مُحْرِمٌ) جملةٌ حاليَّةٌ، قال سفيان: (ثُمَّ سَمِعْتُهُ) أي: عمرًا ثانيًا (يَقُولُ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (طَاوُسٌ) اليمانيُّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) قال سفيان: (فَقُلْتُ: لَعَلَّهُ) أي: لعلَّ عمرًا (سَمِعَهُ مِنْهُمَا) أي: من عطاءٍ وطاوسٍ، وفي «مسلمٍ»: حدَّثنا سفيان بن عيينة عن عمرٍو عن عطاءٍ وطاوسٍ عن ابن عبَّاسٍ، وليس لعطاءٍ عن طاوسٍ روايةٌ أصلًا، والله أعلم.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الطِّبِّ» [خ¦٥٦٩٥]، ومسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ.
١٨٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم وسكون الخاء البجليُّ قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) القرشيُّ التَّيميُّ (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ) واسمه بلالٌ، مولى عائشة أمِّ المؤمنين، وتُوفِّي في أوَّل خلافة أبي (١) جعفرٍ، وليس له في «البخاريِّ» إلَّا هذا الحديث (٢) (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن هرمز (الأَعْرَجِ، عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ﵁¬) بضمِّ المُوحَّدة وفتح المهملة وسكون التَّحتيَّة، عبد الله بن مالكٍ، وبُحينُة أمُّه، وهي بنت الأرت، أنَّه (قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَهْوَ مُحْرِمٌ) جملةٌ حاليَّةٌ، أي: في حجَّة الوداع؛ كما جزم به الحازميُّ وغيره (بِلَحْيِ جَمَلٍ) بفتح اللَّام وسكون الحاء المهملة بعدها مُثنَّاةٌ تحتيَّةٌ، و «جَمَل» بفتح الجيم والميم: اسم موضعٍ بين مكَّة والمدينة، إلى المدينة أقرب (فِي وَسَطِ رَأْسِهِ) بفتح السِّين من «وَسط»، ويُؤخَذ من هذا: أنَّ للمحرم
стр. 4132
الاحتجام والفصد ما لم يقطع بهما شعرًا، فإن كان يقطعه بهما حَرُم إلَّا أن يكون به ضرورةٌ إليهما.
(١٢) (بابُ تَزْوِيجِ المُحْرِمِ).
١٨٣٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو المُغِيرَةِ عَبْدُ القُدُّوسِ بْنُ الحَجَّاجِ) (١) الحمصيُّ، المُتوفَّى سنة ثنتي عشرة ومئتين قال: (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ) بنت الحارث الهلاليَّة (وَهُوَ مُحْرِمٌ) بعمرةٍ سنة سبعٍ، وهذا هو المشهور عن ابن عبَّاسٍ، وصحَّ نحوه عن عائشة وأبي هريرة، لكن جاء عن ميمونة نفسها: أنَّه كان حلالًا، وعن أبي رافعٍ مثله، وأنَّه كان الرَّسولَ إليها، فتُرجَّح (٢) روايته على رواية ابن عبَّاسٍ هذه لأنَّ رواية من كان له مدخلٌ في الواقعة من مباشرةٍ أو نحوها أرجح من الأجنبيِّ، ورَجُحت أيضًا: بأنَّها مشتملةٌ على إثبات النِّكاح لمدَّةٍ متقدِّمةٍ على زمن الإحرام، والأخرى نافيةٌ لذلك، والمثبت مُقدَّمٌ على النَّافي. قاله في «المصابيح». وقيل: يُحمَل قوله هنا: وهو محرمٌ، أي: داخل الحرم ويكون العقد وقع بعد انقضاء العمرة، والجمهور: على أنَّ نكاح المحرم وإنكاحه مُحرَّمٌ لا ينعقد لحديث مسلمٍ: «لا يَنكِح المُحرِم ولا يُنكِح»، وكما لا يصحُّ نكاحه ولا إنكاحه لا يصحُّ إذنه لعبده الحلال في النِّكاح كذا قاله ابن القطَّان، وفيه -كما قاله ابن المَرْزُبَان- نظرٌ، وحكى الدَّارميُّ كلام ابن القطَّان ثمَّ قال: ويحتمل عندي الجواز، ولا فدية في عقد النِّكاح في الإحرام (٣)، فيُستثنَى من قولهم: من فعل شيئًا يحرم بالإحرام لزمه فديةٌ، وأجابوا عن حديث ميمونة: بأنَّه اختُلِف في الواقعة كيف كانت ولا تقوم بها الحجَّة، ولأنَّها تحتمل الخصوصيَّة، وقال الكوفيُّون: يجوز
стр. 4133
للمحرم أن يتزوَّج كما يجوز له أن يشتري الجارية للوطء، وتُعقِّب بأنَّه قياسٌ في معارضة السُّنَّة، فلا يُعتبَر به.
(١٣) (بابُ مَا يُنْهَى) عنه (مِنَ) استعمال (الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ وَالمُحْرِمَةِ) لأنَّه من دواعي الجماع ومقدِّماته المفسدة للإحرام، وعند البزَّار من حديث ابن عمر: «الحاجُّ: الشَّعِثُ التَّفِلُ» -بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وكسر الفاء- الذي ترك استعمال الطِّيب (وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂¬) ممَّا وصله البيهقيُّ: (لَا تَلْبَسُ) المرأة (المُحْرِمَةُ ثَوْبًا) مصبوغًا (بِوَرْسٍ) بفتح الواو وسكون الرَّاء ثمَّ سينٍ مهملةٍ: نبتٌ أصفر تُصبَغ به الثِّياب (أَوْ زَعْفَرَانٍ) ومطابقته للتَّرجمة من حيث إنَّ المصبوغ بهما تفوح له رائحةٌ كالطِّيب.
١٨٣٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) من الزِّيادة، المقري مولى آل عمر قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ فِي الإِحْرَامِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَلْبَسُوا القَمِيصَ) بالإفراد، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «القُمُص» بضمِّ القاف والميم؛ بالجمع (وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ) جمع سراويلَ غير منصرفٍ، قيل: لأنَّه منقولٌ عن الجمع بصيغة «مفاعيل»، وأنَّ واحده سروالةٌ، وقيل: لأنَّه أعجميٌّ، على أنَّ ابن الحاجب حكى: أنَّ من العرب من يصرفه،
стр. 4134
وهي مُؤنَّثةٌ عند الجمهور (وَلَا العَمَائِمَ) جمع عمامةٍ، سُمِّيت بذلك لأنَّها تعمُّ جميع الرَّأس بالتَّغطية (وَلَا البَرَانِسَ) جمع بُرنُسٍ؛ بضمِّ الباء والنُّون: قلنسوةٌ طويلةٌ كان النُّسَّاك في صدر الإسلام يلبسونها، وزاد في «باب ما لا يلبس المحرم من الثِّياب» [خ¦١٥٤٢]: «ولا الخِفَاف» (إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْ) أي: الخفَّين (أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ) وهما العظمان النَّاتئان عند ملتقى السَّاق والقدم، وهذا قول مالكٍ والشَّافعيِّ، وذهب المتأخِّرون من الحنفيَّة: إلى التَّفرقة (١) بين الكعب في (٢) غسل القدمين في الوضوء والكعب (٣) المذكور في قطع الخفَّين (٤) للمحرم، وأنَّ المراد بالكعب هنا المِفْصَلُ الذي في القدم عند معقد الشِّراك دون النَّاتئ (٥)، وأنكره الأصمعيُّ (٦)، ولا فدية عليه، وقال الحنفيَّة: عليه الفدية، وقال الحنابلة: لا يقطعهما ولا فدية عليه، واحتجُّوا بحديث ابن عبَّاسٍ الآتي -إن شاء الله تعالى- أي الباب الآتي بعد هذا الباب [خ¦١٨٤١] ولفظه: «من لم يجد النَّعلين فليلبس الخفَّين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل»، وأُجيب بأنَّه مطلقٌ وحديث الباب مُقيَّدٌ، فيُحمَل المطلق على المُقيَّد لأنَّ الزِّيادة من الثِّقة مقبولةٌ، وقد وقع السُّؤال عمَّا يلبس المحرم؟ وأُجيب بما لا يلبس ليدلَّ بالالتزام من طريق المفهوم على ما يجوز، وإنَّما عدل عن الجواب المطابق إلى هذا الجواب لأنَّه أخصر، فإنَّ ما يحرم أقلُّ وأضبط ممَّا يحلُّ، أو لأنَّ السُّؤال كان من حقِّه أن يكون عمَّا لا يلبس لأنَّ الحكم العارض المحتاج إلى البيان هو الحرمة، وأمَّا جواز ما يلبس فثابتٌ بالأصل، معلومٌ بالاستصحاب فلذلك أتى بالجواب على وفقه تنبيهًا على ذلك، والحاصل: أنَّه نبَّه بالقميص والسَّراويل على جميع ما في معناهما، وهو ما كان مخيطًا أو معمولًا على قدر
стр. 4135
البدن أو العضو؛ كالجوشن والرَّان والتُّبَّان وغيرها، وبالعمائم والبرانس: على كلِّ ساترٍ للرَّأس مخيطًا كان (١) أو غيره حتَّى العصابة فإنَّها حرامٌ، ونبَّه بالخِفاف على كلِّ ساترٍ للرِّجل من مداسٍ وغيره، وهذا الحكم خاصٌّ بالرِّجال؛ بدليل توجيه الخطاب نحوهم.
(وَلَا تَلْبَسُوا) في حال الإحرام (شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ، وَلَا الوَرْسُ) ولا ما في معناهما ممَّا يُقصَد به (٢) رائحته غالبًا كالمسك (٣) والعود والورد، فيحرم مع وجوب الفدية بالتَّطيُّب، ولو كان أخشم في ملبوسه ولو نعلًا، أو بدنه ولو باطنًا بنحو أكلٍ قياسًا على الملبوس المذكور في الحديث، لا ما يقصد به الأكل أو التَّداوي، وإن كان له رائحةٌ طيِّبةٌ كالتُّفَّاح والأُتْرُجِّ والقرنفل والدَّارصينيِّ (٤)، وسائر الأبازير الطَّيِّبة كالفلفل والمُصْطَكَى فلا تجب فيه الفدية لأنَّه إنَّما يقصد منه الأكل أو التَّداوي -كما مرَّ- ولا ما ينبت بنفسه وإن كان له رائحةٌ طيِّبةٌ كالشِّيح والقيصوم والخزامى لأنَّه لا يُعَدُّ طيبًا وإلَّا لاستُنبِت وتُعهِّد كالورد، ولا بالعصفر (٥) والحنَّاء وإن كان لهما رائحةٌ طيِّبةٌ (٦) لأنَّه إنَّما يُقصَد منه لونه، وتجب الفدية في النَّرجس والرَّيحان الفارسيِّ؛ وهو الضَّيمُران (٧) بفتح المعجمة وضمِّ الميم كما ضبطه النَّوويُّ، قال في «المهمَّات»: لكنَّه لغةٌ قليلةٌ، والمعروف المجزوم به في «الصِّحاح»: أنَّه الضَّومَران -بالواو وفتح الميم (٨) -: وهو نبتٌ برِّيٌّ، وقال ابن يونس:
стр. 4136
المرسين، وقوله: ولا الوَرْس؛ بفتح الواو وسكون الرَّاء، آخره مهملةٌ: أشهر طيبٍ في بلاد اليمن، والحكمة من (١) تحريم الطِّيب: البعد عن التَّنعُّم وملاذِّ الدُّنيا، ولأنَّه أحد دواعي الجماع، وهذا الحكم المذكور يعمُّ الرَّجل والمرأة.
(وَلَا تَنْتَقِبُِ المَرْأَةُ) بنونٍ ساكنةٍ بعد تاء المضارعة وكسر القاف، وجزم الفعل على النَّهي، فيُكسَر لالتقاء السَّاكنين، ويجوز رفعه على أنَّه خبرٌ عن حكم الله لأنَّه جوابٌ عن السُّؤال عن ذلك، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ولا تَتَنقَّب» -بمُثنَّاتين فوقيَّتين مفتوحتين والقاف المُشدَّدة- المرأة (المُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسِ القُفَّازَيْنِ) تثنية قُفَّازٍ؛ بضمِّ القاف وتشديد الفاء بوزن رُمَّانٍ، في «القاموس»: شيءٌ يُعمَل لليدين يُحشَى بقطنٍ تلبسهما المرأة للبرد، أو ضربٌ من الحليِّ لليدين والرِّجلين، وقال غيره: هو ما تلبسه المرأة في يديها (٢) فيغطِّي أصابعها وكفَّيها عند معاناة الشَّيء في غزلٍ ونحوه، وروى أحمد وأبو داود والحاكم من طريق ابن إسحاق: حدَّثني نافعٌ عن ابن عمر: أنَّه سمع رسول الله ﷺ ينهى النِّساء في إحرامهنَّ عن القفَّازين والنِّقاب وما مسَّ الورس والزَّعفران من الثِّياب. ولتلبس (٣) بعد ذلك ما أحبَّت من ألوان الثِّياب، فيُباح لها ستر جميع بدنها بكلِّ ساترٍ مخيطًا كان أو غيره إلَّا وجهها فإنَّه حرامٌ، وكذا ستر الكفَّين بقفَّازين أو أحدهما بأحدهما لأنَّ القفَّازين ملبوسُ عضوٍ ليس بعورةٍ، فأشبه خفَّ الرِّجل، ويجوز سترهما بغيرهما ككُمٍّ وخرقةٍ لفَّتها عليهما للحاجة إليه ومشقَّة الاحتراز عنه، نعم يُعفَى عمَّا تستره من الوجه احتياطًا للرَّأس؛ إذ لا يمكن استيعاب ستره إلَّا بستر قدرٍ يسيرٍ ممَّا يليه من الوجه، والمحافظة على ستره بكماله لكونه عورةٌ أَولى من المحافظة على كشف ذلك القدر من الوجه، ويُؤخَذ من هذا التَّعليل: أنَّ الأمة لا تستر ذلك لأنَّ رأسها ليس بعورةٍ، لكن قال في «المجموع»: ما ذُكِر في إحرام المرأة ولبسها لم يفرِّقوا فيه بين الحرَّة والأَمَة، وهو المذهب، وللمرأة أن ترخي على وجهها ثوبًا متجافيًا عنه بخشبةٍ أو نحوها، فإن أصاب الثَّوب وجهها بلا اختيارٍ فرفعته فورًا فلا فدية، وإلَّا وجبت مع الإثم.
(تَابَعَهُ) أي: تابع اللَّيثَ (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) المدنيُّ الأسديُّ فيما وصله النَّسائيُّ وأبو داود
стр. 4137
مرفوعًا (وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ) ابن أخي موسى السَّابق ممَّا وصله عليُّ بن محمَّدٍ المصريُّ في «فوائده» من رواية الحافظ السِّلَفيِّ (وَجُوَيْرِيَةُ) بن أسماء، ممَّا وصله أبو يَعلى الموصليُّ (وَابْنُ إِسْحَاقَ) محمَّدٌ ممَّا وصله أحمد والحاكم مرفوعًا (فِي) ذكر (النِّقَابِ) وهو الخمار الذي تشدُّه المرأة على الأنف أو تحت المحاجر، فإن قرب من العين حتَّى لا تبدو أجفانها فهو الوَصْواص -بفتح الواو وسكون الصَّاد المهملة الأولى- فإن نزل إلى طرف الأنف فهو اللِّفام -بكسر اللَّام وبالفاء- فإن نزل إلى الفم ولم يكن على الأرنبة منه شيءٌ فهو اللِّثام؛ بالمُثلَّثة (وَالقُفَّازَيْنِ) وظاهره اختصاص ذلك بالمرأة، ولكنَّ الرَّجل في القفَّاز مثلها لكونه في معنى الخفِّ، فإنَّ كلًّا منهما محيطٌ بجزءٍ من البدن، وأمَّا النِّقاب فلا يحرم على الرَّجل من جهة الإحرام لأنَّه لا يحرم عليه تغطية وجهه.
(وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين وفتح المُوحَّدة مُصغَّرًا ابن عمر العمريُّ، ممَّا وصله إسحاق ابن رَاهُوْيَه في «مسنده» وابن خزيمة (وَلَا وَرْسٌ) فوافق الأربعة المذكورين في رواية الحديث المذكور عن نافعٍ؛ حيث جعل الحديث إلى قوله: «ولا ورسٌ» مرفوعًا، ثمَّ خالفهم ففصل بقيَّة الحديث، فجعله من قول ابن عمر أدرجه في الحديث، فقال: (وَكَانَ يَقُولُ: لَا تَتَنَقَّبُِ المُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسُِ القُفَّازَيْنِ) بالجزم على النَّهي في: «تتنقَّب» و «تلبس» والكسر لالتقاء السَّاكنين، ويجوز رفعهما على الخبر كما مرَّ، و «تتنقَّب»: بمُثنَّاتين فوقيَّتين من «التَّفعُّل».
(وَقَالَ مَالِكٌ) الإمام الأعظم، ممَّا هو في «مُوطَّئه»: (عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄: (لَا تَتَنَقَّبِ المُحْرِمَةُ، وَتَابَعَهُ) أي: تابع مالكًا (لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ) بضمِّ السِّين المهملة وفتح اللَّام، ابن زُنَيمٍ القرشيُّ الكوفيُّ في وقفه، وفيه تقويةٌ لعبيد الله العمريِّ، وظهر الإدراج في رواية غيره، وقد استشكل ابن دقيق العيد الحكم بالإدراج في هذا الحديث لورود النَّهي عن النِّقاب والقفَّاز مفردًا مرفوعًا، وللابتداء بالنَّهي عنهما في رواية ابن إسحاق المرفوعة، المذكورة فيما سبق من رواية أحمد وأبي داود والحاكم، وقال في «الاقتراح»: دعوى الإدراج في أوَّل المتن ضعيفةٌ، وأُجيب بأنَّ الثِّقات إذا اختلفوا وكان مع أحدهم زيادةٌ قدِّمت، ولا سيَّما إن كان حافظًا، خصوصًا إن كان أحفظ، والأمر هنا كذلك، فإنَّ عبيد الله بن عمر في نافعٍ أحفظُ من جميع من خالفه (١)، وقد فَصَلَ المرفوعَ من
стр. 4138
الموقوف، وأمَّا الذي ابتدأ في المرفوع بالموقوف فإنَّه من التَّصرُّف في الرِّواية بالمعنى، فكأنَّه رأى أشياء متعاطفةً فقدَّم وأخَّر لجواز ذلك عنده، ومع الذي فَصَلَ زيادةُ علمٍ فهو أَولى، قاله في «فتح الباري»، ونحوه في «شرح التِّرمذيِّ» للحافظ زين الدِّين العراقيِّ.
١٨٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنِ الحَكَمِ) بن عتيبة (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: وَقَصَتْ) بالقاف والصَّاد المهملة المفتوحتين فعلٌ ماضٍ (بِرَجُلٍ مُحْرِمٍ) (١) أي: كَسَرت رقبتَه (نَاقَتُهُ) فاعلُ «وقصت» (٢) (فَقَتَلَتْهُ) وكان ذلك عند الصَّخرات من عرفاتٍ، ولم يُعرَف اسم الرَّجل المذكور (فَأُتِيَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (بِهِ) أي: بالرَّجل (رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) برفع «رسولُ» نائبٌ عن الفاعل (فَقَالَ: اغْسِلُوهُ، وَكَفِّنُوهُ، وَلَا تُغَطُّوا رَأْسَهُ، وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وتشديد الرَّاء المكسورة (فَإِنَّهُ يُبْعَثُ) يوم القيامة، حال كونه (يُهِلُّ) بضمِّ أوَّله، أي: يرفع (٣) صوته بالتَّلبية على هيئته التي مات عليها، فهو باقٍ على إحرامه، وهذا عامٌّ في كلِّ محرمٍ، وقال الحنفيَّة والمالكيَّة: ينقطع الإحرام بالموت، ويُفعَل به ما يُفعَل بالحيِّ، وأجابوا عن هذه القصَّة بأنَّها واقعةُ عينٍ لا عمومَ فيها لأنَّه علَّل ذلك بقوله: «فإنَّه (٤) يُبعَث ملبِّيًا»، وهذا الأمر لا يتحقَّق وجوده في غيره، فيكون خاصًّا بذلك الرَّجل، ولو استمرَّ بقاؤه على إحرامه لأمر بقضاء بقيَّة مناسكه، ولو أُريد التَّعميم في كلِّ محرمٍ لقال: فإنَّ المحرم؛ كما قال: «إنَّ الشَّهيد يُبعَث وجرحه يثعب دمًا» (٥)، وأُجيب بأنَّ الأصل أنَّ كلَّ ما ثبت لواحدٍ في زمنه ﵊
стр. 4139
يثبت لغيره حتَّى يظهر التَّخصيص، وقد اختُلِف في الصَّائم يموت، هل يبطل صومه بالموت حتَّى يجب قضاء ذلك اليوم عنه أو لا يبطل؟
وهذا الحديث قد سبق في «باب الكفن في ثوبين» [خ¦١٢٦٥] وفي «الحنوط للميت» [خ¦١٢٦٦] وفي «باب المحرم يموت بعرفة» [خ¦١٨٤٩] وفي «باب سنَّة المحرم إذا مات» [خ¦١٨٥١].
(١٤) (بابُ الاِغْتِسَالِ لِلْمُحْرِمِ) لأجل التَّطهُّر من الجنابة أو التَّنظيف.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄¬) ممَّا وصله الدَّارقُطنيُّ والبيهقيُّ: (يَدْخُلُ المُحْرِمُ الحَمَّامَ) وعن مالكٍ: إن دخله فتدلَّك وأنقى الوسخ فعليه الفدية، وقال المالكيَّة: ويُكرَه له غسل يديه بالأُشْنَانِ عند وضوئه من الطَّعام، كان في الأُشْنَانِ طيبٌ أو لم يكن لأنَّه ينقِّي البشرة، وكان مالكٌ يرخِّص للمحرم أن يغسل (١) يديه بالدَّقيق والأشنان غير المُطيَّب، ويُكرَه له صبُّ الماء على رأسه من حرٍّ يجده، وقال الشَّافعيَّة: يجوز له غسل رأسه بالسِّدر ونحوه في حمَّامٍ وغيره، من غير نتف شعره (وَلَمْ يَرَ ابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ) ﵃ (بِالحَكِّ) لجلد المحرم إذا أكله (بَأْسًا) إذا لم يحصل منه نتف شعرٍ، وأَثَرُ ابن عمر وصله البيهقيُّ، والآخر وصله مالكٌ، ومناسبة ذلك لما ترجم له من حيث إنَّ في الحكِّ من إزالة الأذى ما في الغسل.
стр. 4140
١٨٤٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويِّ مولى عمر المدنيِّ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُنَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح النُّون الأولى؛ مولى العبَّاس بن عبد المطَّلب المدنيِّ (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن حُنَينٍ المُتوفَّى في أوَّل خلافة يزيد بن عبد الملك في أوائل المئة الثَّانية (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ العَبَّاسِ) بالألف والَّلام (وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ) بكسر الميم وسكون السِّين المهملة وفتح الواو وبالرَّاء، ومَخْرَمة: بفتح الميم والرَّاء بينهما خاءٌ معجمةٌ ساكنةٌ ابن نوفلٍ القرشيَّ، له ولأبيه صحبةٌ (اخْتَلَفَا بِالأَبْوَاءِ) بفتح الهمزة وسكون الموحَّدة: موضعٌ قريبٌ من مكَّة، أي: اختلفا وهما نازلان بالأبواء (١) (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ) بإسقاط «أل»: (يَغْسِلُ المُحْرِمُ رَأْسَهُ، وَقَالَ المِسْوَرُ: لَا يَغْسِلُ المُحْرِمُ رَأْسَهُ) قال عبد الله بن حُنَينٍ: (فَأَرْسَلَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ العَبَّاسِ) بإثبات «أل» (إِلَى أَبِي أَيُّوبَ) خالد بن زيدٍ (الأَنْصَارِيِّ) ﵁ (فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ القَرْنَيْنِ) أي: بين قرني البئر؛ وهما جانبا البناء الذي على رأس البئر، يُجعَل عليهما خشبةٌ تُعلَّق بها البكرة (وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ حُنَيْنٍ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ العَبَّاسِ) بإثبات «أل» (أَسْأَلُكَ) ولأبي ذرٍّ: «يسألك»: (كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟) لم يقل عبد الله بن حُنَينٍ: هل كان يغسل رأسه ليوافق اختلافهما، بل سأل عن الكيفيَّة لاحتمال أن يكون لَّما رآه يغتسل وهو محرمٌ فَهِمَ من ذلك الجواب، ثمَّ أحبَّ ألَّا يرجع إلَّا بفائدةٍ أخرى، فسأله عن الكيفيَّة، قاله في «فتح الباري». (فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ) الذي ستر به (فَطَأْطَأَهُ) أي: خفض الثَّوب وأزاله عن رأسه (حَتَّى بَدَا لِي) بغير همزٍ، أي: ظهر لي (رَأْسُهُ، ثُمَّ قَالَ لإِنْسَانٍ) لم يُسَمَّ (يَصُبُّ عَلَيْهِ: اصْبُبْ، فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ) بالتَّثنية (فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ) فيه: جواز دلك شعر المُحرِم بيده إذا أَمِنَ تناثره (وَقَالَ) أبو أيُّوب: (هَكَذَا رَأَيْتُهُ ﷺ يَفْعَلُ) فيه: الجواب والبيان بالفعل، وهو أبلغ من القول، وزاد ابن عُيَيْنَة: فرجعت إليهما فأخبرتهما، فقال المسور لابن عبَّاسٍ: لا أماريك أبدًا، أي: لا أجادلك.
стр. 4141
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ» وكذا النَّسائيُّ وابن ماجه.
(١٥) (بابُ) حكم (لُبْسِ الخُفَّيْنِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ) أي: هل يقطع أسفلهما أم لا؟
١٨٤١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) قال: (سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ) الأزديَّ اليَحمديَّ قال: (سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ) في حجَّة الوداع: (مَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ) بعد أن يقطع أسفل من الكعبين، وهما العظمان النَّاتئان عند ملتقى السَّاق والقدم، وهذا قول مالكٍ والشَّافعيِّ، وذهب المتأخِّرون من الحنفيَّة إلى التَّفرقة بين الكعب (١) في غسل القدمين في الوضوء وبين (٢) الكعب المذكور في قطع الخفَّين للمُحرم، وأنَّ المراد بالكعب هنا: المفصل الذي في وسط (٣) القدم عند معقد الشِّراك دون النَّاتئ، وأنكره الأصمعيُّ، ولكن قال الحافظ الزَّين العراقيُّ: إنَّه أقرب إلى عدم الإحاطة على القدم، ولا يحتاج القول به إلى مخالفة اللُّغة، بل يوجد ذلك في بعض ألفاظ حديث ابن عمر، ففي رواية اللَّيث عن نافعٍ عنه [خ¦١٨٣٨]: «فليلبس الخفَّين ما أسفلَ من الكعبين»، فقوله: «ما أسفل» بدلٌ من «الخفَّين»، فيكون اللُّبس لهما أسفل من الكعبين، والقطع من الكعبين فما فوق، وفي رواية مالكٍ عن نافعٍ عنه (٤) ممَّا سبق [خ¦١٥٤٣]: «وليقطعهما أسفلَ من الكعبين» فليس فيه ما يدلُّ على كون القطع مقتصرًا على ما دون الكعبين، بل يُزَاد مع الأسفل ما يخرج القدم عن كونه مستورًا
стр. 4142
بإحاطة الخفِّ عليه، ولا حاجة حينئذٍ إلى مخالفة ما جزم به أهل اللُّغة. انتهى. وهل إذا لبسه والحالة هذه تلزمه الفدية؟ قال الشَّافعيَّة: لا تلزمه الفدية، وقال الحنفيَّة: عليه الفدية، وقال الحنابلة: لا يقطعهما لأنَّه إضاعة مالٍ ولا فدية عليه، قال المرداويُّ في «الإنصاف»: وهذا هو المذهب، نصَّ عليه أحمد في رواية الجماعة، وعليه الأصحاب، وهو من المفردات، وعنه: إن لم يقطع إلى دون الكعبين فعليه الفدية، وقال الخطَّابيُّ: العجب من الإمام أحمد في هذا -يعني: في قوله: بعدم القطع- لأنَّه لا يكاد يخالف سنَّةً تبلغه، قال الزَّركشيُّ الحنبليُّ: العجب كلُّ العجب من الخطَّابيِّ في توهُّمه عن أحمد مخالفة السُّنَّة أو خفاءها، وقد قال المروزيُّ: احتججت (١) على أبي عبد الله بقول ابن عمر عن النَّبيِّ ﷺ : «وليقطع أسفل الكعبين»، فقال: هذا حديثٌ وذاك حديثٌ، فقد اطَّلع على السُّنَّة، وإنَّما نظر نظرًا لا ينظره إلَّا الفقهاء المتبصِّرون، وهذا يدلُّ على غايةٍ من الفقه والنَّظر. انتهى. واشترط الجمهور قطع الخفِّ حملًا للمُطلَق على المُقيَّد في حديث ابن عمر السَّابق، وقد ورد في بعض طرق حديث ابن عبَّاسٍ الصَّحيحة موافقته لحديث ابن عمر في قطع الخفَّين، رواه النَّسائيُّ في «سننه»، قال: أخبرنا إسماعيل بن مسعودٍ: حدَّثنا يزيد بن زُريعٍ: حدَّثنا أيُّوب، عن عمرٍو، عن جابر بن زيدٍ، عن ابن عبَّاسٍ، قال: سمعت رسول الله (٢) ﷺ يقول: «إذا لم يجد إزارًا فليلبس السَّراويل، وإذا لم يجد النَّعلين فليلبس الخفَّين، وليقطعهما أسفل من الكعبين» وهذا إسنادٌ (٣) صحيحٌ، وإسماعيل بن مسعودٍ وثَّقه أبو حاتمٍ وغيره، والزِّيادة من الثِّقة مقبولةٌ على الصَّحيح، وأمَّا احتجاج أصحاب أحمد: بأنَّ حديث ابن عبَّاسٍ ناسخٌ لحديث ابن عمر المصرِّح بقطعهما فلو سلَّمنا تأخُّر حديث ابن عبَّاسٍ وخلوَّه من (٤) الأمر بقطع الخفَّين لا يلزم منه الحكم بالنَّسخ مع إمكان الجمع، وحمل المُطلَق على المُقيَّد متعيِّنٌ، وقد قال ابن قدامة الحنبليُّ: الأَوْلى قطعهما عملًا بالحديث الصَّحيح وخروجًا من الخلاف. انتهى. وقد سبق أنَّه رُوِي عن أحمد أنَّه قال: إن لم يقطع إلى دون الكعبين فعليه الفدية.
(وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا) هو ما يُشَدُّ في الوسط (فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ) ولأبي ذرٍّ: «السَّراويل»
стр. 4143
بالتَّعريف (لِلْمُحْرِمِ) بلام البيان كهي في نحو: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] وسُقيا لك، أي: هذا الحكم للمحرم، ولأبي الوقت عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (١): «المُحرِمُ» بالألف بدل اللَّام، والرَّفع فاعلُ «فليلبس»، و «سراويلَ»: مفعولٌ.
١٨٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمد بن عبد الله بن يونس التَّميميُّ اليربوعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين الزُّهريُّ القرشيُّ المدنيُّ، كان على قضاء بغداد، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ سَالِمٍ عَنْ) أبيه (عَبْدِ اللهِ) بن عمر (¬﵁¬) وعن أبيه أنَّه قال: (سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بضمِّ سين: «سُئِل» مبنيًّا للمفعول، ولم يُسمَّ السَّائل (مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ) ﷺ مجيبًا له بما لا يلبس لأنَّه محصورٌ (٢)؛ بخلاف ما يلبس إذ الأصل الإباحة، وفيه تنبيهٌ على أنَّه كان ينبغي السُّؤال عمَّا لا يلبس، وأنَّ المعتبر في الجواب ما يحصل المقصود وإن لم يطابق السُّؤال صريحًا، فقال: (لَا يَلْبَسِ القَمِيصَ) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «القُمُص» (وَلَا العَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا البُرْنُسَ) بالإفراد في الثَّالث وهو بضمِّ المُوحَّدة والنُّون (وَلَا) يلبس (ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ) مفرد زَعافِر؛ كترجمانٍ وتراجم (وَلَا وَرْسٌ) بفتح الواو وسكون الرَّاء آخره سينٌ (٣) مهملةٌ: نبتٌ يُصبَغ به أصفر، ومنه: الثِّياب الورسيَّة، أي: المصبوغة به، وقِيلَ: إنَّ الكركمَ عروقُه، وليس ذكرهما للتَّقييد، بل لأنَّهما الغالب فيما يُصبَغ (٤) للزِّينة والتَّرفُّه، فيلحق بهما ما في معناهما، واختُلِف في ذلك المعنى؛ فقِيلَ: لأنَّه طِيبٌ، فيحرم كلُّ طيبٍ، وبه قال الجمهور، وقِيلَ: مطلق الصَّبغ، نعم يُكرَه تنزيهًا المصبوغ ولو بنِيلَةٍ أو مَغْرَةٍ للنَّهي عنه، رواه
стр. 4144
مالكٌ موقوفًا على ابن (١) عمر بإسنادٍ صحيحٍ، ومحلُّه: فيما صُبِغ بغير زعفرانٍ أو عصفرٍ، وإنَّما كرهوا هنا المصبوغ بغيرهما؛ خلاف (٢) ما قالوه في «باب ما يجوز لبسه»: إنَّه يحرم لبس ما صُبِغ بهما لأنَّ المحرم أشعث أغبر، فلا يناسبه المصبوغ مطلقًا، لكن قيَّده الماورديُّ والرُّويانيُّ: بما صُبِغ بعد النَّسج (٣).
(وَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ (٤) فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ) قُيِّد في حديث ابن عمر، وأطلق في حديث ابن عبَّاسٍ، قال الشَّافعيُّ ﵀: فقبلنا زيادة ابن عمر ﵄ في القطع، كما قبلنا زيادة ابن عبَّاسٍ ﵄ في لبس السَّراويل إذا لم يجد إزارًا، وكلاهما حافظٌ صادقٌ، وليس زيادة أحدهما على الآخر شيئًا لم يروه الآخر، وإنَّما عزب عنه أو شكَّ فيه فلم يروه، أو سكت عنه، أو أدَّاه فلم يُروَ عنه لبعض هذه المعاني.
(١٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا لَمْ يَجِدِ) الذي يريد الإحرام (الإِزَارَ) يشدُّه في وسطه (فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ) حينئذٍ.
١٨٤٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ (٥)) اليحمديِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَفَاتٍ) بالجمع، علمٌ على موضع الوقوف، وإنَّما جُمِعَ وإن كان الموضع واحدًا باعتبار بِقاعه، فإنَّ كلًّا منهما (٦) يُسمَّى عرفة، وقال الفرَّاء: لا واحد له، وقول النَّاس: نزلنا
стр. 4145
عرفة (١) شبيهٌ بمُولَّدٍ، فليس بعربيٍّ (فَقَالَ: مَنْ لَمْ يَجِدِ الإِزَارَ) يشدُّه في وسطه عند إرادته الإحرام (فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ) من غير أن يفتقه، وهذا مذهب الشَّافعيِّ كقول أحمد، وقال الحنفيَّة: إن لبسه ولم يفتقه يجب عليه دمٌ لأنَّ لبس المخيط (٢) من محظور (٣) الإحرام، والعذر لا يسقط حرمته فيجب عليه الجزاء، كما وجب في الحلق لدفع الأذى، وقال المالكيَّة: ومن لم يجد إزارًا فلبس سراويل فعليه الفدية، وكأنَّ حديث ابن عبَّاسٍ هذا لم يبلغ مالكًا، ففي «المُوطَّأ»: أنَّه سُئِل عنه فقال: لم أسمع بهذا الحديث (وَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ) أي: وليقطعهما، كما في السَّابقة [خ¦١٨٤٢].
(١٧) (بابُ) جواز (لُبْسِ السِّلَاحِ لِلْمُحْرِمِ) إذا احتاج إليه (وَقَالَ عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاسٍ، ممَّا لم يقف (٤) الحافظ ابن حجرٍ على وصله: (إِذَا خَشِيَ) المحرم (العَدُوَّ لَبِسَ السِّلَاحَ وَافْتَدَى) أي: أعطى الفدية، قال البخاريُّ: (وَلَمْ يُتَابَعْ) بضمِّ أوَّله وفتح المُوحَّدة، أي: لم يُتابَع عكرمة (عَلَيْهِ فِي) وجوب (الفِدْيَةِ) وهو يقتضي أنَّه تُوبِع على جواز لبس السِّلاح عند الخشية.
١٨٤٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، ابن موسى العبسيُّ مولاهم الكوفيُّ (عَنْ إِسْرَائِيلَ) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيِّ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ الهَمْدانيِّ (عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ (¬﵁¬) أنَّه قال: (اعْتَمَرَ النَّبِيُّ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «رسول الله» (¬ ﷺ ¬) عمرة القضيَّة (فِي ذِي القَعْدَةِ) سنة سبعٍ من الهجرة (فَأَبَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ) بفتح
стр. 4146
الدَّال، أي: يتركوه ﵊ (يَدْخُلُ مَكَّةَ، حَتَّى قَاضَاهُمْ) في عمرة الحديبية من القضاء (١)، بمعنى الفصل والحكم (لَا يُدْخِلُ مَكَّةَ سِلَاحًا) بضمِّ الياء من الإدخال، و «سلاحًا»: نُصِب على المفعوليَّة، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «لا يَدخل مكَّة سلاحٌ» بفتح الياء من «يدخل»، و «سلاحٌ» بالرَّفع بـ «يدخل» (إِلَّا فِي القِرَابِ) بكسر القاف؛ ليكون علمًا وأمارةً للسِّلم إذ كان دخولهم صلحًا.
وقد أورد المؤلِّف هذا الحديث هنا مختصرًا، وساقه بتمامه في «كتاب الصُّلح» [خ¦٢٦٩٩] عن عبيد الله بن موسى بإسناده هذا (٢)، وكذا أخرجه التِّرمذيُّ، ومطابقته للتَّرجمة في قوله: «لا يدخل مكَّة سلاحًا» لأنَّه لو كان حمل السِّلاح غير جائزٍ مطلقًا عند الضَّرورة وغيرها ما قاضى أهلَ مكَّة عليه.
(١٨) (بابُ) جواز (دُخُولِ) أرض (الحَرَمِ وَ) دخول (مَكَّةَ) من عطف الخاصِّ على العامِّ (بِغَيْرِ إِحْرَامٍ) لمن لم يرد الحجَّ أو العمرة (وَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ) فيما وصله مالكٌ في «المُوطَّأ» مكَّة لمَّا جاءه بقُديدٍ خبر الفتنة، وكان خرج منها، فرجع إليها حلالًا، ولم يذكر المفعول، قال المؤلِّف: (وَإِنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالإِهْلَالِ لِمَنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ) وأشار به إلى أنَّ (٣) من دخل مكَّة غير مريدٍ للحجِّ والعمرة فلا شيء عليه، وهو مذهب الشَّافعيَّة لقوله في حديث ابن عبَّاسٍ [خ¦١٥٢٤]: «ممَّن أراد الحجَّ والعمرة»، والمشهور عن الأئمَّة الثَّلاثة الوجوب (وَلَمْ يَذْكُرْ) ﵊، ولأبي الوقت: «ولم يذكره» بضمير المفعول، أي: لم يذكر الإحرام (لِلْحَطَّابِينَ)
стр. 4147
الذين يجلبون الحطب إلى مكَّة للبيع (وَغَيْرِهِمْ) بالجرِّ، عطفًا على السَّابق المجرور باللَّام، ولأبي ذرٍّ: «الحطَّابين وغيرَهم» بالنَّصب عطفًا على المفعول السَّابق، والمرادُ بالغير مَنْ (١) يتكرَّر دخوله كالحشَّاشين والسَّقَّائين.
١٨٤٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابن إبراهيم القصَّاب قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو وفتح الهاء مُصغَّرًا، ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ) عبدُ الله (عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ) مفعول: «وقَّتَ»، و «الحُلَيفة»: بضمِّ الحاء المهملة وفتح اللَّام، أصله: تصغيرالحَلَفة، واحدةُ (٢) الحَلْفاء؛ وهو النَّبات المعروف؛ وهو موضعٌ بينه وبين المدينة ستَّةُ أميالٍ كما رجَّحه النَّوويُّ (وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ، وَلأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ) بفتح التَّحتيَّة واللَّامين وسكون الميم الأولى، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «ألملم» بهمزةٍ (٣) بدل التَّحتيَّة، وهو الأصل (هُنَّ لَهُنَّ وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ) بضمير المُذكَّرين في هذا الأخير، والمُؤنَّثات في الثَّلاثة السَّابقة، وفي «باب مُهَلِّ أهل مكَّة» [خ¦١٥٢٤] في أوائل «كتاب الحجِّ»: «من غيرهنَّ» بضمير المُؤنَّثات فالأوَّل والثَّالث والرَّابع: للمواقيت، والثَّاني: لأهلها، وكان حقُّه أن يكون للمُذكَّرين، وأجاب ابن مالكٍ: بأنَّه عدل إلى ضمير المُؤنَّثات (٤) لقصد التَّشاكل (مَنْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ممَّن» (أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ) الواو بمعنى: «أو»، أو المراد إرادتهما معًا على جهة القران (فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ) المذكور (فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ) أي: النُّسك (حَتَّى) ينشئ (أَهْلُ مَكَّةَ) حجَّهم (مِنْ مَكَّةَ) أمَّا العمرة فمن أدنى الحلِّ لقصَّة عائشة.
стр. 4148
١٨٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَامَ الفَتْحِ) مكَّةَ (وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ) بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الفاء: زَرَدٌ يُنسَج من الدُّروع على قدر الرَّأس، أو رفرف (١) البيضة، أو ما غطَّى الرَّأس من السِّلاح كالبيضة، ولا تعارض بينه وبين رواية مسلمٍ من حديث جابرٍ: وعليه عمامةٌ سوداء، فإنَّه يحتمل أن يكون المغفر فوق العمامة السَّوداء وقايةً لرأسه المُكرَّم من صدأ الحديد، أو هي فوق المغفر، فأراد أنسٌ بذكر المغفر كونه دخل متأهِّبًا للحرب، وأراد جابرٌ بذكر العمامة كَوْنَه غيرَ محرمٍ، أو كان أوَّل دخوله على رأسه المغفر، ثمَّ أزاله ولبس العمامة بعد ذلك، فحكى كلٌّ منهما ما رآه، وستر الرَّأس يدلُّ على أنَّه دخل غير محرمٍ، لكن قال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يكون محرمًا وغطَّى رأسه لعذرٍ، وتُعقِّب بتصريح (٢) جابرٍ وغيره بأنَّه لم يكن محرمًا، واستشكل في «المجموع» ذلك لأنَّ مذهب الشَّافعيِّ: أنَّ مكَّة فُتِحت صلحًا خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنَّها فُتِحت عنوةً، وحينئذٍ فلا خوف، ثمَّ أجاب: بأنَّه ﵊ صالح أبا سفيان، وكان لا يأمن غدر أهل مكَّة، فدخلها صلحًا متأهِّبًا للقتال إن غدروا (فَلَمَّا نَزَعَهُ) أي: فلمَّا نزع ﵊ المغفر (جَاءَ رَجُلٌ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «جاءه رجلٌ» وهو أبو برزة نضلة بن عبيدٍ الأسلميُّ كما جزم به الفاكهانيُّ في «شرح العمدة» والكِرمانيُّ، قال البرماويُّ: وكذا ذكره ابن طاهرٍ وغيره، وقِيلَ: سعيد بن حُريثٍ (فَقَالَ): يا رسول الله (إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ) بفتح الخاء المعجمة والطَّاء المهملة بعدها لامٌ، وكان اسمُه في الجاهليَّة عبدَ العُزَّى، فلمَّا أسلم سُمِّي عبدَ الله، وليس اسمه هلالًا، بل هو اسم أخيه، واسم خَطَلٍ عبدُ منافٍ، وخَطَلٌ لقبٌ له لأنَّ أحد لحييه كان أنقص من الآخر، فظهر أنَّه مصروفٌ، وهو من بني تيم (٣) بن غالب بن فهرٍ (٤)، ومقول قول الرَّجل هو
стр. 4149
قوله: (مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ، فَقَالَ) ﵊: (اقْتُلُوهُ) فقتله أبو برزة وشاركه فيه سعيد بن حُريثٍ، وقِيلَ: القاتل له سعيد بن ذُؤيبٍ، وقِيلَ: الزُّبير بن العوَّام، وكان قتله بين المقام وزمزم.
واستدلَّ به القاضي عياضٌ في «الشِّفاء» وغيره من المالكيَّة على قتل من آذى النَّبيَّ ﷺ أو تنَّقصه ولا تُقبَل له توبةٌ لأنَّ ابن خَطَلٍ كان يقول الشِّعر يهجو به النَّبيَّ ﷺ ، ويأمر جاريتيه أن تغنِّيا به، ولا دلالة في ذلك أصلًا لأنَّه إنَّما قُتِل ولم يُسْتَتَب للكفر والزِّيادة فيه بالأذى، مع ما اجتمع فيه من موجبات القتل، ولأنَّه اتَّخذ الأذى ديدنًا (١) فلم يتحتَّم أنَّ سبب قتله الذَّمُّ، فلا يُقاس عليه من فَرَطَ منه فرطةٌ، وقلنا بكفره بها وتاب ورجع إلى الإسلام، فالفرق واضحٌ، وفي كتابي «المواهب اللَّدنيَّة بالمنح المحمَّديَّة» مزيد بحثٍ لذلك، وإنَّما أمر ﵊ بقتل ابن خَطَلٍ لأنَّه كان مسلمًا، فبعثه رسول الله ﷺ مصدِّقًا وبعث معه رجلًا من الأنصار، وكان معه مولًى يخدمه وكان مسلمًا فنزل منزلًا فأمر المولى أن يذبح تيسًا ويصنع له طعامًا ونام، فاستيقظ ولم يصنع له شيئًا فعدا عليه فقتله، ثمَّ ارتدَّ مشركًا، وكانت له قَيْنَتَان تغنِّيان بهجاء رسول الله ﷺ ، فكان ممَّن أهدر دمه يوم الفتح، قال الخطَّابيُّ: قتله بما جناه في الإسلام، وقال ابن عبد البرِّ: قَتَله قَوَدًا من دم المسلم الذي قتله (٢) ثمَّ ارتدَّ، واستدلَّ بقصَّته على جواز إقامة الحدود والقصاص في حرم مكَّة، وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وتأوَّل الحديث: بأنَّه كان في السَّاعة التي أُبيحت له، وأجاب أصحابنا: بأنَّه إنَّما أُبيحت له ساعة الدُّخول حتَّى استولى عليها، وقتل ابن خطلٍ بعد ذلك، وتُعقِّب بما سبق: أنَّ الساعة التي أُحِلَّت له ما بين أوَّل النَّهار ودخول وقت العصر، وقتلُ ابن خطلٍ كان قبل ذلك قطعًا لأنَّه قيَّد في الحديث بأنَّه كان عند نزعه المغفر، وذلك عند استقراره بمكَّة، وحينئذٍ فلا يستقيم الجواب المذكور.
وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٨٠٨] و «الجهاد» [خ¦٣٠٤٤] و «المغازي» [خ¦٤٢٨٦]، ومسلمٌ في «المناسك»، وأبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الجهاد»، والنَّسائيُّ في «الحجِّ».
стр. 4150
وهذا الحديث قد عُدَّ من أفراد مالكٍ، تفرَّد بقوله: «وعلى رأسه المغفر» كما تفرَّد بحديث: «السَّفر قطعةٌ من العذاب» كما قاله ابن الصَّلاح وغيره، وتعقَّبه الزَّين العراقيُّ بأنَّه ورد من طريق ابن أخي الزُّهريِّ ومَعْمَرٍ وأبي (١) أويس والأوزاعيِّ، فالأولى: عند البزَّار، والثَّانية: عند ابن عديٍّ و «فوائد ابن المقرئ»، والثَّالثة: عند ابن سعدٍ وأبي عَوانة (٢)، والرَّابعة: ذكرها المزنيُّ وهي في «فوائد تمام»، وزاد الحافظ ابن حجرٍ: طريق عقيلٍ في «مُعجَم ابن جُمَيعٍ»، ويونس بن يزيد في «الإرشاد» للخليليِّ، وابن أبي حفصة في «الرُّواة عن مالكٍ» للخطيب، وابن عيينة في «مُسنَد أبي يعلى»، وأسامة بن زيدٍ في «تاريخ نيسابور»، وابن أبي ذئبٍ في «الحلية»، ومحمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي الموالي في «أفراد الدَّارقُطنيِّ»، وعبد الرَّحمن ومحمَّد ابني عبد العزيز الأنصاريَّيَن في «فوائد عبد الله بن إسحاق الخراسانيِّ»، وابن إسحاق في «مُسنَد مالكِ» لابن عديٍّ، وصالح بن أبي (٣) الأخضر ذكره أبو ذرٍّ الهرويُّ عقب حديث ابن قزعة عن مالكٍ، المخرَّج عند البخاريِّ في «المغازي» [خ¦٤٢٨٦] وبحر السَّقَّاء (٤) ذكره جعفرٌ الأندلسيُّ في تخريجه للجيزيِّ -بالجيم والزَّاي- لكن ليس في طرقه شيءٌ على شرط الصَّحيح إلَّا طريق مالكٍ، وأقربها ابن أخي الزُّهريِّ، ويليها رواية أبي (٥) أويسٍ، فيُحمَل قول من قال: انفرد به مالكٌ، أي: بشرط الصِّحَّة، وقول من قال: تُوبِع، أي: في الجملة.
(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أَحْرَمَ) شخصٌ، حال كونه (جَاهِلًا) بأحكام الإحرام (وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ)
стр. 4151
جملةٌ حاليةٌ (وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ، ممَّا وصله [ابن المنذر في الكبير] (١): (إِذَا تَطَيَّبَ) المحرم (أَوْ لَبِسَ) مخيطًا أو محيطًا (٢)، حال كونه (جَاهِلًا) للحكم (أَوْ نَاسِيًا) للإحرام (فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ).
١٨٤٧ - ١٨٤٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى، ابن يحيى بن دينارٍ العوذيُّ الأزديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ المكِّيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ) يعلى بن أميَّة، ويقال: ابن منية وهي أمه أخت عتبة بن غزوان (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «حدثني صفوان بن يعلى بن أمية قال» فزاد لفظ: «ابن أميَّة» وأسقط لفظ «عن أبيه»، وجزم الحافظ ابن حجر: بأنَّه تصحيفٌ، صحَّف «عن»، فصارت «ابن»، و «أبيه» فصار «أميَّة»، قال: وليست لصفوان صحبةٌ ولا رؤيةٌ (٣)، فالصَّواب: رواية غير أبي ذرٍّ: «حدَّثني صفوان بن يعلى عن أبيه قال»: (كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «مع النَّبِّي» (¬ ﷺ ¬) زاد في «المُوطَّأ»: «وهو بحُنَينٍ» وفي روايةٍ للبخاريِّ (٤) [خ¦١٥٣٦]: «بالجِعْرَانة» (فَأَتَاهُ رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (عَلَيْهِ جُبَّةٌ) جملةٌ اسميَّةٌ في موضع رفعٍ، صفةٌ «لرجل» (فِيْها أَثَرُ صُفْرَةٍ) ولأبي الوقت في نسخةٍ: «وأثر صفرةٍ» بالواو، ولأبي ذرٍّ: «فيه أثر صفرةٍ» أي: في الرَّجل، ويُروَى: «وعليها أثر صفرةٍ» أي: على الجبَّة (أَوْ نَحْوُهُ) قال يعلى: (كَانَ) وفي نسخةٍ: «وكان» (عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (يَقُولُ لِي: تُحِبُّ) أي: أتحبُّ؟ فحذف همزة الاستفهام (إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ) زاده الله شرفًا لديه (الوَحْيُ أَنْ تَرَاهُ؟) «أن» مصدريَّةٌ في موضع نصبٍ مفعولُ «تحبُّ» (فَنَزَلَ عَلَيْهِ) أي: الوحي (ثُمَّ سُرِّيَ) بضمِّ السِّين وكسر الرَّاء المُشدَّدة، أي: كُشِف
стр. 4152
(عَنْهُ) شيئًا بعد شيءٍ (فَقَالَ) ﵊ للرَّجل: (اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ) من الطَّواف بالبيت، والسَّعي بين الصَّفا والمروة، والحلق، والاحتراز عن محظورات الإحرام في الحجِّ كلبس المخيط وغيره، وفيه: إشعارٌ بأنَّ الرَّجل كان عالمًا بصفة الحجِّ دون العمرة، زاد في «باب يَفْعَل في العمرة ما يفعل (١) في الحجِّ» [خ¦١٧٨٩]-قبل قوله: اصنع-: «اخلع عنك الجبَّة، واغسل أثر الخَلُوق عنك، وأنقِ الصُّفرة»، وفيه: دليلٌ على أنَّ من أحرم في قميصٍ أو جبَّةٍ لا تُمزَّق عليه كما يقول الشَّعبيُّ، بل إنْ نزعه في الحال، أي: من رأسه، وإن أدَّى إلى الإحاطة برأسه فلا شيء عليه، نعم إنْ (٢) كانت الجبَّة مُفرَّجةً جميعها مُزرَّرةً (٣) -كالقباء والفرجيَّة- وأراد المحرم نزعها فهل له نزعها من رأسه مع إمكان حلِّ الأزرار (٤) بحيث لا تحيط بالرَّأس؟ محلُّ نظرٍ، وفي الحديث أيضًا: أنَّ المحرم إذا لبس أو تطيَّب ناسيًا أو جاهلًا فلا فدية عليه لأنَّ السَّائل كان قريب العهد بالإسلام ولم يأمره بالفدية، والنَّاسي في معنى الجاهل، وبه قال الشَّافعيُّ، وأمَّا ما كان من باب الإتلافات (٥) من المحظورات كالحلق وقتل الصَّيد فلا فرق بين العامد والنَّاسي والجاهل في لزوم الفدية، قاله البغويُّ في «شرح السُّنَّة»، وقال المالكيَّة: فعل العمد والسَّهو والضَّرورة والجهل سواءٌ في الفدية إلَّا في حرجٍ عامٍّ؛ كما لو ألقت الرِّيح عليه الطِّيب فإنَّه في هذا وشبهه لا فدية عليه، لكن إن تراخى في إزالته لزمته، وأجاب ابن المُنيِّر من المالكيَّة في «حاشيته» عن هذا الحديث بأنَّ الوقت الذي أحرم فيه الرَّجل في الجبَّة كان قبل نزول الحكم (٦)، قال: ولهذا انتظر النَّبيُّ ﷺ الوحي، قال: ولا خلاف أنَّ التَّكليف لا يتوجَّه على المُكلَّف قبل نزول الحكم (٧) فلهذا لم يُؤمَر الرَّجل بفديةٍ عمَّا مضى، بخلاف من لبس الآن جاهلًا فإنَّه جهل حكمًا استقرَّ، وقصَّر في علمٍ كان عليه أن يتعلَّمه لكونهُ مكلَّفًا به، وقد تمكَّن من تعلُّمه.
стр. 4153
(وَعَضَّ رَجُلٌ) هو يعلى بن أميَّة كما في «مسلمٍ» (يَدَ رَجُلٍ) ولـ «مسلمٍ» أيضًا من رواية صفوان بن يعلى: أنَّ أجيرًا ليعلى بن أميَّة عضَّ رجلٌ ذراعه فجذبها، فتعيَّن أنَّ المعضوض أجير يعلى، وأنَّ العاضَّ يعلى، ولا ينافيه قوله في «الصَّحيحين» [خ¦٢٢٦٥]: «كان لي (١) أجيرٌ فقاتل إنسانًا» لأنَّه يجوز أن يكنِّي عن نفسه ولا يبيِّن للسَّامعين أنَّه العاضُّ؛ كما قالت عائشة ﵂: قبَّل النَّبيُّ ﷺ امرأةً من نسائه، فقال لها الرَّاوي: ومن هي إلَّا أنت؟! فضحكت (يَعْنِي (٢): فَانْتَزَعَ ثَنِيَّتَهُ) واحدة الثَّنايا من السِّنِّ (فَأَبْطَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: جعله هدرًا لا دية فيه لأنَّه جذبها دفعًا للصَّائل، زاد في «الدِّية» [خ¦٦٨٩٢] «يعضُّ أحدُكم أخاه كما يَعَضُّ الفحلُ، لا ديةَ لك»، وهذا حديثٌ آخر ومسألةٌ مستقلَّةٌ بذاتها، كما يأتي (٣) ذلك -إن شاء الله تعالى بعونه (٤) وكرمه- في «باب إذا عضَّ رجلًا فوقعت ثناياه» [خ¦٦٨٩٣] من «أبواب الدِّية».
ووجهُ تعلُّقه بهذا الباب كونُه من تتمَّة الحديث، فهو مذكورٌ بالتَّبعيَّة، وحديث الباب سبق في مواضع، وأخرجه أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٥٣٦] و «فضائل القرآن» [خ¦٤٩٨٥] و «المغازي» [خ¦٤٤١٧]، ومسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.
(٢٠) (بابُ) حكم (المُحْرِمِ) حال كونه (٥) (يَمُوتُ بِعَرَفَةَ، وَلَمْ يَأْمُرِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُؤَدَّى عَنْهُ) أي: عن المحرم الذي مات بعرفة (بَقِيَّةُ الحَجِّ) كرمي الجمار والحلق وطواف الإفاضة لأنَّ أثر إحرامه باقٍ لأنَّه يُبعَث يوم القيامة ملبِّيًا، وإنَّما لم يأمر النَّبيُّ (٦) ﷺ بأن يُؤدَّى عنه بقيَّة الحجِّ لأنَّه مات قبل التَّمكُّن من أداء بقيَّته، فهو غير مخاطبٍ به كمن شرع في صلاةٍ مفروضةٍ أوَّل وقتها، فمات في أثنائها فإنَّه لا تبعة عليه فيها إجماعًا.
стр. 4154
١٨٤٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ الأزديُّ قاضي مكَّة، قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو ابن درهمٍ الجهضميُّ الأزديُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: بَيْنَا) بغير ميمٍ (رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (١) (وَاقِفٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَرَفَةَ) -بلفظ الإفراد- في حجَّة الوداع (إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ) بفتح الفاء (٢) والواو والقاف المُخفَّفة والصَّاد المهملة (-أَوْ قَالَ: فَأَقْعَصَتْهُ-) بهمزةٍ مفتوحةٍ بعد الفاء فقافٍ ساكنةٍ فعينٍ فصادٍ مهملتين مفتوحتين، وهما بمعنًى، أي: كسرت راحلتُه عنقَه، والشَّكُّ من الرَّاوي (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ -أَوْ قَالَ): في (ثَوْبَيْهِ-) بالشَّكِّ من الرَّاوي (وَلَا تُخَمِّرُوا) بالخاء المعجمة، أي: لا تغطُّوا (رَأْسَهُ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ) أي: لا تجعلوا فيه حنوطًا؛ وهي أخلاطٌ من طيبٍ من كافورٍ وذَريرة قصبٍ ونحوه، قال الخطَّابيُّ: استبقى له شعار الإحرام من كشف الرَّأس واجتناب الطِّيب تكرمةً له كما استبقى للشَّهيد شعار الطَّاعة التي تقرَّب بها إلى الله تعالى في جهاد أعدائه، فيُدفَن بدمه وثيابه (فَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ) حال كونه (يُلَبِّي) هو إيماءٌ إلى العلَّة.
١٨٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) ولأبي الوقت: «حمَّاد بن زيدٍ» (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بَيْنَا رَجُلٌ) بغير ميمٍ (وَاقِفٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَرَفَةَ) بلفظ المفرد (إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ -أَوْ قَالَ:
стр. 4155
فَأَوْقَصَتْهُ (١) -) شكٌّ من الرَّاوي في أنَّ المادَّة: هل (٢) هي من الثُّلاثيِّ أو من الرُّباعيِّ؟ وسبق تفسيره، ولكنَّ نسبة الوقص للرَّاحلة إن كان بسبب الوقوع فمجازٌ، وإن كان من الرَّاحلة بعد الوقوع حركةٌ أثَّرت الكسر بفعلها فحقيقةٌ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُمِسُّوهُ طِيبًا) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وكسر الميم من الإمساس، ولغير أبي ذرٍّ: «ولا تَمَسُّوه» بفتح المُثنَّاة والميم، من المسِّ (وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ؛ فَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا) نُصِب على الحال، والفرق بينه وبين قوله في السَّابقة [خ¦١٨٤٩]: «يلبِّي» أنَّ الفعل يدلُّ على التَّجدُّد، والاسم على الثُّبوت.
(٢١) (بابُ سُنَّةِ المُحْرِمِ) في كيفيَّة الغسل والتَّكفين وغيره (إِذَا مَاتَ) وهو محرمٌ.
١٨٥١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الدَّورقيُّ قال: (حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضمِّ الهاء وفتح الشِّين المعجمة ابنُ بَشيرٍ بضمِّ الموحَّدة وفتح المعجمة مُصغَّرين، السُّلميُّ الواسطيُّ قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ) بكسر المُوحَّدة وسكون المعجمة جعفر بن إياسٍ اليشكريُّ البصريُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَجُلًا كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) في حجَّة الوداع بعرفة (فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ) جملةٌ اسميَّةٌ (فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ) اللذين كان محرمًا فيهما (وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ) بفتح الفوقيَّة والميم، ولأبي ذرٍّ: «ولا تُمِسُّوه» بضمِّها وكسر الميم (وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا) بصفة الملبِّين بنسكه الذي مات فيه من حجٍّ أو عمرةٍ أو هما معًا، وهذا القدر كافٍ في التَّعليل للحكم السَّابق، ثمَّ بعد ذلك لا يمتنع أن يأتي يوم القيامة ملبِّيًا مع ذلك، أي: قائلًا: لبَّيك اللَّهمَّ لبَّيك.
стр. 4156
(٢٢) (بابُ) حكم (الحَجِّ وَالنُّذُورِ) بلفظ الجمع، وللنَّسفيِّ-فيما قاله في «الفتح» -: «والنَّذر» (عَنِ المَيِّتِ، وَ) حكم (الرَّجُلِ) وفي الفرع: «والرَّجُلُ» بالرَّفع على الاستئناف (يَحُجُّ عَنِ المَرْأَةِ) وكان ينبغي أن يقول: والمرأة تحجُّ عن المرأة ليطابق حديث الباب، وأجاب الزَّركشيُّ بأنَّه استنبط ذلك من قوله: «اقضوا الله» فإنَّه خاطبها بخطابٍ دخل فيه الرِّجال والنِّساء، فللرَّجل أن يحجَّ عن المرأة، ولها أن تحجَّ عنه، وأمَّا قول الحافظ ابن حجرٍ: في قوله: «والرَّجل يحجُّ عن المرأة» نظرٌ لأنَّ لفظ الحديث: أنَّ امرأةً (١) سألت عن نذرٍ كان على أبيها، فكان حق التَّرجمة أن يقول: والمرأة تحج عن الرجل، ثم قال: والذي يظهر لي (٢) أنَّ البخاريَّ أشار بالترجمة إلى رواية شعبة عن أبي بِشْرٍ في هذا الحديثِ [خ¦٦٦٩٩] فإنَّه قال فيه: أتى رجلٌ النَّبيَّ ﷺ ، فقال: إنَّ أختي نذرت أن تحجَّ … الحديث، وفيه: «فاقضِ الله فهو أحقُّ بالقضاء»، فلا يخفى ما فيه، فإنَّ حديث الباب إنَّما هو: أنَّ امرأةً من جهينة قالت: إنَّ أمِّي (٣)، وكيف يُقال بالمطابقة بين ترجمةٍ وحديثٍ مذكورٍ في بابٍ آخر؟ والأصل: أنَّ المطابقة إنَّما تكون بين التَّرجمة وحديث الباب، فليُتأمَّل.
١٨٥٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنْقَريُّ -بكسر الميم وسكون النُّون وفتح القاف- التَّبُوذَكيُّ -بفتح المُثنَّاة وضمِّ المُوحَّدة وسكون الواو وفتح المعجمة- قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) جعفر بن إياسٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ) هي امرأة سنان بن سلمة الجهنيِّ كما في «النَّسائيِّ»، ولأحمد: سنان بن عبد الله (٤)، وهو أصحُّ، وفي «الطَّبرانيِّ»: أنَّها عمَّته، قاله الحافظ ابن حجرٍ في «المقدِّمة»،
стр. 4157
وقال في «الفتح»: إنَّ ما في «النَّسائيِّ» لا يُفسَّر به المبهم في حديث الباب لأنَّ في حديث الباب: أنَّ المرأة سألت بنفسها، وفي النَّسائيِّ: أن زوجها سأل لها، ويمكن الجمع بأنَّ نسبة السُّؤال إليها مجازيَّةٌ، وإنَّما الذي تولَّى لها السُّؤال زوجُها، لكن في حرف الغين المعجمة من «الصَّحابيَّات» لابن منده عن ابن وهبٍ عن عثمان بن عطاءٍ الخراسانيِّ عن أبيه: أنَّ غاثية -بالغين المعجمة وبعد الألف مُثلَّثةٌ، وقيل: نونٌ وقبل الهاء مُثنَّاةٌ تحتيَّةٌ- سألت عن نذر أمِّها، وجزم ابن طاهرٍ في «المبهمات» بأنَّه اسم الجهنيَّة (١) المذكورة في حديث الباب، لكن قال الذَّهبيُّ: أرسله عطاءٌ ولا يثبت.
(جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ): يا رسول الله (إِنَّ أُمِّي) لم تُسَمَّ (نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟) الفاء الدَّاخلة عليها همزة الاستفهام الاستخباريِّ عطفٌ (٢) على محذوفٍ، أي: أيصحُّ منِّي أن أكون نائبةً عنها فأحجَّ عنها (قَالَ) ﵊: (نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا) ولأبي الوقت: «قال: حجِّي» فأسقط «نعم»، وفيه: دليلٌ على أنَّ من مات وفي ذمَّته حقٌّ لله تعالى من حجٍّ أو كفَّارةٍ أو نذرٍ فإنَّه يجب قضاؤه (أَرَأَيْتِ) بكسر التَّاء، أي: أخبريني (لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ) لمخلوقٍ (أَكُنْتِ قَاضِيَةً) ذلك الدَّين عنها؟ وللحَمُّويي والمُستملي: «قَاضِيَتهِ» بضمير المفعول (اقْضُوا اللهَ) أي: حقَّ اللهِ (فَاللهُ أَحَقُّ بِالوَفَاءِ) من غيره.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الاعتصام» [خ¦٧٣١٥] و «النُّذور» [خ¦٦٦٩٩]، والنَّسائيُّ في «الحجِّ».
(٢٣) (بابُ) حكم (الحَجِّ عَمَّنْ لَا يَسْتَطِيعُ الثُّبُوتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ) لمرضٍ أو غيره ككبرٍ أو زمانةٍ.
стр. 4158
١٨٥٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) (١) الضَّحَّاك بن مخلدٍ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) بالسِّين المهملة المُخفَّفة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) عبدِ الله (عَنِ الفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ) أخيه، وكان أكبر ولد أبيه (¬﵃: أَنَّ امْرَأَةً) كذا رواه ابن جريجٍ، وتابعه معمرٌ، وخالفهما مالكٌ، وأكثر الرُّواة عن الزُّهريِّ فلم يقولوا فيه: عن الفضل، وروى ابن ماجه من طريق محمَّد بن كريبٍ عن أبيه عن ابن عبَّاسٍ: أخبرني حصين بن عوفٍ (٢) الخثعميُّ، قال التِّرمذيُّ: سألت محمَّدًا -يعني: البخاريَّ- عن هذا فقال: أصحُّ شيءٍ فيه: ما روى ابن عبَّاسٍ عن الفضل، قال: فيحتمل أن يكون ابن عبَّاسٍ سمعه من الفضل ومن غيره، ثمَّ رواه بغير واسطةٍ. انتهى. وإنَّما رجَّح البخاريُّ الرِّواية عن الفضل لأنَّه كان رِدْفَ رسول الله ﷺ حينئذٍ، وكان ابن عبَّاسٍ قد تقدَّم (٣) من المزدلفة (٤) إلى منًى مع الضَّعفة، فكأنَّ الفضل حدَّث أخاه بما شاهد في تلك الحالة، ولم يَسُقِ المؤلِّف لفظ رواية ابن جريجٍ على عادته، وبقيَّتها: أنَّ امرأةً جاءت إلى النَّبيِّ ﷺ فقالت: إنَّ أبي أدركه الحجُّ، وهو شيخٌ كبيرٌ لا يستطيع أن يركب البعير، أفأحجُّ عنه؟ قال: «حجِّي عنه» أخرجه أبو مسلمٍ الكجِّيُّ عن أبي عاصمٍ شيخ المؤلِّف فيه (٥).
ثمَّ انتقل المؤلِّف إلى إسناد عبد العزيز بن أبي سلمة، وساق الحديث على لفظه، فقال: (ح): لتحويل السَّند:
стр. 4159
١٨٥٤ - (حَدَّثَنَا) ولأبي الوقت: «وحدَّثنا» بواو العطف (مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ) الماجِشُون؛ بكسر الجيم وبعدها شينٌ معجمةٌ مضمومةٌ، ونسبه لجدِّه، واسم أبيه: عبد الله المدنيُّ نزيل بغداد، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) وقع عند التِّرمذيِّ وأحمد وابنه عبد الله من حديث عليٍّ ما يدلُّ على أنَّ السُّؤال وقع عند المنحر بعد الفراغ من الرَّمي، وأنَّ العبَّاس كان حاضرًا، فلا مانع أن يكون ابنه عبد الله أيضًا كان معه، فحمله تارةً عن أخيه الفضل، وتارةً شاهده (قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ) لم تُسَمَّ (مِنْ خَثْعَمَ) بفتح الخاء المعجمة وسكون المُثلَّثة وفتح العين المهملة غير مصروفٍ؛ للعلميَّة والتَّأنيث باعتبار القبيلة لا العلميَّة والوزن، وهي قبيلةٌ مشهورةٌ (عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ) وفي «الاستئذان» [خ¦٦٢٢٨] من رواية شعيبٍ (١): «يوم النَّحر» (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي) لم يُسَمَّ أيضًا (٢) (شَيْخًا كَبِيرًا) نُصِب على الاختصاص، وقال الطِّيبيُّ: حالٌ، قال العينيُّ (٣): وفيه نظرٌ (لَا) ولأبي الوقت: «ما» (يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ) يجوز أن يكون حالًا، وأن يكون صفةً (فَهَلْ يَقْضِي) بفتح أوَّله وكسر ثالثه، أي: يجزي أو يكفي (عَنْهُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ) ﵊: (نَعَمْ) يقضي عنه، وهذا موضع التَّرجمة، ثم إنَّ الاستطاعة المُتوقِّف عليها الوجوب تكون تارةً (٤) بالنَّفس، وتارةً بالغير، فالأولى تتعلَّق بخمسة أمورٍ: الأوَّل والثَّاني: الزَّاد والرَّاحلة لتفسير «السَّبيل» في الآية بهما في حديث الحاكم، وقال: صحيحٌ على شرطهما، والثَّالث: الطَّريق، فيُشترَط الأمن فيه ولو ظنًّا، والرَّابع: البدن، فيُشترَط أن يثبت على المركوب ولو في محملٍ أو كسفينةٍ (٥) بلا مشقَّةٍ شديدةٍ، فلو لم يثبت عليه أصلًا، أو ثبت عليه في محملٍ أو كسفينةٍ بمشقَّةٍ شديدةٍ -لمرضٍ أو غيره- لم يجب عليه النُّسك بنفسه لعدم استطاعته، بخلاف من انتفت عنه المشقَّة
стр. 4160
فيما ذكر فيجب عليه النُّسك، وأمَّا الاستطاعة بالغير فالعاجز عن الحجِّ أو العمرة ولو قضاءً أو نذرًا يكون بالموت تارةً، وعن الرُّكوب إلَّا بمشقَّةٍ شديدةٍ (١) لكبرٍ أو زمانةٍ أخرى، فإنَّه يُحَجُّ عنه لأنَّه مستطيعٌ بغيره، لأنَّ الاستطاعة كما تكون بالنَّفس تكون ببذل المال (٢)، وقال المالكيَّة: وإن استناب العاجز في الفرض أو الصَّحيح في النَّفل كُرِه له ذلك، قال سندٌ: والمذهب: كراهتها للصَّحيح في التَّطوُّع، وإن وقع صحَّت الإجارة، واختُلِف في العاجز: هل تجوز استنابته -وهو مرويٌّ عن مالكٍ- أو تُكرَه -وهو المشهور-؟ أو يُفرَّق بين الولد فيجوز منه، وبين غيره فلا يجوز، وهو قول ابن وهبٍ وأبي مصعبٍ.
(٢٤) (بابُ حَجِّ المَرْأَةِ عَنِ الرَّجُلِ).
١٨٥٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) الهلاليِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ الفَضْلُ) بن عبَّاسٍ (رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) زاد شعيبٌ في روايته [خ¦٦٢٢٨]: «على عجز راحلته» (فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ) لم تُسَمَّ (مِنْ خَثْعَمٍَ) بغير صرفٍ (٣)، وفي الفرع: مصروفٌ منوَّنٌ (٤) (فَجَعَلَ الفَضْلُ) بن العبَّاس (٥) (يَنْظُرُ
стр. 4161
إِلَيْهَا) وكان غلامًا جميلًا (١) (وَتَنْظُرُ) الخثعميَّة (إِلَيْهِ، فَجَعَلَ) بالفاء، ولأبي الوقت: «وجعل» (النَّبِيُّ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ الفَضْلِ إلى الشِّقِّ الآخَرِ) الذي ليس فيه المرأة (٢) خشية الافتتان (فَقَالَتْ) أي: الخثعميَّة: يا رسول الله (إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ) أي: في الحجِّ كما في حديث الباب السَّابق [خ¦١٨٥٤] (أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا (٣) يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ) «لا يثبت»: صفةٌ بعد صفة، أو من الأحوال المتداخلة، أو «شيخًا»: بدلٌ لكونه موصوفًا، أي: وجب عليه الحجُّ بأن أسلم وهو شيخٌ كبيرٌ، أو حصل (٤) له المال في هذا (٥) الحال، والأوَّل أوجه، قاله في «شرح المشكاة» (أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟) أي: أيصحُّ أن أنوب عنه فأحجُّ عنه؟ (قَالَ) ﵊: (نَعَمْ) أي: حجِّي عنه، وفيه: دليلٌ على أنَّه يجوز للمرأة أن تحجَّ عن الرَّجل خلافًا لمن زعم أنَّه لا يجوز معلِّلًا بأنَّ المرأة تلبس في الإحرام ما لا يلبسه الرَّجل، فلا يحجُّ عنه إلَّا رجلٌ مثله (وَذَلِكَ) أي: ما ذكر (فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ) بمنًى.
(٢٥) (بابُ حَجِّ الصِّبْيَانِ).
١٨٥٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل عارمٌ -بالعين والرَّاء المهملتين- السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ) بتصغير: «عبدٍ»، و «يزيد» من الزِّيادة (٦)، المكِّيِّ (قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: بَعَثَنِي -أَوْ قَدَّمَنِي-) بالشَّكِّ من
стр. 4162
الرَّاوي (النَّبِيُّ ﷺ فِي الثَّقَلِ) بفتح المُثلَّثة والقاف: آلات السَّفر ومتاعه (مِنْ جَمْعٍ) بفتح الجيم وسكون الميم، أي: من المزدلفة (بِلَيْلٍ) ووجه المطابقة بين الحديث والتَّرجمة: أنَّ ابن عبَّاسٍ كان دون البلوغ ولذا أردفه المؤلِّف بحديثه الآخر المصرِّح فيه: بأنَّه كان قد (١) قارب الاحتلام، فقال:
١٨٥٧ - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بن منصورٍ الكوسج المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ القرشيُّ الزُّهريُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن عبد الله (عَنْ عَمِّهِ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ الزُّهريُّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ) بتصغير: «عبدٍ» الأوَّل، و «عُتْبة»: بضمِّ العين وسكون المُثنَّاة الفوقيَّة (٢) (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَقْبَلْتُ وَقَدْ نَاهَزْتُ) بالنُّون والهاء المفتوحتين وبينهما ألفٌ وبعد الهاء زايٌ ساكنةٌ، أي: قاربت (الحُلُمَ) بضمَّتين، أي: البلوغ بالاحتلام، حال كوني (أَسِيرُ عَلَى أَتَانٍ لِي) هي الأنثى من الحمر (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي بِمِنًى) الواو في: «ورسول الله ﷺ » للحال، و «على أتانٍ»: متعلِّقٌ بقوله: «أسير» (حَتَّى سِرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ الأَوَّلِ) وهو مجازٌ عن القدَّام لأنَّ الصَّفَّ لا يَدَ له (ثُمَّ نَزَلْتُ عَنْهَا) أي: عن الأتان (فَرَتَعَتْ) أكلت من نبات الأرض (فَصَفَفْتُ مَعَ النَّاسِ) في «كتاب العلم» [خ¦٧٦]: «فدخلت في الصَّفِّ» (٣) (وَرَاءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬).
стр. 4163
زاد: (وَقَالَ يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ ممَّا وصله مسلمٌ: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: بِمِنًى فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ) وهذا موضع التَّرجمة لِمَا (١) لا يخفى.
١٨٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ) المُستملي الرَّقِّيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بالحاء المهملة الكوفيُّ، سكن المدينة (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ) الكنديِّ المدنيِّ الأعرج (عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ) الكنديِّ، ويُقال: الأسديُّ، وهو جدُّ محمَّد بن يوسف لأمِّه (قَالَ: حُجَّ بِي) بضمِّ الحاء مبنيًّا للمفعول، وقال ابن سعدٍ عن الواقديِّ عن حاتمٍ: حجَّت بي أمِّي، وعند الفاكهيِّ (٢) من وجهٍ آخر عن محمَّد بن يوسف عن السَّائب: حجَّ بي أبي، وجُمِع بأنَّه حجَّ معهما (مَعَ رَسُولِ اللهِ) ولأبي الوقت: «مع النَّبيِّ» (¬ ﷺ وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ) وزاد التِّرمذيُّ عن قتيبة عن حاتمٍ: «في حجَّة الوداع».
١٨٥٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ) بفتح العين وسكون الميم، و «زُرَارَة»: بضمِّ الزَّاي وفتح الرَّاء المُكرَّرة بينهما ألفٌ، ابن واقدٍ الكلابيُّ النَّيسابوريُّ قال: (أَخْبَرَنَا القَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ) المزنيُّ الكوفيُّ (عَنِ الجُعَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضمِّ الجيم وفتح العين مُصغَّرًا ابن أوسٍ (٣) الكنديِّ (قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ) رحمة الله عليه (يَقُولُ لِلسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، وَكَانَ قَدْ) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «وكان السَّائب قد» (حُجَّ بِهِ فِي ثَقَلِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بضمِّ الحاء مبنيًّا للمفعول،
стр. 4164
زاد الإسماعيليُّ: وأنا غلامٌ، ولم يذكر المؤلِّف مقول (١) عمر ولا جواب السَّائل لأنَّ غرضه الإعلام بأنَّ السَّائب حُجَّ به وهو صغيرٌ، وكأنَّه كان سأله عن قدر المُدِّ كما في «الكفَّارات» [خ¦٦٧١٢] عن عثمان ابن أبي شيبة عن القاسم بن مالكٍ بهذا الإسناد: كان الصَّاع على عهد رسول الله (٢) ﷺ مُدًّا وثُلُثًا بمُدِّكم (٣) اليوم، فزِيد فيه في زمن عمر بن عبد العزيز.
واعلم أنَّ الحجَّ لا يجب على الصَّبيِّ، لكن يصحُّ منه ويكون له تطوُّعًا لحديث مسلمٍ عن ابن (٤) عبَّاسٍ قال: رفعت امرأةٌ صبيًّا لها فقالت: يا رسول الله ألهذا حجٌّ؟ قال: «نعم، ولك أجرٌ»، ثمَّ إن كان الصَّبيُّ مميِّزًا أحرم بإذن وليِّه، فإن أحرم بغير إذنه لم يصحَّ في الأصحِّ، وإن لم يكن مميِّزًا أحرم عنه وليُّه، سواءٌ كان الوليُّ حلالًا أم مُحرِمًا، وسواءٌ كان حجُّه عن نفسه أم لا، وكيفيَّة إحرامه أن يقول: أحرمت عنه أو جعلته مُحرِمًا، ومتى صار الصَّبيُّ محرمًا فعل ما قدر عليه بنفسه، ويفعل (٥) الوليُّ به ما عجز عنه من غسلٍ وتجرُّدٍ عن مخيطٍ ولبس إزارٍ ورداءٍ، فإن قدر على الطَّواف، وإلَّا طِيف به، والسَّعي كالطَّواف، ويركع عنه ركعتي الإحرام والطَّواف إن لم يكن مميِّزًا، وإلَّا صلَّاهما بنفسه، ويُشترَط أن يُحضِرَه المواقف، فيحضره وجوبًا في الواجبات، وندبًا في المندوبات كعرفة والمزدلفة والمشعر الحرام، سواءٌ كان الصَّبيُّ مميِّزًا أو غير مميِّزٍ لإمكان فعلها منه ولا يغني (٦) حضورها عنه، وإن قدر على الرَّمي رمى وجوبًا، وإلَّا استُحِبَّ للوليِّ أن يضع الحجر في يده ويأخذها ويرمي بها عنه بعد رميه عن نفسه، ولو بلغ الصَّبيُّ في أثناء الحجِّ ولو بعد وقوفٍ، فأدرك الوقوف أجزأه عن فرضه لأنَّه أدرك معظم العبادة، فصار كما لو أدرك الرُّكوع بخلاف ما إذا لم يدرك الوقوف، ولكن يعيد السَّعي وجوبًا بعد الطَّواف إن كان سعى بعد طواف القدوم قبل بلوغه، ويُمنَع الصَّبيُّ المُحرِم من محظورات الإحرام، فلو تطيَّب مثلًا عامدًا وجبت الفدية في مال الوليِّ، ولو جامع في حجِّه فسد وقضى ولو في الصِّبا كالبالغ المتطوِّع بجامع صحَّة
стр. 4165
إحرام كلٍّ منهما، فيُعتبَر فيه لفساد حجِّه ما يُعتبَر في البالغ من كونه عامدًا عالمًا بالتَّحريم مجامعًا قبل التَّحلُّلين، وإذا قضى؛ فإن كان قد بلغ في الفاسد قبل فوات الوقوف أجزأه قضاؤه عن حجَّة الإسلام، ولو حال الوقوف أو بعده انصرف القضاء إليها أيضًا ولزم القضاء من قابل (١)، وقال أبو حنيفة: لا يصحُّ إحرام الصَّبيِّ، ولا يلزمه شيءٌ بفعل شيءٍ من محظورات الإحرام، وإنَّما حجَّ به على جهة التَّدريب. انتهى. وهذا نقله النَّوويُّ وسبقه إليه الخطَّابيُّ، وهذا فيه نظر؛ إذ لا أعلم أحدًا من أئمَّة مذهب الإمام (٢) أبي حنيفة نصَّ على ذلك، بل قال شمس الأئمَّة السَّرخسيُّ فيما نقله عنه الزَّيلعيُّ في «شرح الكنز»: لو أحرم الصَّبيُّ بنفسه وهو يعقل، أو أحرم عنه أبوه صار محرمًا، وقال في «الكنز»: فلو أحرم الصبي أو العبد فبلغ أو عتق فمضى لم يجز عن فرضه لأنَّ إحرامه انعقد لأداء النَّفل، فلا ينقلب للفرض. وقال في «عمدة المفتي»: حسنات الصَّبيِّ له، ولأبويه أجر التَّعليم والإرشاد (٣).
(٢٦) (بابُ) صفة (حَجِّ النِّسَاءِ).
١٨٦٠ - قال المؤلِّف بالسَّند السَّابق: (وَقَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو (٤) ابن الوليد الأزرقيُّ المكِّيُّ، وفي هامش الفرع وأصله: «هو الأزرقيُّ» وعلى ذلك علامة السُّقوط من غير عزوٍ: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ عَنْ أَبِيهِ) سعدٍ (عَنْ جَدِّهِ) إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، والضَّمير في «جدِّه» لإبراهيم، لا لأبيه (أَذِنَ عُمَرُ) أي (٥): ابن الخطَّاب (¬﵁ لأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي آخِرِ حَجَّةٍ
стр. 4166
حَجَّهَا) وكان ﵁ متوقِّفًا في ذلك اعتمادًا على قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وكان يرى تحريم السَّفر عليهنَّ أوَّلًا، ثمَّ ظهر له الجواز، فأذن لهنَّ في آخر خلافته، فخرجن إلَّا زينب وسودة لحديث أبي داود وأحمد من طريق واقد بن أبي واقدٍ اللَّيثيِّ عن أبيه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لنسائه في حجَّة الوداع: «هذه، ثمَّ ظُهُورَ الحُصُرِ»، زاد ابن سعدٍ من حديث أبي هريرة: «فكنَّ نساء النَبيِّ ﷺ يحججن إلَّا زينب وسودة فقالا: لا تُحرِّكنا دابَّةٌ (١) بعد رسول الله ﷺ » وإسناد حديث أبي واقدٍ صحيحٌ.
(فَبَعَثَ) عمر ﵁ (مَعَهُنَّ) في خدمتهنَّ (عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ) زاد ابن عساكر: «ابن عوفٍ» وكان معهنَّ نسوةٌ ثقاتٌ، فقمن مقام المحرم، أو أنَّ كلَّ الرِّجال محرمٌ لهنَّ، وزاد عبدان في هذا الحديث عند البيهقيِّ: فنادى النَّاسَ عثمانُ: ألَّا (٢) يدنو منهنَّ أحدٌ، ولا ينظر إليهنَّ إلَّا مدَّ البصر، وهنَّ في الهوادج على الإبل، وأنزلهنَّ صَدْر الشِّعب، ونزل عثمان وعبد الرَّحمن بن عوفٍ (٣) بِذَنَبِهِ (٤) فلم يقعد (٥) إليهنَّ أحدٌ.
وقد رواه (٦) المؤلِّف مختصرًا، وقوله: «أذن عمر» ظاهره: أنَّه من رواية إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ عن عمر، وإدراكه لذلك ممكنٌ لأنَّ عُمْرَه إذ ذاك كان أكثر من عشر سنين، وقد أثبت
стр. 4167
سماعه من عمر يعقوبُ بن شَبَّة (١) وغيره، قاله في «فتح الباري».
١٨٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بالسِّين المهملة وتشديد الدَّال المهملة الأولى الأسديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ) بفتح العين وسكون الميم القصَّاب الحِمَّانيُّ -بكسر المهملة- الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَتْنَا عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ) بن عبيد الله التَّيميَّة (٢)، وكانت فائقة الجمال (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا نَغْزُوا) أي: نقصد الجهاد (وَنُجَاهِدُ) نبذل المقدور في القتال (مَعَكُمْ؟) أو: الغزو والجهاد مترادفان، فيكون ذكر الجهاد بعد الغزو للتَّأكيد كذا في الفرع، وفي (٣) غيره: «نغزو أو نجاهد» بـ «أو» بدل الواو (٤)، وعليه شرح البرماويِّ كالكِرماني وغيره، وقال الحافظ ابن حجرٍ: هذا شكٌّ من الرَّاوي، وهو مُسدَّدٌ شيخ البخاريِّ، وقد رواه أبو كاملٍ عن أبي عَوانة شيخ مُسدَّدٍ بلفظ: «ألا نغزو معكم» أخرجه الإسماعيليُّ، وأغرب الكِرمانيُّ فقال: ليس الغزو والجهاد بمعنًى واحدٍ؛ فإنَّ الغزو: القصد إلى القتال (٥)، والجهاد: بذل النَّفس في القتال، قال: أو ذكر الثَّاني تأكيدًا للأوَّل. انتهى. وكأنَّه ظنَّ أنَّ الألف تتعلَّق بـ «نغزو» فشرح
стр. 4168
على (١) أنَّ الجهاد معطوفٌ على الغزو بالواو، أو جعل «أو» بمعنى: الواو. انتهى، فليُتأمَّل. فإنَّ الذي وجدته في ثلاثة أصولٍ معتمدةٍ: «ألا نغزوا ونجاهد» بألفٍ واحدةٍ بين الواوين، وهي ألف الجمع، والواو التَّالية لها واو الجمع بلا ريبٍ، فالكِرمانيُّ اعتمد على الأصل المعتمد، وقد قال في «القاموس»: الجِهاد بالكسر: القتال مع العدوِّ، ثمَّ قال: غَزَاه غَزْوًا: أراده وطلبه وقصده كاغْتَزاه، والعَدُوَّ: سار إلى قتالهم وانتهابهم، ففرَّق بين الجهاد والغزو كما فرَّق الكِرمانيُّ، وبالجملة: فيحتمل أن يكون فيها روايتان: واو العطف أو: «أو» للشَّكِّ، والعلم عند الله تعالى (فَقَالَ) ﵊: (لَكُنَّ أَحْسَنُ الجِهَادِ وَأَجْمَلُهُ الحَجُّ، حَجٌّ مَبْرُورٌ) بضمِّ الكاف وتشديد النُّون (٢) بلام الجرِّ الدَّاخلة على ضمير المخاطبات، وهو ظرفٌ مستقرٌّ، خبر «أحسنُ»، و «أجملُه» عُطِف عليه، و «الحجُّ» بدلٌ من «أحسنُ»، و «حجٌّ مبرورٌ»: خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هو حجٌّ مبرورٌ، أو بدلٌ من البدل، ويجوز: «لَكِنَّ» بفتح اللَّام (٣) وكسر الكاف مع زيادة ألفٍ قبل الكاف (٤) وتشديد النُّون للاستدراك، و «أحسنَ»: نُصِب بها، وهذا في الفرع كأصله (٥)،
стр. 4169
وعزاه صاحب «الفتح» في «باب فضل الحجِّ المبرور» للحَمُّويي، وقال التَّيميُّ: «لكن» بتخفيف النُّون وسكونها، و «أحسنُ»: مبتدأٌ، و «الحجُّ»: خبرُه (فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَا أَدَعُ الحَجَّ) أي: لا أتركه (بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا) الفضل (مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬).
وهذا الحديث سبق في «باب (١) فضل الحجِّ المبرور» [خ¦١٥٢٠] في أوائل «كتاب الحجِّ».
١٨٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ (عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ) بفتح الميم وسكون العين المهملة وفتح المُوحَّدة، نافذٍ؛ بفاءٍ ومعجمةٍ المكِّيِّ (مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ) شابَّةً أو عجوزًا، سفرًا قليلًا أو كثيرًا، للحجِّ أو غيره (إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ) بنسبٍ أو غيره، وفي الرِّواية الآتية -إن شاء الله تعالى- في هذا الباب (٢) [خ¦١٨٦٤]: «ليس معها زوجٌ أو ذو محرمٍ» لتأمن على نفسها (وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ) لها، فيه: حرمة اختلاء الأجنبيِّ مع المرأة (فَقَالَ رَجُلٌ) لم يُسَمَّ: (يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا) لم يسمِّ الغزوة، وفي «الجهاد» [خ¦٣٠٠٦] «إنِّي اكتُتِبتُ في غزوة كذا وكذا» أي: كتبت نفسي في أسماءِ مَنْ عُيِّن لتلك الغزوة (وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الحَجَّ، فَقَالَ) ﵊: (اخْرُجْ مَعَهَا) إلى الحجِّ، واستدلَّ به الحنابلة على أنَّه ليس للزَّوج منع امرأته من حجِّ الفرض إذا استكملت شروط الحجِّ، وهو وجهٌ للشَّافعيَّة، والأصحُّ عندهم أنَّ له منعها لكون الحجِّ على التَّراخي، وأخذ بعضهم بظاهره فأوجب على الزَّوج السَّفر مع امرأته إذا لم يكن لها غيره، وبه قال أحمد، والمشهور عند الشَّافعيَّة أنَّه لا يلزمه، فلو امتنع إلَّا بالأجرة لزمها، وفيه كما قال النَّوويُّ: تقديم الأهمِّ فالأهمِّ (٣) عند المعارضة، فرجَّح الحجَّ لأنَّ الغزو يقوم فيه غيره مقامه بخلاف الحجِّ معها.
стр. 4170
وقد أخرج المؤلِّف هذا الحديث أيضًا في «الجهاد» [خ¦٣٠٠٦] و «النِّكاح» [خ¦٥٢٣٣]، ومسلمٌ في «الحجِّ».
١٨٦٣ - وبه قال (١): (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبي روَّادٍ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضمِّ الزَّاي مُصغَّرًا، قال: (أَخْبَرَنَا حَبِيبٌ المُعَلِّمُ) بفتح العين وكسر اللَّام المشدَّدة ابن قُرَيبَة؛ بضمِّ القاف وفتح المُوحَّدة مُصغَّرًا (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ حَجَّتِهِ) إلى المدينة (قَالَ لأُمِّ سِنَانٍ الأَنْصَارِيَّةِ) وفي «عمرة رمضان» [خ¦١٧٨٢]: «قال رسول الله ﷺ لامرأةٍ من الأنصار سمَّاها ابنُ عبَّاسٍ، فنسيتُ اسمَها» وقد سبق هناك أنَّ النَّاسيَ ابنُ جريجٍ لا عطاءٌ لأنَّه سمَّاها هنا كما ترى، ويحتمل -كما سبق- أنَّه كان ناسيًا لاسمها لمَّا حدَّث به ابن جريجٍ، وذاكرًا له لمَّا حدَّث به حبيبًا: (مَا مَنَعَكِ مِنَ الحَجِّ) معنا؟ (قَالَتْ) أمُّ سنانٍ: يا رسول الله (أَبُو فُلَانٍ) أي: أبو سنانٍ (-تَعْنِي: زَوْجَهَا-) أبا سنانٍ، وفي «عمرة رمضان» [خ¦١٧٨٢]: «قالت: كان لنا ناضحٌ» ولـ «مسلمٍ»: «ناضحان» وفي «اليونينيَّة»: «كان له ناضحان» ملحقةٌ (٢) (حَجَّ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَ) النَّاضح (الآخَرُ يَسْقِي أَرْضًا لَنَا، قَالَ) ﵊: (فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً مَعِي) يعني: في الثَّواب، وليس المراد أنَّ العمرة يُقضَى بها فرض الحجِّ وإن كان ظاهره يشعر بذلك، بل هومن باب المبالغة وإلحاق النَّاقص بالكامل للتَّرغيب فيه، ولأبي ذرٍّ: «تقضي حجَّةً، أو حجَّةً معي» بالشَّكِّ، ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «ما منعك من الحجِّ؟» فإنَّ فيه دلالةً على أنَّ النِّساء يحججن، والتَّرجمة في حجِّ النِّساء.
(رَوَاهُ) أي: الحديثَ المذكور (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز، فيما سبق موصولًا