← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

١٨٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزاميُّ -بالزَّاي- قال: (حَدَّثَنَا الوَلِيدُ) بن مسلمٍ الدِّمشقيُّ القرشيُّ، ثقةٌ لكنَّه كثير التَّدليس قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو) -بفتح العين- هو عبد الرَّحمن بن عمرٍو الأوزاعيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاريُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ) أي (١): من البلدان يسكن النَّاس فيه وله شأنٌ (إِلَّا سَيَطَؤُهُ) سيدخله (الدَّجَّالُ) قال الحافظ ابن حجرٍ: هو على ظاهره وعمومه عند الجمهور، وشذَّ ابن حزمٍ فقال: المراد: لا يدخله بعثُه وجنودُه، وكأنَّه استبعد إمكان دخول الدَّجَّال جميع البلاد لقصر مدَّته، وغفل عمَّا ثبت (٢) في «صحيح مسلمٍ»: أنَّ بعض أيَّامه يكون قدر السَّنة. انتهى. قال العينيُّ: يحتمل أن يكون إطلاق قدر السَّنة على بعض أيَّامه ليس على حقيقته، بل لكون الشِّدَّة العظيمة الخارجة عن الحدِّ فيه أُطلِق عليه كأنَّه قدر السَّنة. (إِلَّا مَكَّةَ وَالمَدِينَةَ) لا يطؤهما، وهو مستثنًى من المستثنى، لا من بلدٍ؛ أي: في اللَّفظ، وإلَّا ففي المعنى منه لأنَّ الضَّمير في «سيطؤه» عائدٌ على البلد، وعند الطَّبريِّ (٣) من حديث عبد الله بن عمرٍو: «إلَّا الكعبةَ وبيتَ المقدس»، وزاد أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ: «ومسجد الطُّور»، وفي بعض الرِّوايات: «فلا يبقى له موضعٌ إلَّا ويأخذه، غير مكَّة والمدينة وبيت المقدس وجبل الطُّور، فإنَّ الملائكة تطرده عن هذه المواضع» (لَيْسَ لَهُ) سقط لأبي الوقت «له» (مِنْ نِقَابِهَا)

стр. 4202

بكسر النُّون؛ أي: من نقاب المدينة (نَقْبٌ إِلَّا عَلَيْهِ المَلَائِكَةُ) حال كونهم (صَافِّينَ) حال كونهم (يَحْرُسُونَهَا) منه، وهو من الأحوال المتداخلة، وسقط في رواية أبي الوقت لفظ «له» و «نقبٌ» (ثُمَّ تَرْجُفُ المَدِينَةُ) أي: تُزلزَل (بِأَهْلِهَا) الباء يحتمل أن تكون سببيَّةً؛ أي: تُزلزَل (١) وتضطرب بسبب أهلها لتنفض إلى الدَّجَّال الكافر والمنافق، وأن تكون حالًا؛ أي: ترجف ملتبسةً (٢) بأهلها، وقال المظهريُّ: ترجف المدينة بأهلها -أي: تحرِّكهم- وتلقي ميل الدَّجال في قلب من ليس بمؤمنٍ خالصٍ، فعلى هذا فالباء صلة الفعل (ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ) بفتحاتٍ (فَيُخْرِجُ اللهُ) في الثَّالثة منها (كُلَّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ) ويبقى بها المؤمن الخالص، فلا يُسلَّط عليه الدَّجَّال، وللحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «فيُخرِج إليه» (٣) إلى الدَّجَّال «كلَّ كافرٍ ومنافقٍ» وهذا لا يعارضه ما في حديث أبي بكرة الماضي [خ¦١٨٧٩] «أنَّه لا يدخل المدينةَ رعب الدَّجَّال» لأنَّ المراد بالرُّعب: ما يحصل من الفزع من ذكره والخوف من عتوّه، لا الرَّجفة التي تقع بالزَّلزلة لإخراج من ليس بمخلصٍ. وهذا الحديث أخرجه أيضًا مسلمٌ في «الفتن»، والنَّسائيُّ في «الحجِّ». ١٨٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بكيرٍ المخزوميُّ مولاهم

стр. 4203

المصريُّ، ثقةٌ في اللَّيث (١) وتكلَّموا في سماعه من مالك قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بضمِّ العين في الأوَّل مُصغَّرًا وسكون الفوقيَّة في الثَّالث بعد الضَّمِّ، ابن مسعودٍ الهذليُّ المدنيُّ (أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثًا طَوِيلًا عَنِ الدَّجَّالِ) عن حاله وفعله، وسقط في رواية أبي الوقت قوله: «حديثًا» (فَكَانَ فِيمَا حَدَّثَنَا بِهِ أَنْ قَالَ) «أن»: مصدريَّةٌ؛ أي: قوله: (يَأْتِي الدَّجَّالُ -وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ) أي: دخوله (نِقَابَ المَدِينَةِ- يَنْزِلُ) جملةٌ مستأنفةٌ، كأنَّ قائلًا قال: إذا كان الدُّخول عليه حرامًا فكيف يفعل؟ قال: ينزل (بَعْضَ السِّبَاخِ الَّتِي بِالمَدِينَةِ) بكسر السِّين، جمع سبخةٍ؛ وهي الأرض تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت شيئًا، والمعنى: أنَّه ينزل خارج المدينة على أرضٍ سبخةٍ من سباخها، وسقط في رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ قوله «ينزل» (فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ) أي: إلى الدَّجَّال (يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ، هُوَ خَيْرُ النَّاسِ -أَوْ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ-) شكٌّ من الرَّاوي، وذكر إبراهيم بن سفيان الرَّاوي عن مسلمٍ-كما في «صحيحه» -: أنَّه يُقال: إنَّه الخضر، وكذا حكاه مَعْمَرٌ في «جامعه»، وهذا إنَّما يتمُّ على القول ببقاء الخضر -كما لا يخفى- (فَيَقُولُ) الرَّجل: (أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا عَنْكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثَهُ فَيَقُولُ الدَّجَّالُ) لمن معه من أوليائه: (أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني (إِنْ قَتَلْتُ هَذَا) الرَّجل (ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ، هَلْ تَشُكُّونَ فِي الأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ: لَا) أي: اليهود ومن يصدِّقه من أهل الشَّقاوة، أو العموم، يقولون ذلك خوفًا منه، لا تصديقًا له، أو يقصدون بذلك عدم الشَّكِّ في كفره وأنَّه دجَّالٌ (فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يُحْيِيهِ) بقدرة الله تعالى ومشيئته، وفي «مسلمٍ»: «فيأمرُ الدَّجَّالُ به فيشجَّ فيقول: خذوه، فيُوسَعُ ظهرُه وبطنُه ضربًا، فيقول: أوَ ما تؤمن بي؟ قال (٢): فيقول: أنت المسيح الكذَّاب، فيُؤشَر (٣) بالمنشار من مفرقه حتَّى يُفرَّق بين رِجليه،

стр. 4204

قال: ثمَّ يمشي الدَّجَّال بين القطعتين، ثمَّ يقول له: قم، فيستوي قائمًا» (فَيَقُولُ حِينَ يُحْيِيهِ: وَاللهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي اليَوْمَ) لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أخبر بأنَّ علامة الدَّجَّال أنَّه يحيي المقتول، فزادت بصيرته بتلك العلامة، وفي بعض النُّسخ: «أشدَّ منِّي بصيرةً اليوم» فالمُفضَّل والمُفضَّل عليه كلاهما هو نفس المتكلِّم، لكنَّه مُفضَّلٌ باعتبار غيره (فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَقْتُلُهُ فَلَا أُسَلَّطُ (١) عَلَيْهِ) أي: على قتله لأنَّ الله يعجزه بعد ذلك فلا يقدر على قتل ذلك الرَّجل ولا غيره، وحينئذٍ يبطل أمره، وفي «مسلمٍ»: «ثمَّ يقول -أي: الرَّجل-: يا أيُّها النَّاس إنَّه لا يفعل بعدي بأحدٍ من النَّاس، قال: فيأخذه الدَّجَّال حتَّى يذبحه، فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاسًا، فلا يستطيع إليه سبيلًا، قال: فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به، فيحسب النَّاس أنَّه قذفه إلى النَّار، وإنَّما أُلقِي في الجنَّة» فقال رسول الله ﷺ : «هذا أعظم النَّاس شهادةً عند ربِّ العالمين». وحديث الباب أخرجه المؤلِّف في «الفتن» [خ¦٧١٣٢]، وكذا مسلمٌ، وأخرجه النَّسائيُّ في «الحجِّ». (١٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (المَدِينَةُ تَنْفِي الخَبَثَ). ١٨٨٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ) بفتح العين وسكون الميم، و «عبَّاسٍ»: بالمُوحَّدة، وبعد الألف مهملةٌ الباهليُّ البصريُّ، أو هو (٢) الأهوازيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديٍّ (٣) قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ) السَّلَميِّ (٤)؛ بفتح السِّين المهملة واللَّام (¬﵁¬) أنَّه قال: (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) قال الحافظ ابن حجرٍ:

стр. 4205

لم أقف على اسم الأعرابيِّ (١) إلَّا أنَّ الزَّمخشريَّ ذكر في «ربيع الأبرار»: أنَّه قيس بن أبي حازمٍ، وهو مشكلٌ لأنَّه تابعيٌّ كبيرٌ مشهورٌ، صرَّحوا بأنَّه هاجر فوجد النَّبيَّ ﷺ قد مات، فإن كان محفوظًا فلعلَّه آخر وافق اسمه واسم أبيه، وفي «الذَّيل» (٢) لأبي موسى في الصَّحابة: قيس بن حازمٍ المنقريُّ، فيحتمل أن يكون هو هذا (فَبَايَعَهُ عَلَى الإِسْلَامِ، فَجَاءَ مِنَ الغَدِ) حال كونه (مَحْمُومًا، فَقَالَ) للنَّبيِّ ﷺ : (أَقِلْنِي) قال عياضٌ: من المبايعة على الإسلام، وقال غيره: إنَّما استقاله على الهجرة، ولم يرد الارتداد عن الإسلام، قال ابن بطَّالٍ: بدليل أنَّه لم يُرِد حلَّ ما عقده إلَّا بموافقة النَّبيِّ ﷺ على ذلك، ولو أراد الرِّدَّة ووقع فيها لقتله إذ ذاك، وحمله بعضهم على الإقالة من المقام بالمدينة (فَأَبَى) النَّبيُّ ﷺ أن يقيله (ثَلَاثَ مِرَارٍ) (٣) تنازعه الفعلان قبله وهما قوله: «فقال»، وقوله: «فأبى». أي: قال ذلك ثلاث مرَّاتٍ (٤)، وهو ﷺ يأبى من إقالته، وإنَّما لم يُقِله بيعته لأنَّها إن كانت بعد الفتح فهي على الإسلام، فلم يُقِله إذ لا يحلُّ الرُّجوع إلى الكفر، وإن كانت قبله فهي على الهجرة والمقام معه بالمدينة، ولا يحلُّ للمهاجر أن يرجع إلى وطنه (فَقَالَ) ﵊: (المَدِينَةُ كَالكِيرِ) بكسر الكاف: المِنْفخ الذي تُنفَخ به النَّار، أو الموضع المشتمل عليها (تَنْفِي خَبَثَهَا) بمعجمةٍ فمُوحَّدةٍ مفتوحتين ومُثلَّثةٍ: ما تبرزه النَّار من الوسخ والقذر (وَيَنْصَعُ طَيِّبُهَا) بفتح الطَّاء وتشديد التَّحتيَّة وبالرَّفع فاعل «يَنْصَع» وهو بفتح التَّحتيَّة وسكون النُّون وفتح الصَّاد المهملة آخره عينٌ مهملةٌ من النُّصوع؛ وهو الخلوص، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وتَنْصَع» بالمُثنَّاة الفوقيَّة؛ أي: المدينة، «طِيبَها» بكسر الطَّاء وسكون التَّحتيَّة منصوبٌ على المفعوليَّة كذا في (٥) «اليونينيَّة»، والرِّواية الأولى في «طيبها»، قال أبو عبد الله الأبيُّ: هي الصَّحيحة، وهي أقوم معنًى، وأيُّ مناسبةٍ بين

стр. 4206

الكير والطِّيب. انتهى. وهذا تشبيهٌ حسنٌ لأنَّ الكِير بشدَّة نفخه ينفي عن النَّار السُّخام والدُّخان والرَّماد حتَّى لا يبقى إلَّا خالصُ الجمر، وهذا إن أُريد بالكير المِنفخ الذي يُنفَخ به النَّار، وإن أُريد به الموضع فيكون المعنى: أنَّ ذلك الموضع لشدَّة حرارته ينزع خَبَثَ الحديد والفضَّة والذَّهب ويُخرِج خلاصة ذلك، والمدينة كذلك تنفي شِرَار النَّاس بالحمَّى والوَصَب وشدَّة العيش، وضِيق الحال التي تخلِّص النَّفسَ من الاسترسال في الشَّهوات، وتطهِّر خيارهم وتزكِّيهم، وليس الوصف عامًّا لها في جميع الأزمنة، بل هو خاصٌّ بزمن النَّبيِّ ﷺ لأنَّه لم يكن يخرج (١) عنها رغبةً في عدم الإقامة معه إلَّا من لا خير فيه، وقد خرج منها بعده جماعةٌ من خيار الصَّحابة وقطنوا غيرها وماتوا خارجًا عنها؛ كابن مسعودٍ وأبي موسى وعليٍّ وأبي ذرٍّ وعمَّارٍ وحذيفة وعبادة بن الصَّامت وأبي عبيدة ومعاذٍ وأبي الدَّرداء وغيرهم، فدلَّ على أنَّ ذلك خاصٌّ بزمنه ﷺ بالقيد المذكور (٢). ١٨٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريِّ الصَّحابيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ) من الزِّيادة الخطميِّ الأنصاريِّ الصَّحابيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ﵁ يَقُولُ: لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ إِلَى) غزوة (أُحُدٍ) وكانت سنة ثلاثٍ من الهجرة (رَجَعَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) ﵊ من الطَّريق، وهم عبد الله بن أبيٍّ ومن تبعه (فَقَالَتْ فِرْقَةٌ) من المسلمين: (نَقْتُلُهُمْ) أي: نقتل الرَّاجعين (وَقَالَتْ فِرْقَةٌ) منهم: (لَا نَقْتُلُهُمْ) لأنَّهم مسلمون (فَنَزَلَتْ) لمَّا اختلفوا: (﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨])

стр. 4207

أي: تفرَّقتم في أمرهم فرقتين، حالٌ عاملُها «لكم»، و «في المنافقين»: متعلِّقٌ بما دلَّ عليه «فئتين» أي: متفرِّقين فيهم (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّهَا) أي: المدينة (تَنْفِي الرِّجَالَ) جمع رجلٍ، والألف واللَّام للعهد عن (١) شرارهم وأخسَّائِهم؛ أي: تميِّز وتُظهِر شرارَ الرِّجال من خيارهم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «تنفي الدَّجَّال» بالدَّال وتشديد الجيم، قال في «الفتح»: وهو تصحيفٌ، وفي «غزوة أحدٍ» [خ¦٤٠٥٠] «تنفي الذُّنوب»، وفي «تفسير سورة النِّساء» [خ¦٤٥٨٩]: «تنفي الخَبَث»، وأخرجه في هذه المواضع كلِّها من طريق شعبة، وأخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ من رواية غندرٍ عن شعبة باللَّفظ الذي أخرجه في «التَّفسير» [خ¦٤٥٨٩] من طريق غندرٍ، وغُنْدرٌ أثبتُ النَّاس في شعبة، وروايته توافق رواية حديث جابرٍ الذي قبله [خ¦١٨٨٣] حيث قال فيه: «تنفي خَبَثَها»، وكذا أخرجه مسلمٌ من حديث أبي هريرة بلفظ: «تُخرِج الخَبَث»، ومضى في أوَّل «فضائل المدينة» [خ¦١٨٧١] من وجهٍ آخر عن أبي هريرة: «تنفي النَّاس» والرِّواية التي هنا: «تنفي الرِّجال» لا تنافي الرِّواية التي بلفظ: «الخبث»، بل هي مفسِّرةٌ للرِّواية المشهورة بخلاف: «تنفي الذُّنوب»، ويحتمل أن يكون فيه حذفٌ تقديره: أهل الذُّنوب، فتلتئم مع باقي الرِّوايات. انتهى. (كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الحَدِيدِ) وتُبقِي الطِّيب أزكى ما كان وأخلص، وكذلك المدينة. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٠٥٠] و «التَّفسير» [خ¦٤٥٨٩]، ومسلمٌ في «المناسك» وفي «ذكر المنافقين»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير». هذا (بابٌ) بالتَّنوين بلا ترجمةٍ، فهو بمعنى الفصل من الباب السَّابق، وفيه حديثان، فمناسبة الأوَّل لما سبق من جهة أنَّ تضعيف البركة وتكثيرها يلزم منه تقليل (٢) ما يضادُّها، فناسب نفي الخبث، ومناسبة الثَّاني من جهة أنَّ حبَّ الرَّسول ﷺ للمدينة يناسب طيب ذاتها وأهلها، وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ.

стр. 4208

١٨٨٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «حدَّثني» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ-بفتح النُّون أو بكسرها- قال: (حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بفتح الجيم، قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) جريرُ بن حازمٍ قال: (سَمِعْتُ يُونُسَ) بن يزيد الأيليَّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالكٍ (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: اللَّهُمَّ؛ اجْعَلْ بِالمَدِينَةِ ضِعْفَيْ) تثنية: ضِعْفٍ -بالكسر- قال في «القاموس»: ضِعْف الشَّيء: مثله، وضِعْفاه: مثلاه، أو الضِّعْف: المِثْل إلى ما زاد، ويُقال: لك ضِعْفُه؛ يريدون: مِثْلَيه وثلاثةَ أمثاله لأنَّه زيادةٌ غير محصورةٍ، وقول الله تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] أي: ثلاثةَ أعذبةٍ، ومَجازُ يُضاعَف؛ أي يُجعَل إلى الشَّيء شيئان حتَّى يصير ثلاثةً. انتهى. وقال الفقهاء في الوصيَّة: بضعف نصيب ابنه: مثلاه، وبضعفيه: ثلاثة أمثاله عملًا بالعرف في الوصايا، وكذا في الأقارير نحو: له عليَّ ضعف درهمٍ، فيلزمه درهمان لا العمل باللُّغة، والمعنى هنا: اللَّهمَّ اجعل بالمدينة مِثْلَيِ (مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ البَرَكَةِ) أي: الدُّنيويَّة؛ إذ هو مجملٌ فسَّره الحديث الآخر [خ¦١٨٨٩] «اللَّهمَّ بارك لنا في صاعنا ومدِّنا»، فلا يُقال: إنَّ مقتضى إطلاق البركة أن يكون ثواب صلاة المدينة ضعفي ثواب الصَّلاة بمكَّة، أو المراد: عموم البركة، لكن خُصَّت الصَّلاة ونحوها بدليلٍ خارجيٍّ، فاستدلَّ به على تفضيل المدينة على مكَّة، وهو ظاهرٌ من هذه الجهة، لكن لا يلزم من حصول أفضليَّة المفضول في شيءٍ من الأشياء ثبوت الأفضليَّة على الإطلاق، وأيضًا لا دلالة في تضعيف الدُّعاء للمدينة على فضلها على مكَّة؛ إذ لو كان كذلك للزم أن يكون الشَّام (١) واليمن أفضل من مكَّة لقوله في الحديث الآخر [خ¦١٠٣٧]: «اللَّهمَّ بارك لنا في شامنا ويمننا» -أعادها ثلاثًا- وهو باطلٌ لما لا يخفى، فالتَّكرير للتَّأكيد، والمعنى واحدٌ، قال الأبيُّ: ومعنى: «ضعف ما بمكَّة» أنَّ المراد: ما أشبع بغير مكَّة

стр. 4209

رجلًا أشبع بمكَّة رجلين وبالمدينة ثلاثةً، فالأظهر في الحديث: أنَّ البركة إنَّما هي في الاقتيات، وقال النَّوويُّ: في نفس المكيل؛ بحيث يكفي المدُّ فيها من (١) لا يكفيه في غيرها، وهذا أمرٌ محسوسٌ عند من سكنها. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ». (تَابَعَهُ) أي: تابع جريرَ بن حازمٍ (عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين البصريُّ، ممَّا وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات» (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ، عن ابن شهابٍ. ١٨٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ الزُّرقيُّ (٢) (عَنْ حُمَيْدٍ) بضمِّ الحاء وفتح الميم مُصغَّرًا ابن أبي حُمَيدٍ الطَّويل البصريِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَنَظَرَ إِلَى جُدُرَاتِ المَدِينَةِ) بضمِّ الجيم والدَّال، جمع «جدارٍ» جمع سلامةٍ (أَوْضَعَ) بفتح الهمزة وسكون الواو وبالضَّاد المعجمة؛ أي: حمل (رَاحِلَتَهُ) على السَّير السَّريع (وَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا) أي: حرَّك الدَّابَّة من حبِّ المدينة، وقد استجاب الله تعالى دعاء نبيِّه ﷺ حيث دعا [خ¦١٨٨٩]: «اللَّهمَّ حبِّب إلينا المدينة كحبِّنا مكَّة أو أشدَّ»، حتَّى كان يحرِّك دابَّته إذا رآها من حبِّها. اللَّهمَّ حبِّبها إلينا وحبِّب صالحي أهلها فينا، واجعل لنا بها قرارًا ورزقًا حسنًا، وتوفَّنا بها (٣) في عافيةٍ بلا محنةٍ. (١١) (بابُ كَرَاهِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ تُعْرَى المَدِينَةُ) بضمِّ التَّاء من «تُعرى» أي: تخلو، وأعريت المكان: جعلته خاليًا، ولأبي ذرٍّ: «أن تَعرى» بفتحها؛ أي: تخلو وتصير عراءً؛ وهو الفضاء من الأرض الذي لا سترة به.

стр. 4210

١٨٨٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «حدَّثني» بالإفراد (ابْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللَّام محمَّدٌ (١) السُّلميُّ مولاهم البخاريُّ البيكنديُّ قال: (أَخْبَرَنَا الفَزَارِيُّ) بفتح الفاء وتخفيف الزَّاي وبعدها راءٌ مروان بن معاوية (عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ) بكسر اللَّام: بطنٌ كبيرٌ من الأنصار (أَنْ يَتَحَوَّلُوا) من منازلهم (إِلَى قُرْبِ المَسْجِدِ) لأنَّها كانت بعيدةً منه (فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تُعْرَى المَدِينَةُ) بضمِّ أوَّل «تُعرَى» ولأبي ذرٍّ: «تَعرَى»، بفتحه (وَقَالَ) ﵊: (يَا بَنِي سَلِمَةَ أَلَا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ؟) أي: ألا تعدُّون الأجر في خطاكم إلى المسجد، فإنَّ لكلِّ (٢) خطوةٍ أجرًا (فَأَقَامُوا) في منازلهم، وأراد ﵊ أن تبقى جهات المدينة عامرةً بساكنيها ليعظم المسلمون في أعين المنافقين والمشركين إرهابًا لهم وغلظةً عليهم، فإن قلت: لم ترك ﵊ التَّعليل بذلك وعلَّل بمزيدٍ من (٣) الأجر لبني سلمة؟ أُجيب: بأنَّه ذكر لهم المصلحة الخاصَّة بهم ليكون ذلك أدعى لهم على الموافقة وأبعث على نشاطهم إلى البقاء في ديارهم، وعلى هذا فهمه البخاريُّ، ولذا ترجم عليه ترجمتين؛ إحداهما: في «صلاة الجماعة» «باب احتساب الآثار»، والأخرى: «كراهية (٤) الرَّسول أن تُعرَى المدينة». (١٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين من غير ترجمةٍ، فهو كالفصل ممَّا قبله.

стр. 4211

١٨٨٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بالسِّين المهملة بعد الميم المضمومة وتشديد المهملة الأولى ابن مُسرهَدٍ (عَنْ يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بضمِّ العين وفتح المُوحَّدة مُصغَّرًا العمريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضمِّ الخاء المعجمة وفتح المُوحَّدة الأولى وهو خال عبيد الله (عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ) أي: ابن عمر بن الخطَّاب (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ) حقيقةً بأن يكون مقتطعًا منها كما أنَّ الحجر الأسود والنِّيل والفرات منها، أو مجازًا بأن يكون من إطلاق اسم المُسبَّب على السَّبب، فإنَّ ملازمة ذلك المكان للعبادة سببٌ في نيل الجنَّة، وهذا فيه نظرٌ؛ إذ لا اختصاص لذلك بتلك البقعة على غيرها، أو هي كروضةٍ من رياض الجنَّة في نزول الرَّحمة وحصول السَّعادة (١)، أو أنَّ تلك البقعة تُنقَل بعينها فتكون روضةً من رياض الجنَّة، ولا مانع من الجمع، فهي من الجنَّة، والعمل فيها يوجب لصاحبه روضةً في الجنَّة، وتُنقَل هي أيضًا إلى (٢) الجنَّة، وفي رواية ابن عساكر: «وقبري» بدل «بيتي»، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو خطأٌ فقد تقدَّم هذا الحديث في «كتاب الصَّلاة» [خ¦١١٩٦] قبيل «الجنائز» بهذا الإسناد؛ بلفظ: «بيتي»، وكذلك (٣) هو في «مسند مُسدَّدٍ» شيخ البخاريِّ فيه، نعم وقع في حديث سعد بن أبي وقَّاصٍ عند البزَّار بسندٍ رجاله ثقاتٌ، وعند الطَّبرانيِّ من حديث ابن عمر بلفظ: «القبر»، فعلى هذا المراد بالبيت في قوله: «بيتي» أحد بيوته لا كلُّها، وهو بيت عائشة الذي صار فيه قبره، وقد ورد الحديث بلفظ: «ما بين المنبر وبيت عائشة روضةٌ من رياض الجنَّة»، أخرجه الطَّبرانيُّ في «الأوسط». انتهى. (وَمِنْبَرِي) يُوضَع بعينه يوم القيامة (عَلَى حَوْضِي) والقدرة صالحةٌ لذلك، وقيل: يوضع له هناك منبرٌ، وقيل: ملازمة منبره للأعمال الصَّالحة تورد صاحبها الحوض وهو الكوثر فيشرب منه، واستدلَّ به على أنَّ المدينة أفضل من مكَّة لأنَّه أثبت أنَّ الأرض التي (٤) بين البيت والمنبر

стр. 4212

من الجنَّة، وقد قال في الحديث الآخر [خ¦٢٧٩٦]: «لقاب قوس أحدكم في الجنَّة خيرٌ من الدنيا وما فيها»، وأُجيب بأنَّ قوله: «من (١) الجنَّة» مجازٌ، ولو كانت من الجنَّة حقيقةً لكانت كما وصف الله الجنَّة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨] سلَّمنا أنَّه على الحقيقة، لكن لا نسلِّم أنَّ الفضل لغير تلك البقعة. وهذا الحديث قد سبق في آخر «كتاب الصَّلاة» في «باب فضل ما بين القبر والمنبر» [خ¦١١٩٦]. ١٨٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضمِّ العين واسمه في الأصل: عبد الله القرشيُّ الكوفيُّ الهبَّاريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) بضمِّ الهمزة حمَّاد بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ) يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلةً خلت من ربيع الأوَّل كما جزم به النَّوويُّ في «كتاب السِّير» من «الرَّوضة»

стр. 4213

(وُعِكَ) بضمِّ الواو وكسر العين المهملة؛ أي: حُمَّ (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (وَبِلَالٌ) ﵄ (فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الحُمَّى يَقُولُ: كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ) بضمِّ الميم وفتح الصَّاد المهملة والموحَّدة المُشدَّدة؛ أي: يُقال له: أنعم صباحًا أو يُسقَى صَبُوحه؛ وهو شرب الغداة (فِي أَهْلِهْ، وَالمَوْتُ أَدْنَى) أقرب (مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهْ) بكسر الشِّين المعجمة وسكون الهاء فيهما في «اليونينيَّة»: أحد سيور النعل التي تكون على وجهها. (وَكَانَ بِلَالٌ) ﵁ (إِذَا أُقْلِعَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ: «أَقلع» بفتحها؛ أي: كفَّ (عَنْهُ الحُمَّى يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ) بفتح العين وكسر القاف وسكون التَّحتيَّة «فَعيلةٌ» بمعنى «مفعولةٍ»؛ أي: صوته باكيًا حال كونه (يَقُولُ: أَلَا -لَيْتَ شِعْرِي- هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً بِوَادٍ) ويُروَى: بفجٍّ (وَحَوْلِي) مبتدأٌ، خبره: (إِذْخِرٌ) بكسر الهمزة وبمعجمتين (١): الحشيش المعروف (وَجَلِيلُ) بفتح الجيم وكسر اللَّام الأولى: نبتٌ ضعيفٌ؛ وهو الثُّمام، والجملة حاليَّةٌ، وأنشده الجوهريُّ في مادَّة «جلل»: بمكَّة حولي؛ بلا واوٍ، وهو أيضًا حالٌ (وَهَلْ أَرِدَنْ) بالنَّون الخفيفة (٢) (يَوْمًا مِيَاهَ مِجَنَّةٍ) بفتح الميم وكسرها وفتح الجيم والنُّون المُشدَّدة: موضعٌ على أميالٍ يسيرةٍ من مكَّة بناحية مرِّ الظَّهران، وقال الأزرقيُّ: على بريدٍ من مكَّة، وهو سوق هجر (وَهَلْ يَبْدُوَنْ) بالنُّون الخفيفة؛ أي: يظهرن (لِي شَامَةٌ) بالشِّين المعجمة (وَطَفِيلُ) بفتح المهملة وكسر الفاء: جبلان على نحو ثلاثين ميلًا من مكَّة، أو الأوَّل: جبلٌ من حدود هَرْشى مشرفٌ هو وشامة على مجنَّةٍ، أو عينان، قيل: وليس هذان البيتان لبلالٍ بل لبكر بن غالب بن عامر بن الحارث بن مضاضٍ (٣) الجرهميِّ،

стр. 4214

أنشدهما عندما نفتهم خزاعة من مكَّة، وتأمَّل كيف تعزَّى أبو بكرٍ ﵁ عند أخذ الحمَّى بما ينزل به من الموت الشَّامل للأهيل والغريب، وبلالٌ ﵁ تمنَّى الرُّجوع إلى وطنه على عادة الغرباء؛ يظهر لك فضل أبي بكرٍ على غيره من الصَّحابة ﵃. (قَالَ) أي: بلالٌ، وفي نسخةٍ: «وقال» (١) بواو العطف، وسقط ذلك في رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر، واقتصر على قوله: (اللَّهُمَّ العَنْ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، كَمَا أَخْرَجُونَا) أي (٢): اللَّهمَّ أبعدهم من رحمتك كما أبعدونا (مِنْ أَرْضِنَا) مكَّة (إِلَى أَرْضِ الوَبَاءِ) بالهمزة والمدِّ وقد يُقصَر: الموت الذَّريع؛ يريد: المدينة (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ) حبًّا من حبِّنا لمكَّة (٣) (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَفِي مُدِّنَا) صاع المدينة؛ وهو كيلٌ يسع أربعة أمدادٍ، والمُدُّ رطلٌ وثلثٌ عند أهل الحجاز، ورطلان في غيرها، والثَّاني: قول أبي حنيفة، وقيل: يحتمل أن ترجع البركة إلى كثرة ما يُكال بها من غلَّاتها وثمارها (وَصَحِّحْهَا) أي: المدينة (لَنَا) من الأمراض (وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الجُحْفَةِ) بضمِّ الجيم وسكون المهملة: ميقات أهل مصر، وخصَّها لأنَّها كانت إذ ذاك دار شركٍ ليشتغلوا بها عن معونة أهل الكفر، فلم تزل من يومئذٍ أكثر بلاد الله حمًّى، لا يشرب أحدٌ من مائها إلَّا حُمَّ. قال عروة بالسَّند السَّابق: (قَالَتْ) عائشة ﵂: (وَقَدِمْنَا المَدِينَةَ، وَهْيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللهِ) (٤) بهمزةٍ مضمومةٍ آخر «أوبأ» على وزن (٥) «أفعل» التَّفضيل؛ أي: أكثر وباءً وأشدُّ من غيرها (قَالَتْ) أي (٦): عائشة أيضًا ﵂: (فَكَانَ بُطْحَانُ) بضمِّ المُوحَّدة وسكون الطَّاء وفتح الحاء المهملتين وبعد الألف نونٌ: وادٍ في صحراء المدينة (يَجْرِي نَجْلًا) بفتح النُّون وسكون الجيم: ماءٌ يجري على وجه الأرض، قال الرَّاوي: (تَعْنِي) عائشة: (مَاءً آجِنًا) بفتح الهمزة الممدودة

стр. 4215

وكسر الجيم بعدها نونٌ؛ أي: متغيِّرًا، وغرض عائشة بذلك: بيان السَّبب في كثرة الوباء بالمدينة لأنَّ الماء الذي هذا صفته يحدث عنه المرض. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ أيضًا في «الحجِّ». ١٨٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) المصريُّ -بالميم- قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ) من الزِّيادة (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ) اللَّيثيِّ المدنيِّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ) أسلمَ مولى (١) عمر بن الخطَّاب (عَنْ عُمَرَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ) قد استُجيبت دعوته، فقتله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة يوم الأربعاء لأربعٍ بقين من ذي الحجَّة سنة ثلاثٍ وعشرين، فحصل له ثواب الشَّهادة لأنَّه قُتِل ظلمًا (وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ رَسُولِكَ (٢) ﷺ ¬) فتُوفِّي بها من ضربة أبي لؤلؤة في خاصرته، ودُفِن عند أبي بكرٍ ﵁ عند النَّبيِّ ﷺ ، فالثَّلاثة في بقعةٍ واحدةٍ؛ وهي أشرف البقاع على الإطلاق، ومناسبة هذا الأثر لما ترجم به في طلبه الموت بالمدينة إظهارًا لمحبَّته إيَّاها كمحبَّته (٣) مكَّة وأعلى. (وَقَالَ ابْنُ زُرَيْعٍ) يزيدُ، ممَّا وصله الإسماعيليُّ (عَنْ رَوْحِ بْنِ القَاسِمِ) بفتح الرَّاء (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أُمِّهِ) وفي الأولى قال: «عن أبيه»، وفي نسخةٍ بالفرع: «عن أبيه» (عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ﵄ قَالَتْ: سَمِعْتُ عُمَرَ (٤) نَحْوَهُ) ولفظ الإسماعيليِّ: اللَّهمَّ قتلًا في سبيلك (٥)، ووفاةً في

стр. 4216

بلد نبيِّك، قالت: فقلت: وأنَّى يكون هذا؟ قال: يأتي به الله إذا شاء (١). (وَقَالَ هِشَامٌ) هو ابن سعدٍ القرشيُّ، ممَّا وصله ابن سعدٍ (عَنْ زَيْدٍ) هو ابن أسلم (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَفْصَةَ) أنَّها قالت: (سَمِعْتُ عُمَرَ ﵁¬) يقول … ، فذكر مثله، وفي آخره: أنَّ الله يأتي بأمره إن شاء، وأراد المؤلِّف بهذين التَّعليقين بيان الاختلاف فيه على زيد بن أسلم، فاتَّفق هشام بن سعدٍ وسعيد بن أبي هلالٍ على أنَّه عن زيدٍ عن أبيه أسلم (٢) عن عمر، وتابعهما حفص بن ميسرة عن زيدٍ عند عمر بن شبَّة، وانفرد رَوْحُ بن القاسم عن زيدٍ بقوله: «عن أمِّه». تمَّ كتاب الحجِّ، ولله الحمد (٣).

стр. 4217

((٣٠)) (كِتَابُ الصَّوْمِ) بفتح الصَّاد وسكون الواو. (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا في فرع «اليونينيَّة»، وفي غيرها (١): بتقديم البسملة على لفظ: «كتاب» (٢)، وفي رواية النَّسفيِّ-كما في «فتح الباري» -: «كتاب الصِّيام» بكسر الصَّاد والياء بدل الواو، وهما مصدران لـ «صَامَ»، وثبتت البسملة للجميع، وذكرُ الصَّوم متأخِّرًا عن الحجِّ أنسبُ من ذكره عقب الزَّكاة لاشتمال كلٍّ منهما على بذل المال، فلم يبق للصَّوم موضعٌ إلَّا الأخير، وهو ربع الإيمان لقوله ﷺ : «الصَّوم نصف الصَّبر»، وقوله: «الصَّبر نصف الإيمان»، وشرعه سبحانه لفوائد أعظمها: كسر النَّفس وقهر الشَّيطان، فالشِّبع نهرٌ في النَّفس يَرِدُه الشَّيطان، والجوع نهرٌ في الرُّوح تَرِدُه الملائكة، ومنها: أنَّ الغنيَّ يعرف قدر نعمة الله تعالى عليه بإقداره على ما مُنِع منه كثيرٌ من الفقراء من فضول الطَّعام والشَّراب والنِّكاح، فإنَّه بامتناعه من ذلك في وقتٍ مخصوصٍ وحصول المشقَّة له بذلك يتذكر به (٣) من مُنِع ذلك على الإطلاق، فيوجب له ذلك شكر (٤) نعمة الله تعالى عليه بالغنى، ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج ومواساته بما يمكن من ذلك. وهو لغةً: الإمساك، ومنه قوله تعالى حكايةً عن مريم ﵍: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] أي: إمساكًا وسكوتًا عن الكلام، وقول النَّابغة: خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ … تَحْتَ العَجاجِ وأخرى تعلُكُ اللُّجُما

стр. 4218

وشرعًا: إمساكٌ عن المفطر (١) على وجهٍ مخصوصٍ، وقال الطِّيبيُّ: إمساك المُكلَّف بالنِّيَّة من الخيط الأبيض إلى الخيط الأسود عن تناول الأطيبين والاستمناء والاستقاء، فهو وصفٌ سلبيٌّ، وإطلاق العمل عليه تجوُّزٌ. (١) (بابُ وُجُوبِ صَوْمِ) شهر (رَمَضَانَ) وكان في شعبان من السَّنة الثَّانية من الهجرة، و «رمضان»: مصدر «رمض» إذا احترق، لا ينصرف للعلميَّة والألف والنُّون، وإنَّما سمَّوه بذلك إمَّا لارتماضهم فيه من حرِّ الجوع والعطش، أو لارتماض الذُّنوب فيه، أو لوقوعه أيَّام رمض الحرِّ؛ حيث نقلوا أسماء الشُّهور عن اللَّغة القديمة وسمَّوها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشَّهرُ أيَّام رمض الحرِّ، أو من رَمَضَ الصَّائم اشتدَّ حرُّ جوفه (٢)، أو لأنَّه يحرق الذُّنوب، ورمضان إن صحَّ أنَّه من أسماء الله تعالى فغير مشتقٍّ، أو راجعٌ إلى معنى: الغافر، أي: يمحو الذُّنوب ويمحقها، وقد روى أبو أحمد بن عديٍّ الجرجانيُّ من حديث نجيحٍ أبي معشرٍ عن سعيدٍ المقبريِّ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقولوا: رمضان؛ فإنَّ رمضان اسمٌ من أسماء الله تعالى» وفيه: أبو مَعْشَرٍ ضعيفٌ، لكن قالوا: يُكتَب حديثه. (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾) يعني: الأنبياء والأمم من لدن آدم، وفيه توكيدٌ للحكم، وترغيبٌ

стр. 4219

للفعل، وتطييبٌ للنَّفس (﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]) المعاصي؛ فإنَّ الصَّوم يكسر الشَّهوة التي هي مبدؤها كما قال ﵊ [خ¦١٩٠٥]: «فعليه بالصَّوم؛ فإنَّ الصَّوم له (١) وجاءٌ»، وهل صيام رمضان من خصائص هذه الأمَّة أم لا؟ إن قلنا: إنَّ (٢) التشبيه الذي دلَّ (٣) عليه كافُ «كما» في قوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ على حقيقته فيكون رمضان كُتِبَ على مَنْ قبلنا، وذكر ابن أبي حاتمٍ عن ابن عمر ﵁ مرفوعًا: «صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم» وفي إسناده مجهولٌ، وإن قلنا: المرادُ مطلقُ الصَّوم دون قدره ووقته فيكون التَّشبيه واقعًا على مطلق الصَّوم، وهو قول الجمهور.

стр. 4220

١٨٩١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ المدنيُّ (عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ) بضمِّ السِّين وفتح الهاء مُصغَّرًا نافعٍ (عَنْ أَبِيهِ) مالك بن أبي عامرٍ أبي أنسٍ الأصبحيِّ المدنيِّ، جدِّ مالكٍ الإمام (عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) أحد العشرة المُبشَّرة بالجنَّة: (أَنَّ أَعْرَابِيًّا) تقدَّم في «الإيمان» [خ¦٤٦] أنَّه ضِمَامُ بن ثَعْلَبة (جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) حال كونه (ثَائِرَ الرَّأْسِ) بالمُثلَّثة، أي: منتفش (١) شعر الرَّأس (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ؟) بالإفراد (فَقَالَ) رسول الله ﷺ : هو (الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ) في اليوم واللَّيلة، ولأبي ذرٍّ: «الصَّلواتِ الخمسَ» بالنَّصب بتقدير: فَرَضَ، زاد في «الإيمان» [خ¦٤٦]: فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا» (إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا) بتشديد الطَّاء وقد تُخفَّف، وهل الاستثناء منقطعٌ أو متَّصِلٌ؟ فعلى الأوَّل يكون المعنى: لكنَّ التَّطوُّع مُستحَبٌّ لك، وحينئذٍ لا تلزم النَّوافل بالشُّروع فيها، وقد روى النَّسائيُّ وغيره: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان أحيانًا ينوي صوم التَّطوُّع ثمَّ يفطر، فدلَّ على أنَّ الشُّروع في النَّفل لا يستلزم الإتمام، فهذا نصٌّ في الصَّوم، وبالقياس في الباقي، وقال الحنفيَّة: متَّصلٌ، واستدلُّوا به على أنَّ الشُّروع في التَّطوُّع يلزم إتمامه لأنَّه نفى وجوب شيءٍ آخر إلَّا ما تطوَّع به، والاستثناء من النَّفيِ إثباتٌ، والمنفيُّ وجوب شيءٍ آخر، فيكون المثبت بالاستثناء وجوب ما تطوَّع به وهو المطلوب، وهذا مغالطةٌ لأنَّ هذا الاستثناء من وادي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] وقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] أي: لا يجب عليك شيءٌ قطُّ إلَّا أن تطوَّعَ، وقد عُلِم أنَّ التَّطوُّع ليس بواجبٍ فيلزم (فَقَالَ) الأعرابيُّ: (أَخْبِرْنِي) يا رسول الله (مَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر (٢): «بما» (فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ؟ فَقَالَ) ﵊: فرض الله عليك (شَهْرَ رَمَضَانَ) زاد في «الإيمان»:

стр. 4221

فقال: هل عليَّ غيره؟ فقال: «لا» (إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا، فَقَالَ) الأعرابيُّ: (أَخْبِرْنِي بِمَا (١) فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ؟ فَقَالَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «قال» (فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَرَائِعِ الإِسْلَام) الشَّاملة لِنُصُب الزَّكاة ومقاديرها، والحجِّ وأحكامه، أو كان الحجُّ لم يُفرَض، أو لم يُفرَض على الأعرابيِّ السَّائل، وبهذا يزول الإشكال عن الإخبار بفلاحه لتناوله جميع الشَّرائع، وفي رواية غير أبي ذرٍّ وابن عساكر: «شرائع» بحذف باء الجرِّ والنَّصب على المفعوليَّة (قَالَ) الأعرابيُّ: (وَ) الله (الَّذِي أَكْرَمَكَ) زاد الكُشْمِيْهَنِيِّ: «بالحقِّ» (لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَفْلَحَ) أي: ظفر وأدرك بغيته دنيا وأُخرى (إِنْ صَدَقَ، أَوْ دَخَلَ الجَنَّةَ) (٢) ولأبي ذرٍّ: «أو أُدخِل الجنَّة» (إِنْ صَدَقَ) والشَّكُّ من الرَّاوي، فإن قلت: مفهومه أنَّه إذا تطوَّع لا يفلح أو لا يدخل الجنَّة؟ أُجيب بأنَّه مفهوم مخالفةٍ، ولا عبرة به، ومفهوم الموافقة مُقدَّمٌ عليه، فإذا تطوَّع يكون مفلحًا بالطَّريق الأَولى. وفي الحديث: دلالةٌ على أنَّه لا فرض في الصَّوم إلَّا رمضان، وسبق في «كتاب الإيمان» [خ¦٤٦] مع كثيرٍ من مباحثه. ١٨٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) ابن عُليَّة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: صَامَ النَّبِيُّ ﷺ عَاشُورَاءَ) بالمدِّ ويُقصَر؛ العاشر من المُحرَّم أو هو (٣) التَّاسع منه، مأخوذٌ من إظماء الإبل؛ فإنَّ العرب تسمِّي اليوم الخامس من أيَّام الوِرْد رَبْعًا (٤)، وكذا باقيها على هذه النِّسبة، فيكون التَّاسع عَشْرًا (٥)، والأوَّل هو الصَّحيح

стр. 4222

(وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تُرِكَ) صومُ عاشوراء، واستدلَّ به الحنفيَّة: على أنَّه كان فرضًا، ثمَّ نُسِخ بفرض رمضان، وهو وجهٌ عند الشَّافعيَّة، والمشهور عندهم أنَّه لم يجب قطُّ صومٌ قبل صوم رمضان، ويدلُّ لذلك حديث معاوية (١) مرفوعًا [خ¦٢٠٠٣] «لم يكتبِ اللهُ عليكم صيامَه». (وَكَانَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر راوي الحديث (لَا يَصُومُهُ) أي: عاشوراء مخافة ظنِّ وجوبه، أو أن يُعظَّم في الإسلام كالجاهليَّة، وإلَّا فهو سنَّةٌ كما سيأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى (إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ صَوْمَهُ) الذي كان يعتاده، فيصومه على عادته، لا لتنفُّله بعاشوراء. ١٨٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ) المصريِّ (٢) أبي رجاء، واسم أبيه: سويدٌ (أَنَّ عِرَاكَ بْنَ مَالِكٍ) بكسر العين وتخفيف الرَّاء وبعد الألف كافٌ (حَدَّثَهُ: أَنَّ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (أَخْبَرَهُ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فِي الجَاهِلِيَّةِ) وكان رسول الله ﷺ يصومه في الجاهليَّة (ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) النَّاسَ (بِصِيَامِهِ) لمَّا قدم المدينة، وصامه معهم (حَتَّى فُرِضَ رَمَضَانُ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْهُ) أي: عاشوراء، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فليصم» بحذف ضمير المفعول (وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ) بحذف الضَّمير، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أفطره» بإثباته، وقال في الصَّوم: «فليصُمْ» بلفظ الأمر، وفي الإفطار: «أَفْطَرَ» إشعارًا بأنَّ جانب الصَّوم أرجح. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ، وأخرجه النَّسائيُّ في «الحجِّ» و «التَّفسير».

стр. 4223

(٢) (بابُ فَضْلِ الصَّوْمِ) اعلم أنَّ الصَّوم لجام المتَّقين، وجُنَّة المحاربين، ورياضة الأبرار والمُقرَّبين. ١٨٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام الأعظم (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرْمُز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: الصِّيَامُ جُنَّةٌ) بضمِّ الجيم وتشديد النُّون، أي: وقايةٌ وسترةٌ، قيل: من المعاصي لأنَّه يكسر الشَّهوة ويضعفها، وقيل: من النَّار لأنَّه إمساكٌ عن الشَّهوات، والنَّار محفوفةٌ بالشَّهوات، وعند التِّرمذيِّ وسعيد بن منصور: «جُنَّةٌ من النَّار»، ولأحمد من حديث أبي عبيدة بن الجرَّاح: «الصِّيام جنَّةٌ ما لم يخرقها» وزاد الدَّارميُّ: «بالغِيبة»، وفيه: تلازم الأمرين لأنَّه إذا كفَّ نفسه عن المعاصي في الدنيا كان سترًا له من النَّار (فَلَا يَرْفَثْ) بالمُثلَّثة وبتثليث الفاء، أي: لا يفحش الصَّائم في الكلام (وَلَا يَجْهَلْ) أي: لا يفعل فعل الجهَّال؛ كالصِّياح والسُّخرية أو يسفه على أحدٍ، وعند سعيد بن منصورٍ: «فلا يرفث ولا يجادل»، وهذا ممنوعٌ في الجملة على الإطلاق، لكنَّه يتأكَّد بالصَّوم كما لا يخفى (وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ) قال عياضٌ: قاتله؛ أي (١): دافعه ونازعه، ويكون بمعنى: شاتمه ولاعنه، وقد جاء القتل بمعنى: اللَّعن، وفي رواية أبي صالحٍ [خ¦١٩٠٤] «فإن سابَّه (٢) أحدٌ أو قاتله»، ولسعيد بن منصورٍ من طريق سُهيلٍ: «فإن سابَّه أحدٌ أو ماراه» يعني: جادله، وقد استُشكِل ظاهره لأنَّ المفاعلة تقتضي وقوع الفعل من الجانبين، فإنَّه مأمورٌ بأن يكفَّ نفسه عن ذلك (٣)، وأُجيب بأنَّ

стр. 4224

المرادَ بالمفاعلة التَّهيُّؤُ لها؛ يعني: إن تهيَّأ أحدٌ لمقاتلته أو مشاتمته (فَلْيَقُلْ) له بلسانه-كما رجَّحه النَّوويُّ في «الأذكار» - أو بقلبه -كما جزم به المتولِّي ونقله الرَّافعيُّ عن الأئمَّة-: (إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ) فإنَّه إذا قال ذلك أمكن أن يكفَّ عنه، وإلَّا دفعه بالأخفِّ فالأخفِّ، والظَّاهر -كما قاله في «المصابيح» - أنَّ هذا القول علَّةٌ لتأكيد المنع، فكأنَّه يقول لخصمه: إنِّي صائمٌ تحذيرًا وتهديدًا بالوعيد المُوجَّه على من انتهك حرمة الصَّائم، وتذرَّع (١) إلى تنقيص أجره بإيقاعه بالمشاتمة، أو يذكِّر نفسه شديد المنع المُعلَّل بالصَّوم، ويكون من إطلاق القول على الكلام النَّفسيِّ، وظاهر كون الصَّوم جُنَّةً أن يقي صاحبه من أن يؤذي كما يقيه أن يُؤذَى. (وَ) الله (الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ) بضمِّ المعجمة واللَّام على الصَّحيح المشهور، وضبطه بعضهم بفتح الخاء، وخطَّأه الخطَّابيُّ، وقال في «المجموع»: إنَّه لا يجوز؛ أي (٢): تغيُّر رائحة فم الصَّائم لخلاء معدته من الطَّعام (أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى (٣) مِنْ رِيحِ المِسْكِ) وفي لفظٍ لـ «مسلم» والنَّسائيِّ: «أطيب عند الله يوم القيامة»، وقد وقع خلافٌ (٤) بين ابن الصَّلاح وابن عبد السَّلام في أنَّ طيب رائحة الخلوف هل هو في الدُّنيا والآخرة أو في الآخرة فقط؟ فذهب ابن عبد السَّلام إلى أنَّه في الآخرة، واستدلَّ برواية مسلمٍ والنَّسائيِّ هذه، وروى أبو الشَّيخ بإسنادٍ فيه ضعفٌ عن أنسٍ مرفوعًا: «يخرج الصَّائمون من قبورهم يُعْرَفُون بريح (٥) أفواههم، أفواههم (٦) أطيب عند الله من ريح المسك»، وذهب ابن الصَّلاح إلى أنَّ ذلك في الدُّنيا، واستدلَّ بحديث جابرٍ مرفوعًا: «وأمَّا الثَّانية: فإنَّ خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك»، واستُشكِل هذا من جهة أنَّ الله تعالى مُنزَّهٌ عن استطابة الرَّوائح الطَّيِّبة واستقذار الرَّوائح الخبيثة؛

стр. 4225

فإنَّ ذلك من صفات الحيوان، وأُجيب بأنَّه مجازٌ واستعارةٌ لأنَّه جرت عادتنا بتقريب الرَّوائح الطَّيِّبة منَّا، فاستُعير ذلك لتقريبه من الله تعالى، وقال ابن بطَّالٍ: أي: أزكى عند الله؛ إذ هو تعالى لا يُوصَف بالشَّمِّ، قال ابن المُنيِّر: لكنَّه (١) يُوصَف بأنَّه تعالى عالمٌ بهذا النَّوع من الإدراك، وكذلك (٢) بقيَّة المُدرَكات المحسوسات (٣) يعلمها تعالى على ما هي عليه لأنَّه خالقها، ألا يعلم من خلق؟! وهذا مذهب الأشعريِّ، وقيل: إنَّه تعالى يجزيه في الآخرة حتَّى تكون نكهته أطيب من ريح المسك، أو أنَّ صاحب الخلوف ينال من الثَّواب ما هو أفضل من ريح المسك عندنا (٤)، فإن قلت: لِمَ كان خُلُوف فم الصَّائم أطيبَ عند الله من ريح المسك، ودمُ الشَّهيد ريحه (٥) ريح المسك، مع ما فيه من المخاطرة بالنَّفس وبذل الرُّوح؟ أُجيب بأنَّه إنَّما كان أثر الصَّوم أطيب من أثر الجهاد لأنَّ الصَّوم أحد أركان الإسلام المشار إليها بقوله ﵊ [خ¦٨]: «بُني الإسلام على خمسٍ»، وبأنَّ الجهاد فرض كفايةٍ، والصَّوم فرض عينٍ، وفرض العين أفضل من فرض الكفاية؛ كما نصَّ عليه الشَّافعيُّ، وروى الإمام أحمد في «المُسنَد» أنَّه ﷺ قال: «دينارٌ تنفقه على أهلك ودينارٌ تنفقه في سبيل الله، أفضلهما الذي تنفقه على أهلك»، وجه الدَّليل: أنَّ النَّفقة على الأهل التي هي فرض عينٍ أفضل من النَّفقة في سبيل الله، وهو الجهاد الذي هو فرض كفايةٍ، ولا يعارض هذا ما رواه أبو داود الطَّيالسيُّ من حديث أبي قتادة قال: «خطب النَّبيُّ ﷺ فذكر الجهاد وفضله على سائر الأعمال إلَّا المكتوبة»، فإنَّه يحتمل أن يكون ذلك قبل وجوب الصَّوم، وأمَّا قول إمام الحرمين وجماعةٍ: إنَّ فرض الكفاية أفضل من فرض العين فمخالفٌ لنصِّ الشَّافعيِّ، فلا يُعوَّل عليه، وقد قال ﵊ للرَّجل الذي سأله (٦) عن أفضل الأعمال: «عليك بالصَّوم؛ فإنَّه لا مثل له» زاد الإمام أحمد عن إسحاق بن الطَّبَّاع عن مالكٍ: يقول الله تعالى: (يَتْرُكُ) الصَّائم (طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ) أي: شهوة الجماع لعطفها على الطَّعام

стр. 4226

والشَّراب، أو من عطف العامِّ على الخاصِّ، لكن وقع عند ابن خزيمة: «ويدع زوجته من أجلي» فهو صريحٌ في الأوَّل، وأصرحُ منه ما وقع عند الحافظ سَمُّوْيَه (١): من الطِّعام والشَّراب والجماع (مِنْ أَجْلِي، الصِّيَامُ لِي) من بين سائر الأعمال، ليس للصَّائم فيه حظٌّ، أو لم يتعبَّد به أحدٌ غيري، أو هو (٢) سرٌّ بيني وبين عبدي يفعله خالصًا لوجهي. وفي «المُوطَّأ»: فالصِّيام -بفاء السَّببيَّة- أي: بسبب كونه لي أنَّه يترك شهوته لأجلي، أو أنَّ فيه صفة الصَّمَدانيَّة؛ وهي التَّنزيه عن الغذاء (وَأَنَا أَجْزِي) صاحبه (بِهِ) وقد عُلِم أنَّ الكريم إذا تولَّى الإعطاء بنفسه كان في ذلك إشارةٌ إلى تعظيم ذلك العطاء وتفخيمه، ففيه مضاعفة الجزاء من غير عددٍ ولا حسابٍ (وَ) سائر الأعمال (الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) زاد في روايةٍ في (٣) «المُوطَّأ»: إلى سبع مئة ضعفٍ، واتَّفقوا على أنَّ المرادَ بالصَّائم هنا مَنْ سلم صيامه من المعاصي، وحديث: الغِيبة تفطِّر الصَّائم على ما في «الإحياء» قال العراقيُّ: ضعيفٌ، بل قال أبو حاتمٍ: كذبٌ، نعم يأثم ويُمنَع ثوابه إجماعًا، ذكره السُّبكيُّ في «شرحه» وفيه نظرٌ لمشقَّة الاحتراز، لكن إِنْ أكثرَ توجَّهت المقالةُ، لا نصحًا وتظلُّمًا ونحوهما لحاكمٍ ونحوه، وأدنى درجات الصَّوم الاقتصار على الكفِّ عن المفطرات، وأوسطها أن يضمَّ إليه كفَّ الجوارح عن الجرائم (٤)، وأعلاها أن يضمَّ إليهما كفَّ القلب عن الوساوس، وقال بعضهم: معناه: الصَّوم لي لا لك، أي: أنا الذي لا ينبغي لي أن أطعم وأشرب، وإذا كان بهذه المثابة وكان دخولك فيه كوني شرعته لك فأنا أجزي به؛ كأنَّه يقول: أنا جزاؤه لأنَّ صفة التَّنزيه عن الطَّعام والشَّراب تطلبني، وقد تلبست بها، وليست لك لكنَّك اتَّصفت بها في حال

стр. 4227

صومك، فهي تدخلك عليَّ، فإنَّ الصَّبرَ حبسُ النَّفس وقد حبستها بأمري عمَّا تعطيه حقيقتها من الطَّعام والشَّراب؛ فلهذا قال: للصَّائم فرحتان: فرحةٌ عند فطره -وتلك الفرحة لروحه الحيوانيِّ لا غير- وفرحةٌ عند لقاء ربِّه -وتلك الفرحة لنفسه النَّاطقة الطَّبيعيَّة الرَّبانيَّة- فأورثه الصَّوم لقاء الله؛ وهو المشاهدة. وهذا الحديث أخرجه أبو داود وكذا النَّسائيُّ والتِّرمذيُّ. (٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (الصَّوْمُ كَفَّارَةٌ). ١٨٩٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ قال: (حَدَّثَنَا جَامِعٌ) هو ابن أبي (١) راشدٍ الصَّيرفيُّ (٢) الكوفيُّ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) بالهمز شقيق بن سلمة (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان أنَّه (٣) (قَالَ: قَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب (¬﵁: مَنْ يَحْفَظُ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ) ولأبي الوقت: «من يحفظ حديث النَّبيِّ» (¬ ﷺ فِي الفِتْنَةِ) المخصوصة؟ (قَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا سَمِعْتُهُ) ﷺ (يَقُولُ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ) بأن يأتي بسببهم بغير جائزٍ (وَمَالِهِ)

стр. 4228

بأن يأخذه من غير حلِّه ويصرفه في غير مصرفه، وزاد في «باب الصَّلاة» [خ¦٥٢٥] و «ولده» (وَجَارِهِ) بأن يتمنَّى سعةً كسعته كلِّها (تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ) وهذا موضع التَّرجمة، قال في «الفتح»: وقد يُقال: هذا لا يعارضه ما عند أحمد من طريق حمَّاد بن سلمة عن محمَّد بن زيادٍ عن أبي هريرة رفعه: «كلُّ العمل كفَّارةٌ إلَّا الصَّوم، الصَّوم لي، وأنا أجزي به» لأنَّه يُحمَل في الإثبات على كفَّارة شيءٍ مخصوصٍ وفي النَّفي على كفَّارة شيءٍ آخر، وقد حمله المصنِّف في موضعٍ آخر على تكفير مُطلَق الخطيئة، فقال في «الزَّكاة»: «باب الصَّدقة تكفِّر الخطيئة»، ثمَّ أورد هذا الحديث بعينه [خ¦١٤٣٥] ويؤيِّد الإطلاق ما ثبت عند مسلمٍ من حديث أبي هريرة أيضًا مرفوعًا: «الصَّلوات الخمس ورمضان إلى رمضان مكفِّراتٌ ما (١) بينهنَّ ما اجتُنِبت الكبائر»، ولابن حبَّان في «صحيحه» من حديث أبي سعيدٍ مرفوعًا: «من صام رمضان وعرف حدوده؛ كفَّر ما قبله»، وعلى هذا فقوله: «كلُّ العمل كفَّارةٌ إلَّا الصِّيام» يحتمل أن يكون المراد: إلَّا الصِّيام؛ فإنَّه كفَّارةٌ وزيادة ثوابٍ على الكفَّارة، ويكون المراد بـ «الصِّيام» الذي هذا شأنه: ما وقع خالصًا سالمًا من الرِّياء والشَّوائب. انتهى. (قَالَ) عمر لحذيفة ﵄: (لَيْسَ أَسْأَلُ عَنْ ذِهِ) بكسر الذَّال المعجمة وكسر الهاء في الفرع وأصله، وفي غيرهما: بالسُّكون، وهي هاء السَّكت ويجوز فيها الاختلاس والسُّكون والإشباع، واسم «ليس» ضمير الشَّأن (إِنَّمَا أَسْأَلُ عَنِ) الفتنة الكبرى (الَّتِي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ البَحْرُ) أي: تضطرب كاضطرابه (قَالَ حُذَيْفةُ) زاد في «الصَّلاة»: ليس عليك منها بأسٌ يا أمير المؤمنين (وَإِنَّ

стр. 4229

دُونَ ذَلِكَ) ولابن عساكر: «قال (١): إنَّ دون ذلك» (بَابًا مُغْلَقًا) بالنَّصب صفةً لـ «بابًا» أي: لا يخرج شيءٌ من الفتن في حياتك (قَالَ) عمر: (فَيُفْتَحُ) الباب (أَوْ يُكْسَرُ؟ قَالَ) حذيفة: (يُكْسَرُ، قَالَ) عمر: (ذَاكَ) أي: الكسر (أَجْدَرُ) أَولى من الفتح، وفي نسخةٍ: «أحرى» (٢) (أَلَّا يُغْلَقَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) أي: إذا وقعت الفتنة فالظَّاهر أنَّها لا تسكن قطُّ، قال شقيقٌ: (فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع: (سَلْهُ) أي: حذيفة (أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَنِ البَابُ؟ فَسَأَلَهُ) أي: سأل مسروقٌ حذيفةَ عن ذلك (فَقَالَ: نَعَمْ) يعلمه (كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ) أي: أنَّ اللَّيلة أقرب من الغد، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «أنَّ غدًا دون اللَّيلة» قيل: وإنَّما عَلِمه عمرُ من قوله ﵊ لمَّا كان والعُمَران وعثمان على حِراء (٣) [خ¦٣٦٧٥] «إنَّما عليك نبيٌّ وصِدِّيقٌ وشهيدان»، وكان عمر هو الباب، وكانت (٤) الفتنة بقتل عثمان، وانخرق بسببها ما لا يُغلَق إلى يوم القيامة. وهذا الحديث سبق في «باب الصَّلاة كفَّارةٌ» [خ¦٥٢٥] ويأتي إن شاء الله تعالى في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٨٦] و «الفتن» [خ¦٧٠٩٦]. (٤) (بابُ الرَّيَّانُ لِلصَّائِمِينَ) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين «الرَّيَّان للصَّائمين» والرَّيَّان: بفتح الرَّاء وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة: اسم علمٍ على بابٍ من أبواب الجنَّة، يختصُّ بدخول الصَّائمين منه. ١٨٩٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم وسكون المعجمة البجليُّ (٥) الكوفيُّ

стр. 4230

قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التَّيميُّ المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي سلمة بن دينار الأعرج القاصُّ (١) المدنيُّ (عَنْ سَهْلٍ) هو ابن سعدٍ السَّاعديِّ (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ) نقيض: «العطشان»، وهو ممَّا وقعت المناسبة فيه بين لفظه ومعناه، فإنَّه مشتقٌّ من الرَّيِّ، وهو مناسبٌ لحال الصَّائمين لأنَّهم بتعطيشهم أنفسَهم في الدُّنيا يدخلون من باب الرَّيَّان ليأمنوا من العطش، وقال ابن المُنيِّر: إنَّما قال: «في الجنَّة» ولم يقل: «للجنَّة» ليشعر أنَّ في الباب المذكور من النِّعم والرَّاحة ما في الجنَّة، فيكون أبلغ في التَّشويق إليه، وزاد النَّسائيُّ وابن خزيمة: «من دخل شرب، ومن شرب لا يظمأ أبدًا» (يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ) إلى الجنَّة (لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا) منه (أُغْلِقَ) الباب (فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ) عبَّر بـ «لم يدخل» للماضي، وكان القياس: فلا يدخل، لكنَّه عُطِف على قوله: «لا يدخل» فيكون في حكم المستقبل، وكرَّر نفي دخول غيرهم منه للتَّأكيد. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ». ١٨٩٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزاميُّ؛ بالزَّاي (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَعْنٌ)

стр. 4231

بفتح الميم وسكون المهملة ابن عيسى بن يحيى القزَّاز المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ) ولابن عساكر: «قال رسول الله ﷺ »: (مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ) اثنين من أيِّ شيءٍ كان، صنفين أو متشابهين، وقد جاء مُفسَّرًا مرفوعًا: «بعيرين شاتين حمارين درهمين» وزاد إسماعيل القاضي عن أبي مصعبٍ عن مالكٍ: «من ماله» (فِي سَبِيلِ اللهِ) عامٌّ في أنواع الخير، أو خاصٌّ بالجهاد (نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا خَيْرٌ) من الخيرات، وليس المراد به «أفعل» التَّفضيل، والتَّنوين للتَّعظيم (فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ) المؤدِّين للفرائض، المكثِرين من النَّوافل، وكذا ما (١) يأتي فيما قيل (دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ) أي: الذي الغالب عليه الصِّيام، وإلَّا فكلُّ المؤمنين أهلٌ للكلِّ (دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ) وعند أحمد: «لكلِّ أهلِ عملٍ بابٌ يُدعَون منه بذلك العمل، فلأهل الصِّيام بابٌ يُدعَون منه، يُقال له: الرَّيَّان» (وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ) المكثرين منها (دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ) وفي نسخةٍ: دُعِي من أبواب الصَّدقة بجمع «بابٍ» وليس هذا تكرارًا لما في صدر الحديث؛ حيث قال: «من أنفق زوجين» لأنَّ الإنفاق ولو بالقليل خيرٌ من الخيرات العظيمة، وذاك (٢) حاصلٌ من (٣) كلِّ أبواب الجنَّة، وهذا استدعاءٌ خاصٌّ، وفي «نوادر الأصول»: من أبواب الجنَّة باب محمَّدٍ ﷺ ، وهو باب الرَّحمة وهو (٤) باب التَّوبة، وسائر الأبواب مقسومةٌ على أعمال البرِّ: باب الزَّكاة، باب الحجِّ، باب العمرة، وعند عياضٍ: باب الكاظمين الغيظ، باب الرَّاضين، البابُ الأيمن (٥) الذي يدخل منه من لا حساب عليه، وعند الآجُرِّيِّ عن أبي هريرة مرفوعًا: «إنَّ في الجنَّة بابًا، يُقال

стр. 4232

له: الضُّحى، فإذا كان يوم القيامة ينادي منادٍ: أين الذين كانوا يديمون (١) صلاة الضُّحى؟ هذا بابكم فادخلوا منه (٢)»، وفي «الفردوس» عن ابن عبَّاسٍ يرفعه: «للجنَّة بابٌ يُقال له: الفرح، لا يدخل منه إلَّا مُفرِحُ الصِّبيان»، وعند التِّرمذيِّ: بابٌ للذِّكر، وعند ابن بطَّالٍ: باب الصَّابرين (٣)، والحاصل: أنَّ كلَّ من أكثر نوعًا من العبادة خُصَّ ببابٍ يناسبها، يُنادَى منه جزاءً وفاقًا، وقلَّ من (٤) يجتمع له العمل بجميع أنواع التَّطوُّعات، ثمَّ إنَّ من يجتمع له ذلك إنَّما يُدعَى من جميع الأبواب على سبيل التَّكريم، وإلَّا فدخوله (٥) إنَّما يكون من بابٍ واحدٍ؛ وهو باب العمل الذي يكون أغلب عليه. (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: بِأَبِي أَنْتَ) أي: مفديٌّ بأبي (وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ) أي: ليس على المدعوِّ من كلِّ الأبواب ضررٌ، بل له تكرمةٌ وإعزازٌ، وقال ابن المُنيِّر وغيره: يريدُ مِنْ أحد تلك الأبواب خاصَّةً دون غيره من الأبواب، فيكون أطلق الجمع وأراد الواحد، وقال ابن بطَّالٍ: يريد أنَّ (٦) مَنْ لم يكن إلَّا من أهل خصلةٍ واحدةٍ من هذه الخصال، ودُعِي من بابها لا ضرر عليه؛ لأنَّ الغاية المطلوبة دخول (٧) الجنَّة، وقال في «شرح المشكاة»: لمَّا خصَّ كلَّ بابٍ بمن أكثر نوعًا من العبادة وسمع الصِّدِّيق ﵁ رَغِبَ (٨) في أن يُدعَى من كلِّ بابٍ، وقال: ليس على من دُعِيَ من تلك الأبواب ضررٌ، بل شرفٌ وإكرامٌ ثمَّ (٩) سأل فقال: (فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ) ويختصُّ بهذه الكرامة (كُلِّهَا؟ قَالَ) ﵊: (نَعَمْ) يُدعَى منها كلِّها على سبيل التَّخيير في الدُّخول من أيِّها شاء لاستحالة الدُّخول من الكلِّ معًا (١٠) (وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ) الرَّجاء منه ﷺ واجبٌ، ففيه: أنَّ الصِّدِّيق من أهل هذه الأعمال كلِّها.

стр. 4233

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «فضائل أبي بكر» [خ¦٣٦٦٦]، ومسلمٌ في «الزَّكاة»، والتِّرمذيُّ في «المناقب»، والنَّسائيُّ فيه وفي «الزَّكاة» و «الصَّوم» و «الجهاد». (٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يُقَالُ) مبنيٌّ (١) للمفعول، وللسَّرخسيِّ والمُستملي-كما في «الفتح» -: «هل يقول» أي: هل يجوز للإنسان أن يقول: (رَمَضَانُ) بدون (٢) شهرٍ (أَوْ) يُقال: (شَهْرُ رَمَضَانَ؟ وَمَنْ رَأَى (٣) كُلَّهُ وَاسِعًا) أي: جائزًا؛ بالإضافة وبغيرها، وللكُشْمِيْهَنِيِّ ممَّا في «الفتح»: «ومن رآه» بزيادة الضَّمير، قال البيضاويُّ كالزَّمخشريِّ: «رمضان»: مصدر «رمض» إذا احترق، فأُضيف إليه الشَّهر وجُعِل علمًا، فصرَّح -كما قال الدَّمامينيُّ- بأنَّ مجموع المضاف والمضاف إليه هو العَلَم، ويُجمَع «رمضان» على رمضانات ورماضين وأرمضة وأرمضاء، وسُمِّي بذلك لرمض الحرِّ وشدَّة وقوعه فيه حال التَّسمية لأنَّهم لمَّا نقلوا أسماء الشُّهور من اللُّغة القديمة سمَّوها باسم الأزمنة التي وقعت فيها، فصادف هذا الشَّهر أيَّام رمض الحرِّ، أي: شدَّته (٤)، وقال القاضي أبو الطَّيِّب: سُمِّي بذلك لأنَّه يرمض الذُّنوب، أي: يحرقها، وله أسماء غير هذا أنهوها إلى ستِّين، ذكرها الطَّالقانيُّ في كتابه «حظائر القدس»؛ منها: شهر الله، وشهر الآلاء (٥)، وشهر القرآن، وشهر النَّجاة (٦)، وقول الأكثرين (٧): يُكرَه أن يُقال: رمضان بدون شهرٍ، ردَّه النَّوويُّ (٨) في «المجموع»: بأنَّ الصَّواب خلافه كما ذهب إليه المحقِّقون لعدم ثبوت نهيٍ فيه، بل ثبت ذكره

стр. 4234

بدون شهرٍ كما أشار إليه المؤلِّف بقوله: (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) ممَّا وصله المؤلِّف (١) في الباب التَّالي [خ¦١٩٠١] (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وَقَالَ) ﵊، ممَّا وصله من حديث أبي هريرة [خ¦١٩١٤]: (لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ) فلم يقل: شهر رمضان، واعتذر الزَّمخشريُّ وتبعه البيضاويُّ عن هذا ونحوه -بناءً على أنَّ مجموع شهر رمضان هو العَلَم- بأنَّه من باب الحذف، لا من باب الإلباس؛ كما قال: «بما (٢) أعيا النِّطاسيَّ حِذْيَمَا»، أراد: ابن حِذْيَمَ، قال في «المصابيح»: يشير إلى ما أنشده في «المُفصَّل» من قول الشَّاعر: فهل لكما فيما (٣) إليَّ فإنِّني … طبيبٌ بما أعيا النِّطَاسِيَّ حِذْيَمَا وقد عدَّه في «المُفصَّل» من الحذف الملبِس نظرًا إلى أنَّه لا يعلم أنَّ اسم الطَّبيب حِذْيمٌ أو ابن حِذْيَمٍ، وعدَّه هنا من باب الحذف، لا من باب الإلباس نظرًا إلى المشتهر (٤) فيما بين البعض كرمضان (٥) عند من يعلم أنَّ الاسم شهر رمضان، أو جعله نظيرًا لمجرَّد الحذف ممَّا هو كالعَلَم، وجاز الحذف من الأعلام وإن كان من قبيل حذف بعض الكلمة لأنَّهم أجْرَوا مثلَ هذا العَلَم مجرى المضاف والمضاف إليه؛ حيث أعربوا الجزأين، وقوله: «تَقدَّموا» بفتح التَّاء والدَّال، أصله: تتقدَّموا، فحُذِفت إحدى التَّاءين تخفيفًا، أي: لا تتقدَّموا الشَّهر بصومٍ تعدُّونه منه احتياطًا، ويأتي مبحث هذا إن شاء الله تعالى في بابه.

стр. 4235

١٨٩٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ، مولى زريقٍ (١) المؤدِّب (عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ) نافعٍ (عَنْ أَبِيهِ) مالك بن أبي عامرٍ التَّابعيِّ الكبير (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ) بدون شهرٍ، واحتجَّ به المؤلِّف لجواز ذلك، لكن رواه التِّرمذيُّ بذكر الشَّهر، وزيادة الثِّقة مقبولةٌ، فتكون رواية البخاريِّ مختصرةً منه، فلا تبقى له حجَّةٌ فيه على إطلاقه بدون «شهرٍ» (فُتِحَتْ) بضمِّ الفاء وتخفيف المُثنَّاة الفوقيَّة في الفرع، وفي غيره: «فُتِّحت» بتشديدها (أَبْوَابُ الجَنَّةِ) حقيقةً لمن مات فيه أو عمل عملًا لا يفسد عليه، أو هو علامةٌ للملائكة لدخول الشَّهر وتعظيم حرمته، ولمنع الشَّياطين من أذى المؤمنين، قال ابن العربيِّ: وهو يدلُّ على أنَّها كانت مُغلَّقةً، ويدلُّ عليه أيضًا حديث: نأتي باب الجنَّة فنقعقع، فيقول الخازن: من؟ فأقول: محمَّدٌ، فيقول: بك أمرت ألَّا أفتح لأحدٍ قبلك، قال: وزعم بعضهم: أنَّها مُفتَّحةٌ دائمًا من قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] وهذا اعتداءٌ على كتاب الله تعالى وغلطٌ؛ إذ هو جوابٌ (٢) للجزاء. انتهى. وتعقَّبه أبو عبد الله الأبيُّ بأنَّه إنَّما يكون جوابًا إذا كانت الواو زائدةً، وكذا أعربه الكوفيُّون، وقال المبرِّد: الجواب محذوفٌ تقديره: سعدوا، والواو للحال، ولم يشكَّ أنَّ الحال لا تقتضي أنَّها مفتوحةٌ دائمًا، ولا يستقيم مع الحديث المذكور إلَّا أن يُقال: تُفتَح له أوّلًا ثمَّ يأتون فيجدونها مفتوحةً. انتهى. أو مجازًا لأنَّ العمل يؤدِّي إلى ذلك، أو لكثرة (٣) الثَّواب والمغفرة والرَّحمة؛ بدليل رواية مسلمٍ: «فُتِّحت أبواب الرَّحمة» إلَّا أن يُقال: الرَّحمة من أسماء الجنَّة.

стр. 4236

وهذا الحديث أخرجه هنا مختصرًا، وقد أخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ من هذا الوجه بتمامه مثل رواية الزُّهريِّ الثَّانية، ورواة الحديث مدنيُّون إلَّا شيخه فبلخيٌّ، وأخرجه المؤلِّف في «الصَّوم» [خ¦١٨٨٩] وفي «صفة إبليس» [خ¦٣٢٧٧]، ومسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا النَّسائيُّ. ١٨٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثني» بواو العطف، وفي نسخةٍ: «أخبرني» بالإفراد في الثَّلاثة (يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) القرشيُّ (١) (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين مُصغَّرًا ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «حدَّثني» بالإفراد فيهما (ابْنُ أَبِي أَنَسٍ) أبو سهيلٍ نافعٌ (مَوْلَى التَّيْمِيِّينَ) أي: بني تيمٍ، وكان نافعٌ هذا -أخو أنس بن مالك بن أبي عامرٍ- عمَّ مالك بن أنس الإمام، حليف عثمان بن عبيد (٢) الله، التَّيميُّ (أَنَّ أَبَاهُ) مالك بن أبي عامرٍ (حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ) ولغير أبي ذرٍّ وابن عساكر: «شَهْرُ رَمَضَانَ» (فُتِّحَتْ) بتشديد التَّاء ويجوز تخفيفها (أَبْوَابُ السَّمَاءِ) قيل: هذا من تصرُّف الرُّواة، والأصل: أبواب الجنَّة، وكذا وقع في «باب صفة إبليس وجنوده» [خ¦٣٢٧٧] من «بدء الخلق» بلفظ: «أبواب الجنَّة» في غير رواية أبي ذرٍّ، وله: «أبواب السَّماء»، وقال ابن بطَّالٍ: المراد من «السَّماء»: الجنَّة؛ بقرينة

стр. 4237

قوله: (وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ) يحتمل أن يكون الفتح على ظاهره وحقيقته، وقال التُّورِبشتيُّ: هو كنايةٌ عن تنزيل الرَّحمة وإزالة الغلق عن مصاعد أعمال العباد، تارةً ببذل التَّوفيق، وأخرى بحسن القبول، وغلق أبواب جهنَّم عبارةٌ عن تنزُّه أنفس الصُّوَّام عن رجس الفواحش، والتَّخلُّص من البواعث على المعاصي بقمع الشَّهوات، فإن قيل: ما منعكم أن تحملوه على ظاهر المعنى؟ قلنا: لأنَّه ذُكِر على سبيل المنِّ على الصُّوَّام وإتمام النِّعمة عليهم فيما أُمِروا به ونُدِبوا إليه، حتَّى صارت الجنان في هذا الشَّهر كأنَّ أبوابها فُتِّحت، ونعيمها هُيِّئ، والنِّيران كأنَّ أبوابها غُلِّقت (١)، وأنكالها عُطِّلت، وإذا ذهبنا إلى الظَّاهر لم تقع المنَّة موقعها وتخلو عن الفائدة لأنَّ الإنسان ما دام في هذه الدَّار فإنَّه غير مُيسَّرٍ لدخول إحدى الدَّارين، ورجَّح القرطبيُّ حمله على ظاهره؛ إذ لا ضرورة تدعو إلى صرف اللَّفظ عن ظاهره. قال الطِّيبيُ: فائدة فتح أبواب السَّماء توقيف الملائكة على استحماد فعل الصَّائمين، وأنَّه من الله بمنزلةٍ عظيمةٍ، ويؤيِّده حديث ابن (٢) عمر: «إنَّ الجنَّة لَتُزخرَف لرمضان … » الحديث. (وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ) أي: شُدَّت بالسَّلاسل حقيقةً، والمراد: مسترقو (٣) السَّمع منهم (٤)، وإنَّ تسلسلهم يقع في أيَّام (٥) رمضان دون لياليه لأنَّهم كانوا مُنِعوا زمن نزول القرآن من استراق السَّمع، فزيدوا التَّسلسل مبالغةً في الحفظ، أو هو مجازٌ على العموم، والمرادُ أنَّهم لا يصلون من إفساد المسلمين إلى ما يصلون إليه في غيره لاشتغالهم فيه بالصِّيام الذي فيه قمع الشَّياطين (٦)، وإن وقع شيءٌ من ذلك فهو قليلٌ بالنِّسبة إلى غيره، وهذا أمرٌ محسوسٌ.

стр. 4238

١٩٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) القرشيُّ (١) (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ: أَنَّ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «سالم بن عبد الله بن عمر أنَّ» (ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا) الضَّمير راجعٌ إلى الهلال، وإن لم يسبق له ذكرٌ لدلالة السِّياق عليه، ويأتي التَّصريح به -إن شاء الله تعالى- في الرِّواية المُعلَّقة في هذا الباب، وبعده في الموصول [خ¦١٩٠٦] (فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ) بضمِّ الغين المعجمة وتشديد الميم مبنيًّا للمفعول من غممت الشَّيء إذا غطَّيته، وفيه ضمير الهلال، أي: غُطِّي الهلالُ بغيمٍ (٢) (فَاقْدِرُوا لَهُ) بهمزة وصلٍ وضمِّ الدَّال، ويجوز كسرها، أي: قدِّروا (٣) له تمام العدد ثلاثين يومًا لأنَّه من التَّقدير (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير يحيى ابن بكيرٍ، وأراد به: عبد (٤) الله بن صالحٍ كاتب اللَّيث (عَنِ اللَّيْثِ) بن سعدٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) هو ابن خالدٍ، ممَّا رواه الإسماعيليُّ (وَيُونُسُ) بن يزيد، ممَّا أورده (٥) الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات»: أنَّ رسول الله ﷺ قال (لِهِلَالِ رَمَضَانَ): إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، ومراده: أنَّ عقيلًا ويونس أظهرا ما كان مضمرًا. (٦) (بابُ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ) حال كون صيامه (إِيمَانًا) تصديقًا بوجوبه (وَاحْتِسَابًا) طلبًا للأجر

стр. 4239

(وَنِيَّةً) عُطِف (١) على «احتسابًا» لأنَّ الصَّوم إنَّما يكون لأجل التَّقَرُّب إلى الله تعالى، والنِّيَّة شرطٌ في وقوعه قربةً. (وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂¬) ممَّا وصله المؤلِّف تامًّا في أوائل «البيوع» [خ¦٢١١٨] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بلفظ: «يغزو جيشٌ الكعبة، حتَّى إذا كانوا ببيداء من الأرض، خُسِف بهم ثمَّ» (يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ) يعني: في الآخرة؛ لأنَّه كان في الجيش المذكور المُكرَه والمختار، فإذا بُعِثوا على نيَّاتهم وقعت المُؤاخَذة على المختار دون المُكرَه. ١٩٠١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الأزديُّ القصَّاب البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستَُوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ) حال كون قيامه (٢) (إِيمَانًا) تصديقًا (وَاحْتِسَابًا) طلبًا للأجر (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) وعند أحمد في «مسنده» برجالٍ ثقاتٍ، لكن فيه انقطاعٌ من حديث عبادة بن الصَّامت مرفوعًا: «ليلة القدر في العشر (٣) البواقي، من قامهنَّ ابتغاء حسبتهنَّ فإنَّ الله ﵎ يغفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر … » الحديثَ، (وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ) حال كون صيامه (إِيمَانًا) مصدِّقًا بوجوبه (وَاحْتِسَابًا) قال الخطَّابيُّ: أي: عزيمةً، وهو أن يصومه على معنى الرَّغبة في ثوابه، طيِّبةً به نفسه، غير مستثقلٍ لصيامه، ولا

стр. 4240

مستطيلٍ لأيَّامه (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) زاد الإمام أحمد من طريق حمَّاد بن سلمة عن محمَّد بن عمرٍو عن أبي سلمة: «وما تأخَّر» وقد رواه جماعة منهم مسلم وليس فيه: «وما تأخر» لكن رواه النَّسائيُّ في «السُّنن الكبرى» من طريق قتيبة بن سعيدٍ بلفظ: «قام شهر رمضان» وفيه: «وما تأخَّر، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر» وقد تابع قتيبة جماعةٌ، وقوله: «من ذنبه» اسم جنسٍ مضافٌ، فيعمُّ جميع الذُّنوب إلَّا أنَّه مخصوصٌ عند الجمهور بالصَّغائر. (٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (أَجْوَدُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَكُونُ فِي رَمَضَانَ) قال ابن الحاجب في «أمالي المسائل المتفرِّقة»: الرَّفع في: «أجود» هو الوجه لأنَّك إن جعلت في «كان» ضميرًا يعود إلى النَّبيِّ ﷺ لم يكن (١) «أجود» بمُجرَّده خبرًا لأنَّه مضافٌ إلى «ما يكون»، فهو كونٌ، ولا يستقيم الخبر بالكون عمَّا ليس بكونٍ، ألا ترى أنَّك لا تقول: زيدٌ أجود ما يكون؟ فيجب أن يكون إمَّا مبتدأً خبره قوله: «في رمضان»، من باب قولهم: أخطب ما يكون الأمير (٢) قائمًا، وأكثر شربي السَّويقَ في يوم الجمعة، فيكون الخبر الجملة بكمالها كقولك: كان زيدٌ أحسن ما يكون في يوم الجمعة، وإمَّا بدلًا من الضَّمير في «كان»، فيكون من بدل الاشتمال كما تقول: كان زيدٌ علمه (٣) حسنًا (٤)، وإن جعلته ضمير الشَّأن تعيَّن رفع «أجودُ» على الابتداء والخبر، وإن لم تجعل في «كان» ضميرًا تعيَّن الرَّفع على أنَّه اسمها والخبر محذوفٌ، وقامت الحال مقامه على ما تقرَّر
следующие страницы →