← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

البيت، فالبيت بالنَّظر إلى مجموعه شيءٌ واحدٌ، وبالنَّظر إلى أفراده أشياءُ، وأيضًا: فبالنَّظر إلى أسِّه وأركانه: الأسُّ أصلٌ والأركان تَبَعٌ وتكملةٌ له (١)، والله سبحانه الموفِّق. ومن لطائف إسناد هذا الحديث: جمعه للتَّحديث والإخبار والعنعنة، وكلُّ رجاله مَكِّيُّون إلَّا عبيد الله فإنَّه كوفيٌّ، وهو من الرُّباعيَّات، وأخرج متنه المؤلِّف أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٥١٤]، ومسلمٌ في «الإيمان» خماسيَّ الإسناد. انتهى. (٣) هذا (باب أُمُورِ الإِيمَانِ) بالإضافة البيانيَّة؛ لأنَّ المُرَاد بيان الأمور التي هي الإيمان؛ لأنَّ الأعمال عند المؤلِّف هي الإيمان، أو بمعنى: «اللَّام» أي: باب الأمور الثَّابتة للإيمان في تحقيق حقيقته وتكميل ذاته، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «أمرُ الإيمان» بالإفراد على إرادة الجنس (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على «أمورِ (٢)» وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: « » بدل قوله «تعالى»: (﴿لَّيْسَ الْبِرَّ﴾) وهو اسمٌ لكلِّ خيرٍ وفعلٍ مَرْضِيٍّ (﴿أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾) قال القاضي ناصر الدِّين البيضاويُّ: أي: ليس البرُّ مقصورًا على أمر القبلة، أو

стр. 457

ليس البِرُّ ما أنتم عليه؛ فإنَّه منسوخٌ (﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾) الذي ينبغي أن يُهتَمَّ به (﴿مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ﴾) القرآنِ أو أعمَّ (﴿وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾) تعالى أو حبِّ المال (﴿ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾) المحاويج منهم، ولم يقيِّده لعدم الإلباس (﴿وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾) المسافر أو الضَّيف (﴿وَالسَّآئِلِينَ﴾) أي: الذين ألجأَتْهمُ الحاجة إلى السُّؤال (﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾) أي: تخليصها بمعاونة المُكاتَبين، أو فكِّ الأسارى، أو ابتياع الرِّقاب لعتقها (﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾) المفروضتين، والمُرَاد بـ ﴿وَآتَى الْمَالَ﴾ بيانُ مصارِفِها (﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ﴾) عطفٌ على ﴿مَنْ آمَنَ﴾ (﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء﴾) نُصِبَ على المدح، ولم يُعطَف لفضل الصَّبر على سائر الأعمال، وعن الأزهريِّ (١): ﴿الْبَأْسَاء﴾ في الأموال؛ كالفقر، و ﴿والضَّرَّاء﴾ في الأنفس؛ كالمرض (﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾) وقتَ مجاهدة العدوِّ (﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾) في الدِّين واتِّباع الحقِّ وطلب البِرِّ (﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]) عن الكفر وسائر الرَّذائل، والآية -كما ترى- جامعةٌ للكمالات الإنسانيَّة بأَسْرِها، دالَّةٌ عليها صريحًا أو ضمنًا، فإنَّها (٢) بكثرتها وتشعُّبها منحصرةٌ في ثلاثةِ أشياءَ: صِحَّةِ الاعتقادِ، وحُسنِ المُعاشَرَةِ، وتهذيبِ النَّفسِ، وقد أُشِير إلى الأوَّل بقوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ … إلى: ﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾ وإلى الثَّاني بقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ﴾ … إلى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ وإلى الثَّالث بقوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ﴾ … إلى آخرها؛ ولذلك وُصِفَ المُستجمِع لها بالصِّدق نظرًا إلى إيمانه واعتقاده، وبالتَّقوى اعتبارًا لمُعاشرَته للخَلْق ومُعاملَته مع الحقِّ، وإليه أشار ﵊ بقوله: «مَنْ عمل بهذه الآية فقدِ استكمل الإيمان»، وهذا وجه استدلال المؤلِّف بهذه الآية ومُناسبَتها لتبويبه، وفي حديث أبي ذَرٍّ عند عبد الرَّزَّاق بسندٍ رجالُهُ ثقاتٌ: أنَّه سأل النَّبيَّ ﷺ عن الإيمان، فتلا عليه هذه الآية، ولم يذكره المؤلِّف لأنَّه ليس على شرطه، وقد سقط في

стр. 458

رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ «﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ … » إلى آخر الآية، وسقط لابن عساكرَ «﴿وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾». ثمَّ استدلَّ المؤلِّف لذلك أيضًا بآيةٍ أخرى فقال: (﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾) أي: فاز (﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ١]) بإسقاط واو العطف لعدم الإلباس، قال في «الفتح»: ويحتمل أن يكون ساقه تفسيرًا لقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ تقديره: المتَّقون هم الموصوفون بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ وفي رواية الأَصيليِّ: «وَ ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾» بإثبات الواو، وفي رواية ابن عساكرَ: «وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾» قلت: وفيهما ردٌّ لِما قاله في «الفتح» من احتمال التَّفسير (١)، والآية يجوز فيها النَّصبُ؛ بتقدير: اقرأ، والرَّفعُ مبتدأٌ حُذِفَ خبرُه. ٩ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي: ابن جعفرٍ المُسْنَدِيُّ؛ بضمِّ الميم وسكون المُهملَة وفتح النُّون، سُمِّي به لأنَّه كان يطلب المُسنَدات، ويرغب عنِ

стр. 459

المُرسَل والمنقطع، أو كان يتحرَّى المسانيد، أو لأنَّه أوَّلُ من جمع «مُسند الصَّحابة على التَّراجم بما وراء النَّهر»، وفي رواية ابن عساكرَ: «الجعفيُّ» كما في فرع «اليونينيَّة» كهي، المُتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك بن عمرو بن قيسٍ (العَقَدِيُّ) بفتح العين المُهملَة والقاف؛ نسبةً إلى العقَد، قومٌ من قيسٍ؛ وهم بطنٌ من الأزد أو بطن من بجيلة، أو قبيلةٌ من اليمن، البصريُّ، المُتوفَّى سنة خمسٍ أو أربعٍ ومئتين (١) (قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) القرشيُّ المدنيُّ، المُتوفَّى بها سنة اثنتين وسبعين ومئةٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِيْنَارٍ) القرشيِّ العدويِّ المدنيِّ، مولى ابن عمرَ، المُتوفَّى سنة سبعٍ وعشرين ومئةٍ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان الزَّيات المدنيِّ، المُتوفَّى بها سنة إحدى ومئةٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) تصغير هِرَّةٍ؛ عبدِ الرَّحمن بن صخرٍ الدَّوسيِّ، المُختلَف في اسمه، قال النَّوويُّ: على أكثر من ثلاثين قولًا، وحمله في «الفتح» على الاختلاف في اسمه واسم أبيه معًا، المُتوفَّى بالمدينة سنة تسعٍ أو ثمانٍ أو سبعٍ وخمسين، وأسلم عام خيبر، وشهدها مع النَّبيِّ ﷺ ، ثمَّ لزمه وواظبه حتَّى كان أحفظ أصحابه، وروى عنه ﵊ فَأَكْثَرَ، ذكر بَقِيُّ بن مَخْلَدٍ أنَّه روى خمسةَ آلافِ حديثٍ وثلاث مئةٍ وأربعةً وسبعين حديثًا، وله في «البخاريِّ» أربعُ مئةٍ وستَّةٌ وأربعون حديثًا، وهذا أوَّل حديثٍ وقع له في هذا «الجامع» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬)

стр. 460

أنَّه (قَالَ: الإِيمَانُ) بالرَّفع مبتدأٌ، خبرُه: (بِضْعٌ) بكسر المُوحَّدة وقد تُفتَح، قال الفرَّاء: هو خاصٌّ بالعشرات إلى التِّسعين، فلا يُقال: بضعٌ ومئةٌ، ولا بضعٌ وألفٌ، وفي «القاموس»: هو ما بين الثَّلاث إلى التِّسع أو إلى الخمس، أو ما بين الواحد إلى أربعةٍ، أو من أربعٍ إلى تسعٍ، أو هو سبعٌ، وإذا جاوز العشرَ ذهب البِضْعُ، لا يُقَال: بضعٌ وعشرون، أو يُقال ذلك. انتهى. ويكون مع المُذكَّر بِهَاءٍ، ومع المُؤنَّث بغير هاءٍ، فتقول: بضعةٌ وعشرون رجلًا، وبضعٌ وعشرون امرأةً، ولا تعكس، وفي رواية أبي ذَرٍّ وأبي الوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «بضعةٌ» (وَسِتُّونَ شُعْبَةً) بتأنيث «بضعةٌ» على تأويل الشُّعبة بالنَّوع، إذا فُسِّرتِ الشُّعبة (١) بالطَّائفة من الشَّيء، وقال الكِرمانيُّ: إنَّها في أكثر الأصول، قال ابن حجرٍ: بل هي في بعضها، وصوَّب العينيُّ قول الكِرمانيِّ تعصُّبًا، والذي رأيته في هامش فرع «اليونينيَّة» كهي، قال الأَصيليُّ: صوابه: «بضعٌ» يعني: بإسقاط الهاء، وقد وقع عند «مسلمٍ» من طريق سُهيل بن أبي (٢) صالحٍ عن عبد الله بن دينارٍ: «بضعٌ وستُّون، أو بضعٌ وسبعون» على الشَّكِّ، وعند أصحاب السُّنن الثَّلاثة من طريقه: «بضعٌ

стр. 461

وسبعون» من غير شكٍّ، ورجَّح البيهقيُّ رواية البخاريِّ لعدم شكِّ سليمان، وعُورِض: بوقوع الشَّكِّ عنه عند أبي عوانة، ورجح لأنَّه المُتيقَّن، وما عداه مشكوكٌ فيه، لا يُقَال بترجيح رواية: «بضعٌ وسبعون» لكونها زيادة ثقةٍ؛ لأنَّا نقول: الذي زادها لم يستمرَّ على الجزم بها، لاسيَّما مع اتِّحاد المخرج، وهل المُرَاد حقيقة العدد أم المُبالَغة؟ قال الطِّيبيُّ: الأظهر لي معنى التَّكثير، ويكون ذكر «البضع» للتَّرقي؛ يعني: أنَّ شعب الإيمان أعدادٌ مُبهَمةٌ (١)، ولا نهاية لكثرتها، ولو أراد التَّحديد لم يُبهِم، وقال آخرون: المُرَاد حقيقة العدد، ويكون النَّصُّ وقع أوَّلًا على البضع والسِّتِّين؛ لكونه الواقع، ثمَّ تجدَّدت العشر الزَّائدة فنصَّ عليها، وقد حاول جماعةٌ عدَّها بطريق الاجتهاد، وللبيهقيِّ وعبد الجليل كتاب «شُعَب الإيمان». (وَالحَيَاءُ) بالمدِّ، وهو في الشَّرع: خُلُقٌ يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التَّقصير في حقِّ ذي الحقِّ، وهو هنا: مبتدأٌ، خبره: (شُعْبَةٌ) و (مِنَ الإِيمَانِ) صفةٌ لـ «شعبةٌ»، وإنَّما خصَّه هنا بالذِّكر؛ لأنَّه كالدَّاعي إلى باقي الشُّعب؛ لأنَّه يبعث على الخوف من فضيحة الدُّنيا والآخرة، فيأتمر وينزجر، ومن تأمَّل معنى الحياء ونظر في قوله ﵊: «استحيوا من الله حقَّ الحياء»، قالوا: إنَّا لنستحيي من الله يا رسول الله، والحمد لله، قال: «ليس ذلك، ولكنَّ الاستحياء من الله حقَّ الحياء أن يحفَظ الرَّأس وما وعى، والبطن وما حوى، ويذكرَ الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدُّنيا، وآثر الآخرة على الأولى، فمن يعمل ذلك؛ فقد استحيا من الله حقَّ الحياء»، ورأى العجب العجاب، قال الجنيد: الحياء يتولَّد من رؤية الآلاء ورؤية التَّقصير، فَلْيَذُقْ مَن مُنِحَ الفضلَ الإلهيَّ، ورُزِقَ الطبعَ السَّليم معنى إفراد «الحياء» بالذِّكر بعد دخوله في الشُّعَب، كأنَّه يقول: هذه شعبةٌ واحدةٌ من شُعَبه، فهل تُحصَى وتُعَدُّ شُعَبُها؟ هيهات! واعلم أنَّه لا يُقَال: إنَّ الحياء من الغرائز فلا يكون من الإيمان؛ لأنَّه قد يكون غريزَةً وقد يكون تخلُّقًا، إلَّا أنَّ استعماله على وفق الشَّرع يحتاج إلى اكتسابٍ وعلمٍ ونيَّةٍ، فمن ثمَّ كان من الإيمان مع كونه باعثًا على

стр. 462

الطَّاعات واجتناب المُخالَفات، وفي هذا الحديث دلالةٌ على قبول الإيمان الزِّيادةَ؛ لأنَّ معناه -كما قال الخطَّابيُّ-: إنَّ الإيمان الشَّرعيَّ اسمٌ لمعنًى ذي أجزاءٍ له أدنى وأعلى، والاسم يتعلَّق ببعض تلك (١) الأجزاء كما يتعلَّق بكلِّها، وقد زاد «مسلمٌ» على ما في «البخاريِّ»: «فأفضلُها قولُ: لا إله إلَّا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطَّريق»، وتمسَّك به القائلون بأنَّ الإيمان فعلُ الطَّاعات بأسْرِها، والقائلون بأنَّه مُركَّبٌ من التَّصديق والإقرار والعمل جميعًا، وأُجِيب: بأنَّ المراد شُعَب الإيمان قطعًا لا نفس الإيمان، فإنَّ إماطة الأذى عن الطَّريق ليس داخلًا في أصل الإيمان حتَّى يكون فاقدُه غير مؤمنٍ، فلابدَّ في الحديث من تقدير مُضَافٍ، ثمَّ إنَّ في هذا الحديث تشبيه الإيمان بشجرةٍ ذاتِ أغصانٍ وشُعَبٍ، ومبناه على المَجاز؛ لأنَّ الإيمانَ -كما مرَّ في اللُّغة- التَّصديقُ، وفي عُرْفِ الشَّرع: تصديقُ القلب واللِّسان، وتمامه وكماله بالطَّاعات، فحينئذٍ الإخبار عن الإيمان بأنَّه بضعٌ وستُّون يكون من باب إطلاق الأصل على الفرع؛ لأنَّ الإيمان هو الأصلُ، والأعمالُ فروعٌ منه، وإطلاق الإيمان على الأعمال مَجازٌ؛ لأنَّها تكون عن الإيمان، وهذا مبنيٌّ على القول بقبول الإيمان الزِّيادةَ والنُّقصانَ، أمَّا على القول بعدم قبوله لهما؛ فليست الأعمال داخلةً في الإيمان، واستدلَّ لذلك: بأنَّ حقيقةَ الإيمان التَّصديقُ، ولأنَّه قد ورد في الكتاب والسُّنَّة عطف «الأعمال» على «الإيمان» كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [لقمان: ٨] مع القطع بأنَّ العطف يقتضي المُغايرَة، وعدم دخول المعطوف في المعطوف عليه، وقد ورد أيضًا جعل الإيمان شرط صحَّة الأعمال كما في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [طه: ١١٢] مع القطع بأنَّ المشروط لا يدخل في الشَّرط لامتناع اشتراط الشَّيء لنفسه، وورد

стр. 463

أيضًا إثبات الإيمان لمن ترك بعض الأعمال كما في قوله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] مع القطع بأنَّه لا تحقُّقَ للشَّيء بدون ركنه، ولا يخفى أنَّ هذه الوجوه إنَّما تقوم حجَّةً على من يجعلِ الطَّاعاتِ ركنًا من حقيقة الإيمان، بحيث إنَّ تاركها لا يكون مؤمنًا كما هو رأي المعتزلة، لا على من ذهب إلى أنَّها ركنٌ من الإيمان الكامل؛ بحيث لا يخرج تاركها عن حقيقة الإيمان كما هو مذهب الشَّافعيِّ رحمه الله تعالى، قاله العلَّامة التَّفتازانيُّ. ومن لطائف إسناد حديث هذا الباب: أنَّ رجاله كلَّهم مدنيُّون، إلَّا العقديَّ فإنَّه بصريٌّ، وإلَّا المُسْنَديَّ، وفيه تابعيٌّ عن تابعيٍّ، وهو عبد الله بن دينارٍ عن أبي صالحٍ، وأخرج متنه أبو داودَ في «السُّنَّة»، والتِّرمذيُّ في «الإيمان» وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ في «الإيمان» أيضًا، وابن ماجه. (٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) وسقط لفظ «بابٌ» للأَصيليِّ. ١٠ - وبالسَّند السَّابق للمؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره سينٌ مُهملةٌ، المُتوفَّى سنة ستٍّ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ولابن عساكر: «عن شعبةَ» غير منصرفٍ، ابن الحجَّاج بن الورد الواسطيُّ، المُتوفَّى بالبصرة أوَّل سنة

стр. 464

ستِّين ومئةٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ) بفتح المُهملَة والفاء، وحُكِيَ إسكانُها، ابن يُحمَدَ؛ بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الميم أو بكسرها، الهَمْدانيِّ الكوفيِّ، المُتوفَّى في خلافة مروان بن محمَّدٍ (وَ) عن (إِسْمَاعِيلَ) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكرَ في نسخةٍ: «ابن أبي خالدٍ» أي: الأحمسيِّ (١)، المُتوفَّى سنة خمسٍ وأربعين ومئةٍ، كلاهما (٢) (عَنِ الشَّعْبِيِّ) بفتح المُعجَمة وسكون المُهمَلة وكسر الموحَّدة؛ نسبةً إلى شَعْبٍ، بطن من هَمْدان، أبي عمرٍو عامر بن شراحيلَ، الكوفيِّ التَّابعيِّ الجليل، قاضي الكوفة، المُتوفَّى بعد المئة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) أي: ابن العاص القرشيِّ السَّهميِّ، المُتوفَّى بمكَّة أو الطَّائف أو مصرَ، في ذي الحجَّة سنةَ خمسٍ أو ثلاثٍ أو سبعٍ وستِّين أو اثنتين أو ثلاثٍ وسبعين، وكان أسلم قبل أبيه (¬﵄¬) وكان بينه وبينه في السِّنِّ إحدى عشْرةَ سنةً، فيما (٣) جزم به المِزِّيُّ، وله في «البخاريِّ» ستَّةٌ وعشرون حديثًا (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: المُسْلِمُ) الكامل (مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ) وكذا المسلِمات وأهل الذِّمَّة إلَّا في حدٍّ أو تعزيرٍ أو تأديبٍ (مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) وهذا من جوامع كَلِمِهِ (٤) ﵊ الذي لم يُسبَق إليه، فإن قلت: هذا يستلزم أنَّ من اتَّصف بهذه خاصَّةً كان مسلمًا كاملًا، أجيب: بأنَّ

стр. 465

المُرَاد بذلك: مع مراعاة باقي الصِّفات التي هي أركان الإسلام، أو يكون المُرَاد: أفضل المسلمين، كما قاله الخطَّابيُّ، وعبَّر بـ «اللِّسان» دون القول ليدخل فيه من أخرج لسانه استهزاءً بصاحبه، وقدَّمه على اليد لأنَّ إيذاءَه أكثرُ وقوعًا وأشدُّ نكايةً، ولله دَرُّ القائل: جراحاتُ السِّنانِ (١) لها التئامُ … ولا يلتامُ ما جَرَحَ اللسانُ وخصَّ اليدَ مع أنَّ الفعل قد يحصل بغيرها لأنَّ سلطنة الأفعال إنَّما تظهر بها؛ إذ بها البطش، والقطع والوصل، والأخذ والمنع، ومن ثمَّ غُلِّبت، فقِيلَ في كلِّ عملٍ: هذا ممَّا عملت أيديهم، وإن كان مُتعذَّر الوقوع بها، فالمراد من الحديث ما هو أعمُّ من الجارحة؛ كالاستيلاء على حقِّ الغير من غير حقٍّ، فإنَّه أيضًا إيذاءٌ، لكنه ليس باليد الحقيقية. ثمَّ عطف على ما سبق قوله: (وَالمُهَاجِرُ) أي: المهاجر حقيقةً (مَنْ هَجَرَ) أي: ترك (مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ) كأنَّ المهاجرين خُوطِبوا بذلك لئلَّا يتَّكلوا على مجرَّد الانتقال من دارهم، أو وقع ذلك بعد انقطاع الهجرة؛ تطييبًا لقلوب من لم يدرك ذلك. وفي إسناد هذا الحديث: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الرِّقاق» [خ¦٦٤٨٤]

стр. 466

وهو ممَّا انفرد بجملته عن مسلمٍ، وأخرج مسلمٌ بعضه في «صحيحه»، وأخرجه أبو داودَ والنَّسائيُّ وابن حبَّان والحاكم. (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكرَ بإسقاط: «قال أبو عبد الله» كما في فرع «اليونينيَّة» كهي: (وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ -بالمُعجمَتين- الضَّرير الكوفيُّ، وكان مُرجِئًا، المُتوفَّى سنة خمسٍ وتسعين ومئةٍ في صَفَرَ: (حَدَّثَنَا دَاوُدُ) زاد في رواية الكُشْمِيهَنيِّ وابن عساكرَ: «هو ابن أبي هندٍ» المُتوفَّى سنة أربعين ومئةٍ (عَنْ عَامِرٍ) الشَّعبيِّ السَّابق قريبًا (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ) بن عمرٍو، وللأَصيليِّ: «يعني: ابن عمرٍو» ولابن عساكر: «هو ابن عمرٍو» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬). (وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى السَّامي -بالمُهملَة- من بني سامة بن لُؤَيٍّ، القرشيُّ البصريُّ، المُتوفَّى في شعبانَ سنة سبعٍ وثمانين ومئةٍ (عَنْ دَاوُدَ) بن أبي هندٍ السَّابق (عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن العاصِ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وهذا التَّعليق وصله إسحاق بن رَاهُوْيَه في «مُسنَده». (٥) (بابٌ) بالتَّنوين (أَيُّ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟). ١١ - وبالسَّند الماضي إلى المؤلِّف أوَّلًا قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القُرَشِيِّ) بجرِّ

стр. 467

الياء كما في «اليونينيَّة»، صفةٌ لـ «سعيدٍ» الثَّاني، المُتوفَّى سنة تسع (١) وأربعين ومئتين، وليس عند الأَصيليِّ: «ابن سعيدٍ القرشيِّ» (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي) يحيى بنُ سعيدٍ، المُتوفَّى سنة أربعٍ وسبعين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ) بِضَمِّ المُوحَّدة وسكون الرَّاء واسمه: بُرَيْدٌ بالتَّصغير (بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَة) بضمِّ المُوحَّدة، جدِّ الذي قبلَه، وافقه في الكنية لا في الاسم، واسمه: عامرٌ، المُتوفَّى - فيما قاله الواقديُّ- بالكوفة سنة ثلاثٍ ومئةٍ، أو هو والشَّعبيُّ في جمعةٍ واحدةٍ (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُلَيْمٍ؛ بضمِّ السِّين، الأشعريِّ؛ نسبةً إلى الأشعر لأنَّه وُلِدَ أشعرَ، المُتوفَّى بالكوفة سنة خمسٍ أو إحدى أو أربعٍ وأربعين، وله في «البخاريِّ» سبعةٌ وخمسون حديثًا (¬﵁ قَالَ: قَالُوا) وعند «مسلمٍ»: قلنا، وعند ابن منده: قلت: (يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ) -شَرْطُ «أيٍّ» أن تدخل على متعدِّدٍ وهو هنا مقدَّرٌ بذوي، أي: أيُّ أصحابِ- (الإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟) وعند «مسلمٍ»: أيُّ المسلمين أفضلُ؟ (قَالَ) ﵊: هو (مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) أي: أفضلُ من غيره لكثرة ثوابه. ومن لطائف إسناد هذا المتن: أنَّ فيه التَّحديث والعنعنة، وكلُّ رجاله كوفيُّون، وأخرج متنَه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «الزُّهد». (٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، وهو عند الأَصيليِّ ساقطٌ، كما في فرع «اليونينيَّة» كهي (إِطْعَامُ

стр. 468

الطَّعَامِ) من سغبٍ (مِنَ الإِسْلَامِ) وللأَصيليِّ في نسخةٍ: «من الإيمان» أي: من خصاله. وبالسَّند المذكور أوَّل هذا الكتاب إلى البخاريِّ رحمه الله تعالى قال: ١٢ - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) -بفتح العين- ابن فَرُّوخَ؛ بفتح الفاء وتشديد الرَّاء المضمومة آخره معجمةٌ، الحرَّانيُّ البصريُّ، نزيل مصرَ، المُتوفَّى بها سنة تسعٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) -بالمُثلَّثة- ابن سعدٍ الفَهْميُّ، وفَهْمٌ من قيس عَيْلان، المصريُّ الإمام الجليل المشهور، القَلْقَشَنْديُّ المَوْلِد، الحنفيُّ المَذْهَب، فيما قاله ابن خَلِّكان، والمشهور أنَّه كان مجتهدًا، المُتوفَّى يوم الجمعة نصف شعبان سنة خمسٍ وسبعين ومئةٍ (عَنْ يَزِيدَ) أبي (١) رجاء بن أبي حبيبٍ المصريِّ التَّابعيِّ الجليل، مفتي مِصْرَ، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وعشرين ومئةٍ (عَنْ أَبِي الخَيْرِ) مَرْثَد؛ بفتح الميم والمُثلَّثة بينهما راءٌ ساكنةٌ، ابن عبد الله اليَزَنيِّ؛ نسبةً إلى ذي يَزَنٍ المصريِّ، المُتوفَّى سنة تسعين (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) أي: ابن العاصِ (¬﵄: أَنَّ رَجُلًا) قال صاحب «الفتح»: لم أعرف اسمه، وقد قِيلَ: إنَّه أبو ذَرٍّ (سَأَلَ النَّبِيَّ) وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت

стр. 469

وابن عساكر: «رسول الله» (¬ ﷺ : أَيُّ) خصال (الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ) وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت: «فقال» أي: النَّبيُّ ﷺ : (تُطْعِمُ) الخَلْقَ (الطَّعَامَ) «تُطعم» في محلِّ رفعٍ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ بتقدير «أن»، أي: هو أن تطعم الطعام، فـ «أن» مصدريَّةٌ، والتَّقدير: هو إطعامُ الطَّعامِ، ولم يقل: تُؤْكِلْ الطَّعامَ ونحوه؛ لأنَّ لفظ: الإطعام يشمل الأكل والشُّرب والذَّواق والضِّيافة والإعطاء، وغير ذلك (وَتَقْرَأُ) بفتح التَّاء وضمِّ الهمزة، مضارع «قرأ» (السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ) من المسلمين، فلا تخصُّ به أحدًا تكبُّرًا وتجبُّرًا، بل عُمَّ به كلَّ أحدٍ لأنَّ المؤمنين كلَّهم إخوةٌ، وحذف العائد في الموضعين للعلم به، والتَّقدير: على من عرفته ومن لم تعرفه، ولم يقل: وتسلِّم؛ حتَّى يتناول سلام الباعث بالكتاب المتضمِّن للسَّلام، وفي هاتين الخصلتين الجمعُ بين نوعيِ المكارم الماليَّة والبدنيَّة (١)؛ الطَّعام والسَّلام.

стр. 470

وفي هذا الحديث: التَّحديث والعنعنة، وكلُّ رواتِهِ مصريُّون وهذا من الغرائب، ورواته كلُّهم أئمَّةٌ أَجِلَّاءُ. وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «باب الإيمان» بعد هذا الباب بأبوابٍ [خ¦٢٨] وفي «الاستئذان» [خ¦٦٢٣٦]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ فيه أيضًا، وأبو داود في «الأدب»، وابن ماجه في «الأطعمة»، والله أعلم. (٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، وهو ساقطٌ في رواية الأَصيليِّ (مِنَ الإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ لأَخِيهِ) المسلم وكذا المسلمة أو أعمُّ، مثل (مَا) أي: الذي (يُحِبُّ لِنَفْسِهِ). ١٣ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا (١) مُسَدَّدٌ) بضمِّ الميم وفتح السِّين وتشديد الدَّال المُهملَتين، ابن مُسَرهَد بن مُرَعْبَل بن أرندل بن سرندل بن غرندل بن ماسك بن مستوردٍ، وعند

стр. 471

مسلمٍ في «كتاب الكنى»: «ابن مُغَرْبل» بدل «ابن مرعبلٍ (١)» الأسديُّ البصريُّ، المُتوفَّى في رمضان سنة ثلاثٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيد بن فَرُّوخَ؛ بفتح الفاء وتشديد الرَّاء المضمومة آخره خاءٌ مُعجمَةٌ، غير منصرفٍ للعجمة والعلميَّة، القطَّان الأحول، التَّميميُّ البصريُّ، المُتَّفَق على جلالته، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وتسعين ومئةٍ (عَنْ شُعْبَةَ) بضمِّ المُعجمَة، ابن الحجَّاج الواسطيِّ ثمَّ البصريِّ المتقدِّم (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة -بكسر الدَّال- ابن قتادة السَّدوسيِّ؛ نسبةً لجدِّه الأعلى، الأكمه البصريِّ التَّابعيِّ، المُجمَع على جلالته، المتوفَّى بواسط سنة سَبْعَ عَشْرَةَ ومئةٍ (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالكِ بن النَّضر؛ بالنُّون والضَّاد المُعجَمَة، الأنصاريِّ النَّجاريِّ، خادمِ رسولِ الله ﷺ تسع سنين أو عشر سنين، آخر من مات من الصَّحابة بالبصرة سنة ثلاثٍ وتسعين، وله في «البخاريِّ» مئتان وثمانيةٌ وستُّون حديثًا (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬). ثمَّ عطف على شعبة قوله: (وَعَنْ حُسَيْنٍ) بالتَّنوين، أي: ابن ذكوانَ (المُعَلِّمِ) البصريِّ

стр. 472

(قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دِعامةَ السَّابق، فكأنَّه قال: عن شعبةَ وحسينٍ، كلاهما عن قتادة، وأفردهما تبعًا لشيخه، وليست طريق حُسَينٍ مُعلَّقَةً، بل موصولةً، كما رواها أبو نعيمٍ في «مُستخرَجه» من طريق إبراهيم الحربيِّ، عن مُسدَّدٍ شيخ البخاريِّ، عن يحيى القطَّان، عن حُسَينٍ المعلِّم، عن قتادة، عن أنسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «لا يؤمن عبدٌ حتَّى يحبَّ لأخيه وجارِهِ ما يحبُّ لنفسه»، فإن قلت: قتادةُ مدلِّسٌ، ولم يصرِّح بالسَّماع عن أنسٍ؛ أُجِيب: بأنَّه قد صرَّح أحمدُ والنَّسائيُّ في روايتيهما بسماع قتادةَ له من أنسٍ، فانتفتْ تهمةُ تدليسه (عَنْ أَنَسٍ) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكرَ: «عن أنس بن مالكٍ» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لا يُؤْمِنُ) وفي رواية أبوي الوقت وذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكرَ: (أَحَدُكُمْ) وفي روايةٍ (١) أخرى لأبي ذَرٍّ: «أحدٌ» وفي أخرى لابن عساكرَ: «عبدٌ» الإيمان الكامل (حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ) المسلم -وكذا المسلمة- مثل (مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) أي: الذي يحبُّه لنفسه من الخير، وهذا واردٌ مَوْرِدَ المُبالَغة، وإلَّا

стр. 473

فلا بدَّ من بقيَّة الأركان، ولم ينصَّ على أنْ يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه؛ لأنَّ حبَّ الشَّيء مستلزمٌ لبغض نقيضه، ويحتمل أن يكون قوله: «أخيه» شاملًا للذِّمِّيِّ أيضًا بأن يحبَّ له الإسلام مثلًا، ويؤيِّده حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من يأخذ عنِّي هؤلاء (١) الكلمات فيعمل بهنَّ، أو يُعلِّم من يعمل بهنَّ؟» فقال أبو هريرة: قلت: أنا يا رسول الله، فأخذ بيدي فعدَّ خمسًا، قال: «اتَّقِ المحارم تكنْ أعبدَ النَّاس، وارضَ بما قسم الله لك تكنْ أغنى النَّاس، وأحسِنْ إلى جارك تكنْ مؤمنًا، وأحبَّ للنَّاس ما تحبُّ لنفسك تكن مسلمًا» الحديثَ رواه التِّرمذيُّ وغيره من رواية الحسن عن أبي هريرة، وقال التِّرمذيُّ: الحسن لم يسمع من أبي هريرة، ورواه البزَّار والبيهقيُّ بنحوه في «الزُّهد» عن مكحولٍ عن واثلةَ عنه، وقد سمع مكحولٌ من واثلةَ، قال التِّرمذيُّ وغيره: لكنَّ بقيَّة إسناده فيه ضعفٌ. ورواة حديث الباب كلُّهم بصريُّون، وإسناد الحديث السابق مصريُّون، والذي قبله كوفيُّون (٢)، فوقع التَّسلسل في الأبواب الثَّلاثة على الولاء، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ. (٨) (بابٌ) بالتَّنوين (حُبُّ الرَّسُولِ) نبينا محمَّد (¬ ﷺ مِنَ الإِيمَانِ).

стр. 474

١٤ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ السَّابق (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) أي: ابن أبي حمزة الحمصيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) وفي رواية ابن عساكرَ: «أخبرنا» (أَبُو الزِّنَادِ) بكسر الزَّاي وبالنُّون، عبد الله بن ذكوان المدنيُّ القرشيُّ التَّابعيُّ، المُتوفَّى سنة ثلاثين ومئةٍ (عَنِ الأَعْرَجِ) أبي داود عبد الرَّحمن بن هُرْمُزَ التَّابعيِّ المدنيِّ القرشيِّ، المُتوفَّى بالإسكندريَّة سنة سبع (١) عشْرةَ ومئةٍ على الصَّحيح (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) نقيب أهل الصُّفَّة (¬﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «عن النبي» (¬ ﷺ قَالَ: فَوَ) اللهِ (الَّذِي) بالفاء، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكرَ: «والذي» (نَفْسِي بِيَدِهِ) أي: بقدرته، أو هو من المتشابه المفوَّض علمه إلى الله، والأوَّل أحكم (٢)، والثَّاني أسلم، وعن أبي حنيفةَ: يلزم من تأويلها بالقدرة عين التَّعطيل، فالسَّبيل فيه كأمثاله الإيمان به على ما أراد، ونكفُّ عن الخوض في تأويله، فنقول: له يدٌ على ما أراد لا كَيَدِ المخلوق. وأقسم تأكيدًا، ويؤخذ منه جواز القَسَم على الأمر المهمِّ للتَّأكيد، وإن لم

стр. 475

يكن هناك مُستحلِفٌ، والمُقسَم عليه هنا قوله: (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ) إيمانًا كاملًا (حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ) أَفْعَلُ تفضيلٍ بمعنى المفعول، وهو هنا مع كثرته على غير قياسٍ منصوبٌ خبرًا لـ «أكون»، وفصل بينه وبين معموله بقوله: «إليه» لأنَّه يُتوسَّع في الظَّرف ما لا يُتوسَّع في غيره (مِنْ وَالِدِهِ) أبيه، أي: وأمِّه، أو اكتفى به عنها (وَوَلَدِهِ) ذكرًا أو أنثى، وقدَّم الوالد للأكثريَّة؛ لأنَّ كلَّ أحدٍ له والدٌ من غير عكسٍ، أو نظرًا إلى جانب التَّعظيم، أو لسبقه بالزَّمان (١). وعند النَّسائيِّ تقديم الولد (٢) لمزيد الشَّفقة، وخصَّهما بالذِّكر لأنَّهما أعزُّ على الإنسان غالبًا من غيرهما، وربَّما كانا أعزَّ على ذي اللُّبِّ من نفسه، فالثَّالثة: محبَّة رحمةٍ وشفقةٍ، والثَّانية: محبَّةُ إجلالٍ، والأولى: وهي محبَّةُ الرَّسول ﷺ محبَّة إحسانٍ، وقد ينتهي المُحِبُّ في المحبَّة إلى أن يُؤْثِرَ هوى المحبوبِ على هوى نفسِه فضلًا عن ولده، بل يحبُّ أعداء نفسه؛ لمشابهتهم محبوبه، قال الشاعر: أشبهتَ أعدائي فصرتُ أحبُّهمْ إذ … صار حظِّي منكَ حظِّي منهمُ

стр. 476

١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) وفي روايةٍ: «أخبرنا» (يَعْقُوبُ) أبو يوسفَ (بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن كثيرٍ الدَّورقيُّ العبديُّ، المُتوفَّى سنة اثنتين وخمسين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ) بضمِّ العين المُهملَة وفتح اللَّام وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، نسبةً إلى أمِّه، واسمه: إسماعيل بن إبراهيم بن سهمٍ البصريُّ الأسديُّ؛ أسد خزاعة، الكوفيُّ الأصل، المُتوفَّى ببغداد سنة أربعٍ وتسعين ومئةٍ (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ) بضمِّ الصَّاد المُهمَلَة وفتح الهاء وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخرُه مُوحَّدةٌ، البُنانيِّ -بضمِّ المُوحَّدة وبالنُّون- نسبةً إلى بُنانة؛ بطنٍ من قريشٍ، التَّابعيِّ كأبيه (عَنْ أَنَسٍ) وفي رواية الأَصيليِّ: «بن مالكٍ» (عَنِ النَّبِيِّ) وفي رواية ابن عساكرَ: «عن أنسٍ قال: قال النَّبيُّ» (¬ ﷺ ¬) ولفظ متن هذا السَّند كما رواه ابن خزيمةَ في «صحيحه» عن يعقوبَ شيخ البخاريِّ بهذا الإسناد: «لا يؤمن أحدُكم حتَّى أكون أحبَّ إليه من أهله وماله»، بدل من «والده وولده». وفي فرع «اليونينيَّة» هنا علامة التَّحويل: (ح: وَحَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ؛ بواو العطف على السَّند السَّابق العاري عن المتن، المُوهمة لاستواء السَّندين في المتن الآتي، وليس كذلك؛ إذ لفظ متنه لم يذكره المؤلِّف مقتصرًا على لفظ رواية قتادة؛ نظرًا إلى أصل الحديث لا إلى خصوص ألفاظه؛ لكونها موافقةً للفظ أبي هريرةَ في الحديث السَّابق (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامةَ (عَنْ أَنَسٍ) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) وفي رواية أبي ذَرٍّ وابن عساكرَ وأبي الوقت: «قال رسول الله» (¬ ﷺ : لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ) الإيمانَ التَّامَّ (حَتَّى أَكُونَ

стр. 477

أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ) أبيه وأمِّه (وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) هو من باب عطف العامِّ على الخاصِّ، وهل تدخل النَّفس في عموم النَّاس؟ الظَّاهر: نعم، وقِيلَ: إضافة المحبَّة إليه تقتضي خروجه منهم؛ فإنَّك إذا قلت: جميع النَّاس أحبُّ إلى زيدٍ من غلامه؛ يُفهَم منه خروج زيدٍ منهم، وأُجِيب: بأنَّ اللَّفظ عامٌّ، وما ذُكِرَ ليس من المُخصِّصات، وحينئذٍ فلا يخرج، وقد وقع التَّنصيص بذكر النَّفس في حديث عبد الله بن هشامٍ الآتي إن شاء الله تعالى [خ¦٦٦٣٢] والمُرَاد هنا: المحبَّة الإيمانيَّة؛ وهي اتِّباع المحبوب، لا الطَّبيعيَّة، ومن ثمَّ لم يحكم بإيمان أبي طالبٍ مع حبِّه له ﵊ على ما لا يخفى، فحقيقة الإيمان لا تتمُّ ولا تحصل إلَّا بتحقيق إعلاء قَدْرِهِ ومنزلته على كلِّ والدٍ وولدٍ ومحسنٍ، ومن لم يعتقد هذا فليس بمؤمنٍ، وفي «المواهب اللَّدنيَّة بالمنح المحمَّديَّة» ممَّا جمعته في ذلك ما يشفي ويكفي. ولمَّا ذَكَرَ المؤلِّف في هذا الباب أنَّ حبَّه ﵊ من الإيمان أَرْدَفَه بما يُوجِدُ حلاوة ذلك، فقال: (٩) هذا (بابُ: حَلَاوَةِ الإِيمَانِ) ومراده: أنَّ الحلاوة من ثمراته، فهي أصلٌ زائدٌ عليه، وقد سقط لفظ «باب» عند الأَصيليِّ، كما في فرع «اليونينيَّة» كهي. ١٦ - وبالسَّند السَّابق إلى المؤلِّف رحمه الله تعالى قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) بالمُثلَّثة، ابن عبيدٍ العَنَزِيُّ-بفتح المُهمَلة والنُّون بعدها زايٌ- نسبةً إلى عَنَزَةَ بن أسدٍ، حيّ من ربيعة، البصريُّ،

стр. 478

المُتوفَّى بها سنة اثنتين وخمسين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد بن الصَّلت (الثَّقَفِيُّ) بالمُثلَّثة، بعدها قافٌ ثمَّ فاءٌ؛ نسبةً إلى ثقيفٍ، البصريُّ، المُتوفَّى سنة أربعٍ وتسعين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) بن أبي تميمةَ، واسمه: كيسان السَّخْتِيانيُّ -بفتح المهملَة- على الصَّحيح؛ نسبةً إلى بيع السَّخْتِيان؛ وهو الجِلْد، البصريُّ المُتوفَّى بها سنة إحدى وثلاثين ومئةٍ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف وبالمُوحَّدة؛ عبد الله بن زيد بن عمرٍو -أو عامرٍ- البصريِّ، المُتوفَّى بالشَّام سنة أربعٍ ومئةٍ (عَنْ أَنَسٍ) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر زيادة: «ابن مالكٍ» (¬﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: ثَلَاثٌ) أي: ثلاثُ خصالٍ، مبتدأٌ، خبره جملة: (مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ) أي: أصاب (حَلَاوَةَ الإِيمَانِ) ولذا (١) اكتفى بمفعولٍ واحدٍ، وحلاوة الإيمان: استلذاذه بالطَّاعات عند قوَّة النَّفس بالإيمان، وانشراح الصَّدر له بحيث يخالط لحمَه ودمَه، وهل هذا الذَّوق محسوسٌ أو معنويٌّ؟ وعلى الثَّاني: فهو على

стр. 479

سبيل المجاز والاستعارة الموضِّحة للمؤلِّف على استدلاله بزيادة الإيمان ونقصه؛ لأنَّ في ذلك تلميحًا إلى قضية (١) المريض والصَّحيح، لأنَّ المريض الصَّفراويَّ يجد طعم العسل مرًّا بخلاف الصَّحيح، فكلَّما نقصت الصِّحَّة نقص ذوقه بقدر ذلك، وتُسمَّى هذه الاستعارة تخييليَّة؛ وذلك أنَّه شبَّه رغبة المؤمن في الإيمان بالعسل ونحوه، ثمَّ أثبت له لازِمَ ذلك؛ وهي الحلاوةُ، وأضافه إليه، فالمرء (٢) لا يؤمن إلَّا (أَنْ يَكُونَ اللهُ) (وَرَسُولُهُ) ﵊ (أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا) بإفراد الضَّمير في «أحبَّ» لأنَّه أفعلُ تفضيلٍ، وهو إذا وُصِلَ بـ «مِن» أُفرِدَ دائمًا، وعبَّر بالتَّثنية في سواهما إشارةً إلى أنَّ المُعتَبر هو المجموع المُركَّب من المحبَّتين، لا كلُّ واحدةٍ منهما، فإنَّها وحدها لاغيةٌ إذا لم ترتبط بالأخرى، فمن يدَّعي حبَّ الله مثلًا ولا يحبُّ رسوله لا ينفعه ذلك، ولا تُعارَض تثنية الضَّمير هنا بقصَّة الخطيب

стр. 480

حيث قال: ومن يعصهما؛ فقد غوى. فقال له ﵊: «بئس الخطيبُ أنتَ»، فأمره بالإفراد إشعارًا بأنَّ كلَّ واحدٍ من العصيانين مستقلٌّ باستلزامه الغواية؛ إذ العطف في تقدير التَّكرير، والأصل: استقلال كلِّ واحدٍ من المعطوفين في الحكم، فهو في قوَّةِ قولنا: ومن عصى الله فقد غوى، ومن عصى الرسول فقد غوى، ويؤيِّد ذلك قوله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] لم يُعِدْ «أطيعوا» في ﴿أُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ كما أعاده في: ﴿وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ ليؤذن بأنَّه لا استقلال لهم في الطَّاعة استقلالَ الرَّسول ﷺ ، وقِيل: إنَّه من الخصائص، فيمتنع من غيره ﵊؛ لأنَّ غيره إذا جُمع أَوهَمَ التَّسوية، بخلافه هو ﵊، فإنَّ منصبه لا يتطرَّق إليه إيهامُ ذلك، وقال: «ممَّا» ولم يقل: ممَّن؛ ليعمَّ العاقلَ وغيرَه، والمُرَاد بهذا الحبِّ -كما قاله البيضاويُّ-: العقليُّ؛ وهو إيثار ما يقتضي العقلُ رجحانَه ويستدعي اختيارَه، وإن كان على خلاف هواه، ألا ترى أنَّ المريض يَعافُ الدَّواء وينفر عنه طبعُه، ولكنَّه يميل إليه باختياره، ويهوى تناوله بمُقتضَى عقله؛ لِمَا يعلم أنَّ صلاحه فيه (وَ) من محبَّة الله تعالى ورسوله ﵊ (أَنْ يُحِبَّ) المتلبِّس بها (المَرْءَ) حال كونه (لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ) تعالى (وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ) أي: العود (فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه، أي: مثل كُرهِهِ القذفَ (فِي النَّارِ) وهذا نتيجة دخول نور الإيمان في القلب بحيث يختلط باللَّحم والدَّم، واستكشافِهِ عن محاسن الإسلام وقبح الكفر وشَيْنِه، فإن قلت: لمَ عدَّى «العَوْد» بـ «في» ولم يعدِّه بـ «إلى» كما هو المشهور؟ أجاب الحافظ ابن حجرٍ كالكِرمانيِّ: بأنَّه ضُمِّن معنى الاستقرار، كأنَّه قال: أن يعود مستقرًّا

стр. 481

فيه، وتعقَّبه العينيُّ فقال: فيه تعسُّفٌ، وإنَّما «في» هنا بمعنى «إلى» كقوله تعالى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨] أي: لَتصيرُنَّ إلى ملَّتنا. وفي هذا الحديث: الإشارةُ إلى التَّحلِّي بالفضائل، والتَّخلِّي عن الرَّذائل، فالأوَّل من الأوَّل، والأخير من الثَّاني، وفي الثَّاني الحثُّ على التَّحابِّ في الله تعالى. ورواته كلُّهم بصريُّون أئمَّةٌ أجلَّاءُ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا بعد ثلاثة أبوابٍ [خ¦٢١] وفي «الأدب» [خ¦٦٠٤١]، ومسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، وألفاظهم مختلفةٌ. (١٠) (بابٌ) بالتنوين (عَلَامَةُ الإِيمَانِ) التَّامِّ (حُبُّ الأَنْصَارِ) وسقط التَّنوين للأَصيليِّ، وحينئذٍ فقوله (١): «علامة» جُرَّ بالإضافة، قال ابن المُنَيِّر: علامة الشَّيء لا يخفى أنَّها غير داخلةٍ في حقيقته، فكيف تفيد هذه التَّرجمة مقصوده من أنَّ الأعمال داخلةٌ في مُسمَّى الإيمان؟

стр. 482

وجوابه: أنَّ المستفاد منها كون مجرَّد التَّصديق بالقلب لا يكفي حتَّى تنتصب عليه علامةٌ من الأعمال الظَّاهرة، التي هي مؤازرةُ الأنصار ومُوادَدَتُهم. ١٧ - وبسندي المذكور أوَّلًا إلى الإمام البخاريِّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ؛ نسبةً لبيع الطَّيالسة، البصريُّ، المُتوفَّى سنة [سبعٍ و] عشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج السَّابق (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بفتح العين فيهما (بْنِ جَبْرٍ) بفتح الجيم وإسكان المُوحَّدة الأنصاريُّ المدنيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكرَ: «أنس بن مالكٍ» (¬﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: آيَةُ الإِيمَانِ) بالهمزة الممدودة والمُثنَّاة التَّحتيَّة المفتوحة، أي: علامة الإيمان الكامل (حُبُّ الأَنْصَارِ) الأوس والخزرج، جمع قلَّةٍ على وزن «أَفْعالٍ»، واستُشكِل: بأنَّه لا يكون لِمَا فوق

стр. 483

العشرة، وهم ألوفٌ، وأُجِيب: بأنَّ القلَّة والكثرة إنَّما يُعتَبران في نكرات الجموع، أمَّا في المعارف فلا فرق بينهما (وَآيَةُ النِّفَاقِ) الذي هو: إظهار الإيمان وإبطان الكفر (بُغْضُ الأَنْصَارِ) إذا كان من حيث إنَّهم أنصاره ﵊؛ لأنَّه لا يجتمع مع التَّصديق، وإنَّما خُصُّوا بهذه المنقبة العظيمة والمنحة الجسيمة لِمَا فازوا به من نصره (١) ﵊، والسَّعي في إظهاره وإيوائه وأصحابه، ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم، وقيامهم بحقِّهم حقَّ القيام، مع مُعادَاتهم جميع من وُجِدَ من قبائل العرب والعجم، فمن ثمَّ كان حبُّهم علامة الإيمان، وبغضهم علامة النِّفاق؛ مجازاةً لهم على عملهم، والجزاء من جنس العمل، وقال في «شرح المشكاة»: وإنَّما كان كذلك لأنَّهم تبوَّؤُوا الدَّار والإيمان وجعلوه مُستَقَرًّا وموطنًا؛ لتمكُّنهم منه واستقامتهم عليه، كما جعلوا المدينة كذلك، فَمَنْ أحبَّهم فذلك من كمال إيمانه، ومَنْ أَبْغَضَهم فذلك من علامة نفاقه، فإن قلت: لمَ عَدل عن لفظ الكفر إلى لفظ النِّفاق؟ أُجِيب: بأنَّ الكلام فيمن ظاهره الإيمان وباطنه الكفر، فميَّزهم عن ذوي الإيمان الحقيقيِّ، فلم يقل: وآية الكفر كذا، إذ هو ليس بكافرٍ ظاهرًا. وهذا الحديث وقع للمؤلِّف رباعيَّ الإسناد، ولـ «مسلمٍ» خماسيَّه، وفيه راوٍ وافق اسمُه اسمَ أبيه، وفيه: التَّحديث، والإخبار بالجمع والإفراد، والسَّماع، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «فضائل الأنصار» [خ¦٣٧٨٤]، ومسلمٌ، والنَّسائيُّ.

стр. 484

(١١) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- بغير ترجمةٍ، ولفظ: «الباب» ساقطٌ عند الأَصيليِّ، وحينئذٍ فالحديث التَّالي من جملة التَّرجمة السَّابقة، وعلى رواية إثباته فهو كالفصل عن سابقه مع تعلُّقه به، وفي الحديث السَّابق الإشارة لحبِّ الأنصار، وفي اللَّاحق ابتداء السَّبب في تلقيبهم بالأنصار؛ لأنَّ ذلك كان ليلة العقبة، لمَّا تبايعوا على إعلاء توحيد الله تعالى وشريعته، وقد كانوا يُسمَّون قبل ذلك: بني قَيْلة -بقافٍ مفتوحةٍ ومثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ساكنةٍ- وهي الأمُّ التي تجمع القبيلتين، فسمَّاهم ﵊ الأنصار لذلك. ١٨ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ الحمصيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة القرشيُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللهِ) بالمُعجَمَة، وهو اسم عَلَم، أي: ذو عياذةٍ بالله، فهو عطف بيانٍ لقوله: أبو إدريس (بْنُ عَبْدِ اللهِ) الصَّحابيِّ، ابن عَمرو (١) الخولانيُّ، الدِّمشقيُّ الصَّحابيُّ؛ لأنَّ مولده

стр. 485

كان عام حُنينٍ، التَّابعيُّ الكبير من حيث الرِّواية، المُتوفَّى سنة ثمانين (أَنَّ عُبَادَةَ) بضمِّ العين (بْنَ الصَّامِتِ) بن قيسٍ الأنصاريَّ الخزرجيَّ، المُتوفَّى بالرَّملة سنة أربعٍ وثلاثين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنةً، وقِيلَ (١): في خلافة معاوية سنة خمسٍ وأربعين، وله في «البخاريِّ» تسعةُ أحاديثَ (¬﵁، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا) أي: وقعتها، فالنَّصب بقوله: شهد، وليس مفعولًا فيه (وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ) جمع نقيبٍ؛ وهو النَّاظر على القوم وضمينهم وعريفهم، وكانوا اثني عشر رجلًا (لَيْلَةَ العَقَبَةِ) بمنًى، أي: فيها، والواو في «وهو» كواو «وكان»؛ هي الدَّاخلة على الجملة الموصوف بها لتأكيد لصوق الصِّفة بالموصوف، وإفادة أنَّ اتِّصافه بها أمرٌ ثابتٌ، ولا ريبَ أنَّ كون شهود عُبَادةَ بدرًا وكونه من النُّقباء صفتان من صفاته، ولا يجوز أن تكون الواوان للحال، ولا للعطف، قاله العينيُّ، وهذا ذكره ابن هشامٍ في «مُغْنيه» حاكيًا له عن الزَّمخشريِّ في «كشَّافه»، وعبارته في تفسير قوله تعالى في سورة الحجر: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤]: جملةٌ واقعةٌ صفةً لـ ﴿قَرْيَةٍ﴾ والقياس أنَّه لا تتوسَّط الواو بينهما؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] وإنَّما توسَّطت الواو (٢) لتأكيد لصوق الصِّفة بالموصوف؛ كما يُقال في الحال: جاءني زيدٌ عليه ثوبٌ، وجاءني وعليه ثوبٌ. انتهى. وتعقَّبه ابن مالكٍ في «شرح تسهيله»: بأنَّ ما ذَهَبَ إليه من توسُّط الواو بين الصِّفة والموصوف فاسدٌ؛ لأنَّ مذهبه في هذه المسألة لا يُعرَف من البصريِّين ولا من الكوفيِّين معوِّلٌ عليه، فوجب ألَّا يُلتفَت إليه، وأيضًا: فلأنَّه مُعلَّلٌ بما لا يُناسب؛ وذلك لأنَّ الواو تدلُّ على الجمع بين ما قبلها وما بعدها، وذلك مُستلزِمٌ لتغايرهما، وهو ضدٌّ لِمَا يُرَاد من التَّأكيد، فلا يصحُّ أن يُقَال للعاطف: مُؤكِّدٌ، وأيضًا: لو

стр. 486

صلحت الواو لتأكيد لصوق الموصوف بالصِّفة لَكَان أَوْلَى المواضع بها موضعًا لا يصلح للحال؛ نحو: إنَّ رجلًا رأيُهُ سديدٌ لَسعيدٌ، فـ «رأيُهُ سديدٌ» جملةٌ نُعِتَ بها، ولا يجوز (١) اقترانها بالواو لعدم صلاحيَّتها للحال؛ بخلاف: ﴿وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ فإنَّها جملةٌ يصلح في موضعها الحال؛ لأنَّها بعد نفيٍ، وتعقَّبه نجم الدِّين سعيدٌ على (٢) الوجه الأوَّل: بأنَّ الزَّمخشريَّ أَعْرَفُ باللُّغة، مع أنَّه لا يلزم من عدم العرفان بالمعوَّل عليه عدمُه، وعلى الثَّاني: أنَّ تغاير الشَّيئين لا ينافي تلاصقهما، والجملة التي هي صفةٌ لها التصاقٌ بالموصوف، والواو أكَّدت الالتصاق باعتبار أنَّها في أصلها للجمع المناسب للإلصاق، لا أنَّها عاطفةٌ، وعلى الثَّالث: أنَّ المراد من الالتصاق ليس الالتصاقَ اللَّفظيَّ كما فهمه ابن مالكٍ، بل المعنويَّ، والواو تؤكِّد الثَّاني دون الأوَّل، وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ: بأنَّ قوله: «أعرف باللُّغة» مجرَّدُ دعوى، مع أنَّها لو سلمت لا تصلح لردِّ أنَّ هذا المذهب غير معروفٍ لبصريٍّ ولا كوفيٍّ، وإنَّما وجه الرَّدِّ أن يُقَال: بل هو معروفٌ، ويبيِّن من قاله منهم. انتهى. وقد تبع الزَّمخشريَّ في ذلك أبو البقاء، وقال في «الدُّرِّ»: إن في محفوظه أنَّ ابن جنِّيٍّ سبق الزَّمخشريَّ بذلك (٣)، وقوَّاه بآية: ﴿إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] وقراءة ابن أبي عبلة: (إلَّا لها كتابٌ) [الحجر: ٤] بإسقاط الواو، ويحتمل أن يكون قائلَ: «وكان شهد … » إلى آخره أبو إدريس (٤)، فيكون متَّصلًا إنْ حُمِلَ على أنَّه سمع ذلك من عُبادةَ، أو الزُّهريُّ فيكون منقطعًا، والجملة اعتراضٌ بين «أنَّ» وخبرها السَّاقطِ من أصل الرِّواية هنا، ولعلَّها سقطت من ناسخٍ بعده واستمرَّ؛ بدليل ثبوتها عند المصنِّف في «باب من شهد

стр. 487

بدرًا» [خ¦٣٨٩٢] والتَّقدير هنا: أنَّ عبادة بن الصَّامت أخبر: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ، وَحَوْلَهُ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة (عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) -بكسر العين-: ما بين العشرة إلى الأربعين، والجملة اسميَّةٌ حاليَّةٌ، و «عِصابةٌ»: مبتدأٌ، خبره: «حولَهُ» مقدَّمًا، و «من أصحابه»: صفةٌ لـ «عصابةٌ»، وأشار الرَّاوي بذلك إلى المُبالَغة في ضبط الحديث، وأنَّه عن تحقيقٍ وإتقانٍ؛ ولذا ذكر أنَّ الرَّاوي شهد بدرًا، وأنَّه أحد النُّقباء، والمُرَاد به: التَّقوية، فإنَّ الرِّواية تترجَّح عند المُعارَضة بفضل الرَّاوي (١) وشرفه، ومقولُ قولِه ﵊: (بَايِعُونِي) أي: عاقدوني (عَلَى) التَّوحيد (أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا) أي: على ترك الإشراك، وهو عامٌّ لأنَّه نكرةٌ في سياق النَّهي كالنَّفي، وقدَّمه على ما بعده لأنَّه الأصل (وَ) على أن (لَا تَسْرِقُوا) فيه حذف المفعول ليدلَّ (٢) على العموم (وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ) خصَّهم بالذِّكر لأنَّهم كانوا في الغالب يقتلونهم خشيةَ الإملاق، أو لأنَّ قتلهم أكبرُ من قتل غيرهم، وهو الوَأْد؛ وهو أشنع القتل، أو أنَّه قتلٌ وقطيعةُ رَحِمٍ، فصرفُ العناية إليه أكثرُ (وَلَا تَأْتُوا) بحذف النُّون، ولغير الأربعة: «ولا تأتون» (بِبُهْتَانٍ) أي: بكذبٍ يبهت سامعه، أي: يدهشه لفظاعته؛ كالرَّمي بالزِّنا والفضيحة والعار، وقوله: (تَفْتَرُونَهُ) من الافتراء، أي: تختلقونه (بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ) أي: من قِبَلِ أنفسكم، فكنَّى باليد والرِّجل عن الذَّات لأنَّ مُعظَم الأفعال بهما، والمعنى: لا تأتوا ببهتانٍ

стр. 488

من قِبَلِ أنفسكم، أو أنَّ البهتان ناشئٌ عمَّا يختلقه القلب الذي هو بين الأيدي والأرجل، ثمَّ يبرزه بلسانه، أو المعنى: لا تبهتوا النَّاس بالمعايب كفاحًا مواجهةً (وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ) وهو ما عُرِفَ من الشَّارع حُسنُه، نهيًا أو أمرًا (١)، وقُيِّد به تطييبًا لقلوبهم؛ لأنَّه ﵊ لا يأمر إلَّا به، وقال البيضاويُّ في الآية: والتَّقييد بالمعروف مع أنَّ الرَّسول لا يأمر إلَّا به؛ للتَّنبيه على أنَّه لا تجوز طاعة مخلوقٍ في معصية الخالق، وخصَّ ما ذكر من المناهي بالذِّكر دون غيره للاهتمام به، (فَمَنْ وَفَى) بالتَّخفيف، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «وفَّى» بالتَّشديد، أي: ثبت على العهد (مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ) فضلًا ووعدًا، أي: بالجنَّة، كما وقع التَّصريح به في «الصَّحيحين» من حديث عُبادةَ في رواية الصُّنابحيِّ [خ¦٣٨٩٣] وعبَّر بلفظ: «على» وبـ «الأجر» للمُبالغَة في تحقُّق وقوعه، ويتعيَّن حمله على غير ظاهره للأدلَّة (٢) القاطعة على أنَّه لا يجب على الله شيءٌ، بل الأجر من فضله عليه، لمَّا ذكر المُبايَعَة المقتضية لوجود العوضين أثبت الأجر في موضع أحدهما (وَمَنْ أَصَابَ) منكم أيُّها المؤمنون (مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا) غير الشِّرك؛ بنصب «شيئًا» مفعول «أصاب» الذي هو صلةٌ من الموصول المتضمِّن معنى الشَّرط، والجارُّ للتَّبعيض (فَعُوقِبَ) أي: به، كما رواه أحمدُ، أي: بسببه (فِي الدُّنْيَا) أي: بأن أُقِيَم عليه الحدُّ (فَهُوَ) أي: العقاب (كَفَّارَةٌ لَهُ) فلا يُعاقَب عليه في الآخرة، وفي رواية الأربعة: «فهو كفَّارةٌ» بحذف «له» وقد قِيلَ: إنَّ قتل القاتل حدٌّ وإرداعٌ لغيره، وأمَّا في الآخرة فالطَّلب للمقتول قائمٌ، وتُعقِّب بأنَّه لو كان كذلك لم يَجُزِ العفوُ عن القاتل، والذي ذهب إليه أكثر الفقهاء: أنَّ الحدود كفَّاراتٌ لظاهر الحديث، وفي «التِّرمذيِّ» وصحَّحه من حديث عليِّ بن أبي طالبٍ رضي الله تعالى عنه مرفوعًا نحو هذا الحديث، وفيه: «ومن أصاب ذنبًا فعُوقِبَ به في الدُّنيا فالله أكرمُ من أن يُثنِّي العقوبة على عبده في الآخرة» و «شيئًا»: نكرةٌ تفيد العموم لأنَّها في سياق الشَّرط، وقد صرَّح ابن الحاجب بأنَّه كالنَّفي في إفادته، وحينئذٍ

стр. 489

فيشمل إصابة الشِّرك وغيره، واستُشكِل: بأنَّ المرتدَّ إذا قُتِلَ على ارتداده لا يكون قتله كفَّارةً، وأُجِيب: بأنَّ عموم الحديث مخصوصٌ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] أو المُرَاد به: الشِّرك الأصغر؛ وهو الرِّياء، وتُعقِّب: بأنَّ عُرْفَ الشَّارع إذا أَطْلَقَ الشِّركَ إنَّما يريد به ما يقابل التَّوحيد، وأُجِيب: بأنَّ طلب الجمع يقتضي ارتكاب المجاز، فهو محتملٌ وإن كان ضعيفًا، وتُعقِّب: بأنَّه عقب الإصابة بالعقوبة في الدُّنيا، والرِّياء لا عقوبةَ فيه، فوضح أنَّ المراد الشِّرك، وأنَّه مخصوصٌ، وقال قومٌ: بالوقف؛ لحديث أبي هريرة المرويِّ عند البزَّار والحاكم وصحَّحه: أنَّه ﷺ قال: «لا أدري؛ الحدود كفَّارةٌ لأهلها أم لا؟» وأُجِيب: بأنَّ حديث الباب أصحُّ إسنادًا، وبأنَّ حديث أبي هريرة ورد أوَّلًا قبل أن يعلم ﵊، ثمَّ أعلمه الله تعالى آخرًا، وعُورِضَ بتأخُّر إسلام أبي هريرة، وتقدَّم حديث الباب؛ إذ كان ليلة العقبة الأولى، وأُجِيب: بأنَّ حديث أبي هريرة صحيحٌ سابقٌ على حديث الباب، وأنَّ المبايعةَ المذكورةَ لم تكن ليلة العقبة، وإنَّما هي بعد فتح مكَّة وآية «الممتحنة»، وذلك بعد إسلام أبي هريرة، وعُورِضَ: بأنَّ الحديث رواه الحاكمُ، ولا يخفى تساهله في التَّصحيح، على أنَّ الدَّارقطنيَّ قال: إنَّ عبد الرَّزَّاق تفرَّد بوصله، وإنَّ هشام بن يوسف رواه عن معْمرٍ فأرسله، وحينئذٍ فلا تساويَ بينهما، وعلى ذلك فلا يحتاج إلى الجمع والتَّوفيق بين الحديثين، وبأنَّ عياضًا وغيره جزموا بأنَّ حديث عُبادةَ هذا كان بمكَّةَ ليلة العقبة عند البيعة الأولى بمِنًى، ويؤيِّده قوله: «عصابةٌ» المفسَّر بـ «النُّقباء الاثني عشر»، بل صرَّح بذلك في رواية النَّسائيِّ، ولفظه: «بايعت رسول الله ﷺ ليلة العقبة في رهطٍ»، والرَّهط: ما دون العشرة من الرِّجال فقط، وقال ابن دريدٍ: وربَّما جاوز ذلك قليلًا، وهو ضدُّ الكثير، وأقلُّه ثلاثةٌ، وأكثر القليل اثنان، فتُضَاف للتِّسعة، فالمجموع أحدَ عَشَرَ، فكان المُرَاد من الرَّهط هنا: أحدَ عَشَرَ نقيبًا، ومع عُبَادَةَ اثنا عَشَرَ

стр. 490

نقيبًا، وإذا ثبت هذا فقد دلَّ قطعًا: أنَّ هذه المبايعةَ كانت ليلة العقبة الأولى؛ لأنَّ الواقعة بعد الفتح كان فيها الرِّجال والنِّساء معًا، مع العدد الكثير. انتهى. (وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ) المذكور (شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللهُ) وفي رواية ابن عساكرَ -وعَزَاها الحافظ ابن حجرٍ لكريمةَ- زيادة: «عليه» (فَهُوَ) مفوَّضٌ (إِلَى اللهِ) تعالى (إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ) بفضله (وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ) بعدله. (فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ) ومفهوم هذا يتناول مَنْ تاب ومَنْ لم يَتُبْ، وأنَّه لم يتحتَّم دخوله النَّار، بل هو إلى مشيئة الله تعالى، وقال الجمهور: إنَّ التَّوبة ترفع المُؤاخَذة. نعم؛ لا يأمن من مكر الله تعالى لأنَّه لا اطِّلاع له على قبول توبته، وقال قومٌ: بالتَّفرقة بين ما يجب فيه الحدُّ وما لا يجب، فإن قلت: ما الحكمة في عطف الجملة المتضمِّنة للعقوبة على ما قبلها بالفاء، والمتضمِّنة للسَّتر بـ «ثمَّ»؟ أُجِيب: باحتمال أنَّه للتَّنفير عن مُواقَعَة المعصية، فإنَّ السَّامع إذا علم أنَّ العقوبة مفاجئةٌ لإصابة المعصية غير متراخيةٍ عنها، وأنَّ السَّتر مُتَرَاخٍ؛ بعثه ذلك على اجتناب المعصية وتوقِّيها، قاله في «المصابيح». ورجال إسناد هذا الحديث كلُّهم شاميُّون، وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة، وفيه رواية قاضٍ عن قاضٍ أبو إدريس وعبادةُ، ورواية من رآه ﵊ عمَّن رآه؛ لأنَّ أبا إدريسَ له رؤيةٌ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٣٩٩٩] و «الأحكام» [خ¦٧٢١٣] وفي «وفود الأنصار» [خ¦٣٨٩٢] وفي «الحدود» [خ¦٦٧٨٤]، ومسلمٌ في «الحدود» أيضًا، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، وألفاظهم مختلفةٌ. ولمَّا فرغ المصنِّف من تلويحه بمناقب الأنصار؛ مِنْ بذلهم أرواحَهم وأموالَهم في محبَّة الرَّسول ﵊ فرارًا بدينهم من فِتَنِ الكفر والضَّلال، شرع يذكر فضيلة العزلة والفرار من الفتن، فقال: (١٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (مِنَ الدِّينِ الفِرَارُ مِنَ الفِتَنِ) ولم يقل: مِنَ الإيمان لمراعاة لفظ

стр. 491

الحديث، ولم يُرِد الحقيقة لأنَّ الفرار ليس بدينٍ، فالتَّقدير: الفرار من الفتن شعبةٌ من شعب الإيمان، كما دلَّ عليه أداة التَّبعيض. ١٩ - وبالسَّند المذكور أوَّل هذا الشَّرح إلى البخاريِّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميم واللَّام بينهما مُهمَلَةٌ ساكنةٌ، ابن قعنبٍ الحارثيُّ البصريُّ، ذو الدَّعوة المُجَابة، أحد رُوَاة «الموطَّأ»، المُتوفَّى سنة إحدى وعشرين ومئتين (عَنْ مَالِكٍ) هو ابن أنسٍ، إمام دار الهجرة (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ) الأنصاريِّ المازنيِّ المدنيِّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وثلاثين ومئةٍ (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سنان الخزرجيِّ الأنصاريِّ (الخُدْرِيِّ) بضمِّ المُعجمَة (١) وسكون المُهملَة؛ نسبةً إلى خُدْرةَ جدِّه الأعلى، أو بطنٍ، المُتوفَّى بالمدينة سنة أربعٍ وستِّين أو أربعٍ وسبعين، وله في «البخاريِّ» ستَّةٌ وستُّون حديثًا، زاد في رواية أبي ذَرٍّ: «﵁» (أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يُوشِكُ) بكسر المُعجَمَة،

стр. 492

وفتحُها لغةٌ رديئةٌ، وهي من أفعال المقاربة، أي: يقرب (أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمًا) -بالنَّصب- خبر «يكون»، وفي رواية غير الأَصيليِّ: بنصب «خيرَ» خبرًا مقدَّمًا، ورفعِ «غنمٌ» اسمًا مُؤخَّرًا، ولا يضرُّ كونه نكرةً؛ لأنَّه موصوفٌ بجملة «يتَّبِع»، وجوَّز ابن مالكٍ رفعهما على الابتداء والخبر، ويقدِّر في «يكون» ضمير الشَّأن، قال في «الفتح»: لكن لم تَجِئْ به الرِّواية، وذكره العينيُّ من غير تنبيهٍ على الرِّواية فأوهم، و «الغنم»: اسمٌ مؤنَّثٌ موضوعٌ للجنس (يَتَّبِعُ بِهَا) بتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة «افتعالٌ»؛ من: اتَّبع اتِّباعًا، ويجوز إسكانها من تَبِعَ -بكسر المُوحَّدة- يَتْبَع، بفتحها، أي: يتبع بالغنم (شَعَفَ) بمُعجَمَةٍ فمُهمَلَةٍ مفتوحتين، جمع: شَعَفَةٍ بالتَّحريك، وهو بالنَّصب مفعول «يتَّبع» أي: رؤوس (الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ) بكسر القاف، وهو بالنَّصب (١) عطفٌ على «شعفَ» أي: مواضع نزول (القَطْرِ) أي: المطر، أي: بطون الأودية والصَّحارى، حال كونه (يَفِرُّ بِدِينِهِ) أي: يهرب بسببه، أو مع دينه (مِنَ الفِتَنِ) طلبًا لسلامته، لا لقصدٍ دنيوِيٍّ، فالعزلة عند الفتنة ممدوحةٌ إلَّا لقادرٍ على إزالتها فتجب الخلطة، عينًا أو كفايةً، بحسب الحال والإمكان، واختُلِف فيها عند عدمها؛ فمذهب الشَّافعيِّ: تفضيل الصُّحبة لتعلُّمه وتعليمه، وعبادته، وأدبه، وتحسين خُلُقِه؛ بحِلْمٍ واحتمالٍ، وتواضعٍ، ومعرفة أحكامٍ لازمةٍ، وتكثير سواد المسلمين، وعيادة مريضهم، وتشييع جنائزهم، وحضور الجمعة

стр. 493

والجماعات، واختار آخرون: العزلة للسَّلامة المُحقَّقة، وليعمل بما علم، ويأنس بدوام ذكره، فبالصُّحبة والعزلة كمالُ المرء. نعم؛ تجب العُزلةُ لفقيهٍ لا يَسْلَم دينه بالصُّحبة، وتجب الصُّحبة لمن عرف الحقَّ فاتَّبعه، والباطلَ فاجْتَنَبَه، وتجب على من جهل ذلك لِيَعْلَمَه، فافهم. ورجال إسناد هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون، وفيه صحابيٌّ ابن صحابيٍّ (١)، وهو من أفراد البخاريِّ عن مسلمٍ، وقد رواه المؤلِّف أيضًا في «الفتن» [خ¦٧٠٨٨] و «الرقاق» [خ¦٦٤٩٥] و «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٠٠]، وأخرجه أبو داودَ والنَّسائيُّ. ولمَّا كان الفرار من الفتن لا يكون إلَّا على قدر قوَّة دين الرَّجل، وهي تدلُّ على قوَّة المعرفة شَرَعَ يذكر ذلك، فقال: (١٣) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بالإضافة، وسقط لفظ «باب» عند الأَصيليِّ، ومقول قوله ﵊: (أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللهِ) لأنَّه كلَّما كان الرَّجل أقوى في دينه كَانَ أقوى في معرفة ربِّه، وذلك يدلُّ ظاهرًا على قبول الإيمان الزِّيادةَ والنُّقصان، وللأَصيلِّي في غير الفرع وأصله: «أَعْرَفَكم» بدل «أَعْلَمَكم»، والفرق بينهما: أنَّ المعرفةَ هي إدراكُ الجزئيِّ، والعلمَ: إدراكُ الكليِّ (وَ) باب بيان (أَنَّ المَعْرِفَةَ) بفتح الهمزة (فِعْلُ القَلْبِ) فالإيمان بالقول وحده لا يتمُّ إلَّا بانضمام الاعتقاد إليه؛ خلافًا للكرَّاميَّة، والاعتقاد فعل القلب (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولأبوي الوقت وذَرٍّ «لقوله »: (﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]) أي: عزمتْ عليه،

стр. 494

ومفهومه: المُؤاخَذة بما يستقرُّ من فعل القلب، وهو ما عليه المُعظَم، فإن قلت: يعارضه قوله ﷺ : «إنَّ الله تجاوز عن أمَّتي ما حدَّثت به أنفسها، ما لم تتكلَّم به أو تعمل» أُجِيب: بأنَّه محمولٌ على ما إذا لم يستقرَّ؛ لأنَّه يمكن الانفكاك عنه، بخلاف ما يستقرُّ. ٢٠ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) هو بالتَّخفيف والتَّشديد، كما في فرع «اليونينيَّة» كهي عنِ الأَصيليِّ، وصحَّح الحافظ ابن حجرٍ التَّخفيف، قال العينيُّ: وبه قطع الجمهور كالخطيب وابن ماكولا، وقول صاحب «المطالع»: إنَّ التَّشديد عليه الأكثر؛ حَمَلَه النَّوويُّ على أكثر المشايخ، فقال: وإنَّما الذي عليه أكثر العلماء التَّخفيفُ، قال: وقد رُوِيَ عنه ذلك نفسه، وهو أخبَرُ بأبيه، وهو يشير إلى ما رواه سهل بن المتوكِّل عنه أنَّه قال: أنا محمَّد بن سَلَامٍ بالتَّخفيف، وقد صنَّف المنذريُّ جزءًا في ترجيح التَّشديد، ولكنَّ المُعتَمَدَ خلافُه، حتَّى قال بعض الحفَّاظ فيما نقله العينيُّ: إنَّ التَّشديد لحنٌ. انتهى. واسم أبيه الفرج السُّلَميُّ

стр. 495

البخاريُّ، زاد في رواية كريمة ممَّا ليس في الفرع وأصله: «البِيْكَنْدِيُّ» بمُوحَّدةٍ مكسورةٍ ثمَّ مُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ساكنةٍ ثمَّ كافٍ مفتوحةٍ ثمَّ نونٍ ساكنةٍ؛ نسبةً إلى بِيْكَنْد؛ بلدة على مرحلةٍ من بُخَارى، وتُوفِّي محمَّد بن سلامٍ هذا سنة خمسٍ وعشرين ومئتين، وهو ممَّا انفرد به البخاريُّ عن الكتب السِّتَّة (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (عَبْدَةُ) بسكون المُوحَّدة، قِيلَ: هو لقبه، واسمه: عبد الرَّحمن بن سليمان بن حاجبٍ الكلابيُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى بها في جمادى أو رجبٍ، سنة سبعٍ أو ثمانٍ وثمانين ومئةٍ (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين ﵂ أنَّها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَرَهُمْ) أي: أمر النَّاس بعملٍ (أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا) وفي رواية أبي الوقت: «ما» (يُطِيقُونَ) أي: يطيقون الدَّوامَ عليه، فخيرُ العمل ما دام عليه صاحبه وإنْ قَلَّ، ولا يخفى أنَّ الكثرة تؤدِّي إلى القطع، والقاطع في صورة ناقض العهد، فـ «أمرهم» الثَّانية: جوابٌ أوَّل للشَّرط، والثَّاني قوله: (قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ) بفتح الهاء، قال الكِرمانيُّ: والهيئة: الحالة والصُّورة، وليس المُرَاد نفي تشبيه ذواتهم بحالته ﵊، فلا بدَّ من تأويلٍ في أحد الطَّرفين، فقِيلَ: المُرَاد من «هيئتك»: كمثلك، أي: كذاتك أو كنفسك، وزِيدَ لفظ «الهيئة» للتَّأكيد؛ نحو: مثلُك لا يبخل، أو من «لسنا» أي: ليس حالنا كحالك، فحُذِفَ الحال وأُقيم المُضَاف إليه مُقامه، فاتَّصل الفعل بالضَّمير، فقِيلَ: لسنا كهيئتك (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ) تعالى (قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) أي: منه (١)، والمعنى -والله أعلمُ-
следующие страницы →