← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

حَجَّهَا) وكان ﵁ متوقِّفًا في ذلك اعتمادًا على قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وكان يرى تحريم السَّفر عليهنَّ أوَّلًا، ثمَّ ظهر له الجواز، فأذن لهنَّ في آخر خلافته، فخرجن إلَّا زينب وسودة لحديث أبي داود وأحمد من طريق واقد بن أبي واقدٍ اللَّيثيِّ عن أبيه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لنسائه في حجَّة الوداع: «هذه، ثمَّ ظُهُورَ الحُصُرِ»، زاد ابن سعدٍ من حديث أبي هريرة: «فكنَّ نساء النَبيِّ ﷺ يحججن إلَّا زينب وسودة فقالا: لا تُحرِّكنا دابَّةٌ (١) بعد رسول الله ﷺ » وإسناد حديث أبي واقدٍ صحيحٌ. (فَبَعَثَ) عمر ﵁ (مَعَهُنَّ) في خدمتهنَّ (عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ) زاد ابن عساكر: «ابن عوفٍ» وكان معهنَّ نسوةٌ ثقاتٌ، فقمن مقام المحرم، أو أنَّ كلَّ الرِّجال محرمٌ لهنَّ، وزاد عبدان في هذا الحديث عند البيهقيِّ: فنادى النَّاسَ عثمانُ: ألَّا (٢) يدنو منهنَّ أحدٌ، ولا ينظر إليهنَّ إلَّا مدَّ البصر، وهنَّ في الهوادج على الإبل، وأنزلهنَّ صَدْر الشِّعب، ونزل عثمان وعبد الرَّحمن بن عوفٍ (٣) بِذَنَبِهِ (٤) فلم يقعد (٥) إليهنَّ أحدٌ. وقد رواه (٦) المؤلِّف مختصرًا، وقوله: «أذن عمر» ظاهره: أنَّه من رواية إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ عن عمر، وإدراكه لذلك ممكنٌ لأنَّ عُمْرَه إذ ذاك كان أكثر من عشر سنين، وقد أثبت

стр. 4167

سماعه من عمر يعقوبُ بن شَبَّة (١) وغيره، قاله في «فتح الباري». ١٨٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بالسِّين المهملة وتشديد الدَّال المهملة الأولى الأسديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ) بفتح العين وسكون الميم القصَّاب الحِمَّانيُّ -بكسر المهملة- الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَتْنَا عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ) بن عبيد الله التَّيميَّة (٢)، وكانت فائقة الجمال (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا نَغْزُوا) أي: نقصد الجهاد (وَنُجَاهِدُ) نبذل المقدور في القتال (مَعَكُمْ؟) أو: الغزو والجهاد مترادفان، فيكون ذكر الجهاد بعد الغزو للتَّأكيد كذا في الفرع، وفي (٣) غيره: «نغزو أو نجاهد» بـ «أو» بدل الواو (٤)، وعليه شرح البرماويِّ كالكِرماني وغيره، وقال الحافظ ابن حجرٍ: هذا شكٌّ من الرَّاوي، وهو مُسدَّدٌ شيخ البخاريِّ، وقد رواه أبو كاملٍ عن أبي عَوانة شيخ مُسدَّدٍ بلفظ: «ألا نغزو معكم» أخرجه الإسماعيليُّ، وأغرب الكِرمانيُّ فقال: ليس الغزو والجهاد بمعنًى واحدٍ؛ فإنَّ الغزو: القصد إلى القتال (٥)، والجهاد: بذل النَّفس في القتال، قال: أو ذكر الثَّاني تأكيدًا للأوَّل. انتهى. وكأنَّه ظنَّ أنَّ الألف تتعلَّق بـ «نغزو» فشرح

стр. 4168

على (١) أنَّ الجهاد معطوفٌ على الغزو بالواو، أو جعل «أو» بمعنى: الواو. انتهى، فليُتأمَّل. فإنَّ الذي وجدته في ثلاثة أصولٍ معتمدةٍ: «ألا نغزوا ونجاهد» بألفٍ واحدةٍ بين الواوين، وهي ألف الجمع، والواو التَّالية لها واو الجمع بلا ريبٍ، فالكِرمانيُّ اعتمد على الأصل المعتمد، وقد قال في «القاموس»: الجِهاد بالكسر: القتال مع العدوِّ، ثمَّ قال: غَزَاه غَزْوًا: أراده وطلبه وقصده كاغْتَزاه، والعَدُوَّ: سار إلى قتالهم وانتهابهم، ففرَّق بين الجهاد والغزو كما فرَّق الكِرمانيُّ، وبالجملة: فيحتمل أن يكون فيها روايتان: واو العطف أو: «أو» للشَّكِّ، والعلم عند الله تعالى (فَقَالَ) ﵊: (لَكُنَّ أَحْسَنُ الجِهَادِ وَأَجْمَلُهُ الحَجُّ، حَجٌّ مَبْرُورٌ) بضمِّ الكاف وتشديد النُّون (٢) بلام الجرِّ الدَّاخلة على ضمير المخاطبات، وهو ظرفٌ مستقرٌّ، خبر «أحسنُ»، و «أجملُه» عُطِف عليه، و «الحجُّ» بدلٌ من «أحسنُ»، و «حجٌّ مبرورٌ»: خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هو حجٌّ مبرورٌ، أو بدلٌ من البدل، ويجوز: «لَكِنَّ» بفتح اللَّام (٣) وكسر الكاف مع زيادة ألفٍ قبل الكاف (٤) وتشديد النُّون للاستدراك، و «أحسنَ»: نُصِب بها، وهذا في الفرع كأصله (٥)،

стр. 4169

وعزاه صاحب «الفتح» في «باب فضل الحجِّ المبرور» للحَمُّويي، وقال التَّيميُّ: «لكن» بتخفيف النُّون وسكونها، و «أحسنُ»: مبتدأٌ، و «الحجُّ»: خبرُه (فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَا أَدَعُ الحَجَّ) أي: لا أتركه (بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا) الفضل (مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬). وهذا الحديث سبق في «باب (١) فضل الحجِّ المبرور» [خ¦١٥٢٠] في أوائل «كتاب الحجِّ». ١٨٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ (عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ) بفتح الميم وسكون العين المهملة وفتح المُوحَّدة، نافذٍ؛ بفاءٍ ومعجمةٍ المكِّيِّ (مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ) شابَّةً أو عجوزًا، سفرًا قليلًا أو كثيرًا، للحجِّ أو غيره (إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ) بنسبٍ أو غيره، وفي الرِّواية الآتية -إن شاء الله تعالى- في هذا الباب (٢) [خ¦١٨٦٤]: «ليس معها زوجٌ أو ذو محرمٍ» لتأمن على نفسها (وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ) لها، فيه: حرمة اختلاء الأجنبيِّ مع المرأة (فَقَالَ رَجُلٌ) لم يُسَمَّ: (يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا) لم يسمِّ الغزوة، وفي «الجهاد» [خ¦٣٠٠٦] «إنِّي اكتُتِبتُ في غزوة كذا وكذا» أي: كتبت نفسي في أسماءِ مَنْ عُيِّن لتلك الغزوة (وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الحَجَّ، فَقَالَ) ﵊: (اخْرُجْ مَعَهَا) إلى الحجِّ، واستدلَّ به الحنابلة على أنَّه ليس للزَّوج منع امرأته من حجِّ الفرض إذا استكملت شروط الحجِّ، وهو وجهٌ للشَّافعيَّة، والأصحُّ عندهم أنَّ له منعها لكون الحجِّ على التَّراخي، وأخذ بعضهم بظاهره فأوجب على الزَّوج السَّفر مع امرأته إذا لم يكن لها غيره، وبه قال أحمد، والمشهور عند الشَّافعيَّة أنَّه لا يلزمه، فلو امتنع إلَّا بالأجرة لزمها، وفيه كما قال النَّوويُّ: تقديم الأهمِّ فالأهمِّ (٣) عند المعارضة، فرجَّح الحجَّ لأنَّ الغزو يقوم فيه غيره مقامه بخلاف الحجِّ معها.

стр. 4170

وقد أخرج المؤلِّف هذا الحديث أيضًا في «الجهاد» [خ¦٣٠٠٦] و «النِّكاح» [خ¦٥٢٣٣]، ومسلمٌ في «الحجِّ». ١٨٦٣ - وبه قال (١): (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبي روَّادٍ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضمِّ الزَّاي مُصغَّرًا، قال: (أَخْبَرَنَا حَبِيبٌ المُعَلِّمُ) بفتح العين وكسر اللَّام المشدَّدة ابن قُرَيبَة؛ بضمِّ القاف وفتح المُوحَّدة مُصغَّرًا (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ حَجَّتِهِ) إلى المدينة (قَالَ لأُمِّ سِنَانٍ الأَنْصَارِيَّةِ) وفي «عمرة رمضان» [خ¦١٧٨٢]: «قال رسول الله ﷺ لامرأةٍ من الأنصار سمَّاها ابنُ عبَّاسٍ، فنسيتُ اسمَها» وقد سبق هناك أنَّ النَّاسيَ ابنُ جريجٍ لا عطاءٌ لأنَّه سمَّاها هنا كما ترى، ويحتمل -كما سبق- أنَّه كان ناسيًا لاسمها لمَّا حدَّث به ابن جريجٍ، وذاكرًا له لمَّا حدَّث به حبيبًا: (مَا مَنَعَكِ مِنَ الحَجِّ) معنا؟ (قَالَتْ) أمُّ سنانٍ: يا رسول الله (أَبُو فُلَانٍ) أي: أبو سنانٍ (-تَعْنِي: زَوْجَهَا-) أبا سنانٍ، وفي «عمرة رمضان» [خ¦١٧٨٢]: «قالت: كان لنا ناضحٌ» ولـ «مسلمٍ»: «ناضحان» وفي «اليونينيَّة»: «كان له ناضحان» ملحقةٌ (٢) (حَجَّ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَ) النَّاضح (الآخَرُ يَسْقِي أَرْضًا لَنَا، قَالَ) ﵊: (فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً مَعِي) يعني: في الثَّواب، وليس المراد أنَّ العمرة يُقضَى بها فرض الحجِّ وإن كان ظاهره يشعر بذلك، بل هومن باب المبالغة وإلحاق النَّاقص بالكامل للتَّرغيب فيه، ولأبي ذرٍّ: «تقضي حجَّةً، أو حجَّةً معي» بالشَّكِّ، ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «ما منعك من الحجِّ؟» فإنَّ فيه دلالةً على أنَّ النِّساء يحججن، والتَّرجمة في حجِّ النِّساء. (رَوَاهُ) أي: الحديثَ المذكور (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز، فيما سبق موصولًا

стр. 4171

في «عمرة رمضان» [خ¦١٧٨٢] (عَنْ عَطَاءٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فيه: تقوية طريق حبيبٍ المعلِّم، وتصريح عطاءٍ بسماعه من ابن عبَّاسٍ. (وَقَالَ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، ابن عمرٍو الرَّقِّيُّ، ممَّا وصله ابن ماجه (عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ) بن مالكٍ الجزريِّ (عنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريِّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وتمامه عند ابن ماجه أنَّه قال: «عمرةٌ في رمضان تعدل حجَّةً»، قال الحافظ ابن حجرٍ: وأراد البخاريُّ بهذا بيان الاختلاف فيه على عطاءٍ، وقد وافق ابن أبي ليلى ويعقوب بن عطاء حبيبًا وابن جريجٍ، فتبيَّن شذوذ رواية عبد الكريم، وشذَّ معقلٌ الجزريُّ أيضًا فقال: عن عطاءٍ عن أمِّ سليمٍ، وصنيع البخاريِّ يقتضي ترجيح رواية ابن جريجٍ، ويومئ إلى أنَّ رواية عبد الكريم ليست مُطَّرَحةً لاحتمال أن يكون لعطاءٍ فيه شيخان، ويؤيِّد ذلك: أنَّ رواية عبد الكريم خاليةٌ عن القصَّة، مقتصرةٌ على المتن، وهو قوله: «عمرةٌ في رمضان تعدل حجَّةً» كما مرَّ. ١٨٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ -بمعجمةٍ ثمَّ مهملةٍ- البصريُّ، قاضي مكَّة، قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ) بضمِّ العين وفتح الميم حليف بني عديٍّ الكوفيِّ، ويُقال له: الفَرَسيُّ -بفتح الفاء والرَّاء ثمَّ مهملةٍ- نسبةً إلى فرسٍ له سابقٍ (عَنْ قَزَعَةَ) بفتح القاف والزَّاي والمهملة (مَوْلَى زِيَادٍ) بتخفيف التَّحتيَّة (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ) الخدريَّ ﵁ (-وَقَدْ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً- قَالَ: أَرْبَعٌ) من الحكمة (سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ -أَوْ قَالَ: يُحَدِّثُهُنَّ) بالشَّكِّ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أخذتهنَّ» بالخاء والذَّال المعجمتين من الأخذ، أي: حملتهنَّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَعْجَبْنَنِي) الأربع، وهي بسكون الموحَّدة وفتح النُّون الأولى وكسر الثَّانية بصيغة الجمع للمُؤنَّث (وَآنَقْنَنِي)

стр. 4172

بفتح الهمزة الممدودة والنُّون وسكون القاف؛ بصيغة جمع المُؤنَّث الماضي، أي: أَعجبْنَني، وهو من عطف الشَّيء على مرادفه نحو: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] أو: أَفْرحنَني وأَسْررنَني (١)، قال في «القاموس»: الأَنَقُ، مُحَرَّكةً: الفرحُ والسُّرور. أوَّلها: (أَلَّا تُسَافِرَ امْرَأَةٌ) بنصب «تسافرَ» في الفرع وغيره، وقال البرماويُّ -كالكِرمانيِّ-: بالرَّفع لا غير لأنَّ «أنْ» هي (٢) المفسِّرة لا النَّاصبة، وهذا فيه شيءٌ؛ فإنَّ قوله: «بالرَّفع لا غير» إن أراد به في (٣) الرِّواية فغير مُسلَّمٍ، وإن أراد به من جهة العربيَّة فكذلك، فقد قال ابن هشامٍ في «المغني»: إذا وَلِيَ «أَنْ» الصَّالحة للتَّفسير مضارعٌ معه «لا» -نحو: أشرت إليه أن لا يفعلَُ- جاز رفعه على تقدير: «لا» نافيةً، وجزمه على تقديرها: ناهيةً، وعليهما: فـ «أَنْ» مفسِّرةٌ، ونصبه على تقدير (٤) «لا» نافيةً، و «أن» مصدريَّةً (مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ) وفي حديث ابن عمر [خ¦١٠٨٦] التَّقييد بثلاثة أيَّامٍ، وفي حديث أبي هريرة في «الصَّلاة» [خ¦١٠٨٨] بيومٍ وليلةٍ، وفي حديث عائشة السَّابق [خ¦١٨٦١] أطلق السَّفر، وقد أخذ أكثر العلماء (٥) بالمطلق لاختلاف التَّقييدات، قال النَّوويُّ: ليس المراد من التَّحديد ظاهره، بل كلُّ ما يُسمَّى سفرًا فالمرأة منهيَّةٌ عنه إلَّا بالمَحْرَم، وإنَّما وقع التَّحديد عن أمرٍ واقعٍ، فلا يُعمَل بمفهومه، وقال ابن دقيق العيد: وقد حملوا هذا الاختلاف على حسب اختلاف السَّائلين والمواطن، وأنَّه متعلِّقٌ بأقلَّ ما يقع عليه اسم السَّفر، وعلى هذا يتناول السَّفر الطَّويل والقصير، ولا يتوقَّف امتناع سفر المرأة على مسافة القصر؛ خلافًا للحنفيَّة، وحجَّتهم: أنَّ المنع المُقيَّد بالثَّلاث متحقِّقٌ، وما عداه مشكوكٌ فيه، فيُؤخَذ بالمُتيقَّن، وتُعقِّب بأنَّ الرِّواية المطلقة شاملةٌ (٦) لكلِّ سفر، فينبغي الأخذ بها وطرح ما عداها، فإنَّه مشكوكٌ فيه، ومن قواعد الحنفيَّة: تقديم الخبر العامِّ على الخاصِّ، وترك حمل المُطلَق على المُقيَّد، وقد خالفوا ذلك هنا، وقال صاحب «العدَّة» في «شرح العمدة»: وليس هذا من المُطلَق والمُقيَّد الذي وردت

стр. 4173

فيه قيودٌ متعدِّدةٌ، وإنَّما هو من العامِّ؛ لأنَّه نكرةٌ في سياق النَّفي، فيكون من العامِّ الذي ذُكِرت بعض أفراده، فلا تخصيص بذلك على الرَّاجح في الأصول. (لَيْسَ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ) ولأبي ذرٍّ في بعض النُّسخ: «أو ذو مَحرَمٍ، مُحَرَّمٍ»: بفتح الميم في الأوَّل وتخفيف الرَّاء، وضمِّها في الثَّاني مع تشديد الرَّاء، ولفظ: «امرأةٌ» عامٌّ (١) يشمل الشَّابَّة والعجوز، لكن خصَّ أبو الوليد الباجيُّ المنع بغير العجوز التي لا تُشتَهى، أمَّا هي فتسافر كيف شاءت في كلِّ الأسفار بلا زوجٍ ولا (٢) محرمٍ، وتُعقِّب بأنَّ المرأة مظنَّة الطَّمع فيها ومظنَّة الشَّهوة ولو كانت كبيرةً، وقد قالوا: لكلِّ ساقطةٍ لاقطةٌ، وأُجيب بأنَّه ما لنا لاقطةٌ لهذه السَّاقطة، ولو وُجِد (٣) خرجت عن فرض المسألة لأنَّها تكون حينئذٍ مشتهاةً في الجملة، وليس الكلام فيها، إنَّما الكلام فيمن لا تُشتَهى أصلًا ورأسًا، ولا نسلِّم أنَّ من هي بهذه المثابة (٤) مظنَّة الطَّمع والميل إليها بوجهٍ، قال ابن دقيق العيد: والذي قاله الباجيُّ تخصيص العموم بالنَّظر إلى المعنى، وقد اختار (٥) الشَّافعيُّ أنَّ المرأة تسافر في الأمن ولا تحتاج إلى أحدٍ (٦)، بل تسير وحدها في جملة القافلة وتكون آمنةً، قال: وهذا مخالفٌ لظاهر الحديث. انتهى. وهذا الذي قاله -من جواز سفرها وحدها- نقله الكرابيسيُّ، ولكنَّ المشهور عند الشَّافعيَّة: اشتراط الزَّوج، أو المحرم، أو النِّسوة الثِّقات، ولا يُشترَط أن يخرج معهنَّ محرمٌ أو زوجٌ لإحداهنَّ لانقطاع الأطماع باجتماعهنَّ، ولها أن تخرج مع الواحدة لفرض الحجِّ، على الصَّحيح في شرحي «المُهذَّب» و «مسلمٍ»، ولو سافرت لنحو زيارةٍ وتجارةٍ لم يجز مع النِّسوة لأنَّه سفرٌ غير واجبٍ، قال في «المجموع»: والخنثى المشكل يُشتَرط في حقِّه من المحرم ما يُشتَرط في المرأة، ولم يشترطوا في الزَّوج والمحرم كونهما ثقتين، وهو في الزَّوج واضحٌ، وأمَّا في المحرم فسببه -كما في «المهمَّات» -: أنَّ الوازع الطَّبيعيَّ أقوى من

стр. 4174

الشَّرعيِّ، وكالمَحْرَم عبدُها الأمين، صرَّح به المرعشيُّ وابن أبي الصَّيف، والمَحْرَم أيضًا عامٌّ، فيشمل محرم النَّسب -كأبيها وابنها وأخيها- ومحرم الرَّضاع، ومحرم المصاهرة- كأبي زوجها، وابن زوجها- واستثنى بعضهم -وهو منقولٌ عن مالكٍ- ابن الزَّوج، فقال: يُكرَه سفرها معه لغلبة الفساد في النَّاس بعد العصر الأوَّل، ولأنَّ كثيرًا من النَّاس لا ينزِّل زوجة الأب في النَّفرة عنها منزلة (١) محارم النَّسب، والمرأة فتنةٌ إلَّا فيما جبل الله النُّفوس عليه من النَّفرة عن محارم النَّسب، قال ابن دقيق العيد: والحديث عامٌّ، فإن عنى بالكراهة التَّحريم فهو مخالفٌ لظاهر الحديث، وإن عنى كراهة التَّنزيه فهو أقرب، واختلفوا: هل المحرم وما ذكر معه شرطٌ في وجوب الحجِّ عليها، أو شرطٌ في التَّمكُّن فلا يمنع الوجوب والاستقرار في الذِّمَّة؟ والذين ذهبوا إلى الأوَّل استدلُّوا بهذا الحديث، فإنَّ سفرها للحجِّ من جملة الأسفار الدَّاخلة تحت الحديث فتمتنع (٢) إلَّا مع المحرم، والذين قالوا بالثَّاني جوَّزوا سفرها مع رفقةٍ مأمونين إلى الحجِّ رجالًا أو نساءً -كما مرَّ- وهو مذهب الشَّافعيَّة والمالكيَّة، والأوَّل مذهب الحنفيَّة والحنابلة. قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: وهذه المسألة تتعلَّق بالنَّصين إذا تعارضا وكان كلٌّ (٣) منهما عامًّا من وجهٍ، خاصًا من وجهٍ، فإنَّ قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧] يدخل تحته الرِّجال والنِّساء، فيقتضي ذلك أنَّه إذا وُجِدت الاستطاعة المُتفَّق عليها أن يجب عليها الحجُّ، وقوله ﷺ : «لا يحلُّ لامرأةٍ … » الحديثَ خاصٌّ بالنِّساء، عامٌّ في الأسفار (٤) فيدخل فيه الحجُّ، فمن أخرجه عنه خصَّ الحديث بعموم الآية، ومن أدخله فيه خصَّ الآية بعموم الحديث (٥)، فإذا قيل به وأُخرِج عنه لفظ الحجِّ لقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى

стр. 4175

النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] قال المخالف: بل يعمل (١) بقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ فتدخل المرأة فيه ويخرج سفر الحجِّ عن النَّهي، فيقوم في كلِّ واحدٍ من النَّصين عمومٌ وخصوصٌ، ويحتاج إلى التَّرجيح من خارجٍ، قال: وذكر بعض الظَّاهريَّة أنَّه يذهب إلى دليلٍ من خارجٍ؛ وهو قوله ﷺ [خ¦٩٠٠] «لا تمنعوا إماءَ الله مساجدَ الله»، ولا يتَّجه ذلك فإنَّه (٢) عامٌّ في المساجد، فيمكن أن يخرج عنه المسجد الذي يحتاج إلى السَّفر في الخروج إليه بحديث (٣) النَّهي. انتهى (٤). وقال المرداويُّ من الحنابلة: المَحْرَم من شرائط الوجوب كالاستطاعة وغيرها، وعليه أكثر الأصحاب، ونقله الجماعة عن الإمام أحمد، وهو ظاهر كلام الخرقيِّ، وقدَّمه في «المُحرَّر» و «الفروع» و «الحاويين» و «الرِّعايتين»، وجزم به في «المنهاج» (٥) و «الإفادات»، قال ابن منجا في «شرحه»: هذا المذهب، وهو من المفردات، وعنه: أنَّ المحرم من شرائط لزوم الحجِّ، وجزم به في «الوجيز»، وأطلقه الزَّركشيُّ. انتهى. وفائدة الخلاف تظهر في وجوب الإيصاء به. والثَّانية من الأربعة: (وَلَا صَوْمَ يَوْمَيْنِ) «صومَ»: اسم «لا»، و «يومين»: خبره، أي: لا صومَ في هذين اليومين، ويجوز أن يكون «صومَ» مضافًا إلى «يومين»، والتَّقدير: لا صومَ يومين ثابتٌ أو مشروعٌ، يوم عيد (الفِطْرِ وَالأَضْحَى) بفتح الهمزة (وَ) الثَّالثة: (لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاتَيْنِ: بَعْدَ) صلاة (العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ) صلاة (الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَ) الرَّابعة: (لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الحَرَامِ) بمكَّة، و «مسجدِ»: بالجرِّ بدلٌ من سابقه (وَمَسْجِدِي) بطيبة (وَمَسْجِدِ الأَقْصَى) الأبعد عن المسجد الحرام في المسافة أو عن الأقذار، وهو مسجد بيت المقدس. (٢٧) (بابُ مَنْ نَذَرَ المَشْيَ إِلَى الكَعْبَةِ) هل يجب عليه الوفاء بذلك أم لا؟

стр. 4176

١٨٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللَّام، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «محمَّد بن سلامٍ» قال: (أَخْبَرَنَا الفَزَارِيُّ) بفتح الفاء والزَّاي المُخفَّفة وبالرَّاء هو (١) مروان بن معاوية كما جزم به أصحاب «الأطراف» و «المستخرجات» (عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ثَابِتٌ) البنانيُّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى شَيْخًا) قيل: هو أبو إسرائيل، نقله مغلطاي عن الخطيب، لكن قال في «فتح الباري»: إنَّه ليس في كتاب الخطيب، وقيل: اسمه قيسٌ، وقيل: قيصر (يُهَادَى) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الدَّال المهملة مبنيًّا للمفعول (بَيْنَ ابْنَيْهِ) لم يُسمَّيا، أي: يمشي بينهما معتمدًا عليهما (قَالَ) ﵊: (مَا بَالُ هَذَا؟) أي: يمشي هكذا (قَالُوا) وفي «مسلم» من حديث أبي هريرة: قال ابناه: يا رسول الله (نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ) أي: نذر المشي إلى الكعبة (قَالَ) ﵊: (إِنَّ اللهَ) (عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ، أَمَرَهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «وأمره» بالواو (أَنْ يَرْكَبَ) «أن» مصدريَّةٌ، أي: أمره بالرُّكوب، وإنَّما لم يأمره بالوفاء بالنَّذر؛ إمَّا لأنَّ الحجَّ راكبًا أفضل من الحجِّ ماشيًا، فنذر المشي يقتضي التزام ترك الأفضل فلا يجب الوفاء به، أو لكونه عجز عن الوفاء بنذره، وهذا هو الأظهر، قاله في «الفتح». ١٨٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد التَّميميُّ الفرَّاء قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) بن عبد الرَّحمن (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك (أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ

стр. 4177

بْنُ أَبِي أَيُّوبَ) الخزاعيُّ (أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ) مِنَ الزِّيادة، واسم أبي حبيب سويدٌ (أَخْبَرَهُ (١) أَنَّ أَبَا الخَيْرِ) هو (٢) مرثد بن عبد الله (حَدَّثَهُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) الجهنيِّ ﵁ أنَّه (٣) (قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي) هي (٤) أمُّ حِبَّان -بكسر الحاء المهملة وتشديد المُوحَّدة- بنت عامرٍ الأنصاريِّ (٥) كما قاله المنذريُّ والقطب القسطلانيُّ والحلبيُّ؛ كما نقلوه عن ابن ماكولا، وتعقَّبه الحافظ ابن حجرٍ فقال: لا يُعرَف (٦) اسم أخت عقبة هذا، وما نسبه هؤلاء لابن ماكولا وهمٌ، فإنَّه إنَّما نقله عن ابن سعدٍ، وابن سعدٍ إنَّما ذكر في «طبقات النِّساء» أمَّ حبَّان بنت عامر بن نابي -بنونٍ ومُوحَّدةٍ- ابن زيد بن حرامٍ -بمهملتين- الأنصاريَّة، وأنَّه شهد بدرًا، وهو مغايرٌ للجهنيِّ (أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللهِ) الحرام، ولأحمد وأصحاب «السُّنن» من طريق عبد الله بن مالك عن عقبة ابن عامرٍ الجهنيِّ: أنَّ أخته نذرت أن تمشي حافيةً غير مختمرةٍ (وَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا النَّبِيَّ ﷺ فَاسْتَفْتَيْتُهُ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فاستفتيت النَّبيَّ ﷺ » وزاد الطَّبريُّ (٧): أنَّه شكا إليه ضعفها (فَقَالَ ﵇ (٨): لِتَمْشِ) مجزومٌ بحذف حرف العلَّة، ولأبي ذرٍّ: «لتمشي» (وَلْتَرْكَبْ) بسكون اللَّام وجزم الباء، وفي رواية عبد الله بن مالكٍ: «مُرْها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيَّامٍ»، وفي رواية عكرمة عن ابن عبَّاسٍ عند أبي داود: «فلتركب ولتهدِ بدنةً» (قَالَ) يزيد بن أبي حبيبٍ: (وَكَانَ أَبُو الخَيْرِ) مرثد بن عبد الله (لَا يُفَارِقُ عُقْبَةَ) بن عامرٍ الجهنيَّ، والمرادُ بذلك بيان سماع أبي الخير له من عقبة. وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) وفي بعض الأصول -وهو لأبوي ذرٍّ والوقت-: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريُّ: «حدَّثنا» (أَبُو عَاصِمٍ) النَّبيل الضَّحَّاك (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ)

стр. 4178

أبي (١) العبَّاس الغافقيِّ المصريِّ (عَنْ يَزِيدَ) بن أبي حبيبٍ (عَنْ أَبِي الخَيْرِ) مرثدٍ (عَنْ عُقْبَةَ) الجهنيِّ (فَذَكَرَ الحَدِيثَ) فأشار المؤلِّف بهذا إلى أنَّ لابن جريجٍ فيه شيخين؛ وهما: يحيى بن أيُّوب، وسعيد بن أبي أيُّوب. وقد اختُلِف فيما إذا نذر أن يحجَّ ماشيًا: هل يلزمه المشي بناءً على أنَّ المشي أفضل من الرُّكوب؟ قال الرَّافعيُّ: وهو الأظهر، وقال النَّوويُّ: الصَّواب أنَّ الرُّكوب أفضل وإن كان الأظهر لزوم المشي بالنَّذر لأنَّه مقصودٌ، ثمَّ إن صرَّح النَّاذر بأنَّه يمشي من حيث سكنه (٢) لزمه المشي من مسكنه، وإن أطلق فمن حيث أحرم ولو قبل الميقات، ونهاية المشي فراغه من التَّحلُّلين، فلو فاته الحجُّ لزمه المشي في قضائه لا في تحلُّله في سَنَةِ الفوات؛ لخروجه بالفوات عن إجزائه عن النَّذر، ولا في المضيِّ في فاسده لو أفسده، ولو ترك المشي لعذرٍ أو غيره أجزأه مع لزوم الدَّم فيهما والإثم في الثَّاني، ولو نذر الحجَّ حافيًا لم ينعقد نذر الحفاء لأنَّه ليس بقربةٍ، فله لبس النَّعلين، وكالحجِّ في ذلك (٣) العمرة، وقال أبو حنيفة: من نذر المشي إلى بيت الله تعالى فعجز عنه فإنَّه يمشي ما استطاع، فإذا (٤) عجز ركب وأهدى شاةً، وكذا إن ركب وهو غير عاجزٍ.

стр. 4179

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «النُّذور» [خ¦٦٦٩٩]، وكذا أبو داود. ((٢٩)) (بابُ) بيان فضل (حَرَمِ المَدِينَةِ) النَّبويَّة التي اختارها الله تعالى لخيرته وصفوته من خلقه، وجعلها دار هجرته وتربته، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «بسم الله الرحمن الرحيم، فضل المدينة» وفي روايةٍ عنه أيضًا: «فضائل المدينة» بالجمع «باب حرم المدينة» وفي رواية أبي عليٍّ الشَّبُّوي ممَّا ذكره في «الفتح»: «باب ما جاء في حرم المدينة». ١٨٦٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ) بالمُثلَّثة، و «يزيد» مِنَ الزِّيادة الأحول البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمٌ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ابن سليمان (الأَحْوَلُ، عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالكٍ (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: المَدِينَةُ حَرَمٌ) مُحرَّمةٌ، لا تُنتهَك حرمتها (مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا) بفتح الكاف والذَّالُ معجمةٌ (١)، كناية عن اسمي (٢) مكانين، وفي حديث عليٍّ الآتي -إن شاء الله تعالى- في هذا الباب [خ¦١٨٧٠]: «ما بين عائرٍ إلى كذا» وهو جبلٌ بالمدينة، واتَّفقت الرِّوايات التي في «البخاريِّ» كلِّها على إبهام الثَّاني، وفي حديث عبد الله بن سلامٍ عند أحمد والطَّبرانيِّ: «ما بين عَيرٍ إلى أحدٍ» وفي «مسلمٍ»: «إلى ثورٍ» لكن (٣) قال أبو

стр. 4180

عبيدٍ: أهل المدينة لا يعرفون جبلًا عندهم يُقال له: ثورٌ، وإنَّما ثورٌ بمكَّة، وقيل: إنَّ البخاريَّ إنَّما أبهمه عمدًا لما وقع عنده أنَّه وهمٌ، لكن قال صاحب «القاموس»: ثورٌ: جبلٌ بمكَّة، وجبلٌ بالمدينة، ومنه الحديث الصَّحيح [خ¦٦٧٥٥] «المدينة حَرَمٌ ما بين عَيْرٍ إلى ثورٍ»، وأمَّا قول أبي عبيد بن سلَّامٍ وغيره من أكابر الأعلام: -إنَّ هذا تصحيفٌ، والصَّواب: إلى أحدٍ لأنَّ ثورًا إنَّما هو بمكَّة- فغير جيِّدٍ لِمَا أخبرني الشُّجاع البعليُّ الشَّيخ الزَّاهد عن الحافظ أبي محمَّد (١) عبد السَّلام البصريِّ: أنَّ حذاء أحدٍ جانحًا إلى ورائه جبلًا صغيرًا، يُقال له: ثورٌ، وتكرَّر سؤالي عنه طوائف من العرب العارفين بتلك الأرض، فكلٌّ أخبر أنَّ اسمَه ثورٌ، ولما كتب إليَّ الشَّيخ عفيف الدِّين المطريُّ عن والده الحافظ الثِّقة قال: إنَّ خلف أُحُدٍ عن شماله جبلًا صغيرًا مُدوَّرًا يُسمَّى ثورًا، يعرفه أهل المدينة خلفًا عن سلفٍ، ونحو ذلك قاله صاحب «تحقيق النُّصرة». (لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، وفي رواية يزيد بن هارون: لا يُختلَى خلاها، وفي «مسلمٍ» من حديث جابرٍ: «لا يُقطَع عِضَاهُها (٢)، ولا يُصاد صيدُها»، وفي رواية أبي داود بإسنادٍ صحيحٍ: «لا يُختلَى خلاها، ولا يُنفَّر صيدُها»، ففي ذلك: أنَّه يحرم صيد المدينة وشجرها كما في حرم مكَّة، لكن لا ضمان في ذلك لأنَّ حرم المدينة ليس محلًّا للنُّسك بخلاف حرم مكَّة، وقال أبو حنيفة ومحمَّدٌ وأبو يوسف: ليس للمدينة حرمٌ كما لمكَّة، فلا يُمنَع أحدٌ من أخذ صيدها وقطع شجرها، وأجابوا عن هذا الحديث بأنَّه ﷺ إنَّما أراد بقوله ذلك بقاء زينة المدينة ليستطيبوها ويألفوها (وَلَا يُحْدَثُ فِيهَا حَدَثٌ) مبنيٌّ للمفعول كسابقه؛ أي: لا يُعمَل فيها عملٌ مخالفٌ للكتاب والسُّنَّة (مَنْ أَحْدَثَ) أي: فيها (حَدَثًا) مخالفًا لما جاء به الرَّسول ﵊، وزاد شعبة فيه عن عاصمٍ عند أبي عَوانة (٣): «أو آوى محدثًا» قال الحافظ ابن حجر: وهي زيادةٌ صحيحةٌ إلَّا أنَّ عاصمًا لم يسمعها من أنسٍ. (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) وعيدٌ شديدٌ، لكنَّ المرادَ باللَّعن هنا (٤) العذابُ الذي يستحقُّه على ذنبه، لا كلعن الكافر المُبعَد عن رحمة الله كلَّ الإبعاد.

стр. 4181

وهذا الحديث من الرُّباعيَّات، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الاعتصام» [خ¦٧٣٠٦]، ومسلمٌ في «المناسك». ١٨٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين وبينهما مهملةٌ ساكنةٌ، عبد الله بن عمرو بن الحجَّاج المِنْقَريُّ المُقعَد قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ العنبريُّ البصريُّ (عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والتَّحتيَّة المُشدَّدتين آخره مهملةٌ، يزيد بن حُمَيدٍ الضُّبعيِّ (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالكٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ) يوم الجمعة لثنتي عشرة من ربيع الأوَّل، في قول ابن الكلبيِّ، وفي «مسلمٍ» -كالبخاريِّ في «الصَّلاة» [خ¦٤٢٨]-: أنَّه أقام في قباءٍ قبل أن يدخل المدينة أربع عشرة ليلةً، وأسَّس مسجد قباءٍ، ثمَّ رحل إلى المدينة (وَأَمَرَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فأمر» (بِبِنَاءِ المَسْجِدِ) بها (فَقَالَ: يَا بَنِي النَّجَّارِ) وهم أخواله ﵊ (ثَامِنُونِي) بالمُثلَّثة وكسر الميم؛ أي: بايعوني بالثَّمن، وفي «الصَّلاة»: «ثامنوني بحائطكم» أي: ببستانكم (١)، وحُذِف ذلك هنا، والمخاطب بهذا من يستحقُّ الحائط، وكان -فيما قيل- لسهلٍ وسهيلٍ؛ يتيمين في حجر أسعد بن زرارة (فَقَالُوا) اليتيمان (٢) ووليُّهما، ولأبي الوقت: «قالوا»: (لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللهِ) أي: منه تعالى، زاد أهل السِّيَر: فأبى رسول الله ﷺ حتَّى ابتاعه منهما بعشرة دنانير، وأمر أبا بكرٍ أن يعطي ذلك، وزاد في «الصَّلاة»: أنَّه كان في الحائط قبورُ المشركين وخَرِبٌ (فَأَمَرَ) ﷺ (بِقُبُورِ المُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ) وبالعظام فغُيِّبت (ثُمَّ بِالخِرَبِ) بكسر الخاء المعجمة وفتح الرَّاء، جمع خِرْبَةٍ كذا في «اليونينيَّة»، وفي الفرع: بفتح الخاء وكسر الرَّاء (٣) (فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المْسَجِدِ) أي: في جهتها، وإنَّما قطع ﵊ الشَّجر لأنَّه كان في (٤) أوَّل الهجرة، وحديث

стр. 4182

التَّحريم إنَّما كان بعد رجوعه ﷺ من خيبر كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في «الجهاد» و «المغازي»، أو أنَّ النَّهي (١) عنه مقصورٌ على القطع الذي يحصل به الإفساد، فأمَّا من يقصد الإصلاح فلا، أو النَّهي إنَّما يتوجَّه إلى ما أنبته الله من الشَّجر ممَّا لا صنع للآدميِّ فيه؛ كما حُمِل عليه النَّهيُ عن قطع شجر مكَّة، وعلى هذا يُحمَل قطعه ﵊ وجعله قبلة المسجد، ففيه تخصيص النَّهي عن قطع الشَّجر بما لا ينبته الآدميُّون كما أنَّ في الحديث السَّابق [خ¦١٨٦٧] التَّصريحَ بكون المدينة حرمًا، وهذا الحديث مضى في «الصَّلاة» [خ¦٤٢٨] ويأتي بتمامه إن شاء الله تعالى في «المغازي» [خ¦٣٩٣٢]. ١٨٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَخِي) عبد الحميد بن عبد الله (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن بلالٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا العمريِّ، ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن عمر» (عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: حُرِّمَ) بضمِّ الحاء وكسر الرَّاء؛ أي: حرَّم اللهُ، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «حَرَم» بفتحتين مرفوعٌ خبرٌ مُقَدَّمٌ، والمبتدأ (مَا بَيْنَ لَابَتَيِ المَدِينَةِ عَلَى لِسَانِي) بتخفيف المُوحَّدة تثنية لابةٍ؛ وهي الحرَّة: الأرض ذات الحجارة السُّود، والمدينة ما بين حرَّتين عظيمتين: إحداهما شرقيَّة، والأخرى غربيَّة، ووقع عند أحمد من حديث جابرٍ: «وأنا أحرِّم ما بين حَرَّتيها»، وزعم بعض الحنفيَّة: أنَّ الحديث مضطربٌ لأنَّه وقع في روايةٍ [خ¦٥٤٢٥]: «ما بين جبليها»، وفي روايةٍ: «ما بين لابتيها»، وأُجيب بأنَّ الجمع واضحٌ، وبمثل هذا لا تُرَدُّ الأحاديث الصَّحيحة، ولو تعذَّر الجمع أمكن التَّرجيح، ولا ريب أنَّ رواية: «لابتيها» أرجح لتوارد الرُّواة عليها، ورواية: «جبليها» لا تنافيها، فيكون عند كلِّ لابةٍ جبلٌ، أو لابتيها من جهة الجنوب والشِّمال، وجبليها من جهة المشرق والمغرب، وتسمية الجبلين في روايةٍ أخرى لا تضرُّ، وزاد مسلمٌ في بعض طرقه: «وجعل اثني عشر ميلًا حول المدينة حمًى»، وعند أبي داود

стр. 4183

من حديث عديِّ (١) بن زيدٍ قال: «حَمَى رسول الله ﷺ (٢) كلَّ ناحيةٍ من المدينة بَرِيدًا بَرِيدًا» وفي هذا بيان ما أجمل من حدِّ حرم المدينة. (قَالَ) أي: أبو هريرة: (وَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ بَنِي حَارِثَةَ) بالمهملة والمُثلَّثة: بطنٌ من الأوس، وكانوا إذ ذاك غربيَّ مَشْهَد حمزة، زاد الإسماعيليُّ: وهي في سند الحرَّة؛ أي: في الجانب المرتفع منها (فَقَالَ) ﵊، ولأبي الوقت: «وقال»: (أَرَاكُمْ) بفتح الهمزة في الفرع وغيره (٣) (يَا بَنِي حَارِثَةَ قَدْ خَرَجْتُمْ مِنَ الحَرَمِ) جزم بما غلب على ظنِّه (ثُمَّ التَفَتَ) ﷺ فرآهم داخلين في الحرم (فَقَالَ: بَلْ أَنْتُمْ فِيهِ) فرجع عن الظَّنِّ إلى اليقين، واستنبط منه المهلَّب: أنَّ للعالم أن يعوِّل على غلبة الظَّنِّ (٤)، ثمَّ ينظر، فيصحِّح النَّظر. ١٨٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحَّدة وتشديد المعجمة، المُلقَّب ببندارٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديٍّ العنبريُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان ابن مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن يزيد بن شريكٍ (التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ) يزيد (عَنْ عَلِيٍّ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ) أي: مكتوبٌ من أحكام الشَّريعة، أو: المنفيُّ شيءٌ اختصُّوا به عن النَّاس (إِلَّا كِتَابُ اللهِ، وَهَذِهِ الصَّحِيفَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وسبب قول عليٍّ ﵁ هذا يظهر بما رويناه في «مُسنَد أحمد» من طريق قتادة عن أبي حسَّان الأعرج: أنَّ عليًّا كان يأمر بالأمر، فيُقال له: قد

стр. 4184

فعلناه، فيقول: صدق الله ورسوله، فقال له الأشتر: هذا الذي تقول شيءٌ عهده إليك رسول الله ﷺ ؟ قال: ما عهد إليَّ شيئًا خاصًّا دون النَّاس إِلَّا شيئًا سمعته منه، فهو في صحيفةٍ في قراب سيفي، فلم يزالوا به حتَّى أخرج الصَّحيفة، فإذا فيها: (المَدِينَةُ حَرَمٌ) مُحرَّمةٌ (مَا بَيْنَ عَائِرٍ) بالعين المهملة والألف مهموزٌ آخره راءٌ: جبلٌ بالمدينة (إِلَى كَذَا) في «مسلمٍ»: «إلى ثورٍ» وتقدَّم ما فيه قريبًا (مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا) مخالفًا للكتاب والسُّنَّة (أَوْ آوَى مُحْدِثًا) بمدِّ همزة «آوى» على الأفصح في المتعدِّي، وعكسه في اللَّازم، وكسر دال «محدِثًا» أي: من نصر جانيًا وآواه وأجاره من خصمه وحال بينه وبين أن يُقتَصَّ منه، ويجوز فتح الدَّال؛ ومعناه: الأمر المُبتَدَع نفسُه، وإذا رضي بالبدعة وأقرَّ فاعلها ولم ينكرها عليه فقد آواه (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ) قال في «القاموس»: الصَّرف في الحديث: التَّوبة، والعدل: الفدية، أو هو: النَّافلة، والعدل: الفريضة، أو بالعكس، أو هو: الوزن، والعدل: الكيل، أو هو: الاكتساب، والعدل: الفدية، أو: الحيلة، ومنه: (فَمَا يَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا) [الفرقان: ١٩] ومعناه: فما يستطيعون أن يصرفوا عن أنفسهم العذاب. انتهى. وقال البيضاويُّ: الصَّرف: الشَّفاعة، والعدل: الفدية، وقال عياضٌ: معناه: لا يُقبَل منه (١) قبول رضًا وإن قُبِل منه قبول جزاءٍ، وقد يكون معنى الفدية: لا يجد في القيامة فداءً يفتدي به بخلاف غيره من المذنبين الذين يتفضَّل الله على من يشاء منهم بأن يفديه من النَّار بيهوديٍّ أو نصرانيٍّ؛ كما في الصَّحيح. (وَقَالَ: ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ) أي: أمانُهم صحيحٌ، سواءٌ صدر من واحدٍ أو أكثر، شريفٍ أو وضيعٍ، فإذا أَمَّنَ الكافرَ واحدٌ منهم بشروطه المعروفة في كتب الفقه لم يكن لأحدٍ نقضه (فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا) بهمزةٍ مفتوحةٍ فمعجمةٍ ساكنةٍ ففاءٍ ثمَّ راءٍ؛ أي: نقض عهد المسلم أو ذمامه (٢) (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَمَنْ تَوَلَّى قَوْمًا) أي: اتَّخذهم أولياء (بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ) ليس بشرطٍ لتقييد الحكم بعدم الإذن وقصره عليه، وإنَّما هو إيراد الكلام على ما هو الغالب، أو المراد موالاةُ الحلف، فإذا أراد الانتقال عنه لا ينتقل إلَّا

стр. 4185

بإذنٍ، وبالجملة فإن أُريد ولاء الحلف فهو سائغٌ، وإن أُريد ولاء العتق فلا مفهوم له، وإنَّما هو للتَّنبيه على المانع؛ وهو إبطال حقِّ الموالي (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ) قال النَّوويُّ: وفي هذا الحديث إبطالُ ما يزعمه الشِّيعة ويفترونه من قولهم: إنَّ عليًّا ﵁ أُوصِي إليه بأمورٍ كثيرةٍ من أسرار العلم وقواعد الدِّين، وإنَّه ﷺ خصَّ أهل البيت بما لم يُطْلِع عليه غيرهم، فهذه دعاوى باطلة، واختراعاتٌ فاسدة، وفيه: دليلٌ على جواز كتابة العلم. (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (عَدْلٌ) أي: (فِدَاءٌ) وهذا تفسير الأصمعيِّ، وسقط قوله: «قال أبو عبد الله … » إلى آخره، في غير رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي. وفي هذا الحديث: التَّحديثُ والعنعنة، وثلاثةٌ من التَّابعين في نسقٍ واحدٍ، ورواته كلُّهم كوفيُّون إلَّا شيخه وشيخ شيخه فبصريَّان. (٢) (بابُ فَضْلِ المَدِينَةِ وَأَنَّهَا تَنْفِي النَّاسَ) أي: شرارهم، وسقط لابن عساكر «وأنَّها تنفي الناس» (١). ١٨٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الحُبَابِ) بضمِّ الحاء المهملة وتخفيف المُوحَّدة الأولى (سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ) بالمهملة المُخفَّفة (يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ) بضمِّ الهمزة؛ أي: أمرني ربِّي بالهجرة إلى قريةٍ (تَأْكُلُ القُرَى) أي: تغلبها وتظهر عليها؛ يعني: أنَّ أهلها تغلب أهل (٢) سائر البلاد فتُفتَح منها، يُقال: أكلْنا بني

стр. 4186

فلانٍ؛ أي: غلبناهم وظهرنا عليهم، فإنَّ الغالب المستولي على الشَّيء كالمفني له إفناءَ الآكل إيَّاه، وفي «مُوطَّأ ابن وهبٍ»: قلت لمالكٍ: ما «تأكلُ القُرى؟» قال: تَفْتَحُ القُرى، وقال ابن المُنيِّر في «الحاشية»: قال السُّهيليُّ: في التَّوراة يقول الله: يا طابة، يا مسكينة، إنِّي سأرفع أجاجيرك (١) على أجاجير القرى، وهو قريبٌ من قوله: «أُمِرت بقريةٍ تأكل القرى» لأنَّها إذا علت عليها علوَّ الغلبة أكلَتْهَا، أو يكون المراد: يأكل فضلُها الفضائلَ؛ أي: يغلب فضلُها الفضائلَ، حتَّى إذا قيست بفضلها تلاشت بالنِّسبة إليها، فهو المراد بالأكل، وقد جاء في مكَّة: أنَّها أمُّ القرى كما جاء في المدينة: تأكل القرى، لكنَّ المذكور للمدينة أبلغ من المذكور لمكَّة لأنَّ الأمومة لا يُمحَى بوجودها وجود ما هي أمٌّ له، لكن يكون حقُّ الأمِّ أظهر، وأمَّا قوله: «تأكل القرى» فمعناه: أنَّ الفضائل تضمحلُّ في جنب عظيم فضلها، حتَّى تكاد تكون عدمًا، وما تضمحلُّ (٢) له الفضائل أفضل وأعظم (٣) ممَّا تبقى معه الفضائل. انتهى. وهو ينزع إلى تفضيل المدينة على مكَّة، قال المُهلَّب: لأنَّ المدينة هي التي أدخلت مكَّة وغيرها من القرى في الإسلام، فصار الجميع في صحائف أهلها، وأُجيب بأنَّ أهل المدينة الذين فتحوا مكَّة معظمهم من أهل مكَّة، فالفضل ثابتٌ للفريقين، ولا يلزم من ذلك تفضيل إحدى البقعتين، وقد استنبط ابن أبي جمرة من قوله ﵊ [خ¦١٨٨١]: «ليس من بلدٍ إلَّا سيطؤه الدَّجَّال إلَّا مكَّة والمدينة» التَّساوي بين فضل مكَّة والمدينة، ومباحث التَّفضيل بين الموضعين مشهورةٌ، وقال الأبيُّ من المالكيَّة: واختار ابن رشدٍ وشيخنا أبو عبد الله -أي: ابن عرفة- تفضيل مكَّة، واحتجَّ ابن رشدٍ لذلك بأنَّ الله تعالى جعل بها قبلة الصَّلاة وكعبة الحجِّ، وبأنَّه تعالى (٤) جعل لها مزيَّةً بتحريم الله تعالى إيَّاها أنَّ الله حرَّم مكَّة

стр. 4187

ولم يحرِّمها النَّاسُ، وأجمع أهل العلم على وجوب الجزاء على من صاد بحرمها، ولم يُجمِعوا على وجوبه على من صاد بالمدينة، ومن دخله كان آمنًا، ولم يقل أحدٌ بذلك في المدينة، وكان الذَّنب في حرم مكَّة أغلظ منه في حرم المدينة، فكان ذلك دليلًا على فضلها عليها، قال: ولا حجَّة في الأحاديث المرغِّبة في سكنى المدينة على فضلها عليها، قال: ولا دليل في قوله: «أُمِرت بقريةٍ تأكل القرى» لأنَّه إنَّما أخبر أنَّه أُمِر بالهجرة إلى قريةٍ تُفتَح منها البلاد. (يَقُولُونَ) أي: بعض المنافقين للمدينة: (يَثْرِبُ) يسمُّونها باسم واحدٍ من العمالقة نزلها، وقيل: يثرب بن قانئة من ولد إرم بن سام (١) بن نوحٍ، وهو اسمٌ كان لموضع منها سُمِّيت كلُّها به، وكرهه ﷺ لأنَّه من التَّثريب الذي هو: التَّوبيخ والملامة، أو من الثَّرْب؛ وهو الفساد، وكلاهما قبيحٌ، وقد كان ﵊ يحبُّ الاسم الحسن ويكره الاسم القبيح ولذا بدَّله بطابة والمدينة، ولذلك قال: يقولون ذلك (وَهْيَ المَدِينَةُ) أي: الكاملة على الإطلاق كالبيت للكعبة، والنَّجم للثُّريَّا، فهو اسمها الحقيق بها لأنَّ التَّركيب يدلُّ على التَّفخيم كقول الشَّاعر: ..................... … همُ القومُ كلُّ القوم يا أمَّ خالدٍ أي: هي المستحقَّة لأن تُتَّخَذ دار إقامةٍ، وأمَّا تسميتها في القرآن بيثرب (٢) فإنَّما هو حكايةٌ عن المنافقين، وروى أحمد عن البراء بن عازبٍ رفعه: «من سمَّى المدينة يثرب فليستغفر الله، هي طابة، هي طابة»، وروى عمر بن شبَّة عن أبي أيُّوب: أنَّ رسول الله ﷺ نهى أن يُقال للمدينة: يثرب، ولهذا (٣) قال عيسى بن دينارٍ من المالكيَّة: من سمَّى المدينة يثرب كُتِبت عليه خطيئةٌ، لكن في «الصَّحيحين» في حديث «الهجرة» [خ¦٦٣/ ٤٥ - ٥٨١٥] «فإذا هي يثرب»، وفي روايةٍ: «لا أراها إلَّا يثرب»، وقد يُجاب: بأنَّه قبل النَّهي. (تَنْفِي) المدينة (النَّاسَ) أي: الخبيث الرَّديء منهم في زمنه ﵊، أو زمن الدَّجَّال (كَمَا يَنْفِي الكِيرُ) بكسر الكاف وسكون التَّحتيَّة، قال في «القاموس»: زِقٌّ ينفخ فيه الحدَّاد، وأمَّا المبنيُّ من الطِّين فكُورٌ (خَبَثَ الحَدِيدِ) بفتح الخاء المعجمة والمُوحَّدة ونصب المُثلَّثة على

стр. 4188

المفعوليَّة؛ أي: وسخه الذي تُخرِجه النَّار؛ أي: أنَّها لا تترك فيها من في قلبه دغلٌ، بل تميِّزه عن القلوب الصَّادقة وتخرجه كما تميِّز النَّار (١) رديء الحديد من جيِّده، ونُسِب التَّمييز للكير لكونه السَّبب الأكبر في اشتعال النَّار التي وقع التَّمييز بها، وقد خرج من المدينة بعد الوفاة النَّبويَّة معاذٌ وأبو عبيدة وابن مسعودٍ وطائفةٌ، ثمَّ عليٌّ وطلحة والزُّبير وعمَّارٌ وآخرون، وهم من أطيب الخلق، فدلَّ على أنَّ المرادَ بالحديثِ تخصيصُ ناسٍ دون ناسٍ، ووقتٍ دون وقتٍ. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ أيضًا في «الحجِّ»، وكذا النَّسائيُّ فيه وفي «التَّفسير». (٣) (بابُ المَدِينَةِ) بالإضافة، من أسمائها (طَابَةُ) وفي نسخةٍ: «بابٌ» بالتَّنوين «المدينةُ طابةُ» ولأبي ذرٍّ: «طابةٌ» بالتَّنوين، وأصل طابة: طيبة فقُلِبت الياء ألفًا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها؛ أي: من أسمائها طابة، وليس فيه ما يدلُّ (٢) على أنَّها لا تُسمَّى بغير ذلك، ولها أسماء كثيرةٌ، وكثرة الأسماء تدلُّ على شرف المُسمَّى، فمن أسمائها: طَيْبة؛ كهيبة وطِيْبَة؛ كصيبة، وطائبٌ؛ ككاتبٍ، فهذه الثَّلاثة -مع طابة؛ كـ «شامة» - أخواتٌ لفظًا ومعنًى، مختلفاتٌ صيغةً ومبنًى، وذلك لطيب رائحتها وأمورها كلِّها، ولطهارتها من الشِّرك وحلول الطَّيِّب بها صلوات الله وسلامه عليه، ولطيب العيش بها، ولكونها تنفي خبثها وينصع طيبُها، ولله درُّ الإشبيليِّ حيث قال: لتربة المدينة نفحةٌ ليس كما عُهِد من الطِّيب، بل هو عجبٌ من الأعاجيب، وقال بعضهم ممَّا ذكره في «الفتح»: وفي طيب ترابها وهوائها دليلٌ شاهدٌ على صحَّة هذه التَّسمية؛ لأنَّ من أقام بها يجد من تربتها وحيطانها رائحةً طيِّبةً لا يكاد يجدها في غيرها. انتهى. ومن أسمائها: بيت الرَّسول ﷺ ، قال الله (٣) تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنفال: ٥] أي: من المدينة لاختصاصها به اختصاص البيت بساكنه، والحرم لتحريمها -كما مرَّ- والحبيبة لحبِّه ﷺ لها ودعائه به،

стр. 4189

وحَرَمُ الرَّسول ﵊ لأنَّه الذي حرَّمها، وفي «الطَّبرانيِّ» بسندٍ رجاله ثقاتٌ: «حرم إبراهيم مكَّة وحرمي المدينة»، وحسنة قال الله تعالى: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [النحل: ٤١] أي: مباءةً حسنةً؛ وهي المدينة، ودار الأبرار، ودار الأخيار لأنَّها دار المختار والمهاجرين والأنصار، وتنفي شرارها ومن أقام بها منهم، فليست له في الحقيقة بدار، وربَّما نُقِل منها بعد الإقبار، ودار الإيمان، ودار السُّنَّة، ودار السَّلامة، ودار الفتح، ودار الهجرة؛ فمنها فُتِحت سائر الأمصار، وإليها هجرة السَّيِّد (١) المختار، ومنها انتشرت السُّنَّة في الأقطار، والشَّافية لحديث: «ترابها شفاءٌ من كلِّ داءٍ»، وذكر ابن مسدي: الاستشفاء بتعليق أسمائها على المحموم، وقبَّة الإسلام لحديث: «المدينة قبَّة الإسلام»، والمؤمنة لتصديقها بالله حقيقةً؛ لخلقه (٢) قابليَّةَ ذلك فيها كما في تسبيح الحصى، أو مجازًا؛ لاتِّصاف أهلها به وانتشاره منها، وفي خبرٍ: «والذي نفسي بيده إنَّ تربتها لمؤمنةٌ»، وفي آخر: «إنَّها المكتوبةُ (٣) في التَّوراة مؤمنةٌ»، ومُبَارَكةٌ لأنَّ الله تعالى بارك فيها بدعائه ﷺ لها (٤) وحلوله فيها، والمختارة لأنَّ الله تعالى اختارها للمختار من خلقه، والمحفوظة لحفظها من الطَّاعون والدَّجَّال وغيرهما، ومدخل صدقٍ، والمرزوقة؛ أي: المرزوق أهلها، والمسكينة، نُقِل عن التَّوراة -كما مرَّ- ورُوِي مرفوعًا: «إنَّ الله تعالى قال للمدينة: يا طيبة، يا طابة، يا مسكينة، لا تقبلي الكنوز (٥)، أرفع أجاجيرك على أجاجير القرى»، والمسكنة: الخضوع والخشوع (٦) خلقه الله تعالى فيها، أو هي مسكن الخاشعين، أسأل الله تعالى (٧) العظيم (٨)، بوجاهة وجهه الوجيه، ونبيِّه النَّبيه، عليه أفضل الصَّلاة والتَّسليم (٩)، أن يجعلني من ساكنيها المقرَّبين، حيًّا وميتًا، إنَّه جابر المنكسرين، وواصل المنقطعين، ومنها المُقدَّسة لتنزُّهها عن الشِّرك وكونها تنفي الذُّنوب،

стр. 4190

وأكَّالة القرى لغلبتها الجميع فضلًا وتسلُّطها عليها وافتتاحها بأيدي أهلها، فغنموها وأكلوها، وروى الزُّبير في «أخبار المدينة» من طريق عبد العزيز الدَّراورديِّ أنَّه قال: بلغني أنَّ للمدينة في التَّوراة أربعين اسمًا. ١٨٧٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) البجليُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ التَّيميُّ القرشيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بفتح العين، ابن عمارة الأنصاريُّ المدنيُّ (عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بالمُوحَّدة والمهملة في الأوَّل، وفتح المهملة (١) وسكون الهاء في الثَّاني، وسكون العين في الثَّالث، السَّاعديِّ (عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) بضمِّ الحاء عبد الرَّحمن السَّاعديِّ (٢) (¬﵁¬) أنَّه قال: (أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ) غزوة (تَبُوكَ) سنة تسعٍ من الهجرة (حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى المَدِينَةِ، فَقَالَ) ﷺ : (هَذِهِ) اسمها (طَابَةُ) كـ «شامة»، ولأبي ذرٍّ: «طابةٌ» بالتَّنوين، وفي بعض طرقه: طيْبَة كـ «هيبة»، ولـ «مسلمٍ» عن جابر بن سمرة: «إنَّ الله تعالى سمَّى المدينة طابة». وحديث الباب هذا طرفٌ من (٣) حديثٍ طويلٍ سبق في «باب خرص التَّمر» [خ¦١٤٨١] من «باب الزَّكاة»، والله أعلم (٤). (٤) (بابُ لَابَتَيِ المَدِينَةِ).

стр. 4191

١٨٧٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بفتح الياء المُشدَّدة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَوْ رَأَيْتُ الظِّبَاءَ) بكسر الظَّاء المعجمة ممدودًا، جمع ظبيٍ (بِالمَدِينَةِ تَرْتَعُ) أي: ترعى (مَا ذَعَرْتُهَا) بذالٍ معجمةٍ وعينٍ مهملةٍ؛ أي: ما أفزعتها ونفَّرتها، وكنَّى بذلك عن عدم صيدها، واستدلَّ ﵁ بقوله: (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) أي: المدينة (حَرَامٌ) لا يجوز صيدها ولا قطع شجرها الذي لا يستنبته الآدميُّون، والمدينة بين لابتين: شرقيَّة وغربيَّة، ولها لابتان أيضًا من الجانبين الآخرين إلَّا أنَّهما يرجعان إلى الأوليين (١) لاتِّصالهما بهما، فجميع دورها كلِّها داخل ذلك. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ»، والتِّرمذيُّ في «المناقب»، والنَّسائيُّ في «الحجِّ». (٥) (بابُ مَنْ رَغِبَ عَنِ المَدِينَةِ) فهو مذمومٌ. ١٨٧٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الحمصيُّ (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) ولأبي الوقت: «عن سعيد بن المُسيَّب»: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: يَتْرُكُونَ المَدِينَةَ) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة في «يتركون» في فرع (٢) «اليونينيَّة»، وبالفوقيَّة على الخطاب في غيره، قال الحافظ ابن حجرٍ: الأكثر على الخطاب، والمراد بذلك: غير المخاطبين، لكنَّهم من أهل البلد، أو من نسل المخاطبين، أو من نوعهم، قال: ورُوِي بياء الغيبة، ورجَّحه القرطبيُّ،

стр. 4192

قال في «المصابيح»: وفي كلام القرطبيِ إشعارٌ ما (١) بأنَّ رواية البخاريِّ ليست بتاء الخطاب. انتهى. وقد ثبت (٢) بتاء الخطاب، فلا عبرة بما يشعِره كلام القرطبيِّ. (عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ) من العمارة وكثرة الأثمار (٣) وحسنها، وفي «أخبار المدينة» لعمر بن شَبَّة: أنَّ ابن عمر أنكر على أبي هريرة (٤) قوله: «خير ما كانت»، وقال: إنَّما قال ﷺ : «أعمر ما كانت» وأنَّ أبا هريرة صدَّقه على ذلك (لَا يَغْشَاهَا) بالغين المعجمة: لا يسكنها (إِلَّا العَوَافِ) بفتح العين المهملة والواو آخره (٥) فاءٌ من غير ياءٍ، جمع عافيةٍ: التي تطلب أقواتها، ولأبي ذرٍّ: «إلا عوافي» بحذف «أل» وبالمُثنَّاة التَّحتيَّة بعد الفاء (-يُرِيدُ عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ-) بنصب ياء «عوافي»، قال القاضي عياضٌ: هذا جرى في العصر الأوَّل وانقضى، وقد تُرِكت المدينة على (٦) أحسن ما كانت حين انتقلت الخلافة منها إلى الشَّام، وذلك خيرُ ما كانت للدِّين لكثرة العلماء بها، وللدُّنيا لعمارتها واتِّساع حال أهلها، وذكر الإخباريُّون في بعض الفتن التي جرت في المدينة (٧): أنَّه رحل عنها أكثر النَّاس وبقيت أكثر ثمارها للعوافي، وخلت مدَّةً، ثمَّ تراجع النَّاس إليها، وقال النَّوويُّ: المختار أنَّ هذا التَّرك يكون في آخر الزَّمان عند قيام السَّاعة، ويوضِّحه قصَّة الرَّاعِيَين، فقد وقع عند مسلمٍ: «ثمَّ يُحشَر راعيان»، وفي «البخاريِّ»: «أنَّهما آخر من يُحشَر» [خ¦١٨٧٤] وقال أبو عبد الله الأبيُّ: وهذا لم يقع، ولو وقع لتواتر، بل الظَّاهر أنَّه لم يقع بعد، ودليل المعجزة يوجب القطع بوقوعه في المستقبل إن صحَّ الحديث، وأنَّ الظَّاهر أنَّه بين يدي نفخة الصَّعق كما يدلُّ عليه موت الرَّاعِيَين. انتهى. ومراده بالرَّاعِيين المذكوران (٨) في قوله: (وَآخِرُ مَنْ يُحْشَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه؛ أي: آخر من يموت فيُحشَر لأنَّ الحشر بعد الموت، ويحتمل أن يتأخَّر حشرهما لتأخُّر موتهما، ويحتمل أنَّ آخر من يُحشَر إلى

стр. 4193

المدينة؛ أي: يُساق إليها؛ كما في لفظ رواية مسلمٍ (رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ) بضمِّ الميم وفتح الزَّاي المعجمة: قبيلةٌ من مضر (يُرِيدَانِ المَدِينَةَ يَنْعِقَانِ) بكسر العين المهملة وبعدها قافٌ، ماضيه (١) «نعَق» بفتحها؛ أي: يصيحان (بِغَنَمِهِمَا) ليسوقاها، وذلك عند قرب السَّاعة وصعقة الموت (فَيَجِدَانِهَا) أي: يجدان المدينة (وُحُوشًا) بالجمع؛ أي: ذات وحوشٍ لخلوِّها من سكَّانها، ولغير الأربعة: «وحشًا» بالإفراد؛ أي: خاليةً ليس بها أحدٌ، والوحش من الأرض: الخلاء، وقد يكون وحشًا بمعنى: وحوشٍ، وأصل الوحش: كلُّ شيءٍ توحَّش من الحيوان، وجمعه وحوشٌ، وقد يُعبَّر بواحده عن جمعه، وحينئذٍ فالضَّمير للمدينة، وعن ابن المرابط: أنَّه للغنم؛ أي: انقلبت الغنم وحوشًا، والقدرة صالحةٌ، أو المعنى: أنَّ الغنم صارت متوحِّشةً تنفر من أصوات الرُّعاة، وأنكره القاضي وصوَّب النَّوويُّ الأوَّل. (حَتَّى إِذَا بَلَغَا) أي: الرَّاعيان (ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ) التي كان يُشيَّع إليها ويُودَّع عندها وهي من جهة الشَّام (خَرَّا) بفتح المعجمة وتشديد الرَّاء؛ أي: سقطا (عَلَى وُجُوهِهِمَا) ميتين، ثمَّ إنَّ قوله: «وآخر من يُحشَر … » إلى آخره، يحتمل أن يكون حديثًا آخر غير الأوَّل لا تعلُّق له به، وأن يكون من بقيَّته، وعليهما يترتَّب الاختلاف السَّابق عن عياضٍ والنَّوويِّ، والله أعلم، وقد أخرج الحديثَ مسلمٌ. ١٨٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا (٢) عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ) أخيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ) بضمِّ الزَّاي وفتح الهاء مُصغَّرًا الأزديِّ، من أزد شَنُوأة -بفتح المعجمة وضمِّ النُّون وبعد

стр. 4194

الواو همزةٌ- النَّمريِّ، ويُلقَّب بابن القَرِد -بفتح القاف وكسر الرَّاء وبعدها دالٌ مهملةٌ- صحابيٌّ يُعَدُّ في أهل المدينة (¬﵁ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: تُفْتَحُ اليَمَنُ) بضمِّ الفوقيَّة وسكون الفاء وفتح الفوقيَّة مبنيًّا للمفعول، و «اليمنُ» رفع نائب فاعلٍ (١)، وسُمِّي اليمن لأنَّه عن يمين القبلة أو عن يمين الشَّمس، أو بيمين بن قحطان (فَيَأْتِي قَوْمٌ) من الذين حضروا فتحها وأعجبهم حسنها ورخاؤها (يَبِسُّونَ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر المُوحَّدة وتشديد المهملة، ثلاثيًّا، وعن ابن القاسم (٢): بضمِّ المُوحَّدة، فهو من باب: ضرَب يضرِب، ومن باب: نصَر ينصُر، وبضمِّ التَّحتيَّة مع كسر المُوحَّدة أيضًا، من الثُّلاثيِّ المزيد؛ أي: يسوقون دوابَّهم إلى المدينة سوقًا ليِّنًا (فَيَتَحَمَّلُونَ) منها؛ أي: من المدينة (بِأَهْلِيهِمْ (٣) وَمَنْ أَطَاعَهُمْ) من النَّاس، راحلين إلى اليمن (وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ) منها لأنَّها حرم الرَّسول ﷺ وجواره، ومهبط الوحي، ومنزل البركات (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) بما (٤) فيها من الفضائل كالصَّلاة في مسجدها وثواب الإقامة فيها، وغير ذلك من الفوائد الدُّنيويَّة (٥) والأخرويَّة، التي يُستحقَر دونها ما يجدونه من الحظوظ الفانية العاجلة بسبب الإقامة في غيرها ما ارتحلوا منها (٦)، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: «يأتي على النَّاس زمانٌ يدعو الرَّجل ابن عمِّه وقريبه: هلمَّ إلى الرَّخاء، والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون»، وظاهره: أنَّ الذين يتحمَّلون غير الذين يبسُّون، فكأنَّ الذي حضر الفتح أعجبه حسن اليَمن ورخاؤه، فدعا قريبه إلى المجيء إليه، فيتحمَّل المدعوُّ بأهله وأتباعه، لكن صوَّب النَّوويُّ: أنَّ (٧) في (٨) حديث الباب الإخبار عمَّن خرج من المدينة متحمِّلًا

стр. 4195

بأهله بأسًا في سيره مسرعًا إلى الرخاء والأمصار المفتتحة، وفي رواية ابن خزيمة من طريق أبي معاوية عن هشام بن عروة في هذا الحديث ما يؤيِّده، ولفظه: «تُفتَح الشَّام (١) فيخرج النَّاس إليها يبسُّون، والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون»، ويوضِّح ذلك حديث جابر عند البزَّار مرفوعًا: «ليأتينَّ على أهل المدينة زمانٌ ينطلق النَّاس منها إلى الأرياف يلتمسون الرَّخاء فيجدون رخاءً، ثمَّ يتحمَّلون بأهليهم إلى الرَّخاء، والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون»، وقال المنذريُّ: رجاله رجال الصَّحيح، والأرياف: جمع رِيفٍ-بكسر الراء-: وهو ما قارب المياه في أرض العرب، وقيل: هو الأرض التي فيها الزَّرع والخصب، وقيل: غير ذلك. (وَتُفْتَحُ الشَّأْمُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا لِمَا لم يُسَمَّ فاعله (٢)، وسُمِّي بالشَّام لأنَّه عن شمال الكعبة (فَيَأْتِي قَوْمٌ يَُبُِسُّونَ) بفتح أوَّله وضمِّه وكسر الموحَّدة وضمِّها (فَيَتَحَمَّلُونَ) من المدينة (بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ) من النَّاس راحلين إلى الشَّام (وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ) منها؛ لِمَا ذكر (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) بفضلها، فالجواب محذوفٌ كما في السَّابق واللَّاحق، دلَّ عليه ما قبله، وإن كانت «لو» بمعنى «ليت» فلا جواب لها، وعلى كلا (٣) التَّقديرين ففيه تجهيلٌ لمن فارقها لتفويته على نفسه خيرًا عظيمًا (وَتُفْتَحُ العِرَاقُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ) من المدينة (وَمَنْ أَطَاعَهُمْ) من النَّاس، راحلين إلى العراق (وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ) من العراق (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) والواو في قوله: «والمدينة» في الثَّلاثة للحال، وهذا من أعلام نبوَّته ﷺ حيث أخبر ﵊ بفتح هذه الأقاليم، وأنَّ الناس يتحمَّلون بأهاليهم ويفارقون المدينة، فكان ما قاله ﵊ على التَّرتيب المذكور في الحديث، لكن في حديث عند مسلمٍ وغيره: «تُفتَح الشَّام، ثمَّ اليمن، ثمَّ العراق»، والظَّاهرُ أنَ اليمن فُتِح (٤) قبل فتح (٥) الشَّام للاتِّفاق على أنَّه لم يُفتَح شيءٌ من الشَّام في حياته ﷺ ، فتكون رواية تقديم الشَّام على اليمن معناها استيفاء فتح اليمن إنَّما كان بعد الشَّام، وأمَّا قول المظهريِّ: إنَّه

стр. 4196

﵊ أخبر في أوَّل الهجرة إلى المدينة بأنَّه ستُفتَح اليمن، فيأتي قومٌ من اليمن إلى المدينة حتَّى يكثر أهل المدينة، والمدينة خيرٌ لهم من غيرها، فتعقَّبه الطِّيبيُّ بأنَّ تنكير «قوم»، ووصفه بـ «يبسُّون» ثمَّ توكيده بقوله: «لو كانوا يعلمون» لا يساعد ما قاله لأنَّ تنكير «قوم» لتحقيرهم وتوهين أمرهم ثمَّ الوصف بـ «يبسُّون» -وهو سوق الدَّوابِّ- يشعر بركاكة عقولهم، وأنَّهم ممَّن ركن إلى الحظوظ البهيميَّة وحطام الدُّنيا الفانية العاجلة (١)، وأعرضوا عن الإقامة في جوار الرَّسول ﵊؛ ولذلك كرَّر: «قومًا»، ووصفه في كلِّ قرينةٍ بـ «يبسُّون» استحقارًا لتلك الهيئة القبيحة، قال: والذي يقتضيه (٢) هذا المقام أن يُنزَّل «يعلمون» منزلة اللَّازم لينتفي عنهم العلم والمعرفة بالكلِّيَّة، ولو ذهب مع ذلك إلى معنى التَّمنِّي لكان أبلغ لأنَّ التَّمنِّي طلب ما لا يمكن حصوله؛ أي: ليتهم كانوا من أهل العلم تغليظًا وتشديدًا. ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ هؤلاء القوم المذكورين تفرَّقوا في البلاد بعد الفتوحات، ورغبوا عن الإقامة في المدينة، ولو صبروا على الإقامة فيها لكان خيرًا لهم، أمَّا من خرج لحاجةٍ-كجهادٍ أو تجارةٍ- فليس داخلًا في معنى الحديث. ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون إلَّا شيخه، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والسَّماع والقول، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ لأنَّ هشامًا لقي بعض الصَّحابة، وصحابيٍّ عن صحابيٍّ، وأخرجه مسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا النَّسائيُّ. (٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (الإِيمَانُ يَأْرِزُ إِلَى المَدِينَةِ) بهمزةٍ ساكنةٍ وراءٍ مكسورةٍ ثمَّ زايٍ كضرَب يضرِب؛ أي: ينضمُّ ويجتمع بعضه إلى بعضٍ فيها، وحكى القابسيُّ فتح الرَّاء من باب علِم يعلَم، وحُكِيَ ضمُّها من باب: نصَر ينصُر.

стр. 4197

١٨٧٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) هو إبراهيم بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة الحزاميُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ) أبو ضمرة اللَّيثيُّ المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا ابن عمر العمريُّ (عَنْ) خاله (خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضمِّ الخاء المعجمة وفتح المُوحَّدة الأولى (عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ) بن عمر بن الخطَّاب (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ) اللَّام في «ليأرز» للتَّأكيد (٢)؛ أي: أنَّ أهل الإيمان لتنضمُّ وتجتمع (إِلَى المَدِينَةِ؛ كَمَا تَأْرِزُ الحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا) أي: كما تنتشر الحيَّة من جحرها في طلب ما تعيش به، فإذا راعها شيءٌ رجعت إلى جحرها، كذلك الإيمان انتشر من المدينة، فكلُّ مؤمنٍ له من نفسه سائقٌ إليها لمحبَّته في ساكنها صلوات الله وسلامه عليه، وهذا شاملٌ لجميع الأزمنة، وأمَّا زمنه ﷺ فللتَّعلُّم منه، وأمَّا زمن الصَّحابة والتَّابعين وتابعيهم؛ فللاقتداء بهديهم، وأمَّا بعدهم؛ فلزيارة قبره المنيف، والصَّلاة في مسجده الشَّريف، والتَّبرُّك بمشاهدة آثاره وآثار أصحابه رزقني الله ذلك، والممات على محبَّته هنالك، يا سيِّدي يا رسول الله إنِّي أتوجَّه بك إلى ربِّك في ذلك وفي جميع أموري، اللَّهمَّ؛ شفِّعه فيَّ وفي سلفي (٣). وهذا الحديث رواه مسلمٌ في «الإيمان»، وابن ماجه في «الحجِّ»، والله أعلم. (٧) (بابُ إِثْمِ مَنْ كَادَ أَهْلَ المَدِينَةِ) أي: أراد بهم سوءًا. ١٨٧٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ) بضمِّ الحاءين وآخر الثَّاني مُثلَّثةٌ مُصغَّرين، المروزيُّ، مولى عمران بن حصينٍ (٤) الخزاعيُّ قال: (أَخْبَرَنَا الفَضْلُ) بن موسى السِّينانيُّ

стр. 4198

-بكسر السِّين المهملة وسكون التَّحتيَّة وبالنُّونين- المروزيُّ (عَنْ جُعَيْدٍ) بضمِّ الجيم وفتح العين وسكون التَّحتيَّة مُصغَّرًا، ابن عبد الرَّحمن بن أوسٍ (عَنْ عَائِشَةَ) زاد في رواية غير ابن عساكر وأبي ذرٍّ: «هي بنت سعدٍ» -بسكون العين- أي: ابن أبي وقَّاصٍ (قَالَتْ: سَمِعْتُ سَعْدًا) تعني أباها (¬﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا يَكِيدُ أَهْلَ المَدِينَةِ أَحَدٌ) أي: لا يفعل بهم كيدًا من مكرٍ وحربٍ وغير ذلك من وجوه الضَّرر بغير حقٍّ (إِلَّا انْمَاعَ) بسكون النُّون بعد ألف الوصل آخره مهملةٌ؛ أي: ذاب (كَمَا يَنْمَاعُ) يذوب (المِلْحُ فِي المَاءِ) وفي حديث مسلمٍ في روايةٍ: «ولا يريد أحدٌ أهل المدينة بسوءٍ إلَّا أذابه الله في النَّار ذوب الرَّصاص، أو ذوب الملح في الماء»، وهذا صريحٌ في التَّرجمة لأنَّه لا يستحقُّ هذا العذاب إلَّا من ارتكب إثمًا عظيمًا. (٨) (بابُ آطَامِ المَدِينَةِ) بالمدِّ، جمع أُطُمٍ -بضمَّتين-: وهي الحصون التي تُبنَى بالحجارة. ١٨٧٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ، وسقط في غير رواية (١) أبي ذرٍّ «ابن عبد الله» قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير قال (٢): (سَمِعْتُ أُسَامَةَ) بن زيدٍ (¬﵁ قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) نظر من مكانٍ مرتفعٍ (عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ المَدِينَةِ) بضمِّ الهمزة والطَّاء في الأوَّل، وفتحهما ممدودًا في الثَّاني (فَقَالَ: هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ إِنِّي لأَرَى) بالبصر (مَوَاقِعَ) أي: مواضع سقوط (الفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ) أي: نواحيها بأن تكون الفتن مُثِّلت له حتَّى رآها (كَمَوَاقِعِ القَطْرِ) وهذا كما مُثِّلت له الجنَّة والنَّار في القبلة (٣) حتَّى رآهما وهو يصلِّي، أو تكون الرُّؤية؛ بمعنى العلم، وشبَّه سقوط الفتن وكثرتها بالمدينة بسقوط القطر في الكثرة والعموم، وقد وقع ما أشار إليه

стр. 4199

ﷺ من قتل عثمان، وهلمَّ جرًّا، ولا سيَّما يوم الحرَّة، وهذا من أعلام النُّبوَّة. وقد أخرج المؤلِّف هذا الحديث في «المظالم» [خ¦٢٤٦٧] وفي «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٩٧] وفي «الفتن» [خ¦٧٠٦٠]، ومسلمٌ في «الفتن». (تَابَعَهُ) أي: تابع سفيانَ (مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ ممَّا وصله المؤلِّف في «الفتن» [خ¦٧٠٦٠] (وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ) العبديُّ الواسطيُّ، مما رواه مسلمٌ (عَنِ الزُّهْرِيِّ). (٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يَدْخُلُ الدَّجَّالُ المَدِينَةَ). ١٨٧٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعد بن إبراهيم الزُّهريِّ القرشيِّ (عَنْ جَدِّهِ) إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) نفيع بن الحارث بن كلدة الثَّقفيِّ (¬﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (١) (قَالَ: لَا يَدْخُلُ المَدِينَةَ رُعْبُ المَسِيحِ الدَّجَّالِ) بضمِّ الرَّاء؛ أي: ذعره وخوفه، و «الدَّجال»: من الدَّجل؛ وهو الكذب والخلط لأنَّه كذَّابٌ خلَّاطٌ، وإذا لم يدخل رعبه فالأولى (٢) ألَّا يدخل (لَهَا) أي: للمدينة (يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ، عَلَى كُلِّ بَابٍ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لكلِّ بابٍ» (مَلَكَانِ) يحرسونها (٣) منه. ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون، وفيه: تابعيٌّ عن تابعيٍّ، والتَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في «الفتن» (٤) [خ¦٧١٢٥] وهو من أفراده.

стр. 4200

١٨٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ عبد الله المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ المُجْمِرِ) (١) بضمِّ الميم الأولى وكسر الثَّانية بينهما جيمٌ ساكنةٌ، آخره راءٌ مولى آل عمر المدنيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : عَلَى أَنْقَابِ المَدِينَةِ) جمع نَقْبٍ؛ بفتح النُّون وسكون القاف وهو جمع قلَّةٍ وجمع الكثرة: نِقابٌ، وسيأتي أيضًا -إن شاء الله تعالى-[خ¦١٨٨٢] قال ابن وهبٍ: يعني: مداخل المدينة، وهي أبوابها وفُوَّهات طرقها التي يُدخَل إليها منها كما جاء في الحديث الآخر: «على كلِّ بابٍ منها مَلَكٌ»، وقيل: طرقها، والنَُّقْب: بفتح النُّون وضمِّها وسكون القاف، قال في «القاموس»: الطَّريق في الجبل (مَلَائِكَةٌ) يحرسونها (لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ) الموت الذَّريع الفاشي؛ أي: لا يكون بها مثل الذي يكون بغيرها؛ كالذي وقع في طاعون عمواس والجارف، وقد أظهر الله تعالى صدق رسوله، فلم يُنقَل قطُّ أنَّه دخلها الطَّاعون، وذلك ببركة دعائه ﷺ : «اللَّهمَّ صحِّحها لنا» (وَلَا) يدخلها (الدَّجَّالُ) قال الطِّيبيُّ: وجملة «لا يدخلها» مستأنفةٌ، بيانٌ لموجب استقرار الملائكة على الأنقاب. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الفتن» [خ¦٧١٣٣] و «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٣١]، ومسلمٌ في «الحجِّ»، والنَّسائيُّ في «الطِّبِّ» و «الحجِّ».

стр. 4201

١٨٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزاميُّ -بالزَّاي- قال: (حَدَّثَنَا الوَلِيدُ) بن مسلمٍ الدِّمشقيُّ القرشيُّ، ثقةٌ لكنَّه كثير التَّدليس قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو) -بفتح العين- هو عبد الرَّحمن بن عمرٍو الأوزاعيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاريُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ) أي (١): من البلدان يسكن النَّاس فيه وله شأنٌ (إِلَّا سَيَطَؤُهُ) سيدخله (الدَّجَّالُ) قال الحافظ ابن حجرٍ: هو على ظاهره وعمومه عند الجمهور، وشذَّ ابن حزمٍ فقال: المراد: لا يدخله بعثُه وجنودُه، وكأنَّه استبعد إمكان دخول الدَّجَّال جميع البلاد لقصر مدَّته، وغفل عمَّا ثبت (٢) في «صحيح مسلمٍ»: أنَّ بعض أيَّامه يكون قدر السَّنة. انتهى. قال العينيُّ: يحتمل أن يكون إطلاق قدر السَّنة على بعض أيَّامه ليس على حقيقته، بل لكون الشِّدَّة العظيمة الخارجة عن الحدِّ فيه أُطلِق عليه كأنَّه قدر السَّنة. (إِلَّا مَكَّةَ وَالمَدِينَةَ) لا يطؤهما، وهو مستثنًى من المستثنى، لا من بلدٍ؛ أي: في اللَّفظ، وإلَّا ففي المعنى منه لأنَّ الضَّمير في «سيطؤه» عائدٌ على البلد، وعند الطَّبريِّ (٣) من حديث عبد الله بن عمرٍو: «إلَّا الكعبةَ وبيتَ المقدس»، وزاد أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ: «ومسجد الطُّور»، وفي بعض الرِّوايات: «فلا يبقى له موضعٌ إلَّا ويأخذه، غير مكَّة والمدينة وبيت المقدس وجبل الطُّور، فإنَّ الملائكة تطرده عن هذه المواضع» (لَيْسَ لَهُ) سقط لأبي الوقت «له» (مِنْ نِقَابِهَا)

стр. 4202

بكسر النُّون؛ أي: من نقاب المدينة (نَقْبٌ إِلَّا عَلَيْهِ المَلَائِكَةُ) حال كونهم (صَافِّينَ) حال كونهم (يَحْرُسُونَهَا) منه، وهو من الأحوال المتداخلة، وسقط في رواية أبي الوقت لفظ «له» و «نقبٌ» (ثُمَّ تَرْجُفُ المَدِينَةُ) أي: تُزلزَل (بِأَهْلِهَا) الباء يحتمل أن تكون سببيَّةً؛ أي: تُزلزَل (١) وتضطرب بسبب أهلها لتنفض إلى الدَّجَّال الكافر والمنافق، وأن تكون حالًا؛ أي: ترجف ملتبسةً (٢) بأهلها، وقال المظهريُّ: ترجف المدينة بأهلها -أي: تحرِّكهم- وتلقي ميل الدَّجال في قلب من ليس بمؤمنٍ خالصٍ، فعلى هذا فالباء صلة الفعل (ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ) بفتحاتٍ (فَيُخْرِجُ اللهُ) في الثَّالثة منها (كُلَّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ) ويبقى بها المؤمن الخالص، فلا يُسلَّط عليه الدَّجَّال، وللحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «فيُخرِج إليه» (٣) إلى الدَّجَّال «كلَّ كافرٍ ومنافقٍ» وهذا لا يعارضه ما في حديث أبي بكرة الماضي [خ¦١٨٧٩] «أنَّه لا يدخل المدينةَ رعب الدَّجَّال» لأنَّ المراد بالرُّعب: ما يحصل من الفزع من ذكره والخوف من عتوّه، لا الرَّجفة التي تقع بالزَّلزلة لإخراج من ليس بمخلصٍ. وهذا الحديث أخرجه أيضًا مسلمٌ في «الفتن»، والنَّسائيُّ في «الحجِّ». ١٨٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بكيرٍ المخزوميُّ مولاهم

стр. 4203

المصريُّ، ثقةٌ في اللَّيث (١) وتكلَّموا في سماعه من مالك قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بضمِّ العين في الأوَّل مُصغَّرًا وسكون الفوقيَّة في الثَّالث بعد الضَّمِّ، ابن مسعودٍ الهذليُّ المدنيُّ (أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثًا طَوِيلًا عَنِ الدَّجَّالِ) عن حاله وفعله، وسقط في رواية أبي الوقت قوله: «حديثًا» (فَكَانَ فِيمَا حَدَّثَنَا بِهِ أَنْ قَالَ) «أن»: مصدريَّةٌ؛ أي: قوله: (يَأْتِي الدَّجَّالُ -وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ) أي: دخوله (نِقَابَ المَدِينَةِ- يَنْزِلُ) جملةٌ مستأنفةٌ، كأنَّ قائلًا قال: إذا كان الدُّخول عليه حرامًا فكيف يفعل؟ قال: ينزل (بَعْضَ السِّبَاخِ الَّتِي بِالمَدِينَةِ) بكسر السِّين، جمع سبخةٍ؛ وهي الأرض تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت شيئًا، والمعنى: أنَّه ينزل خارج المدينة على أرضٍ سبخةٍ من سباخها، وسقط في رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ قوله «ينزل» (فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ) أي: إلى الدَّجَّال (يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ، هُوَ خَيْرُ النَّاسِ -أَوْ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ-) شكٌّ من الرَّاوي، وذكر إبراهيم بن سفيان الرَّاوي عن مسلمٍ-كما في «صحيحه» -: أنَّه يُقال: إنَّه الخضر، وكذا حكاه مَعْمَرٌ في «جامعه»، وهذا إنَّما يتمُّ على القول ببقاء الخضر -كما لا يخفى- (فَيَقُولُ) الرَّجل: (أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا عَنْكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثَهُ فَيَقُولُ الدَّجَّالُ) لمن معه من أوليائه: (أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني (إِنْ قَتَلْتُ هَذَا) الرَّجل (ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ، هَلْ تَشُكُّونَ فِي الأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ: لَا) أي: اليهود ومن يصدِّقه من أهل الشَّقاوة، أو العموم، يقولون ذلك خوفًا منه، لا تصديقًا له، أو يقصدون بذلك عدم الشَّكِّ في كفره وأنَّه دجَّالٌ (فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يُحْيِيهِ) بقدرة الله تعالى ومشيئته، وفي «مسلمٍ»: «فيأمرُ الدَّجَّالُ به فيشجَّ فيقول: خذوه، فيُوسَعُ ظهرُه وبطنُه ضربًا، فيقول: أوَ ما تؤمن بي؟ قال (٢): فيقول: أنت المسيح الكذَّاب، فيُؤشَر (٣) بالمنشار من مفرقه حتَّى يُفرَّق بين رِجليه،

стр. 4204

قال: ثمَّ يمشي الدَّجَّال بين القطعتين، ثمَّ يقول له: قم، فيستوي قائمًا» (فَيَقُولُ حِينَ يُحْيِيهِ: وَاللهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي اليَوْمَ) لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أخبر بأنَّ علامة الدَّجَّال أنَّه يحيي المقتول، فزادت بصيرته بتلك العلامة، وفي بعض النُّسخ: «أشدَّ منِّي بصيرةً اليوم» فالمُفضَّل والمُفضَّل عليه كلاهما هو نفس المتكلِّم، لكنَّه مُفضَّلٌ باعتبار غيره (فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَقْتُلُهُ فَلَا أُسَلَّطُ (١) عَلَيْهِ) أي: على قتله لأنَّ الله يعجزه بعد ذلك فلا يقدر على قتل ذلك الرَّجل ولا غيره، وحينئذٍ يبطل أمره، وفي «مسلمٍ»: «ثمَّ يقول -أي: الرَّجل-: يا أيُّها النَّاس إنَّه لا يفعل بعدي بأحدٍ من النَّاس، قال: فيأخذه الدَّجَّال حتَّى يذبحه، فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاسًا، فلا يستطيع إليه سبيلًا، قال: فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به، فيحسب النَّاس أنَّه قذفه إلى النَّار، وإنَّما أُلقِي في الجنَّة» فقال رسول الله ﷺ : «هذا أعظم النَّاس شهادةً عند ربِّ العالمين». وحديث الباب أخرجه المؤلِّف في «الفتن» [خ¦٧١٣٢]، وكذا مسلمٌ، وأخرجه النَّسائيُّ في «الحجِّ». (١٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (المَدِينَةُ تَنْفِي الخَبَثَ). ١٨٨٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ) بفتح العين وسكون الميم، و «عبَّاسٍ»: بالمُوحَّدة، وبعد الألف مهملةٌ الباهليُّ البصريُّ، أو هو (٢) الأهوازيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديٍّ (٣) قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ) السَّلَميِّ (٤)؛ بفتح السِّين المهملة واللَّام (¬﵁¬) أنَّه قال: (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) قال الحافظ ابن حجرٍ:

стр. 4205

لم أقف على اسم الأعرابيِّ (١) إلَّا أنَّ الزَّمخشريَّ ذكر في «ربيع الأبرار»: أنَّه قيس بن أبي حازمٍ، وهو مشكلٌ لأنَّه تابعيٌّ كبيرٌ مشهورٌ، صرَّحوا بأنَّه هاجر فوجد النَّبيَّ ﷺ قد مات، فإن كان محفوظًا فلعلَّه آخر وافق اسمه واسم أبيه، وفي «الذَّيل» (٢) لأبي موسى في الصَّحابة: قيس بن حازمٍ المنقريُّ، فيحتمل أن يكون هو هذا (فَبَايَعَهُ عَلَى الإِسْلَامِ، فَجَاءَ مِنَ الغَدِ) حال كونه (مَحْمُومًا، فَقَالَ) للنَّبيِّ ﷺ : (أَقِلْنِي) قال عياضٌ: من المبايعة على الإسلام، وقال غيره: إنَّما استقاله على الهجرة، ولم يرد الارتداد عن الإسلام، قال ابن بطَّالٍ: بدليل أنَّه لم يُرِد حلَّ ما عقده إلَّا بموافقة النَّبيِّ ﷺ على ذلك، ولو أراد الرِّدَّة ووقع فيها لقتله إذ ذاك، وحمله بعضهم على الإقالة من المقام بالمدينة (فَأَبَى) النَّبيُّ ﷺ أن يقيله (ثَلَاثَ مِرَارٍ) (٣) تنازعه الفعلان قبله وهما قوله: «فقال»، وقوله: «فأبى». أي: قال ذلك ثلاث مرَّاتٍ (٤)، وهو ﷺ يأبى من إقالته، وإنَّما لم يُقِله بيعته لأنَّها إن كانت بعد الفتح فهي على الإسلام، فلم يُقِله إذ لا يحلُّ الرُّجوع إلى الكفر، وإن كانت قبله فهي على الهجرة والمقام معه بالمدينة، ولا يحلُّ للمهاجر أن يرجع إلى وطنه (فَقَالَ) ﵊: (المَدِينَةُ كَالكِيرِ) بكسر الكاف: المِنْفخ الذي تُنفَخ به النَّار، أو الموضع المشتمل عليها (تَنْفِي خَبَثَهَا) بمعجمةٍ فمُوحَّدةٍ مفتوحتين ومُثلَّثةٍ: ما تبرزه النَّار من الوسخ والقذر (وَيَنْصَعُ طَيِّبُهَا) بفتح الطَّاء وتشديد التَّحتيَّة وبالرَّفع فاعل «يَنْصَع» وهو بفتح التَّحتيَّة وسكون النُّون وفتح الصَّاد المهملة آخره عينٌ مهملةٌ من النُّصوع؛ وهو الخلوص، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وتَنْصَع» بالمُثنَّاة الفوقيَّة؛ أي: المدينة، «طِيبَها» بكسر الطَّاء وسكون التَّحتيَّة منصوبٌ على المفعوليَّة كذا في (٥) «اليونينيَّة»، والرِّواية الأولى في «طيبها»، قال أبو عبد الله الأبيُّ: هي الصَّحيحة، وهي أقوم معنًى، وأيُّ مناسبةٍ بين
следующие страницы →