← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

وهذا الحديث أخرجه هنا مختصرًا، وقد أخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ من هذا الوجه بتمامه مثل رواية الزُّهريِّ الثَّانية، ورواة الحديث مدنيُّون إلَّا شيخه فبلخيٌّ، وأخرجه المؤلِّف في «الصَّوم» [خ¦١٨٨٩] وفي «صفة إبليس» [خ¦٣٢٧٧]، ومسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا النَّسائيُّ. ١٨٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثني» بواو العطف، وفي نسخةٍ: «أخبرني» بالإفراد في الثَّلاثة (يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) القرشيُّ (١) (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين مُصغَّرًا ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «حدَّثني» بالإفراد فيهما (ابْنُ أَبِي أَنَسٍ) أبو سهيلٍ نافعٌ (مَوْلَى التَّيْمِيِّينَ) أي: بني تيمٍ، وكان نافعٌ هذا -أخو أنس بن مالك بن أبي عامرٍ- عمَّ مالك بن أنس الإمام، حليف عثمان بن عبيد (٢) الله، التَّيميُّ (أَنَّ أَبَاهُ) مالك بن أبي عامرٍ (حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ) ولغير أبي ذرٍّ وابن عساكر: «شَهْرُ رَمَضَانَ» (فُتِّحَتْ) بتشديد التَّاء ويجوز تخفيفها (أَبْوَابُ السَّمَاءِ) قيل: هذا من تصرُّف الرُّواة، والأصل: أبواب الجنَّة، وكذا وقع في «باب صفة إبليس وجنوده» [خ¦٣٢٧٧] من «بدء الخلق» بلفظ: «أبواب الجنَّة» في غير رواية أبي ذرٍّ، وله: «أبواب السَّماء»، وقال ابن بطَّالٍ: المراد من «السَّماء»: الجنَّة؛ بقرينة

стр. 4237

قوله: (وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ) يحتمل أن يكون الفتح على ظاهره وحقيقته، وقال التُّورِبشتيُّ: هو كنايةٌ عن تنزيل الرَّحمة وإزالة الغلق عن مصاعد أعمال العباد، تارةً ببذل التَّوفيق، وأخرى بحسن القبول، وغلق أبواب جهنَّم عبارةٌ عن تنزُّه أنفس الصُّوَّام عن رجس الفواحش، والتَّخلُّص من البواعث على المعاصي بقمع الشَّهوات، فإن قيل: ما منعكم أن تحملوه على ظاهر المعنى؟ قلنا: لأنَّه ذُكِر على سبيل المنِّ على الصُّوَّام وإتمام النِّعمة عليهم فيما أُمِروا به ونُدِبوا إليه، حتَّى صارت الجنان في هذا الشَّهر كأنَّ أبوابها فُتِّحت، ونعيمها هُيِّئ، والنِّيران كأنَّ أبوابها غُلِّقت (١)، وأنكالها عُطِّلت، وإذا ذهبنا إلى الظَّاهر لم تقع المنَّة موقعها وتخلو عن الفائدة لأنَّ الإنسان ما دام في هذه الدَّار فإنَّه غير مُيسَّرٍ لدخول إحدى الدَّارين، ورجَّح القرطبيُّ حمله على ظاهره؛ إذ لا ضرورة تدعو إلى صرف اللَّفظ عن ظاهره. قال الطِّيبيُ: فائدة فتح أبواب السَّماء توقيف الملائكة على استحماد فعل الصَّائمين، وأنَّه من الله بمنزلةٍ عظيمةٍ، ويؤيِّده حديث ابن (٢) عمر: «إنَّ الجنَّة لَتُزخرَف لرمضان … » الحديث. (وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ) أي: شُدَّت بالسَّلاسل حقيقةً، والمراد: مسترقو (٣) السَّمع منهم (٤)، وإنَّ تسلسلهم يقع في أيَّام (٥) رمضان دون لياليه لأنَّهم كانوا مُنِعوا زمن نزول القرآن من استراق السَّمع، فزيدوا التَّسلسل مبالغةً في الحفظ، أو هو مجازٌ على العموم، والمرادُ أنَّهم لا يصلون من إفساد المسلمين إلى ما يصلون إليه في غيره لاشتغالهم فيه بالصِّيام الذي فيه قمع الشَّياطين (٦)، وإن وقع شيءٌ من ذلك فهو قليلٌ بالنِّسبة إلى غيره، وهذا أمرٌ محسوسٌ.

стр. 4238

١٩٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) القرشيُّ (١) (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ: أَنَّ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «سالم بن عبد الله بن عمر أنَّ» (ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا) الضَّمير راجعٌ إلى الهلال، وإن لم يسبق له ذكرٌ لدلالة السِّياق عليه، ويأتي التَّصريح به -إن شاء الله تعالى- في الرِّواية المُعلَّقة في هذا الباب، وبعده في الموصول [خ¦١٩٠٦] (فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ) بضمِّ الغين المعجمة وتشديد الميم مبنيًّا للمفعول من غممت الشَّيء إذا غطَّيته، وفيه ضمير الهلال، أي: غُطِّي الهلالُ بغيمٍ (٢) (فَاقْدِرُوا لَهُ) بهمزة وصلٍ وضمِّ الدَّال، ويجوز كسرها، أي: قدِّروا (٣) له تمام العدد ثلاثين يومًا لأنَّه من التَّقدير (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير يحيى ابن بكيرٍ، وأراد به: عبد (٤) الله بن صالحٍ كاتب اللَّيث (عَنِ اللَّيْثِ) بن سعدٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) هو ابن خالدٍ، ممَّا رواه الإسماعيليُّ (وَيُونُسُ) بن يزيد، ممَّا أورده (٥) الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات»: أنَّ رسول الله ﷺ قال (لِهِلَالِ رَمَضَانَ): إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، ومراده: أنَّ عقيلًا ويونس أظهرا ما كان مضمرًا. (٦) (بابُ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ) حال كون صيامه (إِيمَانًا) تصديقًا بوجوبه (وَاحْتِسَابًا) طلبًا للأجر

стр. 4239

(وَنِيَّةً) عُطِف (١) على «احتسابًا» لأنَّ الصَّوم إنَّما يكون لأجل التَّقَرُّب إلى الله تعالى، والنِّيَّة شرطٌ في وقوعه قربةً. (وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂¬) ممَّا وصله المؤلِّف تامًّا في أوائل «البيوع» [خ¦٢١١٨] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بلفظ: «يغزو جيشٌ الكعبة، حتَّى إذا كانوا ببيداء من الأرض، خُسِف بهم ثمَّ» (يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ) يعني: في الآخرة؛ لأنَّه كان في الجيش المذكور المُكرَه والمختار، فإذا بُعِثوا على نيَّاتهم وقعت المُؤاخَذة على المختار دون المُكرَه. ١٩٠١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الأزديُّ القصَّاب البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستَُوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ) حال كون قيامه (٢) (إِيمَانًا) تصديقًا (وَاحْتِسَابًا) طلبًا للأجر (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) وعند أحمد في «مسنده» برجالٍ ثقاتٍ، لكن فيه انقطاعٌ من حديث عبادة بن الصَّامت مرفوعًا: «ليلة القدر في العشر (٣) البواقي، من قامهنَّ ابتغاء حسبتهنَّ فإنَّ الله ﵎ يغفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر … » الحديثَ، (وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ) حال كون صيامه (إِيمَانًا) مصدِّقًا بوجوبه (وَاحْتِسَابًا) قال الخطَّابيُّ: أي: عزيمةً، وهو أن يصومه على معنى الرَّغبة في ثوابه، طيِّبةً به نفسه، غير مستثقلٍ لصيامه، ولا

стр. 4240

مستطيلٍ لأيَّامه (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) زاد الإمام أحمد من طريق حمَّاد بن سلمة عن محمَّد بن عمرٍو عن أبي سلمة: «وما تأخَّر» وقد رواه جماعة منهم مسلم وليس فيه: «وما تأخر» لكن رواه النَّسائيُّ في «السُّنن الكبرى» من طريق قتيبة بن سعيدٍ بلفظ: «قام شهر رمضان» وفيه: «وما تأخَّر، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر» وقد تابع قتيبة جماعةٌ، وقوله: «من ذنبه» اسم جنسٍ مضافٌ، فيعمُّ جميع الذُّنوب إلَّا أنَّه مخصوصٌ عند الجمهور بالصَّغائر. (٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (أَجْوَدُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَكُونُ فِي رَمَضَانَ) قال ابن الحاجب في «أمالي المسائل المتفرِّقة»: الرَّفع في: «أجود» هو الوجه لأنَّك إن جعلت في «كان» ضميرًا يعود إلى النَّبيِّ ﷺ لم يكن (١) «أجود» بمُجرَّده خبرًا لأنَّه مضافٌ إلى «ما يكون»، فهو كونٌ، ولا يستقيم الخبر بالكون عمَّا ليس بكونٍ، ألا ترى أنَّك لا تقول: زيدٌ أجود ما يكون؟ فيجب أن يكون إمَّا مبتدأً خبره قوله: «في رمضان»، من باب قولهم: أخطب ما يكون الأمير (٢) قائمًا، وأكثر شربي السَّويقَ في يوم الجمعة، فيكون الخبر الجملة بكمالها كقولك: كان زيدٌ أحسن ما يكون في يوم الجمعة، وإمَّا بدلًا من الضَّمير في «كان»، فيكون من بدل الاشتمال كما تقول: كان زيدٌ علمه (٣) حسنًا (٤)، وإن جعلته ضمير الشَّأن تعيَّن رفع «أجودُ» على الابتداء والخبر، وإن لم تجعل في «كان» ضميرًا تعيَّن الرَّفع على أنَّه اسمها والخبر محذوفٌ، وقامت الحال مقامه على ما تقرَّر

стр. 4241

في «باب أخطبُ ما يكون الأمير قائمًا» وإن شئت جعلت: «في رمضان» هو الخبر؛ كقولهم: ضربي في الدَّار لأنَّ المعنى: الكون الذي هو أجود الأكوان حاصلٌ في هذا الوقت، فلا يتعيَّن أن يكون من «باب أخطب ما يكون الأمير (١) قائمًا». انتهى. ١٩٠٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ القرشيُّ الزُّهريُّ المدنيُّ، نزيل بغداد، قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بضمِّ عين الأول (٢) مُصغَّرًا، والثَّالث مع سكون الفوقيَّة، ابن مسعودٍ الهذليِّ المدنيِّ (٣) (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ) أسخاهم (بِالخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ) لأنَّه شهرٌ يتضاعف فيه ثواب الصَّدقة، و «ما»: مصدريَّةٌ، أي: أجود أكوانه يكون في رمضان (حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ) ﵇، وهو أفضل الملائكة وأكرمهم (وَكَانَ جِبْرِيلُ ﵇ يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ) ولابن عساكر: «في كلِّ ليلةٍ» (فِي رَمَضَانَ) منذ أُنزِل (٤) عليه، أو من فترة الوحي إلى آخر رمضان الذي تُوفِّي بعده رسول الله (٥) ﷺ (٦) (حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ القُرْآنَ) بعضَه أو معظمَه (فَإِذَا لَقِيَهُ) ﷺ (جِبْرِيلُ ﵇ كَانَ أَجْوَدَ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ) يحتمل أن يكون (٧) زيادة

стр. 4242

الجود بمُجرَّد لقاء جبريل ومجالسته، ويحتمل أن يكون بمدارسته إيَّاه القرآن، وهو يحثُّ (١) على مكارم الأخلاق، وقد كان القرآن له ﷺ خُلقًا بحيث يرضى لرضاه ويسخط لسخطه، ويسارع إلى ما حثَّ عليه، ويمتنع ممَّا زجر عنه، فلهذا كان يتضاعف جوده وإفضاله في هذا الشَّهر لقرب عهده بمخالطة جبريل وكثرة مدارسته له هذا الكتاب الكريم، ولا شكَّ أنَّ المخالطة تؤثِّر وتورث أخلاقًا من المُخالط، لكنَّ إضافةَ آثار (٢) ذلك إلى القرآن -كما قال ابن المُنيِّر- آكدُ من إضافتها إلى جبريل ﵇، بل جبريل إنَّما تميَّز بنزوله بالوحي عليه، فالإضافة إلى الحقِّ أَولى من الإضافة إلى الخلق، لا سيَّما والنَّبيُّ ﷺ على المذهب الحقِّ أفضل من جبريل، فما جالس الأفضل إلَّا المفضول، فلا يُقاس على مجالسة الآحاد للعلماء (٣). وفي هذا الحديث: تعظيم شهر رمضان لاختصاصه بابتداء نزول القرآن ثمَّ معارضة ما نزل منه فيه، وأنَّ ليله أفضل من نهاره، وأنَّ المقصود من التِلاوة الحضور والفهم لأنَّ اللَّيل مظنَّة ذلك لما في النَّهار من الشَّواغل والعوارض، وأنَّ فضل الزَّمان إنَّما يحصل بزيادة العبادة، وأنَّ مداومة (٤) التِّلاوة توجب زيادة الخير، واستحباب تكثير العبادة في أواخر العمر (٥). وهذا الحديث قد سبق في «كتاب الوحي» [خ¦٦].

стр. 4243

(٨) (بابُ مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ) أي: من لم يترك الكذب والميل عن الحقِّ (وَالعَمَلَ بِهِ) أي: بمقتضاه ممَّا نهى الله عنه (فِي الصَّوْمِ) كذا في الفرع زيادة: «في الصَّوم» ونسبها الحافظ ابن حجرٍ لنسخة الصَّغانيِّ. ١٩٠٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) العسقلانيُّ، الخراسانيُّ الأصل، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ) كيسان اللَّيثيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «قال النَّبيُّ» (¬ ﷺ : مَنْ لَمْ يَدَعْ) من لم يترك (قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ) زاد المؤلِّف في «الأدب» [خ¦٦٠٥٧] عن أحمد بن يونس عن ابن (١) أبي ذئبٍ: «والجهلَ»، وفي رواية ابن وهبٍ: «والجهل في الصَّوم»، ولابن ماجه من طريق ابن المبارك: «من لم يدع (٢) قول الزُّور والجهل والعمل به» فالضَّمير في: «به» يعود على الجهل لكونه أقرب مذكورٍ، أو على الزُّور فقط وإن بَعُدَ لاتِّفاق الرِّوايات عليه أو عليهما، وأفرد الضَّمير لاشتراكهما في تنقيص الصَّوم، قاله العراقيُّ، وفي الأولى: يعود على الزُّور فقط، والمعنى متقاربٌ، وفي «الأوسط» للطَّبرانيِّ بسندٍ رجالهٌ ثقاتٌ: «من لم يدع الخنا والكذب»، والجمهور على أنَّ الكذب والغيبة والنَّميمة لا تفسد الصَّوم، وعن الثَّوريِّ ممَّا في «الإحياء»: أنَّ الغيبة تفسده، قال: وروى ليثٌ عن مجاهدٍ: خصلتان تفسدان الصَّوم: الغيبة والكذب، هذا

стр. 4244

لفظه، والمعروف عن مجاهدٍ: خصلتان مَنْ حفظهما سَلِم له صومه: الغيبة والكذب، رواه ابن أبي شيبة، والصَّواب الأوَّل، نعم هذه الأفعال تنقص الصَّوم، وقول بعضهم -إنَّها صغائر تُكفَّر باجتناب الكبائر- أجاب عنه الشَّيخ تقيُّ الدِّين السُّبكيُّ بأنَّ في حديث الباب والذي مضى (١) في أوَّل «الصَّوم» [خ¦١٨٩٤] دلالةً قويَّةً لذلك لأنَّ الرَّفث والصَّخب وقول الزُّور والعمل به ممَّا عُلِم النَّهي عنه مطلقًا، والصَّوم مأمورٌ به مطلقًا، فلو كانت هذه الأمور إذا حصلت فيه لم يتأثَّر بها لم يكن لذكرها فيه مشروطةً به معنًى نفهمه، فلمَّا ذُكِرت في هذين الحديثين نبَّهتنا على أمرين؛ أحدهما: زيادة قبحها في الصَّوم على غيره، والثَّاني: الحثُّ على سلامة الصَّوم عنها، وأنَّ سلامته منها صفةُ كمالٍ فيه، وقوَّة الكلام تقتضي أن يُقبَّح ذلك لأجل الصَّوم، فمقتضى ذلك أنَّ الصَّوم يَكمُل بالسَّلامة عنها، فإذا لم يَسْلَم عنها نقص، ثمَّ قال: ولا شكَّ أنَّ التَّكاليف قد تُرَدُّ بأشياء ويُنبَّه بها على أخرى بطريق الإشارة، وليس المقصود من الصَّوم العدم المحض كما في المنهيَّات لأنَّه يُشتَرط له النِّيَّة بالإجماع، ولعلَّ القصد به في الأصل الإمساك عن جميع المخالفات، لكن لمَّا كان ذلك يشقُّ خفَّف الله وأَمَرَ (٢) بالإمساك عن المفطرات، ونبَّه العاقل بذلك على الإمساك عن المخالفات، وأرشد إلى ذلك ما تضمَّنته أحاديث المبيِّن عن الله مرادَه، فيكون اجتناب المفْطِرات واجبًا واجتناب ما عداها من المخالفات من المكمِّلات (٣)، نقله في «فتح الباري». (فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ) يترك (طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) هو مجازٌ عن عدم الالتفات والقبول، فنفى السَّبب وأراد المُسبَّب، وإلَّا فالله لا يحتاج إلى شيءٍ، قاله البيضاويُّ ممَّا (٤) نقله الطِّيبيُّ في «شرح المشكاة»، وقول ابن بطَّالٍ وغيره: -معناه: ليس لله إرادةٌ في صيامه فوضع الحاجة موضع الإرادة- فيه إشكالٌ لأنَّه لو لم يرد الله تركه لطعامه وشرابه لم يقع التَّرك

стр. 4245

ضرورة أنَّ كلَّ واقعٍ تعلَّقت الإرادة بوقوعه، ولولا ذلك لم يقع، وليس المراد الأمر بترك صيامه إذا لم يترك الزُّور، وإنَّما معناه: التَّحذير من قول الزُّور، فهو كقوله ﵊: «من باع الخمر فليشقِص الخنازير» أي: يذبحها، ولم يأمره بشقصها، ولكنَّه على التَّحذير والتَّعظيم لإثم شارب الخمر، وكذلك حذَّر الصَّائم من قول الزُّور والعمل به ليتمَّ له أجر صيامه. وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في «الأدب» [خ¦٦٠٥٧]، وأبو داود، وأخرجه التِّرمذيُّ في «الصَّوم»، وكذا النَّسائيُّ وابن ماجه. (٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يَقُولُ) الشَّخص: (إِنِّي صَائِمٌ إِذَا شُتِمَ). ١٩٠٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد التَّميميُّ الفرَّاء الرَّازي الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ اليمانيُّ قاضيها (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (الزَّيَّاتِ، أَنَّهُ سَمِعَ

стр. 4246

أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : قَالَ اللهُ) : (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ) فيه حظٌّ ومدخلٌ لاطِّلاع النَّاس عليه، فهو يتعجَّل به ثوابًا من النَّاس ويحوز به حظًّا من الدُّنيا، وزاد في روايةٍ: «كلُّ عملِ ابن آدم يُضاعَف، الحسنةُ بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعفٍ» (إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ) خالصٌ (لِي) لا يعلم ثوابه المترتِّب عليه غيري، أو وصفٌ من أوصافي لأنَّه يرجع إلى صفة الصَّمديَّة لأنَّ الصَّائم لا يأكل ولا يشرب، فتخلَّق باسمه (١) الصَّمد، أو أنَّ كلَّ عمل ابن آدم مضافٌ له لأنَّه فاعله، إلَّا الصَّوم فإنَّه مضافٌ لي لأنِّي خالقه له على سبيل التَّشريف والتَّخصيص، فيكون كتخصيص آدم بإضافته إليه أن خلقه بيده، وكلُّ مخلوقٍ بالحقيقة مضافٌ إلى الخالق، لكنَّ إضافة التَّشريف خاصَّةٌ بمن شاء الله أن يخصَّه بها، أو كأنَّه تعالى يقول: هو لي، فلا يشغلك ما هو لك عمَّا هو لي، ولأنَّ فيه مجمع العبادات لأنَّ مدارها على الصَّبر والشُّكر وهما حاصلان فيه (٢)، ولمَّا كان ثواب الصِّيام لا يحصيه إلَّا الله تعالى لم يَكِلْه الله تعالى إلى ملائكته (٣)، بل تولَّى جزاءه (٤) تعالى بنفسه، قال: (وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) بفتح الهمزة، وفيه دلالةٌ على أنَّ ثواب الصَّوم أفضل من سائر الأعمال لأنَّه تعالى أسند إعطاء (٥) الجزاء إليه وأخبر أنَّه يتولَّى ذلك بنفسه (٦)، والله تعالى إذا تولَّى شيئًا بنفسه دلَّ على عظم ذلك الشَّيء وخطر قدره، وهذا

стр. 4247

كما رُوِي: أنَّ من أدمن قراءة آية الكرسيِّ عقب كلِّ صلاةٍ فإنَّه لا يتولَّى قبض روحه إلَّا الله تعالى. (وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ) وقايةٌ من المعاصي ومن النَّار (وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفَثْ) بتثليث الفاء وآخره ثاءٌ مثلَّثةٌ: لا يفحش في الكلام (وَلَا يَصْخَبْ) بالصَّاد المهملة والخاء المعجمة (١) المفتوحة، ويجوز إبدال الصَّاد سينًا، أي: لا يَصِحْ ولا يخاصم (فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ) وزاد سعيد بن منصورٍ من طريق سهيلٍ (٢): أو مَارَاهُ؛ يعني: جادله (أَوْ قَاتَلَهُ) يعني: إن (٣) تهيَّأ أحدٌ لمشاتمته أو مقاتلته (فَلْيَقُلْ) له بلسانه: إنِّي صائمٌ (٤) ليكفَّ خصمه عنه، أو بقلبه ليكفَّ هو عن خصمه، ورجَّح الأوَّلَ النَّوويُّ في «الأذكار»، وبالثَّاني: جزم المتولِّي، ونقله الرَّافعيُّ عن الأئمَّة، وتُعقَّب بأنَّ القول حقيقةً إنَّما هو باللِّسان، وأُجيب بأنَّه لا يمتنع المجاز، وقال النَّوويُّ في «المجموع»: كلٌّ منهما حسنٌ، والقول باللِّسان أقوى، ولو جمعهما لكان حسنًا، قال في «الفتح»: ولهذا التَّردُّد أتى البخاريُّ بقوله (٥) في ترجمته لهذا (٦) الباب بالاستفهام فقال: هل يقول: إنِّي صائمٌ إذا شُتِم؟ وقال الرُّويانيُّ: إن كان رمضان فليقل بلسانه، وإن كان غيره فليقل في نفسه: (إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ) قال في الرِّواية السَّابقة في «باب فضل الصَّوم» [خ¦١٨٩٤] «مرَّتين» (وَ) الله (الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ) بضمِّ الخاء على الصَّواب، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «لَخُلُف» بضمِّ الخاء واللَّام وحذف الواو، جمع خِلفةٍ بالكسر، أي: تغيُّر رائحة (فَمِ الصَّائِمِ) لخلاء معدته من الطَّعام، ولأبي ذرٍّ في نسخةٍ (٧): «في الصَّائم» بغير ميم بعد الفاء (أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ) يوم القيامة كما في «مسلمٍ»، أو في الدُّنيا لحديث: «فإنَّ خلوف أفواههم حين يُمْسُون أطيب عند الله» (مِنْ رِيحِ المِسْكِ) وفيه: إشارةٌ إلى أنَّ رتبة الصَّوم عليَّةٌ على غيره لأنَّ مقام العِنديَّة في الحضرة

стр. 4248

القدسيَّة (١) أعلى المقامات السَّنيَّة، وإنَّما كان الخُلُوف أطيب عند الله من ريح المسك لأنَّ الصَّوم من أعمال السِّرِّ التي بين الله تعالى وبين عبده، ولا يطَّلع على صحَّته غيره، فجعل الله رائحة صومه تنمُّ عليه في المحشر بين النَّاس، وفي ذلك إثباتُ الكرامة والثَّناء الحسن له، وهذا كما قال ﵊ في المُحْرِم [خ¦١٢٦٥] «فإنَّه يُبعَث يوم القيامة ملبِّيًا»، وفي الشَّهيد: «يُبعَث وأوداجه تشخب دمًا تشهد له بالقتل في سبيل الله، ويُبعَث الإنسان على ما عاش عليه»، قال السَّمرقنديُّ: يُبعَث الزَّامر وتتعلَّق زمَّارته في يده (٢)، فيلقيها (٣)، فتعود إليه (٤) ولا تفارقه، ولمَّا كان الصَّائم يتغيَّر فمه بسبب العبادة في الدُّنيا والنُّفوس تكره الرَّائحة الكريهة في الدُّنيا جَعَلَ الله تعالى رائحة فم الصَّائم (٥) عند الملائكة أطيب من ريح المسك في الدُّنيا، وكذا في الدَّار الآخرة، فَمَنْ عَبَدَ اللهَ تعالى وطلبَ رضاه في الدُّنيا فنشأ من عمله آثارٌ مكروهةٌ في الدُّنيا فإنَّها محبوبةٌ له تعالى وطيَّبةٌ عنده لكونها نشأت عن طاعته

стр. 4249

واتِّباع مرضاته؛ ولذا (١) كان دم الشَّهيد ريحُه يوم القيامة كريح المسك، وغبار المجاهدين في سبيل الله ذريرة أهل الجنَّة كما ورد في حديثٍ مُرسَلٍ. (لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ) خبرٌ مُقدَّمٌ ومبتدأٌ مُؤخَّرٌ (يَفْرَحُهُمَا) أي: يفرح بهما فحُذِف الجارُّ توسُّعًا كقوله تعالى: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي: فيه (إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ) زاد مسلمٌ: «بفطره» أي: لزوال جوعه وعطشه حيث أُبيح له الفطر، وهذا الفرح الطَّبيعيُّ، أو من حيث إنَّه تمام صومه وخاتمة عبادته، وفرح كلِّ أحدٍ بحسبه لاختلاف مقامات النَّاس في ذلك (وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ) (فَرِحَ بِصَوْمِهِ) أي: بجزائه وثوابه، أو بلقاء ربِّه، وعلى الاحتمالين فهو مسرورٌ بقبوله. (١٠) (بابُ) مشروعيَّة (الصَّوْمِ لِمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ العُزُوبَةَ) أي: ما ينشأ عنها من إرادة الوقوع في العنت، ولأبي ذرٍّ: «العُزْبة» بضمِّ العين وسكون الزَّاي وحذف الواو. ١٩٠٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة الأزديُّ العتكيُّ المروزيُّ البصريُّ الأصل (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بحاءٍ مهملةٍ وزايٍ محمَّد بن ميمونٍ السُّكَّريِّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيسٍ النَّخعيِّ أنَّه (قَالَ: بَيْنَا) بغير ميمٍ (أَنَا أَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللهِ) يعني: ابن مسعودٍ (¬﵁¬) وجواب «بينا» قوله (٢): (فَقَالَ (٣): كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَنِ اسْتَطَاعَ) منكم (البَاءَةَ) بالمدِّ على الأفصح، لغة: الجماع، والمراد به (٤) هنا ذلك، وقيل: مؤن النِّكاح، والقائل بالأوَّل ردَّه إلى معنى الثَّاني؛ إذ التَّقدير عنده: من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤن النِّكاح (فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ) أي: التَّزوُّج (أَغَضُّ) بالغين والضَّاد

стр. 4250

المعجمتين (لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) أي: الباءة لعجزه عن المؤن (فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ) وإنَّما قدَّروه (١) بذلك لأنَّ من لم يستطع الجماع لعدم شهوته لا يحتاج إلى الصَّوم لدفعها، وهذا فيه كلامٌ للنُّحاة، فقيل: من إغراء الغائب، وسهَّله تقدُّم المُغرَى به في قوله: «من استطاع منكم الباءة»، فكان كإغراء الحاضر، قاله أبو عبيدة، وقال ابن عصفورٍ: الباء زائدةٌ في المبتدأ، ومعناه الخبر لا الأمر، أي: فعليه الصَّوم، وقال ابن خروفٍ: من إغراء المخاطب، أي: أشيروا عليه بالصَّوم، فحُذفِ فعلُ الأمر، وجُعِل «عليه» عوضًا منه، وتولَّى من العمل ما كان الفعل يتولَّاه، واستتر فيه ضمير المخاطب الذي كان متَّصلًا بالفعل، ورجَّح بعضهم رأي ابن عصفورٍ بأنَّ زيادة الباء في المبتدأ أوسع من إغراء الغائب، ومن إغراء المخاطب من غير أن ينجرَّ ضميره بالظَّرف أو حرف الجرِّ الموضوع مع ما خفضه موضع فعل الأمر. (فَإِنَّهُ) أي: فإنَّ الصَّوم (لَهُ) للصَّائم (وِجَاءٌ) بكسر الواو والمدِّ (٢)، أي: قاطعٌ للشَّهوة، واستُشكِل بأنَّ الصَّوم يزيد في تهييج الحرارة وذلك ممَّا يثير الشَّهوة، وأجيب بأنَّ ذلك إنَّما يكون في مبدأ الأمر، فإذا تمادى عليه واعتاده سكن ذلك، قال في «الرَّوضة»: فإن لم تنكسر به لم

стр. 4251

يكسرها بكافورٍ ونحوه، بل ينكح (١)، قال ابن الرِّفعة نقلًا عن الأصحاب: لأنَّه نوعٌ من الاختصاء. (١١) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) في حديث مسلمٍ: (إِذَا رَأَيْتُمُ الهِلَالَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا) بهمزة قطعٍ. (وَقَالَ صِلَةُ) بن زُفَر بضمِّ الزَّاي وفتح الفاء المخففة، و «صِلَة»: بكسر الصَّاد بوزن «عِدَة» العبسيُّ الكوفيُّ التَّابعيُّ الكبير، ممَّا وصله أصحاب «السُّنن» (عَنْ عَمَّارٍ) هو ابن ياسرٍ: (مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ) الذي تحدَّث النَّاس فيه برؤية الهلال ولم تثبت رؤيته (فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ ﷺ ¬) وذَكَر الكنية الشَّريفة دون الاسم إشارةً إلى أنَّه يقسم أحكام الله بين عباده، واستدلَّ به على تحريم صوم (٢) يوم الشَّكِّ لأنَّ الصَّحابيَّ لا يقول ذلك من قِبَل رأيه، فهو من قبيل المرفوع، والمعنى: فيه (٣) القوَّة على صوم رمضان، وضعَّفه السُّبكيُّ بعدم كراهة صوم شعبان،

стр. 4252

على أن الإسنويَّ قال: إنَّ المعروفَ المنصوص الذي عليه الأكثرون الكراهةُ لا التَّحريم. ١٩٠٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام، ولابن عساكر: «حدَّثنا مالكٌ» (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ: لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلَالَ) أي: إذا لم يكمل شعبان ثلاثين يومًا (وَلَا تُفْطِرُوا) من صومه (حَتَّى تَرَوْهُ) أي: الهلال، وليس المرادُ رؤيةَ جميع النَّاس بحيث يحتاج كلُّ فردٍ فردٍ (١) إلى رؤيته، بل المعتبر رؤية بعضهم، وهو العدد الذي تثبت به الحقوق؛ وهو عدلان إلَّا أنَّه يكتفى في ثبوت هلال رمضان بعدلٍ واحدٍ يشهد عند القاضي، وقالت طائفةٌ منهم البغويُّ: ويجب الصَّوم أيضًا على من أخبره موثوقٌ به بالرُّؤية وإن لم يذكره عند القاضي، ويكفي في الشَّهادة: أشهد أنِّي رأيت الهلال، لا أن يقول: غدًا من رمضان لأنَّه قد يعتقد دخوله بسببٍ لا يوافقه عليه المشهود عنده بأن يكون أخذه من حسابٍ، أو يكون حنفيًّا يرى إيجاب الصَّوم ليلة الغيم أو غير ذلك، واستدلَّ (٢) لقبول الواحد بحديث ابن عبَّاسٍ عند أصحاب «السُّنن» قال: جاء أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: إنِّي رأيت الهلال، فقال: «أتشهد أن لا إله إلَّا الله، أتشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله؟» قال: نعم، قال: «يا بلال أذِّن في النَّاس أن يصوموا غدًا»، وروى أبو داود وابن حبَّان عن ابن عمر قال: تراءى النَّاس الهلال فأخبرت رسول الله ﷺ أنِّي رأيته، فصام وأمر النَّاس بصيامه، وهذا أشهر قولَي الشَّافعيِّ عند أصحابه وأصحُّهما، لكنَّ آخر قوليه: إنَّه لا بدَّ من عدلين، قال في «الأمِّ»: لا يجوز على هلال رمضان إلَّا شاهدان، لكن قال الصَّيمريُّ: إن صحَّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قبل شهادة الأعرابيِّ وحده أو شهادة ابن عمر وحده (٣) قُبِل الواحد، وإلَّا فلا يُقبَل أقلُّ من اثنين،

стр. 4253

وقد صحَّ كلٌّ منهما، وعندي: أنَّ مذهب الشَّافعيِّ قبول الواحد، وإنَّما رجع إلى الاثنين بالقياس لَمَّا لم يثبت عنده في المسألة سنَّةٌ، فإنَّه تمسَّك للواحد بأثرٍ عن عليٍّ ولهذا قال في «المختصر» (١): ولو شهد برؤيته عدلٌ واحدٌ رأيت أن أقبله للأثر فيه. (فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ) بضمِّ الغين المعجمة وتشديد الميم، أي: إن حال بينكم وبين الهلال غيمٌ في صومكم أو فطركم (فَاقْدُرُوا لَهُ) بهمزة وصلٍ وضمِّ الدَّال، وهو تأكيدٌ لقوله: «لا تصوموا حتَّى تروا الهلال»؛ إذ المقصود حاصلٌ منه، وقد أورثت هذه الزِّيادة المؤكِّدة عند المخالف شبهةً بحسب تفسيره لقوله: «فاقدروا له»، فالجمهور قالوا: معناه: قدِّروا له تمام العدد ثلاثين يومًا، أي: انظروا في أوَّل الشَّهر واحسبوا ثلاثين يومًا كما جاء مفسَّرًا (٢) في الحديث اللَّاحق [خ¦١٩٠٧] ولذا أخَّره المؤلِّف لأنَّه مفسِّرٌ، وقال آخرون: ضيِّقوا له وقدِّروه تحت الحساب، وهو مذهب الحنابلة، وقال آخرون: قدِّروه بحساب (٣) المنازل، قال الشَّافعيَّة: ولا عبرة بقول المنجِّم، فلا يجب به الصَّوم ولا يجوز، والمرادُ بآية: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] الاهتداءُ في أدلَّة القبلة، ولكن له أن يعمل بحسابه كالصَّلاة، ولظاهر هذه الآية. وقيل: ليس له ذلك، وصحَّح في «المجموع» أنَّ له ذلك، وأنَّه لا يجزئه عن فرضه، وصحَّح في «الكفاية»: أنَّه إذا جاز أجزأه، ونقله عن الأصحاب وصوَّبه الزَّركشيُّ تبعًا للسُّبكيِّ، قال: وصرَّح به في «الرَّوضة» في الكلام على أنَّ شرط النِّيَّة الجزم، قال: والحاسب؛ وهو من يعتمد منازل القمر وتقدير سيره في معنى المنجِّم؛ وهو من يرى أنَّ أوَّل الشَّهر طلوع النَّجم الفلانيِّ، وقد صرَّح بهما معًا في «المجموع». ١٩٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بن قَعْنَبٍ قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ

стр. 4254

دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ) أي: الهلال (فإنْ غُمَّ عَلَيكُمْ) في صومكم (فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ) عدَّة شعبان (ثَلَاثِينَ) يومًا وهذا مفسِّرٌ ومبيِّنٌ لقوله في الحديث السَّابق [خ¦١٩٠٦]: «فاقدروا له»، وأَولى ما فُسِّر الحديثُ بالحديث. ١٩٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ جَبَلَةَ) بفتح الجيم والمُوحَّدة واللَّام (بْنِ سُحَيْمٍ) بضمِّ السِّين وفتح الحاء المهملتين الكوفيِّ، المُتوفَّى زمن الوليد بن يزيد (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا) أشار بيديه الكريمتين ناشرًا أصابعه مرَّتين، فهذه عشرون (وَخَنَسَ الإِبْهَامَ) بفتح الخاء المعجمة والنُّون المُخفَّفة، آخرهُ مُهمَلةٌ، أي: قبض أصبعه الإبهام ونشر بقيَّة أصابعه (فِي) المرَّة (الثَّالِثَةِ) فهي تسعةٌ، والجملة تسعةٌ وعشرون يومًا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «وحبس الإبهام» بالحاء المهملة ثمَّ المُوحَّدة (١)، أي: منعها من الإرسال، والحاصل: أنَّ العبرة بالهلال، فتارةً يكون ثلاثين، وتارةً تسعةً وعشرين، وقد لا يُرى فيجب إكمال العدد ثلاثين (٢)، وقد يقع النَّقص متواليًا في (٣) شهرين وثلاثةٍ وأربعةٍ، ولا يقع في أكثر من أربعة أشهرٍ (٤).

стр. 4255

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الطَّلاق» [خ¦٥٣٠٢]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ في «الصَّوم». ١٩٠٩ - وبالسَّند (١) قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) بكسر الزَّاي وتخفيف التَّحتيَّة القرشيُّ الجمحيُّ المدنيُّ الأصل، سكن البصرة، التَّابعيُّ الثِّقة (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ -أَوْ قَالَ: قَالَ أَبُو القَاسِمِ ﷺ ) بالشَّكِّ من الرَّاوي: (صُومُوا) أي: انووا الصِّيام وبيتوا على ذلك، أو صوموا إذا دخل وقت الصَّوم؛ وهو من فجر الغد (لِرُؤْيَتِهِ) الضَّمير للهلال، وإن لم يسبق له ذكرٌ لدلالة السِّياق عليه، واللَّام للتَّوقيت كهي في قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] أي: وقت دلوكها، وقال ابن مالكٍ وابن هشامٍ: بمعنى: بعد، أي: بعد زوالها وبعد رؤية الهلال (وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ) بهمزة قطعٍ (فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ) بضمِّ الغين المعجمة وتشديد المُوحَّدة المكسورة مبنيًّا للمفعول، وللحَمُّويي: «فإن غَبِيَ» بفتح الغين المعجمة وكسر المُوحَّدة؛ كـ «عَلِم»، وقال عياضٌ: «غَبِي» بفتح الغين المعجمة وتخفيف الباء لأبي ذرٍّ، وعند القابسيِّ: بضمِّ الغين المعجمة وتشديد (٢) الباء المكسورة، وكذا قيَّده الأَصيليُّ، والأوَّل أبين، ومعناه: خفي عليكم، وهو من الغباوة؛ وهو (٣) عدم الفطنة استعارةً لخفاء الهلال، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أُغمِي» بضمِّ الهمزة وزيادة ياءٍ (٤) مبنيًّا للمفعول مِنَ الإغماء، يُقال: أُغمِي عليه الخبر إذا استَعجَم، وللمُستملي: «غُمَّ» بضمِّ المعجمة وتشديد الميم، قال في «القاموس»: حالَ دونه غيمٌ رقيقٌ

стр. 4256

(فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ) يومًا، فيه: تصريحٌ بأنَّ عدة الثَّلاثين المأمور بها في حديث ابن عمر تكون من شعبان. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الصَّوم» وكذا النَّسائيُّ. ١٩١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلدٍ النَّبيل (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ) بصادٍ مهملةٍ مفتوحةٍ فتحتيَّةٍ ساكنةٍ وفاءٍ اسمٌ بلفظ النِّسبة (عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن الحارث المخزوميِّ (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) أمِّ المؤمنين (¬﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ آلَى مِنْ نِسَائِهِ) بمدِّ الهمزة من «آلى» أي: حلف لا يدخل عليهنَّ (شَهْرًا) وفي «مسلمٍ» من حديث عائشة: «أقسم ألَّا يدخل على أزواجه شهرًا» ففيه التَّصريح بأنَّ حلفه ﵊ كان على الامتناع من الدُّخول عليهنَّ شهرًا، فتبيَّن أنَّ المراد بقوله هنا: «آلى» حَلَفَ لا يَدخلُ، ولم يُرِد الحلف على الوطء، والرِّوايات يفسِّر بعضها بعضًا، فإنَّ الإيلاء في اللُّغة: مُطلَق الحلف، ويُستَعمل في عُرْف الفقهاء في حلفٍ مخصوصٍ؛ وهو الحلف على الامتناع من وطء زوجته مطلقًا أو مدَّةً تزيد على أربعة أشهرٍ، وتعديته بـ «من» في قوله: «من نسائه» تدلُّ (١) على ذلك لأنَّه راعى المعنى؛ وهو الامتناع من الدُّخول، وهو يتعدَّى بـ «من». (فَلَمَّا مَضَى تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا) وفي حديث عائشة عند مسلمٍ: «فلمَّا مضت تسعٌ وعشرون ليلةً دخل عليَّ (٢)» واستُشكِل لأنَّ مقتضاه أنَّه دخل في اليوم التَّاسع والعشرين، فلم يكن ثمَّ شهرٌ لا على الكمال ولا على النُّقصان، وأُجيب بأنَّ المراد: تسعٌ وعشرون ليلةً بأيَّامها، فإنَّ العرب تؤرِّخ باللَّيالي وتكون الأيَّام تابعةً لها، ويدلُّ له حديث أمِّ سلمة هذا: «فلمَّا مضى تسعةٌ وعشرون يومًا» (غَدَا) بالغين المعجمة: ذهب أوَّل النهار (أَوْ رَاحَ) ذهب آخره، والشَّكُّ من الرَّاوي (فَقِيلَ لَهُ) وفي

стр. 4257

«مسلمٍ» (١) من حديث عائشة: «بدأ بي، فقلت: يا رسول الله» (إِنَّكَ حَلَفْتَ أَلَّا تَدْخُلَ) علينا (شَهْرًا، فَقَالَ) ﵊: (إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا) ولأبي ذرٍّ: «وعشرون» بالرَّفع، وهذا محمولٌ عند الفقهاء على أنَّه ﵊ أقسم على ترك الدُّخول على أزواجه شهرًا بعينه بالهلال وجاء ذلك الشَّهر ناقصًا، فلو تمَّ ذلك الشَّهر ولم ير الهلال فيه ليلة الثَّلاثين لمكث ثلاثين يومًا، أمَّا لو حلف على ترك الدُّخول عليهنَّ شهرًا مطلقًا، لم يبرَّ إلَّا بشهرٍ تامٍّ بالعدد. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «النِّكاح» [خ¦٥٢٠٢]، ومسلمٌ في «الصَّوم»، والنَّسائيُّ في «عشرة النِّساء»، وابن ماجه في «الطَّلاق». ١٩١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ القرشيُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التَّيميُّ المدنيُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: آلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ) بمدِّ الهمزة وفتح (٢) اللَّام، أي: حلف لا يدخل عليهنَّ شهرًا (وَكَانَتِ) بالواو، وفي نسخةٍ: «فكانت» (انْفَكَّتْ رِجْلُهُ، فَأَقَامَ فِي مَشْرَُبَةٍ) بفتح الميم وسكون الشِّين المعجمة وضمِّ الرَّاء وفتحها وبالمُوحَّدة: غرفةٍ (تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً) وفي نسخةٍ بالفرع كأصله (٣) لم يعزُها (٤): «تسعةً وعشرين» (ثُمَّ نَزَلَ) من المشربة ودخل على عائشة (فَقَالُوا) وعند مسلمٍ: قالت عائشة: فقلت: (يَا رَسُولَ اللهِ) إنَّك (آلَيْتَ) حلفت ألَّا تدخل (شَهْرًا، فَقَالَ) ﵊: (إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ) يومًا، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي والمُستملي وابن عساكر: «تسعةً وعشرين».

стр. 4258

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الأيمان و (١) النُّذور» [خ¦٦٦٨٤] و «النِّكاح» [خ¦٥٢٠١]. (١٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (شَهْرَا عِيدٍ) رمضان وذو الحجُّة (لَا يَنْقُصَانِ). (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (قَالَ إِسْحَاقُ) هو ابن رَاهُوْيَه، أو ابن سويد بن هبيرة العدويُّ: (وَإِنْ كَانَ) كلُّ واحدٍ من شهري العيد (نَاقِصًا) في العدد والحساب (فَهْوَ تَمَامٌ) (٢) في الأجر والثَّواب (وَقَالَ مُحَمَّدٌ) هو ابن سيرين، أو المؤلِّف نفسه (٣): (لَا يَجْتَمِعَانِ كِلَاهُمَا نَاقِصٌ) «كلاهما»: مبتدأٌ و «ناقصٌ»: خبره، والجملة حالٌ من ضمير الاثنين، قال أحمد ابن حنبل: إن نقص رمضان تمَّ ذو الحجَّة، وإن نقص ذو الحجَّة تمَّ رمضان، وذكر قاسمٌ في «الدَّلائل»: أنَّه سمع البزَّار يقول: لا ينقصان جميعًا في سنةٍ واحدةٍ، قال: ويدلُّ له رواية زيد بن عقبة عن سمرة بن جندبٍ مرفوعًا: «شهرا عيدٍ لا يكونان ثمانيةً وخمسين يومًا»، وقال آخرون: يعني: لا يكاد يتَّفق نقصانهما جميعًا في سنةٍ واحدةٍ غالبًا، وإلَّا فلو حُمِل الكلام على عمومه اختلَّ ضرورة أنَّ (٤) اجتماعهما ناقصين في سنةٍ واحدةٍ قد وُجِد، بل قال الطَّحاويُّ: قد وجدناهما ينقصان معًا في أعوام، وهذا الوجه أعدل ممَّا قبله، ولا يجوز حمله على ظاهره، ويكفي في ردِّه

стр. 4259

قوله ﵊: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدَّة»، فإنَّه لو كان رمضان أبدًا ثلاثين لم يحتج إلى هذا، وقيل: لا ينقصان في ثواب العمل فيهما كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وسقط من قوله: «قال أبو عبد الله» إلى آخر قوله: «ناقصٌ» من رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر. ١٩١٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بالمهملة ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) هو ابن سليمان البصريُّ (قَالَ: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ -يَعْنِي: ابنَ سُويدٍ-)، وسقط لفظ «يعني» لأبي الوقت، والجملة لأبي ذرٍّ وابن عساكر، وإسحاق هذا هو العدويُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي بكرة نُفَيعٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ولم يسق المؤلِّف متن هذا الإسناد، وهو عند أبي نُعيمٍ في «مستخرجه» من طريق أبي خليفة وأبي مسلم الكجِّيِّ جميعًا عن مُسدَّدٍ بهذا الإسناد بلفظ: «لا ينقص رمضان ولا ينقص ذو الحجَّة». قال المؤلِّف: «ح» (١): (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (مُسَدَّدٌ) قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «حدَّثني» بالإفراد أيضًا (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: شَهْرَانِ لَا يَنْقُصَانِ) مبتدأٌ وخبرٌ، قال الزَّين ابن المُنيِّر: المرادُ أنَّ النَّقص الحسِّيَّ باعتبار العدد ينجبر بأنَّ كلًّا منهما شهر عيدٍ عظيمٍ، فلا ينبغي وصفهما بالنُّقصان بخلاف غيرهما من الشُّهور، وقال البيهقيُّ في «المعرفة»: إنَّما خصَّهما بالذِّكر لتعلُّق حكم الصَّوم والحجِّ بهما، وبه جزم النَّوويُّ، وقال: إنَّه الصَّواب المعتمد، وأنَّ كلَّ ما ورد عنهما من الفضائل والأحكام حاصلٌ، سواءٌ كان رمضان ثلاثين أو تسعًا وعشرين، سواءٌ صادف الوقوف اليوم التَّاسع أو غيره. ولا يخفى أنَّ محلَّ ذلك ما إذا لم يحصل تقصيرٌ في ابتغاء الهلال، وفائدة الحديث: رفع ما يقع في القلوب من شكٍّ لمن صام تسعًا

стр. 4260

وعشرين أو وقف في غير يوم عرفة، وقال الطِّيبيُّ: ظاهر سياق الحديث في بيان اختصاص الشَّهرين بمزيَّةٍ ليست في سائرها، وليس المراد أنَّ ثواب الطَّاعة في سائرها قد ينقص دونهما، وإنَّما المرادُ رفعُ الحرج عمَّا عسى أن يقع فيه خطأٌ في الحكم لاختصاصهما بالعيدين (١)، وجواز احتمال وقوع الخطأ فيهما، ومن ثمَّ لم يقتصر على قوله: «رمضان وذو (٢) الحجَّة»، بل قال: (شَهْرَا عِيدٍ) خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هما شهرا عيدٍ، أو رُفِع على البدليَّة، أحدهما: (رَمَضَانُ) بغير صرفٍ للعلميَّة والألف والنُّون (وَ) الآخر: (ذُو الحَجَّةِ) وهذا لفظ متن السَّند الثَّاني، وهو موافقٌ للفظ التَّرجمة، وأُطلِق على رمضان أنَّه شهر عيدٍ لقربه من العيد، أو لكون هلال العيد ربَّما رُئِي في اليوم الأخير من رمضان، قاله (٣) الأثرم، والأوَّل أولى، ونظيره قوله ﷺ : «المغرب وتر النَّهار» أخرجه التِّرمذيُّ من حديث ابن عمر، وصلاة المغرب ليليَّةٌ جهريَّةٌ، وأطلق كونها وتر النِّهار لقربها منه، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ وقتها يقع أوَّل ما تغرب الشَّمس، واستُشكِل ذكر الحجَّة لأنَّه إنَّما يقع الحجُّ في العشر الأُوَل منه، فلا دخل لنقصان الشَّهر وتمامه، وأُجيب بأنَّه مُؤوَّلٌ (٤) بأنَّ الزِّيادة والنَّقص إذا وقعا (٥) في القعدة (٦) يلزم منهما نقص عشر ذي الحجَّة الأوَّل أو زيادته، فيقفون الثَّامن أو العاشر فلا ينقُص أجرُ وقوفهم عمَّا لا غَلطَ فيه، قاله الكِرمانيُّ، لكن قال البرماويُّ: وقوف الثَّامن غلطًا لا يُعتبَر على الأصحِّ. (١٣) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ) بالنُّون فيهما.

стр. 4261

١٩١٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ) الكوفيُّ التَّابعيُّ الصَّغير قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين ابن سعيد ابن العاص المدنيُّ، سكن دمشق ثمَّ الكوفة: (أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّا) أي: العربَ أو نفسَه المُقدَّسة (أُمَّةٌ) جماعة قريشٍ (١) (أُمِّيَّةٌ) بلفظ النَّسب (٢) إلى الأمِّ (٣)، أي: باقون على الحالة التي ولدتنا عليها الأمَّهات (لَا نَكْتُبُ) بيانٌ لكونهم كذلك، أو المرادُ النِّسبةُ إلى أمَّة العرب لأنَّهم ليسوا أهل كتابٍ، والكاتب منهم (٤) نادرٌ (٥) (وَلَا نَحْسُبُ) بضمِّ السِّين، لا نعرف حساب النُّجوم وتسييرها، فلم نُكلَّف في تعريف مواقيت صومنا ولا عبادتنا ما نحتاج فيه (٦) إلى معرفة حسابٍ ولا كتابةٍ، إنَّما رُبِطت عبادتنا بأعلامٍ واضحة، وأمورٍ ظاهرةٍ لائحة، يستوي في معرفتها الحُسَّاب وغيرهم، ثمَّ تمَّم ﵊ هذا المعنى بإشارته بيده من غير لفظٍ، إشارةً يفهمها الأخرس والأعجميُّ (الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا (٧)) قال الرَّاوي: (يَعْنِي) ﵊: (مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ) قال في «الفتح»: هكذا ذكره آدم شيخ المؤلِّف مختصرًا، ورواه غندرٌ عن شعبة تامًّا، أخرجه مسلمٌ عن ابن المُثنَّى وغيره عنه بلفظ: «الشَّهر هكذا وهكذا، وعقد الإبهام في الثَّالثة، والشَّهر هكذا وهكذا وهكذا» يعني: تمام ثلاثين؛ أي (٨): أشار أوَّلًا بأصابع يديه العَشْرِ جميعًا مرَّتين، وقبض الإبهام في المرَّة الثَّالثة، وهذا هو المُعبَّر عنه بقوله: «تسعٌ وعشرون»، وأشار بهما مرَّةً أخرى ثلاث مرَّاتٍ، وهو المُعبَّر عنه بقوله: «ثلاثون». وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ.

стр. 4262

(١٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين وبغيره (لا يَتَقَدَّمَنَّْ) بنون التَّوكيد الثَّقيلة ويجوز تخفيفها، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «لا يتقدَّم» أي (١): المُكلَّف (رَمَضَانَ) وقال الحافظ ابن حجرٍ: «لا يُتَقدَّم» بضمِّ أوَّله وفتح ثانيه؛ يعني: مبنيًّا للمفعول، «رمضانُ»: رفع نائبٍ عن الفاعل، ثمَّ قال: ويجوز فتحهما، أي: أوَّل «يَتَقدَّم» وثانيه، ولم يعزُه لأحدٍ (بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا) ولابن عساكر: «أو» (يَومَينِ) يُعَدُّ منه (٢) بقصد الاحتياط له، فإنَّ صومه مرتبطٌ بالرُّؤية، فلا حاجة إلى التَّكلُّف. ١٩١٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) اليماميُّ (٣)، أحد الثِّقات الأثبات إلَّا أنَّه كان كثير الإرسال والتَّدليس، رأى أنسًا ولم يسمع منه، واحتجَّ به الأئمَّة (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أَنَّهُ (قَالَ: لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ) أي: بنيَّة الرَّمضانيَّة احتياطًا، ولكراهة التَّقدُّم معانٍ: أحدها: خوفًا من أن يُزاد في رمضان ما ليس منه، كما نُهِي عن صيام يوم العيد لذلك، حذرًا ممَّا وقع فيه أهل الكتاب في صيامهم، فزادوا فيه بآرائهم وأهوائهم، وخرَّج (٤) الطَّبرانيُّ عن عائشة: أنَّ ناسًا كانوا يتقدَّمون الشَّهر فيصومون (٥) قبل النَّبيِّ ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذين

стр. 4263

آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] ولهذا نُهِي عن صوم يوم الشَّكِّ، والمعنى الثَّاني: الفصل بين صيام الفرض والنَّفل، فإنَّ جنس الفصل بين الفرائض والنَّوافل مشروعٌ ولذا حرم صيام يوم العيد، ونهى رسول الله (١) ﷺ أن تُوصَل صلاةٌ مفروضةٌ بصلاةٍ حتَّى يُفصَل بينهما بسلامٍ أو كلامٍ خصوصًا سنَّة الفجر، وفي «المُسنَد»: أنَّه ﷺ فعله (٢)، وهذا فيه نظرٌ لأنَّه يجوز لمن له عادةٌ كما سيأتي إن شاء الله تعالى، والمعنى الثَّالث: أنَّه للتَّقوِّي على صيام رمضان، فإنَّ مواصلة الصِّيام تُضعِف عن صيام الفرض، فإذا حصل (٣) الفطر قبله بيوم أو يومين كان أقرب إلى التَّقوّي على صيام رمضان، وفيه نظرٌ لأنَّ معنى الحديث: أنَّه لو تقدَّمه بصيام ثلاثة أيَّامٍ فصاعدًا جاز، المعنى الرَّابع: أنَّ الحكم عُلِّق بالرُّؤية، فمن تقدَّمه بيومٍ أو يومين فقد حاول الطَّعن في ذلك الحكم. (إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ) المعتاد من وردٍ؛ كأن اعتاد صوم الدَّهر، أو صوم يومٍ وفطر يومٍ، أو يومٍ مُعيَّنٍ (٤) كالاثنين فصادفه (٥)، أو نذرٍ أو قضاءٍ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يصوم صومًا» (فَلْيَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ) فإنَّه مأذونٌ له فيه (٦)، ويجب عليه النَّذر وما بعده، فهو مستثنًى بالأدلَّة القطعيَّة ولا يبطل القطعيُّ بالظَّنيِّ، ومفهوم الحديث: الجواز إذا كان التَّقدُّم بأكثر من يومين، وقيل: يمتدُّ المنع لما قبل ذلك، وبه قطع كثيرٌ من الشَّافعيَّة، وأجابوا عن الحديث بأنَّ المراد منه: التَّقدُّم بالصَّوم؛ فحيث وُجِد مُنِع، وإنَّما اقتصر على يومٍ أو يومين لأنَّه الغالب ممَّن يقصد ذلك، وقالوا: أمد المنع من أوَّل السَّادس عشر من شعبان لحديث: «إذا انتصف شعبان؛ فلا تصوموا» رواه أبو داود وغيره، وظاهره: أنَّه يحرم الصَّوم إذا انتصف وإن وصله بما قبله وليس مرادًا حفظًا لأصل مطلوبيَّة الصَّوم، وقد قال النَّوويُّ في

стр. 4264

«المجموع»: إذا انتصف شعبان حَرُم الصَّوم بلا سببٍ إن لم يصله بما قبله على الصَّحيح. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه. (١٥) (بَابُ قَوْلِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾) كنايةٌ عن الجماع، وعُدِّي بـ «إلى» لتضمُّنه معنى: الإفضاء، ثمَّ بيَّن سبب الإحلال (١) فقال: (﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾) لأنَّ الرَّجل والمرأة يتضاجعان ويشتمل كلُّ واحدٍ منهما على صاحبه شُبِّه باللِّباس، أو لأنَّ كلًّا منهما يستر حال صاحبه ويمنعه عن الفجور (﴿عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾) تجامعون النِّساء وتأكلون وتشربون في الوقت الذي كان حرامًا عليكم (﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾) لمَّا تبتم ممَّا اقترفتموه (﴿وَعَفَا عَنكُمْ﴾) ومحا عنكم أثره (﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾) أي: جامعوهنَّ، فقد نُسِخ عنكم التَّحريم (﴿وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]) واطلبوا ما قدَّره لكم وأثبته في اللَّوح المحفوظ من الولد، والمعنى: أنَّ المباشر ينبغي أن يكون غرضه الولد؛ فإنَّه الحكمة في خلق الشَّهوة (٢) وشرع النِّكاح. ولفظ رواية أبي ذرٍّ: «﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ﴾».

стр. 4265

١٩١٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بضمِّ العين مُصغَّرًا، العبسيُّ الكوفيُّ (عَنْ إِسْرَائِيلَ) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيِّ (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله (عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ (¬﵁ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ ¬) في أوَّل ما افتُرِض الصِّيام (إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا، فَحَضَرَ الإِفْطَارُ، فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ) وفي رواية زهيرٍ عند النَّسائيِّ: كان إذا نام قبل أن يتعشَّى لم يحلَّ له أن يأكل شيئًا ولا يشرب ليلته ويومه حتَّى تغرب الشَّمس، ولأبي الشَّيخ من طريق زكريَّا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق: كان المسلمون إذا أفطروا يأكلون ويشربون ويأتون النِّساء ما لم يناموا، فإذا ناموا لم يفعلوا شيئًا من ذلك إلى مثلها، وقد بيَّن السُّدِّيُّ أنَّ هذا الحكم كان على وَفْقِ ما كُتِب على أهل الكتاب كما أخرجه ابن جريرٍ من طريق السُّدِّيِّ بلفظ (١): كُتِب على النَّصارى الصِّيام، وكُتِب عليهم ألَّا يأكلوا ولا يشربوا ولا ينكحوا بعد النَّوم، وكُتِب على المسلمين أوَّلًا مثل ذلك (وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ) بكسر الصَّاد المهملة وسكون الرَّاء (الأَنْصَارِيَّ) قال في «الإصابة»: ووقع عند أبي داود من هذا الوجه: صِرْمة بن قيسٍ، وفي رواية النَّسائيِّ: أبو قيس بن عمرٍو، فإنْ حُمِلَ هذا الاختلاف على تعدُّد أسماء (٢) من وقع له ذلك، وإلَّا فيمكن الجمع بردِّ جميع الرِّوايات إلى واحدٍ، فإنَّه قيل فيه: صرمة بن قيسٍ وصرمة بن مالكٍ وصرمة بن أنسٍ (٣) وصرمة ابن أبي أنسٍ، وقيل فيه: قيس بن صرمة وأبو قيس بن صرمة (٤) وأبو قيس بن عمرٍو، فيمكن أن يُقال: إن كان اسمه صرمة بن قيسٍ؛ فمن قال فيه: قيس بن صرمة قَلَبَهُ، وإنَّما اسمه: صرمة، وكنيته أبو قيسٍ أو العكس، وأمَّا أبوه فاسمه قيس أو صرمة -على ما تقرَّر من القلب- وكنيته أبو أنسٍ، ومن قال فيه: أنسٌ حذف أداة الكنية، ومن قال فيه: ابن مالكٍ نسبه إلى جدٍّ له، والعلم عند الله تعالى (كَانَ صَائِمًا، فَلَمَّا حَضَرَ الإِفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ) لم تُسَمَّ (فَقَالَ لَهَا: أَعِنْدَكِ طَعَامٌ؟) بهمزة

стр. 4266

الاستفهام وكسر الكاف (قَالَتْ: لَا، وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ) وظاهره: أنَّه لم يجئ معه بشيٍء، لكن في مُرسَل السُّدِّيِّ: أنَّه أتاها بتمرٍ، فقال: استبدلي به طحينًا واجعليه سخينًا؛ فإنَّ التَّمر أحرق جوفي، وفي مُرسَل ابن أبي ليلى: فقال لأهله: أطعموني، فقالت: حتَّى أجعل لك شيئًا سخينًا (١)، ووصله أبو داود من طريق ابن أبي ليلى (٢) (وَكَانَ يَوْمَهُ) بالنَّصب (يَعْمَلُ) أي: في أرضه كما صرَّح به أبو داود في روايته (فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ) فنام (فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «عينه فجاءت امرأته» بالإفراد، وحذف الضَّمير من «فجاءته» (فَلَمَّا رَأَتْهُ) نائمًا (قَالَتْ: خَيْبَةً لَكَ) حرمانًا، منصوبٌ على أنَّه مفعولٌ مطلقٌ حُذِف عامله وجوبًا، قال بعض النُّحاة: إذا كان بدون لامٍ وجب نصبه، أو معها جاز النَّصب، وفي مُرسَل السُّدِّيِّ: فأيقظته فكره أن يعصي الله وأبى أن يأكل، وزاد في رواية أحمد هنا: فأصبح صائمًا (فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ¬) بضمِّ الذَّال وكسر الكاف مبنيًّا للمفعول، وزاد الإمام أحمد وأبو داود والحاكم من طريق عبد الرَّحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبلٍ: وكان عمر قد أصاب النِّساء بعدما نام، ولابن جريرٍ وابن أبي حاتمٍ من طريق عبد الله بن كعب بن مالكٍ عن أبيه قال: كان النَّاس في رمضان إذا صام الرَّجل فأمسى فنام حَرُم عليه الطَّعام والشَّراب والنِّساء حتَّى يفطر من الغد، فرجع عمر من عند النَّبيِّ ﷺ وقد سمر عنده، فأراد امرأته فقالت: إنِّي قد نمت، قال (٣): ما نمت ووقع عليها، وصنع كعب بن مالكٍ مثل ذلك (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾) التي تصبحون منها صائمين (﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا وَنَزَلَتْ) ولابن عساكر: «فنزلت» بالفاء بدل الواو (﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ﴾) جميع اللَّيل (﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ﴾) بياض الصُّبح (﴿مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]) من سواد اللَّيل، قال الكِرمانيُّ: لمَّا صار الرَّفث -وهو الجماع هنا- حلالًا بعد أن كان حرامًا كان الأكل والشُّرب بطريق الأَولى؛ فلذلك فرحوا بنزولها وفهموا منها

стр. 4267

الرُّخصة، هذا وجه مطابقة ذلك لقصَّة أبي (١) قيسٍ، ثمَّ لمَّا كان حِلُّهما (٢) بطريق المفهوم نزل بعد ذلك قوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ﴾ ليُعلَم بالمنطوق تسهيل الأمر عليهم تصريحًا (٣)، أو المرادُ نزولُ الآية بتمامها، قال في «فتح الباري»: وهذا هو المعتمد، وبه جزم السُّهيليُّ، وقال: إنَّ الآية نزلت في الأمرين معًا، فقدَّم ما يتعلَّق بعمر ﵁ لفضله. انتهى. ووقع في رواية أبي داود: فنزلت: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ (٤) إلى قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فهذا يبيِّن أنَّ محلَّ قوله: «ففرحوا بها» بعد قوله: ﴿الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ وقد وقع ذلك صريحًا في رواية زكريَّا بن أبي زائدة، ولفظه: فنزلت: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ ففرح المسلمون بذلك. وهذا الحديث أخرجه أبو داود في «الصَّوم»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير». (١٦) (بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) مخاطبًا للمسلمين: (﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ﴾) بعد أن كنتم ممنوعين منهما بعد النَّوم في رمضان (﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾) بيانٌ للخيط الأبيض (﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]) فإنَّه آخر وقته، و «حتَّى»: للغاية، واستُشكِل بأنَّه يلزم منه أن يُؤكَل جزءٌ من النَّهار، وأُجيب بأنَّ الغاية غايتان: غاية مدٍّ-وهي التي لو لم تُذكَر لم يدخل ما بعدها حال ذكرها في حكم ما قبلها- وغاية إسقاطٍ-وهي التي لو لم تُذكَر؛ لكان ما بعدها داخلًا في حكم ما قبلها- فالأوَّل: ﴿أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ والثَّاني: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] أي: واتركوا ما بعد المرافق، ويأتي مثل هذا في قوله ﷺ [خ¦٦٢٢]: «حتَّى يؤذِّن ابن أمِّ مكتومٍ» (٥)، ولفظ رواية ابن عساكر: «وكلوا واشربوا» إلى قوله: «﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾» (فِيهِ) أي: في الباب حديثٌ رواه

стр. 4268

(البَرَاءُ) في الباب السَّابق موصولًا [خ¦١٩١٥]، ولابن عساكر: «عن البراء» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬). ١٩١٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) السَّلميُّ الأنماطيُّ، ولابن عساكر: «الحجَّاج بن منهالٍ» قال: (حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضمِّ الهاء وفتح المعجمة ابن بُشَيرٍ؛ بضمِّ المُوحَّدة وفتح المعجمة مُصغَّرَيْن، السُّلميُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتين السُّلميُّ أيضًا (عَنِ الشَّعْبِيِّ) بفتح المعجمة وسكون المهملة عامر بن شراحيل (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) الصَّحابيِّ (¬﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾) ثمَّ قدمت فأسلمت وتعلَّمت الشَّرائع، ولأحمد من طريق مجالدٍ (١): علَّمني رسول الله ﷺ الصَّلاة والصِّيام، وقال: «صلِّ كذا، وصم كذا، فإذا غابت الشَّمس فكُلْ حتَّى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود» (عَمَدْتُ) بفتح الميم (إِلَى عِقَالٍ) بكسر العين: حبلٍ (أَسْوَدَ وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ، فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ) إليهما (فِي اللَّيْلِ فَلَا يَسْتَبِينُ لِي) فلا يظهر لي، وفي رواية مجالدٍ: فلا أستبين الأبيض من الأسود (فَغَدَوْتُ عَلَى (٢) رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ) ولغير أبي الوقت: «فذكرت ذلك له» (فَقَالَ) ﵊: (إِنَّمَا ذَلِكَ) المذكور في قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ (سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ) وفي «التَّفسير» [خ¦٤٥١٠] قلت: يا رسول الله ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود؟ أهما الخيطان؟ قال: «إنَّك لَعريض القفا إنْ أبصرت الخيطين»، ثمَّ قال: «لا، بل هو (٣) سواد اللَّيل وبياض النَّهار».

стр. 4269

وحديث الباب أخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٥٠٩]، ومسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ. ١٩١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن الحكم بن محمَّد (١) بن أبي مريم الجمحيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، عبد العزيز (عَنْ أَبِيهِ) أبي حازمٍ سلمة بن دينارٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون الهاء والعين السَّاعديِّ. (ح) لتحويل السَّند: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) قال: (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ) بالغين المعجمة والمهملة المُشدَّدة (مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ) ولفظ المتن له (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو حَازِمٍ) سلمة (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أُنْزِلَتْ: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَلَمْ يَنْزِلْ) قوله تعالى: (﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فَكَانَ) بالفاء، ولأبي الوقت: «وكان» (رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ) بالإفراد، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «في (٢) رِجْلَيه» (الخَيْطَ الأَبْيَضَ وَالخَيْطَ الأَسْوَدَ، وَلَمْ يَزَلْ) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «ولا يزال» (يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة ثمَّ الفوقيَّة والمُوحَّدة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، ولأبي ذرٍّ: «تَتَبَيَّنَ» بمُثنَّاتين فوقيَّتين قبل المُوحَّدة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «يَسْتَبِين (٣)» بسينٍ مهملةٍ ساكنةٍ مع التَّخفيف (رُؤْيَتُهُمَا) أي: الخيطين (فَأَنْزَلَ اللهُ) (بَعْدُ) قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] قال البيضاويُّ: شبَّه أوَّل ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق وما يمتدُّ معه من غبش اللَّيل

стр. 4270

بخيطين: أبيض وأسود، واكتفى ببيان الخيط الأبيض بقوله: (﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾) عن بيان الخيط الأسود لدلالته عليه، وبذلك خرجا من الاستعارة إلى التَّمثيل، ويجوز أن تكون «من» للتَّبعيض، فإنَّ ما يبدو بعض الفجر، وما رُوِي-أنَّها نزلت ولم ينزل: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فكان (١) رجالٌ إذا أرادوا الصَّوم ربط أحدهم في رجله الخيط فنزلت- لعلَّه كان قبل دخول رمضان، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائزٌ، أو اكتفى أوَّلًا باشتهارهما في ذلك، ثمَّ صرَّح بالبيان لمَّا التبس على بعضهم، وذكر في «الفتح» و «العمدة» و «التَّنقيح» و «المصابيح»: أنَّ حديث عديٍّ يقتضي نزول قوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ متَّصلًا بقوله: ﴿مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ وحديث سهل بن سعدٍ صريحٌ في أنَّه لم ينزل إلَّا منفصلًا، فإن حُمِل على واقعتين في وقتين فلا إشكال، وإلَّا احتمل أن يكون حديث عديٍّ متأخِّرًا عن حديث سهلٍ، فإنَّما سمع الآية مُجرَّدةً، فحملها على ما وصل إليه فهمه حتَّى يتبيَّن له الصَّواب، وعلى هذا يكون ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ متعلِّقًا بـ ﴿يَتَبَيَّنَ﴾، وعلى مقتضى حديث سهلٍ يكون في موضع الحال متعلِّقًا بمحذوفٍ. انتهى. وليس في حديث عديٍّ هنا عند المؤلِّف -بل ولا في «التَّفسير» [خ¦٤٥١١]- ذكرُ: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ أصلًا، فليُتأمَّل، نعم ثبت ذكره في روايته عند مسلمٍ في «صحيحه» (فَعَلِمُوا) أي: الرِّجال، أي: الصَّحابة (٢) (أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي) بقوله: الخيط الأبيض والخيط الأسود: (اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) ولابن عساكر: «من النَّهار». وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٥١١]، وكذا النَّسائيُّ. (١٧) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فيما رواه مسلمٌ من حديث سمرة: (لَا يَمْنَعَنَّكُمْ) بنون التَّوكيد الثَّقيلة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «لا يمنعْكم» بإسقاطها وجزم العين (مِنْ سَحُورِكُمْ) بفتح السِّين: اسم ما يتسحَّر به (أَذَانُ بِلَالٍ).

стр. 4271

١٩١٨ - ١٩١٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) وكان اسمه عبد الله الهبَّاريُّ القرشيُّ (عَنْ أَبِي أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بن عمر العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَالقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أي: ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق، المُتوفَّى سنة ستٍّ ومئةٍ على الصَّحيح (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) و «القاسمِ»: جُرَّ عطفًا على «نافعٍ» لا على «ابن عمر» لأنَّ عبيد الله رواه عن نافعٍ عن ابن عمر، وعن القاسم عن عائشة، والحاصل: أنَّ لعبيد الله فيه شيخين يروي عنهما، وهما نافعٌ والقاسم ابن محمد: (أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ) للفجر (١) (بِلَيْلٍ) ليستعدَّ لها بالتَّطهُّر (٢) وغيره، وقال أبو حنيفة والثوري: للسُّحور، ورُدَّ بأنَّه إنَّما أخبر عن عادته في الأذان دائمًا (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) عمرو بن قيسٍ العامريُّ، وأمُّ مكتومٍ اسمها عاتكة بنت عبد الله، وزاد في «باب أذان الأعمى» [خ¦٦١٧]، كـ «المُوطَّأ»: وكان أعمى لا ينادي حتَّى يُقال له: أصبحت أصبحت، أي: قاربت الصَّباح، وقيل: على ظاهره من ظهور الصَّباح، والأوَّل أرجح، وعليه يُحمَل قوله هنا: (فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ) أي: حتَّى يقارب طلوع الفجر، والمعنى في الجميع: أنَّ بلالًا كان يؤذِّن قبل الفجر، ثمَّ يتربَّص بعدُ للدُّعاء ونحوه، ثمَّ يرقب الفجر، فإذا قارب طلوعه نزل فأخبر ابن أمِّ مكتومٍ، فيتطهَّر ويرقى ويشرع في الأذان إذا قارب الصَّباح حَوْطةً للفجر، فأذانه عَلَمٌ على الوقت الذي يمتنع فيه الأكل، ولعلَّ بتمام أذانه

стр. 4272

يتَّضح الفجر، وتحلُّ (١) الصَّلاة على التَّأويل الآخر في «أصبحت أصبحت»، فيكون جمعًا بين الأمرين، قاله الأبيُّ، وسبق في الباب الذي قبل هذا (٢): أنَّ «حتَّى» هنا لغاية المدِّ. (قَالَ القَاسِمُ) بن محمد: (وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانِهِمَا) بكسر النُّون من غير ياءٍ (إِلَّا أَنْ يَرْقَى) بفتح القاف، أي: يصعد (ذَا) ابنُ أمِّ مكتومٍ (وَيَنْزِلَ) بالنَّصب عطفًا على «يرقى» (ذَا) بلالٌ، ولم يشاهد (٣) ذلك القاسم بن محمَّدٍ، وقول الدَّاوديِّ: هذا يدلُّ على أنَّ ابن أمِّ مكتومٍ كان يراعي قرب طلوع الفجر أو طلوعه؛ لأنَّه لم يكن يكتفي بأذان بلالٍ في علم الوقت؛ لأنَّ بلالًا -فيما يدلُّ عليه الحديث- كان تختلف أوقاته، وإنَّما حكى من قال: «يرقى ذا وينزل ذا» ما شاهد (٤) في بعض الأوقات، ولو كان فعله لا يختلف لاكتفى به النَّبيُّ ﷺ ، ولم يقل: «فكلوا واشربوا حتَّى يؤذِّن ابن أمِّ مكتومٍ»، ولقال: فإذا فرغ بلالٌ فكفُّوا، تعقبه ابن المُنيِّر بأنَّ الرَّاوي إنَّما أراد أن يبيِّن اختصارهم في السَّحور إنَّما كان باللُّقمة والتَّمرة ونحوها (٥) بقدر ما ينزل هذا ويصعد هذا، وإنَّما كان يصعد قبيل الفجر؛ بحيث إذا وصل إلى فوق طلع الفجر، ولا يحتاج هذا إلى حمله على اختلاف أوقات بلالٍ، بل ظاهر الحديث أنَّ أوقاتها (٦) كانت على رتبةٍ مُمهِّدة، وقاعدةٍ مطَّردة. انتهى.

стр. 4273

(١٨) (بَابُ تَأْخِيرِ السَّحُورِ) إلى قرب طلوع الفجر الصَّادق، ولأبي ذرٍّ: «تعجيل السُّحور» خوفًا من طلوع الفجر في أوَّل الشُّروع، قال الزَّين بن المُنيِّر: التَّعجيل من الأمور النِّسبيَّة، فإن نُسِب إلى أوَّل الوقت كان معناه: التَّقديم، وإن نُسِب إلى آخره كان معناه: التَّأخير، وإنَّما سمَّاه البخاريُّ تعجيلًا إشارةً منه إلى أنَّ الصَّحابيَّ كان يسابق بسحوره الفجر عند خوف طلوعه وخوف فوات الصَّلاة، بمقدار وصوله إلى المسجد، قال الزَّركشيُّ: فعلى هذا يُقرَأ بضمِّ السِّين؛ إذ المراد تعجيل الأكل، وقول الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه لم ير في شيءٍ من نسخ البخاريِّ تأخير السَّحور لا يلزم منه العدم، فقد ثبت في «اليونينيَّة» بلفظ: «تأخير السَّحور»، ولأبي ذرٍّ بلفظ: «تعجيل (١) السَّحور» على ما مرَّ. ١٩٢٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا مضافًا، المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ) أبيه (أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينارٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ أَتَسَحَّرُ فِي أَهْلِي، ثُمَّ تَكُونُ سُرْعَتِي أَنْ أُدْرِكَ السُّجُودَ) بالدَّال، أي: صلاة الصُّبح (مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) وللكُشْمِيْهَنِيِّ-كما في «الفتح» -: «أن أدرك السَّحورَ» بالرَّاء، والصَّواب: الأوَّل. وهذا الحديث من أفراد البخاريِّ، وقد أخرجه في «باب وقت الفجر» [خ¦٥٧٧] من «الصَّلاة»، وفيه: تأخير السَّحور ومحلُّه ما لم يشكَّ في طلوع الفجر، فإن شكَّ لم يُسَنَّ التَّأخير، بل الأفضل تركه لحديث [خ¦٣٤/ ٣ - ٣٢٠٥]: «دع ما يَرِيْبُك إلى ما لا يَريبك». (١٩) (بابُ قَدْرِ كَمْ بَيْنَ) انتهاء (السَّحُورِ وَ) إيتاء (صَلَاةِ الفَجْرِ) من الزَّمان؟ ١٩٢١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ (٢))، قال أنسٌ: (قُلْتُ) لزيدٍ: (كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالسَّحُور؟ قَالَ) زيدٌ: هو (٣) (قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً) أي: قدر قراءتها.

стр. 4274

وهذا الحديث سبق في «باب وقت الفجر» [خ¦٥٧٥]. (٢٠) (بابُ بَرَكَةِ السَّحُورِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ) جملةٌ (١) في محلِّ نصبٍ على الحال، أي: من غير أن يكون واجبًا، ثمَّ علَّل لعدم (٢) الوجوب بقوله: (لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ) ﵃ (وَاصَلُوا) في صومهم من غير إفطارٍ باللَّيل (وَلَمْ يُذْكَرِ السَّحُورُ) بضمِّ الياء وفتح الكاف مبنيًّا للمفعول، وفي نسخةٍ: «ولم يَذْكُرِ السَّحورَ» (٣) مبنيًّا للفاعل، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والنَّسفيِّ -فيما قاله في «فتح الباري» -: «ولم يُذكَر سحورٌ» بدون الألف واللَّام، وفي بعض الأصول المعتمدة: «باب من ترك السَّحور … » إلى آخره. ١٩٢٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) بن أسماء الضُّبعيُّ البصريُّ (عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن عمر (¬﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَاصَلَ) بين الصَّومين من غير إفطارٍ باللَّيل (فَوَاصَلَ النَّاسُ) أيضًا تبعًا له ﷺ (فَشَقَّ عَلَيْهِمْ) أي: الوصال لمشقَّة

стр. 4275

الجوع والعطش (فَنَهَاهُمْ) عن الوصال لِمَا رأى من المشقَّة عليهم، نَهْيَ إرشادٍ أو للتَّحريم (١)، وهو المُرجَّح عند الشَّافعيَّة (قَالُوا: إِنَّكَ) ولابن عساكر: «فإنَّك» (تُوَاصِلُ! قَالَ) ﵊: (لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ) أي: ليست حالي كحالكم (٢)، أو لفظ الهيئة زائدٌ، والمراد: لست كأحدكم (إِنِّي أَظَلُّ) بفتح الهمزة والظَّاء المعجمة المشالة (٣) (أُطْعَمُ وَأُسْقَى) بضمِّ الهمزة فيهما (٤) مبنيين للمفعول، أي: أُعطَى قوَّة الطَّاعم والشَّارب، فليس المراد الحقيقة؛ إذ لو أكل حقيقةً لم يبقَ وصالٌ. وفي هذا الحديث مباحث تأتي إن شاء الله تعالى في موضعها. ١٩٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف الياء قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) بضمِّ الصَّاد المهملة وفتح الهاء، مُصغَّرًا (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) ولابن عساكر: «رسول الله» (¬ ﷺ : تَسَحَّرُوا) هو «تفعُّلٌ» من السَّحر؛ وهو قُبيل الصُّبح، وقال في «الرَّوضة» كـ «أصلها»: ويدخل وقته بنصف اللَّيل، قال السُّبكيُّ: وفيه نظرٌ لأنَّ السَّحَر لغةً: قُبيل الفجر، ومن ثمَّ خصَّه ابن أبي الصَّيف اليمنيُّ بالسُّدس الأخير، والمراد: الأكل في ذلك الوقت، وذلك على معنى: أنَّ التَّفعُّل هنا في (٥) الزَّمن المصوغ من لفظه، فإنَّه من معاني «تفعَّل» كما ذكره ابن مالكٍ في «التَّسهيل»، أو الأخذ في الأمر شيئًا فشيئًا، ويحصل السَّحور بقليل المطعوم وكثيره، والأمر به (٦) للنَّدب (فَإِنَّ فِي السَّحُورِ) بفتح
следующие страницы →