لحلق الرَّأس (فِيَّ) بكسر الفاء وتشديد الياء (خَاصَّةً، وَهْيَ لَكُمْ عَامَّةً) فيه: دليلٌ على أنَّ العامَّ إذا ورد على سببٍ خاصٍّ فهو على عمومه، لا يخصُّ السَّبب، ويدلُّ أيضًا على تأكُّده في السَّبب حيث لا يسوغ إخراجه بالتَّخصيص؛ ولهذا قال: نزلت فيَّ خاصَّةً (حُمِلْتُ) بضمِّ الحاء المهملة وكسر الميم المُخفَّفة مبنيًّا للمفعول (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي) جملةٌ حاليَّةٌ (فَقَالَ) ﵊: (مَا كُنْتُ أُرَى) بضمِّ الهمزة؛ أي (٢): ما كنت أظنُّ (الوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى) بفتح الهمزة، أي: أبصر بعيني (أَوْ: مَا كُنْتُ أُرَى) بضمِّ الهمزة؛ أي (٣): أظنُّ (الجَهْدَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى) بفتح الجيم؛ أي (٤): المشقَّة، وقال النَّوويُّ -كعياضٍ- عن ابن دريدٍ: ضمُّ الجيم لغةٌ في المشقَّة أيضًا، وقال صاحب «العين»: بالضَّمِّ: الطَّاقة، وبالفتح: المشقَّة، وحينئذٍ يتعيَّن الفتح هنا بخلاف قوله في حديث «بدء الوحي» الماضي: «حتَّى بلغ منِّي الجهد» [خ¦٣] فإنَّه محتملٌ للمعنيين كما سبق، والشَّكُّ من الرَّاوي؛ هل قال: الوجع أو الجهد؟ ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يبلغ» بصيغة المضارع، ثمَّ قال ﵊ لكعبٍ: (تَجِدُ) أي: هل تجد (شَاةً؟) قال كعبٌ: (فَقُلْتُ: لَا) أجد (فَقَالَ) بفاءٍ قبل القاف، ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «قال»: (فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) بيانٌ لقوله تعالى (٥): ﴿صِيَامٍ﴾ (٦) [البقرة: ١٩٦] (أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ) بكسر العين وهو بيانٌ لقوله: ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] (لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ)

стр. 4080

بنصب: «نصفَ»، وزاد مسلمٌ: نصف صاعٍ، كرَّرها مرَّتين، والصَّاع: أربعة أمدادٍ، والمدُّ: رطلٌ وثلثٌ، فهو موافقٌ لرواية [خ¦١٨١٥] «الفرق» الذي هو ستَّة عشر رطلًا، وللطَّبرانيِّ عن أحمد الخزاعيِّ عن أبي الوليد شيخ البخاريِّ فيه: «لكلِّ مسكينٍ نصف صاعِ تمرٍ»، ولأحمد عن بهزٍ عن شعبة: «نصف صاعِ طعامٍ»، ولبشر بن عمر عن شعبة: «نصف صاعِ حنطةٍ»، ورواية الحكم عن ابن أبي ليلى تقتضي أنَّه: «نصف صاعٍ من زبيبٍ»، قال الحافظ ابن حجرٍ: والمحفوظ عن شعبة: «نصف صاعٍ من طعامٍ»، والاختلاف عليه في كونه تمرًا أو حنطةً لعلَّه من تصرُّف (١) الرُّواة، وأمَّا الزَّبيب فلم أره إلَّا في رواية الحكم، وقد أخرجها أبو داود وفي إسنادها ابن إسحاق، وهو حجَّةٌ في المغازي لا في الأحكام إذا خالف، والمحفوظ رواية التَّمر، فقد وقع الجزم بها عند مسلمٍ من طريق أبي قلابة، ولم يُختلَف فيه على أبي قلابة، وعُرِفَ بذلك قوَّة قول من قال: لا فرق في ذلك بين التَّمر والحنطة، وأنَّ الواجب ثلاثة آصعٍ؛ لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ. انتهى. واستُشكِل قوله: «تجد شاةً؟» فقلت: لا، فقال: «فصم ثلاثة أيَّامٍ» لأنَّ الفاء تدلُّ على التَّرتيب والآية وردت للتَّخيير، وأُجيب بأنَّ التَّخيير إنَّما هو (٢) عند وجود الشَّاة، وأمَّا عند عدمها فالتَّخيير بين أمرين لا بين الثَّلاثة (٣)، وقال النَّوويُّ: ليس المراد أنَّ الصَّوم لا يجزئ إلَّا لعادم الهدي، بل هو محمولٌ على أنَّه سأل عن النُّسك، فإن وجده أخبره بأنَّه مُخيَّرٌ بين الثَّلاث، وإن عدمه فهو مُخيَّرٌ بين اثنين. (٨) هذا (٤) (بابٌ) بالتَّنوين (النُّسُكُ) المذكور في قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] (شَاةٌ) وأمَّا ما رواه أبو داود والطَّبرانيُّ وعبد بن حميدٍ وسعيد بن منصورٍ من طرقٍ تدور على نافعٍ: أنَّ كعبًا لمَّا أصابه الأذى فحلق فأهدى بقرةً، فاختُلِف على نافعٍ في الواسطة الذي بينه وبين كعبٍ، وقد عارضه ما هو أصحُّ منه: من أنَّ الذي أُمِر به كعبٌ وفعله في النُّسك إنَّما هو شاةٌ، بل قال الحافظ زين الدِّين العراقيُّ: لفظ: «البقرة» مُنكَرٌ شاذٌّ.

стр. 4081

١٨١٧ - ١٨١٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن رَاهُوْيَه كما جزم به أبو نُعيمٍ قال: (حَدَّثَنَا رَوْحٌ) هو ابن عبادة قال: (حَدَّثَنَا شِبْلٌ) بكسر الشِّين المعجمة وسكون المُوحَّدة، ابن عبَّادٍ المكِّيُّ (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) عبد الله المكِّيِّ (عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَآهُ وَأَنَّهُ) وفي نسخةٍ: «ودوابَه» (١) (يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ) أي: القمل، فالفاعل محذوفٌ، وضمير النَّصب من قوله: «رآه» عائدٌ على كعبٍ، ومن: «أنَّه» عائدٌ على القمل، وكذا ضمير الرَّفع المستتر في قوله: «يسقط» عائدٌ أيضًا على «القمل»، والضَّمير من: «وجهه» عائدٌ على كعبٍ، والواو للحال، قال الحافظ (٢) ابن حجرٍ: ولابن السَّكن وأبي ذرٍّ: «لَيَسقطُ» بزيادة لامٍ (فَقَالَ: أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَهُ) ﵊ (أَنْ يَحْلِقَ) رأسه (وَهُوَ بِالحُدَيْبِيَةِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ) أي: لم يظهر لمن كان معه ﵊ في ذلك الوقت (أَنَّهُمْ يَحِلُّونَ) من إحرامهم (بِهَا) أي: بالحديبية (وَهُمْ) أي: الرَّسول ﷺ ومن معه، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ (٣): «وهو» أي: الرَّسول ﵊ (عَلَى طَمَعٍ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ) وهذه الزِّيادة ذكرها الرَّاوي لبيان أنَّ الحلق كان استباحة محظورٍ بسبب الأذى، لا لقصد التَّحلُّل بالحصر، وهو ظاهرٌ (فَأَنْزَلَ اللهُ) (الفِدْيَةَ) المتعلَّقة بالحلق للأذى في قوله تعالى ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ﴾ … الآية [البقرة: ١٩٦] (فَأَمَرَهُ) أي: كعبًا (رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُطْعِمَ فَرَقًا) بفتح الرَّاء

стр. 4082

والمحدِّثون يسكِّنونها، وهو (١) ستَّة عشر رطلًا (بَيْنَ سِتَّةٍ) من المساكين (أَوْ يُهْدِيَ شَاةً) بضمِّ أوَّله منصوبًا عطفًا على: «أن يطعم» (أَوْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) بالنَّصب عطفًا على سابقه. (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ) الفريابيِّ، وهو عطفٌ على قوله: «حدَّثنا روح» فيكون إسحاق رواه عن روحٍ بإسناده وعن محمَّد بن يوسف قال: (حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ) بن عمر بن كليبٍ اليشكريُّ (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) عبدِ الله (عَنْ مُجَاهِدٍ قال: أَخْبَرَنَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «حدَّثني» من التَّحديث؛ بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَآهُ، وَقَمْلُهُ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ. مِثْلَهُ) بالنَّصب، أي: مثل الحديث المذكور، والواو في قوله: و «قمله» للحال، وفي الحديث: أنَّ السُّنَّة مبيِّنةٌ لمجمل القرآن لإطلاق الفدية فيه وتقييدها بالسُّنَّة، وتحريم حلق الرَّأس على المحرم، والرُّخصة له في حلقها إذا آذاه القمل أو غيره من الأوجاع، واستنبط منه بعض المالكيَّة: إيجاب الفدية على من تعمَّد حلق رأسه بغير عذرٍ، فإنَّ إيجابها على المعذور من التَّنبيه بالأدنى على الأعلى، لكن لا يلزم من ذلك التَّسوية بين المعذور وغيره، ومن ثمَّ قال الشَّافعيُّ: لا يتخيَّر العامد (٢)، بل يلزمه الدَّم. (٩) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧]). ١٨١٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي سلمان مولى عزَّة الأشجعيَّة، ولغير أبي الوقت: «سمعت أبا حازمٍ» وفيه تصريح منصورٍ بسماعه له من أبي حازمٍ في رواية شعبة، وقد انتفى بذلك تعليل من أعلَّه بالاختلاف على منصورٍ لأنَّ البيهقيَّ أورده من طريق إبراهيم بن طهمان عن منصورٍ عن هلال بن يِسَافٍ عن أبي حازمٍ، زاد فيه رجلًا، فإن كان إبراهيم حَفِظَهُ

стр. 4083

فلعلَّه حمله عن هلالٍ، ثمَّ لقي أبا حازمٍ، فسمعه منه، فحدَّث (١) به على الوجهين، وصرَّح أبو حازمٍ بسماعه له (٢) من أبي هريرة كما تقدَّم في أوائل «الحجِّ» [خ¦١٥٢١] من طريق شعبة أيضًا (٣) عن سيَّارٍ (٤) عن أبي حازمٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ حَجَّ) أي: قصد (هَذَا البَيْتَ) الحرام لحجٍّ أو عمرةٍ، ولـ «مسلمٍ»: «من أتى هذا البيت» والإشارة لحاضرٍ، فالظَّاهر أنَّه ﵊ قاله وهو بمكَّة (فَلَمْ يَرْفَُِثْ) بتثليث الفاء، والضَّمُّ المشهور في الرِّواية واللُّغة، وبالفتح الاسم، وبالسُّكون المصدر، والمعنى: فلم يجامع أو لم يأت بفحشٍ من الكلام (وَلَمْ يَفْسُقْ) لم يخرج عن حدود الشَّرع بالسِّباب وارتكاب المحظورات، والفاء في قوله: «فلم»، والواو في قوله: «ولم» (٥) عطفٌ على الشَّرط في قوله: «من حجَّ»، وجوابه قوله: (رَجَعَ) حال كونه (كَمَا) أي: مشابهًا لنفسه في (٦) البراءة من الذُّنوب؛ صغائرها أو وكبائرها في يوم (وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) إلَّا في حقِّ آدميٍّ؛ إذ هو محتاجٌ لاسترضائه، نعم إذا رضي تعالى عن عبده أرضى عنه خُصماءه (٧)، وفي نسخةٍ: «كيوم ولدته أمُّه». (١٠) (بابُ قَوْلِ اللهِ : ﴿وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]) برفع «فسوقٌ»، منوَّنًا كـ ﴿لَا رَفَثَ﴾ لابن كثيرٍ وأبي عمرٍو ويعقوب، ووافقهم أبو جعفرٍ، وزاد: رفع «جدال» على أنَّ «لا» ملغاةٌ، وما بعدها رُفِع بالابتداء، وسوَّغَ الابتداءَ بالنَّكرة تقدُّمُ النَّفي عليها، و «في الحجِّ»: خبر المبتدأ الثَّالث، وحُذِف خبر المبتدأ الأوَّل والثَّاني لدلالة الثَّالث عليهما، وقرأ الباقون: بالفتح في الثَّلاثة، على أنَّ «لا» هي التي للتَّبرئة، وهل فتحة الاسم فتحة إعرابٍ أو (٨) بناءٍ؟ الجمهور: على الثَّاني.

стр. 4084

١٨٢٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو الثَّوريُّ كما نصَّ عليه البيهقيُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء والزَّاي سلمان (١) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) ولأبي الوقت: «قال رسول الله» (¬ ﷺ : مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ) قال في «القاموس»: الفِسْق: التَّرك لأمر الله والعصيان والخروج عن طريق الحقِّ، أو الفُجُور؛ كالفسوق، وفَسَقَ: جَارَ، و (٢) عن أمر ربِّه: خَرَجَ، والرُّطَبَة عن قشرها: خَرَجَت؛ كانفسقَتْ، قِيل: ومنه: الفاسق؛ لانسلاخه عن الخير (رَجَعَ) والحال أنَّه (كَيَوْمَِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) عاريًا من الذُّنوب، أو: «رجع» بمعنى: «صار»، والظَّرف خبره، وميمه مفتوحةٌ ويجوز كسرها، وهو الذي في «اليونينيَّة» ولم يذكر في الحديث «الجدال» اعتمادًا على ما في الآية، أو: لأنَّ المجادلة ارتفعت بين العرب وقريشٍ في موضع الوقوف بعرفة والمزدلفة، فأسلمت قريشٌ، وارتفعت المجادلة، ووقف الكلُّ بعرفة.

стр. 4085

((٢٨)) (بسم الله الرحمن الرحيم. بَابُ جَزَاءِ الصَّيدِ) إذا باشر المحرم قتله (وَنَحْوِهِ) كتنفير صيد الحرم (١) وعضد شجره (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالىَ: ﴿لَا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾) [المائدة: ٩٥] كذا ثبتت البسملة وتاليها لأبي ذرٍّ، ولغيره: «باب قول الله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾» أي: محرمون، ولعلَّه ذكر القتل دون الذَّبح للتَّعميم، وأراد بـ «الصَّيد»: ما يُؤكَل لحمه لأنَّه الغالب فيه عرفًا (﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا﴾) ذاكرًا لإحرامه، عالمًا بأنَّه حرامٌ عليه (﴿فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾) برفع: «جزاءُ» من غير تنوينٍ، وخفض: «مثلِ» على أنَّ «جزاء الصَّيد» مصدرٌ مضافٌ لمفعوله تخفيفًا، والأصل: فعليه أن يجزي المقتول من الصَّيد مثله من النَّعم، ثُّم حُذِف الأوَّل لدلالة الكلام عليه، وأُضيف المصدر إلى ثانيهما، أو: أنَّ «مثل» مقحمةٌ كقولهم (٢): مثلك لا يفعل ذلك، أي: أنت لا تفعل ذلك، وهذه قراءة نافعٍ وابن كثيرٍ وابن عامرٍ وأبي جعفرٍ، وقراءة الآخرين: ﴿فَجَزَاء﴾ بالرَّفع مُنوَّنًا على الابتداء، والخبر محذوفٌ تقديره: فعليه جزاءٌ، أو: أنَّه خبر مبتدأٍ محذوفٍ تقديره: فالواجب جزاءٌ، أو: فاعلٌ بفعلٍ محذوفٍ تقديره: فيلزمه أو يجب عليه جزاءٌ، و ﴿مِّثْلُ﴾ بالرَّفع، صفةٌ لـ ﴿فَجَزَاء﴾ أي: فعليه جزاءٌ موصوفٌ بكونه مثل ما قتل (٣) أي: مماثله، والذي عليه الجمهور من السَّلف والخلف

стр. 4086

أنَّ العامد والنَّاسي سواءٌ في وجوب الجزاء عليه، فالقرآن دلَّ على وجوب الجزاء على المتعمِّد وعلى تأثيمه بقوله تعالى: ﴿لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] وجاءت السُّنَّة من (١) أحكام النَّبيِّ ﷺ وأصحابه بوجوب الجزاء في الخطأ كما دلَّ الكتاب عليه في العمد، وأيضًا: فإنَّ قتل الصَّيد إتلافٌ، والإتلاف مضمونٌ في العمد والنِّسيان، لكنَّ المتعمِّد مأثومٌ والمخطئ غير مأثومٍ (٢)، وهذه المماثلة باعتبار الخلقة والهيئة عند مالكٍ والشَّافعيِّ، والقيمة عند أبي حنيفة (﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾) أي: بالجزاء (﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾) رجلان صالحان، فإنَّ الأنواع تتشابه؛ ففي النَّعامة بدنةٌ وفي حمار الوحش بقرةٌ (﴿مِّنكُمْ﴾) من المسلمين (﴿هَدْيًا﴾) حالٌ من ضمير «به» (﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾) صفةُ «هديًا»، والإضافة لفظيَّةٌ، أي: واصلًا إليه بأن يذبح فيه ويتصدَّق به (﴿أَوْ كَفَّارَةٌ﴾) عُطف على: «جزاء» (﴿طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾) بدلٌ (٣) منه، أو تقديره: هي طعامُ، وقرأ نافعٌ وابن عامر وأبو جعفر: ﴿كَفَّارَةٌ﴾ بغير تنوينٍ ﴿طَعَامُ﴾ بالخفض على الإضافة لأنَّ الكفَّارة لمَّا تنوعَّت إلى تكفيرٍ بالطَّعام وتكفيرٍ بالجزاء المماثل وتكفيرٍ بالصِّيام حَسُن إضافتها لأحد أنواعها تبيينًا لذلك، والإضافة تكون لأدنى (٤) ملابسةٍ، ولا خلاف في جمع «مساكين» هنا لأنَّه لا يُطعَم في قتل الصَّيد مسكينٌ واحدٌ، بل جماعة مساكين، وإنَّما اختلفوا في موضع البقرة لأنَّ التَّوحيد يُراد به عن كلِّ يومٍ، والجمع يُراد به عن أيَّامٍ كثيرةٍ (﴿أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾) أي: أو ما ساواه من الصَّوم، فيصوم عن طعام كلِّ مسكينٍ يومًا، وهو في الأصل مصدرٌ أُطلِق للمفعول (﴿لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾) ثقل أمره وجزاء معصيته، أي: أوجبنا ذلك ليذوقه (٥) (﴿عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَف﴾) قبل التَّحريم (﴿وَمَنْ عَادَ﴾) إلى مثل هذا (﴿فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ﴾) في الآخرة؛ أي (٦): فهو ينتقم الله منه، وعليه مع (٧) ذلك الكفَّارة (﴿وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾) على المُصِرِّ بالمعاصي (﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾) ممَّا

стр. 4087

لا يعيش إلَّا في الماء في جميع الأحوال (﴿وَطَعَامُهُ﴾) ما يتزوَّد منه يابسًا مالحًا، أو ما قذفه ميتًا (﴿مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾) منفعةً للمقيم والمسافر، وهو مفعولٌ له (﴿عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾) ما صِيد فيه (١)، أو المراد بالصَّيد في الموضعين: فعله، فعلى الأوَّل: يحرم على المحرم ما صاده الحلال وإن لم يكن له فيه مدخلٌ، والجمهور على حلِّه (﴿مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾) محرمين (﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٥ - ٩٦]) وفي رواية أبي ذرٍّ ما لفظه: «﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾» وسبب نزول هذه الآية (٢) -كما حكاه مقاتلٌ في «تفسيره» -: أنَّ أبا اليَسَر -بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة والمهملة- قتل حمار وحشٍ وهو محرمٌ في عمرة الحديبية، فنزلت، ولم يذكر المصنِّف في رواية أبي ذرٍّ حديثًا في هذه التَّرجمة إشارةً إلى أنَّه لم يثبت على شرطه في جزاء الصَّيد حديثٌ مرفوعٌ. وفي رواية غير أبي ذرٍّ هنا (٣): «بابٌ» بالتَّنوين «إذا صاد الحلالُ صيدًا فأهدى للمحرم الصَّيد (٤) أكله المحرم» قال العينيُّ -كالحافظ ابن حجرٍ-: هذه (٥) التَّرجمة هكذا ثبتت في رواية أبي ذرٍّ، وسقطت في رواية غيره، وجعلوا ما ذكر في هذا الباب من جملة الباب الذي قبله. انتهى. والذي في الفرع يقتضي أنَّ لفظ: «الباب» هو السَّاقط فقط دون التَّرجمة؛ فإنَّه كتب قبل «إذا» واوًا للعطف (٦) ورقم عليها علامة الثُّبوت لأبوي ذرٍّ والوقت، وكذا رأيته في بعض الأصول المعتمدة: «وإذا صاد الحلال» إلى آخر قوله: «أكله». (وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق (وَأَنَسٌ) ممَّا وصله ابن أبي شيبة ﵃ (بِالذَّبْحِ) أي: بذبح المُحْرِم (بَأْسًا) وظاهره العموم، فيتناول الصَّيد وغيره، لكن بيَّن المؤلِّف أنَّه خاصٌّ بالثَّاني حيث قال: (وَهُوَ) أي: الذَّبح (غَيْرُ الصَّيْدِ) ولأبي ذرٍّ: «في غير الصَّيد» (نَحْوُ الإِبِلِ وَالغَنَمِ وَالبَقَرِ وَالدَّجَاجِ وَالخَيْلِ) وهذا قاله المؤلِّف تفقُّهًا، وهو متَّفَقٌ عليه فيما عدا الخيل

стр. 4088

فإنَّه مخصوصٌ بمن يبيح أكلها (يُقَالُ: عَدْلُ) بفتح العين: (مِثْلُ) بكسر الميم، وبهذا فسَّره أبو عبيدة (١) في المجاز، ولأبي الوقت: «عدل ذلك: مثل» (فَإِذَا كُسِرَتْ) بضمِّ الكاف، أي: العين؛ قلت: (عِدْلٌ) وفي بعض الأصول المعتمدة: «فإذا كَسرتَ» بفتح الكاف وتاء الخطاب «عَدلًا» بالنَّصب على المفعوليَّة وفتح العين (فَهُوَ زِنَةُ ذَلِكَ) أي: موازنه في القدر (قِيَامًا) في قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٧] أي: (قِوَامًا) بكسر القاف، أي: يقوم به أمر دينهم ودنياهم، أو: هو سبب انتعاشهم في أمر معاشهم ومعادهم، يلوذ به الخائف ويأمن فيه الضَّعيف، ويربح (٢) فيه التُّجَّار ويتوجَّه إليه الحُجَّاج والعُمَّار (يَعْدِلُونَ) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] بالأنعام، أي: (يَجْعَلُونَ) له (عَدْلًا) بفتح العين، ولأبي ذرٍّ: «أي: مثلًا» تعالى الله عن ذلك، ولغيره: «عِدلًا» بكسرها، وقال البيضاويُّ: والمعنى: أنَّ الكفَّار يعدلون بربِّهم الأوثان، أي: يسوُّونها به، ومناسبة ذكر هذا هنا كونه (٣) من مادة قوله تعالى: ﴿أَو عَدْلُ ذَلِكَ﴾ [المائدة: ٩٥] بالفتح، أي: مثله، وما ذكر (٤) جميعه مطابقٌ لترجمة الباب السَّابق، وليس مناسبًا للتَّرجمة الأخرى. ١٨٢١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء والضَّاد المعجمة واللَّام الزُّهرانيُّ، قال:

стр. 4089

(حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: انْطَلَقَ أَبِي) أبو قتادة الحارث بن ربعيٍّ الأنصاريُّ (عَامَ الحُدَيْبِيَةِ) في عمرتها، وهذا أصحُّ من رواية الواحديِّ (١) من وجهٍ آخر عن عبد الله بن أبي قتادة: أنَّ ذلك كان في عمرة القضيَّة (فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ) أي: أصحاب أبي قتادة (وَلَمْ يُحْرِمْ) أبو قتادة لاحتمال أنَّه لم يقصد نسكًا؛ إذ يجوز دخول الحرم بغير إحرامٍ لمن لم يرد حجًّا ولا عمرةً كما هو مذهب الشَّافعيَّة، وأمَّا على مذهب الأئمَّة الثَّلاثة القائلين بوجوب الإحرام فاحتجُّوا له: بأنَّ أبا قتادة إنَّما لم يحرم لأنَّه ﷺ كان أرسله إلى جهةٍ أخرى ليكشف أمر عدوٍّ في طائفةٍ من الصَّحابة كما قال: (وَحُدِّثَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بضمِّ الحاء وكسر الدَّال المُشدَّدة مبنيًّا للمفعول: (أَنَّ عَدُوًّا) له من المشركين (يَغْزُوهُ) زاد في حديث الباب اللَّاحق [خ¦١٨٢٢]: «بِغَيْقَةَ فتوجَّهنا نحوَهم» أي: بأمره ﵊، قلت: لكن يعكِّر على هذا أنَّ في حديث سعيد بن منصورٍ من طريق المطَّلب عن أبي قتادة: أنَّ خبر العدوِّ أتاهم حين بلوغهم الرَّوحاء، ومنها وجَّههم النَّبيُّ ﷺ ، والرَّوحاء: على أربعةٍ وثلاثين ميلًا من ذي الحليفة ميقات إحرامهم، فهذا صريحٌ في أنَّ (٢) خبر العدوِّ أتاهم بعد مجاوزة الميقات، ويؤيِّده قوله في حديث الباب اللَّاحق: «فأحرم أصحابُه ولم أُحرِم (٣) فُأُنْبِئنا بعدوٍّ بِغَيْقة فتوجَّهنا» فعبَّر بالفاء المقتضية لتأخير الإنباء عن الإحرام، وحينئذٍ فلا دلالة فيه على ما ذكر، وقال الأثرم: إنَّما جاز لأبي قتادة ذلك لأنَّه لم يخرج يريد مكَّة لأنِّي وجدت في روايةٍ من حديث أبي سعيدٍ فيها: خرجنا مع رسول ﷺ فأحرمنا، فلمَّا كنَّا بمكان كذا إذا نحن بأبي قتادة، وكان النَّبيُّ ﷺ بعثه في وجه … الحديث. انتهى. وفي «صحيح» ابن حبَّان والبزَّار والطَّحاويِّ من طريق عياض بن عبد الله عن أبي سعيدٍ قال: بعث رسول الله ﷺ أبا قتادة على الصَّدقة، وخرج رسول الله ﷺ وأصحابه وهم محرمون حتَّى نزلوا بعُسْفَان، فإذا هم

стр. 4090

بحمار وحشٍ، قال: وجاء أبو قتادة وهو حِلٌّ … الحديث، وهذا ظاهره يخالف ما في «البخاريِّ» على ما لا يخفى لأنَّ قوله: «بعث» يقتضي أنَّه لم يكن خرج (١) مع النَّبيِّ ﷺ من المدينة، لكن يحتمل أنَّه ﷺ ومن معه لحقوا أبا قتادة في بعض الطَّريق قبل الرَّوحاء، فلمَّا بلغوها وأتاهم خبر العدوِّ وجَّهه النَّبيُّ ﷺ في جماعةٍ لكشف الخبر. فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لمقصده الذي خرج له ولحق أبو قتادة وأصحابه به (٢) ﵊، قال أبو قتادة: (فَبَيْنَمَا) بالميم، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فبينا» (أَنَا (٣) مَعَ أَصْحَابِي) والذي في الفرع وأصله (٤): «فبينا أبي مع أصحابه» (٥) فيكون من قول ابن (٦) أبي قتادة، حال كونهم (يَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) أي: منتهيًا أو ناظرًا إليه، و «يضحكُ»: فعلٌ مضارعٌ؛ كذا لأبي الوقت، ولغيره: «فضحك» بالفاء بدل الياء والفعل ماضٍ، وفي الفرع: «تضَحَّك» بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ وفتح الضَّاد وتشديد الحاء من «التَّفعُّل»، وإنَّما كان ضحكهم تعجُّبًا من عروض الصَّيد مع عدم تعرُّضهم له، لا إشارةً منهم ولا (٧) دلالة لأبي قتادة على الصَّيد، وفي حديث أبي سعيدٍ (٨) السَّابق: وجاء أبو قتادة وهو حلٌّ فنكسوا رؤوسهم كراهية أن يحدُّوا أبصارهم له فيفطن فيراه، وفي رواية حديث الباب التَّالي [خ¦١٨٢٢]: «فَبَصُرَ أصحابي بحمار وحشٍ، فجعل بعضهم يضحك إلى بعضٍ» زاد في رواية أبي حازمٍ [خ¦٢٥٧٠]: «وأحبُّوا أنِّي لو أبصرته» (فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِحِمَارِ وَحْشٍ) بالإضافة، وفيه على رواية: «فبينا أبي» (٩) التفاتٌ؛ إذ كان مقتضاها أن يقول: فنظر، وفي رواية محمَّد بن جعفرٍ [خ¦٢٥٧٠]: «فقمت إلى الفرس

стр. 4091

فأسرجته فركبت، ونسيت السَّوط والرُّمح، فقلت لهم: ناولوني السَّوط والرُّمح، فقالوا: لا والله لا نعينك عليه (١) بشيءٍ، فغضبت، فنزلت فأخذتهما، ثمَّ ركبت» (فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ) أي: على الحمار الوحشيِّ (فَطَعَنْتُهُ، فَأَثْبَتُّهُ) بالمُثلثَّة ثمَّ بالمُوحَّدة (٢) ثمَّ المُثنَّاة (٣) أي: جعلته ثابتًا في مكانه لا حَراك به (وَاسْتَعَنْتُ بِهِمْ) في حمله (فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي) في رواية أبي النَّضر [خ¦٥٤٩٢] «فأتيت إليهم فقلت لهم: قوموا فاحملوا، قالوا (٤): لا نمسُّه، فحملته حتَّى جئتهم به» (فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهِ) وفي رواية فضيلٍ عن أبي حازمٍ: «فأكلوا فندموا» [خ¦٢٨٥٤] وفي رواية محمَّد بن جعفرٍ عن أبي حازمٍ (٥): «فوقعوا يأكلون منه، ثمَّ إنَّهم شكُّوا في أكلهم إيَّاه وهم حرمٌ، فرحنا (٦) وخبَّأت العضد معي» [خ¦٢٥٧٠] وفي رواية مالكٍ عن أبي النَّضر [خ¦٥٤٩٠] فأكل منه بعضهم، وأبى بعضهم (وَخَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، وفي رواية عليِّ بن المبارك عن يحيى عند أبي عَوانة: وخشينا أن يقتطعنا (٧) العدوُّ؛ أي (٨): عن النَّبيِّ ﷺ لكونه سبقهم وتأخَّروا هم للرَّاحة بالقاحة؛ الموضع الذي وقع به صيد الحمار كما سيأتي إن شاء الله تعالى [خ¦١٨٢٣] وفي رواية أبي النَّضر الآتية -إن شاء الله تعالى- في «الصَّيد» [خ¦٥٤٩٢] «فأبى بعضهم أن يأكل، فقلت: أنا أستوقف لكم النَّبيَّ ﷺ ، فأدركته فحدَّثته الحديثَ» فمفهوم هذا أنَّ سبب إسراع أبي قتادة لإدراكه ﵊ أن يستفتيه عن قضيَّة (٩) أكل الحمار، ومفهوم حديث أبي عَوانة: أنَّه لخشيته على أصحابه إصابة (١٠) العدوِّ، قال في «الفتح»: ويمكن الجمع بأن يكون ذلك بسبب الأمرين.

стр. 4092

(فَطَلَبْتُ النَّبِيَّ ﷺ أُرَفِّعُ) بضمِّ الهمزة وفتح الرَّاء وكسر الفاء المُشدَّدة، وفي بعض الأصول: «أَرْفَع» بفتح الهمزة وسكون الرَّاء وفتح الفاء (فَرَسِي) أي: أكلِّفه السَّير الشَّديد (شَأْوًا) بفتح الشِّين المعجمة وسكون الهمزة ثمَّ واوٍ؛ أي (١): تارةً (وَأَسِيرُ) بسهولةٍ (شَأْوًا) أي: أخرى (فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ بَنِي غِفَارٍ) بكسر الغين المعجمة، ولم يقف الحافظ ابن حجرٍ على اسمه (فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، قُلْتُ) له: (أَيْنَ تَرَكْتَ النَّبِيَّ ﷺ ؟ قَالَ: تَرَكْتُهُ بِتَعْهِنَ) بمُوحَّدةٍ مكسورةٍ فمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مفتوحةٍ فعينٍ مهملةٍ ساكنةٍ فهاءٍ مكسورةٍ ثمَّ نونٍ لأبي ذرٍّ (٢)، وللكُشْمِيْهَنِيِّ (٣): «بِتِعْهِن» بكسر الفوقيَّة والهاء، ولغيره: «بتَعْهَن» بفتحهما، وحكى أبو ذرٍّ الهرويُّ: أنَّه سمع أهل ذلك المكان يفتحون الهاء، وقال في «القاموس»: وتعهِن، مُثلَّثة الأوَّل مكسورة الهاء، وفي فرع «اليونينيَّة» وأصلها (٤): ضمَّةٌ فوق الهاء بالحمرة تحت الفتحة (٥)، وهي: عين ماءٍ على ثلاثة أميالٍ من السُّقيا (وَهُوَ) أي: النَّبيُّ ﷺ (قَايلٌ السُّقْيَا) بضمِّ السِّين المهملة وإسكان القاف ثمَّ مُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مفتوحةٍ مقصورٌ؛ قريةٌ جامعةٌ بين مكَّة والمدينة، وهي من أعمال الفُرْع؛ بضمِّ الفاء وسكون الرَّاء آخره عينٌ مهملةٌ و «قايلٌ»: بالمُثنَّاة التَّحتيَّة من غير همزٍ (٦) كما في الفرع

стр. 4093

وصُحِّح عليه، وفي غيره: بالهمزة، وقال النَّوويُّ: رُوِي بوجهين؛ أصحُّهما وأشهرهما: بهمزةٍ بين الألف واللَّام من القيلولة، أي: تركته بتعهن، وفي عزمه أن يقيل بالسُّقيا، ومعنى «قايل» سيقيل، والوجه الثَّاني: قابلٌ بالمُوحَّدة، وهو ضعيفٌ وغريبٌ وتصحيفٌ، وإن صحَّ فمعناه: أنَّ تعهن موضعٌ مقابلُ السُّقيا. انتهى. وقال في «المفهم» وتبعه في التَّنقيح: وهو قائلٌ اسم فاعلٍ من القول، ومن القائلة أيضًا، والأوَّل: هو المراد هنا، والسُّقيا: مفعولٌ بفعلٍ مضمرٍ، كأنَّه كان بتعهن وهو يقول لأصحابه: اقصدوا السُّقيا، قال في «المصابيح»: يصحُّ كلٌّ من الوجهين، أي: القول والقائلة، كأنَّه (١) أدركه في وقت قيلولته، وهو عازمٌ على المسير إلى السُّقيا؛ إمَّا بقرينةٍ حاليَّةٍ أو مقاليَّةٍ، ولا مانع من ذلك أصلًا. انتهى. فليتأمَّل قوله: «كأنَّه أدركه (٢) وقت قيلولته» فإنَّ لقيَّ أبي قتادة الغفاريَّ (٣) كان في جوف الليل، وقصَّة الحمار كانت بالقاحة كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- بعد باب [خ¦١٨٢٣] وهي على نحو ميلٍ من السُّقيا إلى جهة المدينة، فالظَّاهر أنَّ لقيَّ الغفاريِّ له ﷺ إنَّما كان ليلًا لا نهارًا. قال أبو قتادة: فسرت فأدركته ﷺ (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَهْلَكَ) أي: أصحابك؛ كما في رواية مسلمٍ وأحمد (يَقْرَؤُوْنَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللهِ، إِنَّهُمْ قَدْ خَشُوا) بكسر همزة «إِنَّ»، وفي حديث الباب اللَّاحق [خ¦١٨٢٢] «وإنَّهم» بالواو، و «خَشُوا»: بفتح الخاء وضمِّ الشِّين المعجمتين (٤) (أَنْ يُقْتَطَعُوا) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، أي: يقتطعهم العدوُّ (دُونَكَ، فَانْتَظِرْهُمْ) بصيغة الأمر مِنَ الانتظار، أي: انتظر أصحابك، زاد في رواية الباب اللَّاحق: «فَفَعَلَ»

стр. 4094

(قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَبْتُ حِمَارَ وَحْشٍ، وَعِنْدِي مِنْهُ) قطعةٌ فضلت منه، فهي (فَاضِلَةٌ) بألفٍ بين (١) الفاء والضَّاد المعجمة، أي: باقيةٌ (فَقَالَ) ﵊ (لِلْقَوْمِ: كُلُوا) أي: من الفضلة (وَهُمْ مُحْرِمُونَ) والأمر بالأكل للإباحة، وفي قوله (٢) في رواية أبي حازم المُنبَّه عليها في هذا (٣) الباب إشارةٌ إلى أنَّ تمنِّي المحرم أن يقع من الحلال الصَّيد ليأكل المحرم منه لا يقدح في إحرامه. وحديث الباب أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٨٢٢] و «الهبة» [خ¦٢٥٧٠] و «الأطعمة» [خ¦٥٤٠٧] و «المغازي» [خ¦٤١٤٩] و «الجهاد» [خ¦٢٨٥٤] و «الذَّبائح» [خ¦٥٤٩٠]، ومسلمٌ في الحجِّ، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه، وسياق عبد الله له هنا يقتضي كونه (٤) مرسلًا حيث قال: انطلق أبي عام الحديبية (٥). (٣) هذا (٦) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا رَأَى المُحْرِمُونَ صَيْدًا) وفيهم رجلٌ حلالٌ (فَضَحِكُوا) تعجُّبًا من عروض الصَّيد مع عدم التَّعرُّض له مع قدرتهم على صيده (فَفَطَِنَ الحَلَالُ) بفتح الطَّاء وكسرها، أي: فَهِم، لا يكون ضحكهم إشارةً منهم إلى الحلال بالصَّيد، حتَّى إذا اصطاد ذلك الحلال الصَّيد؛ لا يلزم المحرمين (٧) الذين ضحكوا شيءٌ.

стр. 4095

١٨٢٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ) بفتح الرَّاء وكسر المُوحَّدة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة الهرويُّ نسبة لبيع الثِّياب الهرويَّة، قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ) الهُنائيُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ أَبَاهُ) أبا قتادة الحارث بن ربعيٍ (حَدَّثَهُ قَالَ: انْطَلَقْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ، وَلَمْ أُحْرِمْ) أنا (فَأُنْبِئْنَا) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، أي: أُخْبِرْنا (بِعَدُوٍّ) للمسلمين (بِغَيْقَةَ) بغينٍ معجمةٍ فمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ساكنةٍ فقافٍ مفتوحةٍ: موضعٌ من بلاد بني غفارٍ بين الحرمين، وقال في القاموس: موضعٌ بظهر حرَّة النَّار لبني ثعلبة بن سعدٍ (فَتَوَجَّهْنَا نَحْوَهُمْ) بأمره ﷺ ، فلمَّا رجعنا إلى القاحة (فَبَصُرَ) بضمِّ الصَّاد المهملة (أَصْحَابِي) الذين كانوا معي في كشف العدوِّ (بِحِمَارِ وَحْشٍ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فنَظَر أصحابي لحمار وحشٍ» بالنُّون والظَّاء المعجمة المفتوحتين، من (١) النَّظر، و «لحمار»: باللَّام بدل المُوحَّدة؛ كذا في فرع «اليونينيَّة» وغيره، فقول العينيِّ -كالحافظ ابن حجرٍ-: فعلى هذه الرِّواية -أي: رواية: «نظر» بالنُّون والظَّاء المشالة- دخول الباء في «بحمار» مشكلٌ، وأجاب: بأن يكون ضمَّن «نظر» معنى «بصر»، أو: الباء بمعنى «إلى» على مذهب من يقول: إنَّ الحروف ينوب بعضها عن بعضٍ، يدلُّ على أنَّه لم يستحضر إذ ذاك كونها باللَّام في الرِّواية المذكورة، قال في «الفتح»: وقد بيَّن محمَّد بن جعفرٍ في روايته عن أبي حازمٍ عن عبد الله بن أبي قتادة كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في «الهبة» [خ¦٢٥٧٠] أنَّ قصة صيده الحمار كانت بعد أن اجتمعوا بالنَّبيِّ ﷺ وأصحابه ونزلوا في بعض المنازل، ولفظه: كنت يومًا جالسًا مع رجالٍ من أصحاب النَّبيِّ ﷺ في منزلٍ في طريق مكَّة، ورسول الله ﷺ نازلٌ أمامنا، والقوم محرمون وأنا غير محرمٍ، وبيَّن في هذه الرِّواية: السَّبب الموجب لرؤيتهم إيَّاه دون أبي قتادة؛ بقوله: «فأبصروا حمارًا وحشيًّا وأنا

стр. 4096

مشغولٌ أخصف نعلي، فلم يؤذنوني به وأحبُّوا (١) لو أنِّي أبصرته، والتفتُّ فأبصرته»، ووقع في حديث أبي سعيدٍ عند ابن حبَّان وغيره: أنَّ ذلك وهم بعسفان، وفيه نظرٌ، والصَّحيح: أنَّ ذلك كان (٢) بالقاحة؛ كما سيأتي إن شاء الله تعالى بعد بابٍ [خ¦١٨٢٣] ومرَّ. (فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَضْحَكُ إِلَى بَعْضٍ) تعجُّبًا لا إشارةً (فَنَظَرْتُ فَرَأَيْتُهُ فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ الفَرَسَ، فَطَعَنْتُهُ، فَأَثْبَتُّهُ) أي: حبسته مكانه (فَاسْتَعَنْتُهُمْ) في حمله (فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي) فحملته حتَّى جئت به إليهم (فَأَكَلْنَا مِنْهُ، ثُمَّ لَحِقْتُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَ) والحال أنَّا (خَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ) أي: يقطعنا العدوُّ دونه ﵊، حال كوني (أَُرَْفَِّعُ) بضمِّ الهمزة وتشديد الفاء المكسورة، وبفتح الهمزة وسكون الرَّاء وفتح الفاء، وهو الذي في «اليونينيَّة» ليس إلَّا (٣) أي: أكلِّف (فَرَسِي شَأْوًا) دفعةً (وَأَسِيرُ عَلَيْهِ) بسهولةٍ (شَأْوًا) أخرى (فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ بَنِي غِفَارٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: أَيْنَ) ولأبي الوقت: «فقلت له: أين» (تَرَكْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: تَرَكْتُهُ بِتَِعْهَِنَ) بفتح التَّاء والهاء، وبكسرهما، وبفتحٍ فكسرٍ، وفي الفرع وأصله: ضمُّ الهاء أيضًا كما مرَّ، قال القاضي عياضٌ: هي عين ماءٍ على ثلاثة أميالٍ من السُّقيا بطريق (٤) مكَّة (وَهُوَ) ﵊ (قَايلٌ السُّقْيَا) بضمِّ السِّين مقصورٌ، و «قائلٌ»: بالتَّنوين كالسَّابقة [خ¦١٨٢١] أي: قال: اقصدوا السُّقيا، أو: من القيلولة، أي: تركته بتعهن وعزمه أن يقيل بالسُّقيا (فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ أَصْحَابَكَ أَرْسَلُوا يَقْرَؤُوْنَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللهِ) زاد في رواية غير أبوي ذرٍّ والوقت: «وبركاته» (وَإِنَّهُمْ قَدْ (٥) خَشُوا أَنْ يَقْتَطِعَهُمُ العُدُوُّ دُونَكَ، فَانْظُرْهُمْ) بهمزة وصلٍ وظاءٍ معجمةٍ مضمومةٍ (٦) أي: انتظرهم (فَفَعَلَ) ما سأله من انتظارهم (فَقُلْتُ:

стр. 4097

يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّا اصَّدْنَا حِمَارَ وَحْشٍ) بهمزة وصلٍ وتشديد الصَّاد، أصله: «اصتدنا» من «باب الافتعال»، قُلِبت التَّاء صادًا وأُدغِمت الصَّاد في الصَّاد. وأخطأ من قال: أصله: «اصطدنا» فأُبدِلت الطَّاء تاءً مُثنَّاةً وأُدغِمت، وفي نسخةٍ: «أَصَدنا» بفتح الهمزة وتخفيف الصَّاد (وَإِنَّ عِنْدَنَا مِنْهُ (١)) قطعةً (فَاضِلَةً) فضلت منه (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ: كُلُوا) من القطعة الفاضلة (وَهُمْ مُحْرِمُونَ). (٤) هذا (٢) (بابٌ) بالتنوين (لَا يُعِينُ المُحْرِمُ الحَلَالَ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ) بفعل ولا قول. ١٨٢٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي الوقت: «حدَّثني» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) مؤدِّب ولد عمر بن عبد العزيز، ولأبي الوقت: «عن صالح بن كيسان» (عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ) أنَّه (سَمِعَ أَبَا قَتَادَةَ) ولغير أبوي ذرٍّ والوقت: «عن أبي محمَّدٍ نافعٍ مولى أبي قتادة، سمع أبا قتادة» (¬﵁¬) (٣) وفي رواية مسلمٍ: عن

стр. 4098

صالحٍ، سمعت أبا محمَّدٍ مولى أبي قتادة، ولم يكن مولًى؛ أي (١): لأبي قتادة، وعند ابن حبَّان: هو مولى عقيلة بنت طلقٍ الغفاريَّة، ونُسِب لأبي قتادة لكثرة لزومه له وقيامه بمهمَّاته من باب الخدمة (٢) حتَّى صار كأنَّه مولاه، وحينئذٍ فيكون من باب المجاز (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ (٣) ﷺ بِالقَاحَةِ) بالقاف والحاء المهملة المُخفَّفة بينهما ألفٌ، وهي (مِنَ المَدِينَةِ عَلَى ثَلَاثٍ) من المراحل قبل السُّقيا بنحو ميلٍ، وقد سبق أنَّ الرَّوحاء: هي (٤) الموضع الذي ذهب أبو قتادة منه إلى جهة العدوِّ، ثمَّ التقوا بالقاحة وبها وقع الصَّيد المذكور (ح) لتحويل السَّند. قال المؤلِّف بالسَّند السَّابق: (وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ) نافعٍ المذكور (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالقَاحَةِ، وَمِنَّا المُحْرِمُ، وَمِنَّا غَيْرُ المُحْرِمِ) يحتمل أن يُقال: لا منافاة بين قوله هنا: «ومنَّا غير المحرم» وبين ما سبق ممَّا يقتضي انحصار عدم الإحرام في أبي قتادة، فقد يريد بقوله: «ومنَّا غير المحرم» نفسه فقط بدليل الأحاديث الدَّالَّة على الانحصار (فَرَأَيْتُ أَصْحَابِي يَتَرَاءَوْنَ شَيْئًا) يتفاعلون من الرُّؤية (فَنَظَرْتُ، فَإِذَا حِمَارُ وَحْشٍ) بالإضافة، و «إذا» للمفاجأة (يَعْنِي: وَقَعَ سَوْطُهُ) ولابن عساكر: «فوقع» وهو من كلام الرَّاوي، تفسيرٌ لما يدلُّ عليه قوله: (فَقَالُوا: لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ) أي: على أخذ السَّوط حين وقع (بِشَيْءٍ) كذا قرَّره البرماويُّ كالكِرمانيِّ، وعند أبي عَوانة: عن أبي داود الحرَّانيِّ عن عليِّ بن المدينيِّ في هذا الحديث: «فإذا حمار وحشٍ، فركبت فرسي وأخذت الرُّمح والسَّوط فسقط منِّي السَّوط، فقلت: ناولوني، فقالوا: لا نعينك عليه بشيءٍ» (إِنَّا مُحْرِمُونَ) والمحرم

стр. 4099

تحرم (١) عليه الإعانة على قتل الصَّيد (فَتَنَاوَلْتُهُ) أي: السَّوط بشيءٍ (فَأَخَذْتُهُ، ثُمَّ أَتَيْتُ الحِمَارَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ) بفتحاتٍ: تلٌّ من حجرٍ واحدٍ (فَعَقَرْتُهُ) أي: قتلته، وأصله: ضرب قوائم البعير أو الشَّاة بالسَّيف وهو قائمٌ، فتُوسِّع فيه، فاستُعمِل في مطلق القتل والإهلاك، وفيه: أنَّ عقرَ الصَّيد ذكاتُه (فَأَتَيْتُ بِهِ أَصْحَابِي، فَقَالَ) ولأبي الوقت: «قال» (بَعْضُهُمْ: كُلُوا) منه (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَأْكُلُوا) سبق من هذا الوجه أنَّهم أكلوا، والظَّاهر: أنَّهم أكلوا أوَّل ما أتاهم به، ثمَّ طرأ عليهم؛ كما في لفظ عثمان بن مَوْهَبٍ في الباب الذي يليه [خ¦١٨٢٤] «فأكلنا من لحمها، ثمَّ قلنا: أنأكل لحم صيدٍ ونحن محرمون؟» وفي حديث أبي سعيدٍ: «فجعلوا يشوون منه، ثمَّ قالوا: رسول الله ﷺ بين أظهرنا» (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ أَمَامَنَا) بفتح الهمزة: ظرف مكانٍ، أي: قدَّامنا (فَسَأَلْتُهُ): هل يجوز أكله للمحرم؟ (فَقَالَ: كُلُوهُ) هو (حَلَالٌ) وفي روايةٍ: «كلوه حلالًا» بالنَّصب، أي: أكلًا حلالًا، قال سفيان: (قَالَ لَنَا عَمْرٌو) هو ابن دينارٍ: (اذْهَبُوا إِلَى صَالِحٍ) أي: ابن كيسان (فَسَلُوهُ) بفتح السِّين من غير همزٍ (عَنْ هَذَا وَغَيْرِهِ، وَقَدِمَ) صالحٌ (عَلَيْنَا) من المدينة (هَهُنَا) يعني: مكَّة، فدلَّ عمرٌو أصحابه ليسمعوا منه هذا وغيره، والغرض بذلك تأكيد ضبطه وكيفيَّة سماعه له من صالحٍ، وهذا الحديث هو لفظ رواية عليِّ بن المدينيِّ، قال في «الفتح»: وهذه عادة المصنِّف غالبًا إذا حوَّل الإسنادَ ساقَ المتن على لفظ الثَّاني. انتهى. (٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يُشِيرُ المُحْرِمُ إِلَى الصَّيْدِ لِكَيْ يَصْطَادَهُ الحَلَالُ) اللَّام في: «لكي» للتَّعليل، و «كي»: بمنزلة «أن» المصدريَّة معنًى وعملًا، ويؤيِّده: صحَّة حلول «أن» محلَّها، وأنَّها لو كانت حرف تعليلٍ لم يدخل عليها حرف تعليلٍ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا﴾ [الحديد: ٢٣] وقولك (٢): جئتك كي تكرمني، وقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾ [الحشر: ٧] إذا قدَّرت اللَّام قبلها، فإن لم تقدِّر فهي تعليليَّةٌ جارَّةٌ، ويجب حينئذٍ إضمار «أن» بعدها، قاله

стр. 4100

ابن هشامٍ، وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ بأنَّ خصوصيَّة التَّعليل هنا لغوٌ، ولو قال: إذ لو كانت حرف جرٍّ لم يدخل عليها حرف جرٍّ لكان مستقيمًا وسَلِم (١) من ذلك. ١٨٢٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ -هُوَ ابْنُ مَوْهَبٍ-) بفتح الميم والهاء بينهما واوٌ ساكنةٌ، ونسبه لجدِّه لشهرته به، وأبوه: عبد الله بن موهب التَّيميُّ المدنيُّ التَّابعيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ) السَّلميُّ بفتح السِّين المهملة (أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ حَاجًّا) أي: معتمرًا، فهو من باب المجاز السَّائغ (٢) لأنَّ ذلك إنَّما كان في عمرة الحديبية كما جزم به يحيى بن أبي كثيرٍ، وهو المعتمد، وأيضًا: فالحجُّ في الأصل قصد البيت، فكأنَّه قال: خرج قاصدًا للبيت ولذا يُقال للعمرة: الحجُّ الأصغر، وقد أخرج البيهقيُّ الحديث من رواية محمَّد بن أبي بكرٍ المُقدَّميِّ عن أبي عَوانة بلفظ: خرج حاجًّا أو معتمرًا، فتبيَّن أنَّ الشَّكَّ فيه من أبي عَوانة؛ كذا قرَّره ابن حجرٍ وغيره، وتعقَّبه العينيُّ
следующие страницы →