← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

رمضان» (فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بضمِّ الهمزة وكسر التَّاء مبنيًّا للمفعول (بِمِكْتَلٍ) بكسر الميم وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة: شبه الزِّنبيل يسع خمسة عشر صاعًا (يُدْعَى العَرَْقَ) بفتح الرَّاء وقد تُسكَّن؛ وهو ما نُسِج من الخوص فيه تمرٌ (فَقَالَ) ﵊: (أَيْنَ المُحْتَرِقُ؟) أثبت له ﵊ وصف الاحتراق إشارةً إلى أنَّه لو أصرَّ على ذلك لاستحق ذلك (قَالَ) الرَّجل: (أَنَا، قَالَ) ﵊: (تَصَدَّقْ بِهَذَا) المكتل على ستِّين مسكينًا -كما في باقي الرِّوايات- لكلِّ مسكينٍ مدٌّ، وهو ربع صاعٍ، وهذا إنَّما هو بعد العجز عن العتق وصيام الشَّهرين، فقد روى هذا الحديث عبد الرحمن بن الحارث عن محمَّد بن جعفر بن الزُّبير بهذا الإسناد، ولفظه (١): كان النَّبيُّ ﷺ جالسًا (٢) في ظلِّ فارعٍ -بالفاء والمهملة- فجاءه رجلٌ من بني بَيَاضَة فقال: احترقتُ؛ وقعت بامرأتي في رمضان، فقال: «أعتق رقبةً»، قال: لا أجدها، قال: «أطعم ستِّين مسكينًا»، قال: ليس عندي … الحديثَ، أخرجه أبو داود، ووقع هنا مختصرًا، وفيه: وجوب الكفَّارة على المُجامِع عمدًا لأنَّه ﷺ قال: أين المحترق؟ وقد خرج بالعمد: مَنْ جامع ناسيًا أو مكرهًا أو جاهلًا، وبقوله: «في رمضان»: غيره؛ كقضاءٍ ونذرٍ وتطوُّعٍ لورود النَّصِّ في رمضان، وهو مختصٌّ بفضائل لا يشركه (٣) فيها غيره، وبالجماع: غيرُه؛ كالاستمناء والأكل والشُّرب لورود النَّصِّ في الجماع، وهو أغلظ من غيره، وأوجب بعض المالكيَّة والحنابلة الكفَّارة على النَّاسي متمسِّكين بترك استفساره ﵊ عن جِماعه هل كان عن عمدٍ أو عن نسيانٍ؟ وتركه الاستفصال في الفعل ينزل (٤) منزلة العموم في المقال، وأجيب بأنَّه قد تبيَّن الحال من قوله: احترقت وهلكت، فدلَّ على أنَّه كان عامدًا عالمًا بالتَّحريم، واستدلَّ أيضًا (٥) بحديث الباب لمالكٍ؛ حيث جزم في كفَّارة الجماع في رمضان بالإطعام دون غيره، ولا حجَّة فيه لأنَّ الحديث مختصرٌ من المُطوَّل، والقصَّة واحدةٌ، وقد

стр. 4307

حفظها أبو هريرة وقصَّها على وجهها، وأوردها بعض الرُّواة مختصرةً عن عائشة، وقد رواها (١) عبد الرَّحمن بن الحارث بتمامها كما تقدَّم، ومن حفظ حجَّةٌ على من لم يحفظ. وفي هذا الحديث (٢): التَّحديث والإخبار والسَّماع، وأربعةٌ من التَّابعين: يحيى وعبد الرَّحمن ومحمَّد بن جعفرٍ وعبَّادٌ، وأخرجه أيضًا في «المحاربين» [خ¦٦٨٢٢]، ومسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ. (٣٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا جَامَعَ) الصَّائم (فِي) نهار شهر (رَمَضَانَ وَ) الحال أنَّه (لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ) يعتق به، ولا يستطيع الصَّوم، ولا شيءٌ يتصدَّق به (فَتُصُدِّقَ عَلَيهِ) بقدر ما يجزئه (فَلْيُكَفِّرْ) به لأنَّه صار واجدًا. ١٩٣٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو (٣) ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ) ولأبي الوقت -كما

стр. 4308

في الفرع، ونسبها في «فتح الباري» للكُشْمِيْهَنِيِّ-: «مع» (النَّبِيِّ (١) ﷺ ¬) وقوله: «بينما» بالميم، وتُضَاف إلى الجملة الاسميَّة والفعليَّة، وتحتاج إلى جوابٍ يتمُّ به المعنى، والأفصح في جوابها ألَّا يكون فيه «إذ» و «إذا»، ولكن كثر مجيئها كذلك، ومنه قوله هنا: (إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ) سبق في الباب قبله [خ¦١٩٣٥] أنَّه قيل: إنَّه (٢) سلمة بن صخرٍ، أو سلمان بن صخرٍ، أو أعرابيٌّ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ هَلَكْتُ) وفي بعض طرق هذا الحديث: هلكت وأهلكت، أي: فعلت ما هو سببٌ لهلاكي (٣) وهلاك غيري، وهو (٤) زوجته التي وطئها (قَالَ) ﵊ له: (مَا لَكَ؟) بفتح اللَّام، و «ما»: استفهاميَّةٌ، محلُّها رفعٌ بالابتداء، أي: أيُّ شيءٍ كائنٌ لك أو حاصلٌ لك، ولابن أبي حفصة عند أحمد: «وما الذي أهلكك؟» وفي رواية عقيلٍ عند ابن خزيمة: «ويحك؛ ما شأنك؟» (٥) (قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي) وفي رواية ابن إسحاق عند البزَّار: أصبت أهلي، وفي حديث عائشة: وطئت امرأتي (وَأَنَا) أي: والحال أنِّي (صَائِمٌ) قال في «فتح الباري»: يُؤخَذ منه: أنَّه لا يُشتَرط في إطلاق اسم المشتقِّ بقاء المعنى المشتقِّ منه حقيقةً لاستحالة كونه صائمًا مجامعًا في حالةٍ واحدةٍ، فعلى هذا قوله: «وطئت» أي: شرعت في الوطء، أو أراد: جامعت بعد إذ أنا صائمٌ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟) أي: تقدر، فالمراد: الوجود الشَّرعيُّ ليدخل فيه القدرة بالشِّراء (٦) ونحوه، ويخرج عنه مالك الرَّقبة المحتاج إليها بطريقٍ مُعتَبرٍ شرعًا، وفي رواية ابن أبي حفصة عند أحمد: «أتستطيع أن تعتق رقبةً؟» (قَالَ) الرَّجل: (لَا) أجد رقبةً، وفي رواية ابن إسحاق: ليس عندي، وفي رواية (٧) ابن مسافرٍ عند الطَّحاويِّ: فقال: لا والله يا رسول الله، وفي حديث ابن عمر: فقال: والذي بعثك بالحقِّ ما ملكت رقبةً قطُّ (قَالَ) ﵊: (فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟

стр. 4309

قَالَ: لَا) وفي حديث سعدٍ (١): قال: لا أقدر، وفي رواية ابن إسحاق عند البزَّار: «وهل لقيت ما لقيت إلَّا من الصِّيام؟!» (فَقَالَ) ﵊، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «قال»: (فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا) والمسكين مأخوذٌ من السُّكون لأنَّ المُعدَم ساكن الحال عن أمور الدُّنيا، والمراد بالمسكين هنا: أعمُّ من الفقير لأنَّ كلًّا منهما حيث أُفرِد يشمل الآخر، وإنَّما يفترقان عند اجتماعهما نحو: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] والخلاف في معناهما حينئذٍ معروفٌ، قال ابن دقيق العيد: قوله: «إطعام ستِّين مسكينًا» يدلُّ على وجوب إطعام هذا العدد لأنَّه أضاف الإطعام الذي هو مصدرُ «أطعم» إلى «ستِّين»، فلا يكون ذلك موجودًا في حقِّ من أطعم عشرين مسكينًا ثلاثة أيَّامٍ مثلًا، ومن أجاز ذلك فكأنَّه استنبط من النَّصِّ معنًى يعود عليه بالإبطال، والمشهور عن الحنفيَّة الإجزاء حتَّى لو أطعم الجميع مسكينًا واحدًا في ستِّين يومًا كفى. انتهى. وفي رواية ابن أبي حفصة: أفتستطيع أن تطعم ستِّين مسكينًا؟ وفي حديث ابن عمر: قال: والذي بعثك بالحقِّ ما أُشْبِع أهلي، والحكمة في ترتيب هذه الكفَّارة على ما ذُكِر أنَّ (٢) من انتهك حرمة الصَّوم بالجماع فقد أهلك نفسه بالمعصية، فناسب أن يعتق رقبةً فيفدي نفسه، وقد صحَّ [خ¦٦٧١٥] «من أعتق رقبةً أعتق الله بكلِّ عضوٍ منها عضوًا منه من النَّار»، وأمَّا الصِّيام فإنَّه كالمقاصَّة بجنس الجناية، وكونه شهرين لأنَّه لمَّا أُمِرَ بمُصابرة النَّفس في حفظ كلِّ يومٍ من شهرٍ على الولاء، فلمَّا أفسد منه يومًا كان كمن أفسد الشَّهر كلَّه؛ من حيث إنَّه عبادةٌ واحدةٌ بالنَّوع، وكُلِّف بشهرين مضاعفةً على سبيل المقابلة لنقيض قصده، وأمَّا الإطعام فمناسبته ظاهرةٌ لأنَّه مقابلةُ كلِّ يومٍ بإطعام (٣) مسكينٍ، وإذا ثبتت هذه الخصال الثَّلاث في هذه الكفَّارة فهل هي على التَّرتيب أو على التَّخيير؟ قال البيضاويُّ: رتَّب الثَّاني بالفاء على فقد الأوَّل، ثمَّ الثَّالث بالفاء على فقد الثَّاني، فدلَّ على عدم التَّخيير مع كونها في معرض البيان وجواب السُّؤال، فينزل منزلة الشَّرط للحكم، وقال مالكٌ بالتَّخيير.

стр. 4310

(قَالَ) أي (١): أبو هريرة: (فَمَكَُثَ) بضمِّ الكاف وفتحها (٢) (النَّبِيُّ ﷺ ¬) وفي رواية ابن عيينة: فقال له النَّبيُّ ﷺ : «اجلس»، قيل: وإنَّما أمره بالجلوس لانتظار الوحي في حقِّه، أو كان عرف أنَّه سيُؤتَى بشيءٍ يعينه به (فَبَيْنَا) بغير ميمٍ (نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ) وجواب «بينا» قوله: (أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، ولم يُسَمَّ الآتي، لكن عند المؤلِّف في «الكفَّارات» [خ¦٦٧١٠]: «فجاء رجلٌ من الأنصار» (بِعَرَقٍ) بفتح العين والرَّاء (فِيه تَمْرٌ) ولأبي ذرٍّ: «فيها» بالتَّأنيث على معنى القُفَّة، قال القاضي عياضٌ: المِكْتَل والقفَّة والزِّنبيل سواءٌ، وزاد ابن أبي حفصة: فيه خمسة عشر صاعًا، وفي حديث عائشة عند ابن خزيمة: فأتى بعرقٍ فيه عشرون صاعًا، وفي مُرسَل عطاءٍ عند مُسدَّدٍ: فأَمَرَ له ببعضه، وهو يجمع بين الرِّوايات؛ فمن قال: عشرين أراد أصل ما كان فيه، ومن قال: خمسة عشر أراد قدر ما تقع به الكفَّارة، قال أبو هريرة أو الزُّهريُّ أو غيره: (-وَالعَرَقُ: المِكْتَلُ-) بكسر الميم وفتح الفوقيَّة: الزِّنبيل الكبير يسع خمسة عشر صاعًا (قَالَ) ﵊، ولابن عساكر: «فقال»: (أَيْنَ السَّائِلُ؟) زاد ابن مسافرٍ: آنفًا، وسمَّاه سائلًا لأنَّ كلامه متضمِّنٌ للسُّؤال، فإنَّ مراده: هلكت فما ينجيني؟ أو ما يخلِّصني مثلًا؟ (فَقَالَ) الرَّجل: (أَنَا، قَالَ: خُذْهَا) أي: القفَّة (فَتَصَدَّقْ بِهِ) أي: بالتَّمر الذي فيها، ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «خذ هذا، فتصدَّق به» (فَقَالَ الرَّجُلُ): أتصدَّق به (٣) (أَعَلَى) شخصٍ (أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللهِ؟!) بالاستفهام التَّعجبيِّ، وحذف الفعل لدلالة: «تصدَّق به» عليه، وفي حديث ابن عمر عند البزَّار والطَّبرانيِّ: إلى من أدفعه؟ قال (٤):

стр. 4311

إلى أفقر من تَعْلَم، وفي رواية إبراهيم بن سعدٍ: أعلى أفقر من أهلي؟ ولابن مسافرٍ (١) عند الطَّحاويِّ: أعلى أهل بيتٍ أفقر منِّي؟ وللأوزاعيِّ [خ¦٦١٦٤] على غير أهلي؟ ولمنصورٍ [خ¦١٩٣٧] أعلى أحوج منَّا؟ ولابن إسحاق: وهل الصَّدقة إلَّا لي وعليَّ؟ (فَوَاللهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) بغير همزةٍ (٢) تثنية لابةٍ، قال بعض رواته: (يُرِيدُ) باللَّابتين: (الحَرَّتَيْنِ) بفتح الحاء المهملة وتشديد الرَّاء: أرضٌ ذات حجارةٍ سودٍ، والمدينة بين حرَّتين (أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي) برفع «أهلُ» اسم «ما»، ونصب «أفقر» خبرها إن جَعَلْتَ «ما» حجازيَّة، وبالرَّفع إن جعلتها تميميَّة، قاله الزَّركشيُّ وغيره، وقال البدر الدَّمامينيُّ: وكذا إن جعلناها حجازيَّةً ملغاةً من عمل النَّصب بناءً على أنَّ قوله: «ما بين لابتيها» خبرٌ مُقدَّمٌ، و «أهل بيتٍ»: (٣) مبتدأٌ (٤) مُؤخَّرٌ، و «أفقر» صفةٌ له، وفي رواية عُقَيلٍ: ما أحدٌ (٥) أحقُّ به (٦) من أهلي، ما أحدٌ أحوج إليه منِّي، وفي حديث عائشة عند ابن خزيمة: ما لنا عَشَاءُ ليلةٍ (فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ) تعجُّبًا من حال الرَّجل في كونه جاء أوَّلًا هالكًا محترقًا خائفًا على نفسه راغبًا في فدائها مهما أمكنه، فلمَّا وجد الرُّخصة طمع أن يأكل ما أُعطِيه في الكفَّارة، والأنياب: جمع نابٍ؛ وهي الأسنان الملاصقة للرَّباعيَّات، وهي أربعةٌ، والضَّحك غير التَّبسُّم، وقد ورد أنَّ ضحكه كان تبسُّمًا، أي: في غالب أحواله.

стр. 4312

(ثُمَّ قَالَ) ﵊ له: (أَطْعِمْهُ) أي: ما في المكتل من التَّمر (أَهْلَكَ) من تلزمك نفقته، أو زوجتك، أو مطلق أقاربك، ولابن عُيَيْنَة في «الكفَّارات» [خ¦٦٧٠٩] «أَطْعِمْه عيالَك» وفي رواية أبي قرَّة عن ابن جريجٍ: قال (١): «كُلْه»، ولابن إسحاق: «خذها وكُلْها وأَنْفِقْها على عيالك» أي: لا عن الكفَّارة بل هو تمليكٌ مطلقٌ بالنِّسبة إليه وإلى عياله، وأخذهم إيَّاه بصفة الفقر (٢) وذلك لأنَّه لمَّا عجز عن العتق لإعساره، وعن الصِّيام لضعفه، فلمَّا حضر ما يتصدَّق به ذَكَرَ أنَّه (٣) وعياله محتاجون، فتصدَّق به ﵊ عليه وكان من مال الصَّدقة، وصارت الكفَّارة في ذمَّته، وليس استقرارها في ذمَّته مأخوذًا من هذا الحديث، وأمَّا في (٤) حديث عليٍّ بلفظ: «فَكُلْهُ أنت وعيالك، فقد كفَّر الله عنك» فضعيفٌ لا يحتجُّ به، وقد ورد الأمر بالقضاء في رواية أبي أويسٍ وعبد الجبَّار وهشام بن سعدٍ، كلُّهم عن الزُّهريِّ، وأخرجه البيهقيُّ من طريق إبراهيم بن سعدٍ عن اللَّيث عن الزُّهريِّ، وحديث ابن سعدٍ في «الصَّحيح» [خ¦٥٣٦٨] عن الزُّهريِّ نفسه بغير هذه الزِّيادة، وحديث اللَّيث عن الزُّهريِّ في «الصَّحيحين» [خ¦٦٨٢١] بدونها، ووقعت الزِّيادة أيضًا في «مُرسَل سعيد بن المُسيَّب» ونافع بن جبيرٍ والحسن ومحمَّد بن كعبٍ، وبمجموع هذه الطُّرق يُعرَف أنَّ لهذه الزِّيادة أصلًا، ويُؤخَذ من قوله: «صم يومًا» عدم اشتراط الفوريَّة للتَّنكير في قوله: «يومًا» قال البرماويُّ -كالكِرمانيِّ-: وقد استنبط بعض العلماء من هذا الحديث ألف مسألةٍ

стр. 4313

وأكثر. انتهى. فمن ذلك: أنَّ من ارتكب معصيةً لا حدَّ فيها وجاء مستفتيًا أنَّه لا يُعاقَب لأنَّه ﷺ (١) لم يعاقبه مع اعترافه بالمعصية لأنَّ معاقبة المستفتي تكون سببًا لترك الاستفتاء من النَّاس عند وقوعهم في ذلك، وهذه مفسدةٌ عظيمةٌ يجب دفعها. وفي هذا الحديث: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، ورواه ما ينيف على (٢) أربعين نفسًا عن الزُّهريِّ عن حُمَيدٍ عن أبي هريرة يطول ذكرهم، وقد أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّوم» [خ¦١٩٣٧] و (٣) «الأدب» [خ¦٦٠٨٧] و «النَّفقات» [خ¦٥٣٦٨] و «النُّذور» (٤) [خ¦٦٧٠٩] و «المحاربين» [خ¦٦٨٢١]، ومسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه. (٣١) (بابُ) حكم الصَّائم (المُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ؛ هَلْ يُطْعِمُ أَهْلَهُ مِنَ الكَفَّارَةِ إِذَا كَانُوا مَحَاوِيجَ) أم لا؟ قال الحافظ ابن حجرٍ: ولا منافاة بين هذه التَّرجمة والتي قبلها لأنَّ التي قبلها آذنت بأنَّ الإعسار بالكفَّارة لا يسقطها عن الذِّمَّة لقوله فيها: «إذا جامع ولم يكن له شيءٌ فتُصدِّق عليه فليُكفِّر»، والثَّانية تردَّدت هل المأذون له بالتَّصرُّف فيه نفس الكفَّارة أم لا؟ وعلى هذا يتنزَّل لفظ التَّرجمة. ١٩٣٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) نسبه (٥) لجدِّه، وأبوه محمَّدٌ، وهو أخو أبي بكر

стр. 4314

ابن أبي شيبة قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنِ الزُّهْرِيِّ) هو (١) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه قال: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ الأَخِرَ) بقصر الهمزة وكسر الخاء المعجمة بوزن «كَتِفِ» أي: من هو في آخر القوم (وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ) أي: جامعها (فِي) نهار (رَمَضَانَ، فَقَالَ) ﵇ له: (أَتَجِدُ مَا تُحَرِّرُ) أي: تعتق به (٢) (رَقَبَةً؟) بالنَّصب مفعول «تحرِّر» (قَالَ) الرَّجل: (لَا) أجد (قَالَ) ﵊: (فَتَسْتَطِيعُ (٣) أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ) الرَّجل: (لَا) أستطيع (قَالَ) ﵊: (أَفَتَجِدُ مَا تُطْعِمُ بِهِ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟) وسقط لأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر لفظ «به» (قَالَ) الرَّجل: (لَا) أجد (قَالَ) أبو هريرة: (فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بضمِّ الهمزة وكسر الفوقيَّة مبنيًّا للمفعول (بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ) من تمر الصَّدقة (وَهُوَ) أي: العرق (الزَّبِيلُ) بفتح الزَّاي وكسر المُوحَّدة المُخفَّفة: القفَّة، وفي نسخةٍ: «الزَّنبيل» بالنُّون (قَالَ) ﵊ للرَّجل: (أَطْعِمْ هَذَا) التَّمر (عَنْكَ) ولابن إسحاق: فتصدَّق به عن نفسك، واستدلَّ به على أنَّ الكفَّارة عليه وحده دون الموطوءة؛ إذ لم يُؤمَر بها إلَّا هو مع الحاجة إلى البيان، ولنقصان صومها بتعرُّضه (٤) للبطلان بعروض الحيض أو نحوه، فلم تكمل (٥) حرمته حتَّى تتعلَّق به الكفَّارة، ولأنَّها غرمٌ ماليٌّ يتعلَّق بالجماع فيختصُّ بالرَّجل الواطئ كالمهر، لا يجب (٦) على الموطوءة،

стр. 4315

وقال المالكيَّة: إذا وطئ أَمَتَهُ في نهار رمضان وجبت عليه كفَّارتان: إحداهما: عن نفسه، والأخرى: عن الأَمَة وإن طاوعته لأنَّ مُطاوَعتها كالإكراه للرِّقِّ، وكذلك يكفِّر عن الزَّوجة إن أكرهها على الجماع، وتكفيره عنهما بطريق النِّيابة عنهما لا بطريق الأصالة؛ فلذلك لا يكفِّر عنهما إلَّا بما يجزئهما في التَّكفير، فيكفِّر عن الأَمَة بالإطعام لا بالعتق؛ إذ لا ولاء لها، ولا بالصَّوم لأنَّ الصَّوم لا يقبل النِّيابة، ويكفِّر عن الزَّوجة الحرَّة بالعتق أو الإطعام، فإن أعسر كفَّرت الزَّوجة عن نفسها، ورجعت عليه إذا أيسر بالأقلِّ من قيمة الرَّقبة التي أعتقت أو مكيلة الطَّعام، وأوجبها الحنفيَّة على المرأة المطاوعة لأنَّها شاركت الرَّجل في الإفساد فتشاركه في وجوب الكفَّارة، أي: سواءٌ كانت زوجةً أو أمةً، وقال الحنابلة: ولا يلزم المرأة كفَّارةٌ مع العذر، قال المرداويُّ: نصَّ عليه وعليه (١) أكثر الأصحاب، وعنه: تكفِّر وترجع بها على الزَّوج، اختاره بعض الأصحاب، وهو الصَّواب. انتهى. وأمَّا حديث الدَّارقُطنيِّ عن أبي ثورٍ قال: حدَّثنا مُعلَّى بن منصورٍ قال: حدَّثنا سفيان بن عيينة عن الزُّهريِّ عن حُمَيدٍ عن أبي هريرة قال: جاء أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: هلكت وأهلكت … الحديثَ؛ فقد تفرَّد به أبو ثورٍ عن مُعلَّى بن منصورٍ عن ابن عيينة بقوله: «وأهلكت»، وأخرجه البيهقيُّ عن جماعةٍ عن الأوزاعيِّ عن الزُّهريِّ به (٢)، وفيه قولُه: «وأهلكتُ» وقال (٣): ضعَّف شيخنا أبو عبد الله الحاكم هذه اللَّفظة، وكافَّة أصحاب الأوزاعيِّ روَوْه دونها، واستدلَّ الحاكم على أنَّها خطأٌ: بأنَّه نظر في «كتاب الصَّوم» -تصنيف المُعلَّى بن منصورٍ- فوجد فيه هذا الحديث دون هذه اللَّفظة، وأنَّ (٤) كافَّة أصحاب سفيان روَوْه دونها. (قَالَ) الرَّجل: أتصدَّق به (عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا؟) بحذف همزة الاستفهام، والفعل الذي يتعلَّق به الجارُّ لدلالة قوله: «أطعمْ هذا عنك»، وهو استفهامٌ تعجبيٌّ، أي: ليس (٥) أحدٌ أفقرَ منَّا حتَّى

стр. 4316

أتصدَّق به عليه (مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) وفي الرِّواية السَّابقة [خ¦١٩٣٦] «فوالله ما بين لابتيها» (أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا، قَالَ) ﵊: (فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ) قيل: أراد بهم من لا تلزمه نفقتهم من أقاربه، وهو قول بعض الشَّافعيَّة، ورُدَّ بقوله في الرِّواية الأخرى [خ¦٦٧٠٩] «عيالك»، وبالأخرى المصرِّحة بالإذن له في الأكل من ذلك، وقيل: هو خاصٌّ بهذا الرَّجل، وإليه نحا إمام الحرمين، وعُورِض بأنَّ الأصل عدم الخصوصيَّة، وقيل: هو منسوخٌ، ولم يعيِّن (١) قائلُه ناسخَه، وقال الشَّافعيُّ في «الأمِّ»: يحتمل أنَّه لمَّا أخبره بفقره صَرَفَه له صدقةً، أو أنَّه ملَّكه إيَّاه وأمره (٢) بالتَّصدُّق به، فلمَّا أخبره بفقره أذن له في صرفها لهم؛ للإعلام بأنَّها إنَّما تجب بعد الكفاية، أو أنَّه تطوَّع بالتَّكفير به عنه بإذنه، وسوَّغ له صرفها لأهله للإعلام بأنَّ لغير المكفِّر التَّطوُّع بالتَّكفير عنه بإذنه، وأنَّ له صرفها لأهل المُكفَّر عنه، فأمَّا أنَّ الشَّخص يكفِّر عن نفسه ويصرف إلى أهله فلا. (٣٢) (بابُ) حكم (الحِجَامَةِ وَالقَيْءِ لِلصَّائِمِ). قال المؤلِّف بالسَّند السَّابق: (وَقَالَ لِي يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ) الوَُِحاظيُّ الحمصيُّ: (حَدَّثَنَا

стр. 4317

مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ) بتشديد اللَّام، قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابن أبي كثيرٍ (عَنْ عُمَرَ) بضمِّ العين وفتح الميم (بْنِ الحَكَمِ) بفتح الحاء والكاف (بْنِ ثَوْبَانَ) بالمُثلَّثة والمُوحَّدة المفتوحتين المدنيِّ أنَّه (سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁¬) يقول: (إِذَا قَاءَ) الصَّائم بغير اختياره بأن غلبه (فَلَا يُفْطِرُ) لأنَّ القيء (إِنَّمَا يُخْرِجُ) من الخروج (وَلَا يُولِجُ) من الإيلاج؛ يعني: أنَّ الصِّيام لا يُنقَض إلَّا بشيءٍ يدخل، وللكُشْمِيْهَنِيِّ -ممَّا في «الفتح» -: «إنَّه» (١) أي: القيء «يُخرِج ولا يُولِج» وهذا منقوضٌ بالمنيِّ فإنَّه يخرج، وهو موجبٌ للقضاء والكفَّارة. (وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّهُ يُفْطِرُ) أي: إذا تعمَّد القيء، وإن لم يعد شيء منهٌ إلى جوفه، فهو محمولٌ على حديثه المرفوع المرويِّ عند المؤلِّف في «تاريخه الكبير» بلفظ: «مَنْ ذَرَعه القيء وهو صائمٌ فليس عليه القضاء (٢)، وإن استقاء فليقض» لكن ضعَّفه المؤلِّف، ورواه أصحاب «السُّنن الأربعة»، وقال التِّرمذيُّ: والعمل عند أهل العلم عليه، وبه يقول الشَّافعيُّ وسفيان الثَّوريُّ وأحمد وإسحاق، وقد صحَّحه الحاكم وقال: على شرط الشَّيخين وابن حبَّان، وقال الحنفيَّة: ولا يجب القضاء بغلبة القيء عليه، وخروجه من فمه، قلَّ أو كثر، لا تعمُّده؛ فإنَّه يفسده وعليه القضاء، ويعتبر أبو يوسف في إفساده امتلاء الفم في التَّعمُّد وفي عوده إلى الدَّاخل، سواءٌ أعاده أو لم يعده لوجوب القضاء لأنَّه إذا كان ملء الفم يُعدَّ خارجًا لانتقاض الطَّهارة به، فيفسد الصَّوم، وإذا عاد حال كونه ملء الفم يُعَدُّ داخلًا لسبق اتِّصافه بالخروج حكمًا، ولا كذلك إذا لم يملأه فلا يفسد، واعتبر محمَّد بن الحسن قصد الصَّائم وفعله في ابتداء القيء وفي عوده، سواءٌ كان ملء الفم أو لم يكن لقوله ﷺ (٣): «من استقاء عمدًا فعليه القضاء» من غير فصلٍ بين القليل والكثير، وإذا أعاده يوجد منه الصُّنع في الإدخال إلى

стр. 4318

الجوف، فيفسد به صومه وإن قلَّ القيء، وخلاصة المفهوم ممَّا سبق: أنَّ في صورة الاستقاءة (١) يفسد الصَّوم عند أبي يوسف إذا كان ملء الفم، سواءٌ عاد القيء بعده أو لم يَعُد أو أعاده؛ لاتِّصافه بالخروج، وعند محمد: يفسد على كلِّ الأحوال؛ لوجود التَّعمُّد فيه (٢)، وأمَّا إذا غلبه القيء: فإن كان ملء الفم يفسد عند أبي يوسف، عاد أو أعاده لِمَا (٣) مرَّ، وعند محمد: لا يفسد إذا عاد أو لم يعد لانعدام الصُّنع منه، ويفسد إذا أعاد، وإن لم يكن ملء الفم لا يفسد إذا عاد أو لم يعد اتِّفاقًا، ويفسد عند محمَّدٍ إذا أعاده (وَالأَوَّلُ) القائل: إنَّه لا يفطر (أَصَحُّ). (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ) ﵃ ممَّا وصله ابن أبي شيبة: (الصَّوْمُ) أي: الإمساك واجبٌ (مِمَّا دَخَلَ) في الجوف (وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر في نسخةٍ: «الفطر» بدل قوله: «الصَّوم». (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄¬) ممَّا وصله مالكٌ في «المُوطَّأ» (يَحْتَجِمُ، وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ تَرَكَهُ، فَكَانَ يَحْتَجِمُ) وهو صائمٌ (بِاللَّيْلِ) لأجل الضَّعف (وَاحْتَجَمَ أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريُّ فيما وصله ابن أبي شيبة (لَيْلًا). (وَيُذْكَرُ) مبنيًّا للمفعول (عَنْ سَعْدٍ) بسكون العين ابن أبي وقَّاصٍ أحد العشرة، ممَّا وصله مالكٌ في «مُوطَّئه» (٤) وفيه انقطاعٌ، لكن ذكره ابن عبد البرِّ من وجهٍ آخر (وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ) الأنصاريِّ ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق (وَأُمِّ سَلَمَةَ) أمِّ المؤمنين ممَّا وصله ابن أبي شيبة: أنَّهم الثَّلاثة (احْتَجَمُوا) حال كونهم (صِيَامًا). (وَقَالَ بُكَيْرٌ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الكاف، ابن عبد الله بن الأشجِّ (عَنْ أُمِّ عَلْقَمَةَ) مرجانة كما سمَّاها البخاريُّ، وذكرها ابن حبَّان في «الثِّقات»، ووصل هذا المؤلِّف في «تاريخه»: أنَّها قالت: (كُنَّا نَحْتَجِمُ عِنْدَ عَائِشَةَ) ﵂، أي: ونحن صيامٌ (فَلَا تَنْهَى) عائشة عن ذلك، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فلا نُنْهَى» بضمِّ النُّون الأولى التي للمتكلِّم ومعه (٥) غيره وسكون الثَّانية على صيغة المجهول.

стр. 4319

(وَيُرْوَى) مبنيًّا للمفعول (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ (عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ) من الصَّحابة، وهم شدَّاد ابن أوسٍ وأسامة بن زيدٍ وأبو هريرة وثوبان ومعقل بن يسار، ويحتمل أنَّه سمعه (١) من كلِّهم (مَرْفُوعًا) إلى النَّبيِّ ﷺ (فَقَالَ) بالفاء، وفي (٢) بعض الأصول: «وقال» ولأبي ذرٍّ: إسقاطهما (٣): (أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ) وصله النَّسائيُّ من طرقٍ عن أبي حُرَّة (٤) عن الحسن، وقال عليُّ بن المدينيِّ: رواه (٥) يونس عن الحسن، وقد أخذ بظاهره أحمد ﵀: أنَّهما يفطران، وعليه جماهير أصحابه، وهو من المفردات، وعنه: إن علما بالنَّهي أفطرا، وإلَّا فلا، وقال في الفروع: ظاهر كلام أحمد والأصحاب أنَّه لا فطر إن لم يظهر دمٌ، قال وهو متَّجهٌ (٦)، واختاره شيخنا وضعَّف خلافه، ولو خرج الدَّم بنفسه لغير التَّداوي بدل الحجامة لم يفطر. انتهى. وقال الأئمَّة الثَّلاثة: لا يفطر لما سيأتي، وحملوا الحديث -كما قال البغويُّ- على معنى: أنَّهما تعرَّضا للإفطار، المحجوم للضَّعف، والحاجم لأنَّه لا يأمن (٧) أن يصل إلى جوفه شيءٌ بمصِّ المحجم، لكنَّ الحديث قد تُكلِّم فيه، فقال الدَّارقُطنيُّ في «العلل»: اختُلِف على عطاء بن السَّائب في الصَّحابيِّ، وكذا اختُلِف على يونس أيضًا. قال المؤلِّف: (وَقَالَ لِي عَيَّاشٌ) بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ومعجمةٍ ابن الوليد الرَّقَّام البصريُّ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى السَّاميُّ القرشيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) هو ابن عبيد بن دينارٍ البصريُّ التَّابعيُّ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ التَّابعيِّ (مِثْلَهُ) أي: مثل السَّابق: «أفطر الحاجم والمحجوم»، وقد أخرجه المؤلِّف في «تاريخه»، والبيهقيُّ من طريقه (قِيلَ لَهُ) أي: للحسن: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) الذي يحدِّث به: «أفطر الحاجم والمحجوم»؟ (قَالَ: نَعَمْ) عنه ﷺ (ثُمَّ قَالَ) متردِّدًا بعد الجزم: (اللهُ أَعْلَمُ).

стр. 4320

١٩٣٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) بضمِّ الميم وتشديد اللَّام العمِّيُّ، أخو بهز بن أسدٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) هو ابن خالدٍ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ) ولابن عساكر: «قال: احتجم النَّبيُّ ﷺ » (وَهْوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ) أيضًا (وَهْوَ صَائِمٌ) وهذا (١) ناسخٌ لحديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» [خ¦٣٠/ ٣٢ - ٣٠٣٤] لأنَّه جاء في بعض طرقه أنَّ ذلك كان في حجَّة الوداع، وسبق إلى ذلك الشَّافعيُّ، ولفظ البيهقيِّ في «كتاب المعرفة» له بعد حديث ابن عبَّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ احتجم وهو صائمٌ، قال الشَّافعيُّ في رواية أبي عبد الله: وسماع ابن عبَّاسٍ عن (٢) رسول الله ﷺ عام الفتح، ولم يكن يومئذٍ محرمًا ولم يصحبه محرمًا قبل حجَّة الإسلام، فذكر ابن عبَّاسٍ حجامة النَّبيِّ ﷺ عام حجَّة الإسلام (٣) سنة عشرٍ، وحديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» في الفتح سنة ثمانٍ قبل حجَّة الإسلام بسنتين، فإن كانا ثابتين فحديث ابن عبَّاسٍ ناسخٌ، وحديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» منسوخٌ. انتهى. وقال ابن حزمٍ: صحَّ حديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» بلا ريبٍ، لكن وجدنا من حديث أبي سعيدٍ: أرخص النَّبيُّ ﷺ في الحجامة للصَّائم، وإسناده صحيحٌ، فوجب الأخذ به لأنَّ الرُّخصة إنَّما تكون بعد العزيمة، فدلَّ على نسخ الفطر بالحجامة، سواءٌ كان حاجمًا أو محجومًا، قال في «الفتح»: والحديث المذكور أخرجه النَّسائيُّ وابن خزيمة والدَّارقُطنيُّ، ورجاله ثقاتٌ، ولكن اختُلِف في رفعه ووقفه، وله شاهدٌ من حديث أنسٍ أخرجه الدَّارقُطنيُّ، ولفظه: أوَّل ما كرهت الحجامة للصَّائم أنَّ جعفر بن أبي طالبٍ احتجم وهو صائمٌ، فمرَّ به رسول الله ﷺ فقال: «أفطر هذان»، ثمَّ رخَّص رسول الله ﷺ بعدُ في الحجامة للصَّائم.

стр. 4321

١٩٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) عبد الله بن عمرٍو (١) المنقريُّ المُقعَد قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ التَّميميُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ) وهذا طريقٌ آخر لحديث ابن عبَّاسٍ، وقد أخرجه الطَّحاويُّ من عشر (٢) طرقٍ، وأخرجه أبو داود نحو رواية البخاريِّ، وأخرجه الإسماعيليُّ ولم يذكر ابن عبَّاسٍ، واختُلِف على حمَّادٍ في وصله وإرساله، وهو صحيحٌ بلا شكٍّ، وقد سقط حديث مَعْمَرٍ هذا عند أبي ذرٍّ وابن عساكر كما في فرع «اليونينيَّة». ١٩٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف الياء، قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: سَمِعْتُ ثَابِتًا البُنَانِيَّ) بضمِّ المُوحَّدة (يَسْأَلُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁¬) بلفظ المضارع في قوله: «يسأل»، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذا غلطٌ؛ فإنَّ شعبة ما حضر سؤال ثابتٍ لأنسٍ، وقد سقط منه رجلٌ بين شعبة وثابتٍ، فرواه الإسماعيليُّ وأبو نُعيمٍ عن البيهقيِّ من طريق جعفر بن محمَّدٍ القلانسيِّ، وأبي قرصافة محمَّد بن عبد الوهَّاب، وإبراهيم بن حُسَين بن دِيزِيل (٣)، كلُّهم عن آدم بن أبي إياسٍ شيخ البخاريِّ فيه، فقال: عن شعبة عن حميدٍ قال: سمعت ثابتًا وهو يسأل أنس بن مالكٍ فذكره، وأشار الإسماعيليُّ والبيهقيُّ إلى أنَّ الرِّواية التي وقعت للبخاريِّ خطأٌ، وأنَّه سقط منه حميدٌ، ولأبي ذرٍّ-كما في الفرع-: «سُئِل أنس بن مالكٍ» بضمِّ السِّين مبنيًّا للمفعول، وهو كذلك في أصول البخاريِّ، ونسب الأولى في «الفتح» لأبي الوقت: (أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ) للبدن، وحينئذٍ فيُندَب تركها كالفصد ونحوهما (٤) تحرُّزًا عن إضعاف البدن وخروجًا من الخلاف في الفطر بذلك وإن كان منسوخًا.

стр. 4322

(وَزَادَ شَبَابَةُ) بالمعجمة (١) والمُوحَّدتين المفتوحات (٢) ابن سَوَّارٍ الفزاريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج: (عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذا يشعر بأنَّ رواية شبابة موافقةٌ لرواية آدم في الإسناد والمتن إلَّا أنَّ شبابة زاد فيه ما يؤكِّد رفعه، وقد أخرج ابن منده في «غرائب شعبة» طريق شبابة فقال: حدَّثنا محمَّد بن أحمد بن حاتمٍ: حدَّثنا عبد الله بن روحٍ: حدَّثنا شبابة: حدَّثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي المتوكِّل عن أبي سعيدٍ، وبه عن شعبة عن حميدٍ عن أنسٍ نحوه، وهذا يؤكِّد صحَّة ما اعترض به الإسماعيليُّ ومن تبعه، ويشعر بأنَّ الخلل فيه من غير البخاريِّ؛ إذ لو كان إسناد شبابة عنده مخالفًا لإسناد آدم لبيَّنه، وهذا واضحٌ لا خفاء به (٣)، والله أعلم. (٣٣) (بابُ) حكم (الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ وَ) حكم (الإِفْطَارِ) فيه. ١٩٤١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) سليمان بن أبي سليمان فيروزَ (الشَّيْبَانِيِّ) أنَّه (سَمِعَ ابْنَ أَبِي أَوْفَى) عبد الله (¬﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ) ولابن عساكر: «مع النَّبيِّ» (¬ ﷺ ¬) أي: وهو صائمٌ (فِي سَفَرٍ) في شهر رمضان كما في «مسلمٍ» في غزوة الفتح لا في بدرٍ لأنَّ ابن أبي أوفى لم يشهدها (فَقَالَ لِرَجُلٍ) هو

стр. 4323

بلالٌ كما في رواية أبي داود وابن بشكُوال، ولـ «مسلمٍ»: «فلمَّا غابت الشَّمس»، ولـ «البخاريِّ» [خ¦١٩٥٥]: «فلمَّا غربت الشَّمس، قال:» (انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي) بهمزة وصلٍ بعد الفاء وسكون الجيم وفتح الدَّال وبعدها حاءٌ مهملتين أمرٌ من الجدح؛ وهو الخلط، أي: اخلط السَّويق بالماء أو اللَّبن بالماء وحرِّكه لأفطر عليه، وقول الدَّاوديِّ: -إنَّ معناه: احلب- ردَّه عياضٌ (قَالَ) بلالٌ: (يَا رَسُولَ اللهِ الشَّمْسَُ؟) باقيةٌ، أي: نورها، أو «الشَّمس»: رفع خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هذه الشَّمس، ولغير أبي ذرٍّ: «الشَّمسَ» بالنَّصب (١) أي: انظر الشَّمس، ظنَّ أنَّ بقاء النُّور وإن غاب القرص مانعٌ من الإفطار (قَالَ) ﵊: (انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي) لأفطر (قال) بلالٌ: (يَا رَسُولَ اللهِ الشَّمْسَُ) بالرَّفع والنَّصب (قَالَ) ﵊: (انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي، فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُ) ﵊ (فَشَرِبَ) وكرَّر: «انزل فاجدح لي» ثلاث مرَّاتٍ، وتكرير المراجعة من بلالٍ للرَّسول ﷺ لغلبة اعتقاده أنَّ ذلك نهارٌ (٢) يحرم فيه الأكل، مع تجويزه أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم ينظر إلى ذلك الضَّوء نظرًا تامًّا، فقصد زيادة الإعلام، فأجابه ﵊ بأنَّ ذلك لا (٣) يضرُّ، وأعرض عن الضَّوء واعتبر غيبوبة الجِرم، ثمَّ بيَّن ما يعتبره من لم يتمكَّن من رؤية جرم الشَّمس؛ كما حكاه الرَّاوي

стр. 4324

عنه بقوله: (ثُمَّ رَمَى) أي: أشار ﵊ (بِيَدِهِ هَهُنا) أي: إلى المشرق (١)، وإنَّما أشار إليه لأنَّ أوَّل الظُّلمة لا تُقبِل منه إلَّا وقد سقط القرص (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ أَقْبَلَ مِنْ هَهُنَا) أي: من جهة المشرق (فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ) أي: دخل وقت إفطاره. واستُنبِط من هذا الحديث أنَّ صوم رمضان في السَّفر أفضل من الإفطار لأنَّه ﷺ كان صائمًا في شهر رمضان في السَّفر، ولقوله تعالى: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ولبراءة الذِّمَّة وفضيلة الوقت، وفارق ذلك أفضليَّة القصر في السَّفر بأنَّ في القصر براءةَ الذِّمَّة ومحافظةً على فضيلة (٢) الوقت بخلاف الفطر، وبأنَّ فيه خروجًا من الخلاف، وليس هنا خلافٌ يُعتَدُّ به في إيجاب الفطر، فكان الصَّوم أفضل، نعم إن خاف من الصَّوم ضررًا في الحال أو الاستقبال فالفطر أفضل، وعليه يُحمَل الحديث الآتي قريبًا -إن شاء الله تعالى- بعد بابٍ بلفظ: كان رسول الله ﷺ في سفرٍ فرأى زِحامًا ورجلًا قد ظُلِّل عليه، فقال: «ما هذا؟» فقالوا: صائمٌ، فقال: «ليس من البرِّ الصَّومُ (٣) في السَّفر» [خ¦١٩٤٦]، وقال المالكيَّة: يجوز الفطر في سفر القصر إذا شرع في السَّفر قبل الفجر ولم ينو الصِّيام في السَّفر، وقد خرج بقولهم: «شرع فيه قبل الفجر» ما إذا سافر بعده، فإنَّ فطره (٤) ذلك اليوم لا يجوز عندهم إذا نوى الصَّوم قبل خروجه، وبقولهم: «ولم ينو الصِّيام في السَّفر» ما إذا نوى الصَّوم في السَّفر، فإنَّ فطره لا يجوز، فإن خالف في الوجهين فأفطر لزمه القضاء، ولو كان صومه تطوُّعًا، ولا كفَّارة عليه في المسألة الأولى بخلاف الثَّانية، وقال الحنابلة: يُستحَبُّ له الفطر، قال المرداويُّ: وهذا هو (٥) المذهب، وعليه الأصحاب ونصَّ عليه، وهو من المفردات، وسواءٌ وجد مشقَّةً أم لا، وفي وجهٍ: إنَّ الصَّوم أفضل.

стр. 4325

وهذا الحديث من الرُّباعيَّات، وأخرجه أيضًا في «الصَّوم» [خ¦١٩٥٥] و «الطَّلاق» [خ¦٥٢٩٧]، ومسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ. (تَابَعَهُ) أي: تابع سفيان بن عيينة في أصل الحديث (جَرِيرٌ) بفتح الجيم ابن عبد الحميد، ممَّا وصله في «الطَّلاق» [خ¦٥٢٩٧] (وَ) تابعه أيضًا (أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ) بالشِّين المعجمة ابن سالمٍ الأسديُّ الكوفيُّ المقرئ، ممَّا وصله في «تعجيل الإفطار»، كلاهما (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) أي (١): أبي إسحاق المذكور (عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ). ١٩٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (٢) (أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين ﵂ (أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو) بفتح العين وسكون الميم (الأَسْلَمِيَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ) أي: أتابعه، ففيه: أنَّ صوم الدَّهر لا يُكرَه لمن لا يتضرَّر به (٣)، وإنَّما أنكر على عبد الله بن عمرو بن العاص صوم الدَّهر لعلمه أنَّه سيضعف عن ذلك بخلاف حمزة هذا فإنَّه وجد فيه القوَّة، ومطابقته للتَّرجمة من حيث إنَّ سرد الصَّوم يتناول الصَّوم في السَّفر أيضًا (٤) كما هو الأصل في الحضر، وقد أخرج الحديث من طريقين: هذه والتَّالية لها. ١٩٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ

стр. 4326

عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ) ﵁ (قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَأَصُومُ (١) فِي السَّفَرِ؟) بهمزتين؛ الأولى: همزة الاستفهام والأخرى: همزة المتكلِّم (وَكَانَ) حمزة (كَثِيرَ الصِّيَامِ، فَقَالَ) ﵊ له: (إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ) بهمزة قطعٍ، وعند مسلمٍ من رواية أبي مُرَاوحٍ (٢) أنَّه قال: يا رسول الله أجد بي قوَّةً على الصِّيام في السَّفر، فهل عليَّ جناحٌ؟ فقال رسول الله ﷺ : «هي رخصةٌ من الله، فمن أخذ بها فحسنٌ، ومن أحبَّ أن يصوم فلا جناح عليه» وهذا مشعرٌ (٣) بأنَّه سأل عن صيام الفريضة لأنَّ الرُّخصة إنَّما تُطَلق في مقابلة الواجب، وأصرح من ذلك ما رواه أبو داود والحاكم من طريق محمَّد بن حمزة بن عمرٍو عن أبيه أنَّه قال: يا رسول الله إنِّي صاحب ظهرٍ أعالجه، أسافر عليه وأكريه، وإنَّه ربَّما صادفني هذا الشَّهر -يعني: رمضان- وأنا أجد القوَّة، وأجدني أن أصوم أهون عليَّ من أن أؤخِّره فيكون دينًا عليَّ؟ فقال: «أيُّ ذلك شئتَ يا حمزة». (٣٤) هذا (٤) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا صَامَ) شخصٌ (٥) (أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ سَافَرَ) هل يُباح له الفطر؟ ١٩٤٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ

стр. 4327

شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعودٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فِي) غزوة الفتح يوم الأربعاء بعد العصر لعشرٍ مضين من (رَمَضَانَ فَصَامَ، حَتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ) بفتح الكاف وكسر الدَّال الأولى؛ وهو موضعٌ بينه وبين المدينة سبع مراحل أو نحوها، وبينه وبين مكَّة نحو مرحلتين (أَفْطَرَ، فَأَفْطَرَ النَّاسُ) معه وكان بعد العصر كما في «مسلمٍ» من طريق الدَّراورديِّ عن جعفر بن محمَّد ابن عليٍّ عن أبيه عن جابرٍ في هذا الحديث، ولفظه: فقيل له: إنَّ النَّاس قد شقَّ عليهم الصِّيام، وإنَّما ينتظرون فيما فعلت، فدعا بقدحٍ من ماءٍ بعد العصر، ففيه: أنَّ المسافر له أن يصوم بعض رمضان ويفطر بعضه، ولا يلزمه (١) بصوم بعضه تمامه، وأنَّه إذا نوى السَّفر ليلًا فإنَّه يُباح له الفطر لدوام العذر ولا يُكرَه كما في المجموع، وكذا يُباح له الفطر إذا كان مقيمًا ونوى ليلًا، ثمَّ حدث له السَّفر قبل الفجر، فلو حدث بعده فلا؛ تغليبًا للحضر، وقال الحنابلة: إن نوى الحاضر صوم يومٍ ثمَّ سافر في أثنائه فله الفطر، قال في «الإنصاف»: وهذا هو (٢) المذهب مطلقًا، وعليه الأصحاب، سواءٌ كان طوعًا أو كرهًا، وهو من مفردات المذهب، ولكن لا يفطر قبل خروجه، وعنه: لا يجوز له الفطر مطلقًا، ولو نوى الصَّوم في سفره فله الفطر، وهذا هو المذهب مطلقًا، وعليه الأصحاب، وعنه: لا يجوز له الفطر بالجِمَاع؛ لأنَّه لا يُقَوِّي على السَّفر، فعلى الأوَّل قال أكثر الأصحاب؛ لأنَّ من له الأكل له الجماع، وذكر جماعةٌ من الأصحاب أنَّه يفطر بنيَّة الفطر، فيقع الجماع بعد الفطر، فعلى هذا لا كفَّارة بالجماع. انتهى. وهذا الحديث فيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وقال القابسيُّ: إنَّه من مُرسَلات الصَّحابة لأنَّ ابن عبَّاسٍ كان في هذه السَّفرة مقيمًا مع أبويه بمكَّة، فلم يشاهد هذه القصَّة، فكأنَّه سمعها من غيره من الصَّحابة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجهاد» [خ¦٢٩٥٣] و «المغازي» [خ¦٤٢٧٥]، ومسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا النَّسائيُّ.

стр. 4328

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) المؤلِّف: (وَالكَدِيدُ) بفتح الكاف (مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ) بضمِّ العين وسكون السِّين المهملتين وفتح الفاء: قريةٌ جامعةٌ بينها وبين مكَّة ثمانيةٌ وأربعون ميلًا (وَ) بين (قُدَيْدٍ) بضمِّ القاف وفتح الدَّال الأولى مُصغَّرًا، وسقط في رواية غير المُستملي قوله: «قال أبو عبد الله» ووقع في «اليونينيَّة» نسبة سقوطه لابن عساكر فقط، وسيأتي إن شاء الله تعالى في «المغازي» [خ¦٤٢٧٥] من وجهٍ آخر موصولًا هذا التَّفسير في نفس الحديث. (٣٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين بغير ترجمةٍ للأكثر، وسقط من رواية النَّسفيِّ ومن «اليونينيَّة». ١٩٤٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ) الدِّمشقيُّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وثمانين ومئةٍ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ) الشَّاميِّ (أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا (حَدَّثَهُ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ) الصُّغرى، واسمها هُجَيمة التَّابعيَّة، وليست الكبرى المُسمَّاة خَيْرة الصَّحابيَّة، وكلتاهما زوجتا أبي الدَّرداء (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) عويمر بن مالكٍ الأنصاريِّ الخزرجيِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ) ولابن عساكر: «مع (١) رسول الله» (¬ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ) زاد مسلمٌ من طريق سعيد بن عبد العزيز: في شهر رمضان، وليس ذلك في غزوة الفتح لأنَّ عبد الله بن رواحة المذكور في هذا الحديث (٢) أنَّه كان صائمًا، استُشهِد

стр. 4329

بمؤتة قبل غزوة الفتح بلا خلافٍ، ولا في غزوة بدرٍ لأنَّ أبا الدَّرداء لم يكن حينئذٍ أسلم (فِي يَوْمٍ حَارٍّ) ولـ «مسلمٍ»: في حرٍّ شديدٍ (حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا مَا كَانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَابْنِ رَوَاحَةَ) عبد الله، وهذا ممَّا (١) يؤيِّد أنَّ هذه السَّفرة لم تكن في (٢) غزوة الفتح لأنَّ الذين استمرُّوا على الصِّيام من الصَّحابة كانوا جماعةً، وفي هذا أنَّه (٣) ابن رواحة وحده، ومطابقة هذا الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّ الصَّوم والإفطار لو لم يكونا مباحين في السَّفر لَمَا صام النَّبيُّ ﷺ وابن رواحة وأفطر الصَّحابة. ورواته (٤) كلُّهم شاميُّون إلَّا شيخ المؤلِّف، وقد دخل الشَّام، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود في «الصَّوم». (٣٦) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَنْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ) بشيءٍ له ظلٌّ (وَاشْتَدَّ الحَرُّ) جملةٌ فعليَّةٌ حاليَّةٌ: (لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ). ١٩٤٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سعد بن زرارة (الأَنْصَارِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم من «عَمْرٍو»، وفتح الحاء من «الحَسن»، وجدُّه أبو طالبٍ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ) في غزوة الفتح كما في «التِّرمذيِّ» (فَرَأَى زِحَامًا) بكسر الزَّاي: اسمٌ للزَّحمة، والمراد هنا: الوصف لمحذوفٍ، أي:

стр. 4330

فرأى قومًا مزدحمين (١) (وَرَجُلًا) قيل: هو أبو إسرائيل العامريُّ، واسمه قيسٌ، وعزاه مُغلطاي لمبهمات الخطيب، ونُوزِع في نسبة ذلك للخطيب (قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ) أي: جُعِل عليه شيءٌ يظلِّله من الشَّمس لما حصل له من شدَّة العطش وحرارة الصَّوم، وقوله: «ظُلِّل» بضمِّ الظَّاء مبنيًّا للمفعول، والجملة حاليَّةٌ (فَقَالَ) ﵊: (مَا هَذَا؟) وللنَّسائيِّ: «ما بال صاحبكم هذا؟» (فَقَالُوا) أي: من حضر من الصَّحابة، ولابن عساكر: «قالوا» بإسقاط الفاء: (صَائِمٌ، فَقَالَ) ﵊: (لَيْسَ مِنَ البِرِّ) بكسر الباء، أي: ليس من الطَّاعة والعبادة (الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ) إذا بلغ بالصَّائم هذا المبلغ من المشقَّة، ولا تمسُّك بهذا الحديث لبعض الظَّاهريَّة القائلين بأنَّه لا ينعقد الصَّوم في السَّفر لأنَّه عامٌّ خرج على سببٍ، فإن قيل بقصره عليه لم (٢) تقم به حجَّةٌ، وإن لم يُقْلَ بقصره عليه حُمِل على مَنْ حاله مثل حال الرَّجل وبلغ به ذلك المبلغ، وحديث: صومه ﷺ حتَّى بلغ الكَدِيد [خ¦١٩٤٤] وحديث: «فمنَّا الصَّائم، ومنَّا المفطر» يردُّ عليهم، وقول الزَّركشيِّ وتبعه صاحب «جمع العدَّة لفهم العمدة»: «من» -في قوله: «ليس من البرِّ» - زائدةٌ لتأكيد النَّفي، وقيل: للتَّبعيض، وليس بشيءٍ، تعقَّبه البدر (٣) الدَّمامينيُّ فقال: هذا عجيبٌ لأنَّه أجاز ما المانعُ منه قائمٌ ومَنَعَ ما لا مانع منه، وذلك أنَّ من شروط زيادة «من» أن يكون مجرورها نكرةً، وهو في الحديث معرفةٌ، وهذا هو المذهب المُعوَّل عليه، وهو مذهب البصريِّين خلافًا للأخفش والكوفيِّين، وأمَّا كونها للتَّبعيض فلا يظهر لمنعه وجهٌ؛ إذ المعنى: أنَّ الصَّوم في السَّفر ليس معدودًا من أنواع البرِّ، وأمَّا رواية: «ليس من امبر امصيام في امسفر» -بإبدال اللَّام ميمًا في لغة أهل اليمن- فهي في «مُسنَد الإمام أحمد» لا في «البخاريِّ». وحديث الباب رواه مسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ.

стр. 4331

(٣٧) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين، يُذكر فيه: (لَمْ يَعِبْ أَصْحَابُ النَّبِي ﷺ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الصَّوْمِ وَالإِفْطَارِ) في السَّفر. ١٩٤٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (قَالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ (١) ﷺ فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى المُفْطِرِ، وَلَا المُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ) أصل «لم يعب» يعيب، فلمَّا سُكِّن للجزم التقى ساكنان، فحُذِفت الياء، وفيه ردٌّ على من أبطل صوم المسافر لأنَّ تركهم لإنكار الصَّوم والفطر يدلُّ على أنَّ ذلك عندهم من المتعارف الذي تجب الحجَّة به، وفي حديث أبي سعيدٍ عند مسلمٍ: كنَّا نغزو مع رسول الله ﷺ فلا يجد الصَّائم على المفطر ولا المفطر على الصَّائم، يرون أنَّ من وجد قوَّةً فصام فإنَّ ذلك حسنٌ، ومن وجد ضعفًا فأفطر؛ فإنَّ (٢) ذلك حسنٌ، وهذا التَّفصيل هو المعتمد، وهو نصٌّ رافعٌ للنِّزاع، قاله في «الفتح»، وحديث الباب أخرجه مسلمٌ أيضًا. (٣٨) (بابُ مَنْ أَفْطَرَ فِي السَّفَرِ لِيَرَاهُ النَّاسُ) فيقتدوا به ويفطروا بفطره. ١٩٤٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العين والواو الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جَبرٍ الإمام في التَّفسير (عَنْ طَاوُسٍ)

стр. 4332

هو ابن كيسان اليمانيّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ) في غزوة الفتح (فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَرَفَعَهُ) أي: الماء منتهيًا (إِلَى) أقصى حدِّ (يَدَيْهِ) بالتثنية، ولأبي ذرٍّ (١) وابن عساكر في نسخةٍ: «يده» بالإفراد، ولابن عساكر كما في الفرع وأصله (٢): «إلى فيه» وعزاها في «فتح الباري» لأبي داود عن مُسدَّدٍ عن أبي عَوانة بالإسناد المذكور في «البخاريِّ»، قال: وهذا أوضح، فلعلَّها تصحَّفت، وعزاها الزَّركشيُّ والبرماويُّ لرواية ابن السَّكن، قال: وهو الأظهر إلَّا أن تُؤوَّل لفظة: «إلى» في رواية الأكثرين بمعنى «على» ليستقيم الكلام، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه لا يعرف أحدًا ذكر أنَّ «إلى» بمعنى: «على»، قال: والكلام مستقيمٌ (٣) بدون هذا التَّأويل، وذلك أنَّ «إلى» لانتهاء الغاية على بابها، والمعنى: فرفع الماء ممَّن أتى به إلى يده رفعًا قصد به رؤية النَّاس له، فلا بدَّ أن يقع ذلك على وجهٍ يتمكَّن فيه النَّاس من رؤيته، ولا حاجة مع ذلك إلى إخراج «إلى» عن بابها، وقال الكِرمانيُّ -كالطِّيبيِّ-: أو فيه تضمينٌ، أي: انتهى الرَّفع إلى أقصى غايتها (لِيَرَاهُ النَّاسُ) بفتح التَّحتيَّة والرَّاء، و «النَّاسُ»: فاعله، والضَّمير المنصوب فيه مفعوله (٤)، واللَّام للتَّعليل، قال ابن حجرٍ: كذا للأكثر، وللمُستملي: «ليُرِيه» بضمِّ التَّحتيَّة «النَّاسَ» نُصِب على أنَّه مفعولٌ ثانٍ لـ «يُرِيَه» لأنَّه من الإراءة وهي تستدعي مفعولين، ونسب في «اليونينيَّة» (٥) الأولى لابن عساكر، ولأبي (٦) ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ، ورقم على الأخرى علامة ابن عساكر في نسخةٍ. وقضيَّة (٧) هذا الحديث (٨): أنَّه ﷺ خرج إلى مكَّة للفتح في رمضان، فصام النَّاس، فقيل له: إنَّ الصَّوم شقَّ عليهم وهم ينظرون إلى فِعْلك، فدعا بماءٍ فرفعه حتَّى ينظر النَّاس فيقتدوا به في

стр. 4333

الإفطار، وكان لا يأمن الضَّعف عن القتال عند لقاء عدوِّهم (فَأَفْطَرَ) ﵊ (حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ، فَكَانَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «وكان» (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (يَقُولُ: قَدْ صَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أي: في السَّفر (وَأَفْطَرَ) فيه (فَمَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ) وابن عبَّاسٍ لم يشاهد هذه القصَّة لأنَّه كان بمكَّة حينئذٍ، فهو يرويها عن غيره من الصَّحابة؛ كما تقدَّم. (٣٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، يُذكر فيه حكم قوله تعالى: (﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾) أي: على الأصحَّاء المقيمين المطيقين للصَّوم إن أفطروا (﴿فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤]) طعام مسكينٍ عن كلِّ يومٍ (١)، وهذا كان في ابتداء الإسلام، إن شاء صام، وإن شاء أفطر وأطعم، وهذه الآية كما (قَالَ ابْنُ عُمَرَ) فيما وصله في آخر الباب [خ¦١٩٤٩] (وَسَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ) ﵃ فيما وصله المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٥٠٧] (نَسَخَتْهَا) الآية التي أوَّلها: (﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾) جملةً في (٢) ليلة القدر إلى سماء الدُّنيا، ثمَ نزل مُنجَّمًا إلى الأرض، و «شهر رمضان»: مبتدأٌ وما بعده خبرٌ (٣)، أو: صفته (٤)، والخبر: «فمن شهد» (﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾) أي: هاديًا (﴿وَبَيِّنَاتٍ﴾) آياتٍ واضحاتٍ (﴿نَ الْهُدَى﴾) ممَّا يهدي إلى الحقِّ (﴿وَالْفُرْقَانِ﴾) يفرِّق بين الحقِّ والباطل (﴿فَمَن شَهِدَ﴾) حضر ولم يكن مسافرًا (﴿مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾) أي: فيه (﴿فَلْيَصُمْهُ﴾)

стр. 4334

أي: فيه (﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا﴾) أي: مرضًا يشقُّ عليه فيه (١) الصِّيام (﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾) قوله (٢): ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ … ﴾ إلى آخره ناسخٌ للآية الأولى المتضمِّنة للتَّخيير، وحينئذٍ فلا تكرار (﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾) فلذلك أباح الفطر للسَّفر والمرض (﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ﴾) عطفٌ على «اليُسر»، أو (٣) على محذوفٍ تقديره: يريد الله بكم اليسر ليسهِّل عليكم، والمعنى: ولتكملوا عدَّة (٤) أيَّام الشَّهر بقضاء ما أفطرتم في المرض والسَّفر (﴿وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ﴾) لتعظِّموه (﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾) أرشدكم إليه من وجوب الصَّوم ورخصة الفطر بالعذر، أو المراد: تكبيرات ليلة الفطر (﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]) الله على نعمه، أو على رخصة الفطر، ولفظ رواية ابن عساكر: «﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾» إلى قوله: «﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾» وزاد أبو ذرٍّ: «على ما هداكم». (وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ) بضمِّ النُّون وفتح الميم عبد الله، ممَّا وصله البيهقيُّ وأبو نُعيمٍ في «مستخرجه»: (حَدَّثَنَا) ولابن عساكر (٥): «أخبرنا» (الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بضمِّ الميم وتشديد الرَّاء، و «عَمْرو»: بفتح العين وسكون الميم، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى) عبد الرَّحمن قال: (حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ ¬) ورضي عنهم، وقد رأى كثيرًا منهم كعمر وعثمان وعليٍّ، ولا يُقال لمثل هذا: روايةٌ عن مجهولٍ لأنَّ الصَّحابة كلَّهم عدولٌ (نَزَلَ رَمَضَانُ) أي: صومه (فَشَقَّ عَلَيْهِمْ) صومه (فَكَانَ مَنْ أَطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَّنْ

стр. 4335

يُطِيقُهُ، وَرُخِّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ) بضمِّ الرَّاء مبنيًّا للمفعول (فَنَسَخَتْهَا) أي: آية (١) الفدية قوله تعالى: (﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إ﴾ [البقرة: ١٨٤] فَأُمِرُوا بِالصَّوْمِ) واستُشكِل وجه (٢) نسخ هذه الآية للسَّابقة لأنَّ الخيريَّة لا تقتضي الوجوب، وأجاب الكِرمانيُّ بأنَّ معناه: أنَّ الصَّوم خيرٌ من التَّطوُّع بالفدية، والتَّطوُّع بها سنَّةٌ؛ بدليل أنَّه خيرٌ، والخير من السُّنَّة لا يكون إلَّا واجبًا. ١٩٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ) (٣) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة والمُثلَّثة آخره، ابن الوليد الرَّقَّام البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) ابن عبد الأعلى البصريُّ السَّاميُّ -بالمهملة- قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا العمريُّ المدنيُّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَرَأَ) قوله تعالى: (﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]) بتنوين «فديةٌ» ورفع «طعامُ» وجمع «مساكينَ» وفتح نونه من غير تنوينٍ؛ لمقابلة الجمع بالجمع، وهذه قراءة هشامٍ عن ابن عامرٍ، ولابن عساكر: «مسكينٍ» بالتَّوحيد وكسر النُّون مع تنوين «فديةٌ» ورفع «طعامُ»، وهي قراءة ابن كثيرٍ وأبي عمرٍو وعاصمٍ وحمزة والكسائيِّ، فـ «فديةٌ»: مبتدأٌ، خبره: الجارُّ قبله، و «طعامُ» بدلٌ من «فدية»، وتوحيد «مسكين» لمراعاة أفراد العموم، أي: وعلى كلِّ واحدٍ (٤) ممَّن يطيق الصَّوم لكلِّ يومٍ يفطره (٥) إطعامُ مسكينٍ، وتبيَّن من إفراد «المسكين» أنَّ الحكم لكلِّ يومٍ يفطر فيه

стр. 4336

إطعام (١) مسكينٍ، ولا يُفهَم ذلك من الجمع. (قَالَ) أي: ابن عمر: (هِيَ) أي: آية الفدية (مَنْسُوخَةٌ) وهذا مذهب الجمهور خلافًا لابن عبَّاسٍ حيث قال: إنَّها ليست بمنسوخةٍ، وهي للشَّيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فليطعما مكان كلِّ يومٍ مسكينًا، وهذا الحكم باقٍ، وهو حجَّةٌ للشَّافعيِّ ومن وافقه في أنَّ من عجز عن الصَّوم -لهرمٍ أو زمانةٍ أو اشتدَّت عليه مشقَّته (٢) - سقط عنه الصَّوم لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ولزمته الفدية خلافًا لمالكٍ ومن وافقه، ومذهب الشَّافعيَّة: أنَّ الحامل والمرضع ولو لولد غيرِها، بأجرةٍ أو دونها، إذا أفطرتا يجب على كلِّ واحدةٍ (٣) منهما مع القضاء الفدية من مالهما، لكلِّ يومٍ مدٌّ إن خافتا على الطِّفل وإن كانتا مسافرتين أو مريضتين، لما روى البيهقيُّ وأبو داود بإسنادٍ حسنٍ عن ابن عبَّاسٍ في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] أنَّه نُسِخ (٤) حكمه إلَّا في حقِّهما حينئذٍ، ويُستَثنى المتحيِّرة فلا فدية عليها على الأصحِّ في «الرَّوضة» للشَّكِّ، وهو ظاهرٌ فيما إذا أفطرت ستَّة عشر يومًا فأقلَّ، فإن زادت عليها فينبغي وجوب الفدية عن الزَّائد لعلمنا بأنَّه يلزمها صومه، ولا تتعدَّد الفدية بتعدُّد الولد لأنَّها بدلٌ عن الصَّوم بخلاف العقيقة تتعدَّد بتعدُّدهم (٥) لأنَّها فداءٌ عن كلِّ واحدٍ، وإن خافتا على أنفسهما ولو مع ولديهما فلا فدية، ويجب الفطر لإنقاذ محترمٍ أشرف على الهلاك بغرقٍ أو نحوه، إبقاءً لمهجته مع القضاء والفدية كالمرضع لأنَّه فطرٌ ارتفق به

стр. 4337

شخصان كالجماع؛ لأنَّه تعلَّق به مقصود الرَّجل والمرأة فلذا (١) تعلَّق به القضاء والكفَّارة. (٤٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (مَتَى يُقْضَى) أي: متى يُؤدَّى (قَضَاءُ رَمَضَانَ؟) والقضاء يجيء بمعنى الأداء، قال الله (٢) تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: ١٠] أي: فإذا أُدِّيت الصَّلاة (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما وصله عبد الرَّزَّاق عن معمرٍ عن الزُّهريِّ: (لَا بَأْسَ أَنْ يُفَرَّقَ) قضاء رمضان (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]) لصدقها على المتتابعة والمتفرِّقة. (وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) ﵀ فيما رواه (٣) ابن أبي شيبة (فِي صَوْمِ العَشْرِ) الأوَّل من ذي الحجَّة لمَّا سُئِل عن صومه، والحال أنَّ على الذي سأله قضاءً من رمضان: (لَا يَصْلُحُ حَتَّى يَبْدَأَ بِرَمَضَانَ) أي: بقضاء صومه، وهذا لا يدلُّ على المنع بل على الأولويَّة، والقياس التَّتابع إلحاقًا لصفة القضاء بصفة الأداء وتعجيلًا لبراءة الذِّمَّة، ولم يجب لإطلاق الآية كما مرَّ وروى الدَّارقُطنيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ: أنَّه ﷺ سُئِل عن قضاء رمضان فقال: «إن شاء فرَّقه، وإن شاء تابعه»، قال في «المهمَّات»: وقد يجب بطريق العرض، وذلك في صورتين: ضيق الوقت، وتعمُّد التَّرك، ورُدَّ بمنع تسمية هذا موالاةً؛ إذ لو وجبت لزم كونها شرطًا في الصِّحَّة كصوم الكفَّارة، وإنَّما يُسمَّى هذا واجبًا مُضيَّقًا، ولصاحب «المهمَّات»: أن يمنع الملازمة، ويسند المنع بأنَّ الموالاة قد تجب ولا تكون شرطًا كما في صوم رمضان، ولا يمنع من تسمية ذلك موالاةً تسميته واجبًا مُضيَّقًا. (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ ممَّا وصله سعيد بن منصورٍ: (إِذَا فَرَّطَ) من عليه قضاء رمضان

стр. 4338

(حَتَّى جَاءَ) من المجيء، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «حتَّى جاز» بزايٍ بدل الهمزة من الجواز، وفي نسخةٍ: «حان» بمهملةٍ ونونٍ من الحين (رَمَضَانٌ آخَرُ) بتنوين «رمضان» لأنَّه نكرةٌ (يَصُومُهُمَا) وفي أصول البخاري: «حتَّى جاء رمضانُ» بغير تنوين «أُمِر بصومهما» من الأمر والمُوحَّدة بدل التَّحتيَّة، قال البخاريُّ: (وَلَمْ يَرَ) أي: إبراهيم (عَلَيْهِ طَعَامًا) وهو (١) مذهب أبي حنيفة وأصحابه. (وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ حال كونه (مُرْسَلًا) فيما وصله عبد الرَّزَّاق وأخرجه الدَّارقُطنيُّ مرفوعًا من طريق مجاهدٍ عن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ (٢)، ولم يسمع مجاهدٌ (٣) من أبي هريرة كما ذكره البَرْدَيجيُّ فلذا سمَّاه البخاريُّ مُرسَلًا (وَ) يُذكَر أيضًا عن (ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ ممَّا وصله سعيد بن منصورٍ والدَّارقُطنيُّ: (أَنَّهُ يُطْعِمُ) عن كلِّ يومٍ مسكينًا مدًّا، ويصوم (٤) ما أدركه وما فاته، قيل: عطف ابن عبَّاسٍ على أبي هريرة يقتضي أن يكون المذكور عن ابن عبَّاسٍ أيضًا مُرسَلًا، وأُجِيب بأنَّه اختُلِف في أنَّ القيد في المعطوف عليه هل هو قيدٌ في المعطوف أم لا؟ فقيل: ليس بقيدٍ، والأصحُّ اشتراكهما، وكذلك اختلف الأصوليُّون في عطف المُطلَق على المُقيَّد هل هو مقيِّدٌ للمُطلَق أم لا؟ قال المؤلِّف: (وَلَمْ يَذْكُرِ اللهُ الإِطْعَامَ، إِنَّمَا قَالَ) تعالى: (﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]) وسكت عن الإطعام -وهو الفدية- لتأخير القضاء، لكن لا يلزم من عدم ذكره في القرآن ألَّا يثبت بالسُّنَّة، ولم يثبت فيه شيءٌ مرفوعٌ، نعم ورد عن جماعةٍ من الصَّحابة منهم: أبو هريرة وابن عبَّاسٍ-كما مرَّ- وعمر بن الخطَّاب فيما ذكره عبد الرَّزَّاق، وهو قول الجمهور خلافًا

стр. 4339

للحنفيَّة كما مرَّ قال الماورديُّ: وقد أفتى بالإطعام ستَّةٌ من الصَّحابة، ولا مخالف لهم، فإن لم يمكنه القضاء لعذرٍ -بأن استمرَّ مسافرًا أو مريضًا حتَّى دخل رمضان آخر (١) - فلا شيء عليه بالتَّأخير لأنَّ تأخير الأداء بهذا العذر جائزٌ، فتأخير القضاء أَولى بالجواز، ثمَّ إنَّ المُدَّ يتكرَّر بتكرُّر السِّنين؛ إذ الحقوق الماليَّة لا تتداخل. ١٩٥٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) نسبةً (٢) لجدِّه، واسم أبيه عبد الله اليربوعيُّ التَّميميُّ قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابن معاوية أبو خيثمة الجُعْفيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) قال الحافظ ابن حجرٍ: هو ابن سعيدٍ الأنصاريُّ، لا ابن أبي كثيرٍ، ووهم (٣) الكِرمانيُّ تبعًا لابن التِّين (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ) وسقط لفظ «من (٤) رمضان» لابن عساكر (٥)، وتكرير الكون لتَّحقيق القضيَّة وتعظيمها، والتَّقدير: كان الشَّأن يكون كذا، والتَّعبير بلفظ الماضي في الأوَّل والمضارع في الثَّاني؛ لإرادة الاستمرار وتكرار (٦) الفعل (فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ) ما فاتني من رمضان (إِلَّا فِي شَعْبَانَ، قَالَ يَحْيَى) بن سعيدٍ المذكور بالسَّند السَّابق: (الشُّغْلُ) بالرِّفع: فاعل فعلٍ محذوفٍ، أي: قالت عائشة: يمنعني الشُّغل، أي: أوجب ذلك الشُّغل، أو أنَّ يحيى قال: الشُّغل هو المانع لها، فهو مبتدأٌ محذوف الخبر (مِنَ النَّبِيِّ) ﷺ ، أي: من أجله (٧)، وفي بعض الأصول: «قال يحيى: ذاك عن الشُّغل من النَّبيِّ» (أَوْ بِالنَّبِيِّ ﷺ ¬) لأنَّها كانت مهيِّئةً نفسها له ﷺ مترصِّدةً لاستمتاعه في جميع أوقاتها إن

стр. 4340

أراد ذلك، وأمَّا في شعبان فإنَّه ﷺ كان يصومه، فتتفرَّغ عائشة ﵂ فيه لقضاء صومها، وقوله: «قال يحيى … » إلى آخره، فيه بيان أنَّه ليس من قول عائشة، بل مُدرَجٌ من قول غيرها، لكن وقع في «مسلمٍ» مدرجًا لم يقل فيه: «قال يحيى» فصار كأنَّه من قولها، ولفظه: فما تقدر أن تقضيه مع رسول الله ﷺ ، فهو نصٌّ في كونه من قولها، قال في «اللَّامع»: وفيه نظرٌ لأنَّه ليس فيه تصريحٌ بأنَّه من قولها، فالاحتمال باقٍ، وقد كان ﵊ له تسع نسوةٍ يقسم لهنَّ ويعدل، فما تأتي نوبة الواحدة إلَّا بعد ثمانية أيَامٍ (١)، فكان يمكنها أن تقضي في تلك الأيَّام، وأُجيب بأنَّ القَسْم لم يكن واجبًا عليه، فهنَّ يتوقَّعن حاجته في كلِّ الأوقات، قاله القرطبيُّ وتبعه العلاء بن العطَّار، والصَّحيح عند الشَّافعيَّة وجوبه عليه، فيحتمل أن يُقال: كانت لا تصوم إلَّا بإذنه، ولم يكن يأذن لاحتمال احتياجه إليها، فإذا ضاق الوقت أذن لها. وفي هذا الحديث: أنَّ القضاء مُوسَّعٌ، ويصير في شعبان مُضيَّقًا، وإنَّ حقَّ الزَّوج من العشرة والخدمة مُقدَّمٌ على سائر الحقوق ما لم يكن فرضًا مُضيَّقًا. وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الصَّوم». (٤١) (بابُ الحَائِضِ تَتْرُكُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ) لمنع الشَّارع لها من مباشرتهما. (وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (إِنَّ السُّنَنَ) جمع سنَّةٍ (وَوُجُوهَ الحَقِّ) الأمور الشَّرعيَّة (لَتَأْتِي) بفتح اللَّام للتَّأكيد (كَثِيرًا عَلَى خِلَافِ الرَّأْيِ) العقل والقياس (فَمَا يَجِدُ المُسْلِمُونَ بُدًّا) أي: افتراقًا وامتناعًا (مِنِ اتِّبَاعِهَا) ويُوكَل (٢) الأمر فيها إلى الشَّارع، ويتعبَّد بها من غير اعتراضٍ، كأن يُقال:

стр. 4341

لِمَ كان كذا؟! (مِنْ) جملة (ذَلِكَ) الذي أتى على خلاف الرَّأي: (أَنَّ الحَائِضَ تَقْضِي الصِّيَامَ، وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ) ومقتضى الرَّأي أن يكون قضاؤهما (١) متساويين في الحكم لأنَّ كلًّا منهما عبادةٌ (٢) تُرِكت لعذرٍ، لكنَّ الأمور الشَّرعيَّة الآتية على خلاف القياس لا يُطلَب فيها وجه الحكمة، بل يُوكَل أمرها إلى الله تعالى لأنَّ أفعال الله تعالى لا تخلو عن حكمةٍ، ولكنَّ غالبها يخفى على النَّاس ولا تدركها العقول، لكن فرَّق الفقهاء بعدم تكرُّر (٣) الصَّوم، فلا حرج في قضائه بخلاف الصَّلاة، وقيل: غير ذلك، وقال إمام الحرمين: كلُّ شيءٍ ذكروه من الفرق (٤) ضعيفٌ. ١٩٥١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي الوقت: «أخبرنا» (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي الوقت: «أخبرني» بالإفراد (زَيْدٌ) هو ابن أسلم المدنيُّ (عَنْ عِيَاضٍ) هو ابن (٥) عبد الله بن أبي سرحٍ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟) وفي نسخةٍ: «لا تصلِّي ولا تصوم» (فَذَلِكَ (٦) نُقْصَانُ دِينِهَا) ولأبي ذرٍّ (٧) وابن عساكر: «من نقصان دينها» (٨)، وكاف «ذلكَ» مفتوحةٌ، وهذا مختصرٌ من الحديث (٩) السَّابق في «ترك الحائض الصَّوم» [خ¦٣٠٤].

стр. 4342

(٤٢) (بابُ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ، وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ ممَّا وصله الدَّارقُطنيُّ في كتاب «المُدبَّج» فيمن مات وعليه صوم ثلاثين يومًا: (إِنْ صَامَ عَنْهُ ثَلَاثُونَ رَجُلًا يَوْمًا وَاحِدًا جَازَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «في يومٍ واحدٍ» قال النَّوويُّ في «شرح المهذَّب»: وهذه المسألة لم أر فيها نقلًا في المذهب، وقياس المذهب الإجزاء. انتهى. وقيَّد ابن حجرٍ المسألة بصومٍ لم يجب فيه التَّتابع، لفقد التَّتابع في الصُّورة المذكورة. ١٩٥٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ) هو محمَّد بن يحيى بن عبد الله بن خالدٍ الذُّهليُّ؛ كما جزم به الكلاباذيُّ، وصنيع المزِّيِّ يوافقه، وهو الرَّاجح، وعلى هذا فقد نسبه المؤلِّف إلى جدِّ أبيه، قاله في «الفتح» قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ) بفتح الهمزة والتَّحتيَّة (١) بينهما مهملةٌ ساكنةٌ وآخره نونٌ الجزريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) موسى بن أَعْيَنَ (عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ) بفتح العين الأنصاريِّ المؤدِّب (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا (بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ) يسارٍ الأمويِّ

стр. 4343

(أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ) هو ابن الزُّبير بن العوَّام (حَدَّثَهُ، عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَنْ مَاتَ) من المُكلَّفين (وَعَلَيْهِ صِيَامٌ) الواو للحال (صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ) ولو بغير إذنه، أو أجنبيٌّ بالإذن من الميت، أو من (١) القريب، بأجرةٍ أو دونها، وهذا مذهب الشَّافعيِّ القديم، وصوَّبه النَّوويُّ، بل قال: يُسَنُّ له ذلك ويسقط وجوب الفدية، والجديد -وهو مذهب مالكٍ وأبي حنيفة-: عدم الجواز لأنَّه عبادةٌ بدنيَّةٌ، ولا يسقط وجوب الفدية، قال النَّوويُّ: وليس للجديد حجَّةٌ، والحديث الوارد بالإطعام ضعيفٌ، ومع ضعفه فالإطعام لا يمتنع عند القائل بالصَّوم، وهل المعتبر على القديم الولاية -كما في الحديث- أم (٢) مطلق القرابة أم يُشتَرط الإرث أم العصوبة؟ فيه احتمالاتٌ للإمام، قال الرَّافعيُّ: والأشبه اعتبار الإرث، وقال النَّوويُّ: المختار اعتبار مطلق القرابة، وصحَّحه في «المجموع»، قال: وقوله ﷺ في خبر «مسلمٍ» لامرأةٍ قالت له: إنَّ أمي ماتت وعليها صوم نذرٍ، أفأصوم عنها؟ قال: «صومي عن أمِّك» يُبْطل احتمال ولاية المال والعصوبة. انتهى. وأجاب المالكيَّة عن حديث الباب: بدعوى عمل أهل المدينة، واحتج الحنفيَّة على القول بعدم الاحتجاج بهذين الحديثين بأنَّ عائشة سُئِلت عن امرأةٍ ماتت وعليها صومٌ، قالت: يُطعَم عنها، وعنها: أنَّها (٣) قالت: «لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم» أخرجه البيهقيُّ، وعن ابن عبَّاسٍ قال في رجلٍ مات وعليه رمضان، قال: «يُطعَم عنه ثلاثون مسكينًا» أخرجه عبد الرَّزَّاق، وعن ابن عبَّاسٍ: «لا يصوم أحدٌ عن أحدٍ» أخرجه النَّسائيُّ، فلمَّا أفتى ابن عبَّاسٍ وعائشة بخلاف ما روياه دلَّ ذلك على أنَّ العمل على خلاف ما روياه لأنَّ فتوى الرَّاوي على خلاف مرويِّه بمنزلة روايته للنَّاسخ، ونسخ الحكم يدلُّ على إخراج المناط عن الاعتبار، وقال الحنابلة: ولا يجوز تأخير قضاء رمضان إلى رمضانٍ آخر من غير عذرٍ، فإن فعل فعليه القضاء وإطعام مسكينٍ لكلِّ يومٍ، ولا يُصام عنه على المذهب، وهو الصَّحيح، وعليه الأصحاب، وإن مات وعليه صومٌ منذورٌ ولم يصم منه (٤) شيئًا سُنَّ لوليِّه فعله، ويجوز لغيره فعله، بإذنه وبغيره، ويجوز صوم جماعةٍ عنه في يومٍ واحدٍ.

стр. 4344

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ في «الصَّوم». (تَابَعَهُ) أي: تابع (١) والد (٢) محمَّد بن موسى (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، فيما وصله مسلمٌ وغيره (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن الحارث المذكور في السَّند السَّابق (وَرَوَاهُ) أي: الحديثَ المذكورَ (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الغافقيُّ فيما أخرجه البيهقيُّ وأبو عَوانة والدَّارقُطنيُّ والبزَّار (عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ) عبيد الله المذكور بسنده السَّابق، وزاد البزَّار في آخر المتن: إن شاء. ١٩٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) الحافظ المعروف بصاعقة قال: (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو) بسكون الميم الأزديُّ، ويُعرَف بابن الكِرمانيِّ، من قدماء شيوخ البخاريِّ، حدَّث عنه بغير واسطةٍ في «كتاب الجمعة» [خ¦٩٣٦] وحدَّث عنه هنا وفي «الجهاد» [خ¦٢٧٩٥] و «الصَّلاة» [خ¦٧١٩] بواسطةٍ قال: (حَدَّثَنَا زَائِدَةُ) بن قُدامة الثَّقفيُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مِهْران (عَنْ مُسْلِمٍ البَطِينِ) بفتح المُوحَّدة وكسر المهملة وسكون التَّحتيَّة ثمَّ نونٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ) ولابن عساكر: «أنَّه قال»: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) لم يسمِّ الرَّجلَ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، فَأَقْضِيهِ) ولابن عساكر: «أفأقضيه»

стр. 4345

(عَنْهَا؟ قَالَ) ﵊: (نَعَمْ) اقضِه (١) (قَالَ: فَدَيْنُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «قال: نعم، فدين الله» (أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى) أي: حقُّ العبدُ يُقضَى، فحقُّ الله أحقُّ. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الصَّوم»، وأبو داود في «الأيمان» و «النُّذور»، والتِّرمذيُّ في «الصَّوم»، وكذا النَّسائيُّ وابن ماجه. (قَالَ سُلَيْمَانُ) بن مهران الأعمش بالإسناد السَّابق: (فَقَالَ) ولأبي الوقت: «قال» بغير فاءٍ (الحَكَمُ) بفتحتين ابن (٢) عُتَيبة مُصغَّرًا (وَسَلَمَةُ) بن كُهَيلٍ مُصغَّرًا الحضرميُّ الكوفيُّ (وَنَحْنُ) أي: الثَّلاثة (جَمِيعًا جُلُوسٌ) جملةٌ اسميَّةٌ وقعت حالًا (حِينَ حَدَّثَ مُسْلِمٌ) البطين (بِهَذَا الحَدِيثِ، قَالَا) أي: الحكمُ وسلمةُ: (سَمِعْنَا مُجَاهِدًا) هو ابن جبرٍ (يَذْكُرُ هَذَا) الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، وحاصل هذا: أنَّ الأعمش سمع هذا الحديث من ثلاثة أنفسٍ في مجلسٍ واحدٍ، من مسلمٍ البَطين أوَّلًا عن سعيد بن جبيرٍ، ثمَّ من الحكم وسلمة عن مجاهدٍ. (وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول (عَنْ أَبِي خَالِدٍ) الأحمر، ضدَّ الأبيض، واسمه سليمان ابن حيَّان بالمُثنَّاة التَّحتيَّة المشددة وآخره نونٌ، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنِ الحَكَمِ وَ) عن (مُسْلِمٍ البَطِينِ وَ) عن (سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٍ) هو ابن أبي رباح (وَمُجَاهِدٍ) الثَّلاثة؛ أعني: سعيد بن جبيرٍ وعطاءً ومجاهدًا (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) وفيه: أنَّ الأعمش روى عن الشُّيوخ الثَّلاثة، وكلٌّ من الثَّلاثة عن الثَّلاثة، ويحتمل -كما قال في «الفتح» -: أن يكون من باب اللَّفِّ والنَّشر غير المُرتَّب، فيكون شيخ الحكم عطاءً، وشيخ البَطِين ابنَ جُبيرٍ، وشيخ سلمة مجاهدًا، ويؤيِّده أنَّ النَّسائيَّ أخرجه من طريق عبد الرَّحمن بن مَغْراء عن الأعمش مفصَّلًا هكذا (قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُخْتِي مَاتَتْ) ووصله التِّرمذيُّ أيضًا من طريق أبي خالدٍ بلفظ: إنَّ أختي ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين. (وَقَالَ يَحْيَى) بن سعيدٍ (وَأَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ -بالمعجمتين- ممَّا رواه النَّسائيُّ
следующие страницы →