← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

١٩١٨ - ١٩١٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) وكان اسمه عبد الله الهبَّاريُّ القرشيُّ (عَنْ أَبِي أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بن عمر العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَالقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أي: ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق، المُتوفَّى سنة ستٍّ ومئةٍ على الصَّحيح (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) و «القاسمِ»: جُرَّ عطفًا على «نافعٍ» لا على «ابن عمر» لأنَّ عبيد الله رواه عن نافعٍ عن ابن عمر، وعن القاسم عن عائشة، والحاصل: أنَّ لعبيد الله فيه شيخين يروي عنهما، وهما نافعٌ والقاسم ابن محمد: (أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ) للفجر (١) (بِلَيْلٍ) ليستعدَّ لها بالتَّطهُّر (٢) وغيره، وقال أبو حنيفة والثوري: للسُّحور، ورُدَّ بأنَّه إنَّما أخبر عن عادته في الأذان دائمًا (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) عمرو بن قيسٍ العامريُّ، وأمُّ مكتومٍ اسمها عاتكة بنت عبد الله، وزاد في «باب أذان الأعمى» [خ¦٦١٧]، كـ «المُوطَّأ»: وكان أعمى لا ينادي حتَّى يُقال له: أصبحت أصبحت، أي: قاربت الصَّباح، وقيل: على ظاهره من ظهور الصَّباح، والأوَّل أرجح، وعليه يُحمَل قوله هنا: (فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ) أي: حتَّى يقارب طلوع الفجر، والمعنى في الجميع: أنَّ بلالًا كان يؤذِّن قبل الفجر، ثمَّ يتربَّص بعدُ للدُّعاء ونحوه، ثمَّ يرقب الفجر، فإذا قارب طلوعه نزل فأخبر ابن أمِّ مكتومٍ، فيتطهَّر ويرقى ويشرع في الأذان إذا قارب الصَّباح حَوْطةً للفجر، فأذانه عَلَمٌ على الوقت الذي يمتنع فيه الأكل، ولعلَّ بتمام أذانه

стр. 4272

يتَّضح الفجر، وتحلُّ (١) الصَّلاة على التَّأويل الآخر في «أصبحت أصبحت»، فيكون جمعًا بين الأمرين، قاله الأبيُّ، وسبق في الباب الذي قبل هذا (٢): أنَّ «حتَّى» هنا لغاية المدِّ. (قَالَ القَاسِمُ) بن محمد: (وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانِهِمَا) بكسر النُّون من غير ياءٍ (إِلَّا أَنْ يَرْقَى) بفتح القاف، أي: يصعد (ذَا) ابنُ أمِّ مكتومٍ (وَيَنْزِلَ) بالنَّصب عطفًا على «يرقى» (ذَا) بلالٌ، ولم يشاهد (٣) ذلك القاسم بن محمَّدٍ، وقول الدَّاوديِّ: هذا يدلُّ على أنَّ ابن أمِّ مكتومٍ كان يراعي قرب طلوع الفجر أو طلوعه؛ لأنَّه لم يكن يكتفي بأذان بلالٍ في علم الوقت؛ لأنَّ بلالًا -فيما يدلُّ عليه الحديث- كان تختلف أوقاته، وإنَّما حكى من قال: «يرقى ذا وينزل ذا» ما شاهد (٤) في بعض الأوقات، ولو كان فعله لا يختلف لاكتفى به النَّبيُّ ﷺ ، ولم يقل: «فكلوا واشربوا حتَّى يؤذِّن ابن أمِّ مكتومٍ»، ولقال: فإذا فرغ بلالٌ فكفُّوا، تعقبه ابن المُنيِّر بأنَّ الرَّاوي إنَّما أراد أن يبيِّن اختصارهم في السَّحور إنَّما كان باللُّقمة والتَّمرة ونحوها (٥) بقدر ما ينزل هذا ويصعد هذا، وإنَّما كان يصعد قبيل الفجر؛ بحيث إذا وصل إلى فوق طلع الفجر، ولا يحتاج هذا إلى حمله على اختلاف أوقات بلالٍ، بل ظاهر الحديث أنَّ أوقاتها (٦) كانت على رتبةٍ مُمهِّدة، وقاعدةٍ مطَّردة. انتهى.

стр. 4273

(١٨) (بَابُ تَأْخِيرِ السَّحُورِ) إلى قرب طلوع الفجر الصَّادق، ولأبي ذرٍّ: «تعجيل السُّحور» خوفًا من طلوع الفجر في أوَّل الشُّروع، قال الزَّين بن المُنيِّر: التَّعجيل من الأمور النِّسبيَّة، فإن نُسِب إلى أوَّل الوقت كان معناه: التَّقديم، وإن نُسِب إلى آخره كان معناه: التَّأخير، وإنَّما سمَّاه البخاريُّ تعجيلًا إشارةً منه إلى أنَّ الصَّحابيَّ كان يسابق بسحوره الفجر عند خوف طلوعه وخوف فوات الصَّلاة، بمقدار وصوله إلى المسجد، قال الزَّركشيُّ: فعلى هذا يُقرَأ بضمِّ السِّين؛ إذ المراد تعجيل الأكل، وقول الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه لم ير في شيءٍ من نسخ البخاريِّ تأخير السَّحور لا يلزم منه العدم، فقد ثبت في «اليونينيَّة» بلفظ: «تأخير السَّحور»، ولأبي ذرٍّ بلفظ: «تعجيل (١) السَّحور» على ما مرَّ. ١٩٢٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا مضافًا، المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ) أبيه (أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينارٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ أَتَسَحَّرُ فِي أَهْلِي، ثُمَّ تَكُونُ سُرْعَتِي أَنْ أُدْرِكَ السُّجُودَ) بالدَّال، أي: صلاة الصُّبح (مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) وللكُشْمِيْهَنِيِّ-كما في «الفتح» -: «أن أدرك السَّحورَ» بالرَّاء، والصَّواب: الأوَّل. وهذا الحديث من أفراد البخاريِّ، وقد أخرجه في «باب وقت الفجر» [خ¦٥٧٧] من «الصَّلاة»، وفيه: تأخير السَّحور ومحلُّه ما لم يشكَّ في طلوع الفجر، فإن شكَّ لم يُسَنَّ التَّأخير، بل الأفضل تركه لحديث [خ¦٣٤/ ٣ - ٣٢٠٥]: «دع ما يَرِيْبُك إلى ما لا يَريبك». (١٩) (بابُ قَدْرِ كَمْ بَيْنَ) انتهاء (السَّحُورِ وَ) إيتاء (صَلَاةِ الفَجْرِ) من الزَّمان؟ ١٩٢١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ (٢))، قال أنسٌ: (قُلْتُ) لزيدٍ: (كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالسَّحُور؟ قَالَ) زيدٌ: هو (٣) (قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً) أي: قدر قراءتها.

стр. 4274

وهذا الحديث سبق في «باب وقت الفجر» [خ¦٥٧٥]. (٢٠) (بابُ بَرَكَةِ السَّحُورِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ) جملةٌ (١) في محلِّ نصبٍ على الحال، أي: من غير أن يكون واجبًا، ثمَّ علَّل لعدم (٢) الوجوب بقوله: (لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ) ﵃ (وَاصَلُوا) في صومهم من غير إفطارٍ باللَّيل (وَلَمْ يُذْكَرِ السَّحُورُ) بضمِّ الياء وفتح الكاف مبنيًّا للمفعول، وفي نسخةٍ: «ولم يَذْكُرِ السَّحورَ» (٣) مبنيًّا للفاعل، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والنَّسفيِّ -فيما قاله في «فتح الباري» -: «ولم يُذكَر سحورٌ» بدون الألف واللَّام، وفي بعض الأصول المعتمدة: «باب من ترك السَّحور … » إلى آخره. ١٩٢٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) بن أسماء الضُّبعيُّ البصريُّ (عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن عمر (¬﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَاصَلَ) بين الصَّومين من غير إفطارٍ باللَّيل (فَوَاصَلَ النَّاسُ) أيضًا تبعًا له ﷺ (فَشَقَّ عَلَيْهِمْ) أي: الوصال لمشقَّة

стр. 4275

الجوع والعطش (فَنَهَاهُمْ) عن الوصال لِمَا رأى من المشقَّة عليهم، نَهْيَ إرشادٍ أو للتَّحريم (١)، وهو المُرجَّح عند الشَّافعيَّة (قَالُوا: إِنَّكَ) ولابن عساكر: «فإنَّك» (تُوَاصِلُ! قَالَ) ﵊: (لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ) أي: ليست حالي كحالكم (٢)، أو لفظ الهيئة زائدٌ، والمراد: لست كأحدكم (إِنِّي أَظَلُّ) بفتح الهمزة والظَّاء المعجمة المشالة (٣) (أُطْعَمُ وَأُسْقَى) بضمِّ الهمزة فيهما (٤) مبنيين للمفعول، أي: أُعطَى قوَّة الطَّاعم والشَّارب، فليس المراد الحقيقة؛ إذ لو أكل حقيقةً لم يبقَ وصالٌ. وفي هذا الحديث مباحث تأتي إن شاء الله تعالى في موضعها. ١٩٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف الياء قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) بضمِّ الصَّاد المهملة وفتح الهاء، مُصغَّرًا (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) ولابن عساكر: «رسول الله» (¬ ﷺ : تَسَحَّرُوا) هو «تفعُّلٌ» من السَّحر؛ وهو قُبيل الصُّبح، وقال في «الرَّوضة» كـ «أصلها»: ويدخل وقته بنصف اللَّيل، قال السُّبكيُّ: وفيه نظرٌ لأنَّ السَّحَر لغةً: قُبيل الفجر، ومن ثمَّ خصَّه ابن أبي الصَّيف اليمنيُّ بالسُّدس الأخير، والمراد: الأكل في ذلك الوقت، وذلك على معنى: أنَّ التَّفعُّل هنا في (٥) الزَّمن المصوغ من لفظه، فإنَّه من معاني «تفعَّل» كما ذكره ابن مالكٍ في «التَّسهيل»، أو الأخذ في الأمر شيئًا فشيئًا، ويحصل السَّحور بقليل المطعوم وكثيره، والأمر به (٦) للنَّدب (فَإِنَّ فِي السَّحُورِ) بفتح

стр. 4276

السِّين: اسمٌ (١) لِمَا يتسحَّر به، وبالضَّمِّ: الفعل (بَرَكَةً) بالنَّصب (٢): اسم «إنَّ»، وفي معنى كونه بركةً وجوهٌ: أن يبارك في اليسير منه بحيث يحصل (٣) به الإعانة على الصَّوم، وفي حديث عليٍّ عند ابن عديٍّ مرفوعًا: «تسحَّروا ولو بشربةٍ من ماءٍ» زاد في حديث أبي أمامة عند الطَّبرانيِّ مرفوعًا: «ولو بتمرةٍ، ولو بحبَّات زبيبٍ … » الحديثَ. ويكون ذلك بالخاصيَّة كما بُورِك في الثَّريد والاجتماع على الطَّعام، أو المرادُ بالبركة نفيُ التَّبعة (٤)، وفي حديث أبي هريرة ممَّا ذكره (٥) في «الفردوس»: «ثلاثةٌ لا يُحاسَب عليها العبد: أكلة السَّحَر (٦)، وما أفطر عليه، وما أكل مع الإخوان»، أو المراد بها: التَّقوِّي على الصِّيام وغيره من أعمال النَّهار، وفي حديث جابر عند ابن ماجه والحاكم مرفوعًا: «استعينوا بطعام السَّحر على صيام النَّهار، وبالقيلولة على قيام اللَّيل» ويحصل به النَّشاط ومدافعة سوء الخُلُق الذي يثيره الجوع، أو المراد بها: الأمور الأخرويَّة؛ فإنَّ إقامة السُّنَّة توجب الأجر وزيادةً، وقال القاضي عياضٌ: قد تكون هذه البركة ما يتَّفق للمتسحِّر من ذكرٍ أو صلاةٍ أو استغفارٍ، وغير ذلك من زيادات الأعمال التي لولا القيام للسَّحور لكان الإنسان نائمًا عنها وتاركًا لها، وتجديد النِّيَّة للصَّوم؛ ليخرج من خلاف من أوجب تجديدها إذا نام بعدها، وقال ابن دقيق العيد: وممَّا يُعلَّل به استحباب السُّحور المخالفةُ لأهل الكتاب؛ لأنَّه ممتنعٌ عندهم وهذا أحد الوجوه المقتضية للزِّيادة في الأجور الأخرويَّة. تنبيهٌ: إن قلنا: إنَّ المرادَ بالبركة الأجرُ والثَّواب، فالسُّحور بالضَّمِّ لأنَّه مصدرٌ بمعنى التَّسحُّر، وإن قلنا: التَّقوية فبالفتح (٧).

стр. 4277

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه. (٢١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا نَوَى) الإنسان (بِالنَّهَارِ صَوْمًا) فرضًا أو نفلًا، هل يصحُّ أو لا؟ (وَقَالَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ) خيرة، ممَّا وصله ابن أبي شيبة: (كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ) عويمرٌ الأنصاريُّ (يَقُولُ: عِنْدَكُمْ طَعَامٌ؟ فَإِنْ قُلْنَا: لَا؛ قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ يَوْمِي هَذَا، وَفَعَلَهُ) أي: ما فعل أبو الدَّرداء (أَبُو طَلْحَةَ) زيدُ بن سهلٍ الأنصاريُّ، ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق (وَ) كذا فعله (أَبُو هُرَيْرَةَ) ممَّا وصله البيهقيُّ (وَ) كذا (ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله الطَّحاويُّ (وَ) كذا (حُذَيْفَةُ ﵃¬) ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق، وهذا كلُّه في النَّفل قبل الزَّوال، ويدلُّ له قوله في أثر أمِّ الدَّرداء عند ابن أبي شيبة: كان أبو الدَّرداء يغدو أحيانًا فيسأل الغداء، وفي أثر أبي طلحة عند عبد الرَّزَّاق: كان يأتي أهله فيقول: هل من غداءٍ؟ وقول ابن عبَّاسٍ: لقد أصبحت وما أريد الصَّوم، وما أكلت من طعامٍ ولا شرابٍ، ولأصومنَّ يومي هذا، إذ الغداء -بفتح الغين-: اسمٌ لِمَا يُؤكَل قبل الزَّوال، وهذا مذهب الشَّافعيَّة، واستدلَّ له (١) أيضًا: بأنَّه ﷺ قال لعائشة يومًا: «هل عندكم من غداءٍ؟» قالت: لا، قال: «فإنِّي إذًا أصوم» رواه الدَّارقُطنيُّ وصحَّح إسناده، ويُحكَم بالصَّوم في ذلك من أوَّل النَّهار، فيُثاب على جميعه، وفي أثر حذيفة عند عبد الرَّزَّاق أنَّه قال: من بدا له الصِّيام بعدما تزول الشَّمس فليصم، وإليه ذهب جماعةٌ، سواءٌ كان قبل الزَّوال أو بعده، وهو مذهب الحنابلة، وعبارة المرداويِّ في «تنقيحه»: ويصحُّ صوم نفلٍ بنيَّةٍ (٢) من النَّهار

стр. 4278

مطلقًا نصًّا (١)، ويُحكَم بالصَّوم الشَّرعيِّ المثاب عليه من وقت النِّيَّة نصًّا، وقال مالكٌ: لا يصوم في النَّافلة إلَّا أن يبيِّت لقوله ﵊: «لا صيامَ لمن لم (٢) يبيِّت الصِّيام من اللَّيل»، ولحديث [خ¦١]: «الأعمال بالنِّيَّات»، فالإمساك أوَّل النَّهار عملٌ بلا نيَّةٍ، وقياسًا على الصَّلاة؛ إذ نفلها وفرضها في النِّيَّة سواءٌ. ١٩٢٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلدٍ النَّبيل (٣) (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) (٤) «يزيد» من الزِّيادة، و «عبيد» مُصغَّرًا: مولى سلمة بن الأكوع (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) واسمُ الأكوع سنانُ بن عبد الله (¬﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا) هو هند بن أسماء بن حارثة الأسلميُّ كما عند أحمد وابن أبي خيثمة (يُنَادِي فِي النَّاسِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ: أَنَّ) بفتح الهمزة وفي «اليونينيَّة»: بسكون النُّون مع فتح الهمزة (٥)، ولأبي ذرٍّ: «إِنَّ» بكسرها مع تشديد النُّون (٦) (مَنْ أَكَلَ فَلِْيُتِمَّ) بسكون اللَّام، ويجوز كسرها بلفظ الأمر للغائب، والميم مفتوحةٌ تخفيفًا، أي: ليمسك بقيَّة يومه حرمةً للوقت كما يمسك لو أصبح يوم الشَّكِّ مفطرًا، ثمَّ ثبت أنَّه من رمضان (أَوْ) قال: (فَلْيَصُمْ) شكٌّ من الرَّاوي (وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلَا يَأْكُلْ) واستدلَّ به أبو حنيفة على (٧) أنَّ الفرض يجوز بنيَّةٍ (٨) من النَّهار لأنَّ صوم عاشوراء كان فرضًا، ورُدَّ بأنَّه إمساكٌ لا صومٌ، وبأنَّ عاشوراء لم يكن فرضًا عند الجمهور، وبأنَّه ليس فيه أنَّه لا قضاء عليهم، بل في أبي داود: أنَّهم أتمُّوا بقيَّة اليوم وقضَوه، واستدلَّ الجمهور لاشتراط النِّيَّة في صوم الفرض من اللَّيل بحديث حفصة عند أصحاب «السُّنن»: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من لم يبيِّت

стр. 4279

الصِّيام من اللَّيل فلا صيام له» وهذا لفظ النَّسائيِّ، ولأبي داود والتِّرمذيِّ: «من لم يُجمِع الصِّيام قبل الفجر (١) فلا صيام له» واختُلِف في رفعه ووقفه، ورجَّح التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ الموقوف، وعمل بظاهر الإسناد جماعةٌ فصحَّحوا الحديث المذكور، منهم ابن خزيمة وابن حبَّان والحاكم، وروى له الدَّارقُطنيُّ طريقًا أخرى، وقال: رجالها (٢) ثقاتٌ، وظاهره: العموم في الصَّوم نفلًا أو فرضًا، وهو محمولٌ على الفرض بقرينة حديث عائشة السَّابق، وهو قوله ﵊ لها يومًا: «هل عندكم من غداءٍ؟» قالت: لا، قال: «فإنِّي إذًا أصوم (٣)» قالت: وقال لي يومًا آخر: «أعندكم شيءٌ؟» قلت: نعم، قال: «إذًا أفطرُ وإن كنت فرضت الصَّوم» رواه الدَّارقُطنيُّ وصحَّح إسناده، فلا تجزئ النِّيَّة مع طلوع الفجر لظاهر الحديث، ولا تختصُّ بالنِّصف الأخير من اللَّيل لإطلاقه، ولو شكَّ في تقدُّمها الفجر لم يصحَّ صومه لأنَّ الأصل عدم التَّقدُّم، ولا بدَّ من التَّبييت لكلِّ يومٍ لظاهر الحديث، ولأنَّ صوم كلِّ يومٍ عبادةٌ لتخلُّل اليومين ما يناقض الصَّوم كالصَّلاتين يتخلَّلهما السَّلام، وقال المالكيَّة: المشهورُ الاكتفاءُ بنيَّةٍ واحدةٍ في أوَّل ليلةٍ من رمضان لجميعه في حقِّ الحاضر الصَّحيح، وأمَّا المسافر والمريض فلا بدَّ لكلٍّ منهما من التَّبييت في كلِّ ليلةٍ، ولا بدَّ عند الشَّافعيَّة من كونها جازمةً مُعيَّنةً كالصَّلاة بخلاف الحنفيَّة فلم يشترطوا التَّعيين. وهذا الحديث من الثُّلاثيَّات، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصِّيام» [خ¦٢٠٠٧] وفي «خبر الواحد» [خ¦٧٢٦٥]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ في «الصَّوم». (٢٢) (بابُ الصَّائِمِ) حال كونه (يُصْبِحُ جُنُبًا) هل يصحُّ صومه أم لا؟

стр. 4280

١٩٢٥ - ١٩٢٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ سُمَيٍّ) بضمِّ السين وفتح الميم وتشديد التَّحتيَّة (مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامِ بْنِ المُغِيرَةِ) القرشيِّ (أَنَّهُ سَمِعَ) مولاه (أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) راهب قريش (قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَبِي) عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن مخزومٍ القرشيُّ المخزوميُّ ابن عمِّ عكرمة بن أبي جهل بن هشامٍ (حِينَ) ولأبي ذرٍّ: «حتَّى» (دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي (١) أميَّة. (ح) للتَّحويل: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثنا» (أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ: أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَ مَرْوَانَ) بن الحكم ابن أبي العاص بن أميَّة بن عبد شمس بن قصيٍّ الأمويَّ القرشيَّ، وُلِد بعد الهجرة بسنتين، ولم يصحَّ له سماعٌ من النَّبيِّ ﷺ ، وُلِّي الخلافة تسعة أشهرٍ، وتُوفِّي في رمضان سنة خمسٍ وستِّين (أَنَّ عَائِشَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتَاهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وَهُوَ) أي: والحال أنَّه (جُنُبٌ مِنْ) جماع (أَهْلِهِ) وفي رواية يونس عن ابن شهابٍ عن عروة وأبي بكر بن عبد الرَّحمن عن عائشة قالت [خ¦١٩٣٠]: كان يدركه الفجر في رمضان من غير حُلْمٍ، وللنَّسائيِّ عنها: من غير احتلامٍ، وفي لفظٍ له: كان يصبح جنبًا منِّي (ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ) بيانًا للجواز،

стр. 4281

وإلَّا فالأفضل الغسل قبل الفجر، والاحتلام يُطلَق على الإنزال، وقد يقع الإنزال من غير رؤية شيءٍ في المنام، وأرادت بالتَّقييد بالجماع من غير احتلامٍ المبالغةَ في الرَّدِّ على من زعم أنَّ فاعل ذلك عمدًا مفطرٌ. (وَقَالَ) ولابن عساكر: «فقال» (مَرْوَانُ) بن الحكم (لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ: أُقْسِمُ بِاللهِ؛ لَتُقَرِّعَنَّ) بفتح القاف وتشديد الرَّاء من التَّقريع؛ وهو التَّعنيف، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لتفْزِعنَّ» بالفاء السَّاكنة والزَّاي المكسورة من الإفزاع، أي: لتخوِّفن (بِهَا) أي: بالمقالة المذكورة (أَبَا هُرَيْرَةَ) وذلك لأنَّ أبا هريرة كان يرى: أنَّ من أصبح جنبًا من جماعٍ لا يصحُّ صومه؛ لحديث الفضل بن عبَّاسٍ في «مسلمٍ»، وحديث أسامة في «النَّسائيِّ» عن النبي ﷺ : «من أدركه الفجر جنبًا فلا يصم»، وفي النَّسائيِّ عن أبي هريرة أنَّه قال: لا وربِّ هذا البيت ما أنا قلت: من أدركه الصُّبح وهو جنبٌ فلا يصوم، محمَّدٌ -وربِّ الكعبة- قاله. (وَمَرْوَانُ يَوْمَئِذٍ) حاكمٌ (١) (عَلَى المَدِينَةِ) من قِبل معاوية بن أبي سفيان (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَكَرِهَ ذَلِكَ) أي: فعل ما قاله مروان من تقريع أبي هريرة وتعنيفه، ممَّا كان يراه أبي (عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ) بعد ذلك (قُدِّرَ لَنَا أَنْ نَجْتَمِعَ) بأبي هريرة (بِذِي الحُلَيْفَةِ) ميقات أهل المدينة (وَكَانَتْ (٢) لأَبِي هُرَيْرَةَ هُنَالِكَ أَرْضٌ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنِّي ذَاكِرٌ لَكَ أَمْرًا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ -كما قاله الحافظ ابن حجرٍ-: «إنِّي أذكر» بصيغة المضارع (وَلَوْلَا مَرْوَانُ أَقْسَمَ عَلَيَّ فِيهِ لَمْ أَذْكُرْهُ لَكَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ-كما في «الفتح» -: «لم أذكر ذلك» (فَذَكَرَ) عبد الرَّحمن له (قَوْلَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ) وفي رواية معمرٍ عن ابن شهابٍ: فتلوَّن وجه أبي هريرة (فَقَالَ: كَذَلِكَ) أي: الذي رأيته من كون من أدركه الفجرُ جنبًا لا يَصُمْ (٣) (حَدَّثَنِي) بالإفراد (الفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَهُوَ أَعْلَمُ) بما روى، والعهدة في ذلك عليه لا عليَّ، وفي رواية النَّسفيِّ عن البخاريِّ-كما قاله الحافظ ابن حجرٍ-: «وهنَّ أعلم»

стр. 4282

أي: أزواج النَّبيِّ ﷺ ، وكذا في رواية مَعْمَرٍ، وفي رواية ابن جريجٍ: فقال أبو هريرة: أهما قالتاه؟ قال: نعم، قال: هما أعلم، وهذا يرجِّح رواية النَّسفيِّ. وزاد ابن جريجٍ في روايته: فرجع أبو هريرة عمَّا كان يقول في ذلك، وترك حديث الفضل وأسامة، ورآه منسوخًا، وفي قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] دلالةٌ وإشارةٌ إليه، وحديث عائشة وأمِّ سلمة يُرجَّح على غيرهما لأنَّهما ترويان (١) ذلك عن مشاهدةٍ بخلاف غيرهما. وفي هذا الحديث (٢) أربعةٌ من التَّابعين: أبو بكرٍ وأبوه والزُّهريُّ ومروان. (وَقَالَ هَمَّامٌ) هو ابن منبِّهٍ، ممَّا وصله أحمد وابن حبَّان (وَابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) قيل: هو سالمٌ، وقيل: عبد الله، وقيل: عبيد الله -بالتَّكبير والتَّصغير- ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُ بِالفِطْرِ) ولابن عساكر: «يأمرنا بالفطر» قال المؤلِّف: (وَالأَوَّلُ) أي: حديث عائشة وأمِّ سلمة (أَسْنَدُ) أي: أظهر اتِّصالًا، وقال في «الفتح»: أقوى إسنادًا من حيث الرُّجحان لأنَّه جاء عنهما من طرقٍ كثيرةٍ جدًّا بمعنًى واحدٍ، حتَّى قال ابن عبد البرِّ: إنَّه صحَّ وتواتر، وأمَّا أبو هريرة فأكثر الرِّوايات عنه أنَّه كان يفتي به، ولم يسمع ذلك من النَّبيِّ ﷺ إنَّما سمعه عنه بواسطة الفضل وأسامة، وأمَّا حلفه أَنَّ النَّبيِّ ﷺ قاله -كما مرَّ- فكأنَّه لشدَّة وثوقه بخبرهما يحلف على ذلك، وقد رجع عن ذلك. (٢٣) (بابُ) حكم (المُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ) أي: لمسُ (٣) بشرةِ الرَّجل بشرةَ المرأة ونحو ذلك، لا الجماع (وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂¬) ممَّا وصله الطَّحاويُّ: (يَحْرُمُ عَلَيْهِ) أي: على الصَّائم (فَرْجُهَا) أي: فرج امرأته.

стр. 4283

١٩٢٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج، وسقط لفظ «قال» لأبي ذرٍّ وابن عساكر، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «عن سعيدٍ» بدل «شعبة»، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو غلطٌ فاحشٌ، فليس في شيوخ سليمان بن حربٍ أحدٌ اسمه سعيدٌ حدَّثه عن الحكم، وكذا وقع عند الإسماعيليِّ عن يوسف القاضي عن سليمان بن حربٍ عن شعبة (عَنِ الحَكَمِ) ابن عُتيبة مُصغَّرًا (١) (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد خال إبراهيم (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلُ) بعض أزواجه (وَيُبَاشِرُ) بعضهنَّ، من عطف العامِّ على الخاصِّ لأنَّ المباشرة أعمُّ من التَّقبيل، والمراد: غير الجماع كما مرَّ (وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ) ﵊ (أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ) بكسر الهمزة وإسكان الرَّاء في الفرع وغيره، أي: عضوه، وعنت الذَّكر خاصَّةً للقرينة الدَّالَّة عليه، ويُروَى: بفتح الهمزة والرَّاء، وقدَّمه في «فتح الباري»، وقال: إنَّه أشهر، وإلى ترجيحه أشار البخاريُّ بما أورده من التَّفسير، أي: أغلبكم لهواه وحاجته، وقال التُّورِبِشَتِيُّ: حملُ الإرْب -ساكنة (٢) الرَّاء- على العضو في هذا الحديث غير سديدٍ، لا يغترُّ به إلَّا جاهلٌ بوجوه حسن الخطاب، مائلٌ عن سنن الأدب ونهج (٣) الصَّواب، وأجاب الطِّيبيُّ بأنَّها ذكرت أنواع الشَّهوة مترقِّيةً (٤) من الأدنى إلى الأعلى، فبدأت بمقدِّمتها (٥) التي هي القبلة، ثمَّ ثنَّت بالمباشرة من نحو المداعبة والمعانقة، وأرادت أن تعبِّر عن المجامعة، فكنَّت عنها بالإرب، وأيُّ عبارةٍ أحسن منها. انتهى. وفي «المُوطَّأ»: رواية عبيد الله: أيُّكم أملك لنفسه، وبذلك فسَّره التِّرمذيُّ في «جامعه» فقال: ومعنى «لإربه» تعني (٦): لنفسه، قال الحافظ الزِّين العراقيُّ: وهو أولى الأقوال بالصَّواب

стр. 4284

لأنَّ أولى ما فُسِّر به الغريب ما ورد في بعض طرق الحديث، وقد أشارت عائشة ﵂ بقولها: «وكان أملككم لإربه» إلى أنَّه تُباح القبلة والمباشرة بغير الجماع لمن يكون مالكًا لإربه، دون من لا يأمن من الإنزال أو الجماع، وظاهره: أنَّها اعتقدت خصوصيَّة النَّبيِّ ﷺ بذلك، لكن ثبت عنها صريحًا إباحة ذلك؛ حيث قالت فيما سبق أوَّل الباب: يحلُّ له كلُّ شيءٍ إلَّا الجماع، فيُحمَل النَّهي هنا عنه (١) على كراهة التَّنزيه لأنَّها لا تنافي الإباحة، وفي «كتاب الصِّيام» ليوسف القاضي بلفظ: سُئِلت عائشة عن المباشرة للصَّائم فكرهتها، وكان هذا هو السِّرَّ في تصدير البخاريِّ بالأثر الأوَّل عنها لأنَّه يفسِّر مرادها بما ذكرته ممَّا يدلُّ على الكراهة، ويدلُّ على أنَّها لا ترى بتحريمها ولا بكونها من الخصائص ما في «المُوطَّأ»: أنَّ عائشة بنت طلحة كانت عند عائشة، فدخل عليها زوجها وهو عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (٢)، فقالت له عائشة: ما يمنعك أن تدنو من أهلك فتلاعبها وتقبِّلها؟ قال: أقبِّلها وأنا صائمٌ؟! قالت: نعم. ولا يخفى أنَّ محلَّ هذا مع الأمن، فإن حرك ذلك شهوةً حَرُم لأنَّ فيه تعريضًا لإفساد العبادة، ولحديث «الصَّحيحين»: «من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه» وروى البيهقيُّ بإسنادٍ صحيحٍ عن عائشة ﵂: أنَّه ﷺ رخَّص في القبلة للشَّيخ (٣) وهو صائمٌ، ونهى عنها الشَّابَّ، وقال: «الشَّيخ يملك إربه، والشَّابُّ يفسد صومه» ففهمنا من التَّعليل أنَّه دائرٌ مع تحريك الشَّهوة بالمعنى المذكور، والتَّعبير بالشَّيخ والشَّابِّ جرى على الأغلب (٤) من أحوال الشُّيوخ في انكسار شهوتهم، ومن أحوال الشَّباب في قوَّة شهوتهم، فلو انعكس الأمر انعكس الحكم، ولو ضمَّ المرأة إلى نفسه بحائلٍ فأنزل لا يفطر؛ إذ لا مباشرة كالاحتلام، وخرج بالحائل ضمُّها بدونه فيبطل، ولو لمس شعرها فأنزل؛ قال في «المجموع»:

стр. 4285

قال المتولِّي: ففي فطره وجهان بناءً على انتقاض الوضوء بلمسه، ولو أنزل بلمس عضوها المبان لم يفطر، قاله في «البحر» (١). (وَقَالَ) المؤلِّف: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ: (﴿مَآرِبُ﴾ [طه: ١٨]) بفتح الهمزة ممدودةً، أي: (حَاجَةٌ) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «حاجاتٌ» بالجمع، وللحَمُّويي والمُستملي: «مأْرب» بسكون الهمزة «حاجةٌ». (قَالَ طَاوُسٌ) في تفسير قوله: (﴿أُوْلِي الْإِرْبَةِ﴾ [النور: ٣١]) ولأبي ذرٍّ: «﴿غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ﴾»: (الأَحْمَقُ لَا حَاجَةَ لَهُ فِي النِّسَاءِ) وهذا وصله عبد الرَّزَّاق في «تفسيره»، ووقع في رواية أبي ذرٍّ هنا زيادةٌ (٢) كما نبَّه عليها الحافظ ابن حجرٍ؛ وهي: «وقال جابر بن زيدٍ أبو الشَّعثاء» ممَّا وصله ابن أبي شيبة: «إن نظر فأمنى يتمُّ صومه» ولا يبطل لأنَّه إنزالٌ من غير مباشرةٍ كالاحتلام، وهذا بخلاف الإنزال باللَّمس أو القبلة أو المضاجعة، فإنَّه يفسده لأنَّه إنزالٌ بمباشرةٍ. (٢٤) (بابُ) بيان حكم (القُبْلَة لِلصَّائِمِ) وسقط الباب والتَّرجمة لأبي ذرٍّ (وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ: إِنْ نَظَرَ فَأَمْنَى يُتِمُّ صَوْمَهُ) كذا ثبت هذا الأثر هنا (٣) في غير رواية أبي ذرٍّ، وثبت في روايته في آخر الباب السَّابق، مع إسقاط الباب والتَّرجمة كما مرَّ، ومناسبته للبابين من جهة التَّفرقة بين من يقع منه الإنزال باختياره، وبين (٤) من يقع منه بغير اختياره. ١٩٢٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ الزَّمِن البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع،

стр. 4286

ولابن عساكر: «حدَّثني» (يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬). (ح): للتَّحويل: (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) «إن»: مُخفَّفةٌ من الثَّقيلة، دخلت على الجملة الفعليَّة فيجب إهمالها، واللَّام في قوله: (لَيُقَبِّلُ) للتَّأكيد، وهي مفتوحةٌ (بَعْضَ أَزْوَاجِهِ) هي (١) عائشة نفسها كما في «مسلمٍ»، أو أمُّ سلمة كما في «البخاريِّ» [خ¦٣٢٢] (وَهُوَ صَائِمٌ) جملةٌ حاليَّةٌ (ثُمَّ ضَحِكَتْ) تنبيهًا على أنَّها صاحبة القصَّة ليكون ذلك أبلغ في الثِّقة بها، أو تعجُّبًا ممَّن خالفها في ذلك، أو تعجَّبت من نفسها إذ حدَّثت بمثل هذا ممَّا يُستحيَا من ذكر النِّساء مثله للرِّجال، ولكنَّها ألجأتها الضَّرورة في تبليغ العلم إلى ذكر ذلك، أو سرورًا (٢) بمكانها من الرَّسول (٣) ﷺ ومحبَّته لها، وقد روى ابن أبي شيبة عن شريكٍ عن هشامٍ: فضحكت، وظنَّنا أنَّها هي. ١٩٢٩ - وبه (٤) قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ) سَنْبَرٍ-بمهملةٍ مفتوحةٍ فنونٍ ساكنةٍ فمُوحَّدةٍ مفتوحةٍ (٥) وزن «جَعْفَرٍ» - الدَّسْتَُوائيِّ، أي: بفتح الدَّال وسكون السِّين المهملتين وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة ممدودًا، قال:

стр. 4287

(حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ زَيْنَبَ بْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ) الصَّحابيَّة (عَنْ أُمِّهَا) أمِّ سلمة هند بنت أبي أميَّة، أمِّ المؤمنين (¬﵄ قَالَتْ: بَيْنَمَا) بالميم (أَنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الخَمِيلَةِ) بفتح الخاء المعجمة: ثوبٌ من صوفٍ له علمٌ (إِذْ حِضْتُ) جواب «بينما» (فَانْسَلَلْتُ) ذهبت في خفيةٍ لئلَّا يصيبه ﵊ شيءٌ من دمها، أو تقذَّرت نفسها أن تضاجعه وهي بهذه الحالة (فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي) بكسر الحاء، قال النَّوويُّ: وهو الصَّحيح المشهور، أي: ثيابي التي أعددتها (١) لألبسها حالة الحيض (فَقَالَ) ﵊: (مَا لَكِ أَنَفِسْتِ؟) بفتح النُّون، ولأبي ذرٍّ: «أنُفِسْتِ» بضمِّها، أي: أحضتِ؟ (قُلْتُ: نَعَمْ) حضت، زاد في «باب من سمَّى النِّفاس حيضًا» [خ¦٢٩٨] من «كتاب الحيض»: فدعاني (فَدَخَلْتُ مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ، وَكَانَتْ هِيَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ) وكلاهما جنبٌ (وَكَانَ) ﵊ (يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ) لأنَّ ذلك لا يؤثِّر فيه لشدَّة تقواه وورعه، فكلُّ من أمن على نفسه الإنزال أو الجماع كان في معناه، فيلتحق به في حكمه، ومن ليس في معناه فهو مغايرٌ له في هذا الحكم، وهذا أرجح الأقوال، وقد أجمع العلماء: على أنَّ من كره القبلة لم يكرهها لنفسها، وإنَّما كرهها خشية ما تؤول إليه من الإنزال، ومن بديع ما رُوِي في ذلك: حديث عمر بن الخطَّاب أنَّه قال: هَشَشْتُ فقبَّلت وأنا صائمٌ، فقلت: يا رسول الله صنعت اليوم أمرًا عظيمًا، قبَّلت (٢) وأنا صائمٌ، قال: «أرأيت لو مضمضتَ من الماء وأنت صائمٌ؟» قلت: لا بأسَ، قال: «فَمَهْ؟» رواه أبو داود والنَّسائيُّ، قال النَّسائيُّ: مُنكَرٌ، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبَّان والحاكم، قال المازريُّ: فأشار إلى فقهٍ بديعٍ وذلك أنَّ (٣) المضمضة لا تنقض الصَّوم وهي أوَّل الشُّرب ومفتاحه كما أنَّ القبلة من دواعي الجماع ومفتاحه، والشُّرب يفسد الصَّوم كما يفسده الجماع، فكما ثبت عندهم أنَّ أوائل الشُّرب لا تفسد (٤) الصِّيام (٥) فكذلك أوائل الجماع، ولو قبَّل فأمذى -بالذَّال المعجمة- لم يكن عليه

стр. 4288

شيءٌ عند (١) الشَّافعية والحنفيَّة، وقال مالكٌ: عليه القضاء، وقال متأخِّرو (٢) أصحابه البغداديُّون: القضاء هنا استحبابٌ، وحكى ابن قدامة: الفطر فيه عن أحمد، ثمَّ (٣) إنَّ (٤) المتبادر إلى الفهم من القبلة تقبيل الفم، لكن قال النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب»: سواءٌ قبَّل الفم أو الخدَّ أو غيرهما. وهذا الحديث قد سبق في «باب من سمَّى النِّفاس حيضًا» [خ¦٢٩٨]. (٢٥) (بَابُ اغْتِسَالِ الصَّائِمِ، وَبَلَّ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄¬) فيما رواه ابن أبي شيبة (ثَوْبًا) بالماء (فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ وَهُوَ صَائِمٌ) ولابن عساكر وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فأُلقِي عليه» مبنيًّا للمفعول، وكأنَّه أمر غيره فألقاه عليه، ووجه المطابقة: أنَّ الثَّوب المبلول إذا أُلقِي على البدن بَلَّهُ، فيشبه ما إذا صبَّ عليه الماء. (وَدَخَلَ الشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل (الحَمَّامَ وَهُوَ صَائِمٌ) رواه ابن أبي شيبة موصولًا. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (لَا بَأْسَ أَنْ يَتَطَعَّمَ القِدْرَ) بكسر القاف: ما يُطبَخ فيه، أي: من طعام القدر (أَوِ الشَّيْءَ) من المطعومات، فهو من عطف العامِّ على الخاصِّ، وهذا وصله ابن أبي شيبة ورواه البيهقيُّ، ووجه مطابقته (٥) من حيث إنَّ التَّطعُّم من الشَّيء الذي هو إدخال الطَّعام في الفم من

стр. 4289

غير بلعٍ لا يضرُّ الصَّوم، فإيصال الماء إلى البشرة بالطَّريق الأَولى ألَّا يضرَّ (١). (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ: (لَا بَأْسَ بِالمَضْمَضَةِ وَالتَّبَرُّدِ لِلصَّائِمِ) قال العينيُّ: مطابقته للتَّرجمة من حيث إنَّ المضمضة جزءٌ من الغسل، وقال في «فتح الباري»: وصله عبد الرَّزَّاق بمعناه (وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِذَا كَانَ صَوْمُ) ولأبي ذرٍّ: «إذا كان يوم صوم» (أَحَدِكُمْ فَلْيُصْبِحْ دَهِينًا) أي: مدهونًا، «فعيلًا» بمعنى: «مفعولٍ» (مُتَرَجِّلًا) من التَّرجُّل؛ وهو تسريح الشَّعر وتنظيفه، وقول الحافظ ابن حجرٍ: في وجه المطابقة هي أنَّ المانع من الاغتسال لعلَّه سلك به مسلك استحباب التَّقشُّف في الصِّيام كما ورد مثله في الحجِّ، فالادِّهان والتَّرجُّل في مخالفة التَّقشُّف كالاغتسال، تعقَّبه العينيُّ بأنَّ التَّرجمة في جواز الاغتسال لا في منعه، وكذلك أثر ابن مسعودٍ في الجواز لا في المنع، فكيف يُجعَل الجواز مناسبًا للمنع (٢). انتهى. وقال ابن المُنيِّر الكبير: أراد البخاريُّ الرَّدَّ على من كره الاغتسال للصَّائم لأنَّه إن كرهه خشية وصول الماء حَلْقَه فالعلَّة باطلةٌ بالمضمضة والسِّواك وبذوق القدر ونحو ذلك، وإن كرهه للرَّفاهية فقد استحبَّ السَّلف للصَّائم التَّرفُّه والتَّجمُّل بالتَّرجُّل (٣) والادِّهان والكحل ونحو ذلك ولذلك ساق هذه الآثار (٤)، قال العينيُّ: وهذا أقرب إلى القبول. (وَقَالَ أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ ﵁، ممَّا وصله قاسم بن ثابتٍ في «غريب الحديث» له: (إِنَّ لِي أَبْزَنًا) بفتح الهمزة وسكون الموحَّدة وفتح الزَّاي آخره نونٌ، وقال عياضٌ: بكسر الهمزة أيضًا وفي «القاموس»: بتثليثها، وقال الكِرمانيُّ: وفي بعضها بقصر الهمزة، قال البرماويُّ: وهو يدلُّ على أنَّه بالمدِّ والقصر منصوبٌ على أنَّه اسم «إنَّ»، ولأبي ذرٍّ: «أبزنٌ» بالرفع، قال الزَّركشيُّ: على أنَّ اسم «إنَّ» ضمير الشَّأن، والجملة بعدها مبتدأٌ وخبرٌ في موضع رفعٍ على أنَّها (٥) خبر «إنَّ»، وضعَّفه في «المصابيح»، والرِّوايتان في الفرع: مُنوَّنتان (٦)، وفي غيره: بغير تنوينٍ لأنَّه فارسيٌّ فلذا (٧) لم

стр. 4290

يصرف، قال الكِرمانيُّ: هي (١) كلمةٌ مركَّبةٌ من «أب»؛ وهو الماء، ومن «زن» وهو المرأة لأنَّ ذلك تتَّخذه النِّساء غالبًا، وحيث عُرِّب أُعرِب، قال في «القاموس»: هو حوضٌ يغتسل فيه وقد يُتَّخذ من نحاسٍ. انتهى. (أَتَقَحَّمُ) بفتح الهمزة والفوقيَّة والمهملة المُشدَّدة بعدها ميمٌ، أي: ألقي نفسي (فِيهِ وَأَنَا صَائِمٌ) إذا وجدت الحرِّ أتبرَّد بذلك (وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ اسْتَاكَ وَهُوَ صَائِمٌ) رواه أبو داود وغيره من حديث عامر بن ربيعة عن أبيه، وحسَّنه التِّرمذيُّ، لكن قال النَّوويُّ في «الخلاصة»: مداره على عاصم بن عبيد الله، وقد ضعَّفه الجمهور، فلعلَّه اعتُضِد، ومطابقة الحديث للتَّرجمة: قيل: من حيث إنَّ السِّواك مطهرةٌ للفم كما أنَّ الاغتسال مطهِّرٌ (٢) للبدن. وسقط قوله: «ويُذكَر .... » إلى آخره عند ابن عساكر. (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) ممَّا وصله ابن أبي شيبة بمعناه: (يَسْتَاكُ) الصَّائم (أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ) ولأبي ذرٍّ -ونسبه في «الفتح» لنسخة الصَّغانيِّ-: «ولا يبلع ريقه» وهو ساقطٌ عند ابن عساكر (وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح: (إِنِ ازْدَرَدَ) أي: ابتلع (رِيقَهُ لَا أَقُولُ: يُفْطِرُ) به، إذا كان طاهرًا صِرْفًا ولم ينفصل من معدنه؛ لعسر التَّحرُّز عنه، وخرج بالطَّاهر: النَّجسُ؛ كما لو دميت لثَته وإن صفا، وبالصِّرف: المخلوطُ بغيره وإن كان طاهرًا، فلو نزل معه، أي: مع ريقه الطَّاهر شيءٌ من بين أسنانه إلى جوفه بطل صومه إن أمكنه مجُّه لكونه غير صِرْفٍ، وقال الحنفيَّة: إذا ابتلع قدرًا يسيرًا من الطَّعام من بين أسنانه ذاكرًا لصومه لا يفسد عندنا لأنَّه لا يمكن الاحتراز عنه عادةً، فصار بمنزلة ريقه، والكثير يمكن الاحتراز عنه، وسقط قوله: «وقال عطاءٌ … » إلى آخره في رواية ابن عساكر. (وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ ممَّا وصله ابن أبي شيبة بمعناه: (لَا بَأْسَ) أن يتسوَّك (بِالسِّوَاكِ الرَّطْبِ، قِيلَ: لَهُ طَعْمٌ؟ قَالَ) ابن سيرين: (وَالمَاءُ لَهُ طَعْمٌ، وَأَنْتَ تُمَضْمِضُ بِهِ) فاكَ؛ بضمِّ

стр. 4291

الفوقيَّة وكسر الميم الثَّانية، ولأبي ذرٍّ: «تَمضمَض» بفتح الفوقيَّة والميم (وَلَمْ يَرَ أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ الصَّحابيُّ ﵁، ممَّا (١) وصله أبو داود (وَالحَسَنُ) البصريُّ ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق بإسنادٍ صحيحٍ (وَإِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ ممَّا رواه سعيد بن منصورٍ (بِالكُحْلِ لِلصَّائِمِ بَأْسًا) ولو تشرَّبته المسام لأنَّه لم يصل إلى (٢) منفذٍ مفتوحٍ كما لا يبطله الانغماس في الماء وإن وجد أثره بباطنه، وهذا مذهب الشَّافعيَّة والحنفيَّة، وقال المالكيَّة والحنابلة (٣): إن اكتحل بما يتحقَّق معه الوصول إلى حلقه من كحلٍ أو صبرٍ أو قطورٍ أو ذرورٍ أو إثمدٍ، كثيرٍ أو يسيرٍ، مُطيَّبٍ أفطر. ١٩٣٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) المصريُّ المعروف بابن الطَّبرانيِّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (وَأَبِي بَكْرٍ) هو ابن عبد الرَّحمن بن الحارث أنَّهما قالا: (قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ (٤) فِي رَمَضَانَ مِنْ) جنابةٍ (غَيْرِ حُلُمٍ) بضمَّتين ويجوز سكون اللَّام، وأسقط الموصوف -وهو «جنابة» - اكتفاءً بالصِّفة عنه لظهوره، وقولها: «من غير حلمٍ» لا يلزم منه أنَّه ﵊ يحتلم، بل هو (٥) صفةٌ لازمةٌ، مثل: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ٢١] والاحتلام من تلاعب الشَّيطان، فلا يجوز على الأنبياء (فَيَغْتَسِلُ وَيَصُومُ)

стр. 4292

وهذا موضع التَّرجمة، وهذا (١) الحديث سبق قريبًا [خ¦١٩٢٦]. ١٩٣١ - ١٩٣٢ - وبه (٢) قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ الأصبحيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ سُمَيٍّ) بضمِّ السِّين وفتح الميم وتشديد الياء (٣) التَّحتيَّة (مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامِ بْنِ المُغِيرَةِ: أَنَّهُ سَمِعَ) مولاه (أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) يقول: (كُنْتُ أَنَا وَأَبِي، فَذَهَبْتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ إِنْ كَانَ لَيُصْبِحُ (٤) جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ، ثُمَّ يَصُومُهُ) أي: اليوم الذي يصبح فيه جنبًا. (ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ) القول الذي قالته عائشة ﵂، وزاد في «باب الصَّائم يصبح جنبًا» [خ¦١٩٢٦] «ثمَّ يغتسل» وبذلك تحصل المطابقة بين الحديث والتَّرجمة. (٢٦) (بابُ) حكم (الصَّائِمِ إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ) حال كونه (نَاسِيًا، وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ، ممَّا وصله ابن أبي شيبة: (إِنِ اسْتَنْثَرَ فَدَخَلَ المَاءُ) من خياشيمه (فِي حَلْقِهِ، لَا بَأْسَ) بِهِ ليس هو جواب الشَّرط، وإلَّا لكان بالفاء، بل هو مفسِّرٌ لجوابه المحذوف، والجملة الشَّرطيَّة؛ وهي قوله: (إِنْ

стр. 4293

لَمْ يَمْلِكْ) جزاءٌ لقوله: «إن استنثر»، وقوله: «إن لم يملك» أي: دَفْعَه، بل دخل في حلقه غلبةً، فإن ملك دَفْعَهُ فلم يدفعه حتَّى دخل أفطر، وسقط لفظة «إن» في رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر كما في الفرع وأصله، وقال الحافظ ابن حجرٍ: والنَّسفيُّ بدل ابن عساكر، وحينئذٍ فهي جملةٌ مستأنفةٌ كالتَّعليل لقوله: «لا بأس»، والفاء في: «لا بأس» محذوفةٌ؛ كقوله: من يفعلِ الحسناتِ اللهُ يشكرُها .......................... (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ ممَّا وصله ابن أبي شيبة: (إِنْ دَخَلَ حَلْقَهُ) أي: الصَّائم (الذُّبَابُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) من فطرٍ ولا غيره، وهو مذهب الأئمَّة الأربعة (وَقَالَ الحَسَنُ) أيضًا ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق (وَمُجَاهِدٌ) ممَّا وصله أيضًا عبد الرَّزَّاق: (إِنْ جَامَعَ) حال كونه (نَاسِيًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) من فطرٍ ولا غيره كالأكل ناسيًا، فلو تعمَّد بطل إجماعًا، وقال الحنابلة: يفطر وعليه القضاء والكفَّارة، عامدًا كان أو ناسيًا، قال المرداويُّ: نقله الجماعة عن الإمام أحمد، وعليه أكثر الأصحاب، قال الزَّركشيُّ الحنبليُّ: وهو المشهور عن أحمد، وهو المختار لعامَّة أصحابه، وهو من مفردات المَذْهَب، وعنه: لا يكفِّر، واختاره (١) ابن بطَّة، قال الزَّركشيُّ: ولعلَّه مبنيٌّ على أنَّ الكفَّارة ماحيةٌ، ومع النِّسيان لا إثمَ يُمحَى، وعنه: ولا يقضي أيضًا. ١٩٣٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزيُّ البصريُّ الأصل قال: (أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) مُصغَّرًا، قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو القُرْدوسيُّ (٢) كما (٣) صرَّح به مسلمٌ في «صحيحه»، لا (٤) الدَّستوائيُّ وإن قاله الحافظ ابن حجرٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ

стр. 4294

سِيرِينَ) محمَّدٌ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِذَا نَسِيَ) الصَّائم (فَأَكَلَ وَشَرِبَ) سواءٌ كان قليلًا أو كثيرًا كما رجَّحه النَّوويُّ لظاهر إطلاق الحديث، وقد روى عبد الرَّزَّاق عن عمرو بن دينارٍ: أنَّ إنسانًا جاء إلى أبي هريرة ﵁ فقال: أصبحت صائمًا فنسيت فطعمت وشربت، قال (١): لا بأس، قال: ثمَّ دخلت إلى إنسانٍ آخر، فنسيت فطعمت وشربت، قال: لا بأس، اللهُ أطعمكَ وسقاكَ، قال: ثمَّ دخلت على آخر فنسيت فطعمت (٢)، فقال أبو هريرة: أنت إنسانٌ لم تتعوَّد الصِّيام ويُروَى: أو شرب، واقتصر عليهما دون باقي المفطرات لأنَّهما الغالب (فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ) بفتح الميم ويجوز كسرها على التقاء السَّاكنين (٣)، وسمَّى الذي يُتَمُّ صومًا، وظاهره حمله على الحقيقة الشَّرعيَّة، وإذا كان صومًا وقع مجزئًا، ويلزم من ذلك عدم وجوب القضاء، قاله ابن دقيق العيد، وهذا الحديث دليلٌ على الإمام مالكٍ حيث قال: إنَّ الصَّوم يبطل بالنِّسيان ويجب القضاء، وأجيب بأنَّ المراد من هذا الحديث إتمام صورة الصَّوم، وأُجيب بما سبق من حمل الصَّوم على الحقيقة الشَّرعيَّة، وإذا دار اللَّفظ بين حمله على المعنى اللُّغويِّ والشَّرعيِّ كان حمله على الشَّرعيِّ أَوْلى، وقد أخرج ابنا (٤) خزيمة وحبَّان (٥) والحاكم والدَّارقُطنيُّ من طريق محمَّد بن عبد الله الأنصاريِّ عن محمَّد بن عمرٍو عن أبي سلمة عن أبي هريرة:

стр. 4295

«من أفطر في شهر رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفَّارة»، فصرَّح بإسقاط القضاء والكفَّارة، قال الدَّارقُطنيُّ: تفرَّد به محمَّد بن مرزوقٍ-وهو ثقةٌ- عن الأنصاريِّ. وأُجيب بأنَّ ابن خزيمة أخرجه أيضًا عن إبراهيم بن محمَّد الباهليِّ، وبأنَّ الحاكم أخرجه من طريق أبي حاتم الرَّازي، كلاهما عن الأنصاريِّ، فهو المنفرد به -كما قال (١) البيهقيُّ- وهو ثقةٌ، وحينئذٍ فقول ابن دقيق العيد: -إنَّ قول مالكٍ بوجوب (٢) القضاء هو القياس، فإنَّ الصَّوم قد فات ركنه وهو من باب المأمورات، والقاعدة تقتضي أنَّ النِّسيان لا يؤثِّر في باب المأمورات- فيه نظرٌ؛ فإنَّ القياس شرطه عدم مخالفة النَّصِّ، قاله البرماويُّ في «شرح العمدة»، ثمَّ علَّل كون النَّاسي لا يفطر بقوله: (فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ) ليس له فيه مدخلٌ (٣)، وقال الطِّيبيُّ: «إنَّما» للحصر، أي: ما أطعمه أحدٌ ولا سقاه إلَّا الله، فدلَّ على أنَّ هذا النِّسيان من الله تعالى، ومن لطفه في حقِّ عباده تيسيرًا عليهم ودفعًا للحرج، وقال الخطَّابيُّ: النسيان ضرورةٌ، والأفعال الضَّروريَّة غير مضافةٍ في الحكم إلى فاعلها ولا يؤاخَذ بها، والله أعلم. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه. (٢٧) (بابُ) حكم استعمال (السِّوَاكِ الرَّطْبِ واليَابِسِ لِلصَّائِمِ) بتعريف «السِّواك»، و «الرَّطب» و «اليابس» صفتان له، ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «باب سواك الرَّطب واليابس» أي: سواك الشَّجر الرَّطب كقولهم: مسجد الجامع، أي: مسجد الموضع الجامع بتقدير محذوفٍ موصوفٍ لأنَّ

стр. 4296

الصِّفة لا تُضاف إلى موصوفها (١)، وأُجيب بأنَّ مذهب الكوفيِّين في هذا أنَّ الصِّفة يذهب بها مذهب الجنس، ثمَّ يُضاف الموصوف إليه كما يُضاف بعض الجنس إليه؛ نحو: خاتم حديدٍ، وحينئذٍ فلا يحتاج إلى تقدير محذوفٍ. (وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ) ممَّا وصله أبو داود والتِّرمذيُّ أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ، مَا لَا أُحْصِي أَوْ أَعُدُّ) شكٌّ من الرَّاوي، ومداره على عاصم بن عبيد الله، قال البخاريُّ: منكر الحديث، لكن حسَّنه التِّرمذيُّ، فلعلَّه اعتُضِد، ومن ثمَّ ذكره المؤلِّف بصيغة التَّمريض، وفي الحديث: إشعارٌ بملازمة السِّواك، ولم يخصَّ رطبًا من يابسٍ. (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ ممَّا وصله النَّسائيُّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ) أعمُّ من أن يكون السِّواك رطبًا أو يابسًا، في رمضان أو غيره، قبل الزَّوال أو بعده، واستدلَّ به الشَّافعيُّ على أنَّ السِّواك ليس بواجبٍ، قال: لأنَّه لو كان واجبًا أمرهم به، شقَّ عليهم أو لم يشقَّ (وَيُرْوَى نَحْوُهُ) أي: نحو حديث أبي هريرة (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريُّ، ممَّا وصله أبو نُعيمٍ في «كتاب السِّواك» من طريق عبد الله بن عقيلٍ عنه بلفظ: «مع كلِّ صلاةٍ»، وعبد الله مُختلَفٌ فيه (وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) الجهنيِّ ممَّا وصله أحمد وأصحاب «السُّنن» بلفظ: «عند كلِّ صلاةٍ» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) قال البخاريُّ: (وَلَمْ يَخُصَّ) النَّبيُّ ﷺ فيما رواه عنه (٢) أبو هريرة وجابرٌ وزيد بن خالدٍ (الصَّائِمَ مِنْ غَيْرِهِ)

стр. 4297

أي (١): ولا السِّواك اليابس من غيره، وهذا على طريقة المؤلِّف في أنَّ المطلق يُسلَك به (٢) مسلك العموم، أو أنَّ العامَّ في الأشخاص عامٌّ في الأحوال. (وَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ ممَّا وصله أحمد والنَّسائيُّ وابنا (٣) خزيمة وحبَّان (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : السِّوَاك مِطْهَرَةٌ لِلْفَمِ) بفتح الميم وكسرها مصدرٌ ميميٌّ، يحتمل أن يكون بمعنى الفاعل، أي: مطهِّرٌ للفم، أو بمعنى الآلة (مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ) بفتح الميم مصدرٌ ميميٌّ؛ بمعنى: الرِّضا، قال المظهريُّ: ويجوز أن يكون بمعنى المفعول، أي: مرضيٌّ للرَّبِّ، وقال الطِّيبيُّ: يمكن أن يُقال: إنَّها مثل: «الولد مبخلةٌ مجبنةٌ» أي: السِّواك مظنَّةٌ للطَّهارة والرِّضا، أي: يحمل السِّواك الرَّجل على الطَّهارة ورضا الرَّبِّ، وعطف «مرضاة» يحتمل التَّرتيب بأن تكون الطَّهارة به علَّةً للرِّضا، وأن يكونا مستقلَّين في العلِّيَّة (٤). (وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ، ممَّا وصله سعيد بن منصور (وَقَتَادَةُ) بن دعامة ممَّا وصله عبد بن حُميدٍ في «التَّفسير» عن ابن جريجٍ عنه: (يَبْتَلِعُ رِيقَهُ) بتاءٍ مُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ بعد المُوحَّدة من «باب الافتعال»، قال في «الفتح»: وللمُستملي: «يبلع» بغير مُثنَّاةٍ، أي: من البلع، وللحَمُّويي: «يتبلَّع» بتقديم المُثنَّاة على الموحَّدة وتشديد اللَّام مفتوحةً من باب «التَّفعُّل» الدَّالِّ على التَّكلُّف، وقد وقع في رواية غير أبي ذرٍّ في هذه التَّعاليق تقديمٌ وتأخيرٌ، وعلى هذا التَّرتيب مُشِي في الأصل وفرعه (٥) إلَّا أنَّه رُقِم على قوله: «وقال أبو هريرة» ميمٌ مع علامة أبي ذرٍّ، ثمَّ كذلك على قوله: «وقالت عائشة»، وذلك علامة التَّقديم والتَّأخير، فليُعلَم.

стр. 4298

١٩٣٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزيُّ، قال (١): (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بميمين مفتوحتين بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ ابن راشدٍ الأزديُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ) اللَّيثيِّ المدنيِّ نزيل الشَّام (٢) (عَنْ حُمْرَانَ) بضمِّ الحاء المهملة وسكون الميم ابن أبان مولى عثمان بن عفَّان أنَّه قال: (رَأَيْتُ عُثْمَانَ ﵁ تَوَضَّأَ) وضوءًا كاملًا جامعًا للسُّنن كالمضمضة والاستنشاق والسِّواك (فَأَفْرَغَ) الفاء للتَّفسير، أي: صبَّ (عَلَى يَدَيْهِ) إفراغًا (ثَلَاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر في نسخةٍ: «ثمَّ مضمض» بحذف التَّاء (وَاسْتَنْثَرَ) أي: أخرج الماء من أنفه بعد الاستنشاق (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ) غسلًا (ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ اليُمْنَى إِلَى) أي: مع (المَِرْفَِقِ) بفتح الميم وكسر الفاء وبالعكس، غسلًا (ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ اليُسْرَى إِلَى) أي: مع (المَِرْفَِقِ) غسلًا (ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ) هل الباء للتَّبعيض أو الاستعانة أو غير ذلك؟ خلافٌ مشهورٌ يترتَّب عليه ما مرَّ في الوضوء من كون الواجب مسح الكلِّ أو البعض، ولأبي ذرٍّ: «ثمَّ مسح رأسه» بحذف الباء، ولم يذكر في المسح تثليثًا، وهو مذهب الأئمَّة الثَّلاثة، واحتجَّ الشَّافعيُّ بحديث أبي داود عن عثمان: أنَّه ﷺ مسح برأسه ثلاثًا (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ (٣) اليُمْنَى) غسلًا (ثَلَاثًا، ثُمَّ) غسل رجله (اليُسْرَى) غسلًا (ثَلَاثًا) وحذف: «غسل رجله»؛ لدلالة السَّابق (٤) عليه (ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ) وضوءًا (نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا) وعند

стр. 4299

المؤلِّف في «الرِّقاق» [خ¦٦٤٣٣] «مثل وضوئي» وهو ينفي ما قرَّره النَّوويُّ من التَّفرقة بين «مثل» و «نحو»، وسبق مبحث ذلك في الوضوء (ثُمَّ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) وفي «الوضوء» [خ¦١٥٩] صلَّى بلفظ الماضي (لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ) من باب التَّفعُّل (١) المقتضي للتَّكسُّب من حديث النَّفس، وهذا دفعه ممكنٌ؛ بخلاف ما يهجم فإنَّه معفوٌّ عنه لتعذُّره (٢) (فِيهِمَا) أي: في (٣) الرَّكعتين (بِشَيْءٍ) وفي «مسند أحمد» والطَّبرانيِّ في (٤) «الأوسط»: «لا يحدِّث نفسه (٥) فيهما إلَّا بخيرٍ» أي: كمعاني المتلوِّ من القرآن والذِّكر والدُّعاء الحاضر من نفسه أو إمامه، أمَّا فيما لا يتعلَّق بالصَّلاة أو لا يتعلَّق بقراءةٍ أو ذكرٍ أو دعاءٍ حاضرٍ بل في الجملة فلا؛ كما قرَّره ابن عبد السَّلام وغيره، وفي بعض الرِّوايات -كما عند التِّرمذيِّ الحكيم في «كتاب الصَّلاة» له-: «لا يحدِّث فيهما نفسه بشيءٍ من الدُّنيا» (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) من الصَّغائر، وهذا الحديث ليس فيه شيءٌ من أحكام الصِّيام، لكن أدخله في هذا الباب لمعنًى لطيفٍ؛ وذلك أنَّه أخذ شرعيَّة السِّواك للصَّائم بالدَّليل الخاصِّ، ثمَّ انتزعه من الأدلَّة (٦) العامَّة التي تناولت أحوال متناول السِّواك، وأحوال عود السِّواك من رطوبةٍ ويبوسةٍ، ثمَّ انتزع ذلك من أعمَّ من ذلك وهو المضمضة؛ إذ هي أبلغ من السِّواك الرَّطب، وأصل هذا الانتزاع لابن سيرين حين (٧) قال

стр. 4300

محتجًّا على السِّواك الأخضر: والماء له طعمٌ. انتهى. وقد كره مالكٌ الاستياك بالرَّطب للصَّائم لِمَا يتحلَّل منه، والشَّافعيُّ وأحمد: بعد الزَّوال قال ابن دقيق العيد في ذلك (١): ويحتاج إلى دليلٍ خاصٍّ بهذا الوقت يخصُّ به عموم حديث «الصَّحيحين» [خ¦٨٨٧] «عند كلِّ صلاةٍ»، ورواية النَّسائيِّ وغيره: «عند كلِّ وضوءٍ»، وهو حديث الخُلُوف، وعبارة الشَّافعيِّ: أحبُّ السِّواك عند كلِّ وضوءٍ باللَّيل والنَّهار إلَّا أنِّي أكرهه للصَّائم آخر النَّهار من أجل الحديث [خ¦١٨٩٤] في خُلُوف فم (٢) الصَّائم. انتهى. وليس في هذه العبارة تقييدُ ذلك بالزَّوال فلذا قال الماورديُّ: لم يحدَّ الشَّافعيُّ الكراهة بالزَّوال، وإنَّما ذكر العشيَّ، فحدَّه الأصحاب بالزَّوال. انتهى. واسم العشيِّ صادقٌ بدخول أوَّل النِّصف الأخير من النَّهار، وقيل: لا يُؤقَّت بحدٍّ معيَّنٍ، بل يترَك متى عرف أنَّ تغيُّر فمه ناشئٌ عن الصِّيام، وذلك يختلف باختلاف أحوال النَّاس، وباختلاف بُعْدِ عهده عن الطَّعام (٣) وقرب عهده به لكونه لم يتسحَّر أو تسحَّر، وفرَّق بعض أصحابنا بين الفرض والنَّفل، فكرهه في الفرض بعد الزَّوال، ولم يكرهه في النَّفل لأنَّه أبعد من الرِّياء، وقد أخذ مالكٌ وأبو حنيفة بعموم الحديث استحبابه للصَّائم قبل الزَّوال وبعده، وقال النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب»: إنَّه المختار، وقال بعضهم: السِّواك مطهرةٌ للفم فلا يُكرَه كالمضمضة للصَّائم، لا سيَّما وهي رائحةٌ تتأذَّى بها الملائكة، فلا تُترَك هنالك، وأمَّا الخبر ففائدته عظيمةٌ بديعةٌ؛ وهي أنَّ النَّبيَّ ﷺ إنَّما مدح الخُلُوف نهيًا للنَّاس عن تقذُّر مكالمة الصَّائمين (٤) بسبب الخلوف، لا نهيًا للصُّوَّام عن السِّواك، والله غنيٌّ عن وصول الرَّائحة الطَّيِّبة إليه، فعلمنا يقينًا أنَّه لم يُرِد بالنَّهي استبقاء الرَّائحة، وإنَّما أراد نهيَ النَّاس عن كراهتها، قال: وهذا التَّأويل أَوْلى لأنَّ فيه إكرامًا للصَّائم (٥)، ولا تعرُّض فيه للسِّواك فيُذكَر أو يُتأوَّل. وحديث الباب قد سبق في «باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا» [خ¦١٥٩].

стр. 4301

(٢٨) (بابُ) ما جاء في (قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : إِذَا تَوَضَّأَ) أحدكم (فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرِهِ المَاءَ) بفتح الميم وكسر الخاء، وقد تُكسَر الميم إتباعًا للخاء، وهذا طرفٌ من حديثٍ أخرجه مسلمٌ، قال المؤلِّف: (وَلَمْ يُمَيِّزْ) ﵊ في حديث مسلمٍ المذكور (بَيْنَ الصَّائِمِ وَغَيْرِهِ) بل ذكره على العموم، ولو كان بينهما فرقٌ لميَّزه ﵊، نعم وقع في حديث عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه التَّمييزُ بين الصَّائم وغيره، ولفظه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال له: «بَالِغْ في الاستنشاق إلَّا أن تكون صائمًا» رواه أصحاب «السُّنن»، وصحَّحه ابن خزيمة (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ ممَّا وصله ابن أبي شيبة بنحوه: (لَا بَأْسَ بِالسَّعُوطِ) بفتح السِّين وقد تُضَمُّ: ما يُصَبُّ من الدَّواء في الأنف (١) (لِلصَّائِمِ إِنْ لَمْ يَصِلْ) أي: السَّعوط (إِلَى حَلْقِهِ) أو ما يُسمَّى جوفًا، فإن وصل أفطر وقضى يومًا (وَيَكْتَحِلُ) أي: الصَّائم، وهو من كلام الحسن. (وَقَالَ عَطَاءٌ) ممَّا وصله سعيد بن منصورٍ: (إِنْ تَمَضْمَضَ) الصَّائم (ثُمَّ أَفْرَغَ مَا فِي فِيهِ مِنَ المَاءِ لَا يَضِيرُهُ) (٢) بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ بعد الضَّاد المعجمة المكسورة، من: ضاره يضيره ضيرًا؛ بمعنى: ضرَّه، ولابن عساكر: «لم» بدل «لا»، ولابن عساكر في نسخةٍ وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «لا يضرُّه» من «ضرَّه» بالتَّشديد (إِنْ لَمْ يَزْدَرِدْ) أي: لم (٣) يبلع (٤) (رِيقَهُ) وهذا يقتضي أنَّه إن (٥) ازدرده ضرَّ، وفيه نظرٌ لأنَّه بعد الإفراغ يصير الرِّيق خالصًا ولا فطر به، ولأبي الوقت: «لا يَضِيرُه أَن يزدردَ ريقه» فأسقط «لم» وفتح الهمزة ونصب (٦) «يزدردَ» أي: لا يضرُّه أن يبتلع ريقه

стр. 4302

خاصَّةً (١) لأنَّه لا ماء فيه بعد تفريغه له؛ ولذا قال: (وَمَاذَا) أي: وأي شيءٍ (بَقِيَ فِي فِيهِ؟) في فمه بعد أن يمجَّ الماء إلَّا أثر الماء؟ فإذا بلع ريقه لم (٢) يضرَّه، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر -كما في الفرع-: «وما بقي» فأسقط لفظة «ذا» وحينئذٍ فـ «ما» موصولةٌ، ولفظة: «ذا» ثابتةٌ عند سعيد بن منصورٍ وعبد الرَّزَّاق (٣)، قال في «الفتح»: ووقع في أصل «البخاريِّ»: «وما بقي» أي: بإسقاط: «ذا» قال ابن بطَّالٍ: وظاهره إباحة الازدراد لما بقي في الفم من ماء المضمضة، وليس كذلك لأنَّ عبد الرَّزَّاق رواه بلفظ: «وماذا بقي»، فكأنَّ «ذا» سقطت من رواية البخاريِّ. انتهى. ولعلَّه لم يقف على الرِّواية المثبتة لها. (وَلَا يَمْضُغُ) أي: لا يلوك الصَّائم (العِلْكَ) بكسر العين المهملة وسكون اللَّام؛ كالمُصْطَكَى، وقوله: «يمضُغ» بفتح الضَّاد وضمِّها، وبالفتح عند أبي ذرٍّ، وللمُستملي -كما في «الفتح» - ولابن عساكر -كما في الفرع-: «ويمضغ العلك» بإسقاط: «لا»، والرِّواية الأولى أَولى (فَإِنِ ازْدَرَدَ رِيقَ) فمه مع ما تحلَّب من (العِلْكِ لَا أَقُولُ: إِنَّهُ يُفْطِرُ، وَلَكِنْ يُنْهَى عَنْهُ) عند (٤) الجمهور وبه قال الشَّافعيُّ: إنَّه إن تحلَّب (٥) منه شيءٌ فازدرده أفطر، ورخَّص الأكثرون في الذي لا يتحلَّب منه شيءٌ، نعم كرهه الشَّافعيُّ من جهة كونه يجفِّف ويعطِّش (فَإِنِ اسْتَنْثَرَ) أي: استنشق في الوضوء (فَدَخَلَ المَاءُ حَلْقَهُ لَا بَأْسَ) لأنَّه (٦) (لَمْ يَمْلِكْ) منع دخول الماء في حلقه، وسقط في رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر قوله: «فإن استنثر … » إلى آخره.

стр. 4303

(٢٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا جَامَعَ) الصَّائم (فِي) نهار شهر (رَمَضَانَ) عامدًا وجبت عليه الكفَّارة (وَيُذْكَرُ) بضمِّ الياء مبنيًّا للمفعول (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) حال كونه (رَفَعَهُ) أي: الحديث الآتي إلى النَّبيِّ ﷺ وهو: (مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ) ولأبي ذرٍّ: «من غير علَّةٍ» (وَلَا مَرَضٍ لَمْ يَقْضِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ) قال المظهريُّ: يعني: لم يجد فضيلة الصَّوم المفروض بصوم النَّافلة، وليس معناه: أنَّ صيام الدَّهر بنيَّة قضاء يومٍ من رمضان لا يسقط عنه قضاء ذلك اليوم، بل يجزئه قضاء يومٍ بدلًا عن يومٍ، وقال شارح «المشكاة»: هو من باب التَّشديد والمبالغة ولذلك أكَّده بقوله: (وَإِنْ صَامَهُ) حقَّ الصِّيام ولم يقصِّر فيه وبذل جهده وطاقته، وزاد في المبالغة (١) حيث أسند القضاء إلى الصَّوم إسنادًا مجازيًّا، وأضاف الصَّوم إلى الدَّهر؛ إجراءً للظَّرف مجرى المفعول به؛ إذ الأصل: لم يقضِ هو في الدَّهر إذا صامه، وقال ابن المُنيِّر: يعني: أنَّ القضاء لا يقوم مقام الأداء ولو صام عوض اليوم دهرًا، ويُقال بموجبه: فإنَّ الإثم لا يسقط بالقضاء، ولا سبيل إلى اشتراك (٢) القضاء والأداء في كمال (٣) الفضيلة، فقوله: «لم يقضه صيام الدَّهر» أي: في وصفه الخاصِّ به؛ وهو الكمال وإن كان يقضي عنه في وصفه العامِّ المنحطِّ عن كمال الأداء، هذا هو اللَّائق بمعنى الحديث، ولا يُحمَل على نفي القضاء بالكلِّيَّة، ولا تُعهَد عبادةٌ واجبةٌ مُؤقَّتةٌ لا تقبل القضاء إلَّا الجمعة لأنَّها لا تجتمع بشروطها إلَّا في يومها وقد فات، أو في مثله وقد اشتغلت الذِّمَّة بالحاضرة فلا تسع الماضية. انتهى. قال في «فتح الباري»: ولا يخفى تكلُّفه، وسياق أثر ابن مسعودٍ الآتي -إن شاء الله تعالى- (٤) يردُّ هذا التَّأويل، وهذا الحديث قد وصله أصحاب «السُّنن الأربعة»،

стр. 4304

وصحَّحه ابن خزيمة من طريق سفيان الثَّوريِّ وشعبة، كلاهما عن حبيب بن أبي ثابتٍ عن عمارة بن عميرٍ عن أبي المُطَوَّس -بضمِّ الميم وفتح المهملة وتشديد الواو المفتوحة- عن أبيه عن أبي هريرة نحوه، قال التِّرمذيُّ: سألت محمَّدًا -يعني: البخاريَّ- عن هذا الحديث فقال: أبو المُطوَّس: اسمه يزيد بن المُطَوَّس، لا أعرف (١) له غير هذا الحديث، وقال في «التَّاريخ» أيضًا: تفرَّد أبو المُطَوَّس بهذا الحديث، ولا أدري سمع أبوه من أبي هريرة أم لا. انتهى. واختُلِف فيه على حبيب بن أبي ثابتٍ اختلافًا كثيرًا، فحصلت فيه ثلاث عللٍ: الاضطراب، والجهل بحال أبي المُطَوَّس، والشَّكُّ في سماع أبيه من أبي هريرة (وَبِهِ) أي: بما دلَّ عليه حديث أبي هريرة (قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ) ﵁ ممَّا وصله البيهقيُّ من طريق المغيرة بن عبد الله اليشكريِّ قال: حُدِّثْتُ أنَّ عبد الله بن مسعودٍ قال: «من أفطر يومًا من رمضان من غير علَّةٍ لم يجزه صيام الدَّهر حتَّى يلقى الله، فإن شاء غفر له، وإن شاء عذَّبه». وذكر (٢) ابن حزمٍ من طريق ابن المبارك بإسنادٍ له فيه انقطاعٌ: أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيق قال لعمر بن الخطَّاب فيما أوصاه به: من صام شهر رمضان في غيره لم يُقبَل منه ولو صام الدَّهر أجمع (وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) التَّابعيُّ، فيما وصله مُسدَّدٌ وغيره عنه في قصَّة المُجامِعِ (وَالشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل ممَّا وصله ابن أبي شيبة (وَابْنُ جُبَيْرٍ) سعيدٌ، ممَّا وصله ابن أبي شيبة أيضًا (٣) (وَإِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ ممَّا وصله ابن أبي شيبة أيضًا (وَقَتَادَةُ) بن دعامة ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق (وَحَمَّادٌ) هو ابن أبي سليمان، ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عن أبي حنيفة عنه: (يَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ). ١٩٣٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ) بضمِّ الميم وكسر النُّون الزَّاهد، أنَّه (سَمِعَ يَزِيدَ

стр. 4305

بْنَ هَارُونَ) من الزِّيادة، أبا خالدٍ يقول: (حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: «أخبرنا» (يَحْيَى -هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ-) أي (١): الأنصاريُّ (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ القَاسِمِ) بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁ (أَخْبَرَهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) أنَّه (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: إِنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ¬) قيل: الرَّجل هو سلمة بن صخرٍ، رواه ابن أبي شيبة وابن الجارود، وبه جزم عبد الغنيِّ، وانتُقِد بأنَّ ذلك (٢) هو المُظاهِر في رمضان أتى أهله في اللَّيل (٣) لمَّا رأى خلخالًا لها في القمر، وفي «تمهيد» ابن عبد البرِّ عن ابن المُسيَّب أنَّ المُجامِع في رمضان سلمان بن صخرٍ أحد بني بَيَاضة، قال: وأظنُّه وهمًا أتى من الرُّواة، أي: لأنَّ ذلك إنَّما هو في المُظاهِر، وأمَّا المُجامِع فأعرابيٌّ، فهما واقعتان، فإنَّ في قصَّة المُجامِع في حديث الباب أنَّه كان صائمًا، وفي قصَّة سلمة بن صخرٍ (٤): أنَّ ذلك كان ليلًا-كما عند التِّرمذيِّ- فافترقا، واجتماعهما في (٥) كونهما من بني بَيَاضَة، وفي صفة الكفَّارة وكونها مرتَّبةً، وفي كون كلٍّ منهما كان لا يقدر على شيءٍ من خصالها كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- لا يقتضي اتِّحاد القصَّتين (فَقَالَ) أي: الرَّجل له ﵊: (إِنَّهُ احْتَرَقَ) أطلق على نفسه أنَّه احترق لاعتقاده أنَّ مرتكب الإثم يُعذَّب بالنَّار، فهو مجازٌ عن العصيان، أو المراد: أنَّه يحترق يوم القيامة، فجعل المُتوقَّع كالواقع، وعبَّر عنه بالماضي، ورواية الاحتراق هذه تفسِّر (٦) رواية الهلاك الآتية -إن شاء الله تعالى- في الباب اللَّاحق [خ¦١٩٣٦] وفي رواية البيهقيِّ: جاء رجلٌ وهو ينتف شعره ويدقُّ صدره ويقول: هلك الأبعد (قَالَ) له ﵊: (مَا لَكَ؟) بفتح اللَّام، أي: ما شأنك؟ (قَالَ: أَصَبْتُ أَهْلِي) أي: جامعت زوجتي (فِي رَمَضَانَ) ولابن عساكر: «في نهار

стр. 4306

رمضان» (فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بضمِّ الهمزة وكسر التَّاء مبنيًّا للمفعول (بِمِكْتَلٍ) بكسر الميم وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة: شبه الزِّنبيل يسع خمسة عشر صاعًا (يُدْعَى العَرَْقَ) بفتح الرَّاء وقد تُسكَّن؛ وهو ما نُسِج من الخوص فيه تمرٌ (فَقَالَ) ﵊: (أَيْنَ المُحْتَرِقُ؟) أثبت له ﵊ وصف الاحتراق إشارةً إلى أنَّه لو أصرَّ على ذلك لاستحق ذلك (قَالَ) الرَّجل: (أَنَا، قَالَ) ﵊: (تَصَدَّقْ بِهَذَا) المكتل على ستِّين مسكينًا -كما في باقي الرِّوايات- لكلِّ مسكينٍ مدٌّ، وهو ربع صاعٍ، وهذا إنَّما هو بعد العجز عن العتق وصيام الشَّهرين، فقد روى هذا الحديث عبد الرحمن بن الحارث عن محمَّد بن جعفر بن الزُّبير بهذا الإسناد، ولفظه (١): كان النَّبيُّ ﷺ جالسًا (٢) في ظلِّ فارعٍ -بالفاء والمهملة- فجاءه رجلٌ من بني بَيَاضَة فقال: احترقتُ؛ وقعت بامرأتي في رمضان، فقال: «أعتق رقبةً»، قال: لا أجدها، قال: «أطعم ستِّين مسكينًا»، قال: ليس عندي … الحديثَ، أخرجه أبو داود، ووقع هنا مختصرًا، وفيه: وجوب الكفَّارة على المُجامِع عمدًا لأنَّه ﷺ قال: أين المحترق؟ وقد خرج بالعمد: مَنْ جامع ناسيًا أو مكرهًا أو جاهلًا، وبقوله: «في رمضان»: غيره؛ كقضاءٍ ونذرٍ وتطوُّعٍ لورود النَّصِّ في رمضان، وهو مختصٌّ بفضائل لا يشركه (٣) فيها غيره، وبالجماع: غيرُه؛ كالاستمناء والأكل والشُّرب لورود النَّصِّ في الجماع، وهو أغلظ من غيره، وأوجب بعض المالكيَّة والحنابلة الكفَّارة على النَّاسي متمسِّكين بترك استفساره ﵊ عن جِماعه هل كان عن عمدٍ أو عن نسيانٍ؟ وتركه الاستفصال في الفعل ينزل (٤) منزلة العموم في المقال، وأجيب بأنَّه قد تبيَّن الحال من قوله: احترقت وهلكت، فدلَّ على أنَّه كان عامدًا عالمًا بالتَّحريم، واستدلَّ أيضًا (٥) بحديث الباب لمالكٍ؛ حيث جزم في كفَّارة الجماع في رمضان بالإطعام دون غيره، ولا حجَّة فيه لأنَّ الحديث مختصرٌ من المُطوَّل، والقصَّة واحدةٌ، وقد

стр. 4307

حفظها أبو هريرة وقصَّها على وجهها، وأوردها بعض الرُّواة مختصرةً عن عائشة، وقد رواها (١) عبد الرَّحمن بن الحارث بتمامها كما تقدَّم، ومن حفظ حجَّةٌ على من لم يحفظ. وفي هذا الحديث (٢): التَّحديث والإخبار والسَّماع، وأربعةٌ من التَّابعين: يحيى وعبد الرَّحمن ومحمَّد بن جعفرٍ وعبَّادٌ، وأخرجه أيضًا في «المحاربين» [خ¦٦٨٢٢]، ومسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ. (٣٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا جَامَعَ) الصَّائم (فِي) نهار شهر (رَمَضَانَ وَ) الحال أنَّه (لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ) يعتق به، ولا يستطيع الصَّوم، ولا شيءٌ يتصدَّق به (فَتُصُدِّقَ عَلَيهِ) بقدر ما يجزئه (فَلْيُكَفِّرْ) به لأنَّه صار واجدًا. ١٩٣٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو (٣) ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ) ولأبي الوقت -كما

стр. 4308

في الفرع، ونسبها في «فتح الباري» للكُشْمِيْهَنِيِّ-: «مع» (النَّبِيِّ (١) ﷺ ¬) وقوله: «بينما» بالميم، وتُضَاف إلى الجملة الاسميَّة والفعليَّة، وتحتاج إلى جوابٍ يتمُّ به المعنى، والأفصح في جوابها ألَّا يكون فيه «إذ» و «إذا»، ولكن كثر مجيئها كذلك، ومنه قوله هنا: (إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ) سبق في الباب قبله [خ¦١٩٣٥] أنَّه قيل: إنَّه (٢) سلمة بن صخرٍ، أو سلمان بن صخرٍ، أو أعرابيٌّ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ هَلَكْتُ) وفي بعض طرق هذا الحديث: هلكت وأهلكت، أي: فعلت ما هو سببٌ لهلاكي (٣) وهلاك غيري، وهو (٤) زوجته التي وطئها (قَالَ) ﵊ له: (مَا لَكَ؟) بفتح اللَّام، و «ما»: استفهاميَّةٌ، محلُّها رفعٌ بالابتداء، أي: أيُّ شيءٍ كائنٌ لك أو حاصلٌ لك، ولابن أبي حفصة عند أحمد: «وما الذي أهلكك؟» وفي رواية عقيلٍ عند ابن خزيمة: «ويحك؛ ما شأنك؟» (٥) (قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي) وفي رواية ابن إسحاق عند البزَّار: أصبت أهلي، وفي حديث عائشة: وطئت امرأتي (وَأَنَا) أي: والحال أنِّي (صَائِمٌ) قال في «فتح الباري»: يُؤخَذ منه: أنَّه لا يُشتَرط في إطلاق اسم المشتقِّ بقاء المعنى المشتقِّ منه حقيقةً لاستحالة كونه صائمًا مجامعًا في حالةٍ واحدةٍ، فعلى هذا قوله: «وطئت» أي: شرعت في الوطء، أو أراد: جامعت بعد إذ أنا صائمٌ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟) أي: تقدر، فالمراد: الوجود الشَّرعيُّ ليدخل فيه القدرة بالشِّراء (٦) ونحوه، ويخرج عنه مالك الرَّقبة المحتاج إليها بطريقٍ مُعتَبرٍ شرعًا، وفي رواية ابن أبي حفصة عند أحمد: «أتستطيع أن تعتق رقبةً؟» (قَالَ) الرَّجل: (لَا) أجد رقبةً، وفي رواية ابن إسحاق: ليس عندي، وفي رواية (٧) ابن مسافرٍ عند الطَّحاويِّ: فقال: لا والله يا رسول الله، وفي حديث ابن عمر: فقال: والذي بعثك بالحقِّ ما ملكت رقبةً قطُّ (قَالَ) ﵊: (فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟

стр. 4309

قَالَ: لَا) وفي حديث سعدٍ (١): قال: لا أقدر، وفي رواية ابن إسحاق عند البزَّار: «وهل لقيت ما لقيت إلَّا من الصِّيام؟!» (فَقَالَ) ﵊، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «قال»: (فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا) والمسكين مأخوذٌ من السُّكون لأنَّ المُعدَم ساكن الحال عن أمور الدُّنيا، والمراد بالمسكين هنا: أعمُّ من الفقير لأنَّ كلًّا منهما حيث أُفرِد يشمل الآخر، وإنَّما يفترقان عند اجتماعهما نحو: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] والخلاف في معناهما حينئذٍ معروفٌ، قال ابن دقيق العيد: قوله: «إطعام ستِّين مسكينًا» يدلُّ على وجوب إطعام هذا العدد لأنَّه أضاف الإطعام الذي هو مصدرُ «أطعم» إلى «ستِّين»، فلا يكون ذلك موجودًا في حقِّ من أطعم عشرين مسكينًا ثلاثة أيَّامٍ مثلًا، ومن أجاز ذلك فكأنَّه استنبط من النَّصِّ معنًى يعود عليه بالإبطال، والمشهور عن الحنفيَّة الإجزاء حتَّى لو أطعم الجميع مسكينًا واحدًا في ستِّين يومًا كفى. انتهى. وفي رواية ابن أبي حفصة: أفتستطيع أن تطعم ستِّين مسكينًا؟ وفي حديث ابن عمر: قال: والذي بعثك بالحقِّ ما أُشْبِع أهلي، والحكمة في ترتيب هذه الكفَّارة على ما ذُكِر أنَّ (٢) من انتهك حرمة الصَّوم بالجماع فقد أهلك نفسه بالمعصية، فناسب أن يعتق رقبةً فيفدي نفسه، وقد صحَّ [خ¦٦٧١٥] «من أعتق رقبةً أعتق الله بكلِّ عضوٍ منها عضوًا منه من النَّار»، وأمَّا الصِّيام فإنَّه كالمقاصَّة بجنس الجناية، وكونه شهرين لأنَّه لمَّا أُمِرَ بمُصابرة النَّفس في حفظ كلِّ يومٍ من شهرٍ على الولاء، فلمَّا أفسد منه يومًا كان كمن أفسد الشَّهر كلَّه؛ من حيث إنَّه عبادةٌ واحدةٌ بالنَّوع، وكُلِّف بشهرين مضاعفةً على سبيل المقابلة لنقيض قصده، وأمَّا الإطعام فمناسبته ظاهرةٌ لأنَّه مقابلةُ كلِّ يومٍ بإطعام (٣) مسكينٍ، وإذا ثبتت هذه الخصال الثَّلاث في هذه الكفَّارة فهل هي على التَّرتيب أو على التَّخيير؟ قال البيضاويُّ: رتَّب الثَّاني بالفاء على فقد الأوَّل، ثمَّ الثَّالث بالفاء على فقد الثَّاني، فدلَّ على عدم التَّخيير مع كونها في معرض البيان وجواب السُّؤال، فينزل منزلة الشَّرط للحكم، وقال مالكٌ بالتَّخيير.

стр. 4310

(قَالَ) أي (١): أبو هريرة: (فَمَكَُثَ) بضمِّ الكاف وفتحها (٢) (النَّبِيُّ ﷺ ¬) وفي رواية ابن عيينة: فقال له النَّبيُّ ﷺ : «اجلس»، قيل: وإنَّما أمره بالجلوس لانتظار الوحي في حقِّه، أو كان عرف أنَّه سيُؤتَى بشيءٍ يعينه به (فَبَيْنَا) بغير ميمٍ (نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ) وجواب «بينا» قوله: (أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، ولم يُسَمَّ الآتي، لكن عند المؤلِّف في «الكفَّارات» [خ¦٦٧١٠]: «فجاء رجلٌ من الأنصار» (بِعَرَقٍ) بفتح العين والرَّاء (فِيه تَمْرٌ) ولأبي ذرٍّ: «فيها» بالتَّأنيث على معنى القُفَّة، قال القاضي عياضٌ: المِكْتَل والقفَّة والزِّنبيل سواءٌ، وزاد ابن أبي حفصة: فيه خمسة عشر صاعًا، وفي حديث عائشة عند ابن خزيمة: فأتى بعرقٍ فيه عشرون صاعًا، وفي مُرسَل عطاءٍ عند مُسدَّدٍ: فأَمَرَ له ببعضه، وهو يجمع بين الرِّوايات؛ فمن قال: عشرين أراد أصل ما كان فيه، ومن قال: خمسة عشر أراد قدر ما تقع به الكفَّارة، قال أبو هريرة أو الزُّهريُّ أو غيره: (-وَالعَرَقُ: المِكْتَلُ-) بكسر الميم وفتح الفوقيَّة: الزِّنبيل الكبير يسع خمسة عشر صاعًا (قَالَ) ﵊، ولابن عساكر: «فقال»: (أَيْنَ السَّائِلُ؟) زاد ابن مسافرٍ: آنفًا، وسمَّاه سائلًا لأنَّ كلامه متضمِّنٌ للسُّؤال، فإنَّ مراده: هلكت فما ينجيني؟ أو ما يخلِّصني مثلًا؟ (فَقَالَ) الرَّجل: (أَنَا، قَالَ: خُذْهَا) أي: القفَّة (فَتَصَدَّقْ بِهِ) أي: بالتَّمر الذي فيها، ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «خذ هذا، فتصدَّق به» (فَقَالَ الرَّجُلُ): أتصدَّق به (٣) (أَعَلَى) شخصٍ (أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللهِ؟!) بالاستفهام التَّعجبيِّ، وحذف الفعل لدلالة: «تصدَّق به» عليه، وفي حديث ابن عمر عند البزَّار والطَّبرانيِّ: إلى من أدفعه؟ قال (٤):
следующие страницы →