مشغولٌ أخصف نعلي، فلم يؤذنوني به وأحبُّوا (١) لو أنِّي أبصرته، والتفتُّ فأبصرته»، ووقع في حديث أبي سعيدٍ عند ابن حبَّان وغيره: أنَّ ذلك وهم بعسفان، وفيه نظرٌ، والصَّحيح: أنَّ ذلك كان (٢) بالقاحة؛ كما سيأتي إن شاء الله تعالى بعد بابٍ [خ¦١٨٢٣] ومرَّ.
(فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَضْحَكُ إِلَى بَعْضٍ) تعجُّبًا لا إشارةً (فَنَظَرْتُ فَرَأَيْتُهُ فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ الفَرَسَ، فَطَعَنْتُهُ، فَأَثْبَتُّهُ) أي: حبسته مكانه (فَاسْتَعَنْتُهُمْ) في حمله (فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي) فحملته حتَّى جئت به إليهم (فَأَكَلْنَا مِنْهُ، ثُمَّ لَحِقْتُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَ) والحال أنَّا (خَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ) أي: يقطعنا العدوُّ دونه ﵊، حال كوني (أَُرَْفَِّعُ) بضمِّ الهمزة وتشديد الفاء المكسورة، وبفتح الهمزة وسكون الرَّاء وفتح الفاء، وهو الذي في «اليونينيَّة» ليس إلَّا (٣) أي: أكلِّف (فَرَسِي شَأْوًا) دفعةً (وَأَسِيرُ عَلَيْهِ) بسهولةٍ (شَأْوًا) أخرى (فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ بَنِي غِفَارٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: أَيْنَ) ولأبي الوقت: «فقلت له: أين» (تَرَكْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: تَرَكْتُهُ بِتَِعْهَِنَ) بفتح التَّاء والهاء، وبكسرهما، وبفتحٍ فكسرٍ، وفي الفرع وأصله: ضمُّ الهاء أيضًا كما مرَّ، قال القاضي عياضٌ: هي عين ماءٍ على ثلاثة أميالٍ من السُّقيا بطريق (٤) مكَّة (وَهُوَ) ﵊ (قَايلٌ السُّقْيَا) بضمِّ السِّين مقصورٌ، و «قائلٌ»: بالتَّنوين كالسَّابقة [خ¦١٨٢١] أي: قال: اقصدوا السُّقيا، أو: من القيلولة، أي: تركته بتعهن وعزمه أن يقيل بالسُّقيا (فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ أَصْحَابَكَ أَرْسَلُوا يَقْرَؤُوْنَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللهِ) زاد في رواية غير أبوي ذرٍّ والوقت: «وبركاته» (وَإِنَّهُمْ قَدْ (٥) خَشُوا أَنْ يَقْتَطِعَهُمُ العُدُوُّ دُونَكَ، فَانْظُرْهُمْ) بهمزة وصلٍ وظاءٍ معجمةٍ مضمومةٍ (٦) أي: انتظرهم (فَفَعَلَ) ما سأله من انتظارهم (فَقُلْتُ:
стр. 4097
يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّا اصَّدْنَا حِمَارَ وَحْشٍ) بهمزة وصلٍ وتشديد الصَّاد، أصله: «اصتدنا» من «باب الافتعال»، قُلِبت التَّاء صادًا وأُدغِمت الصَّاد في الصَّاد. وأخطأ من قال: أصله: «اصطدنا» فأُبدِلت الطَّاء تاءً مُثنَّاةً وأُدغِمت، وفي نسخةٍ: «أَصَدنا» بفتح الهمزة وتخفيف الصَّاد (وَإِنَّ عِنْدَنَا مِنْهُ (١)) قطعةً (فَاضِلَةً) فضلت منه (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ: كُلُوا) من القطعة الفاضلة (وَهُمْ مُحْرِمُونَ).
(٤) هذا (٢) (بابٌ) بالتنوين (لَا يُعِينُ المُحْرِمُ الحَلَالَ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ) بفعل ولا قول.
١٨٢٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي الوقت: «حدَّثني» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) مؤدِّب ولد عمر بن عبد العزيز، ولأبي الوقت: «عن صالح بن كيسان» (عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ) أنَّه (سَمِعَ أَبَا قَتَادَةَ) ولغير أبوي ذرٍّ والوقت: «عن أبي محمَّدٍ نافعٍ مولى أبي قتادة، سمع أبا قتادة» (¬﵁¬) (٣) وفي رواية مسلمٍ: عن
стр. 4098
صالحٍ، سمعت أبا محمَّدٍ مولى أبي قتادة، ولم يكن مولًى؛ أي (١): لأبي قتادة، وعند ابن حبَّان: هو مولى عقيلة بنت طلقٍ الغفاريَّة، ونُسِب لأبي قتادة لكثرة لزومه له وقيامه بمهمَّاته من باب الخدمة (٢) حتَّى صار كأنَّه مولاه، وحينئذٍ فيكون من باب المجاز (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ (٣) ﷺ بِالقَاحَةِ) بالقاف والحاء المهملة المُخفَّفة بينهما ألفٌ، وهي (مِنَ المَدِينَةِ عَلَى ثَلَاثٍ) من المراحل قبل السُّقيا بنحو ميلٍ، وقد سبق أنَّ الرَّوحاء: هي (٤) الموضع الذي ذهب أبو قتادة منه إلى جهة العدوِّ، ثمَّ التقوا بالقاحة وبها وقع الصَّيد المذكور (ح) لتحويل السَّند.
قال المؤلِّف بالسَّند السَّابق: (وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ) نافعٍ المذكور (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالقَاحَةِ، وَمِنَّا المُحْرِمُ، وَمِنَّا غَيْرُ المُحْرِمِ) يحتمل أن يُقال: لا منافاة بين قوله هنا: «ومنَّا غير المحرم» وبين ما سبق ممَّا يقتضي انحصار عدم الإحرام في أبي قتادة، فقد يريد بقوله: «ومنَّا غير المحرم» نفسه فقط بدليل الأحاديث الدَّالَّة على الانحصار (فَرَأَيْتُ أَصْحَابِي يَتَرَاءَوْنَ شَيْئًا) يتفاعلون من الرُّؤية (فَنَظَرْتُ، فَإِذَا حِمَارُ وَحْشٍ) بالإضافة، و «إذا» للمفاجأة (يَعْنِي: وَقَعَ سَوْطُهُ) ولابن عساكر: «فوقع» وهو من كلام الرَّاوي، تفسيرٌ لما يدلُّ عليه قوله: (فَقَالُوا: لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ) أي: على أخذ السَّوط حين وقع (بِشَيْءٍ) كذا قرَّره البرماويُّ كالكِرمانيِّ، وعند أبي عَوانة: عن أبي داود الحرَّانيِّ عن عليِّ بن المدينيِّ في هذا الحديث: «فإذا حمار وحشٍ، فركبت فرسي وأخذت الرُّمح والسَّوط فسقط منِّي السَّوط، فقلت: ناولوني، فقالوا: لا نعينك عليه بشيءٍ» (إِنَّا مُحْرِمُونَ) والمحرم
стр. 4099
تحرم (١) عليه الإعانة على قتل الصَّيد (فَتَنَاوَلْتُهُ) أي: السَّوط بشيءٍ (فَأَخَذْتُهُ، ثُمَّ أَتَيْتُ الحِمَارَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ) بفتحاتٍ: تلٌّ من حجرٍ واحدٍ (فَعَقَرْتُهُ) أي: قتلته، وأصله: ضرب قوائم البعير أو الشَّاة بالسَّيف وهو قائمٌ، فتُوسِّع فيه، فاستُعمِل في مطلق القتل والإهلاك، وفيه: أنَّ عقرَ الصَّيد ذكاتُه (فَأَتَيْتُ بِهِ أَصْحَابِي، فَقَالَ) ولأبي الوقت: «قال» (بَعْضُهُمْ: كُلُوا) منه (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَأْكُلُوا) سبق من هذا الوجه أنَّهم أكلوا، والظَّاهر: أنَّهم أكلوا أوَّل ما أتاهم به، ثمَّ طرأ عليهم؛ كما في لفظ عثمان بن مَوْهَبٍ في الباب الذي يليه [خ¦١٨٢٤] «فأكلنا من لحمها، ثمَّ قلنا: أنأكل لحم صيدٍ ونحن محرمون؟» وفي حديث أبي سعيدٍ: «فجعلوا يشوون منه، ثمَّ قالوا: رسول الله ﷺ بين أظهرنا» (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ أَمَامَنَا) بفتح الهمزة: ظرف مكانٍ، أي: قدَّامنا (فَسَأَلْتُهُ): هل يجوز أكله للمحرم؟ (فَقَالَ: كُلُوهُ) هو (حَلَالٌ) وفي روايةٍ: «كلوه حلالًا» بالنَّصب، أي: أكلًا حلالًا، قال سفيان: (قَالَ لَنَا عَمْرٌو) هو ابن دينارٍ: (اذْهَبُوا إِلَى صَالِحٍ) أي: ابن كيسان (فَسَلُوهُ) بفتح السِّين من غير همزٍ (عَنْ هَذَا وَغَيْرِهِ، وَقَدِمَ) صالحٌ (عَلَيْنَا) من المدينة (هَهُنَا) يعني: مكَّة، فدلَّ عمرٌو أصحابه ليسمعوا منه هذا وغيره، والغرض بذلك تأكيد ضبطه وكيفيَّة سماعه له من صالحٍ، وهذا الحديث هو لفظ رواية عليِّ بن المدينيِّ، قال في «الفتح»: وهذه عادة المصنِّف غالبًا إذا حوَّل الإسنادَ ساقَ المتن على لفظ الثَّاني. انتهى.
(٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يُشِيرُ المُحْرِمُ إِلَى الصَّيْدِ لِكَيْ يَصْطَادَهُ الحَلَالُ) اللَّام في: «لكي» للتَّعليل، و «كي»: بمنزلة «أن» المصدريَّة معنًى وعملًا، ويؤيِّده: صحَّة حلول «أن» محلَّها، وأنَّها لو كانت حرف تعليلٍ لم يدخل عليها حرف تعليلٍ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا﴾ [الحديد: ٢٣] وقولك (٢): جئتك كي تكرمني، وقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾ [الحشر: ٧] إذا قدَّرت اللَّام قبلها، فإن لم تقدِّر فهي تعليليَّةٌ جارَّةٌ، ويجب حينئذٍ إضمار «أن» بعدها، قاله
стр. 4100
ابن هشامٍ، وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ بأنَّ خصوصيَّة التَّعليل هنا لغوٌ، ولو قال: إذ لو كانت حرف جرٍّ لم يدخل عليها حرف جرٍّ لكان مستقيمًا وسَلِم (١) من ذلك.
١٨٢٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ -هُوَ ابْنُ مَوْهَبٍ-) بفتح الميم والهاء بينهما واوٌ ساكنةٌ، ونسبه لجدِّه لشهرته به، وأبوه: عبد الله بن موهب التَّيميُّ المدنيُّ التَّابعيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ) السَّلميُّ بفتح السِّين المهملة (أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ حَاجًّا) أي: معتمرًا، فهو من باب المجاز السَّائغ (٢) لأنَّ ذلك إنَّما كان في عمرة الحديبية كما جزم به يحيى بن أبي كثيرٍ، وهو المعتمد، وأيضًا: فالحجُّ في الأصل قصد البيت، فكأنَّه قال: خرج قاصدًا للبيت ولذا يُقال للعمرة: الحجُّ الأصغر، وقد أخرج البيهقيُّ الحديث من رواية محمَّد بن أبي بكرٍ المُقدَّميِّ عن أبي عَوانة بلفظ: خرج حاجًّا أو معتمرًا، فتبيَّن أنَّ الشَّكَّ فيه من أبي عَوانة؛ كذا قرَّره ابن حجرٍ وغيره، وتعقَّبه العينيُّ
стр. 4101
فقال: لا نسلِّم أنَّه من المجاز؛ فإنَّ المجاز لا بدَّ له من علاقةٍ، وما العلاقة ههنا (١)؟ وكون الحجِّ في الأصل قصدًا لا يكون علاقةً لجواز ذكر الحجِّ وإرادة العمرة، فإنَّ كلَّ فعلٍ مطلقًا لا بدَّ فيه من معنى القصد، وقد شك أبو عَوانة، والشَّكُّ لا يثبت ما ادَّعاه من المجاز. انتهى. فلعلَّ الرَّاوي أراد: خرج محرمًا، فعبَّر عن الإحرام بالحجِّ غلطًا؛ كما قاله الإسماعيليُّ.
(فَخَرَجُوا مَعَهُ) ﵊ حتَّى بلغوا الرَّوحاء، وهي من ذي الحليفة على أربعةٍ وثلاثين ميلًا، فأخبروه أنَّ عدوًّا من المشركين بوادي غَيْقَةَ يخشى منهم أن يقصدوا غزوه (فَصَرَفَ) ﵊ (طَائِفَةً مِنْهُمْ) بنصب: «طائفة» مفعولٌ به، والطَّائفة من الشَّيء: القطعة منه، قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] قال ابن عبَّاسٍ: الواحد فما فوقه، وقد استدلَّ الإمام فخر الدِّين ومن تبعه من الأصوليِّين على وجوب العمل بخبر الواحد لقوله (٢) تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] قالوا: فإنَّ الفرقة تُطلَق على ثلاثةٍ، والطَّائفة: إمَّا واحدٌ أو اثنان، واستشكل بعضهم إطلاق الطَّائفة على الواحد لبعده عن الذِّهن (فِيهِمْ) أي: في الذين صرفهم ﵊ (أَبُو قَتَادَةَ) الأصل أن يقول: وأنا فيهم، فهو من باب التَّجريد، لا يُقال: إنَّه من قول ابن أبي قتادة لأنَّه حينئذٍ يكون الحديث مرسلًا (فَقَالَ) ﵊: (خُذُوا سَاحِلَ البَحْرِ) أي: شاطئه، قال في القاموس: مقلوبٌ لأنَّ الماءَ سَحَلَهُ، وكان القياس: مسحولًا، أو معناه: ذو ساحلٍ من الماء إذا ارتفع المَدُّ ثمَّ جَزَرَ فَجَرَفَ ما عليه (حَتَّى نَلْتَقِيَ، فَأَخَذُوا سَاحِلَ البَحْرِ) لكشف أمر العدوِّ (فَلَمَّا انْصَرَفُوا) من السَّاحل بعد أن أمنوا من العدوِّ، وكانوا قد (أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ) من الميقات (إِلَّا أَبُو قَتَادَةَ) بالرَّفع مبتدأٌ خبره (لَمْ يُحْرِمْ) و «إلَّا» بمعنى لكن، وهي من الجمل التي لها محلٌّ من الإعراب، وهي المستثناة؛ نحو: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ. إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ. فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ (٣) [الغاشية: ٢٢ - ٢٤] قال ابن خروفٍ: «مَنْ»: مبتدأٌ، و «يعذِّبه الله»: الخبر، والجملة في موضع نصبٍ على الاستثناء المنقطع، قال في «التَّوضيح»: وهذا ممَّا أغفلوه، ولا يعرف أكثر المتأخِّرين
стр. 4102
من البصريِّين في هذا النَّوع -وهو المستثنى بـ «إلَّا» من كلامٍ تامٍّ (١) موجبٍ-إلَّا النَّصب، قال: وللكوفيِّين في مثله مذهبٌ آخر؛ وهو أنَّ «إلَّا» حرف عطفٍ، وما بعدها عُطِف على ما قبلها، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «إلَّا أبا قتادة» بالنَّصب، وهو واضحٌ.
(فَبَيْنَمَا هُمْ) بالميم قبل الألف (يَسِيرُونَ إِذْ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشٍ) بضمِّ الحاء والميم، جمع حمارٍ، وفي نسخةٍ: «حمارَ وحشٍ» (فَحَمَلَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى الحُمُرِ) بضمَّتين أيضًا، جمع حمارٍ (فَعَقَرَ مِنْهَا) أي: قتل من الحمر المرئيَّة (أَتَانًا) أنثى، وجمع الحُمُر هنا لا ينافي الرِّواية الأخرى بالإفراد لجواز أنَّهم رأوا حمرًا وفيهم واحدٌ أقرب من غيره لاصطياده، لكنَّ قوله هنا: «أتانًا» ينافي قوله: «حمارًا» في الأخرى [خ¦١٨٢٣] وقد يُجاب: بأنَّه أطلق الحمار على الأنثى مجازًا، أو أنَّه يُطلَق على الذَّكر والأنثى (فَنَزَلُوا) عن مركوبهم (فَأَكَلُوا مِنْ لَحْمِهَا) أي: الأتان (وَقَالُوا) بواو العطف، ولأبي الوقت: «فقالوا» بفائه، بعد أن أكلوا من لحمها: (أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟) الواو للحال، قال أبو قتادة: (فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِ الأَتَانِ) وعند المؤلِّف في «الهبة» [خ¦٢٥٧٠] من رواية أبي حازمٍ: «فَرُحنا، وخبَّأت العضد معي» (فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالُوا) ولأبي الوقت: «فقالوا»: (يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا كُنَّا أَحْرَمْنَا وَقَدْ كَانَ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ، فَرَأَيْنَا حُمُرَ وَحْشٍ) جمع حمارٍ (فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ، فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا، فَنَزَلْنَا فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا، ثُمَّ قُلْنَا: أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا، قَالَ) بغير فاءٍ: (أمِنْكُمْ) بهمزة الاستفهام لأبي ذرٍّ، وفي رواية ابن عساكر: «منكم» بإسقاطها (أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ
стр. 4103
يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟) ولـ «مسلمٍ» من طريق شعبة عن عثمان: «هل أشرتم أو أعنتم أو اصطدتم؟» (قَالُوا: لَا، قَالَ (١): فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا) وصيغة الأمر هنا للإباحة لا للوجوب لأنَّها وقعت جوابًا عن سؤالهم عن الجواز، ولم يذكر في هذه الرِّواية أنَّه ﷺ أكل منها، لكن في «الهبة» (٢): «فناولته العضد فأكلها حتَّى تعرَّقها» وفي «الجهاد» [خ¦٢٨٥٤] «قال: معنا رجلها، فأخذها فأكلها»، وفي رواية المطَّلب: قد رفعنا لك الذِّراع فأكل منها، وفي رواية صالح بن حسَّان عند (٣) أحمد وأبي داود الطَّيالسيِّ وأبي عَوانة: فقال: «كلوا وأطعموني (٤)»، ووقع عند الدَّارقطنيِّ وابن خزيمة والبيهقيِّ: أنَّ أبا قتادة ذكر شأنه لرسول الله ﷺ وأنَّه إنَّما اصطاده له، قال: فأمر النَّبيُّ ﷺ أصحابه فأكلوا ولم يأكل حين أخبرته أنِّي اصطدته له، قال ابن خزيمة وغيره: تفرَّد بهذه الزِّيادة مَعْمَرٌ، وقرأت في «كتاب المعرفة»: قال أبو بكرٍ -يعني: البيهقيَّ-: قوله: «اصطدته لك» وقوله: «ولم يأكل منه» لا أعلم أحدًا ذكره (٥) في هذا الحديث غير مَعْمَرٍ، وأجاب النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب»: بأنَّه يحتمل أنَّه جرى لأبي قتادة في تلك السَّفرة قضيَّتان جمعًا بين الرِّوايتين.
وفي هذا الحديث من الفوائد: جواز أكلِ المحرمِ لحمَ الصَّيد إذا لم تكن منه (٦) دلالةٌ ولا إشارةٌ، واختُلِف في أكل المحرم لحم الصَّيد؛ فمذهب مالكٍ والشَّافعيِّ: أنَّه ممنوعٌ إن صاده أو صِيد لأجله، سواءٌ كان بإذنه أو بغير إذنه لحديث جابرٍ مرفوعًا: «لحم الصَّيد لكم في الإحرام حلالٌ ما لم تصيدوه أو يصاد لكم» (٧) رواه أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، وعبارة الشَّيخ خليلٍ في «مختصره»:
стр. 4104
وما صاده محرمٌ أو صِيد له ميتةٌ، قال شارحه: أي: فلا يأكله حلالٌ ولا حرامٌ، وقال المرداويُّ من الحنابلة في (١) «كتاب الإنصاف» له: ويحرم ما صِيد لأجله على الصَّحيح من المذهب، نقله الجماعة عن أحمد، وعليه الأصحاب، قال: وفي «الانتصار» احتمالٌ بجواز أكل ما صِيد لأجله، وقال صاحب «الهداية» من الحنفيَّة: ولابأس أن يأكل المحرم لحم صيدٍ اصطاده حلالٌ وذبحه له (٢) إذا لم يدلَّه (٣) المُحرِم عليه ولا أمره (٤) بصيده، خلافًا لمالكٍ رحمه الله تعالى فيما إذا اصطاده لأجل المُحْرِم؛ يعني: بغير أمره، له -أي: لمالكٍ (٥) -: قوله ﷺ : «لا بأس أن يأكل المحرم لحم صيدٍ ما لم يصده، أو يُصاد له»، ولنا: ما رُوِي أنَّ الصَّحابة ﵃ تذاكروا لحم الصَّيد في حقِّ المحرم، فقال ﵊: «لا بأس به»، واللَّام فيما رُوِي لام تمليكٍ، فيُحمَل على أن يُهدِيَ إليه (٦) الصَّيدَ دون اللَّحم، أو يُصاد بأمره، قال في «فتح القدير»: أمَّا إذا اصطاد الحلال للمحرم صيدًا بأمره فاختُلِف فيه عندنا؛ فذكر الطَّحاويُّ تحريمه على المحرم، وقال الجرجانيُّ: لا يحرم، وأمَّا الحديث الذي استُدِلَّ به لمالكٍ فهو حديث جابرٍ عند أبي داود والتِّرمذيِّ والنَّسائيِّ: «لحم الصَّيد حلالٌ لكم، وأنتم حرمٌ» وقد سبق قريبًا، قال (٧): وقد عارضه المصنِّف ثمَّ أوَّله دفعًا للمعارضة بكون اللَّام للملك، والمعنى: أن يُصاد بأمره وهذا لأنَّ الغالب في عمل الإنسان لغيره أن يكون بطلبٍ منه، فليكن محمله هذا دفعًا للمعارضة، والأَولى في الاستدلال على أصل المطلوب بحديث أبي قتادة على وجه المعارضة على ما في «الصَّحيحين»، فإنَّهم لمَّا سألوه ﵊ لم يُجِب بحلِّه لهم حتَّى سألهم عن موانع الحلِّ، أكانت موجودةً أم لا؟ فقال ﷺ : «أمنكم أحدٌ أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها؟» قالوا: لا، قال: «فكلوا إذًا»، فلو كان من الموانع أن يُصاد (٨) لهم لنظمه في سلك ما يُسأَل عنه منها في التَّفحُّص عن الموانع ليجيب بالحكم عند خلوِّه عنها،
стр. 4105
وهذا المعنى كالصَّريح في نفي كون الاصطياد للمحرم مانعًا، فيعارض حديث جابرٍ ويُقدَّم عليه لقوَّة ثبوته؛ إذ هو في «الصَّحيحين» وغيرهما من الكتب السِّتَّة، بل في حديث جابرٍ: «لحم الصَّيد … » إلى آخره انقطاعٌ، لأنَّ المطَّلب بن حَنْطَبٍ لم يسمع من جابرٍ عند غير واحدٍ، وكذا في رجاله مَنْ فيه لِينٌ. انتهى. ولا جزاء عليه بدلالةٍ ولا بإعانةٍ ولا بأكله (١) ما صِيد له عند الشَّافعيَّة لأنَّ الجزاء تعلَّق بالقتل، والدَّلالة ليست بقتلٍ، فأشبهت دلالة الحلال حلالًا، وقال (٢) الحنفيَّة: إذا قتل المحرم صيدًا أو دلَّ عليه من قتله فعليه الجزاء، أمَّا القتل فلقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ … الآيةَ [المائدة: ٩٥]، وأمَّا الدَّلالة فلحديث أبي قتادة، قال العلَّامة ابن الهمام: وليس في حديث أبي قتادة: «هل دللتم؟» بل قال ﵊: «هل منكم (٣) أحدٌ أمره أن يَحْمِل عليها أو أشار إليها؟» قالوا: لا، قال: «فكلوا ما بقي». وجه الاستدلال به على هذا أنَّه علَّق الحلَّ على عدم الإشارة، وهي تحصُّل الدَّلالة بغير اللِّسان، فأحرى ألَّا يحلَّ إذا دلَّه باللَّفظ فقال: هناك صيدٌ ونحوه، قالوا: الثَّابت بالحديث حرمة اللَّحم على المحرم إذا دلَّ، قلنا: فثبت أنَّ الدَّلالة من محظورات الإحرام بطريق الالتزام لحرمة اللَّحم، فيثبت (٤) أنَّه محظور إحرامٍ هو جنايةٌ على الصَّيد، فنقول (٥) حينئذٍ: جنايةٌ على الصَّيد بتفويت الأمن على وجهٍ اتَّصل قتله عنها، ففيه الجزاء كالقتل، وهذا هو القياس، ولا يحسن عطفه على الحديث لأنَّ الحديث لم يثبِت الحكمَ المُتنازَع فيه -وهو وجوب الكفَّارة- بل محلَّ الحكم، ثمَّ (٦) ثبوت الوجوب المذكور في المحلِّ إنَّما هو بالقياس على القتل. انتهى. وقال المالكيَّة: إن صِيد لأجل المحرم فعلم به وأكل عليه الجزاء لا في أكلها (٧)، وقال الحنابلة: إن أكله كلَّه فعليه
стр. 4106
الجزاء، وإن أكل بعضه ضمنه بمثله من اللَّحم.
(٦) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين، يذكر فيه (إِذَا أَهْدَى) الحلال (لِلْمُحْرِمِ حِمَارًا وَحْشِيًّا حَيًّا لَمْ يَقْبَلْ) أي: لا يقبل.
١٨٢٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ، الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بتصغير: «عبدٍ» (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ) بضمِّ العين المهملة (٢) وسكون المُثنَّاة الفوقيَّة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ) بفتح الصَّاد وسكون العين المهملتين (٣) آخره مُوحَّدةٌ، و «جَثَّامة»: بفتح الجيم والمُثلَّثة المُشدَّدة وبعد الألف ميمٌ ابن قيس بن ربيعة (اللَّيْثِيِّ) من بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وكان حليف قريشٍ، وأمُّه أخت أبي سفيان بن حربٍ، واسمها: فاختة، وقيل: زينب، ويُقال: إنَّه أخو محلم بن جَثَّامة، يُقال: مات في خلافة أبي بكرٍ، ويُقال: في آخر خلافة عمر، قاله ابن حبَّان. ويُقال: مات (٤) في خلافة عثمان، وقال يعقوب بن سفيان: أخطأ من قال: إنَّ الصَّعب بن جَثَّامة مات في خلافة أبي بكرٍ خطأً بيِّنًا، فقد روى ابن إسحاق عن عمر بن عبد الله أنَّه حدَّثه عن عروة أنَّه (٥) قال: لمَّا ركب أهل
стр. 4107
العراق في الوليد بن عقبة كانوا خمسةً؛ منهم: الصَّعب بن جَثَّامة، وكان النَّبيُّ (١) ﷺ آخى بينه وبين عوف بن مالكٍ، واعلم أنَّه لم يُختلَف على مالكٍ في سياق هذا الحديث معنعنًا، وأنَّه من مسند الصَّعب بن جَثَّامة إلَّا أنَّه وقع في «مُوطَّأ» ابن وهبٍ: عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ الصَّعب بن جَثَّامة، فجعله من مُسنَد ابن عبَّاسٍ، وكذا أخرجه مسلمٌ من طريق سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبَّاسٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: والمحفوظ في (٢) حديث مالكٍ الأوَّلُ؛ يعني: أنَّه من مسند الصَّعب بن جَثَّامة (أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا) الأصل في: «أهدى» أن يتعدَّى بـ «إلى»، وقد يتعدَّى باللَّام، ويكون بمعناه، ولم يقل في الحديث: «حيًّا» كما ترجم، وكأنَّه فهمه من قوله: حمارًا، ولم تختلف (٣) الرُّواة عن مالكٍ في قوله: «حمارًا»، وممَّن رواه عن الزُّهريِّ -كما رواه مالكٌ-: (٤) معمرٌ وابن جريجٍ (٥)، وعبد الرَّحمن بن الحارث، وصالح بن كيسان، واللَّيث، وابن أبي ذئبٍ، وشعيب بن أبي حمزة، ويونس، ومحمَّد بن عمرو بن علقمة، كلُّهم قال فيه: أهدى لرسول الله ﷺ حمار وحشٍ كما قال مالكٌ، وخالفهم ابن عيينة عن الزُّهريِّ فقال: لحم حمار وحشٍ، أخرجه مسلمٌ من طريق الحكم عن سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبَّاسٍ ﵄، وقد تُوبِع عليه من أوجهٍ: ففي «مسلمٍ» أيضًا: «من لحم حمار وحشٍ» وفي روايةٍ له من طريق الحاكم عن سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبَّاسٍ ﵄: «رِجل حمار وحشٍ» وفي أخرى: «عجز حمار وحشٍ يقطر دمًا» وفي أخرى له: «شِقُّ حمارِ وحشٍ (٦)» قال النَّوويُّ: وهذه الطُّرق التي ذكرها مسلمٌ صريحةٌ في أنَّه مذبوحٌ، وأنَّه إنَّما أُهدِي بعض لحم صيدٍ لأكله. انتهى. ولا معارضة بين رِجْل حمارٍ وعجزه وشقِّه؛ إذ يندفع بإرادة رِجلٍ معها الفخذ وبعض جانب الذَّبيحة، فوجب حمل رواية: «أَهْدَى حمارًا» على أنَّه من إطلاق اسم الكلِّ على البعض، ويمتنع العكس؛ إذ إطلاق الرِّجل على كلِّ الحيوان غير معهودٍ لأنَّه لا يُطلَق على زيدٍ أصبعٌ ونحوه لأنَّه غير جائزٍ، لِما عُرِف من أنَّ شرط إطلاق اسم البعض على الكلِّ التَّلازم كالرَّقبة
стр. 4108
على الإنسان والرَّأس، فإنَّه لا إنسان دونهما بخلاف نحو: الرِّجل والظُّفر، وأمَّا إطلاق العين على الرَّقيب (١) فليس من حيث هو إنسانٌ، بل من حيث هو رقيبٌ، وهو من هذه الحيثيَّة لا يتحقَّق بلا عينٍ على ما عُرِف في التَّحقيقات، أو هو أحد معاني المشترك اللَّفظيِّ؛ كما عدَّه الأكثر منها، ثمَّ إنَّ في هذا الحمل ترجيحًا للأكثر، أو يُحكَم بغلط رواية الباب بناءً على أنَّ الرَّاوي رجع عنها تبيينًا لغلطه، قال الحميديُّ: كان سفيان -أي: ابن عيينة- يقول في هذا الحديث: أهديت (٢) لرسول الله ﷺ لحم حمار وحشٍ، وربَّما قال: يقطر دمًا، وربَّما لم يقل ذلك، وكان فيما خلا قال: حمار وحشٍ، ثمَّ صار إلى لحم حمار وحشٍ، حتَّى مات، وهذا يدلُّ على رجوعه وثباته على ما رجع إليه، والظَّاهر: أنَّه لتبيينه غلطه أوَّلًا، وقال البيهقيُّ في «المعرفة» ممَّا قرأته فيها -بعد أن ذكر من رواه عن الزُّهريِّ نحو ما سبق-: وكان ابن عيينة يضطرب فيه، فرواية العدد الذين لم يشكُّوا فيه أَولى، وقال الشَّافعيُّ في «الأمِّ»: حديث مالكٍ: أنَّ الصَّعب أهدى حمارًا، أثبت من حديث مَنْ (٣) روى: أنَّه أُهدِي له لحم حمارٍ (٤)، وقال التِّرمذيُّ: روى بعض أصحاب الزُّهريِّ في حديث الصَّعب: لحم حمار وحشٍ، وهو غير محفوظٍ. انتهى. يعني (٥): فيكون ردَّه؛ لامتناع تملُّك المحرم الصَّيد، وعُورِض بأنَّ الرِّوايات كلَّها تدلُّ على البعضيَّة، كما مرَّ.
(وَهْوَ) أي: والحال أنَّه ﵊ (بِالأَبْوَاءِ) بفتح الهمزة وسكون المُوحَّدة، ممدودًا: جبلٌ من عمل الفُرْع -بضمِّ الفاء وسكون الرَّاء- بينه وبين الجحفة ممَّا يلي المدينة ثلاثةٌ وعشرون ميلًا، وسُمِّي بذلك لما فيه من الوباء، قاله في «المطالع»، ولو كان كما قيل لقيل: الأوباء، أو هو مقلوبٌ عنه (٦)، والأقرب: أنَّه سُمِّي به لِتَبَوُّءِ السُّيولِ به (أَوْ بِوَدَّانَ) بفتح الواو وتشديد الدَّال المهملة، آخره نونٌ: موضعٌ بقرب الجحفة، أو قريةٌ جامعةٌ من ناحية الفُرْع، وَوَدَّان أقرب إلى
стр. 4109
الجحفة من الأبواء، فإنَّ من الأبواء إلى الجحفة للآتي من المدينة ثلاثةً وعشرين (١) ميلًا، ومن ودَّان إلى الجحفة ثمانية أميالٍ، والشَّكُّ من الرَّاوي، لكن جزم ابن إسحاق وصالح بن كيسان عن الزُّهريِّ: بودَّان، وجزم معمرٌ وعبد الرَّحمن بن إسحاق ومحمَّد بن عمرٍو: بالأبواء (فَرَدَّهُ (٢) عَلَيْهِ) ولأبي الوقت: «فردَّ عليه» بحذف ضمير المفعول، أي: ردَّ ﵇ الحمار على الصَّعب، وقد اتَّفقت الرِّوايات كلُّها على أنَّه ﵊ ردَّه عليه إلَّا ما رواه ابن وهبٍ والبيهقيُّ من طريقه بإسنادٍ حسنٍ من طريق عمرو بن أميَّة: أنَّ الصَّعب أهدى للنَّبيِّ ﷺ عجز حمار وحشٍ، وهو بالجحفة، فأكل منه وأكل القوم، قال البيهقيُّ: إن كان هذا محفوظًا فلعلَّه ردَّ الحيَّ وقبل اللَّحم، قال الحافظ ابن حجرٍ: وفي هذا الجمع نظرٌ، فإن كانت الطُّرق كلُّها محفوظةً فلعلَّه ردَّه حيًّا لكونه صِيد لأجله، وردَّ اللَّحم تارةً لذلك، وقبله تارةً أخرى حيث علم أنَّه لم يُصَدْ لأجله، وقد قال الشَّافعيُّ: إن كان الصَّعب أهدى حمارًا (٣) حيًّا فليس للمحرم أن يذبح حمار وحشٍ حيًّا، وإن كان أهدى له لحمًا فقد يحتمل أن يكون علم أنَّه صِيد له، ونقل التِّرمذيُّ عن الشَّافعيِّ: أنَّه ردَّه لظنِّه أنَّه صِيد من أجله، فتركه على وجه التَّنزُّه، ويحتمل أن يحمل القبول المذكور في حديث عمرو بن أميَّة على وقتٍ آخر، وهو حال رجوعه ﷺ من مكَّة، ويؤيِّده: أنَّه جازمٌ فيه بوقوع ذلك في الجحفة وفي غيرها من الرِّوايات بالأبواء أو بودَّان، وقال القرطبيُّ: جاز (٤) أن يكون الصَّعب أحضر الحمار مذبوحًا، ثمَّ قطع منه عضوًا بحضرة النَّبيِّ ﷺ فقدَّمه له، فمن قال: أهدى حمارًا أراد ما قدَّمه بتمامه مذبوحًا لا حيًّا، ومن قال: لحم حمارٍ أراد ما قدَّمه للنَّبيِّ ﷺ .
(فَلَمَّا (٥) رَأَى) ﵊ (مَا فِي وَجْهِهِ) أي: وجه الصَّعب من الكراهة، لمَّا حصل له من الكسر في ردِّ هديَّته (قَالَ) ﵊ تطييبًا لقلبه: (إِنَّا) بكسر الهمزة لوقوعها في الابتداء (لَمْ نَرُدَّهُ) بفتح الدَّال في «اليونينيَّة»، وهو رواية المحدِّثين، وذكره ثعلبٌ (٦) في «الفصيح»، لكن قال المحقِّقون
стр. 4110
من النُّحاة: إنَّه غلطٌ، والصَّواب: ضمُّ الدَّال كآخر المضاعف من كلِّ مضاعفٍ مجزومٍ اتِّصل به ضمير المُذكَّر مراعاةً للواو التي توجبها ضمَّة الهاء بعدها لخفاء الهاء، وكأنَّ ما قبلها وليه (١) الواو، ولا يكون ما قبل الواو إلَّا مضمومًا، كما فتحوها مع هاء المُؤنَّث نحو: «نردَّها» مراعاةً للألف، ولم يحفظ سيبويه في نحو هذا إلَّا الضَّمَّ، كما أفاده السَّمين، وصرَّح جماعةٌ منهم ابن الحاجب: بأنَّه مذهب البصريِّين، وجُوِّز الكسر أيضًا، وهو أضعفها، فصار فيها ثلاثة أوجهٍ، وللحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «لم نردُدْهُ» بفكِّ الإدغام، فالدَّال الأولى: مضمومةٌ، والثَّانية: مجزومةٌ، وهو واضحٌ، والمعنى: أنَّا لم نردَّه (عَلَيْكَ) لعلَّةٍ من العلل (إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ) بفتح الهمزة وضمِّ الحاء والرَّاء، أي: إلَّا لأنَّا محرمون، زاد صالح بن كيسان عند النَّسائيِّ: «لا نأكل الصَّيد»، وفي رواية شعبة عن ابن عبَّاسٍ: «لولا أنَّا محرمون لقبلناه منك» وهذا يقتضي تحريم أكل المحرم لحم الصَّيد مطلقًا، سواءٌ صِيد له أو بأمره، وهو مذهبٌ نُقِل عن جماعةٍ من السَّلف؛ منهم: عليُّ بن أبي طالبٍ، وابن عبَّاسٍ، وابن عمر، والذي عليه أكثر علماء الصَّحابة والتَّابعين التَّفرقةُ بين ما صاده أو صِيد له حلالٌ (٢)، وأوَّلوا حديث الصَّعب بأنَّه ﷺ إنَّما ردَّه عليه لما ظنَّ أنَّه صِيد من أجله، وبه يقع الجمع بين حديث الصَّعب وحديث جابرٍ: «لحم الصَّيد لكم في الإحرام حلالٌ ما لم تصيدوه أو يُصادَ (٣) لكم»، وحديث أبي قتادة السَّابق [خ¦١٨٢٤] ولا يُقال: إنَّه منسوخٌ بحديث الصَّعب؛ لأنَّ حديث أبي قتادة كان عام الحديبية، وحديث الصَّعب كان في حجَّة الوداع لأنَّا نقول: إنَّ النَّسخ إنَّما يُصار إليه إذا تعذَّر الجمع، كيف والحديث المتأخِّر محتملٌ لا دلالة فيه على الحرمة العامَّة صريحًا ولا ظاهرًا حتَّى يعارض الأوَّل فينسخه؟ وقول العلَّامة ابن الهمام في «فتح القدير»: أمَّا كون حديث الصَّعب كان في حجَّة الوداع فلم يثبت عندنا، وإنَّما ذكره الطَّبريُّ وبعضهم، ولم نعلم لهم فيه ثبتًا صحيحًا، وأمَّا حديث أبي قتادة فإنه وقع في «مسند عبد الرَّزَّاق» عنه: انطلقنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية فأحرم أصحابه ولم أُحرِم،
стр. 4111
ففي «الصَّحيحين» عنه خلاف ذلك، وهو ما رُوِي عنه [خ¦١٨٢٤] أنَّ رسول الله ﷺ خرج حاجًّا فخرجوا معه، فصرف طائفةً فيهم (١) أبو قتادة … الحديثَ، ومعلومٌ أنَّه ﵊ لم يحجَّ بعد الهجرة إلَّا حجَّة الوداع. انتهى. يُقال عليه: قد ثبت في «البخاريِّ» في «باب جزاء الصَّيد» [خ¦١٨٢١] عن عبد الله بن أبي قتادة قال: انطلق أبي عام الحديبية فأحرمَ أصحابُه ولم يُحْرِم … الحديثَ، وكذا في «باب إذا رأى المُحْرِمون صيدًا فضحكوا» [خ¦١٨٢٢] وأمَّا قوله في الحديث الذي ساقه: خرج حاجًّا فقد سبق أنَّه من المجاز، وأنَّ المراد أنَّه خرج معتمرًا، أو المراد معنى الحجِّ في الأصل؛ وهو قصد البيت (٢) أي: خرج قاصدًا البيت (٣)، أو الرَّاوي (٤) أراد: خرج محرمًا، فعبَّر عن الإحرام بالحجِّ غلطًا منه كما مرَّ تقديره (٥). وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الهبة» [خ¦٢٥٧٣]، ومسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (مَا يَقْتُلُ المُحْرِمُ مِنَ الدَّوَابِّ) جمع دابَّةٍ، وأصلها: داببَةٌ، فأُدغِمت إحدى الباءين في الأخرى؛ وهو اسمٌ لكلِّ حيوانٍ لأنَّه يدبُّ على وجه الأرض، والهاء للمبالغة، ثمَّ نقله العرف العامُّ إلى ذوات (٦) القوائم الأربع من الخيل والبغال والحمير، ويُسمَّى هذا: منقولًا عرفيًّا، ولو عبَّر بالحيوان لكان يشمل الغراب والحدأة المذكورين في الحديث، لكنَّه نظر إلى جانب الأكثر.
стр. 4112
١٨٢٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر بن الخطَّاب (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ) بالرَّفع على الابتداء، نكرةٌ تخصَّصت بتاليها، وخبره: (لَيْسَ عَلَى المُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ) أي: إثمٌ أو حرجٌ، و «جناحٌ» بالرَّفع: اسم «ليس» مُؤخَّرًا، وهذا الحديث ساقه المؤلِّف مختصرًا، وأحال به على طريق سالمٍ، وهو في «المُوطَّأ»، وتمامه: «الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور».
(وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) عُطِف على «نافع» أي: قال مالكٌ: عن عبد الله بن دينارٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ) ومقوله محذوفٌ، وتمامه في «مسلمٍ»: «خمسٌ من قتلهنَّ وهو حرامٌ فلا جناح عليه فيهنَّ؛ الفأرة والعقرب والكلب العقور والحُدَيَّا (١) والغراب (٢)».
١٨٢٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح المُوحَّدة ابن حرمل الجشميِّ الكوفيِّ، وليس له في الصَّحيح روايةٌ عن غير ابن عمر، ولا له فيه إلَّا هذا الحديث، وآخر تقدَّم في «المواقيت» [خ¦١٥٢٢] أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: حَدَّثَتْنِي إِحْدَى نِسْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) هي حفصة كما بيَّنها في رواية سالمٍ التَّالية [خ¦١٨٢٨] وجهالة عين الصَّحابيِّ لا تضرُّ لأنَّهم كلَّهم عدولٌ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه قال: (يَقْتُلُ المُحْرِمُ) اقتصر منه على هذا إحالةً على الطَّريق اللَّاحقة.
стр. 4113
١٨٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ) بالصَّاد المهملة والغين المعجمة، ولأبي ذرٍّ: «أصبغ بن الفرج» (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمٍ) هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄: قَالَتْ حَفْصَةُ) بنت عمر بن الخطَّاب، زوج النَّبيِّ ﷺ ، سمَّى سالمٌ ما أبهمه زيدٌ، وقد خالف زيدٌ نافعًا وعبد الله بن دينارٍ في إدخال الواسطة هنا بين ابن عمر وبين (١) النَّبيِّ ﷺ ، ووافق سالمًا كما ترى، وقد وقع في بعض طرق نافعٍ عن ابن عمر: سمعت النَّبيَّ ﷺ ، وهو يرفع ما يوهمه إدخال الواسطة هنا من أنَّ ابن عمر لم يسمع هذا الحديث من النَّبيِّ ﷺ : (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَا حَرَجَ) لا إثم (عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ) مطلقًا في حلٍّ ولا حرمٍ: (الغُرَابُ وَالحِدَأَةُ) بكسر الحاء وفتح الدَّال المهملتين مهموزًا، ولأبي ذرٍّ: «والحدأ» (٢) (وَالفَأْرَةُ وَالعَقْرَبُ وَالكَلْبُ العَقُورُ).
١٨٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي الوقت: «حدَّثني» بالإفراد (يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) الجعفيُّ الكوفيُّ أبو سعيدٍ نزيل مصر (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يَقْتُلُهُنَّ) المرء (فِي الحَرَمِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «يُقتَلْن» بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه وسكون رابعه من غير هاءٍ، وقوله: «فاسقٌ»: صفةٌ
стр. 4114
لـ «كلُّ» مُذكَّر، و «يُقتَلن» (١): فيه ضميرٌ راجعٌ إلى معنى «كلُّ»، وهو جمعٌ، وهو تأكيد «خمس» (٢)، قاله في التَّنقيح كما في غير نسخةٍ منه، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّ الصَّواب أن يُقال: «خمسٌ» مبتدأٌ، وسَوَّغَ الابتداءَ به مع كونه نكرةً وصفُه، و «من الدَّوابَّ»: في محلِّ رفعٍ أيضًا على أنَّه صفةٌ أخرى لـ «خمس»، وقوله: «يُقتلَن» جملةٌ فعليَّةٌ في محلِّ رفعٍ على أنَّها خبرُ المبتدأ الذي هو «خمسٌ»، وأمَّا جعل «كلُّهنَّ» تأكيدًا لـ «خمسٌ» فممَّا يأباه البصريُّون، وجعل «فاسقٌ» صفةً لـ «كلُّ» خطأٌ ظاهرٌ، والضَّمير في «يُقتلَن» عائدٌ على «خمسٌ» لا على «كلُّ» إذ هو خبره، ولو جُعِل خبر «كلُّ» امتنع الإتيان بضمير الجمع لأنَّه لا يعود عليها الضَّمير من خبرها إلَّا مفردًا مُذكَّرًا على لفظها، على ما صرَّح به ابن هشامٍ في «المغني». انتهى. وعبَّر بقوله: «فاسقٌ» بالإفراد، ورواية مسلمٍ: فواسق بالجمع؛ وذلك أنَّ «كلُّ» اسمٌ موضوعٌ لاستغراق أفراد المُنكَّر نحو: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] والمُعرَّف المجموع نحو: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٣)﴾ [مريم: ٩٥] وأجزاء المفرد المُعرَّف نحو: كلُّ زيدٍ حسنٌ، فإذا قلت: أكلت كلَّ رغيفٍ لزيدٍ كانت لعموم الأفراد، فإن أضفت الرَّغيف إلى زيدٍ صارت لعموم أجزاء فردٍ واحدٍ، ولفظ «كلُّ» مفرد مُذكَّرٌ، ومعناه بحسب ما يُضاف إليه، فإن أُضيف إلى معرفةٍ؛ فقال ابن هشامٍ في «المغني»: فقالوا: يجوز مراعاة لفظها ومراعاة معناها نحو: كلُّهم قائمٌ أو قائمون، وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا. لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا. وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥] فراعى اللَّفظ أوَّلًا والمعنى آخرًا، والصَّواب: أنَّ الضَّمير لا يعود إليها من خبرها إلَّا مفردًا مُذكَّرًا على لفظها نحو: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ … ﴾ الآيةَ (٤)، ومن ذلك: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ (٥) [الإسراء: ٣٦] وفي الآية حذفُ مضافٍ وإضمارٌ لما دلَّ عليه المعنى لا اللَّفظ، أي: إنَّ كلَّ أفعال هذه الجوارح كان المُكلَّف
стр. 4115
مسؤولًا عنه. انتهى. وقد وقع في «البخاريِّ» في «كتاب الاعتصام بالسُّنَّة» في «باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ » [خ¦٧٢٨٠] «كلُّ أمَّتي يدخلون الجنَّة إلَّا من أبى» قالوا: ومن يأبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنَّة، ومن عصاني فقد أبى» فقد (١) أعاد الضَّمير من خبر «كلُّ» المضافة إلى معرفةٍ غير مفردٍ، وهذا الحديث فيه الأمران ولا يتأتَّى فيه ما ذكره من الجواب عن الآية، وذلك لأنَّه قال: «كلُّهنَّ فاسقٌ» بالإفراد، ثمَّ قال: «يُقتَلن»، وأمَّا تسمية هؤلاء المذكورات: فواسق؛ فقال النَّوويُّ: هي تسميةٌ صحيحةٌ جاريةٌ على وفاق (٢) اللُّغة، فإنَّ أصل الفسق: الخروجُ، فهو خروجٌ مخصوصٌ، والمعنى في وصف هذه بالفسق: لخروجها عن حكم غيرها بالإيذاء والإفساد وعدم الانتفاع، وقِيل: لأنَّها عمدت إلى حبال سفينة نوحٍ فقطعتها، وقيل: غير ذلك.
(الغُرَابُ) وهو ينقر ظهر البعير وينزع عينه ويختلس (٣) أطعمة النَّاس، كما في «الكِرمانيِّ» (٤)، زاد في رواية سعيد بن المُسيَّب عن عائشة: «الأبقع» وهو الذي في ظهره وبطنه بياضٌ، وقِيل: سُمِّي غرابًا لأنَّه نأى واغترب لمَّا أنفذه (٥) نوحٌ ﵇ يستخبر (٦) أمر الطُّوفان.
(وَالحِدَأَةُ) بكسر الحاء وفتح الدَّال المهملتين مهموزٌ، وفي الفرع: بسكون الدَّال؛ وهي أخسُّ الطَّير وتخطف أطعمة النَّاس.
(وَالعَقْرَبُ) واحدة العقارب، وهي مُؤنَّثةٌ، والأنثى: عقربةٌ وعقرباء ممدودٌ (٧) غير مصروفٍ، ولها ثماني أرجلٍ، وعيناها في ظهرها، تلدغ وتؤلم إيلامًا شديدًا، وربَّما لسعت الأفعى فتموت، ومن عجيب أمرها: أنَّها مع صغرها تقتل الفيل والبعير بلسعتها، وأنَّها لا تضرب
стр. 4116
الميت ولا النَّائم حتَّى يتحرَّك شيءٌ من بدنه فتضربه عند ذلك، وتأوي إلى الخنافس وتسالمها (١)، وفي «ابن ماجه» عن عائشة قالت: لدغت (٢) النَّبيَّ ﷺ عقربٌ وهو في الصَّلاة، فلمَّا فرغ قال: «لعن الله العقرب ما تدع مصلِّيًا ولا غيره، اقتلوها في الحلِّ والحرم».
(وَالفَأْرَةُ) بهمزةٍ ساكنةٍ، والمراد: فأرة البيت؛ وهي الفويسقة، وروى الطَّحاويُّ في «أحكام القرآن»: عن يزيد بن أبي نُعيمٍ: أنَّه سأل أبا سعيدٍ الخدريَّ: لِمَ سُمِّيت الفأرة الفويسقة؟ قال: استيقظ النَّبيُّ ﷺ ذات ليلةٍ وقد أخذت فأرةٌ فتيلةً لتحرق على رسول الله ﷺ البيت، فقام إليها وقتلها (٣)، وأحلَّ قتلها للحلال والمحرم. وفي «سنن أبي داود» عن ابن عبَّاسٍ قال: جاءت فأرةٌ فأخذت تجرُّ الفتيلة، فجاءت بها فألقتها بين يدي رسول الله ﷺ على الخمرة التي كان قاعدًا عليها، فأحرقت منها موضع درهمٍ، زاد الحاكم: فقال ﷺ : «فأطفئوا سرجكم؛ فإنَّ الشَّيطان يدلُّ مثل هذه على هذا فتحرقكم» ثمَّ قال: صحيح الإسناد. وليس في الحيوان أفسد من الفأر، لا يبقي على (٤) خطيرٍ (٥) ولا جليلٍ إلَّا أهلكه وأتلفه.
(وَالكَلْبُ العَقُورُ) الجارح، وهو معروفٌ، واختُلِف في غير العقور ممَّا لم يُؤمَر باقتنائه، فصرَّح بتحريم قتله القاضيان حسينٌ والماورديُّ وغيرهما، وفي «الأمِّ» للشَّافعيِّ: الجواز، واختلف كلام النَّوويِّ: فقال في «البيع» من «شرح المُهذَّب»: لا خلاف بين أصحابنا في أنَّه محترمٌ لا يجوز قتله، وقال في «التَّيمُّم» و «الغصب»: إنَّه غير محترمٍ، وقال في «الحجِّ»: يُكرَه قتله كراهة تنزيهٍ، وعلى كراهة قتله اقتصر الرَّافعيُّ، وتبعه في «الرَّوضة»، وزاد: أنَّها كراهة تنزيهٍ، وقال السَّرَقُسْطِيُّ في «غريبه»: الكلب العقور يُقال: لكلِّ عاقرٍ حتَّى اللِّصِّ المقاتل، وقِيل: هو الذِّئب، وعن أبي هريرة: أنَّه الأسد، قاله (٦) السَّرَقُسْطِيُّ، والتَّقييد بالخمس وإن كان مفهومه اختصاص المذكورات بالحكم لكنَّه مفهوم عددٍ، وليس بحجَّةٍ عند الأكثر، وعلى تقدير
стр. 4117
اعتباره فيحتمل أن يكون قاله ﷺ أوَّلًا ثمَّ بيَّن أنَّ غير الخمس يشترك معها في الحكم، ففي بعض طرق عائشة عند مسلمٍ: «أربعٌ» فأسقط «العقرب»، وفي بعضها: «ستٌّ» وهو عند أبي عَوانة في «المستخرج»، فزاد: «الحيَّة»، وفي حديث أبي هريرة عند ابن خزيمة زيادة ذكر: الذِّئب والنَّمر على الخمس المشهورة، فتصير بهذا الاعتبار سبعًا، لكن أفاد ابن خزيمة عن الذُّهليِّ: أنَّ ذكر الذِّئب والنَّمر من تفسير الرَّاوي للكلب العقور، وفيه: التَّنبيه بما ذكر على جواز قتل كلِّ مضرٍّ من فهدٍ وصقرٍ وأسدٍ وشاهين وباشقٍ وزنبورٍ وبرغوثٍ وبقٍّ وبعوضٍ ونسرٍ.
وفي حديث الباب: رواية التَّابعيِّ عن التَّابعيِّ، والصَّحابيِّ عن الصَّحابيَّة، والأخ عن أخته.
١٨٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) بكسر الغين المعجمة آخره مُثلَّثةٌ، و «عُمر»: بضمِّ العين، قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصٌ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد النَّخعيُّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد النَّخعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) هو ابن مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) ولأبي الوقت: «بينا» (نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَارٍ بِمِنًى) أي: ليلة عرفة كما عند الإسماعيليِّ من طريق ابن نُميرٍ عن حفص بن غياثٍ (إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِ) -صلاة الله وسلامه عليه- سورةُ (﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾) فاعل «نزل»، والفعل إذا أُسنِد إلى مُؤنَّثٍ غير حقيقيٍّ يجوز تذكيره وتأنيثه (وَإِنَّهُ) ﵊ (لَيَتْلُوهَا، وَإِنِّي لأَتَلَقَّاهَا) أي: أتلقَّنها وآخذها (مِنْ فِيهِ) أي: فمه الكريم (وَإِنَّ فَاهُ) فمه (لَرَطْبٌ بِهَا) أي: لم يجفَّ ريقه بها (إِذْ وَثَبَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لمن معه من أصحابه: (اقْتُلُوهَا) وفي رواية (١) مسلمٍ وابن خزيمة واللَّفظ له: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر محرمًا بقتل
стр. 4118
حيَّةٍ في الحرم بمنًى (فَابْتَدَرْنَاهَا) أي: أسرعنا إليها (فَذَهَبَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وُقِيَتْ) بضمِّ الواو وكسر القاف مُخفَّفةً، أي: حُفِظت ومُنِعت (شَرَّكُمْ) نَصب مفعولٍ ثانٍ لـ «وُقِيت»، وكذا قوله: (كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا) أي: لم يلحقها ضرركم كما لم يلحقكم شرُّها، وهو من مجاز المقابلة.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٩٣٤]، ومسلمٌ في «الحيوان» و «الحجِّ»، والنَّسائيُّ في «الحجِّ» و «التَّفسير».
١٨٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِلْوَزَغِ) بفتح الواو وفتح (١) الزَّاي آخره غينٌ معجمةٌ، واللَّام فيه بمعنى: «عن» أي: قال عن الوزغ: (فُوَيْسِقٌ) بالتَّنوين مع ضمٍّ مُصغَّرًا للتَّحقير والذَّمِّ، واتَّفقوا على أنَّه من الحشرات المؤذيات، قالت عائشة: (وَلَمْ أَسْمَعْهُ) ﵊ (أَمَرَ بِقَتْلِهِ) قضيَّة تسميته إيَّاه فويسقًا أن (٢) يكون قتله مباحًا، وكون عائشة لم تسمعه لا يدلُّ على منعه، فقد سمعه غيرها، وفي «الصَّحيحين» و «النَّسائيِّ» و «ابن ماجه» عن أمِّ شريكٍ: أنَّها استأمرت النَّبيَّ ﷺ في قتل الوزغِ فأمرها بذلك، وفي «الصَّحيحين» أيضًا: أنَّه ﷺ أمر بقتل الوزغ، وسمَّاه فويسقًا، وفي «مسلمٍ» عن أبي هريرة ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من قتل وزغةً من أوَّل ضربةٍ فله كذا وكذا حسنةً، ومن قتلها في الضَّربة الثَّانية فله كذا وكذا حسنةً، دون الأولى»، وفي «الطَّبرانيِّ» من حديث ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: «اقتلوا الوزغ ولو في جوف الكعبة»، لكنَّ في إسناده عمر بن قيسٍ المكِّيَّ، وهو ضعيفٌ، ومن غريب (٣) أمر الوزغ ما قيل: إنَّه يقيم في جُحْرِهِ من
стр. 4119
الشِّتاء أربعة أشهرٍ لا يطعم شيئًا، ومن طبعه: ألَّا يدخل بيتًا فيه رائحة زعفران (١)، وقد وقع في رواية أبوي ذرٍّ والوقت هنا: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريُّ: «إنَّما أردنا بهذا» أي: بحديث ابن مسعودٍ «أنَّ منًى من الحرم، وأنَّهم لم يروا بقتل الحيَّة» التي وثبت عليهم في الغار «بأسًا» كذا وقع سياق هذا آخر الباب في الفرع، ومحلُّه عقب حديث ابن مسعودٍ على ما لا يخفى.
(٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يُعْضَدُ) بضمِّ أوَّله وسكون المهملة وفتح المعجمة مبنيًّا للمفعول، أي: لا يُقطَع (شَجَرُ الحَرَمِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄¬) ممَّا وصله المؤلِّف في الباب التَّالي [خ¦١٨٣٣] (عَنِ النَّبيِّ ﷺ : لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ).
١٨٣٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ) بضمِّ الشِّين المعجمة وفتح الرَّاء وبالحاء المهملة، قِيل: اسمه خويلدٌ، وقِيل: عمرو بن خالدٍ، وقِيل: كعب بن عمرٍو الخزاعيِّ (العَدَوِيِّ) ليس هو من بني عديٍّ، لا عديِّ قريشٍ ولا عديِّ مضر، ويحتمل أن يكون حليفًا لبني عديِّ بن كعبٍ، وقِيل: في خزاعة بطنٌ يُقال لهم: بنو عديٍّ (أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ) أي: ابن العاص بن سعيد بن العاص بن أميَّة، المعروف
стр. 4120
بالأشدق لأنَّه صعد المنبر فبالغ في شتم عليٍّ ﵁ فأصابته لَقْوَةٌ، وكان يزيد بن معاوية ولَّاه (١) المدينة، قال الطَّبريُّ: كان قدومه واليًا على المدينة من قِبل يزيد في السَّنة التي ولي فيها يزيد الخلافة سنة ستِّين (وَهُوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ) جملةٌ حاليَّةٌ، و «البعوث»: جمع بعثٍ؛ وهو الجيش؛ بمعنى: مبعوثٍ، وهو من تسمية المفعول بالمصدر، والمراد به الجيش المُجهَّز لقتال عبد الله بن الزُّبير لأنَّه لمَّا امتنع من بيعة يزيد وأقام بمكَّة، كتب يزيد إلى عمرو بن سعيدٍ أن يوجِّه إلى ابن الزُّبير جيشًا، فجهَّز إليه جيشًا وأمَّر عليهم عمرو بن الزُّبير أخا عبد الله، وكان معاديًا لأخيه، فجاء مروان إلى عمرو بن سعيدٍ فنهاه عن ذلك فامتنع، وجاءه أبو شريحٍ فقال له: (إيذَنْ لِي) أصله: «اِئذن لي» بهمزتين فقُلِبت الثَّانية ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها، يا (-أَيُّهَا الأَمِيرُ- أُحَدِّثْكَ) بالجزم (قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) جملةٌ في موضع نصبٍ صفةٌ لـ «قولًا» المنصوب على المفعوليَّة (الغَدَ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة، أي: اليوم الثَّاني (مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ) لمكَّة، ولغير أبي الوقت (٢): «للغد» بلام الجرِّ (فَسَمِعَتْهُ أُذُنَايَ) منه من غير واسطةٍ (وَوَعَاهُ قَلْبِي) أي: حَفِظَهُ إشارةً إلى تحقُّقه وتثبُّته فيه (وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ) زيادةٌ في مبالغة التَّأكيد لتحقُّقه (٣) (حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ) أي: بالقول المذكور، وأشار بذلك إلى أنَّ سماعه منه لم يكن مقتصرًا على مجرَّد الصَّوت، بل كان مع المشاهدة والتَّحقُّق (٤) لما قاله: (إِنَّهُ حَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ) بيانٌ لقوله: «تكلَّم»، وهمزة «إنَّه» مكسورةٌ في الفرع (ثُمَّ قَالَ: إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ) أي: حكم بتحريمها (٥) وقضى به، وهل المراد مطلق التَّحريم فيتناول كلَّ محرَّماتها (٦)، أو خصوص ما ذكره بعد من سفك الدَّم وقطع الشَّجر؟ (وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ) نفيٌ لما كان يعتقده الجاهليَّة وغيرهم من أنَّهم حرَّموا وحلَّلوا (٧) من قِبل أنفسهم، ولا منافاة بين هذا وبين حديث جابرٍ المرويِّ في «مسلمٍ»: «إنَّ إبراهيم حرَّم مكَّة وأنا حرَّمت المدينة» لأنَّ إسناد التَّحريم إلى إبراهيم من حيث إنَّه مبلِّغه، فإنَّ الحاكم بالشَّرائع
стр. 4121
والأحكام كلِّها هو الله تعالى، والأنبياء يبلِّغونها، ثمَّ إنَّها كما تُضاف إلى الله من حيث إنَّه الحاكم بها تُضاف إلى الرُّسل لأنَّها تُسمَع منهم وتظهر على لسانهم، فلعلَّه لمَّا رُفِع البيت المعمور إلى السَّماء وقت الطَّوفان اندرست حرمتها وصارت شريعةً متروكةً منسيَّةً، إلى أن أحياها إبراهيم ﵇، فرفع قواعد البيت ودعا النَّاس إلى حجِّه، وحدَّ الحرم وبيَّن حرمته، ثمَّ بيَّن التَّحريم بقوله: (فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ) قال ابن دقيق العيد: هذا الكلام من باب خطاب التَّهييج، وأنَّ مقتضاه أنَّ استحلال هذا المنهيِّ عنه لا يليق بمن يؤمن بالله واليوم الآخر، بل ينافيه، فهذا هو المقتضي لذكر هذا الوصف، لا أنَّ (١) الكفَّار ليسوا مخاطبين بفروع الشَّريعة، ولو قِيل: لا يحلُّ لأحدٍ مطلقًا لم يحصل منه (٢) الغرض، وخطاب التَّهييج معلومٌ عند علماء البيان (٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] إلى غير ذلك (أَنْ يَسْفُِكَ بِهَا) (٤) بكسر الفاء، ويجوز ضمُّها، أي: أن يصيب بمكَّة (دَمًا) بالقتل الحرام (وَلَا يَعْضُدَ) بضمِّ الضَّاد، ولأبي ذرٍّ: «ولا يعضِد» بكسرها، أي: لا يقطع (بِهَا) أي: في مكَّة (شَجَرَةً) وفي رواية عمر (٥) بن شبَّة: «ولا يخضد» بالخاء المعجمة بدل العين المهملة، وهو يرجع إلى معنى العضد لأنَّ الخضد: الكسرُ، ويُستعمَل في القطع، وكلمة: «لا» في: «ولا يعضد» زائدةٌ لتأكيد النَّفي، ويُؤخَذ منه: حرمة قطع شجر الحرم الرَّطب غير المؤذي، مباحًا أو مملوكًا، حتَّى ما يُستنبَت منه، وإذا حَرُم القطع فالقلع أَولى، وقِيس بمكَّة باقي الحرم (فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ) بوزن «تفعَّل» من الرُّخصة، و «أحدٌ»: مرفوعٌ بفعلٍ مُضمَرٍ يفسِّره ما بعده؛ أي فإن ترخَّص أحدٌ (لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) متعلِّقٌ بقوله: ترخَّص، أي: لأجل قتال رسول الله ﷺ (٦) أي: مستدلًّا به (فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللهَ) (أَذِنَ لِرَسُولِهِ ﷺ ¬) خصوصيَّةً له (وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا
стр. 4122
أَذِنَ) الله (لِي) بالقتال فيها (سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) ما بين طلوع الشَّمس وصلاة العصر، فكانت مكَّة في حقِّه ﵊ في تلك السَّاعة بمنزلة الحلِّ (وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ) أي: عاد تحريمها كما كانت بالأمس قبل يوم الفتح حرامًا، زاد في حديث ابن عبَّاسٍ الآتي -إن شاء الله تعالى- بعد بابٍ [خ¦١٨٣٤]: «فهو حرامٌ بحرمة الله إلى يوم القيامة» (وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ) الحاضرُ (الغَائِبَ) نُصِب على المفعوليَّة.
(فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ) المذكور: (مَا قَالَ لَكَ عَمْرٌو) المذكور في الجواب؟ فقال: (قَالَ) عمرٌو: (أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ) المذكور، وهو أنَّ مكَّة حرَّمها الله … إلى آخره، (مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ) يعني: أنَّك قد صحَّ سماعك ولكنَّك لم تفهم المراد (إِنَّ الحَرَمَ لَا يُعِيذُ) بالذَّال المعجمة، أي: لا يجير (عَاصِيًا) يشير إلى عبد الله بن الزُّبير لأنَّ عمرو بن سعيدٍ كان يعتقد أنَّه عاص بامتناعه من (١) امتثال أمر يزيد لأنَّه كان يرى وجوب طاعته، لكنَّها دعوى من عمرٍو بغير دليلٍ لأنَّ ابن الزُّبير لم يجب عليه حدٌّ فعاذ بالحرم فرارًا منه حتَّى يصحَّ (٢) جواب عمرٍو (وَلَا فَارًّا) بالفاء من الفرار؛ أي (٣): ولا هاربًا (بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخَُرْبَةٍ) بضمِّ الخاء المعجمة وفتحها وسكون الراء وفتح المُوحَّدة، أي: بسبب خربةٍ، ثمَّ فسرَّها بقوله: (خَرْبَةٌ: بَلِيَّةٌ) وهو تفسيرٌ من الرَّاوي، لكن في بعض النُّسخ: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريُّ: «خربةٌ: بليَّةٌ» فهو من تفسير (٤) المؤلِّف.
وهذا الحديث سبق في «كتاب العلم» في «باب ليبلِّغ الشَّاهدُ الغائبَ» [خ¦١٠٤] مع تفاسير أخر للخربة، وفي «القاموس»: الخَرْبَة: العيب والعورة والذِّلَّة (٥)، وليس كلام عمرو بن سعيدٍ هذا حديثًا يُحتَجُّ به، وفي رواية أحمد في آخر هذا الحديث: قال أبو شريحٍ: فقلت لعمرٍو: قد كنتُ شاهدًا وكنتَ غائبًا، وقد أمرنا أن يبلِّغ شاهدُنا غائبنا، وقد بلَّغتك، وهو يُشعِر بأنَّه لم يوافقه، فيندفع قول ابن بطَّالٍ: إنَّ سكوت أبي شريحٍ عن جواب عمرٍو دليلٌ على أنَّه رجع (٦) إليه في
стр. 4123
التَّفصيل المذكور، بل إنَّما ترك أبو شريحٍ مشاققته لعجزه عنه لِما كان فيه من قوَّة الشَّوكة.
(٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يُنَفَّرُ صَيْدُ الحَرَمِ) أي: لا يُزعَج عن موضعه، فإن نفَّره عصى، سواءٌ تلف أم لا، فإن تلف في نفاره قبل سكونه ضمن، وإلَّا فلا.
١٨٣٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) الزَّمِن قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ) يوم خلق السَّموات والأرض (فَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي) أخبر عن الحكم في ذلك، لا الإخبار بما سيقع لوقوع خلاف ذلك في الشَّاهد كما وقع ذلك (١) من الحَجَّاج وغيره (وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي) بضمِّ الهمزة وكسر المهملة، أي: أن أقاتل فيها (سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) هي ساعة الفتح (لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا) بضمِّ الياء وسكون الخاء المعجمة وفتح الفوقيَّة واللَّام، و «الخَلا»: بفتح المعجمة، مقصورًا: الكلأ الرَّطِب، أي: لا يُجَزُّ ولا يُقلَع كلؤها الرَّطب، وقلع يابسه إن لم يمت، ويجوز قطعه، فلو قلعه (٢) لزمه الضَّمان لأنَّه لو لم يقلعه لنبت ثانيًا، فلو أخلف ما قطعه من الأخضر فلا ضمان لأنَّ الغالب هنا (٣) الإخلاف، وإن لم يخلف ضمنه بالقيمة، ويجوز رعي حشيش الحرم بل وشجره -كما نصَّ عليه في «الأمِّ» - بالبهائم لأنَّ الهدايا كانت تُساق في عصره ﷺ وأصحابه ﵃، وما كانت تسدُّ أفواهها بالحرم، وروى الشَّيخان [خ¦١٨٥٧] من حديث ابن عبَّاسٍ قال: أقبلت راكبًا على أتانٍ، فوجدت النَّبيَّ ﷺ يصلِّي بالنَّاس بمنًى
стр. 4124
إلى غير جدارٍ، فدخلت في الصَّفِّ وأرسلت الأتان ترتع، ومنًى من الحرم، وكذا يجوز قطعه للبهائم والتَّداوي كالحنظل، ولا يقطع لذلك إلَّا بقدر الحاجة كما قاله ابن كجٍّ، ولا يجوز قطعه للبيع ممَّن يعلف به -كما في «المجموع» - لأنَّه كالطَّعام الذي أُبيح أكله لا يجوز بيعه.
(وَلَا يُعْضَدُ) أي: لا يُقطَع (شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا) أي: لا يجوز لمحرمٍ ولا حلالٍ، فلو نفَّر من الحرم صيدًا فهو من ضمانه وإن لم يقصد تنفيره كأن عثر فهلك بتعثُّره، أو أخذه سبعٌ أو انصدم بشجرةٍ أو جبلٍ، ويمتدُّ ضمانه حتَّى يسكن على عادته، لا إن هلك قبل سكونه بآفةٍ سماويَّةٍ لأنَّه لم يُتلَف في يده ولا بسببه، ولا إن هلك بعده مطلقًا (وَلَا تُلْتَقَطُ) بضمِّ أوَّله (لُقَطَتُهَا) بفتح القاف في الفرع، وهو الذي يقوله المحدِّثون، قال القرطبيُّ: وهو غلطٌ عند أهل اللِّسان لأنَّه بالسُّكون: ما يُلتقَط، وبالفتح: الأخذ، وقال في «القاموس»: واللَّقَطُ مُحرَّكةً، وكحُزْمةٍ وهُمَزةٍ وثُمَامةٍ: ما التُقِط، وقال النَّوويُّ: اللُّغة المشهورة: فتحها، أي: لا يجوز التقاطها (إِلَّا لِمُعَرِّفٍ) يعرِّفها، ثمَّ يحفظها لمالكها ولا يتملَّكها كسائر اللُّقطات في غيرها من البلاد، فالمعنى: عرِّفها ليتعرَّف (١) مالكها فيردَّها إليه، فكأنَّه يقول: إلَّا لمُجرَّد التَّعريف.
(وَقَالَ العَبَّاسُ) بن عبد المطَّلب: (يَا رَسُولَ اللهِ إِلَّا الإِذْخِرَ) بالهمزة المكسورة والذَّال السَّاكنة والخاء المكسورة المعجمتين: نبتٌ معروفٌ طيِّب الرَّائحة، وهو حَلْفاء مكة، فإنَّه (لِصَاغَتِنَا) جمع صائغٍ (وَقُبُورِنَا) نمهِّدها به ونسدُّ به فُرَجَ اللَّحد المتخلِّلة بين اللَّبنات، والمستثنى منه قوله: «لا يُختلَى خلاها» أي: ليكن هذا استثناءً من كلامك يا رسول الله، فيتعلَّق به من يرى انتظام الكلام من متكلِّمين، لكنَّ التَّحقيق في المسألة: أنَّ كلًّا من المتكلِّمين إذا كان ناويًا لما يلفظ به الآخر كان كلٌّ متكلِّمًا بكلامٍ تامٍّ، ولذا لم يكتف ﵊ بقول العبَّاس: «إلَّا الإذخر»، بل (فَقَالَ) (٢) هو أيضًا: (إِلَّا الإِذْخِرَُ) إمَّا بوحيٍ بواسطة جبريل نزل بذلك في طرفة عينٍ، واعتقاد أنَّ نزول جبريل يحتاج إلى أمدٍ متَّسعٍ وهمٌ وزللٌ، أو أنَّ الله نفث في روعه، وبهذا يندفع ما قاله المُهلَّب: إنَّ ما ذُكِر في الحديث من تحريمه ﵊ لأنَّه لو كان من تحريم الله ما استُبيح منه إذخرٌ ولا غيره، ولا ريب أنَّ كلَّ تحريمٍ وتحليلٍ فإلى الله حقيقةً،
стр. 4125
والنَّبيُّ ﷺ لا ينطق عن الهوى، فلا فرق بين إضافة التَّحريم إلى الله وإضافته إلى رسوله لأنَّه المبلِّغ، فالتَّحريم إلى الله حكمًا وإلى الرَّسول بلاغًا، و «الإذخرَُ»: بالنَّصب على الاستثناء، ويجوز رفعه على البدل لكونه واقعًا بعد النَّفي، لكنَّ المختار -كما قاله ابن مالكٍ- النَّصب؛ إمَّا لكون الاستثناء متراخيًا عن المستثنى منه، فتفوت المشاكلة بالبدليَّة، وإمَّا لكون المستثنى عَرَضَ في آخر الكلام، ولم يكن مقصودًا أوَّلًا.
(وَعَنْ خَالِدٍ) هو عطفٌ على قوله: حدَّثنا خالدٌ، داخلٌ في الإسناد السَّابق (عَنْ عِكْرِمَةَ) أنَّه (قَالَ) لخالدٍ: (هَلْ تَدْرِي مَا) الشَّيء الذي ينفِّر صيد مكَّة؟ أي: ما الغرض من قوله: (لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا؟ هُوَ) أي: التَّنفير (أَنْ يُنَحِّيَهُ) المنفِّر (مِنَ الظِّلِّ، يَنْزِلُ مَكَانَهُ) بصيغة الغائب، فيرجع الضَّمير للمنفِّر، والضَّمير في قوله: «مكانه» للصَّيد، ولأبي الوقت: «أن تنحِّيه من الظِّلِّ، تَنْزِلُ» بتاء الخطاب (١)، والجملة وقعت حالًا، والمراد بذلك: التَّنبيه على المنع من الإتلاف وسائر أنواع الأذى، وهو تنبيهٌ بالأدنى على الأعلى، فيحرُم التَّعرُّض لكلِّ صيدٍ برِّيٍّ وحشيٍّ مأكولٍ كبقر وحشٍ ودجاجةٍ وحمامةٍ، أو ما أحد أصليه برِّيٌّ وحشيٌّ مأكولٌ كمتولِّدٍ بين حمارٍ وحشيٍّ وحمارٍ أهليٍّ أو بين شاةٍ وظبيٍ، ويجب بإتلافه الجزاء لقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: ٩٥] كما مرَّ، وللسَّبب حكم المباشرة في الضَّمان، فمن نصب شبكةً وهو محرمٌ أو في الحرم ضمن ما وقع فيها وتلف، ولو نصبها وهو حلالٌ ثمَّ أحرم فلا ضمان، وكذا يحرم التَّعرُّض إلى جزء البرِّيِّ المذكور كلبنه وشعره وريشه بقطعٍ أو غيره، فإنَّه أبلغ من التَّنفير المذكور، وفارَقَ الشَّعرُ ورقَ أشجار الحرم -حيث لا يحرم التَّعرُّض له- بأنَّ جزَّه يضرُّ الحيوان في الحرِّ والبرد بخلاف الورق، فإن حصل مع تعرُّضه للَّبن نقصٌ في الصَّيد ضمنه (٢)، فقد سُئِل الشَّافعيُّ: عمَّن حلب عنزًا من الظَّبي وهو محرمٌ، فقال: تقوم العنز باللَّبن وبلا لبنٍ، وينظر نقص ما بينهما فيتصدَّق به، وقد خرج بالبرِّيِّ: البحريُّ؛ وهو ما لا يعيش إلَّا في البحر، فلا يحرم التَّعرُّض له وإن كان البحر في الحرم، وما يعيش في البرِّ والبحر برِّيٌّ تغليبًا للحرمة، وبالمأكول وما عُطِف عليه:
стр. 4126
ما لا يُؤكَل وما لا يكون في أصله ما ذكر، فمنه ما هو مؤذٍ فيُستحَبُّ قتله للمحرم وغيره؛ كنمرٍ ونسرٍ وبقٍّ وبرغوثٍ، ولو ظهر على المحرم قملٌ لم تُكرَه تنحيته، ومنه ما ينفع ويضرُّ؛ كفهدٍ وصقرٍ وبازٍ، فلا يُستحَبُّ قتله لنفعه؛ وهو تعلُّمه الاصطياد، ولا يُكرَه لضرره؛ وهو عَدْوُه على النَّاس والبهائم، ومنه ما لا يظهر فيه نفعٌ ولا ضررٌ؛ كسرطانٍ ورخمةٍ وجعلانٍ وخنافس، فيُكرَه قتله، ويحرم قتل النَّمل السُّليمانيِّ والنَّحل والخُطَّاف والهدهد والصُّرَد، وبالمتوحِّش: الأنسيُّ؛ كنَعَمٍ ودجاجٍ أنسيِّين.
(١٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يَحِلُّ القِتَالُ بِمَكَّةَ) أي: فيها (وَقَالَ) ولأبي الوقت: «قال» (أَبُو شُرَيْحٍ) خويلدٌ السَّابق (¬﵁¬) ممَّا وصله قبلُ [خ¦١٨٣٢] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : لَا يَسْفِكُ بِهَا) أي: بمكَّة (دَمًا).
١٨٣٤ - بالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عثمان بن محمَّد بن أبي شيبة، واسمه إبراهيم بن عثمان العبسيُّ الكوفيُّ، وهو أكبر من أخيه أبي بكر ابن أبي شيبة بثلاث سنين، قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ المفسِّر (عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) قال الحافظ ابن حجرٍ: كذا رواه
стр. 4127
منصور بن المعتمر موصولًا، وخالفه الأعمش فرواه عن مجاهدٍ عن النَّبيِّ ﷺ مرسلًا، أخرجه سعيد بن منصورٍ عن أبي معاوية عنه، وأخرجه أيضًا عن سفيان عن داود بن سابور مرسلًا، ومنصور ثقةٌ حافظٌ، فالحكم لوصله (يَوْمَ افْتَتَحَ مَكَّةَ) سنة ثمانٍ من الهجرة، و «يومَ»: بالنَّصب، ظرفٌ لـ «قال»، ومقول قوله: (لَا هِجْرَةَ) واجبةٌ من مكَّة إلى المدينة بعد الفتح لأنَّها صارت دار إسلامٍ، زاد في «كتاب الجهاد»: والهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام باقيةٌ إلى يوم القيامة (١) (وَلَكِنْ) لكم (جِهَادٌ) في الكفَّار (وَنِيَّةٌ) صالحةٌ في الخير، تحصِّلون بهما الفضائل التي في معنى الهجرة التي كانت مفروضةً لمفارقة الفريق الباطل -فلا يكثر سوادهم- ولإعلاء كلمة الله وإظهار دينه، قال أبو عبد الله الأبيُّ: اختُلِف في أصول الفقه في مثل هذا التَّركيب: -يعني: قوله: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهادٌ ونيَّةٌ» - هل هو لنفي الحقيقة أو لنفي صفةٍ من صفاتها كالوجوب وغيره؟ فإن كان لنفي الوجوب فهو يدلُّ على وجوب الجهاد على الأعيان لأنَّ المُستدرَك هو النَّفي، والمنفيُّ وجوب الهجرة على الأعيان، فيكون المُستدرَك وجوب الجهاد على الأعيان، وعلى أنَّ المنفيَّ في هذا التَّركيب الحقيقة، فالمعنى: أنَّ الهجرة بعد الفتح ليست بهجرةٍ، وإنَّما المطلوب (٢) الجهاد الطَّلب الأعمَّ من كونه على الأعيان أو على الكفاية، قال: والمذهب أنَّ الجهاد اليوم فرض كفايةٍ إلَّا أن يعيِّن الإمام طائفةً فيكون عليها فرض عينٍ. انتهى. وقوله: «جهادٌ»: رفعُ مبتدأٍ، خبره محذوفٌ مُقدَّمًا، تقديره كما سبق: لكم جهادٌ، وقال الطِّيبيُّ في «شرح مشكاته»: قوله: «ولكن جهادٌ ونيَّةٌ» عُطِف على محلِّ مدخول «لا»، والمعنى: أنَّ الهجرة من الأوطان إمَّا هجرةٌ إلى المدينة للفرار من الكفَّار ونصرة الرَّسول ﷺ ، وإمَّا إلى الجهاد في سبيل الله، وإمَّا إلى غير ذلك من تحصيل الفضائل كطلب العلم، فانقطعت الأولى وبقيت الأخريان، فاغتنمِوهما ولا تقاعدوا عنهما.
(وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا) بضمِّ التَّاء وكسر الفاء، «فانفِروا»: بهمزة وصلٍ مع كسر الفاء، أي: إذا دعاكم الإمام إلى الخروج إلى الغزو فاخرجوا إليه، وإذا علمتم ما ذكر (فَإِنَّ هَذَا بَلَدٌ
стр. 4128
حَرَّمَ اللهُ) ؛ بحذف الهاء، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «حرَّمه الله» (يَوْمَ خَلَقَ (١) السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) فتحريمه أمرٌ قديمٌ وشريعةٌ سالفةٌ مستمرَّةٌ، وحكمه تعالى قديمٌ لا يتقيَّد بزمانٍ، فهو تمثيلٌ في تحريمه بأقربِ متصوَّرٍ لعموم البشر؛ إذ ليس كلُّهم يفهم معنى تحريمه في الأزل، وليس تحريمه ممَّا أحدث النَّاس، والخليل ﵇ إنَّما أظهره مبلِّغًا عن الله لمَّا رفع البيت إلى السَّماء زمن الطَّوفان، وقِيل: إنَّه كتب في اللَّوح المحفوظ يوم خلق السَّموات والأرض: إنَّ الخليل ﵇ سيحرِّم مكَّة بأمر الله (وَهُوَ حَرَامٌ) بواو العطف (بِحُرْمَةِ اللهِ) أي: بسبب حرمة الله، أو متعلَّقُ الباء محذوفٌ، أي: متلبِّسًا ونحو ذلك، وهو تأكيدٌ للتَّحريم (إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ القِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ قَبْلِي) بـ «لم» الجازمة، والهاء: ضمير الشَّأن، وفي رواية غير (٢) الكُشْمِيْهَنِيِّ كما هو مفهوم عبارة «الفتح»: «وإنَّه لا يحلُّ» والأوَّل أنسب لقوله: «قبلي» (وَلَمْ يَحِلَّ لِي) القتال فيه (إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) خصوصيَّةً، ولا دلالة فيه على أنَّه ﵊ قاتل فيه وأخذه عنوةً، فإنَّ حِلَّ الشَّيء لا يستلزم وقوعه، نعم ظاهره تحريم القتال بمكَّة، قال الماورديُّ فيما نقله عنه النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»: من خصائص الحرم ألَّا يُحارَب أهلهُ، فإن بغوا على أهل العدل؛ فقد قال بعض الفقهاء: يحرم قتالهم، بل يُضيَّق عليهم حتَّى يرجعوا إلى الطَّاعة ويدخلوا في أحكام أهل العدل، وقال الجمهور: يُقاتَلون على بغيهم إذا لم يمكن ردُّهم عن البغي إلَّا بالقتال لأنَّ قتال البغاة من حقوق الله تعالى التي لا يجوز إضاعتها، فحفظها في الحرم أَولى من إضاعتها، قال النَّوويُّ: وهذا الأخير هو الصَّواب، ونصَّ عليه الشَّافعيُّ في «الأمِّ»، وقال القفَّال في «شرح التَّلخيص»: لا يجوز القتال بمكَّة، حتَّى لو تحصَّن جماعةٌ من الكفَّار فيها لم يجز لنا قتالهم، وغلَّطه النَّوويُّ، وأمَّا القتل وإقامة الحدود فعن الشَّافعيِّ ومالكٍ: حكم الحرم كغيره، فيقام فيه الحدُّ ويُستوفى فيه القصاص، سواءٌ كانت الجناية في الحرم أو في الحلِّ ثمَّ لجأ إلى الحرم لأنَّ العاصي هتك حرمة نفسه، فأبطل ما جعل الله له من الأمن، وقال أبو حنيفة: إن كانت الجناية في الحرم استُوفِيت العقوبة فيه، وإن كانت في الحلِّ ثمَّ لجأ إلى الحرم لم تُستوفَ منه فيه، ويلجأ
стр. 4129
إلى الخروج منه، فإذا خرج اقتُصَّ منه، واحتجَّ بعضهم لإقامة حدِّ القتل فيه بقتل ابن خَطَلٍ، ولا حجَّة فيه لأنَّ ذلك كان في الوقت الذي أُحِلَّ للنَّبيِّ ﷺ .
(فَهُوَ) أي: البلد (حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) أي: بتحريمه، والفاء في: «فهو» جزاءٌ شرطٍ (١) محذوفٍ، تقديره: إذا كان الله كتب في اللَّوح المحفوظ تحريمه، ثمَّ أمر خليله بتبليغه وإنهائه؛ فأنا أيضًا أبلِّغ ذلك وأنهيه إليكم وأقول: فهو حرامٌ بحرمة الله ، وقال: «فهو حرامٌ بحرمة الله» (٢) بعدما قال: «وهو حرامٌ بحرمة الله» لينيط به غير ما أناط أوَّلًا من قوله: (لَا يُعْضَدُ) لا يُقطَع (شَوْكُهُ) أي: ولا شجره بطريق الأَولى، نعم لا بأس بقطع المؤذي من الشَّوك كالعوسج قياسًا على الحيوان المؤذي (وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ) فإن نفَّره عصى، سواءٌ تلف أم لا (وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ) بفتح القاف في الرِّواية، وسبق في الباب الذي قبل هذا [خ¦١٨٣٣]: أنَّ الصَّواب السُّكون (إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا) أبدًا ولا يتملَّكها كما يتملَّكها في غيره من البلاد، وهذا مذهب الشَّافعيَّة، وهو رأي متأخِّري المالكيَّة فيما ذكره صاحب «تحصيل المرام» من المالكيَّة، والصَّحيح من مذهب مالكٍ وأبي حنيفة وأحمد: أن لا خصوصيَّة للقطتها، والوجه: هو الأوَّل لأنَّ الكلام ورد مورد الفضائل المختصَّة بها كتحريم صيدها وقطع شجرها، وإذا سوَّينا بين لقطة الحرم ولقطة غيره من البلاد بقي ذكر اللُّقطة في هذا الحديث خاليًا عن الفائدة (وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا) ولا يُقطَع نباتها الرَّطب، قال الزَّمخشريُّ في «الفائق»: وحقُّ «خلاها» أن يُكتَب بالياء، وتثنيته: خَلَيان. انتهى. أي: لأنَّه من «خليت» بالياء، وأمَّا النَّبات اليابس فيُسمَّى حشيشًا، لكن حكى البطليوسيُّ عن أبي حاتمٍ: أنَّه سأل أبا عبيدة عن الحشيش، فقال: يكون في الرَّطب واليابس، وحكاه الأزهريُّ أيضًا، ويقوِّيه: أنَّ في بعض طرق حديث أبي هريرة: «ولا يُحتَشُّ حشيشُها».
(قَالَ العَبَّاسُ) بن عبد المطَّلب: (يَا رَسُولَ اللهِ إِلَّا الإِذْخِرَُ) بالنَّصب، ويجوز الرَّفع على البدليَّة، وسبق ما فيه في الباب السَّابق [خ¦١٨٣٣] (فَإِنَّهُ) أي: الإذخر (لِقَيْنِهِمْ) بفتح القاف وسكون التَّحتيَّة وبالنُّون: حَدَّادهم، أو القين: كلُّ صاحب صناعةٍ يعالجها بنفسه، ومعناه: يحتاج
стр. 4130
إليه القينُ في وقود النَّار (وَلِبُيُوتِهِمْ) في سقوفها يُجعَل فوق الخشب، أو للوقود كالحَلْفاء (قَالَ) ﵊: (إِلَّا الإِذْخِرَ) ولغير أبي الوقت: «قال: قال: إلَّا الإذخر» استثناء بعضٍ من كلٍّ لدخول الإذخر في عموم ما يُختلَى، واستدلَّ به على جواز الفصل بين المستثنى والمستثنى منه، ومذهب الجمهور: اشتراط الاتِّصال إمَّا لفظًا وإمَّا حكمًا لجواز الفصل بالتَّنفُّس مثلًا، وقد اشتُهِر عن ابن عبَّاسٍ ﵄ الجواز مطلقًا، واحتجَّ له بظاهر هذا الحديث، وأجاب الجمهور عنه بأنَّ هذا الاستثناء في حكم المتَّصل لاحتمال أن يكون ﷺ أراد أن يقول: «إلَّا الإذخر»، فشغله العبَّاس بكلامه، فوصل كلامه بكلام نفسه فقال: «إلَّا (١) الإذخر»، وقد قال ابن مالك: يجوز الفصل مع إضمار الاستثناء متَّصلًا بالمستثنى منه.
(١١) (بابُ الحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ) مراده: أن يكون المحرم محجومًا (وَكَوَى ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (ابْنَهُ) واقدًا كما وصله سعيد بن منصورٍ (وَهُوَ مُحْرِمٌ) لبِرسامٍ أصابه في الطَّريق، وهو متوجِّهٌ إلى مكَّة، ومطابقة (٢) هذا للتَّرجمة من عموم التَّداوي (وَيَتَدَاوَى) المحرم (مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ) أي: في الذي يتداوى به (طِيبٌ).
١٨٣٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ: قَالَ عَمْرٌو) هو ابن دينارٍ، ولأبي ذرٍّ: «قال: قال لنا عمرٌو»: (أَوَّلُ شَيْءٍ) أي: أوَّل مرَّةٍ (سَمِعْتُ عَطَاءً) هو ابن أبي رباحٍ (يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ
стр. 4131
مُحْرِمٌ) جملةٌ حاليَّةٌ، قال سفيان: (ثُمَّ سَمِعْتُهُ) أي: عمرًا ثانيًا (يَقُولُ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (طَاوُسٌ) اليمانيُّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) قال سفيان: (فَقُلْتُ: لَعَلَّهُ) أي: لعلَّ عمرًا (سَمِعَهُ مِنْهُمَا) أي: من عطاءٍ وطاوسٍ، وفي «مسلمٍ»: حدَّثنا سفيان بن عيينة عن عمرٍو عن عطاءٍ وطاوسٍ عن ابن عبَّاسٍ، وليس لعطاءٍ عن طاوسٍ روايةٌ أصلًا، والله أعلم.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الطِّبِّ» [خ¦٥٦٩٥]، ومسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ.
١٨٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم وسكون الخاء البجليُّ قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) القرشيُّ التَّيميُّ (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ) واسمه بلالٌ، مولى عائشة أمِّ المؤمنين، وتُوفِّي في أوَّل خلافة أبي (١) جعفرٍ، وليس له في «البخاريِّ» إلَّا هذا الحديث (٢) (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن هرمز (الأَعْرَجِ، عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ﵁¬) بضمِّ المُوحَّدة وفتح المهملة وسكون التَّحتيَّة، عبد الله بن مالكٍ، وبُحينُة أمُّه، وهي بنت الأرت، أنَّه (قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَهْوَ مُحْرِمٌ) جملةٌ حاليَّةٌ، أي: في حجَّة الوداع؛ كما جزم به الحازميُّ وغيره (بِلَحْيِ جَمَلٍ) بفتح اللَّام وسكون الحاء المهملة بعدها مُثنَّاةٌ تحتيَّةٌ، و «جَمَل» بفتح الجيم والميم: اسم موضعٍ بين مكَّة والمدينة، إلى المدينة أقرب (فِي وَسَطِ رَأْسِهِ) بفتح السِّين من «وَسط»، ويُؤخَذ من هذا: أنَّ للمحرم
стр. 4132
الاحتجام والفصد ما لم يقطع بهما شعرًا، فإن كان يقطعه بهما حَرُم إلَّا أن يكون به ضرورةٌ إليهما.
(١٢) (بابُ تَزْوِيجِ المُحْرِمِ).
١٨٣٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو المُغِيرَةِ عَبْدُ القُدُّوسِ بْنُ الحَجَّاجِ) (١) الحمصيُّ، المُتوفَّى سنة ثنتي عشرة ومئتين قال: (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ) بنت الحارث الهلاليَّة (وَهُوَ مُحْرِمٌ) بعمرةٍ سنة سبعٍ، وهذا هو المشهور عن ابن عبَّاسٍ، وصحَّ نحوه عن عائشة وأبي هريرة، لكن جاء عن ميمونة نفسها: أنَّه كان حلالًا، وعن أبي رافعٍ مثله، وأنَّه كان الرَّسولَ إليها، فتُرجَّح (٢) روايته على رواية ابن عبَّاسٍ هذه لأنَّ رواية من كان له مدخلٌ في الواقعة من مباشرةٍ أو نحوها أرجح من الأجنبيِّ، ورَجُحت أيضًا: بأنَّها مشتملةٌ على إثبات النِّكاح لمدَّةٍ متقدِّمةٍ على زمن الإحرام، والأخرى نافيةٌ لذلك، والمثبت مُقدَّمٌ على النَّافي. قاله في «المصابيح». وقيل: يُحمَل قوله هنا: وهو محرمٌ، أي: داخل الحرم ويكون العقد وقع بعد انقضاء العمرة، والجمهور: على أنَّ نكاح المحرم وإنكاحه مُحرَّمٌ لا ينعقد لحديث مسلمٍ: «لا يَنكِح المُحرِم ولا يُنكِح»، وكما لا يصحُّ نكاحه ولا إنكاحه لا يصحُّ إذنه لعبده الحلال في النِّكاح كذا قاله ابن القطَّان، وفيه -كما قاله ابن المَرْزُبَان- نظرٌ، وحكى الدَّارميُّ كلام ابن القطَّان ثمَّ قال: ويحتمل عندي الجواز، ولا فدية في عقد النِّكاح في الإحرام (٣)، فيُستثنَى من قولهم: من فعل شيئًا يحرم بالإحرام لزمه فديةٌ، وأجابوا عن حديث ميمونة: بأنَّه اختُلِف في الواقعة كيف كانت ولا تقوم بها الحجَّة، ولأنَّها تحتمل الخصوصيَّة، وقال الكوفيُّون: يجوز
стр. 4133
للمحرم أن يتزوَّج كما يجوز له أن يشتري الجارية للوطء، وتُعقِّب بأنَّه قياسٌ في معارضة السُّنَّة، فلا يُعتبَر به.
(١٣) (بابُ مَا يُنْهَى) عنه (مِنَ) استعمال (الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ وَالمُحْرِمَةِ) لأنَّه من دواعي الجماع ومقدِّماته المفسدة للإحرام، وعند البزَّار من حديث ابن عمر: «الحاجُّ: الشَّعِثُ التَّفِلُ» -بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وكسر الفاء- الذي ترك استعمال الطِّيب (وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂¬) ممَّا وصله البيهقيُّ: (لَا تَلْبَسُ) المرأة (المُحْرِمَةُ ثَوْبًا) مصبوغًا (بِوَرْسٍ) بفتح الواو وسكون الرَّاء ثمَّ سينٍ مهملةٍ: نبتٌ أصفر تُصبَغ به الثِّياب (أَوْ زَعْفَرَانٍ) ومطابقته للتَّرجمة من حيث إنَّ المصبوغ بهما تفوح له رائحةٌ كالطِّيب.
١٨٣٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) من الزِّيادة، المقري مولى آل عمر قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ فِي الإِحْرَامِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَلْبَسُوا القَمِيصَ) بالإفراد، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «القُمُص» بضمِّ القاف والميم؛ بالجمع (وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ) جمع سراويلَ غير منصرفٍ، قيل: لأنَّه منقولٌ عن الجمع بصيغة «مفاعيل»، وأنَّ واحده سروالةٌ، وقيل: لأنَّه أعجميٌّ، على أنَّ ابن الحاجب حكى: أنَّ من العرب من يصرفه،
стр. 4134
وهي مُؤنَّثةٌ عند الجمهور (وَلَا العَمَائِمَ) جمع عمامةٍ، سُمِّيت بذلك لأنَّها تعمُّ جميع الرَّأس بالتَّغطية (وَلَا البَرَانِسَ) جمع بُرنُسٍ؛ بضمِّ الباء والنُّون: قلنسوةٌ طويلةٌ كان النُّسَّاك في صدر الإسلام يلبسونها، وزاد في «باب ما لا يلبس المحرم من الثِّياب» [خ¦١٥٤٢]: «ولا الخِفَاف» (إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْ) أي: الخفَّين (أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ) وهما العظمان النَّاتئان عند ملتقى السَّاق والقدم، وهذا قول مالكٍ والشَّافعيِّ، وذهب المتأخِّرون من الحنفيَّة: إلى التَّفرقة (١) بين الكعب في (٢) غسل القدمين في الوضوء والكعب (٣) المذكور في قطع الخفَّين (٤) للمحرم، وأنَّ المراد بالكعب هنا المِفْصَلُ الذي في القدم عند معقد الشِّراك دون النَّاتئ (٥)، وأنكره الأصمعيُّ (٦)، ولا فدية عليه، وقال الحنفيَّة: عليه الفدية، وقال الحنابلة: لا يقطعهما ولا فدية عليه، واحتجُّوا بحديث ابن عبَّاسٍ الآتي -إن شاء الله تعالى- أي الباب الآتي بعد هذا الباب [خ¦١٨٤١] ولفظه: «من لم يجد النَّعلين فليلبس الخفَّين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل»، وأُجيب بأنَّه مطلقٌ وحديث الباب مُقيَّدٌ، فيُحمَل المطلق على المُقيَّد لأنَّ الزِّيادة من الثِّقة مقبولةٌ، وقد وقع السُّؤال عمَّا يلبس المحرم؟ وأُجيب بما لا يلبس ليدلَّ بالالتزام من طريق المفهوم على ما يجوز، وإنَّما عدل عن الجواب المطابق إلى هذا الجواب لأنَّه أخصر، فإنَّ ما يحرم أقلُّ وأضبط ممَّا يحلُّ، أو لأنَّ السُّؤال كان من حقِّه أن يكون عمَّا لا يلبس لأنَّ الحكم العارض المحتاج إلى البيان هو الحرمة، وأمَّا جواز ما يلبس فثابتٌ بالأصل، معلومٌ بالاستصحاب فلذلك أتى بالجواب على وفقه تنبيهًا على ذلك، والحاصل: أنَّه نبَّه بالقميص والسَّراويل على جميع ما في معناهما، وهو ما كان مخيطًا أو معمولًا على قدر
стр. 4135
البدن أو العضو؛ كالجوشن والرَّان والتُّبَّان وغيرها، وبالعمائم والبرانس: على كلِّ ساترٍ للرَّأس مخيطًا كان (١) أو غيره حتَّى العصابة فإنَّها حرامٌ، ونبَّه بالخِفاف على كلِّ ساترٍ للرِّجل من مداسٍ وغيره، وهذا الحكم خاصٌّ بالرِّجال؛ بدليل توجيه الخطاب نحوهم.
(وَلَا تَلْبَسُوا) في حال الإحرام (شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ، وَلَا الوَرْسُ) ولا ما في معناهما ممَّا يُقصَد به (٢) رائحته غالبًا كالمسك (٣) والعود والورد، فيحرم مع وجوب الفدية بالتَّطيُّب، ولو كان أخشم في ملبوسه ولو نعلًا، أو بدنه ولو باطنًا بنحو أكلٍ قياسًا على الملبوس المذكور في الحديث، لا ما يقصد به الأكل أو التَّداوي، وإن كان له رائحةٌ طيِّبةٌ كالتُّفَّاح والأُتْرُجِّ والقرنفل والدَّارصينيِّ (٤)، وسائر الأبازير الطَّيِّبة كالفلفل والمُصْطَكَى فلا تجب فيه الفدية لأنَّه إنَّما يقصد منه الأكل أو التَّداوي -كما مرَّ- ولا ما ينبت بنفسه وإن كان له رائحةٌ طيِّبةٌ كالشِّيح والقيصوم والخزامى لأنَّه لا يُعَدُّ طيبًا وإلَّا لاستُنبِت وتُعهِّد كالورد، ولا بالعصفر (٥) والحنَّاء وإن كان لهما رائحةٌ طيِّبةٌ (٦) لأنَّه إنَّما يُقصَد منه لونه، وتجب الفدية في النَّرجس والرَّيحان الفارسيِّ؛ وهو الضَّيمُران (٧) بفتح المعجمة وضمِّ الميم كما ضبطه النَّوويُّ، قال في «المهمَّات»: لكنَّه لغةٌ قليلةٌ، والمعروف المجزوم به في «الصِّحاح»: أنَّه الضَّومَران -بالواو وفتح الميم (٨) -: وهو نبتٌ برِّيٌّ، وقال ابن يونس: