← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

لِمَ كان كذا؟! (مِنْ) جملة (ذَلِكَ) الذي أتى على خلاف الرَّأي: (أَنَّ الحَائِضَ تَقْضِي الصِّيَامَ، وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ) ومقتضى الرَّأي أن يكون قضاؤهما (١) متساويين في الحكم لأنَّ كلًّا منهما عبادةٌ (٢) تُرِكت لعذرٍ، لكنَّ الأمور الشَّرعيَّة الآتية على خلاف القياس لا يُطلَب فيها وجه الحكمة، بل يُوكَل أمرها إلى الله تعالى لأنَّ أفعال الله تعالى لا تخلو عن حكمةٍ، ولكنَّ غالبها يخفى على النَّاس ولا تدركها العقول، لكن فرَّق الفقهاء بعدم تكرُّر (٣) الصَّوم، فلا حرج في قضائه بخلاف الصَّلاة، وقيل: غير ذلك، وقال إمام الحرمين: كلُّ شيءٍ ذكروه من الفرق (٤) ضعيفٌ. ١٩٥١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي الوقت: «أخبرنا» (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي الوقت: «أخبرني» بالإفراد (زَيْدٌ) هو ابن أسلم المدنيُّ (عَنْ عِيَاضٍ) هو ابن (٥) عبد الله بن أبي سرحٍ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟) وفي نسخةٍ: «لا تصلِّي ولا تصوم» (فَذَلِكَ (٦) نُقْصَانُ دِينِهَا) ولأبي ذرٍّ (٧) وابن عساكر: «من نقصان دينها» (٨)، وكاف «ذلكَ» مفتوحةٌ، وهذا مختصرٌ من الحديث (٩) السَّابق في «ترك الحائض الصَّوم» [خ¦٣٠٤].

стр. 4342

(٤٢) (بابُ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ، وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ ممَّا وصله الدَّارقُطنيُّ في كتاب «المُدبَّج» فيمن مات وعليه صوم ثلاثين يومًا: (إِنْ صَامَ عَنْهُ ثَلَاثُونَ رَجُلًا يَوْمًا وَاحِدًا جَازَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «في يومٍ واحدٍ» قال النَّوويُّ في «شرح المهذَّب»: وهذه المسألة لم أر فيها نقلًا في المذهب، وقياس المذهب الإجزاء. انتهى. وقيَّد ابن حجرٍ المسألة بصومٍ لم يجب فيه التَّتابع، لفقد التَّتابع في الصُّورة المذكورة. ١٩٥٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ) هو محمَّد بن يحيى بن عبد الله بن خالدٍ الذُّهليُّ؛ كما جزم به الكلاباذيُّ، وصنيع المزِّيِّ يوافقه، وهو الرَّاجح، وعلى هذا فقد نسبه المؤلِّف إلى جدِّ أبيه، قاله في «الفتح» قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ) بفتح الهمزة والتَّحتيَّة (١) بينهما مهملةٌ ساكنةٌ وآخره نونٌ الجزريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) موسى بن أَعْيَنَ (عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ) بفتح العين الأنصاريِّ المؤدِّب (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا (بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ) يسارٍ الأمويِّ

стр. 4343

(أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ) هو ابن الزُّبير بن العوَّام (حَدَّثَهُ، عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَنْ مَاتَ) من المُكلَّفين (وَعَلَيْهِ صِيَامٌ) الواو للحال (صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ) ولو بغير إذنه، أو أجنبيٌّ بالإذن من الميت، أو من (١) القريب، بأجرةٍ أو دونها، وهذا مذهب الشَّافعيِّ القديم، وصوَّبه النَّوويُّ، بل قال: يُسَنُّ له ذلك ويسقط وجوب الفدية، والجديد -وهو مذهب مالكٍ وأبي حنيفة-: عدم الجواز لأنَّه عبادةٌ بدنيَّةٌ، ولا يسقط وجوب الفدية، قال النَّوويُّ: وليس للجديد حجَّةٌ، والحديث الوارد بالإطعام ضعيفٌ، ومع ضعفه فالإطعام لا يمتنع عند القائل بالصَّوم، وهل المعتبر على القديم الولاية -كما في الحديث- أم (٢) مطلق القرابة أم يُشتَرط الإرث أم العصوبة؟ فيه احتمالاتٌ للإمام، قال الرَّافعيُّ: والأشبه اعتبار الإرث، وقال النَّوويُّ: المختار اعتبار مطلق القرابة، وصحَّحه في «المجموع»، قال: وقوله ﷺ في خبر «مسلمٍ» لامرأةٍ قالت له: إنَّ أمي ماتت وعليها صوم نذرٍ، أفأصوم عنها؟ قال: «صومي عن أمِّك» يُبْطل احتمال ولاية المال والعصوبة. انتهى. وأجاب المالكيَّة عن حديث الباب: بدعوى عمل أهل المدينة، واحتج الحنفيَّة على القول بعدم الاحتجاج بهذين الحديثين بأنَّ عائشة سُئِلت عن امرأةٍ ماتت وعليها صومٌ، قالت: يُطعَم عنها، وعنها: أنَّها (٣) قالت: «لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم» أخرجه البيهقيُّ، وعن ابن عبَّاسٍ قال في رجلٍ مات وعليه رمضان، قال: «يُطعَم عنه ثلاثون مسكينًا» أخرجه عبد الرَّزَّاق، وعن ابن عبَّاسٍ: «لا يصوم أحدٌ عن أحدٍ» أخرجه النَّسائيُّ، فلمَّا أفتى ابن عبَّاسٍ وعائشة بخلاف ما روياه دلَّ ذلك على أنَّ العمل على خلاف ما روياه لأنَّ فتوى الرَّاوي على خلاف مرويِّه بمنزلة روايته للنَّاسخ، ونسخ الحكم يدلُّ على إخراج المناط عن الاعتبار، وقال الحنابلة: ولا يجوز تأخير قضاء رمضان إلى رمضانٍ آخر من غير عذرٍ، فإن فعل فعليه القضاء وإطعام مسكينٍ لكلِّ يومٍ، ولا يُصام عنه على المذهب، وهو الصَّحيح، وعليه الأصحاب، وإن مات وعليه صومٌ منذورٌ ولم يصم منه (٤) شيئًا سُنَّ لوليِّه فعله، ويجوز لغيره فعله، بإذنه وبغيره، ويجوز صوم جماعةٍ عنه في يومٍ واحدٍ.

стр. 4344

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ في «الصَّوم». (تَابَعَهُ) أي: تابع (١) والد (٢) محمَّد بن موسى (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، فيما وصله مسلمٌ وغيره (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن الحارث المذكور في السَّند السَّابق (وَرَوَاهُ) أي: الحديثَ المذكورَ (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الغافقيُّ فيما أخرجه البيهقيُّ وأبو عَوانة والدَّارقُطنيُّ والبزَّار (عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ) عبيد الله المذكور بسنده السَّابق، وزاد البزَّار في آخر المتن: إن شاء. ١٩٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) الحافظ المعروف بصاعقة قال: (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو) بسكون الميم الأزديُّ، ويُعرَف بابن الكِرمانيِّ، من قدماء شيوخ البخاريِّ، حدَّث عنه بغير واسطةٍ في «كتاب الجمعة» [خ¦٩٣٦] وحدَّث عنه هنا وفي «الجهاد» [خ¦٢٧٩٥] و «الصَّلاة» [خ¦٧١٩] بواسطةٍ قال: (حَدَّثَنَا زَائِدَةُ) بن قُدامة الثَّقفيُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مِهْران (عَنْ مُسْلِمٍ البَطِينِ) بفتح المُوحَّدة وكسر المهملة وسكون التَّحتيَّة ثمَّ نونٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ) ولابن عساكر: «أنَّه قال»: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) لم يسمِّ الرَّجلَ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، فَأَقْضِيهِ) ولابن عساكر: «أفأقضيه»

стр. 4345

(عَنْهَا؟ قَالَ) ﵊: (نَعَمْ) اقضِه (١) (قَالَ: فَدَيْنُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «قال: نعم، فدين الله» (أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى) أي: حقُّ العبدُ يُقضَى، فحقُّ الله أحقُّ. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الصَّوم»، وأبو داود في «الأيمان» و «النُّذور»، والتِّرمذيُّ في «الصَّوم»، وكذا النَّسائيُّ وابن ماجه. (قَالَ سُلَيْمَانُ) بن مهران الأعمش بالإسناد السَّابق: (فَقَالَ) ولأبي الوقت: «قال» بغير فاءٍ (الحَكَمُ) بفتحتين ابن (٢) عُتَيبة مُصغَّرًا (وَسَلَمَةُ) بن كُهَيلٍ مُصغَّرًا الحضرميُّ الكوفيُّ (وَنَحْنُ) أي: الثَّلاثة (جَمِيعًا جُلُوسٌ) جملةٌ اسميَّةٌ وقعت حالًا (حِينَ حَدَّثَ مُسْلِمٌ) البطين (بِهَذَا الحَدِيثِ، قَالَا) أي: الحكمُ وسلمةُ: (سَمِعْنَا مُجَاهِدًا) هو ابن جبرٍ (يَذْكُرُ هَذَا) الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، وحاصل هذا: أنَّ الأعمش سمع هذا الحديث من ثلاثة أنفسٍ في مجلسٍ واحدٍ، من مسلمٍ البَطين أوَّلًا عن سعيد بن جبيرٍ، ثمَّ من الحكم وسلمة عن مجاهدٍ. (وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول (عَنْ أَبِي خَالِدٍ) الأحمر، ضدَّ الأبيض، واسمه سليمان ابن حيَّان بالمُثنَّاة التَّحتيَّة المشددة وآخره نونٌ، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنِ الحَكَمِ وَ) عن (مُسْلِمٍ البَطِينِ وَ) عن (سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٍ) هو ابن أبي رباح (وَمُجَاهِدٍ) الثَّلاثة؛ أعني: سعيد بن جبيرٍ وعطاءً ومجاهدًا (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) وفيه: أنَّ الأعمش روى عن الشُّيوخ الثَّلاثة، وكلٌّ من الثَّلاثة عن الثَّلاثة، ويحتمل -كما قال في «الفتح» -: أن يكون من باب اللَّفِّ والنَّشر غير المُرتَّب، فيكون شيخ الحكم عطاءً، وشيخ البَطِين ابنَ جُبيرٍ، وشيخ سلمة مجاهدًا، ويؤيِّده أنَّ النَّسائيَّ أخرجه من طريق عبد الرَّحمن بن مَغْراء عن الأعمش مفصَّلًا هكذا (قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُخْتِي مَاتَتْ) ووصله التِّرمذيُّ أيضًا من طريق أبي خالدٍ بلفظ: إنَّ أختي ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين. (وَقَالَ يَحْيَى) بن سعيدٍ (وَأَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ -بالمعجمتين- ممَّا رواه النَّسائيُّ

стр. 4346

وغيره: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ مُسْلِمٍ) البَطِين (عَنْ سَعِيدٍ) ولابن عساكر زيادة: «ابن جبيرٍ» فوافقا زائدة على أنَّ شيخ مسلم البطين فيه سعيدُ بن جبيرٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه قال: (قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ). (وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ أوَّله مُصغَّرًا ابن عَمْرٍو -بسكون الميم- الرَّقِّيُّ، ممَّا وصله مسلمٌ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي (١) أُنَيْسَةَ) بضمِّ الهمزة وفتح النُّون وسكون التَّحتيَّة (عَنِ الحَكَمِ) بن عُتَيبة (٢) المذكور (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) وسقط في رواية أبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر «ابن جبيرٍ» (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه قال: (قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ) بالإضافة، وقد بيَّن أبو بِشْرٍ في روايته عند أحمد سبب النَّذر، ولفظه: أنَّ امرأةً ركبت البحر فنذرت إن نجَّاها الله أن تصوم شهرًا، فماتت قبل أن تصوم، وهذا ظاهرٌ في أنَّه غير رمضان. (وَقَالَ أَبُو حَرِيزٍ) بفتح الحاء المهملة وكسر الرَّاء آخره زايٌ، عبد الله بن الحسين قاضي سجستان، ممَّا وصله ابن خزيمة وغيره (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي الوقت: «حدَّثني» بالإفراد (٣) (عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه قال: (قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَاتَتْ أُمِّي وَعَلَيْهَا صَوْمُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) وهذا الاختلاف من قوله: «امرأةٌ» و «رجلٌ» و «شهرٌ» و «شهران» و «خمسة عشر يومًا» يُحَمل على اختلاف وقائع، وفيه جواز الصَّوم عن الميت. (٤٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (مَتَى يَحِلُّ فِطْرُ الصَّائِمِ؟). (وَأَفْطَرَ أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ حِينَ غَابَ قُرْصُ الشَّمْسِ) من غير مزيدٍ على ذلك، وهذا وصله سعيد بن منصورٍ، وأبو بكر ابن أبي شيبة.

стр. 4347

١٩٥٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير المكِّيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (يَقُولُ: سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، عَنْ أَبِيهِ) عمر (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَهُنَا) أي: من جهة المشرق (وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَهُنَا) أي: من جهة (١) المغرب (وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ) قيَّد بالغروب إشارةً إلى اشتراط تحقُّق الإقبال والإدبار، وأنَّهما بواسطة الغروب لا بسببٍ (٢) آخر، فالأمور الثَّلاثة وإن كانت متلازمة في الأصل لكنَّها قد تكون في الظَّاهر غير متلازمةٍ (٣)، فقد يُظَنُّ إقبال اللَّيل من جهة المشرق ولا يكون إقباله حقيقةً، بل لوجود شيءٍ يغطِّي الشَّمس، وكذلك إدبار النَّهار فلذا قيَّد بالغروب (فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ) أي: دخل وقت فطره (٤) أو صار مفطرًا حكمًا لأنَّ اللَّيل ليس ظرفًا للصَّوم الشَّرعيِّ، وفي رواية شعبة: «فقد حلَّ الإفطار»، وهي تؤيِّد التَّفسير الأوَّل ورجَّحه ابن خزيمة، وعلَّل بأنَّ قوله: «فقد أفطر الصَّائم» لفظه (٥) خبرٌ، ومعناه الإنشاء، أي: فليفطر الصَّائم، ثمَّ (٦) قال: ولو كان المراد: فقد صار مفطرًا؛ كان فطر جميع الصُّوَّام واحدًا، ولم يكن للتَّرغيب في تعجيل الإفطار معنًى. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «الصَّوم».

стр. 4348

١٩٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بن شاهين (الوَاسِطِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو ابن عبد الله بن عبد الرَّحمن بن يزيد الطَّحاويُّ الواسطيُّ (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) أبي إسحاق سليمان بن أبي سليمان (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ) في شهر رمضان في غزوة الفتح (وَهُوَ صَائِمٌ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «فلمَّا غابت الشَّمس» (قَالَ لِبَعْضِ القَوْمِ: يَا فُلَانُ) هو بلالٌ (قُمْ فَاجْدَحْ لَنَا) بهمزة وصلٍ وسكون الجيم وفتح الدَّال وآخره حاءٌ (١) مهملتين، أي: حرِّك السَّويق بالماء أو باللَّبن (فَقَالَ) بلالٌ: (يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ أَمْسَيْتَ) لكنت متمًّا للصَّوم، فجواب «لو» الشَّرطيَّة محذوفٌ، أو هي للتَّمنِّي (قَالَ) ﵊: يا بلال (انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ فَلَوْ أَمْسَيْتَ) بزيادة الفاء (قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا، قَالَ: إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا) لعلَّه رأى كثرة الضَّوء من شدَّة الصَحو فظنَّ أنَّ الشَّمس لم تغرب، أو غطَّاها نحو جبلٍ، أو كان هناك غيمٌ فلم يتحقَّق الغروب، ولو تحقَّقه ما توقَّف لأنَّه يكون حينئذٍ معاندًا، وإنَّما توقُّفه (٢) احتياطًا واستكشافًا عن حكم المسألة (قَالَ) ﵊: (انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا، فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُمْ، فَشَرِبَ النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «رسول الله» (٣) (¬ ﷺ ¬) ممَّا جدحه (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ) أي: ظلامه (قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَهُنَا) من جهة المشرق (فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ) ولم يذكر هنا ما في الأوَّل من الإدبار والغروب، فيحتمل أن ينزل على حالين: فحيث ذُكِر ذلك ففي حال الغيم مثلًا، وحيث لم يُذكَر ففي حال الصَّحو، أو كانا في حالةٍ واحدةٍ وحفظ أحد الرَّاوييِّن ما لم يحفظ الآخر.

стр. 4349

وهذا الحديث سبق في «باب الصَّوم في السَّفر» [خ¦١٩٤١]. (٤٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (يُفْطِرُ) الصَّائم (بِمَا تَيَسَّرَ عَلَيهِ بالمَاءِ (١) وَغَيْرِهِ) وسقط لابن عساكر لفظ «عليه»، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «من الماء». ١٩٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ قال: (حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ) أبو إسحاق، ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «الشَّيبانيُّ سليمان» فزاد اسمه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهْوَ صَائِمٌ) في رمضان (فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ؛ قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا) وفي رواية شعبة عن الشَّيبانيِّ عند أحمد: «فدعا صاحبَ شرابِه بشرابٍ» (٢) وهو يؤيِّد كونه بلالًا، فإنَّه هو المعروف بخدمته ﵊، لا سيَّما وفي رواية أبي داود بلفظ (٣): «يا بلال انزل فاجدح لنا» (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ أَمْسَيْتَ، قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا، قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا، فَنَزَلَ) ولأبي الوقت: «قال: فنزل» (فَجَدَحَ) زاد في الباب السَّابق [خ¦١٩٥٥]: فشرب النبي ﷺ (ثُمَّ قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ أَقْبَلَ مِنْ هَهُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَأَشَارَ) ﵊ (بِإِصْبَعِهِ قِبَلَ المَشْرِقِ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: جهة المشرق. ومطابقته للتَّرجمة من جهة أنَّ الجدح تحريك السَّويق بالماء، وهو مشتملٌ على الماء وغيره، وفي «التِّرمذيِّ» وغيره وصحَّحوه: «إذا كان أحدكم صائمًا فليفطر على التَّمر، فإن لم يجد التَّمر

стр. 4350

فعلى الماء؛ فإنَّه طهورٌ»، وروى التِّرمذيُّ وحسَّنه: أنَّه ﷺ كان يفطر قبل أن يصلِّي على رُطَباتٍ، فإن لم يكن فعلى تمراتٍ، فإن لم يكن حسا حَسَواتٍ من ماءٍ، وقضيَّته تقديم الرُّطب على التَّمر، وهو على الماء، والقصد بذلك -كما قاله المحبُّ الطَّبريُّ-: ألَّا يدخل جوفه أوَّلًا ما مسَّته النَّار، ويحتمل أن يراد هذا مع قصد الحلاوة تفاؤلًا، قال: ومن كان بمكَّة سُنَّ له أن يفطر على ماء (١) زمزم لبركته، ولو جمع بينه وبين التَّمر فحسنٌ (٢). انتهى. ورُدَّ هذا بأنَّه مخالفٌ للأخبار وللمعنى الذي شرِع الفطر على التَّمر لأجله، وهو حفظ البصر، أو أنَّ التَّمر إذا نزل إلى المعدة فإن وجدها خاليةً حصل الغذاء، وإلَّا أخرج ما هناك من بقايا الطَّعام، وهذا لا يوجد في ماء زمزم، وعن بعضهم: الأَولى في زماننا أن يفطر على ماءٍ (٣) يأخذه بكفِّه من النَّهر ليكون أبعد عن الشُّبهة، قال في المجموع: وهذا شاذٌّ، -والمذهب وهو الصَّواب-: فطره على تمرٍ ثمَّ ماءٍ. (٤٥) (بابُ) (٤) استح باب (تَعْجِيلِ الإِفْطَارِ) للصَّائم بتحقُّق الغروب. ١٩٥٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي سلمة بن دينارٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ) أي: إذا تحقَّقوا الغروب بالرُّؤية، أو بإخبار عدلين أو عدلٍ على الأرجح، و «ما»: ظرفيَّةٌ، أي: مدَّة فعلهم ذلك امتثالًا للسُّنَّة، واقفين عند حدودها، غير متنطِّعين بعقولهم ما يغيِّر قواعدها، وزاد أبو هريرة في حديثه: «لأنَّ اليهود

стр. 4351

والنَّصارى يؤخِّرون» أخرجه أبو داود وابن خزيمة وغيرهما، وتأخير أهل الكتاب له أمدٌ؛ وهو ظهور النَّجم، وقد روى ابن حبَّان والحاكم من حديث سهلٍ أيضًا: «لا تزال أمَّتي على سُنَّتي ما لم تنتظر بفطرها النُّجوم» ويُكرَه له أن يؤخِّره إن قصد ذلك ورأى أنَّ فيه فضيلةً، وإلَّا فلا بأس به، نقله في «المجموع» عن نصِّ «الأمِّ»، وعبارته: تعجيل الفطر مُستحَبٌّ، ولا يُكرَه تأخيره إلَّا لمن تعمَّده ورأى أنَّ الفضل فيه، ومقتضاه: أنَّ التَّأخير لا يُكرَه مطلقًا، وهو كذلك؛ إذ لا يلزم من كون الشَّيء مُستحَبًّا أن يكون نقيضه مكروهًا مطلقًا (١)، وخرج بقيد تحقُّق الغروب ما إذا ظنَّه، فلا يُسَنُّ له تعجيل الفطر به، وما إذا شكَّه فيحرُم به، وأمَّا ما يفعله الفلكيُّون أو بعضهم من التَّمكين (٢) بعد الغروب بدرجةٍ فمخالفٌ للسُّنَّة فلذا قلَّ الخير، والله يوفِّقنا إلى (٣) سواء (٤) السَّبيل. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ وابن ماجه. ١٩٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) (٥) نسبه لجدِّه، واسم أبيه عبد الله، وهو كوفيٌّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ) هو ابن عيَّاشٍ القارئ (عَنْ سُلَيْمَانَ) الشَّيبانيِّ (عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى) عبد الله (¬﵁ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَصَامَ حَتَّى أَمْسَى) دخل في المساء (قَالَ لِرَجُلٍ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي، قَالَ: لَوِ انْتَظَرْتَ حَتَّى تُمْسِيَ، قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي (٦)، إِذَا رَأَيْتَ اللَّيْلَ) أي: ظلامه (قَدْ أَقْبَلَ مِنْ

стр. 4352

هَهُنَا) أي: من جهة المشرق (فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ) خبرٌ بمعنى: الأمر، أو أفطر حكمًا وإن لم يفطر حسًّا، فيدلُّ على أنَّه يستحيل الصَّوم باللَّيل شرعًا، قال ابن بزيزة: وقع ببغداد أنَّ رجلًا حلف لا يفطر على حارٍّ ولا باردٍ، فأفتى الفقهاء بحنثه؛ إذ لا شيء ممَّا (١) يُؤكَل أو يُشرَب إلَّا وهو حارٌّ أو باردٌ، وأفتى الشِّيرازيُّ بعدم حنثه فإنَّه ﷺ جعله مفطرًا بدخول اللَّيل، وليس بحارٍّ ولا باردٍ، وهذا تعلُّقٌ باللَّفظ، والأيمان إنَّما تُبنَى على المقاصد، ومقصود الحالف المطعومات. (٤٦) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أَفْطَرَ) الصَّائم (فِي رَمَضَانَ) ظانًّا غروب الشَّمس (ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ) أي: ظهرت؛ هل يجب عليه قضاء ذلك اليوم أم لا؟ ١٩٥٩ - وبالسند قال: (حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (٣) (عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عبد الله بن محمَّد بن أبي شيبة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة اللَّيثيُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ) زوجته وابنة عمِّه (فَاطِمَةَ) بنت المنذر (عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) ولابن عساكر زيادة: «الصِّدِّيق» (¬﵄¬) أنَّها (قَالَتْ: أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ) ولأبي الوقت: «على عهد رسول الله» (¬ ﷺ ¬) أي: على زمنه وأيَّام حياته (يَوْمَ غَيْمٍ) بنصب «يومَ» على الظَّرفيَّة، ولأبي داود وابن خزيمة: في يوم غيمٍ (ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، قِيلَ لِهِشَامٍ) هو ابن عروة المذكور، والقائل له: هو أبو أسامة كما عند أبي داود وابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» وأحمد في «مُسنَده»: (فَأُمِرُوا) من جهة الشَّارع (بِالقَضَاءِ، قَالَ: بُدٌّ

стр. 4353

مِنْ قَضَاءٍ؟) أي: هل بدٌّ من قضاءٍ؟ فحرف الاستفهام مُقدَّرٌ، ولأبي ذرٍّ: «لابدَّ من قضاء»، وهذا مذهب الشَّافعيَّة والحنفيَّة والمالكيّة والحنابلة، وعليه أن يمسك بقيَّة يومه لحقِّ (١) الوقت، ولا كفَّارة عليه، وحكى في «الرِّعاية» من كتب الحنابلة: أنَّه لا قضاء على من جامع يعتقده ليلًا، فبان نهارًا، لكنَّ الصَّحيح (٢) من مذهبهم -وجزم به الأكثر- أنَّه يجب القضاء والكفَّارة. (وَقَالَ مَعْمَرٌ) بسكون العين المهملة وفتح الميمين، ابن راشدٍ، ممَّا وصله عبد بن حُمَيدٍ: (سَمِعْتُ هِشَامًا) أي: ابن عروة يقول: (لَا أَدْرِي، أَقْضَوْا) ذلك اليوم (أَمْ لَا؟) وقد رُوِي عن مجاهدٍ وعطاءٍ وعروة بن الزُّبير عدم القضاء، وجعلوه بمنزلة من أكل ناسيًا، وعن عمر: يقضي، وفي آخر: لا، رواهما البيهقيُّ وضعفت الثَّانية النَافية، وفي هذا الحديث -كما قاله (٣) ابن المُنيِّر-: أنَّ المُكلَّفين إنَّما خُوطِبوا بالظَّاهر، فإذا اجتهدوا فأخطؤوا؛ فلا حرج عليهم في ذلك. وقد أخرجه أبو داود وابن ماجه في «الصَّوم». (٤٧) (بابُ) حكم (صَوْمِ الصِّبْيَانِ) هل يُشرَع أم لا؟ والمراد: الجنس الصَّادق بالذُّكور والإناث، ومذهب الشَافعيَّة: أنَّهم يُؤمَرون به لسبعٍ إذا أطاقوا، ويُضرَبون على تركه لعشرٍ قياسًا على الصَّلاة، ويجب على الوليِّ أن يأمرهم به ويضربهم على تركه، لكن نظر بعضهم في القياس بأنَّ الضَّرب عقوبةٌ، فيقتصر فيها على محلِّ ورودها، وهو مشهور مذهب المالكيَّة، فيفرِّقون بين الصَّلاة والصِّيام، فيدرَّبُون (٤) على الصَّلاة ولا يُكلَّفون الصِّيام، وهو مذهب «المُدوَّنة»، وعن أحمد في روايةٍ: أنَّه يجب على من بلغ عشر سنين وأطاقه، والصَّحيح من مذهبه: عدم وجوبه عليه وعليه جماهير أصحابه، لكن يُؤمَر به إذا أطاقه ويُضَرب عليه ليعتاده، قالوا: وحيث قلنا: بوجوب الصَّوم على الصَّبيِّ فإنه يعصي بالفطر، ويلزمه الإمساك والقضاء كالبالغ.

стр. 4354

(وَقَالَ عُمَرُ) بن الخطاب (¬﵁¬) فيما وصله سعيد بن منصورٍ، والبغويُّ في «الجعديَّات» (لِنَشْوَانَ) بفتح النُّون وسكون الشِّين المعجمة، غير مصروفٍ (١) لأنَّ الاسم يُمنَع من الصَّرف للصِّفة وزيادة الألف والنُّون بشرط ألَّا يكون المُؤنَّث في ذلك بتاء تأنيثٍ (٢) نحو: نشوان وعطشان. تقول: هذا نشوان ورأيت نشوان ومررت بنشوان، فتمنعه من الصَّرف للصِّفة وزيادة الألف والنُّون، والشَّرط موجود فيه لأنَّك لا تقول للمُؤنَّث: نشوانة، إنَّما تقول: نشوى، لكن حكى الزَّمخشريُّ في مُؤنَّثه: نشوانة، وحينئذٍ فيجوز صرفه، والمعنى: قال عمر لرجلٍ سكران (فِي رَمَضَانَ: وَيْلَكَ) بفتح اللَّام: مفعولٌ، فعلُه لازمُ الحذف، أي: شربت الخمر (وَصِبْيَانُنَا) الصِّغار (صِيَامٌ؟!) بالياء، ولغير أبي ذرٍّ وابن عساكر: «صُوَّامٌ» بضمِّ الصَّاد وتشديد الواو (فَضَرَبَهُ) الحدَّ ثمانين سوطًا، ثمَّ سيَّره إلى الشَّام، وذلك (٣) من أحسن ما يُتعقَّب به على المالكيَّة لأنَّ أكثر ما يعتمدونه في معارضة الأحاديث دعوى عمل أهل المدينة على خلافها، ولا عمل يستند إليه أقوى من العمل في عهد عمر ﵁، مع شدَّة تحرِّيه ووفور الصَّحابة في زمانه، وقد قال لهذا الرَّجل: كيف وصبياننا صيامٌ؟! ١٩٦٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ) بالضَّاد المعجمة المُشدَّدة المفتوحة من التَّفضيل قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ) أبو الحسن (عَنِ الرُّبَيِّعِ) بضمِّ الرَّاء وفتح المُوحَّدة وتشديد التَّحتيَّة آخره عينٌ مُهمَلةٌ (بِنْتِ مُعَوِّذٍ) بضمِّ الميم وفتح المهملة وتشديد الواو المكسورة آخره ذالٌ مُعجَمةٌ الأنصاريَّة، من المبايعات تحت الشَّجرة، ابن عفراء، أنَّها (قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ) زاد مسلمٌ: «التي حول المدينة» (مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيَصُمْ) أي: فليستمرَّ على

стр. 4355

صومه (قَالَتْ) أي: الرُّبَيِّع: (فَكُنَّا) ولأبي الوقت: «كنَّا» (نَصُومُهُ) أي: عاشوراء (بَعْدُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا) زاد مسلمٌ: «الصِّغار، ونذهب بهم إلى المسجد»، وهذا تمرينٌ للصِّبيان على الطَّاعات وتعويدهم العبادات، وفي حديث رَزِينة -بفتح الرَّاء وكسر الزَّاي- عند ابن خزيمة بإسنادٍ لا بأس به: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يأمر برضعائه (١) في عاشوراء ورضعاء فاطمة فيتفل في أفواههم، ويأمر أمَّهاتهم ألَّا يرضعن إلى اللَّيل، وهو يردُّ على القرطبيِّ؛ حيث قال في حديث الرُّبَيِّع: هذا أمرٌ فعله النِّساء بأولادهنَّ، ولم يثبت علمه ﵊ بذلك، وبعيدٌ أن يأمر بتعذيب صغيرٍ (٢) بعبادةٍ شاقَّةٍ. انتهى. وممَّا يقوِّي الرَّدَّ عليه أيضًا: أنَّ الصَّحابيَّ إذا قال: فعلنا كذا في عهده (٣) ﷺ كان حكمه الرَّفع لأنَّ الظَّاهر اطِّلاعه ﷺ على ذلك وتقريرهم عليه، مع توفُّر دواعيهم على سؤالهم إيَّاه عن الأحكام، مع أنَّ هذا ممَّا لا مجال للاجتهاد فيه، فما فعلوه إلَّا بتوقيفٍ (وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ) بضمِّ اللَّام: ما يُلعَب به (مِنَ العِهْنِ) الصُّوف المصبوغ كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- قريبًا (فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ (٤)) الذي جعلناه من العهن ليلتهي به (حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ) زاد في رواية ابن عساكر والمُستملي: «قال» أي: المصنِّف «العهن: الصُّوف». وقد أخرج هذا الحديثَ مسلمٌ أيضًا في «الصَّوم». (٤٨) (بابُ) حكم (الوِصَالِ) وهو أن يصوم فرضًا أو نفلًا يومين فأكثر (٥)، ولا يتناول باللَّيل مطعومًا عمدًا بلا عذرٍ، قاله في «شرح المُهذَّب»، وقضيَّته: أنَّ الجماع والاستقاءة وغيرهما من المفطرات لا يخرجه عن الوصال، قال الإسنويُّ في «المهمَّات»: وهو ظاهرٌ من جهة المعنى

стр. 4356

لأنَّ النَّهي عن الوصال إنَّما هو لأجل الضَّعف، والجماع ونحوه يزيده، أو لا يمنع حصوله، لكن قال الرُّويانيُّ في «البحر»: هو أن يستديم جميع أوصاف الصَّائمين، وقال الجرجانيُّ في «الشَّافي»: أن يترك جميع ما أبيح له من غير إفطارٍ، قال الإسنويُّ أيضًا: وتعبيرهم بصوم يومين يقتضي أنَّ المأمور بالإمساك كتارك النِّيَّة لا يكون امتناعه باللَّيل من تعاطي المفطرات وصالًا لأنَّه ليس بين صومين إلَّا أنَّ الظَّاهر أنَّ ذلك جرى على الغالب. (وَ) بابُ (مَنْ قَالَ: لَيْسَ فِي اللَيْلِ صِيَامٌ) أي: ليس محلًّا له (١) (لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]) فإنَّه آخر وقته، وفي (٢) حديث أبي سعيد الخير (٣) عند التِّرمذيِّ في «جامعه» وابن السَّكن وغيره في «الصَّحابة»، والدُّولابيِّ في «الكنى» مرفوعًا: «إنَّ الله لم يكتب الصِّيام باللَّيل، فمن صام فقد تعنَّى ولا أجر له» قال ابن منده: غريبٌ لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، وقال التِّرمذيُّ: سألت البخاريَّ عنه فقال: ما أرى عبادة سمع من أبي سعيد الخير، وعند الإمام أحمد والطَّبرانيِّ وسعيد بن منصورٍ وعبد بن حُمَيدٍ وابن أبي حاتمٍ في «تفسيرهما» بإسنادٍ صحيحٍ إلى ليلى امرأة بشير بن الخصاصيَّة قالت: أردت أن أصوم يومين مواصلةً، فمنعني بشيرٌ، وقال: إنَّ رسول الله ﷺ نهى عنه، وقال: يفعل ذلك النَّصارى، ولكن صوموا كما أمركم الله تعالى، وأتمُّوا الصِّيام إلى اللَّيل، فإذا كان اللَّيل فأفطروا. (وَنَهَى النَّبيُّ ﷺ ¬) فيما وصله المؤلِّف قريبًا من حديث عائشة [خ¦١٩٦٤] (عَنْهُ) أي: عن الوصال (رَحْمَةً لَهُمْ) أي: الأُمَّة (٤) (وَإِبْقَاءً عَلَيْهِمْ) أي: حفظًا لهم في بقاء أبدانهم على

стр. 4357

قوَّتهم، وعند أبي داود بإسنادٍ صحيحٍ عن رجلٍ من (١) الصَّحابة قال: نهى النبي ﷺ عن الحجامة والمواصلة ولم يحرِّمهما (٢) إبقاءً على أصحابه. (و) بابُ (مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّعَمُّقِ) وهو المبالغة في تكلُّف ما لم يُكلَّف به. ١٩٦١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (٣) (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد أيضًا (قَتَادَةُ) بن دِعَامة (عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ) لأصحابه: (لَا تُوَاصِلُوا) نهيٌ يقتضي الكراهة، وهل هي للتَّنزيه أو للتَّحريم؟ والأصحُّ عند الشَّافعيَّة التَّحريم، قال الرَّافعيُّ: وهو ظاهر نصِّ الشَّافعيِّ، وكرهه مالكٌ، قال الأبيُّ: ولو إلى السَّحَر (٤)، واختار اللَّخميُّ جوازَه إلى السَّحَر لحديث: «من واصل؛ فليواصل إلى السَّحَر»، وقول أشهب: -من واصل (٥) أساء- ظاهره التَّحريم، وقال ابن قدامة في «المغني»: يُكرَه للتَّنزيه لا للتَّحريم، ويدلُّ للتَّحريم قوله في رواية ابن خزيمة من طريق شعبة بهذا الإسناد: «إيَّاكم والوصال» (قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ!) لم يُسَمَّ القائلون، وفي رواية أبي هريرة الآتية -إن شاء الله تعالى- أوَّل الباب اللَّاحق [خ¦١٩٦٥] «فقال رجلٌ من المسلمين» وكأنَّ القائل واحدٌ ونُسِب إلى الجميع لرضاهم به، وفيه: دليلٌ على استواء المُكلَّفين في الأحكام، وأنَّ كلَّ حكمٍ ثبت في حقِّه ﵊ ثبت في حقِّ أمَّته إلَّا ما استُثني، فطلبوا الجمع بين قوله في النَّهي وفعله الدَّالِّ على الإباحة، فأجابهم باختصاصه به، حيث (قَالَ) ﵊: (لَسْتُ) ولابن عساكر: «إنِّي لست» (كَأَحَدٍ مِنْكُمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «كأحدكم» (إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى) بضمِّ الهمزة فيهما (أَوْ) قال: (إِنِّي أَبِيتُ أُطْعَمُ وَأُسْقَى) حقيقةً، فيُؤتَى بطعامٍ وشرابٍ من عند الله تعالى

стр. 4358

كرامةً له في ليالي صومه، ورُدَّ بأنَّه لو كان كذلك لم يكن مواصلًا، والجمهور على أنَّه مجازٌ عن لازم الطَّعام والشَّراب؛ وهو القوَّة، فكأنَّه قال: يعطيني قوَّة الآكل والشَّارب، أو أنَّ الله تعالى يخلق فيه من الشِّبع والرَّيِّ ما يغنيه عن الطَّعام والشَّراب، فلا يحسُّ بجوعٍ ولا عطشٍ، والفرق بينه وبين الأوَّل: أنَّه على الأوَّل يُعطَى القوَّة من غير شبعٍ ولا ريٍّ، بل (١) مع الجوع والظَّمأ، وعلى الثَّاني: يُعطَى القوَّة (٢) مع الشِّبع والرَّيِّ. ورجح الأوَّل؛ فإنَّ الثَّاني ينافي حال الصَّائم ويفوِّت المقصود من الصَّوم والوصال لأنَّ الجوع هو روح هذه العبادة بخصوصها. ١٩٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أصحابه (عَنِ الوِصَالِ) سبق في «باب بركة السَّحور من غير إيجابٍ» [خ¦١٩٢٢] من طريق جويرية عن نافعٍ ذكر السَّبب، ولفظه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ واصل، فواصل النَّاس، فشقَّ عليهم، فنهاهم (قَالُوا) ولابن عساكر: «قال (٣): قالوا»: (إِنَّكَ تُوَاصِلُ! قَالَ: إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ) وفي حديث أبي زرعة عن أبي هريرة عند مسلمٍ: «لستم في ذلك مثلي» أي: لستم على صفتي أو (٤) منزلتي من ربِّي (إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى) قال ابن القيِّم: يحتمل أن يكون المراد: ما يغذِّيه الله تعالى به من معارفه، وما يفيضه على قلبه من لذَّة مناجاته

стр. 4359

وقرَّة عينه بقربه ونعيمه بحبِّه، قال: ومن له أدنى تجربةٍ وشوقٍ يعلم (١) استغناء الجسم بغذاء القلب والرُّوح عن كثيرٍ من الغذاء الحيوانيِّ، ولا سيَّما الفرحان الظَّافر بمطلوبه الذي قد قرَّت عينه بمحبوبه. ١٩٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ الهَادِ) يزيد بن عبد الله بن أسامة اللَّيثيُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ) بالخاء المعجمة المفتوحة والمُوحَّدة المُشدَّدة الأنصاريِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ (¬﵁: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ إِذَا أَرَادَ) وسقط لفظ «إذا» لأبي ذرٍّ وابن عساكر (أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ) (٢) بالجرِّ بـ «حتَّى» الجارَّة التي بمعنى «إلى»، وفيه ردٌّ على من قال: إنَّ الإمساك بعد الغروب لا يجوز (٣) (قَالُوا: فَإِنَّكَ) بالفاء (تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ) أي: لست مثل حالتكم وصفتكم في أنَّ من أكل منكم أو شرب انقطع وصاله (٤) (إِنِّي أَبِيتُ) حال كوني (لِي مُطْعِمٌ) حال كونه (يُطْعِمُنِي، وَ) لي (سَاقٍ) حال كونه (يَسْقِينِ) بحذف الياء في الفرع كالمصحف العثمانيِّ في «الشُّعراء»، وفي بعض الأصول: «يسقيني» بإثباتها كقراءة يعقوب الحضرميِّ في الآية حالة الوصل والوقف مراعاةً للأصل، والحسن البصريِّ في الوصل فقط مراعاةً للأصل والرَّسم. وهذا الحديث أخرجه أبو داود من رواية ابن الهادِ ولم يخرجه مسلمٌ، ووهم صاحب

стр. 4360

«العمدة» فعزاه له، وإنَّما هو من أفراد البخاريِّ كما قاله عبد الحقِّ في «الجمع بين الصَّحيحين»، وكذا صاحب «المنتقى» (١) وصاحب الضِّياء في «المختارة»، بل والحافظ عبد الغنيِّ بن سرورٍ في «عمدته الكبرى» عزا ذلك للبخاريِّ فقط، فلعلَّه وقع له في «عمدته الصُّغرى» سبقُ قلمٍ، والله أعلم. ١٩٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي الوقت: «حدَّثني» بالإفراد، وفي نسخةٍ: «أخبرنا» (عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) أخو أبي بكر ابن أبي شيبة (وَمُحَمَّدٌ) هو ابن سَلَامٍ (قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ) بن سليمان (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ) نُصِب على التَّعليل، أي: لأجل الرَّحمة، وتمسَّك به من قال: النَّهي ليس للتَّحريم كنهيه لهم عن قيام اللَّيل خشية أن يُفرَض عليهم، وقد روى ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عن عبد الله بن الزُّبير: أنَّه كان يواصل خمسة عشر يومًا، ويأتي في الباب التَّالي -إن شاء الله تعالى-[خ¦١٩٦٥] أنه ﷺ واصل بأصحابه بعد النَّهي، فلو كان النَّهيُ (٢) للتَّحريم لَمَا أقرَّهم عليه، فعُلِم أنَّه أراد بالنَّهي الرَّحمة لهم والتَّخفيف عنهم كما صرَّحت به عائشة، وأُجيب بأنَّ قوله: «رحمةً لهم» لا يمنع التَّحريم، فإنَّ من رحمته لهم أنْ حرَّمه عليهم، وأمَّا مواصلته بهم (٣) بعد نهيه فلم يكن تقريرًا بل تقريعًا وتنكيلًا، فاحتمل ذلك لأجل مصلحة النَّهي في تأكيد زجرهم لأنَّهم إذا باشروه ظهرت لهم حكمة النَّهي، فكان ذلك أدعى إلى قبولهم لِمَا يترتَّب عليه من الملل في العبادة، والتَّقصير فيما هو أهمُّ منه وأرجح من وظائف

стр. 4361

الصَّلاة والقراءة وغير ذلك، والجوع الشَّديد ينافي ذلك، وفرَّق بعضهم بين من يشقُّ عليه فيحرم، وبين من لم يشقَّ عليه فيُباح (فَقَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ! قَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ؛ إِنِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ) بحذف الياء وإثباتها -كما مرَّ- والياء في: «يُطعمني» بالضَّمِّ، وفي (١): «يَسقين» بالفتح، والصَّحيح: أنَّ هذا ليس على ظاهره لأنَّه لو كان على الحقيقة لم يكن مواصلًا، وقيل: إنَّه كان يُؤتَى بطعامٍ وشرابٍ في النَّوم فيستيقظ وهو يجد الرَّيَّ والشِّبع، وقال النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب»: معناه: محبَّة الله تشغلني عن الطَّعام والشَّراب (٢)، والحبُّ البالغ يشغل عنهما، وآثر اسم الرَّبِّ دون اسم الذَّات المُقدَّسة في قوله: «يطعمني ربِّي» دون أن يقول: «يطعمني الله»؛ لأنَّ التَّجلِّيَ باسم الرُّبوبيَّة أقرب إلى العباد من الألوهيَّة؛ لأنَّها تجلِّي عظمةٍ لا طاقةَ للبشر بها، وتجلِّي الرُّبوبيَّة تجلِّي رحمةٍ وشفقةٍ، وهي أليق بهذا المقام. (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ؛ كذا لأبوي ذرٍّ والوقت، وسقط لغيرهما: (لَمْ يَذْكُرْ عُثْمَانُ) ابن أبي شيبة في الحديث المذكور قوله: (رَحْمَةً لَهُمْ) فدلَّ على أنَّها من رواية محمَّد بن سلامٍ وحده، وأخرجه مسلمٌ عن إسحاق بن رَاهُوْيَه وعثمان ابن أبي شيبة جميعًا، وفيه: رحمةً لهم، ولم يبيِّن أنَّها ليست في رواية عثمان، وقد أخرجه أبو يعلى والحسن بن سفيان في «مسنديهما» عن عثمان، وليس فيه: «رحمةً لهم»، وأخرجه الجوزقيُّ من طريق محمَّد بن حاتمٍ عن عثمان، وفيه: «رحمةً لهم» (٣)، فيحتمل أن يكون عثمان تارةً يذكرها، وتارةً يحذفها، وقد رواها الإسماعيليُّ عن جعفرٍ الفريابيِّ عن عثمان، فجعل ذلك من قول النَّبيِّ ﷺ ، ولفظه: قالوا: إنَّك تواصل! قال: «إنَّما هي رحمةٌ رحمكم الله بها؛ إنِّي لست كهيئتكم» قاله في «فتح الباري». وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الإيمان» [خ¦٢٠]، ومسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا النَّسائيُّ. (٤٩) (بابُ التَّنْكِيلِ) من النَّكال، أي: العقوبة من النَّبيِّ ﷺ (لِمَنْ أَكْثَرَ الوِصَالَ) في صومه (رَوَاهُ) أي: التَّنكيل (أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ممَّا وصله في «كتاب التَّمنِّي» [خ¦٧٢٤١].

стр. 4362

١٩٦٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر «أخبرني» بالإفراد فيهما (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أصحابَه (عَنِ الوِصَالِ فِي الصَّوْمِ) فرضًا أو نفلًا (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ) لم يُسَمَّ، وفي رواية عُقَيلٍ في «التَّعزير» [خ¦٦٨٥١] فقال له رجالٌ: (إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللهِ!) أي: ووصلك (١) دالٌّ على إباحته، فأجابهم ﵊ بأنَّ ذلك من خصائصه؛ حيث (قَالَ: وَأَيُّكُمْ) وفي نسخةٍ: «فأيُّكم» (مِثْلِي؟!) استفهامٌ يفيد التَّوبيخ المشعر بالاستبعاد (إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ) بحذف الياء وثبوتها كما سبق تقريره (فَلَمَّا أَبَوْا) أي: امتنعوا (أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الوِصَالِ) لظنِّهم أنَّ نهيه ﵊ نهيُ تنزيهٍ لا تحريمٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ -كما في «الفتح» -: «من الوصال» بالميم بدل العين (وَاصَلَ بِهِمْ) ﵊ (يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا) أي: يومين لأجل المصلحة ليبيِّن لهم الحكمة في ذلك (ثُمَّ رَأَوُا الهِلَالَ، فَقَالَ) ﵊: (لَوْ تَأَخَّرَ) الشَّهر (لَزِدْتُكُمْ) في الوصال إلى أن تعجزوا عنه فتسألوا التَّخفيف منه بالتَّرك (كَالتَّنْكِيلِ لَهُمْ) وفي رواية مَعْمَرٍ في «التَّمنِّي» [خ¦٧٢٩٩] «كالمنكِّل لهم» (٢)، ووقع فيها عند المُستملي: «كالمنكر لهم (٣)» بالرَّاء وسكون النُّون من الإنكار، وللحَمُّويي: «كالمنكِي» بتحتيَّةٍ ساكنةٍ قبلها كافٌ مكسورةٌ خفيفةٌ من الإنكاء (٤)، والأوَّل هو الذي تظافرت به الرِّوايات خارج هذا

стр. 4363

الكتاب (حِينَ أَبَوْا) أي: امتنعوا (أَنْ يَنْتَهُوا) أي: عن الانتهاء عن الوصال. وهذا الحديث أخرجه أيضًا النَّسائيُّ. ١٩٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى) غير منسوبٍ، ولأبي ذرٍّ -كما في «الفتح» -: «يحيى بن موسى» وهو المعروف بخَتٍّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابن منبِّهٍ الصَّنعانيِّ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِيَّاكُمْ وَالوِصَالَ) نُصِب على التَّحذير، أي: احذروا الوصالَ (مَرَّتَيْنِ) وعند ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ من طريق أبي زرعة عن أبي هريرة بلفظ: «إيَّاكم والوصال -ثلاث مرَّاتٍ-» (قِيلَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ! قَالَ) ﵊: (إِنِّي أَبِيتُ) وفي حديث أنسٍ في «باب التَّمنَّي» [خ¦٧٢٤١]: «إنِّي أَظَلُّ» وهو محمولٌ على مطلق الكون، لا على حقيقة اللَّفظ لأنَّ المتحدَّث عنه هو الإمساك ليلًا لا نهارًا، وأكثر الرِّوايات إنَّما هو بلفظ: «أبيت»، فكأنَّ بعض الرُّواة عبَّر عنها بلفظ: «أظلُّ» نظرًا إلى اشتراكهما في مطلق الكون، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [النحل: ٥٨] فالمراد به: مُطلَق الوقت، ولا اختصاص لذلك بنهارٍ دون ليلٍ (يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ) جملةٌ حاليَّةٌ (فَاكْلَفُوا) بهمزة وصلٍ وسكون الكاف وفتح اللَّام من كَلِفتُ بهذا الأمر أكلف به، من باب: علِم يعلَم، أي: تكلَّفوا (مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ) أي: تطيقونه، فحُذِف العائد، أي: الذي تقدرون عليه، ولا تتكلَّفوا فوق ما تطيقونه فتعجزوا. (٥٠) (بابُ) جوازِ (الوِصَالِ إِلَى السَّحَرِ) أطلق عليه وصالًا لمشابهته له في الصُّورة، وإلَّا فحقيقة

стр. 4364

الوصال: أن يمسك جميع اللَّيل كالنَّهار، لكن يحتاج إلى ثبوت الدَّعوى بأنَّ الوصال إنَّما هو حقيقةً في إمساك جميع اللَّيل، فقد ورد أنَّه ﷺ كان يواصل من سحرٍ إلى سحرٍ (١)، رواه أحمد وعبد الرَّزَّاق عن عليٍّ. ١٩٦٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ (٢) بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي ابن محمَّد بن حمزة بن مصعب بن (٣) عبد الله (٤) بن الزُّبير بن العوَّام القرشيُّ الأسديُّ الزُّبيريُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) هو عبد العزيز (عَنْ يَزِيدَ) بن عبد الله بن الهادِ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ) بمعجمةٍ ومُوحَّدتين الأولى مُثقَّلةٌ المدنيِّ من موالي الأنصار، وثَّقه أبو حاتمٍ وغيره (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ) بالجرِّ بـ «حتَّى» الجارَّة، وهو قول اللَّخميِّ من المالكيَّة، ونُقِل عن أحمد، وعبارة المرداويِّ في «تنقيحه»: ويُكرَه الوصال، ولا يُكرَه إلى السَّحر نصًّا، وتركه أولى. انتهى. وقال به أيضًا ابن خزيمة من الشَّافعيَّة وطائفةٌ من أهل الحديث (قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: لَسْتُ) ولابن عساكر: «قال: إنِّي لست» (كَهَيْئَتِكُمْ؛ إِنِّي أَبِيتُ) حال كوني (لِي مُطْعِمٌ) حال كونه (يُطْعِمُنِي، وَ) لي (سَاقٍ) حال كونه (يَسْقِينِ) بفتح أوَّله وحذف الياء وإثباتها كما تقدَّم، وهذا لا يعارضه حديث أبي صالحٍ عن أبي هريرة المرويُّ عند ابن خزيمة من طريق عبيدة بن حميدٍ عن الأعمش عنه بلفظ: كان رسول الله ﷺ يواصل إلى

стр. 4365

السَّحر، ففعل بعض أصحابه ذلك، فنهاه … الحديثَ؛ لأنَّ المحفوظ في حديث أبي صالحٍ إطلاق النَّهي عن الوصال بغير تقييدٍ بالسَّحر، فرواية عبيدة هذه شاذَّةٌ، وقد خالفه أبو معاوية -وهو أضبط أصحاب الأعمش- فلم يذكر ذلك، أخرجه أحمد وغيره عن أبي معاوية، وتابعه عبد الله بن نميرٍ عن الأعمش (١) كما سبق، وعلى تقدير أن تكون رواية عبيدة محفوظةً فقد جمع ابن خزيمة بينهما باحتمال أن يكون نهى ﷺ عن الوصال أوَّلًا مطلقًا، سواءٌ جميع اللَّيل أو بعضه، وعلى هذا يُحمَل حديث أبي صالحٍ، ثمَّ خصَّ النَّهي بجميع اللَّيل، فأباح الوصال إلى السَّحر، وعلى هذا يُحمَل حديث أبي سعيدٍ، وقيل: يُحمَل النَّهي في حديث أبي صالحٍ على كراهة التَّنزيه، وفي حديث أبي سعيدٍ على ما فوق السَّحر على كراهة التَّحريم، قاله في «فتح الباري» (٢)، ثمَّ شرع المؤلِّف في أبواب التَّطوُّع بالصَّوم، فقال: (٥١) (بابُ مَنْ أَقْسَمَ) حلف (عَلَى أَخِيهِ) وكان صائمًا (لِيُفْطِرَ) والحال أنَّه كان (فِي) صوم (التَّطَوُّعِ، وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ) أي: على هذا المفطر (قَضَاءً) عن ذلك اليوم الذي أفطر فيه (إِذَا كَانَ) الإفطار (أَوْفَقَ لَهُ) بالواو في الفرع وغيره، وقال الحافظ ابن حجرٍ: ويُروَى: «أرفق» بالرَّاء بدل الواو، والضَّمير في «له» للمُقسَم عليه، أي: إذا كان المقسم عليه (٣) معذورًا بفطره، ومفهومه: عدم الجواز ووجوب القضاء على من تعمَّد بغير سببٍ، ويأتي البحث في هذه المسألة آخر الباب -إن شاء الله تعالى- وقال البرماويُّ -كالكِرمانيِّ-: المعنى: يفطر إذا كان الإفطار أرفق للمقسِم الذي هو صاحب الطَّعام، فـ «إذا» متعلِّقةٌ بما استلزمه قوله: «لم يرَ عليه قضاءً» من جواز إفطاره، قال الشَّافعيَّة في «باب وليمة العرس»: ولا تسقط إجابةٌ بصومٍ، فإن شقَّ على الدَّاعي صوم نفلٍ فالفطر أفضل من إتمام الصَّوم، وإن لم يشقَّ عليه فالإتمام أفضل، أمَّا صوم الفرض فلا يجوز الخروج منه، مضيَّقًا كان أو مُوسَّعًا كالنَّذر المطلق، ولابن عساكر في نسخةٍ:

стр. 4366

«إذْ كان» بسكون الذَّال، يعني: حين (١) كان. ١٩٦٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالمعجمة المُشدَّدة بعد المُوحَّدة العبديُّ البصريُّ بُنْدارٌ قال: (حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ) المخزوميُّ القرشيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ) بضمِّ العين المهملة وفتح الميم وإسكان التَّحتيَّة آخره سينٌ مهملةٌ، اسمه عتبة بن عبد الله بن مسعودٍ (عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ) بضمِّ الجيم وفتح الحاء المهملة وإسكان المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الفاء (عَنْ أَبِيهِ) أبي (٢) جُحَيفة وهب بن عبد الله السُّوائيِّ أنَّه (قَالَ: آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ) بن عبد الله (٣) الفارسيِّ، ويُقال له: سلمان ابن (٤) الإسلام وسلمان الخير، أصله من رامهرمز، وقيل: من أصبهان، عاش فيما رواه أبو الشَّيخ في «طبقات الأصبهانيِّين» ثلاث مئةٍ وخمسين سنةً، ويُقال: إنَّه أدرك عيسى ابن مريم، وقيل: بل أدرك وصيَّ عيسى، وكان أوَّل مشاهده الخندق، وقال ابن عبد البرِّ: يقال: إنَّه شهد بدرًا (وَ) بين (أَبِي الدَّرْدَاءِ) عُوَيمرٍ أو عامر بن قيسٍ الأنصاريِّ، أوَّل مشاهده أحدٌ (فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ) في عهده ﷺ ، وكان أبو

стр. 4367

الدَّرداء غائبًا (فَرَأَى) سلمانُ (أُمَّ الدَّرْدَاءِ) هي خَيرة -بفتح الخاء المعجمة- بنت أبي حَدْرَدٍ الأسلميَّة الصَّحابيَّة الكبرى، وليست أمَّ الدَّرداء الصُّغرى المُسمَّاة هُجَيمة (مُتَبَذِّلَةً) بضمِّ الميم وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والموحَّدة وكسر المعجمة المُشدَّدة، أي: لابسةً ثياب البِذْلة بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، أي: المِهْنة وزنًا ومعنًى، أي: تاركةً لِلِباس الزِّينة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «مُبْتَذِلةً» بميمٍ مضمومةٍ فمُوحَّدةٍ ساكنةٍ ففوقيَّةٍ مفتوحةٍ فمُعجَمةٍ مكسورةٍ. (فَقَالَ) سلمان (لَهَا: مَا شَأْنُكِ) يا أمَّ الدَّرداء مبتذلةً؟ (قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا) وللدَّارقطنِّي من وجهٍ آخر: عن محمَّد بن عونٍ: «في نساء الدُّنيا» وزاد ابن خزيمة: «يصوم النَّهار ويقوم اللَّيل» (فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ) زاد التِّرمذيُّ: فرحَّب بسلمان (فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا) وقرَّبه إليه ليأكل (فَقَالَ) سلمان لأبي الدَّرداء: (كُلْ، قَالَ) أبو الدَّرداء: (فَإِنِّي صَائِمٌ) وفي رواية التِّرمذيُّ: فقال: كُلْ؛ فإنِّي صائمٌ، وعلى هذا فالقائل أبو الدَّرداء، والمقول له سلمان (قَالَ) سلمان لأبي الدَّرداء: (مَا أَنَا بِآكِلٍ) من طعامك (حَتَّى تَأْكُلَ) أراد سلمان أن يصرف أبا الدَّرداء عن رأيه فيما يصنعه من جهد (١) نفسه في العبادة وغير ذلك ممَّا شَكَتْه إليه زوجتُه (قَالَ: فَأَكَلَ) أبو الدَّرداء معه، فإن قلتَ: لم يذكر في هذا الحديث قَسَمًا من سلمان حتَّى تقع المطابقة بينه وبين التَّرجمة؛ حيث قال: من أقسم على أخيه؟ قلتُ: أجاب ابن المُنيِّر بأنَّه إمَّا لأنَّه في طريقٍ آخر، وإمَّا لأنَّ القَسَم في هذا السِّياق مُقدَّرٌ قبل لفظ: ما أنا بآكلٍ؛ كما قُدِّر في قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه يحتاج إلى إثبات الطَّريق الذي وقع فيه (٢) القسم، والاحتمال ليس كافيًا في ذلك، وتقدير قَسَمٍ هنا تقدير ما لا دليل عليه، فلا يُصار إليه. انتهى. وقد وقع في رواية البزَّار عن محمَّد بن بشَّارٍ شيخ المؤلِّف -كما أفاده في «الفتح» -: «فقال: أقسمت عليك لتفطرنَّ» وكذا رواه ابن خزيمة عن يوسف بن موسى، والدَّارقُطنيُّ من طريق عليِّ بن مسلمٍ وغيره، والطَّبرانيُّ من طريق أبي بكرٍ وعثمان ابني أبي شيبة والعبَّاس بن عبد العظيم (٣)، وابن حبَّان من طريق أبي خيثمة، كلُّهم عن جعفر

стр. 4368

ابن عونٍ به، فكأنَّ محمَّد بن بشَّارٍ لم يذكر هذه الجملة لمَّا حدَّث (١) به المؤلِّف، وبلغ المؤلف ذلك (٢) من غيره، فاستعمل هذه الزِّيادة في التَّرجمة. (فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ) أي: أوَّله (ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ) حال كونه (يَقُومُ) يعني: يصلِّي، وقد روى الطَّبرانيُّ هذا الحديث من وجهٍ آخر عن محمَّد بن سيرين مُرسَلًا، فعيَّن اللَّيلة التي بات سلمان فيها عند أبي الدَّرداء، ولفظه: كان أبو الدَّرداء يحيي ليلة الجمعة ويصوم يومها (قَالَ) سلمان له: (نَمْ، فَنَامَ) أبو الدَّرداء (ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ) له سلمان: (نَمْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ) عند السَّحر (قَالَ) له (سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ) فقام أبو الدَّرداء وسلمان وتَوضَّأا (فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) زاد التِّرمذيُّ وابن خزيمة: «وإنَّ لضيفك عليك حقًّا» (فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ) بقطع همزة: «فأعط»، وللدَّارقطنيِّ: فصم وأفطر ونَمْ وائتِ أهلك (فَأَتَى) أبو الدَّرداء (النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ) الذي قاله سلمان (لَهُ) ﵊ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : صَدَقَ سَلْمَانُ) وللتِّرمذيِّ: «فأتيا» بالتَّثنية، وفيه: أنَّه لا يجب إتمام صوم التَّطوُّع إذا شرع فيه كصلاته واعتكافه لئلَّا يغيِّر الشُّروع حكم المشروع فيه، ولحديث التِّرمذيِّ -وصحَّحه الحاكم-: «الصَّائم (٣) المتطوِّع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر» ويُقاس بالصَّوم الصَّلاة ونحوها، لكن يُكرَه الخروج منه لظاهر قوله تعالى (٤): ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وللخروج من خلاف من أوجب إتمامه؛ كما يأتي قريبًا -إن شاء الله تعالى-إلَّا بعذر كمساعدة ضيفٍ في الأكل إذا عزَّ عليه امتناع مضيفه منه أو عكسه، فلا يُكرَه الخروج منه، بل يُستَحبُّ لحديث الباب مع زيادة التِّرمذيِّ: «وإن لضيفك عليك حقًّا»، أمَّا إذا لم يعزَّ على أحدهما امتناع الآخر من ذلك فالأفضل عدم خروجه منه، ذكره في «المجموع»، وإذا خرج منه؛ قال المتولِّي: لا يُثاب على ما مضى لأنَّ العبادة لم تتمَّ، وحكى عن الشَّافعيِّ: أنَّه يُثاب عليه، وهو الوجه إن خرج منه بعذرٍ، ويُستحَبُّ قضاؤه، سواء خرج بعذرٍ أم (٥) بغيره، وهذا مذهب الشَّافعيَّة والحنابلة والجمهور، وقال المالكيَّة: يجب القضاء في صوم

стр. 4369

النَّفل بالفطر إذا كان عمدًا حرامًا، فلا قضاء على من أفطر ناسيًا، ولا على من أفطر لعذرٍ من مرضٍ أو غيره، فلو شرع في صوم نفلٍ وجب عليه إتمامه، وحرم عليه الفطر من غير عذر، ولو حلف عليه شخصٌ بالطَّلاق الثَّلاث فإنَّه يحنِّثه ولا يفطر، فإن أفطر وجب عليه القضاء إلَّا في كوالدٍ وشيخٍ وإن لم يحلفا، وفي حكايات أهل الطَّريق: أنَّ بعض الشُّيوخ حضر دعوةً فعرض الطَّعام على تلميذه، فقال: إنِّي على نيَّةٍ، وأبى أن يأكل، فقال له الشَّيخ: كُلْ وأنا أضمن لك أجر سنةٍ، فأبى، فقال الشَّيخ: دعوه؛ فإنَّه سقط من عين الله، فنسأل (١) الله العافية. وقال الحنفيَّة: يلزمه القضاء مطلقًا أفسد عن قصدٍ أو (٢) غير قصدٍ بأن عرض الحيض للصَّائمة المتطوِّعة. لا خلاف بين أصحابنا في ذلك، وإنَّما اختلاف الرِّواية في نفس الإفساد: هل يُباح أو لا؟ ظاهر الرِّواية: لا إلَّا لعذرٍ (٣)، ورواية «المنتقى» يُباح بلا عذرٍ، ثمَّ اختلف المشايخ على ظاهر الرِّواية: هل الضِّيافة عذرٌ أو لا؟ قيل: نعم، وقيل: لا، وقيل: عذرٌ قبل الزَّوال لا بعده، إلَّا إذا كان في عدم الفطر بعده عقوقٌ لأحد الوالدين لا غيرهما، حتَّى لو حلف عليه رجلٌ بالطَّلاق الثَّلاث ليفطرنَّ (٤) لا يفطر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وقوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] الآية سيقت (٥) في معرض ذمِّهم على عدم رعاية ما التزموه من القُرَب التي لم تُكتَب عليهم، والقدر المؤدَّى عمل كذلك، فوجب صيانته عن الإبطال بهذين النَّصَّين، فإذا أفطر وجب قضاؤه تفاديًا عن الإبطال، وأُجيب بأنَّ المراد: لا تحبطوا الطَّاعات بالكبائر أو بالكفر والنِّفاق، والعجب والرِّياء، والمنِّ والأذى ونحوها، وهذا غير الإبطال الموجب للقضاء، وقد قال ابن المُنيِّر من المالكيِّة في «الحاشية»: ليس في تحريم الأكل في صوم النَّفل من غير عذرٍ إلَّا الأدلَّة العامَّة كقوله (٦) تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] إلَّا أنَّ الخاصَّ يُقدَّم على العامِّ كحديث سلمان ونحوه، فمذهب الشَّافعيَّة في هذه المسألة أظهر.

стр. 4370

وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما ذكرته، ممَّا يطول استقصاؤه ولا يخفى على متأمِّلٍ، وأخرجه المؤلِّف في «الأدب» [خ¦٦١٣٩]، وكذا التِّرمذيُّ. (٥٢) (بابُ) فضل (صَوْمِ شَعْبَانَ). ١٩٦٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي النَّضْرِ) بفتح النُّون وسكون المعجمة سالم بن أبي أميَّة (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: (١) لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ) أي: ينتهي صومه إلى غايةٍ نقول: إنَّه لا يفطر، ويفطر فينتهي إفطاره إلى غايةٍ حتَّى نقول: إنَّه لا يصوم (فَمَا) بالفاء، ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «وما» (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «النَّبيَّ» (¬ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ) وإنَّما لم يستكمل شهرًا غير رمضان لئلَّا يُظَنَّ وجوبه (وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ) بنصب «صيامًا»، قال البرماويُّ -كالزَّركشيِّ-: ورُوِي بالخفض، قال السُّهيليُّ: وهو وهمٌ، كأنَّه بناه على كتابتها هنا بغير ألفٍ على لغة من يقف على المنصوب المُنوَّن بلا ألفٍ، فتوهَّمه مخفوضًا، لاسيَّما وصيغة «أفعل» تُضَاف كثيرًا، فتوهَّمها مضافةً، ولكنَّ الإضافة هنا ممتنعةٌ قطعًا، ووجه تخصيص «شعبان» بكثرة الصَّوم لكون أعمال العباد تُرفَع (٢) فيه، ففي «النَّسائيِّ» من حديث أسامة: قلت: يا رسول الله لم أَرَكَ تصوم من شهرٍ من الشُّهور ما تصوم من شعبان؟ قال: «ذاك (٣) شهرٌ يغفل النَّاس عنه بين رجبٍ ورمضان، وهو شهرٌ تُرفَع فيه الأعمال إلى

стр. 4371

ربِّ العالمين، فأحبُّ أن يُرفَع عملي وأنا صائمٌ»، فبيَّن ﷺ وجه صيامه لشعبان دون غيره من الشُّهور بقوله: «إنَّه شهرٌ يغفل النَّاس عنه بين رجبٍ ورمضان»، يشير إلى أنَّه لمَّا اكتنفه شهران عظيمان: الشَّهر الحرام وشهر الصِّيام (١) اشتغل النَّاس بهما فصار مغفولًا عنه، وكثيرٌ من النَّاس يظنُّ أنَّ صيام رجبٍ أفضل من صيامه لأنَّه شهرٌ حرامٌ، وليس كذلك، وقيل -في تخصيصه شعبان- غير ذلك. وحديث الباب أخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ في «الصِّيام». ١٩٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء والضَّاد المعجمة، قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيٍر (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ حَدَّثَتْهُ قَالَتْ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ) واستُشكِل هذا مع قوله في الرِّواية الأولى [خ¦١٩٦٩] «وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان» وأُجيب بأنَّ الرِّواية الأولى مفسِّرةٌ لهذه ومبيِّنةٌ بأنَّ المرادَ بـ «كلَّه» غالبُه، وقيل: كان يصومه كلَّه في وقتٍ، وبعضه في آخر، وقيل: كان يصوم تارةً من أوَّله، وتارةً من وسطه، وتارةً من آخره، ولا يترك منه شيئًا بلا صيامٍ، لكن في أكثر من سنةٍ؛ كذا قاله غير واحدٍ كالزَّركشيِّ، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّ الثَّلاثة كلَّها ضعيفةٌ، فأمَّا الأوَّل فلأنَّ إطلاق الكلِّ على الأكثر مع الإتيان به توكيدًا (٢) غير معهود. انتهى. وقد نقل التِّرمذيُّ عن ابن المبارك أنَّه (٣) قال: جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشَّهر أن يقول (٤): صام الشَّهر كله، ويُقال: قام فلانٌ ليلَه (٥) أجمع، ولعلَّه

стр. 4372

قد تعشَّى واشتغل ببعض أمره، قال التِّرمذيُّ: كأنَّ ابن المبارك جمع بين الحديثين بذلك، فالمراد بالكلِّ الأكثرُ، وهو مجازٌ قليل الاستعمال، واستبعده أيضًا فقال: كلُّ تأكيدٍ (١) لإرادة الشُّمول ودفع (٢) التَّجوُّز من احتمال البعض فتفسيره بالبعض منافٍ له. انتهى. وقد تعقَّبه أيضًا (٣) الحافظ زين الدِّين العراقيُّ: بأنَّ في حديث أمِّ سلمة عند التِّرمذيِّ قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلَّا شعبان ورمضان» فعطف «رمضان» عليه يبعد أن يكون المراد بشعبان أكثره؛ إذ لا جائز أن يكون المراد برمضان بعضه، والعطف يقتضي المشاركة فيما عُطِف عليه، وإن مشى ذلك فإنَّما يمشي على رأي من يقول: إنَّ اللَّفظ الواحد يُحمَل على حقيقته ومجازه، وفيه خلافٌ لأهل الأصول (٤). قال في «عمدة القاري»: ولا يمشي هنا ما قاله على رأي البعض أيضًا لأنَّ من قال ذلك قاله في اللَّفظ الواحد، وهنا لفظان: شعبان ورمضان. انتهى. فليُنظَر هذا مع قول ابن المبارك: إنَّه جائزٌ في كلام العرب، قال في «المصابيح»: وأمَّا الثَّاني فلأنَّ قولها: «كان يصوم شعبان كلَّه» يقتضي تكرار الفعل، وأنَّ ذلك عادةٌ له على ما هو المعروف في مثل هذه العبارة. انتهى. واختُلِف في دلالة «كان» على التَّكرار، وصحَّح ابن الحاجب: أنَّها تقتضيه، قال: وهذا استفدناه من قولهم: كان حاتمٌ يقري الضَّيف، وصحَّح الإمام فخر الدِّين في «المحصول»: أنَّها لا تقتضيه لا لغةً ولا عرفًا، وقال النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»: إنَّه المختار الذي عليه الأكثرون والمحقِّقون من الأصوليِّين، وذكر ابن دقيق العيد: أنَّها تقتضيه عرفًا. انتهى. قال في «المصابيح»: وأمَّا الثَّالث فلأنَّ أسماء الشُّهور إذا ذُكِرت غير مضافٍ إليها لفظ «شهرٍ» كان العمل عامًّا لجميعها، لا تقول: سرت المُحرَّم وقد سرت بعضًا منه، ولا تقول: صمت رمضان وإنَّما صمت بعضه، فإن أضفت الشَّهر إليه لم يلزم (٥) التَّعميم، هذا مذهب سيبويه وتبعه عليه غير واحدٍ، قال الصَّفَّار: ولم يخالف في ذلك إلَّا الزَّجَّاج، ويمكن أن يُقال: إنَّ قولها: «وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان» لا ينفي صيامه لجميعه، فإنَّ

стр. 4373

المرادَ أكثريَّةُ صيامه فيه على صيامه في غيره من الشُّهور التي لم يُفرَض فيها الصَّوم، وذلك صادقٌ بصومه (١) لكلِّه (٢) لأنَّه إذا صامه جميعه صدق أنَّ الصَّوم الذي أوقعه فيه أكثر من الصَّوم الذي أوقعه في غيره؛ ضرورة أنَّه لم يَصُمْ غيره مما عدا رمضان كاملًا، وأمَّا قولها: «لم يستكمل صيام شهرٍ إلَّا رمضان» فيحمل على الحذف، أي: إلَّا رمضان وشعبان، بدليل قولها في الطَّريق الأخرى: «فإنَّه كان يصوم شعبان كلَّه»، وحذفُ المعطوف والعاطف جميعًا ليس بعزيزٍ في كلامهم، ففي التَّنزيل: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠] أي: ومن أنفق من بعده، وفيه: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أي: والبرد، قال: ويمكن الجمع بطريقٍ أخرى؛ وهي أن يكون قولها: «وكان يصوم شعبان كلَّه» محمولًا على حذف أداة الاستثناء والمستثنى، أي: إلَّا قليلًا منه، ويدلُّ عليه حديث عبد الرَّزَّاق بلفظ: «ما رأيت رسول الله ﷺ أكثر صيامًا منه في شعبان، فإنَّه كان يصومه كلَّه إلَّا قليلًا»، فإن قلت: قد ورد في حديث مسلمٍ: «أنَّ أفضل الصِّيام بعد رمضان المُحرَّم»، فكيف أكثر ﵊ منه في شعبان دون المُحرَّم؟ أُجيب باحتمال أنَّه ﷺ لم يعلم فضل المُحرَّم إلَّا في آخر حياته قبل التَّمكُّن من صومه، أو لعلَّه كان يعرض له فيه أعذارٌ تمنع من إكثار الصَّوم فيه. (وَكَانَ) ﵊ (يَقُولُ: خُذُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ) المداومةَ عليه بلا ضررٍ (فَإِنَّ اللهَ) (لَا يَمَلُّ) بفتح الياء التَّحتيَّة والميم، قال النَّوويُّ: الملل: السَّآمة، وهو بالمعنى المتعارف في حقِّنا محالٌ في حقِّ الله تعالى فيجب تأويله، فقال المحقِّقون: أي: لا يعاملكم معاملة الملل فيقطع عنكم ثوابه وفضله ورحمته (حَتَّى تَمَلُّوا) بفتح الأوَّل والثَّاني، أي: تقطعوا أعمالكم، وقال الكِرمانيُّ: هو إطلاقٌ مجازيٌّ عن ترك الجزاء، وقال بعضهم: معناه: لا تتكلَّفوا حتَّى تملُّوا، فإنَّ الله ﷻ مُنزَّهٌ عن الملالة، ولكنَّكم تَمَلُّون قبول فيض الرَّحمة (وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) ولابن عساكر: «وأحبُّ الصَّلاة إلى الله» (مَا دُووِمَ عَلَيْهِ) بضمِّ الدَّال وسكون الواو الأولى وكسر الثَّانية مبنيًّا للمفعول من المداومة من «باب المفاعلة»، وفي نسخةٍ: «ما دِيم» مبنيًّا للمفعول أيضًا من «دام»، والأوَّل من «داوم» (وَإِنْ قَلَّتْ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً دَاوَمَ عَلَيْهَا) وفي الإدامة

стр. 4374

والمواظبة فوائدُ؛ منها: تخلُّق النَّفس واعتيادها، ولله درُّ القائل: هي النَّفس ما عوَّدتها تتعوَّدُ ....................... والمواظب يتعرَّض لنفحات الرَّحمة، قال ﵊: «إنَّ لربِّكم في أيَّام دهركم نفحاتٍ، ألا فتعرَّضوا لها». (٥٣) (بابُ مَا يُذْكَرُ مِنْ صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) التَّطوُّع (وَإِفْطَارِهِ) في خلال صومه. ١٩٧١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي الوقت: «حدَّثني» بالإفراد (مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) جعفر بن أبي وحشيَّة إياس اليشكريِّ (عَنْ (١) سَعِيدٍ) ولأبي الوقت: «سعيد بن جبيرٍ» (٢) (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) ولـ «مسلمٍ» من طريق عثمان بن حكيمٍ: قال سألت سعيد بن جبيرٍ عن صيام رجبٍ فقال: سمعت ابن عبَّاس (قَالَ: مَا صَامَ النَّبِيُّ ﷺ شَهْرًا كَامِلًا قَطُّ غَيْرَ رَمَضَانَ) هو كقول عائشة [خ¦١٩٦٩]: «لم يستكمل صيام شهرٍ إلَّا رمضان»، ويعارضه ظاهر قولها [خ¦١٩٧٠] «كان يصوم شعبان كلَّه»، فإمَّا أن يُحمَل على الأكثريَّة أو على أنَّه لم يره يستكمل إلَّا رمضان، فأخبر على حسب اعتقاده (وَيَصُومُ) ولـ «مسلم»: وكان يصوم (حَتَّى يَقُولَ القَائِلُ: لَا وَاللهِ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى يَقُولَ القَائِلُ: لَا وَاللهِ لَا يَصُومُ) ومطابقته للتَّرجمة ظاهرةٌ. وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الصَّوم».

стр. 4375

١٩٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى القرشيُّ العامريُّ الأُوَيسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي كثيرٍ المدنيُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَُ مِنْهُ) بفتح همزة «أَنْ» ونَصْبِ «يصومَُ» ورفْعِه لأنَّ «أن» إمَّا ناصبةٌ و «لا» نافيةٌ، وإمَّا مفسِّرةٌ و «لا» ناهيةٌ، و «نظنَّ» بنون الجمع؛ كما في (١) «اليونينيَّة»، وزاد في «فتح الباري»: «يُظَنَّ» بالمُثنَّاة التَّحتيَّة المضمومة وفتح المعجمة مبنيًّا للمفعول، و: «تظنَّ» بالمثنَّاة الفوقيَّة على المخاطبة، قال: ويؤيِّده قوله بعد ذلك: «إلَّا رأيتَُه»، فإنَّه رُوِي بالضَّمِّ والفتح معًا (وَيَصُومُ) من الشَّهر (حَتَّى نَظُنَّ أَنْ (٢) لَا يُفْطِرَُ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ لَا تَشَاءُ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَُهُ) أي: مصلِّيًا (وَلَا) تشاء تراه من اللَّيل (نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَُهُ) أي: نائمًا؛ يعني: أنَّه كان تارةً يقوم من أوَّل اللَّيل، وتارةً من وسطه، وتارةً من آخره، كما كان يصوم تارةً من أوَّل الشَّهر، وتارةً من وسطه، وتارةً من آخره (٣)، فكان من أراد أن يراه في وقتٍ من أوقات اللَّيل قائمًا أو في وقتٍ من أوقات الشَّهر صائمًا، فراقبه المرَّة بعد المرَّة فلا بدَّ أن يصادفه قائمًا أو صائمًا على وفق

стр. 4376

ما أراد أن يراه، وليس المراد: أنَّه كان يسرد الصَّوم، ولا أنَّه كان يستوعب اللَّيل قيامًا (١)، وأمَّا قول عائشة [خ¦١٩٧٠]: «وكان إذا صلَّى صلاةً داوم عليها» فالمراد به ما اتَّخذه راتبًا، لا مُطلَق النَّافلة، فلا تعارض، قاله في «فتح الباري». (وَقَالَ) وسقطت الواو في رواية أبي الوقت (سُلَيْمَانُ) بن حيَّان الأحمر، ممَّا وصله المؤلِّف في الباب [خ¦١٩٧٣] (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل: (أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسًا فِي الصَّوْمِ). ١٩٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدٌ) ولأبي ذرٍّ: «هو ابن سَلَامٍ» قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو خَالِدٍ) سليمان بن حيَّان (٢) (الأَحْمَرُ) قال: (أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا ﵁ عَنْ صِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَا كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَاهُ) أي: ما كنت أحبُّ رؤيته (مِنَ الشَّهْرِ) حال كونه (صَائِمًا إِلَّا رَأَيْتُهُ) صائمًا (وَلَا) كنت أحبُّ أن أراه من الشَّهر حال كونه (مُفْطِرًا إِلَّا رَأَيْتُهُ) مفطرًا (وَلَا) كنت أحبُّ أن أراه (مِنَ اللَّيْلِ) حال كونه (قَائِمًا إِلَّا رَأَيْتُهُ) قائمًا (وَلَا) كنت أحبُّ أن أراه من اللَّيل حال كونه (نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتُهُ) نائمًا (وَلَا مَسِسْتُ) بفتح الميم وكسر السِّين الأولى -على الأفصح- وسكون الثَّانية (خَزَّةً) بفتح الخاء والزَّاي المُشدَّدة المعجمتين، هو في الأصل: اسم دابَّةٍ، ثمَّ سُمَّي الثَّوب المتَّخَذ من وبره خزًّا (وَلَا حَرِيرَةً) وفي نسخةٍ: «ولا حريرًا» (أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَا شَمِمْتُ) بكسر الميم الأولى، وقول ابن درستويه: والعامَّة يخطئون في فتحها، تعقَّبه في «المصابيح» بأنَّها لغةٌ حكاها الفرَّاء قال: ومضارع المكسور أَشَمُّ؛ بفتح الشِّين (٣)،

стр. 4377

والآخر: أشُمُّ (١) بضمِّها (مِسْكَةً وَلَا عَبِيرَةً) بالموحَّدة المكسورة والتَّحتيَّة السَّاكنة، والعبير (٢): طيبٌ معمولٌ من أخلاطٍ، ولابن عساكر: «ولا عنْبَرة» بنونٍ ساكنةٍ فمُوحَّدةٍ مفتوحةٍ: القطعة من العنبر المعروف (أَطْيَبَ رَائِحَةً مِنْ رَائِحَةِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ -كما في «الفتح» -: «من ريح» (رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) فقد كان ﵊ على أكمل الصِّفات خُلُقًا وخلقًا، فهو كلُّ الكمال، وجملة الجمال. وفي حديثي الباب: أنَّه ﵊ لم يَصُمِ الدَّهر، ولا قام كلَّ اللَّيل، ولعلَّه إنَّما ترك ذلك لئلَّا يُقتَدى به فيشقَّ على أمَّته وإن كان قد أُعِطي من القوَّة ما لو التزم ذلك لاقتدر عليه، لكنَّه سلك من العبادة الطَّريقة الوسطى فصام وأفطر وقام ونام ليقتدي به العابدون ﷺ كثيرًا. (٥٤) (بابُ حَقِّ الضَّيْفِ فِي الصَّوْمِ) أي: في صوم المضيف. ١٩٧٤ - وبه قال (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الخزَّاز (٣) قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) وفي نسخةٍ: «عليُّ بن المبارك» أي: الهُنَائيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄ قَالَ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ) هكذا أورده مختصرًا، ثمَّ ذكر ما يشهد لِمَا ترجم له (٤) فقال: (يَعْنِي: إِنَّ لِزَوْرِكَ) والزَّوْر (٥)؛ بفتح الزَّاي

стр. 4378

وسكون الواو، قال في «التَّنقيح» كـ «النِّهاية»: وهو في الأصل مصدرٌ وضِع موضع الاسم كصومٍ ونومٍ؛ بمعنى: صائمٍ ونائمٍ، وقد يكون اسم جمعٍ له واحدٌ (١) من اللَّفظ، وهو زائرٌ كراكبٍ وركب، أي: إنَّ لضيفك (عَلَيْكَ حَقًّا) أي: فتفطر لأجله إيناسًا له وبسطًا (٢) (وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) وحقُّها هنا الوطء، فإذا سرد الزَّوج الصَّوم ووالى قيام اللَّيل ضَعُف عن حقِّها (٣)، قال عبد الله بن عمرو بن العاص: (فَقُلْتُ) بالفاء، ولابن عساكر: «قلت»: (وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ؟) في الباب التَّالي [خ¦١٩٧٥] قال: «فصم صيام نبيّ الله داود ﵇ ولا تزد عليه»، قلت: وما كان صيام نبيِّ الله داود (قَالَ: نِصْفُ الدَّهْرِ). وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الصَّوم» وكذا النَّسائيُّ. (٥٥) (بابُ حَقِّ الجِسْمِ فِي الصَّوْمِ) على المتطوّع بأن يرفق به لئلَّا يضعف فيعجز عن أداء الفرائض. ١٩٧٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ) ولأبي الوقت: «محمَّد بن مقاتلٍ» أي: المروزيُّ

стр. 4379

المجاور بمكَّة، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ) بالزَّاي عبد الرَّحمن بن عمرٍو (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄¬) أنَّه قال: (قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ (١) عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عَبْدَ اللهِ أَلَمْ أُخْبَرْ) بضمِّ الهمزة وسكون المعجمة وفتح المُوحَّدة مبنيًّا للمفعول، وهمزة «أَلم» للاستفهام (أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟) أي: فيه (فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ) زاد مسلمٌ: «ولم أرِدْ إلَّا الخير» (قَالَ: فَلَا) ولابن عساكر: «لا» (تَفْعَلْ) زاد بعد بابين [خ¦١٩٧٩] «فإنَّك إذا فعلت ذلك؛ هَجَمتْ له العين» (صُمْ وَأَفْطِرْ) بهمزة قطعٍ (وَقُمْ وَنَمْ؛ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) بأن ترعاه وترفق به، ولا تضرَّه حتَّى تقعد عن القيام بالفرائض ونحوها، وقد ذمَّ الله قومًا أكثروا من العبادة ثمَّ تركوا (٢) بقوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ إلى قوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٨] (وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) بالإفراد في الفرع، ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «لعينيك» بالتَّثنية (وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) في الوطء (وَإِنَّ لِزَوْرِكَ) أي: لضيفك (عَلَيْكَ حَقًّا) في البسط والمؤانسة وغيرهما (وَإِنَّ بِحَسْبِكَ) بسكون السِّين المهملة كما في «اليونينيَّة»، وبفتحها في الفرع (٣)، قال البرماويُّ -كالزَّركشيِّ-: بفتح السِّين، وحكى إسكانها، والباء فيه زائدةٌ، أي: كافيك (أَنْ

стр. 4380

تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ) في محلِّ رفعٍ خبرُ «إنَّ»، قال في «المصابيح»: وينبغي أن يكون هذا الإعراب متعيِّنًا، ويُؤخذ منه: صحَّة ما ذهب إليه ابن مالكٍ في قولك: «بحسْبِكَ زيدٌ» أنَّ حسبك (١): مبتدأٌ، وزيدٌ: خبرٌ (٢)، وأنَّه من باب الإخبار بالمعرفة عن النَّكرة؛ لأنَّ «حسبك» لا يتعرَّف بالإضافة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «من كلِّ شهرٍ» وله عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «في كلِّ شهرٍ» (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، فَإِنَّ (٣)) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «فإذن» بالنُّون في الفرع وأصله (٤)، وفي غيرهما (٥) بالألف مُنوَّنةً، وعليه الجمهور ورسم المصحف، وقال بالأوَّل المازنيُّ والمبرِّد، وقال الفرَّاء: إن عملت كُتِبت (٦) بالألف وإلَّا كُتِبت بالنُّون للفرق بينها وبين «إذا»، وتبعه ابن خروفٍ، قال في «القاموس»: ويحذفون الهمزة فيقولون: ذن، والأكثر أن تكون جوابًا لـ «إن» أو «لو» ظاهرتين أو مُقدَّرتين، والمُقدَّر هنا: «إن» أي: إن صمتها فإذًا (ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ) قال الحافظ ابن حجرٍ وغيره: «إذا» بغير تنوينٍ للمفاجأة، قال العينيُّ: تقديره: إن صمت ثلاثة أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ فاجأت عشر أمثالها كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الروم: ٢٥] … الآيةَ، تقديره: ثمَّ إذا دعاكم فاجأتم الخروج في ذلك الوقت، قال عبد الله: (فَشَدَّدْتُ) على نفسي (فَشُدِّدَ عَلَيَّ) بضمِّ الشِّين مبنيًّا للمفعول (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً) على أكثر من ذلك (قَالَ) ﵊: إن كنت تجد قوَّةً (فَصُمْ صِيَامَ نَبِيِّ اللهِ دَاوُدَ ﵇ وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ، قُلْتُ: وَمَا كَانَ صِيَامُ نَبِيِّ اللهِ دَاوُدَ ﵇ قَالَ) ﵊: كان (٧) صيامه (نِصْفَ) صوم (الدَّهْرِ) وهو أن يفطر يومًا ويصوم
следующие страницы →