← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

ما أراد أن يراه، وليس المراد: أنَّه كان يسرد الصَّوم، ولا أنَّه كان يستوعب اللَّيل قيامًا (١)، وأمَّا قول عائشة [خ¦١٩٧٠]: «وكان إذا صلَّى صلاةً داوم عليها» فالمراد به ما اتَّخذه راتبًا، لا مُطلَق النَّافلة، فلا تعارض، قاله في «فتح الباري». (وَقَالَ) وسقطت الواو في رواية أبي الوقت (سُلَيْمَانُ) بن حيَّان الأحمر، ممَّا وصله المؤلِّف في الباب [خ¦١٩٧٣] (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل: (أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسًا فِي الصَّوْمِ). ١٩٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدٌ) ولأبي ذرٍّ: «هو ابن سَلَامٍ» قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو خَالِدٍ) سليمان بن حيَّان (٢) (الأَحْمَرُ) قال: (أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا ﵁ عَنْ صِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَا كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَاهُ) أي: ما كنت أحبُّ رؤيته (مِنَ الشَّهْرِ) حال كونه (صَائِمًا إِلَّا رَأَيْتُهُ) صائمًا (وَلَا) كنت أحبُّ أن أراه من الشَّهر حال كونه (مُفْطِرًا إِلَّا رَأَيْتُهُ) مفطرًا (وَلَا) كنت أحبُّ أن أراه (مِنَ اللَّيْلِ) حال كونه (قَائِمًا إِلَّا رَأَيْتُهُ) قائمًا (وَلَا) كنت أحبُّ أن أراه من اللَّيل حال كونه (نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتُهُ) نائمًا (وَلَا مَسِسْتُ) بفتح الميم وكسر السِّين الأولى -على الأفصح- وسكون الثَّانية (خَزَّةً) بفتح الخاء والزَّاي المُشدَّدة المعجمتين، هو في الأصل: اسم دابَّةٍ، ثمَّ سُمَّي الثَّوب المتَّخَذ من وبره خزًّا (وَلَا حَرِيرَةً) وفي نسخةٍ: «ولا حريرًا» (أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَا شَمِمْتُ) بكسر الميم الأولى، وقول ابن درستويه: والعامَّة يخطئون في فتحها، تعقَّبه في «المصابيح» بأنَّها لغةٌ حكاها الفرَّاء قال: ومضارع المكسور أَشَمُّ؛ بفتح الشِّين (٣)،

стр. 4377

والآخر: أشُمُّ (١) بضمِّها (مِسْكَةً وَلَا عَبِيرَةً) بالموحَّدة المكسورة والتَّحتيَّة السَّاكنة، والعبير (٢): طيبٌ معمولٌ من أخلاطٍ، ولابن عساكر: «ولا عنْبَرة» بنونٍ ساكنةٍ فمُوحَّدةٍ مفتوحةٍ: القطعة من العنبر المعروف (أَطْيَبَ رَائِحَةً مِنْ رَائِحَةِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ -كما في «الفتح» -: «من ريح» (رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) فقد كان ﵊ على أكمل الصِّفات خُلُقًا وخلقًا، فهو كلُّ الكمال، وجملة الجمال. وفي حديثي الباب: أنَّه ﵊ لم يَصُمِ الدَّهر، ولا قام كلَّ اللَّيل، ولعلَّه إنَّما ترك ذلك لئلَّا يُقتَدى به فيشقَّ على أمَّته وإن كان قد أُعِطي من القوَّة ما لو التزم ذلك لاقتدر عليه، لكنَّه سلك من العبادة الطَّريقة الوسطى فصام وأفطر وقام ونام ليقتدي به العابدون ﷺ كثيرًا. (٥٤) (بابُ حَقِّ الضَّيْفِ فِي الصَّوْمِ) أي: في صوم المضيف. ١٩٧٤ - وبه قال (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الخزَّاز (٣) قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) وفي نسخةٍ: «عليُّ بن المبارك» أي: الهُنَائيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄ قَالَ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ) هكذا أورده مختصرًا، ثمَّ ذكر ما يشهد لِمَا ترجم له (٤) فقال: (يَعْنِي: إِنَّ لِزَوْرِكَ) والزَّوْر (٥)؛ بفتح الزَّاي

стр. 4378

وسكون الواو، قال في «التَّنقيح» كـ «النِّهاية»: وهو في الأصل مصدرٌ وضِع موضع الاسم كصومٍ ونومٍ؛ بمعنى: صائمٍ ونائمٍ، وقد يكون اسم جمعٍ له واحدٌ (١) من اللَّفظ، وهو زائرٌ كراكبٍ وركب، أي: إنَّ لضيفك (عَلَيْكَ حَقًّا) أي: فتفطر لأجله إيناسًا له وبسطًا (٢) (وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) وحقُّها هنا الوطء، فإذا سرد الزَّوج الصَّوم ووالى قيام اللَّيل ضَعُف عن حقِّها (٣)، قال عبد الله بن عمرو بن العاص: (فَقُلْتُ) بالفاء، ولابن عساكر: «قلت»: (وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ؟) في الباب التَّالي [خ¦١٩٧٥] قال: «فصم صيام نبيّ الله داود ﵇ ولا تزد عليه»، قلت: وما كان صيام نبيِّ الله داود (قَالَ: نِصْفُ الدَّهْرِ). وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الصَّوم» وكذا النَّسائيُّ. (٥٥) (بابُ حَقِّ الجِسْمِ فِي الصَّوْمِ) على المتطوّع بأن يرفق به لئلَّا يضعف فيعجز عن أداء الفرائض. ١٩٧٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ) ولأبي الوقت: «محمَّد بن مقاتلٍ» أي: المروزيُّ

стр. 4379

المجاور بمكَّة، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ) بالزَّاي عبد الرَّحمن بن عمرٍو (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄¬) أنَّه قال: (قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ (١) عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عَبْدَ اللهِ أَلَمْ أُخْبَرْ) بضمِّ الهمزة وسكون المعجمة وفتح المُوحَّدة مبنيًّا للمفعول، وهمزة «أَلم» للاستفهام (أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟) أي: فيه (فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ) زاد مسلمٌ: «ولم أرِدْ إلَّا الخير» (قَالَ: فَلَا) ولابن عساكر: «لا» (تَفْعَلْ) زاد بعد بابين [خ¦١٩٧٩] «فإنَّك إذا فعلت ذلك؛ هَجَمتْ له العين» (صُمْ وَأَفْطِرْ) بهمزة قطعٍ (وَقُمْ وَنَمْ؛ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) بأن ترعاه وترفق به، ولا تضرَّه حتَّى تقعد عن القيام بالفرائض ونحوها، وقد ذمَّ الله قومًا أكثروا من العبادة ثمَّ تركوا (٢) بقوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ إلى قوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٨] (وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) بالإفراد في الفرع، ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «لعينيك» بالتَّثنية (وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) في الوطء (وَإِنَّ لِزَوْرِكَ) أي: لضيفك (عَلَيْكَ حَقًّا) في البسط والمؤانسة وغيرهما (وَإِنَّ بِحَسْبِكَ) بسكون السِّين المهملة كما في «اليونينيَّة»، وبفتحها في الفرع (٣)، قال البرماويُّ -كالزَّركشيِّ-: بفتح السِّين، وحكى إسكانها، والباء فيه زائدةٌ، أي: كافيك (أَنْ

стр. 4380

تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ) في محلِّ رفعٍ خبرُ «إنَّ»، قال في «المصابيح»: وينبغي أن يكون هذا الإعراب متعيِّنًا، ويُؤخذ منه: صحَّة ما ذهب إليه ابن مالكٍ في قولك: «بحسْبِكَ زيدٌ» أنَّ حسبك (١): مبتدأٌ، وزيدٌ: خبرٌ (٢)، وأنَّه من باب الإخبار بالمعرفة عن النَّكرة؛ لأنَّ «حسبك» لا يتعرَّف بالإضافة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «من كلِّ شهرٍ» وله عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «في كلِّ شهرٍ» (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، فَإِنَّ (٣)) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «فإذن» بالنُّون في الفرع وأصله (٤)، وفي غيرهما (٥) بالألف مُنوَّنةً، وعليه الجمهور ورسم المصحف، وقال بالأوَّل المازنيُّ والمبرِّد، وقال الفرَّاء: إن عملت كُتِبت (٦) بالألف وإلَّا كُتِبت بالنُّون للفرق بينها وبين «إذا»، وتبعه ابن خروفٍ، قال في «القاموس»: ويحذفون الهمزة فيقولون: ذن، والأكثر أن تكون جوابًا لـ «إن» أو «لو» ظاهرتين أو مُقدَّرتين، والمُقدَّر هنا: «إن» أي: إن صمتها فإذًا (ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ) قال الحافظ ابن حجرٍ وغيره: «إذا» بغير تنوينٍ للمفاجأة، قال العينيُّ: تقديره: إن صمت ثلاثة أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ فاجأت عشر أمثالها كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الروم: ٢٥] … الآيةَ، تقديره: ثمَّ إذا دعاكم فاجأتم الخروج في ذلك الوقت، قال عبد الله: (فَشَدَّدْتُ) على نفسي (فَشُدِّدَ عَلَيَّ) بضمِّ الشِّين مبنيًّا للمفعول (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً) على أكثر من ذلك (قَالَ) ﵊: إن كنت تجد قوَّةً (فَصُمْ صِيَامَ نَبِيِّ اللهِ دَاوُدَ ﵇ وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ، قُلْتُ: وَمَا كَانَ صِيَامُ نَبِيِّ اللهِ دَاوُدَ ﵇ قَالَ) ﵊: كان (٧) صيامه (نِصْفَ) صوم (الدَّهْرِ) وهو أن يفطر يومًا ويصوم

стр. 4381

يومًا (١) (وَكَانَ (٢) عَبْدُ اللهِ) بن عمرو بن العاص (يَقُولُ بَعْدَ مَا كَبِرَ) بكسر المُوحَّدة، أي: وعجز عن المحافظة على ما التزمه ووظفَّه على نفسه وشقَّ عليه: (يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وأخذت بالأخفِّ. (٥٦) (بابُ) بيان حكم (صَوْمِ الدَّهْرِ) هل هو مشروعٌ أم لا؟ ومذهب الشَّافعيَّة: استحبابه لإطلاق الأدلَّة، ولأنَّه ﷺ قال: «من صام الدَّهر ضُيِّقت عليه جهَّنم هكذا، وعقد بيده» أخرجه أحمد والنَّسائيُّ وابنا خزيمة وحبَّان والبيهقيُّ، أي: عنه، فلم يدخلها، قال الغزاليُّ: لأنَّه لمَّا ضيَّق على نفسه مسالك الشَّهوات بالصَّوم ضيَّق الله عليه النَّار، فلا يبقى له فيها مكانٌ لأنَّه ضيَّق طرقها بالعبادة، فإن خاف ضررًا أو فوت حقٍّ كُرِه صومه، وهل المرادُ الحقُّ (٣) الواجب أو المندوب؟ قال السُّبكيُّ: ويتَّجه أن يُقال: إنَّه إن علم أنَّه يفوِّت حقًّا واجبًا حرُم (٤)، وإن علم أنَّه يفوِّت حقًّا مندوبًا أَولى من الصِّيام كُرِه، وإن كان يقوم مقامه فلا. ١٩٧٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ

стр. 4382

وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرحمن: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو) أي: ابن العاص (قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بضمِّ الهمزة وسكون المعجمة وكسر المُوحَّدة مبنيًّا للمفعول، و «رسولُ الله» (١): رفع (٢) نائب عن الفاعل (أَنِّي أَقُولُ: وَاللهِ لأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ) أي: مدَّة حياتي (فَقُلْتُ لَهُ) ﵊، فيه كلامٌ مطويٌّ تقديره: فقال لي (٣) ﵊: أنت الذي تقول: والله لأصومنَّ النَّهار ولأقومنَّ اللَّيل ما عشت؟ ولـ «مسلمٍ»: أنت الذي تقول ذلك؟ فقلت له: (قَدْ) ولأبي الوقت: «فقد» (قُلْتُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي) أي: أفديك بهما (قَالَ) ﵊: (فإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ) الذي قلته من صيام النَّهار وقيام اللَّيل لحصول المشقَّة وإن لم يتعذَّر الفعل، أو بأن تبلغ (٤) من العمر ما يتعذَّر معه ذلك، وعلمه ﵊ بطريقٍ ما، أو المراد: لا تستطيع ذلك مع القيام ببقيَّة المصالح المرعيَّة شرعًا (فَصُمْ وَأَفْطِرْ) بهمزة قطعٍ (وَقُمْ وَنَمْ) ثمَّ بيَّن ما أجمل، فقال: (وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لم يعيِّنها، ثمَّ علَّل وجه كونها ثلاثةً بقوله: (فَإِنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ) استُشكِل هذا من جهة أنَّ القواعد تقتضي أنَّ المُقدَّر لا يكون كالمُحقَّق، وأنَّ الأجور تتفاوت بحسب تفاوت المصالح أو المشقَّة في الفعل، فكيف يوازي من له حسنةٌ واحدةٌ في كلِّ يوم جميع السَّنة من له عشرٌ فيه؟ وكيف يتساوى العامل وغيره في الأجر؟ وأُجيب بأنَّ المراد هنا أصل التَّضعيف دون التَّضعيف الحاصل من الفعل، فالمثليَّة لا تقتضي المساواة من كلِّ وجهٍ، نعم يصدق على فاعل ذلك أنَّه صام الدَّهر مجازًا، قال عبد الله: (قُلْتُ): يا رسول الله (إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ) أكثر من صيام (٥) ثلاثة أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ (قَالَ) ﵊: (فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ) بالإفراد في الأوَّل، والتَّثنية في الآخر، وفي رواية حُسَينٍ المعلِّم في «الأدب» [خ¦٦١٣٤] «فصم من كلِّ جمعةٍ ثلاثةَ أيَّامٍ»، وفي رواية أبي

стр. 4383

المَلِيح الآتية -إن شاء الله تعالى- في «باب صوم داود» [خ¦١٩٨٠] «أما يكفيك من كلِّ شهرٍ ثلاثة أيَّامٍ؟» قال: قلت: يا رسول الله! قال: «خمسًا»، قلت: يا رسول الله! قال: «سبعًا»، قلت: يا رسول الله! قال: «تسعًا»، قلت: يا رسول الله! قال: «إحدى عشرة» (قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ) أي (١): أكثر (مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇ وَهْوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ) وفي «قيام اللَّيل» [خ¦١١٣١] من طريق عمرو بن أوسٍ عن عبد الله بن عمرٍو: «أَحَبُّ الصِّيام إلى الله صيامُ داود»، وهذا يقتضي ثبوت الأفضليَّة مطلقًا، ومقتضاه: أن تكون الزِّيادة على ذلك من الصَّوم مفضولةً (٢) (فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ) أكثر (مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا) صوم (أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ) (٣)، فهو أفضل من صوم الدَّهر كما قاله المتولِّي وغيره، ويترجَّح من حيث المعنى: بأنَّ صيام الدَّهر قد يفوِّت بعض الحقوق، وبأنَّ من اعتاده فإنَّه (٤) لا يكاد يشقُّ عليه، بل تضعف شهوته عن الأكل، وتقلُّ حاجته إلى الطَّعام والشَّراب نهارًا، ويألف تناوله في اللَّيل بحيث يتجدَّد له طبعٌ زائدٌ، بخلاف من يصوم يومًا ويفطر يومًا فإنَّه ينتقل من فطرٍ إلى صومٍ، ومن صومٍ إلى فطرٍ، وقد نقل التِّرمذيُّ عن بعض أهل العلم: أنَّه أشقُّ الصَّوم، ويأمن مع ذلك من تفويت الحقوق، وعند سعيدِ بن منصورٍ بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن مسعودٍ أنَّه قيل له: إنَّك لتقلُّ (٥) الصِّيام، فقال: «إنِّي أخاف أن يضعفني (٦) عن القراءة، والقراءة أحبُّ إليَّ من الصِّيام» لكن في «فتاوى ابن عبد السَّلام»: أنَّ صوم الدَّهر أفضل لأنَّه أكثر عملًا، فيكون أكثر أجرًا، وما كان أكثر أجرًا كان أكثر ثوابًا، وبذلك جزم الغزاليُّ أوَّلًا، وقيَّده بشرط ألَّا يصوم

стр. 4384

الأيَّام المنهيَّ عنها، وألَّا يرغب عن السُّنَّة بأن يجعل الصَّوم حجرًا على نفسه، فإذا أمن من ذلك فالصَّوم من (١) أفضل الأعمال، فالاستكثار منه زيادةٌ في الفضل، وقوله في الحديث: «لا أفضل من ذلك» أي: لك؛ وذلك لما علم من حاله ومنتهى قوَّته، وأنَّ ما هو أكثر من ذلك يضعفه عن الفرائض ويقعد (٢) به عن الحقوق والمصالح، ويلتحق (٣) به من في معناه، لكن تعقَّبه ابن دقيق العيد بأنَّ الأفعال متعارضة المصالح والمفاسد، وليس كلُّ ذلك معلومًا لنا ولا مستحضرًا، وإذا تعارضت المصالح والمفاسد فمقدار تأثير (٤) كلِّ واحدة منها في الحثِّ أو المنع غير مُحقَّقٍ (٥) لنا، فالطَّريق حينئذٍ أن نفوِّض الأمر إلى صاحب الشَّرع، ونجري على ما دلَّ عليه ظاهر الشَّرع من (٦) قوَّة الظَّاهر ههنا (٧)، وأمَّا زيادة العمل واقتضاء العادة لزيادة الأجر بسببه فيعارضه اقتضاء العادة والجبلَّة (٨) للتَّقصير في حقوقٍ يعارضها الصَّوم الدَّائم ومقادير (٩) ذلك الفائت، مع أنَّ مقادير الحاصل من الصَّوم غير معلومةٍ لنا. ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «وذلك مثل صيام الدَّهر». (٥٧) (بابُ حَقِّ الأَهْلِ) الأولاد والقرابة (فِي الصَّومِ، رَوَاهُ) أي: حقَّ الأهل (أَبُو جُحَيْفَةَ) وهب بن عبد الله السُّوائيُّ، فيما سبق في قصَّة سلمان وأبي الدَّرداء [خ¦١٩٦٨] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) حيث قال سلمان لأبي الدَّرداء: «وإنَّ لأهلك عليك حقًّا»، وأقرَّه ﷺ عليه (١٠).

стр. 4385

١٩٧٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) الباهليُّ الصَّيرفيُّ الفلَّاس البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر: «حدَّثنا» (أَبُو عَاصِمٍ) النَّبيل الضَّحَّاك بن مخلدٍ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز المكِّيِّ (١) قال: (سَمِعْتُ عَطَاءً) هو ابن أبي رباحٍ المكِّيَّ (أَنَّ أَبَا العَبَّاسِ) السَّائب الأعمى (الشَّاعِرَ) (٢) المكِّيَّ (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو ﵄¬) يَقُولُ: (بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ ¬) أي: من أبيه عمرو بن العاص (أَنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ) بضمِّ الرَّاء، أي: أصوم متتابعًا ولا أفطر (وَأُصَلِّي اللَّيْلَ) كلَّه (فَإِمَّا أَرْسَلَ) ﵊ (إِلَيَّ وَإِمَّا لَقِيتُهُ) ﵊ من غير إرسالٍ (فَقَالَ: أَلَمْ أُخْبَرْ) بضمِّ الهمزة وسكون المعجمة وفتح المُوحَّدة (أَنَّكَ تَصُومُ وَلَا تُفْطِرُ، وَتُصَلِّي) أي (٣): اللَّيل (وَلَا تَنَامُ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ) بهمزة قطعٍ (وَقُمْ وَنَمْ؛ فَإِنَّ لِعَيْنِكَ) بالإفراد، ولغير السَّرخسيِّ والكُشْمِيْهَنِيِّ -كما في «الفتح» -: «لعينيك» بالتَّثنية (عَلَيْكَ حَظًّا) بالظَّاء المعجمة (٤) بدل القاف، أي: نصيبًا من (٥) النَّوم (وَإِنَّ لِنَفْسِكَ وَأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَظًّا) بالظَّاء المعجمة أيضًا، وحقُّ النَّفسِ الرِّفقُ بها، والأهلِ في الكسب والقيام بنفقتهم، ولا يُدئِب نفسه بحيث يضعف (٦) عن القيام بما يجب عليه

стр. 4386

من ذلك (قَالَ) عبد الله: يا رسول الله (١) (إِنِّي لأَقْوَى لِذَلِكَ) أي: لسرد الصَّوم دائمًا، ولابن عساكر: «إنِّي لأقوى ذلك» كذا في «اليونينيَّة» (٢) بإسقاط حرف الجرِّ، وفي نسخةٍ: «على ذلك» (قَالَ) ﵊: (فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ ﵇ قَالَ) عبد الله: يا رسول الله (وَكَيْفَ؟) أي: صيام داود كما في مسلم (قَالَ) ﵊: (كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ) أي: لا يهرب (إِذَا لَاقَى) العدوَّ، أشار به إلى أنَّ الصَّوم على هذا الوجه لا يُنهِك البدن بحيث يضعف عن لقاء العدوِّ، بل يُستعان بفطر يومٍ على صيام يومٍ، فلا يضعف عن الجهاد وغيره من الحقوق (قَالَ) عبد الله: (مَنْ لِي بِهَذِهِ) الخصلة (٣) الأخيرة؛ وهي عدم الفرار؟ أي: من يتكفَّل لي بها (يَا نَبِيَّ اللهِ؟ قَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ بالإسناد السَّابق: (لَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ) بفتحاتٍ (صِيَامَ الأَبَدِ) أي: لا أحفظ كيف جاء ذكر صيام الأبد في هذه القصَّة إلَّا أنِّي أحفظ أنَّه (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ، مَرَّتَيْنِ) استدلَّ به من قال: بكراهة صوم الدَّهر لأنَّ قوله: «لا صام» يحتمل الدُّعاء، ويحتمل الخبر، قال ابن العربيِّ: إن كان معناه: الدُّعاء فيا ويح من أصابه دعاء النَّبيِّ ﷺ ، وإن كان معناه الخبر فيا ويح من أخبر عنه النَّبيُّ ﷺ أنَّه لم يصم، وإذا لم يصم شرعًا فلم يُكتَب له ثوابٌ لوجوب صدق قوله ﵊ لأنَّه نفى عنه الصَّوم وقد نفى عنه الفضل كما تقدَّم، فكيف يطلب الفضل فيما نفاه ﷺ ، وأُجيب بأجوبةٍ: أحدها: أنَّه محمولٌ على حقيقته: بأن يصوم معه العيد والتَّشريق، قال النَّوويُّ: وبهذا أجابت عائشة. انتهى. وهو اختيار ابن المنذر وطائفةٍ، وتُعقِّب بأنَّه ﵊ قال جوابًا لمن سأله عن صوم الدَّهر: «لا صام ولا أفطر»، وهو يؤذن بأنَّه ما (٤) أُجِرَ ولا أثم، ومن صام الأيَّام المُحرَّمة لا يُقال فيه ذلك لأنَّه عند من أجاز صوم الدَّهر إلَّا الأيَّام المُحرَّمة يكون قد فعل مُستَحبًّا وحرامًا، وأيضًا فإنَّ الأيَّام المُحرَّمة مستثناةٌ في الشَّرع غير قابلةٍ للصَّوم شرعًا، فهي

стр. 4387

بمنزلة اللَّيل وأيَّام الحيض، فلم تدخل في السُّؤال عند من علم تحريمها (١) ولا يصلح الجواب بقوله: «لا صام ولا أفطر» لمن لم (٢) يعلم تحريمها، قاله في «فتح الباري». الثَّاني: أنَّه محمولٌ على من تضرَّر به أو فوَّت به (٣) حقًّا، ويؤيِّده أنَّ النَّهي كان خطابًا لعبد الله بن عمرو بن العاص، وقد ذكر مسلمٌ عنه: أنَّه عجز في آخر عمره وندم على كونه لم يقبل الرُّخصة. الثَّالث: أنَّ معناه الخبر عن كونه لم يجد من المشقَّة ما يجد غيره؛ لأنَّه إذا اعتاد ذلك لم يجد في صومه مشقَّةً، وتعقَّبه الطِّيبيُّ: بأنَّه مخالفٌ لسياق الحديث؛ ألا تراه كيف نهاه أوَّلًا عن صيام الدَّهر كلِّه ثمَّ حثَّه على صوم داود ﵇، والأَولى أن يكون خبرًا عن أنَّه لم يمتثل أمر الشَّرع. (٥٨) (بابُ صَوْمِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ). ١٩٧٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بتشديد المعجمة، قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هو محمَّد بن جعفرٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُغِيرَةَ) بن مقسمٍ الضَّبِّيِّ الكوفيِّ (قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ) له: (صُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) زاد في «باب صيام الدَّهر» [خ¦١٩٧٦] «وذلك مثل صيام الدَّهر» (قَالَ): إنِّي (أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَمَا زَالَ حَتَّى قَالَ: صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا) زاد في الباب المذكور: «فذلك صيام داود، وهو أفضل الصِّيام» (فَقَالَ) ﵊: (اقْرَأِ القُرْآنَ فِي كل شَهْرٍ، قَالَ) عبد الله: (إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ) من ذلك (فَمَا زَالَ) ﵊ (حَتَّى قَالَ) ﵊: اقرأه (فِي ثَلَاثٍ) أي: ثلاث ليالٍ (٤)،

стр. 4388

ولـ «مسلمٍ» من طريق أبي سلمة قال: عن عبد الله بن عمرٍو قال: كنت أصوم الدَّهر وأقرأ القرآن كلَّ ليلةٍ قال: فإمَّا ذُكِرَ للنَّبيِّ ﷺ وإمَّا أَرسَلَ إليَّ فأتيته، فقال: «ألم أُخبَر أنَّك تصوم الدَّهر وتقرأ القرآن (١) كلَّ ليلةٍ؟» فقلت: بلى، يا نبيَّ الله … الحديث، وفيه: قال: «واقرأ القرآن في كلِّ (٢) شهرٍ»، قلت: يا نبيَّ الله إنِّي أطيق أفضل من ذلك، قال: «فاقرأه في كلِّ عشرين (٣)» قال (٤): قلت: يا نبيَّ الله إنِّي أطيق أفضل من ذلك، قال: «فاقرأه في كلِّ عشرٍ». قلت: يا نبيَّ الله إنِّي أطيق أفضل (٥) من ذلك، قال: «فاقرأه في (٦) سبعٍ ولا تزد» قال في «المصابيح»: ولهذا منع كثيرٌ من العلماء الزِّيادة على السَّبع، قال النَّوويُّ: وقد كان بعضهم يختم في كلِّ شهرٍ (٧)، وهو أقلُّه، وأمَّا أكثره فثمان ختماتٍ في اليوم واللَّيلة على ما بلغنا. انتهى. وفي سنة سبعٍ وستِّين وثمان مئةٍ رأيت بالقدس الشَّريف شيخًا يُدعَى بأبي الطَّاهر، من أصحاب الشَّيخ ابن رسلان، قيل: إنَّه جاوز العشر في اليوم واللَّيلة، فالله أعلم، بل أخبرني شيخ الإسلام البرهان بن أبي شريفٍ المقدسيُّ -أمتع الله بحياته- عنه: أنَّه يقرأ خمس عشرة ختمةً، وفي «الصَّفوة»: عن منصور بن زاذان: أنَّه كان يختم بين المغرب والعشاء ختمتين، ويبلغ في الختمة الثَّالثة إلى الطَّواسين (٨). (٥٩) (بابُ صَوْمِ دَاوُدَ ﵇ عقَّبه بسابقه؛ إشارةً إلى الاقتداء بداود ﵇ في صوم يومٍ وإفطار يومٍ. ١٩٧٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ) الأسديُّ الأعور (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا العَبَّاسِ المَكِّيَّ -وَكَانَ شَاعِرًا-) والشَّاعر قد يُتَّهَم فيما يحدَّث به لِمَا تقتضيه صناعته من المبالغة في الإطراء (وَ) لكن هذا (كَانَ لَا يُتَّهَمُ فِي حَدِيثِهِ) مرويِّه من الحديث وغيره، وقد وثَّقه أحمد وابن معينٍ وغيرهما، وليس له في «البخاريِّ» سوى هذا الحديث، وآخر في «الجهاد» [خ¦٣٠٠٤] وآخر في «المغازي» [خ¦٤٣٢٥] وأعادهما في «الأدب» [خ¦٥٩٧٢] [خ¦٦٠٨٦] (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄ قَالَ: قَالَ لِي

стр. 4389

النَّبيُّ (١) ﷺ : إِنَّكَ لَتَصُومُ الدَّهْرَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ فَقُلْتُ (٢): نَعَمْ، قَالَ) ﵊: (إِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ العَيْنُ) بفتح الهاء والجيم، أي: غارت وضَعُف بصرها (وَنَفِهَتْ) بفتح النُّون وكسر الفاء، أي: تعبت وكلَّت (لَهُ النَّفْسُ) وفي رواية النَّسفيِّ-كما في «الفتح» -: «نثهت» بالمُثلَّثة بدل الفاء، واستغربها ابن التِّين، وقال ابن حجرٍ: وكأنَّها أُبدِلت من الفاء؛ فإنَّها تُبدَل منها كثيرًا، قال العينيُّ: لم يذكر لذلك مثالًا، ولا نسبه إلى أحدٍ من أهل العربيَّة، ولم يذكر هذا أحدٌ في الحروف التي يُبدَل بعضها من بعضٍ، فإن (٣) كان يوجد فربَّما يوجد في لسان ذي لُثْغةٍ، فلا ينبني (٤) عليه

стр. 4390

شيءٌ. انتهى. قلت: قد وقع إبدال الثَّاء بالفاء في قوله تعالى: ﴿وَفُومِهَا﴾ [البقرة: ٦١] أي: ثومها، فلا وجه لإنكار ذلك، ولأبي الوقت وابن عساكر: «نَهَثَت» بنونٍ فهاءٍ فمُثلَّثةٍ مفتوحاتٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «نَهَكَتْ» بهاءٍ بعد (١) النُّون ثمَّ كافٍ؛ بفتحاتٍ في بعض الأصول، وفي بعضها: بكسر الهاء، وفي الفرع: كُشِط الضَّبط، قال في «فتح الباري»: أي: هزلت وضعفت. قال العينيُّ: ولا وجه له إلَّا إذا ضمَّ النُّون، من نهكته الحمُّى إذا أضنَتْه (٢). انتهى. وقال الأبيُّ: وضبطه بعضهم: بضمِّ النُّون وكسر الهاء وفتح الكاف (٣)، وهو ظاهر كلام عياضٍ، وقال في «القاموس»: نَهَكَهُ -كَمَنَعَهُ- نَهَاكَةً: غَلَبه، والحُمَّى: أضنَتْهُ وهَزَلَتْه وجَهَدَتْه؛ كنَهَكَتْه -كَفرِح- نَهْكًا ونَهَكًا (٤) ونَهْكَةً وَنَهَاكَةً، أو النَّهْك: المبالغة في كلِّ شيءٍ، ونَهِكه السُّلطان -كسَمِعه- نَهْكًا ونَهْكَةً: بالغ في نهكته، أي: عقوبتِه كأَنْهَكَه (لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ) لأنَّ منه العيد والتَّشريق، والصَّوم فيها حرامٌ، قال الخطَّابيُّ: يحتمل أنَّه دعاءٌ، ويحتمل أنَّ «لا» بمعنى: «لم» نحو: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١]. انتهى. فهو على هذا التَّقدير: خبرٌ لأنَّ «لم» تخلص للمضيِّ، وقد تقدَّم ما فيه (٥) من البحث قريبًا في سابق سابقه (صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) أي: من كلِّ شهرٍ (صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ) أي: بالتَّضعيف كما مرَّ؛ فإنَّ الحسنة بعشر أمثالها، قال عبد الله: (قُلْتُ): يا رسول الله (فَإِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ) ﵊: (فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ ﵇، كَانَ) ولابن عساكر: «وكان» (يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى) العدوَّ لأنَّه يستعين بيوم فطره على يوم صومه، فلم يضعفه ذلك عن لقاء عدوِّه.

стр. 4391

١٩٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الوَاسِطِيُّ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «إسحاق بن شاهين الواسطيُّ» قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو الطَّحَّان الواسطيُّ، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «خالد بن عبد الله» (عَنْ خَالِدٍ) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر زيادة: الحذَّاء (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عبد الله بن زيدٍ الجرميِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) ولأبي الوقت: «حدَّثني» بالإفراد فيهما (أَبُو المَلِيحِ) بفتح الميم وكسر اللَّام وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره حاءٌ مهملةٌ اسمه عامرٌ أو زيدٌ أو زياد بن أسامة بن عميرٍ الهذليُّ (قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِيكَ) زيد بن عمرٍو الجرميِّ، فالخطاب لأبي قلابة (عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) هو ابن العاص (فَحَدَّثَنَا) أي: والد أبي قلابة (١): (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) بفتح المُثلَّثة (ذُكِرَ لَهُ صَوْمِي) بضمِّ الذَّال مبنيًّا للمفعول (فَدَخَلَ عَلَيَّ) ﷺ (فَأَلْقَيْتُ لَهُ وِسَادَةً مِنْ أَدَمٍ، حَشْوُهَا لِيفٌ، فَجَلَسَ عَلَى الأَرْضِ) تواضعًا وتركًا للاستئثار (٢) على عادته الشَّريفة ﷺ وزاده شرفًا (وَصَارَتِ الوِسَادَةُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَقَالَ) لي: (أَمَا) بفتح الهمزة وتخفيف الميم (يَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ؟ قَالَ) عبد الله (٣): (قُلْتُ): لا يكفيني الثَّلاث من كلِّ شهرٍ (يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ) ﵊: صُمْ (٤) (خَمْسًا) أي (٥): من كلِّ شهرٍ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «خمسةً» بالتَّأنيث على إرادة الأيَّام، والأوَّل على إرادة (٦) اللَّيالي، وفيه تجوُّزٌ (قُلْتُ): لا تكفيني الخمسة (يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ) ﵊: صُمْ (سَبْعًا) أي: من كلِّ شهرٍ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «سبعةً» بالتَّأنيث -كما مرَّ- قال عبد الله: (قُلْتُ): لا تكفيني السَّبعة (يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ) ﵊: صُمْ (تِسْعًا) من كلِّ شهرٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «تسعةً» -كما سبق- قال عبد الله: (قُلْتُ): لا تكفيني (يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ) ﵊: صُمْ (إِحْدَى عَشْرَةَ) بكسر الهمزة وسكون الحاء

стр. 4392

والشِّين من «عشْرة» وآخره هاء تأنيثٍ (١)، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أحد عشر» (ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا صَوْمَ) أي: لا فضلَ ولا كمالَ في صوم التَّطوُّع (فَوْقَ صَوْمِ دَاوُدَ ﵇) وفيه: ما مرَّ من كونه أفضل من صوم الدَّهر، أو الخطاب خاصٌّ بعبد الله، ويلحق (٢) به من في معناه ممَّن يضعفه عن الفرائض والحقوق (شَطْرُِ الدَّهْرِ) أي: نصفه، وهو بالرَّفع: خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هو شطرُ الدَّهر، والجرِّ: بدلٌ من قوله: «صوم داود»، وهذان الوجهان رواية أبي ذرٍّ كما في الفرع (٣)، ولغيره: «شطرَ» بالنَّصب على أنَّه مفعولُ فعلٍ مُقدَّرٍ، أي: هاك أو خذ أو نحو ذلك (صُمْ يَوْمًا، وَأَفْطِرْ يَوْمًا) وفي رواية عمرو (٤) بن عونٍ [خ¦٦٢٧٧] «صيامَُِ يومٍ وإفطار يومٍ»، ويجوز فيه الأوجه الثَّلاثة السَّابقة. (٦٠) (بابُ صِيَامِ أَيَّامِ) اللَّيالي (البِيضِ) وسقط لأبي الوقت وابن عساكر لفظ «أيَّام»، وفي «الفتح»: أنَّه رواية الأكثر، وإثبات: «أيَّام» رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ، والأوَّل هو الذي في الفرع، و «البيض»: صفةٌ لمحذوفٍ (٥) وهو اللَّيالي، وسُمِّيت بذلك لأنَّها مقمرةٌ لا ظلمة فيها؛ وهي: (ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ) ليلة البدر وما قبلها وما بعدها، يكون القمر فيها من أوَّل اللَّيل إلى آخره، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر» وهذا باعتبار الأيَّام، والأوَّل باعتبار اللَّيالي، ولا يُقال: «البيض» صفةٌ للأيَّام على ما (٦) لا يخفى، وأمَّا قوله في «الفتح»: إنَّ اليوم الكامل هو النَّهار بليلته، وليس في الشَّهر يومٌ أبيضُ كلُّه إلَّا هذه الأيَّام لأنَّ ليلها أبيض ونهارها أبيض فصحَّ قول (٧): «الأيَّام البيض» على الوصف، فتعقَّبه (٨) في «عمدة القاري»: بأنَّ

стр. 4393

قوله: إنَّ (١) اليوم الكامل هو النَّهار بليلته غير صحيحٍ لأنَّ اليوم الكامل في اللُّغة: من طلوع الشَّمس إلى غروبها، وفي الشَّرع: من طلوع الفجر الصَّادق، وليس للَّيلة دخلٌ في حدِّ النَّهار، وأمَّا قوله: «ونهارها أبيض» فيقتضي (٢) أنَّ بياض نهار أيَّام البيض من بياض اللَّيلة، وليس كذلك لأنَّ بياض الأيَّام كلِّها بالذَّات، وأيَّام الشَّهر كلُّها بيضٌ، فسقط قوله: «وليس في الشَّهر يومٌ أبيض كلُّه إلَّا هذه الأيَّام». انتهى. وهذا الذي قاله في «الفتح» سبقه إليه ابن المُنيِّر فقال: وأنكر بعض اللُّغويِّين أن يُقال: الأيَّام البيض، وقال: إنَّما هي اللَّيالي البيض، وإلَّا فالأيَّام كلُّها بيضٌ، وهذا وهمٌ منه، والحديث يردُّ عليه، أي: ما ذكره ابن بطَّالٍ عن شعبة عن أنس بن سيرين عن عبد الملك بن المنهال عن أبيه قال: أمرني النَّبيُّ ﷺ بالأيَّام البيض، وقال: «هو صوم الدَّهر»، قال: واليوم؛ اسمٌ يدخل فيه اللَّيل والنَّهار، وما كلُّ يومٍ أبيض بجملته إلَّا هذه الأيَّام، فإنَّ نهارها أبيض وليلها أبيض، فصارت كلُّها بيضًا، وأظنَّه سبق إلى وهمه أنَّ اليوم هو النَّهار خاصَّةً. انتهى. قال في «المصابيح»: الظَّاهر أنَّ مثل هذا ليس بوهمٍ؛ فإنَّ اليوم وإن كان عبارةً عن اللَّيل والنَّهار جميعًا لكنَّه بالنِّسبة إلى الصَّوم إنَّما هو النَّهار خاصَّةً، وعليه: فكلُّ يومٍ يُصام هو أبيض لعموم الضَّوء فيه من طلوع الفجر إلى غروب الشَّمس. انتهى. وقال في «الإنصاف»: سُمِّيت بيضًا لابيضاضها ليلًا (٣) بالقمر ونهارًا (٤) بالشَّمس، وقيل: لأنَّ الله تعالى تاب فيها على آدم وبيَّض صحيفته. ١٩٨١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين وسكون العين المهملة بينهما، عبد الله بن

стр. 4394

عمرٍو المنقريُّ المُقعَد قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سهلٍ التَّميميُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وتشديد التَّحتيَّة آخره حاءٌ مهملةٌ، يزيد بن حُمَيدٍ الضُّبعيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو عُثْمَانَ) هو عبد الرَّحمن النَّهديُّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي) رسول الله (¬ ﷺ بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) بجرِّ «صيام» بدلٌ من «ثلاثٍ»، ولم يعيِّن الأيَّام بل أطلقها، واستُشكِلت المطابقة بين التَّرجمة والحديث، وأُجيب بأنَّ المؤلِّف جرى على عادته في الإشارة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث عند النَّسائيِّ، وصحَّحه ابن حبَّان من طريق موسى بن طلحة عن أبي هريرة قال: جاء أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ ﷺ بأرنبٍ قد شواها، فأمرهم أن يأكلوا وأمسك الأعرابيُّ، فقال: «ما منعك أن تأكل؟» قال: إنِّي أصوم ثلاثة أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ، قال: «إن كنت صائمًا فصم الغرَّ» أي: البيض، وهذا الحديث اختُلِف فيه على موسى بن طلحة اختلافًا كثيرًا، بيَّنه الدَّارقُطنيُّ، وفي بعض طرقه عند النَّسائيِّ: «إن كنت صائمًا فصم البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة»، وعنده أيضًا من حديث جرير بن عبد الله عن النَّبيِّ ﷺ قال: «صيام ثلاثة أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ صيام الدَّهر، وأيَّام البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة» وإسناده صحيحٌ، وفي روايةٍ: «أيَّام البيض» بغير (١) واوٍ، ففيه: استحباب صوم الثَّلاثة التي أوَّلها الثَّالث عشر، والمعنى فيه: أنَّ الحسنة بعشر أمثالها، فصومها كصوم الشَّهر، ومن ثمَّ سُنَّ صوم ثلاثة أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ، ولو غير أيَّام البيض كما في «البحر» وغيره؛ لإطلاق حديث الباب وغيره، قال السُّبكيُّ: والحاصل: أنَّه يُسَنُّ صوم ثلاثة أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ (٢)، وأن تكون أيَّام البيض، فإن صامها أتى بالسُّنَّتين، وتترجَّح البيض بكونها وسط الشَّهر، ووسط الشَّيء أعدله، ولأنَّ الكسوف غالبًا يقع فيها، وقد ورد الأمر بمزيد العبادة إذا وقع، وسُئِل الحسن البصريُّ: لِمَ صام النَّاس الأيَّام البيض؟ -وأعرابيٌّ

стр. 4395

يسمع- فقال الأعرابيُّ: لأنَّه لا يكون الكسوف إلَّا فيهنَّ، ويحبُّ الله ألَّا تكون (١) في السَّماء آية إلَّا كان في الأرض عبادة، والاحتياط: صوم الثَّاني عشر مع أيَّام البيض لأنَّ في «التِّرمذيِّ»: أنَّها الثَّاني عشر والثَّالث عشر والرَّابع عشر، ورجَّح بعضهم: صيام الثَّلاثة في أوَّل كلِّ شهرٍ لأنَّ المرء لا يدري ما يعرض له (٢) من الموانع، وفي حديث ابن مسعودٍ عند أصحاب «السُّنن» وصحَّحه ابن خزيمة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يصوم ثلاثة أيَّامٍ من (٣) كلِّ شهرٍ، وقال بعضهم: يصوم من أوَّل كلِّ عشرة أيَّامٍ يومًا، وفي حديث عبد الله بن عمرٍو عند النَّسائيِّ: «صم من كلِّ عشرة أيَّامٍ يومًا»، وروى أبو داود والنَّسائيُّ من حديث حفصة: كان النَّبيُّ ﷺ يصوم من كلِّ شهرٍ ثلاثة أيَّامٍ: الإثنين والخميس والإثنين من الجمعة الأخرى، وروى التِّرمذيُّ عن عائشة: كان النَّبيُّ ﷺ يصوم من الشَّهر السَّبت والأحد والاثنين، ومن الشَّهر الآخر الثُّلاثاء والأربعاء والخميس، وقد جمع البيهقيُّ بين ذلك وبين ما قبله بما في «مسلمٍ»: عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم من كلِّ شهرٍ ثلاثة أيَّامٍ، ما يبالي من أيِّ الشَّهر (٤) صام، قال: فكلُّ من رآه فعل نوعًا ذَكَرَه، وعائشة رأت جميع ذلك وغيره فأطلقت، وروى أبو داود عن أمِّ سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ يأمرني أن أصوم ثلاثة أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ، أوَّلها: الاثنين والخميس، والمعروف من قول مالكٍ كراهة تعيين أيَّام النَّفل، أو يجعل لنفسه شهرًا أو يومًا يلتزم صومه، ورُوِي عنه: كراهة تعمُّد صيام الأيَّام البيض، وقال: ما كان ببلدنا، ورُوِي عنه: أنَّه كان يصومها، وأنَّه كتب إلى الرَّشيد يحضُّه على صومها، قال ابن رشدٍ: وإنَّما كرهها لسرعة أخذ النَّاس بمذهبه، فيظنُّ الجاهل وجوبها، والمشهور من مذهبه:

стр. 4396

استحباب ثلاثة أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ وكراهة كونها البيض لأنَّه كان يفرُّ من التَّحديد، وقال الماورديُّ: ويُسَنُّ صوم أيَّام السُّود: الثَّامن والعشرين وتالييه، وينبغي أيضًا (١) أن يُصام (٢) معها السَّابع والعشرين (٣)؛ احتياطًا، وخُصَّت أيَّام البيض وأيَّام السُّود بذلك؛ لتعميم ليالي الأولى بالنُّور، وليالي الثَّانية بالسَّواد، فناسب صوم الأولى شكرًا، والثَّانية لطلب كشف السَّواد، ولأنَّ الشَّهر ضيفٌ قد أشرف على الرَّحيل فناسب تزويده بذلك، والحاصل ممَّا سبق أقوالٌ: أحدها: استحباب ثلاثة أيَّامٍ من الشَّهر غير مُعَّينةٍ، الثَّاني: استحباب الثَّالث عشر وتالييه، وهو مذهب الشَّافعيِّ وأصحابه وابن حبيبٍ من المالكيَّة وأبي حنيفة وصاحبيه وأحمد، الثَّالث: استحباب الثَّاني عشر وتالييه، وهو في «التِّرمذيِّ»، الرَّابع: استحباب ثلاثة أيَّامٍ (٤) من أوَّل الشَّهر، الخامس: السَّبت والأحد والاثنين من أوَّل شهرٍ (٥)، ثمَّ الثُّلاثاء والأربعاء والخميس من أوَّل الشَّهر الذي يليه، السَّادس: استحبابها في (٦) آخر الشَّهر، السَّابع: أوَّلها الخميس والاثنين والخميس، الثَّامن: الاثنين والخميس والاثنين من الجمعة الأخرى (٧)، التَّاسع: أن يصوم من أوَّل كلِّ عشرة أيَّامٍ يومًا. (وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى) عطفٌ على السَّابق، أي: قال أبو هريرة: «وأوصاني خليلي ﵊ بصلاة ركعتي الضُّحى»، وزاد أحمد: «في كلِّ يومٍ» (وَأَنْ أُوتِرَ) أي: وبالوتر (قَبْلَ أَنْ أَنَامَ) وليست الوصيَّة بذلك خاصَّةً بأبي هريرة، فقد وردت وصيَّته ﵊ بالثَّلاث أيضًا لأبي ذرٍّ كما عند

стр. 4397

النَّسائيِّ، ولأبي الدَّرداء كما عند مسلمٍ، وقيل في تخصيص الثَّلاثة بالثَّلاثة: لكونهم فقراء لا مال لهم فوصَّاهم بما يليق بهم وهو الصَّوم والصَّلاة، وهما من أشرف العبادات البدنيَّة. وفي هذا (١) الحديث: التَّحديثُ والعنعنة والقول، ورواته الثَّلاثة الأُوَل بصريُّون، وأبو عثمان كوفيٌّ نزل البصرة، وقد مضى في «باب صلاة الضُّحى في السَّفر» [خ¦١١٧٨]. (٦١) (بابُ مَنْ زَارَ قَوْمًا) وهو صائمٌ في التَّطوُّع (فَلَمْ يُفْطِرْ عِنْدَهُمْ). ١٩٨٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ البصريُّ الزَّمِن (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي الوقت: «حدَّثنا» (خَالِدٌ -هُوَ ابْنُ الحَارِثِ-) بيَّنه لرفع الإيهام (٢) لاشتراك من يُسمَّى خالدًا في الرِّواية عن حميدٍ الآتي، ممَّن يمكن أن يروي عنه: ابن المُثنَّى، وخالدٌ هذا هو الهجيميُّ قال: (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل البصريُّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه قال: (دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ) والدة أنسٍ المذكور، واسمها الغميصاء؛ بالغين المعجمة والصَّاد المهملة، أو الرُّميصاء؛ بالرَّاء بدل المعجمة، وقيل: اسمها سهلة، وعند أحمد من طريق حمَّادٍ عن ثابتٍ عن أنسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ دخل على أمِّ حرامٍ-وهي خالة أنسٍ- لكن في بقيَّة الحديث ما يدلُّ

стр. 4398

على أنَّهما معًا كانتا مجتمعتين (فَأَتَتْهُ) أمُّ سُلَيمٍ (بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ) على سبيل الضِّيافة (قَالَ) ﵊: (أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ) بكسر السِّين: ظرف الماء من الجلد، وربَّما جُعِل فيه السَّمن والعسل (وَ) أعيدوا (تَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ؛ فَإِنِّي صَائِمٌ، ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ البَيْتِ، فَصَلَّى غَيْرَ المَكْتُوبَةِ) وفي رواية أحمد عن ابن أبي عديٍّ عن حُمَيدٍ: فصلَّى ركعتين وصلَّينا معه (فَدَعَا لأُمِّ سُلَيْمٍ وَأَهْلِ بَيْتِهَا، فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي خُوَيْصَّةً) بضمِّ الخاء المعجمة وفتح الواو وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وتشديد الصَّاد المهملة، تصغير: خاصَّةٍ، وهو مما اغتُفِر فيه التقاء السَّاكنين، أي: الذي يختصُّ بخدمتك (قَالَ) ﵊: (مَا هِيَ) الخُوَيْصَّة؟ (قَالَتْ): هو (خَادِمُكَ أَنَسٌ) فادعُ له دعوةً خاصَّةً، وصغَّرته لصغر سنِّه، وقولها: «أنسٌ»: رفعُ عطفِ بيانٍ، أو بدلٍ، ولأحمد من رواية ثابتٍ المذكورة: إنَّ لي خويصَّةً، خويدمك أنسٌ، ادع الله له، قال أنسٌ: (فَمَا تَرَكَ خَيْرَ آخِرَةٍ وَلَا) خيرَ (دُنْيَا إِلَّا دَعَا لِي بِهِ) قال في «الكشَّاف» في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ [طه: ٦٩] فإن قلت: فلِمَ نكَّر أوَّلًا وعرَّف ثانيًا؟ قلت: إنَّما نكَّر من أجل تنكير المضاف لا من أجل تنكيره في نفسه كقول العجَّاج: يوم ترى النُّفوسُ ما أعدَّتِ (١) في سعي دنيا طالما قد مدَّتِ

стр. 4399

وفي حديث عمر ﵁: «لا في أمر دنيا ولا في أمر آخرة»، أراد تنكير الأمر، كأنَّه قيل: إنَّما صنعوا كيدُ سحريٍّ، وفي سعيٍ دنيويٍّ وأمرٍ دنيويٍّ وأخرويٍّ. انتهى. فتنكير الآخرة هنا القصد به (١) تنكير «خير» المضاف إليها (٢)، أي: ما ترك خيرًا من خيور الآخرة ولا خيرًا من خيور الدُّنيا (٣) إلَّا دعا لي به، لكن تعقَّب أبو حيَّان في «البحر» الزَّمخشريَّ: بأنَّ قول العجَّاج: «في سعي دنيا» محمولٌ على الضَّرورة؛ إذ «دنيا» تأنيث الأدنى، ولا يُستعمَل تأنيثه إلَّا بالألف واللَّام أو بالإضافة، قال: وأمَّا قول عمر فيحتمل أن يكون من تحريف الرُّواة. انتهى. وعند أحمد من رواية عبيدة بن حميد عن حميد: فكان من قوله -أي: النبي ﷺ : (اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مَالًا وَوَلَدًا وَبَارِكْ لَهُ) وزاد أبو ذرٍّ وابن عساكر -ونسبها الحافظ ابن حجرٍ للكُشْمِيْهَنِيِّ-: «فيه» بالتَّوحيد باعتبار المذكور، ولأحمد: «فيهم» بالجمع اعتبارًا بالمعنى (فَإِنِّي لَمِنْ أَكْثَرِ الأَنْصَارِ مَالًا) نُصِب على التَّمييز، وفاء «فإنِّي» لتفسير معنى البركة في ماله، واللَّام في قوله (٤): «لمَن» للتَّأكيد، ولم يذكر الرَّاوي ما دعا له به من خير الآخرة اختصارًا، ويدلُّ له ما رواه (٥) ابن سعدٍ بإسنادٍ صحيحٍ عن الجعد عن أنسٍ قال: «اللَّهمَّ أَكْثِرْ ماله وولده، وأَطِلْ عمره، واغفر ذنبه»، أو أنَّ لفظ «بارك» إشارةٌ إلى خير الآخرة، أو المال والولد الصَّالحان من جملة خير الآخرة لأنَّهما يستلزمانها، قاله البرماويُّ، كالكِرمانيِّ. قال أنسٌ: (وَحَدَّثَتْنِي ابْنَتِي أُمَيْنَةُ) بضمِّ الهمزة وفتح الميم وسكون المُثنَّاة (٦) التَّحتيَّة وفتح النُّون ثمَّ هاء تأنيثٍ، تصغير: آمنة (أَنَّهُ دُفِنَ) بضمِّ الدَّال مبنيًّا للمفعول من ولدي (لِصُلْبِي) أي: غير أسباطه وأحفاده (مَقْدَمَ) مصدرٌ ميميٌّ بالنَّصب على نزع الخافض، أي: أنَّ الذي مات من أوَّل أولاده إلى مَقْدَم (حَجَّاجٍ) ولأبي ذرٍّ: «مقدم الحجَّاج» أي: ابن يوسف الثَّقفيِّ (البَصْرَةَ) سنة

стр. 4400

خمسٍ وسبعين، وكان عُمْر أنسٍ إذ ذاك نيِّفًا وثمانين سنةً (بَِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمئةٌ) بكسر المُوحَّدة وقد تُفتَح: ما بين الثَّلاث إلى التِّسع، و «البصرةَ» نُصِب بـ «مَقْدَم» بمعنى: قدوم، ويُقدَّر قبله: زمانَ قدومِه البصرةَ؛ إذ لو جُعِل «مَقْدم» اسم زمانٍ لم ينصب مفعولًا، قاله البرماويُّ، كالكِرمانيِّ. ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون. وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «قال» (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) سعيد الجُمَحيُّ المصريُّ (١)، فعلى الأوَّل (٢) يكون موصولًا (أَخْبَرَنَا يَحْيَى) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «يحيى بن أيُّوب» أي (٣): الغافقيُّ المصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُمَيْدٌ) الطَّويل، أنَّه (سَمِعَ أَنَسًا ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وفائدة ذكر هذه الطَّريق: بيان سماع حُميدٍ لهذا الحديث من أنسٍ لما اشتُهِر من أنَّ حُميدًا كان ربَّما دلَّس على (٤) أنسٍ، وقد طرح زائدة حديثه لدخوله في شيءٍ من أمر الخلفاء، وقد اعتنى البخاريُّ في تخريجه لأحاديث حُميدٍ بالطُّرق التي فيها تصريحه بالسَّماع بذكرها متابعةً وتعليقًا، وروى له الباقون. (٦٢) (بابُ الصَّوْمِ آخِرَ الشَّهْرِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «من آخر الشَّهر». ١٩٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أبو همَّامٍ الخاركيُّ؛ بخاءٍ معجمةٍ، قال: (حَدَّثَنَا

стр. 4401

مَهْدِيٌّ) بفتح الميم وسكون الهاء وكسر الدَّال، ابن ميمونٍ المِعْوَليُّ الأزديُّ -بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الواو- البصريُّ (عَنْ غَيْلَانَ) بالغين المعجمة، ابن جريرٍ المعوليِّ الأزديِّ البصريِّ أيضًا. قال المؤلِّف: «ح»: (وَحَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) المعوليُّ قال: (حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ) المعولي (عَنْ مُطَرِّفٍ) بضمِّ الميم وكسر الرَّاء مُشدَّدةً (١)، ابن عبد الله بن الشِّخِّير -بكسر الشِّين والخاء المُشدَّدتين (٢) المعجمتين آخره راءٌ- العامريِّ (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) أسلم عام خيبر، وتُوفِّي سنة اثنتين وخمسين (¬﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ) ﷺ (سَأَلَهُ) أي: عمران (أَوْ سَأَلَ رَجُلًا) شكٌّ من مطرِّفٍ، وزاد أبو عَوانة في «مستخرجه»: من أصحابه (-وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ-) جملةٌ حاليَّةٌ (فَقَالَ: يَا أَبَا فُلَانٍ) قال الحافظ ابن حجرٍ: كذا في نسخةٍ من رواية أبي ذرٍّ بأداة الكنية، وللأكثر: يا فلان؛ بإسقاطها (أَمَا) بالتَّخفيف (صُمْتَ سَِرَرَ هَذَا الشَّهْرِ؟) بفتح السِّين وكسرها، وحكى القاضي عياضٌ: ضمَّها، وقال: هو جمع سُرَّةٍ، يُقال: سِرار الشَّهر، وسَراره؛ بكسر السِّين وفتحها، ذكره ابن السِّكِّيت وغيره، قيل: والفتح أفصح، قاله الفرَّاء، واختُلِف في تفسيره، والمشهور: أنَّه آخر الشَّهر، وهو قول الجمهور من أهل اللُّغة والغريب والحديث، وسُمِّي بذلك لاستسرار القمر فيها، وهي ليلة ثمانٍ وعشرين، وتسعٍ وعشرين، وثلاثين؛ يعني: استتاره، وهذا (٣) موافقٌ لما ترجم له هنا، واستُشكِل بقوله ﵊ في حديث أبي هريرة عند الشَّيخين السَّابق [خ¦١٩١٤]: «لا تقدَّموا رمضان بيومٍ أو يومين، إلَّا من كان يصوم يومًا فليصمه»، وأُجيب بأنَّ الرَّجل كان

стр. 4402

معتادًا لصيام (١) سرر الشَّهر، أو كان قد نذره فلذلك أمره بقضائه؛ كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- وقالت طائفةٌ: سرر (٢) الشَّهر: أوَّله، وبه قال الأوزاعيُّ وسعيد بن عبد العزيز، فيما حكاه أبو داود، وأجيب بأنَّه لا يصحُّ أن يُفَسَّر سرر الشَّهر وسراره بأوَّله لأنَّ أوَّل الشَّهر يشتهر فيه الهلال ويُرَى من أوَّل الليل، ولذلك سُمِّي الشَّهر شهرًا لاشتهاره وظهوره عند دخوله، فتسمية ليالي الاشتهار ليالي السِّرار قلبٌ للُّغة والعُرْف، وقد أنكر العلماء ما رواه أبو داود عن الأوزاعيِّ -منهم: الخطَّابيُّ- وقيل: السَّرر: وسطه، حكاه أبو داود أيضًا، ورجَّحه بعضهم ووجَّهَهُ بأنَّ (٣) السَّرر جمع سُرَّةٍ، وسُرَّة الشَّيء: وسطه، وأيَّدوه بما ورد من استحباب صوم أيَّام البيض، وفي رواية مسلمٍ في حديث عمران بن حصينٍ المذكور: «هل صمت من سُرَّة هذا الشَّهر؟» وفُسِّر بالأيَّام البيض، وأُجيب بأنَّ الأظهر أنَّه الآخر كما قال الأكثر لقوله: «فإذا أفطرت فصُمْ يومين من سَرَر هذا الشَّهر». والمشار إليه: شعبان، ولو كان السَّرر أوّله أو وسطه لم يفته. (قَالَ) أبو النُّعمان: (أَظُنُّهُ قَالَ: يَعْنِي: رَمَضَانَ) لم يقل الصَّلت ذلك، لكن روى الجوزقيُّ من طريق أحمد بن يوسف السُّلميِّ عن أبي النُّعمان بدون ذلك، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو الصَّواب (قَالَ الرَّجُلُ: لَا يَا رَسُولَ اللهِ) ما صُمته (قَالَ: فَإِذَا أَفْطَرْتَ) أي: من رمضان كما في «مسلمٍ» (فَصُمْ يَوْمَيْنِ) بعد العيد عوضًا عن سرر شعبان (لَمْ يَقُلِ الصَّلْتُ: أَظُنُّهُ؛ يَعْنِي: رَمَضَانَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريُّ، وسقط ذلك في رواية ابن عساكر (وَقَالَ ثَابِتٌ) فيما وصله مسلمٌ (عَنْ مُطَرِّفٍ) المذكور (عَنْ عِمْرَانَ) بن حصينٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : مِنْ سَِرَرِ شَعْبَانَ) وليس هو برمضان كما ظنَّه أبو النُّعمان، ونقل الحميديُّ عن البخاريِّ أنَّه قال: شعبان أصحُّ، وقال الخطَّابيُّ: ذكرُ رمضان هنا وهمٌ لأنَّ رمضان يتعيَّن صوم جميعه. ورواة الحديث الأوَّل بصريُّون، وأضاف رواية أبي النُّعمان إلى الصَّلت لما وقع فيها من

стр. 4403

تصريح مهديٍّ بالتَّحديث عن (١) غيلان، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ، والله أعلم (٢). (٦٣) (بابُ صَوْمِ يَوْمِ الجُمُعَةِ، فإِذَا) بالفاء، ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «وإذا» (أَصْبَحَ صَائِمًا يَوْمَ الجُمُعَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُفْطِرَ) زاد في رواية أبوي ذرٍّ والوقت: «يعني: إذا لم يصم قبله ولا يريد أن يصوم بعده» قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذه الزِّيادة تشبه أن تكون من الفَِرَبْريِّ أو ممَّن دونه؛ فإنها لم تقع في رواية النَّسفيِّ عن البخاريِّ، ويبعد أن يعبِّر البخاري عما يقوله بلفظ: «يعني»، ولو كان ذلك من كلامه لقال: أعني، بل كان يستغني عنها أصلًا ورأسًا، واعترضه العينيُّ بأنَّ عدم وقوع الزِّيادة في رواية النَّسفيِّ لا يستلزم عدم (٣) وقوعها من غيره، وليس قوله: «يعني» ببعيدٍ، فكأنَّه جعل قوله: «وإذا أصبح صائمًا فعليه أن يفطر» لغيره بطريق التَّجريد، ثمَّ أوضحه بقوله: «يعني»، فافهم فإنَّه دقيقٌ. انتهى. فليُتأمَّل ما فيه من التَّكلُّف. ١٩٨٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) النَّبيل الضَّحَّاك (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح المُوحَّدة مُصغَّرًا، ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن شيبة» وهو ابن عثمان بن طلحة الحَجَبيِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ) بفتح العين وتشديد الموحَّدة المخزوميِّ (قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا) هو ابن عبد الله الأنصاريَّ (¬﵁¬) زاد مسلمٌ وغيره: وهو يطوف بالبيت: (نَهَى) بحذف همزة الاستفهام، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «أَنَهَى» (النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الجُمُعَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ). زاد مسلمٌ: «وربِّ هذا البيت»، وللنَّسائيِّ: «وربِّ الكعبة»، وعزاها في «العمدة» لمسلمٍ فوهم، والظَّاهر: أنَّه نقله بالمعنى. قال البخاريُّ: (زَادَ غَيْرُ أَبِي

стр. 4404

عَاصِمٍ) النَّبيل من الشُّيوخ، وهو فيما جزم به (١) البيهقيُّ: يحيى بن سعيدٍ القطَّان (أَنْ يَنْفَرِدَ) يوم الجمعة (٢) (بِصَوْمٍ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «يعني: أن ينفرد بصومه» والحكمة في كراهة إفراده بالصَّوم: خوف أن يضعف إذا صامه عن الوظائف المطلوبة منه فيه، ومن ثمَّ خصَّصه البيهقيُّ والماورديُّ وابن الصَّبَّاغ والعمرانيُّ -نقلًا عن مذهب الشَّافعيِّ- بمن يضعف به عن الوظائف، وتزول الكراهة بجمعه مع غيره، لكنَّ التَّعليل بأنَّ الصَّوم يُضعِف عن الوظائف المطلوبة يوم الجمعة يقتضي أنَّه لا فرق بين الإفراد والجمع، وأجاب في «شرح المُهذَّب»: بأنَّه إذا جمع الجمعة وغيرها (٣) حصل له بفضيلة صوم غيره ما يجبر ما حصل فيها من النَّقص، وقيل: الحكمة فيه أنَّه لا يتشبَّه باليهود في إفرادهم صوم يوم الاجتماع في معبدهم. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الصَّوم». ١٩٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) النَّخعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياث بن طلق بن معاوية بن الحارث بن ثعلبة قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي: «لا يصوم» وقال الحافظ ابن حجرٍ: للأكثر: «لا يصوم» بلفظ النَّفي، والمراد به النَّهي، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لا يصومنَّ» بلفظ النَّهي المُؤكَّد (إِلَّا) أن يصوم (يَوْمًا قَبْلَهُ) وهو يوم الخميس (أَوْ) يصوم يومًا (بَعْدَهُ) وهو السَّبت، وفي «المُستدرَك» من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «يومُ الجمعة عيدٌ، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم

стр. 4405

صيامكم (١) إلَّا أن تصوموا قبله أو (٢) بعده» وقال: صحيح الإسناد إلَّا أنَّ أبا بشرٍ لم أقف له على اسمٍ (٣)، فقيل: العلَّة كونه عيدًا كما في هذا الحديث، وعند ابن أبي (٤) شيبة بإسنادٍ حسنٍ عن عليٍّ: «من كان منكم (٥) متطوّعًا من الشَّهر فليصم يوم الخميس، ولا يصم (٦) يوم الجمعة؛ فإنَّه يوم طعامٍ وشرابٍ وذِكْرٍ» ولـ «مسلمٍ» من طريق أبي معاوية عن الأعمش: «لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلَّا أن يصوم قبله أو يصوم بعده»، وله أيضًا من طريق هشامٍ عن ابن سيرين عن أبي هريرة: «لا تخصُّوا ليلة الجمعة بقيامٍ من بين اللَّيالي، ولا تخصُّوا (٧) يوم الجمعة بصيامٍ من بين الأيَّام إلَّا أن يكون في صومٍ يصومه أحدكم»، وهذه الأحاديث تقيِّد النَّهي المطلق في حديث جابرٍ، والزِّيادة السَّابقة من تقييد الإطلاق بالإفراد (٨)، ويُؤخَذ من الاستثناء الوارد في حديث مسلمٍ جوازه لمن اتَّفق وقوعه في أيَّامٍ له عادةٌ بصومها؛ كأنِ اعتاد صوم يومٍ وفِطْرَ يومٍ، فوافق صومه يوم الجمعة، فلا كراهة كما في صوم يوم الشَّكِّ، واستُشكِل زوال الكراهة بتقدُّم صومٍ قبله أو بعده بكراهة صوم يوم عرفة، فإنَّ كراهة صومه أو كونه على (٩) خلاف الأولى على ما رجَّحه محقِّقو أصحابنا لا يزول بصوم يومٍ قبله، وأُجيب بأنَّ في اليوم قبله اشتغالًا بالتَّروية والإحرام بالحجِّ لمن لم يكن محرمًا، ففيه شيءٌ من معنى يوم عرفة، واختُلِف في صوم يوم الجمعة على أقوالٍ: كراهته مطلقًا، وإباحته مطلقًا من غير كراهةٍ وهو قول مالكٍ وأبي حنيفة ومحمَّد بن الحسن، وكراهة إفراده وهو مذهب الشَّافعيَّة، والرَّابع: أنَّ النَّهي مخصوصٌ بمن يتحرَّى صيامه ويخصُّه دون غيره، فمتى صام مع صومه يومًا غيره فقد خرج عن معنى (١٠)

стр. 4406

النَّهي، وهذا يردُّه (١) قوله ﵊ لجويرية [خ¦١٩٨٦] «أصمت أمس … » الحديث الآتي قريبًا إن شاء الله تعالى، والخامس: أنَّه يحرم إلَّا لمن (٢) صام قبله أو بعده أو وافق عادته، وهو قول ابن حزمٍ لظواهر الأحاديث (٣)، ويُكره (٤) إفراد يوم (٥) السَّبت أو الأحد بالصَّوم أيضًا (٦) لحديث التِّرمذيِّ وحسَّنه، والحاكم وصحَّحه على شرط الشَّيخين: «لا تصوموا يوم السَّبت إلَّا فيما افتُرِض عليكم»، ولأنَّ اليهود تعظِّم يوم السَّبت والنَّصارى تعظِّم يوم الأحد، ولا يُكرَه جمع السَّبت مع الأحد لأنَّ المجموع لم يعظِّمه أحدٌ. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ وابن ماجه في «الصَّوم». ١٩٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ شُعْبَةَ) ابن الحجَّاج. (ح) مهملةٌ لتحويل السَّند: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدٌ) غير منسوبٍ، وجزم أبو نُعيمٍ في «مستخرجه» أنَّه ابن بشَّارٍ الذي يُقال له: بُنْدارٌ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هو محمَّد بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) الأنصاريِّ (٧) (عَنْ جُوَيْرِيَةَ)

стр. 4407

تصغير جاريةٍ (بِنْتِ الحَارِثِ) المصطلقيَّة زوج النَّبيِّ ﷺ ، وليس لها (١) في البخاريِّ من روايتها سوى هذا الحديث (¬﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَهْيَ صَائِمَةٌ) جملةٌ حاليَّةٌ (فَقَالَ) لها: (أَصُمْتِ أَمْسِ؟) بهمزة الاستفهام وكسر سين «أمسِ» على لغة الحجاز، أي: يوم الخميس (قَالَتْ) جويرية: (لَا، قَالَ) ﵊: (تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِينَ غَدًا؟) أي: يوم السَّبت، ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «أن تصومي» بإسقاط النُّون على الأصل (قَالَتْ: لَا، قَالَ) ﵊: (فَأَفْطِرِي) بقطع الهمزة، وزاد أبو نُعيمٍ في روايته: «إذًا». وهذا الحديث أخرجه أبو داود والنَّسائيُّ في «الصَّوم». (وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ الجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين المهملة الهذليُّ البصريُّ، ضعيفٌ، وقال أبو حاتمٍ: ليس بحديثه بأسٌ، وليس له في «البخاريِّ» غير هذا الموضع، ووصله البغويُّ في جمع حديث هدبة بن خالدٍ أنَّه (سَمِعَ قَتَادَةَ) يقول: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو أَيُّوبَ: أَنَّ جُوَيْرِيَةَ حَدَّثَتْهُ) وقال في آخره: (فَأَمَرَهَا) ﵊ (فَأَفْطَرَتْ). (٦٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يَخُصُّ) الشَّخص الذي يريد الصِّيام (شَيْئًا مِنَ الأَيَّامِ؟) ولابن عساكر: «هل يُخَصُّ شيءٌ» بضمِّ الياء وفتح الخاء مبنيًّا للمفعول، و «شيءٌ»: رفعُ نائبٍ عن الفاعل. ١٩٨٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيسٍ النَّخعيِّ، وهو خال إبراهيم المذكور، أنَّه قال: (قُلْتُ لِعَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْتَصُّ) بتاءٍ بعد الخاء، وفي رواية جريرٍ عن منصورٍ في «الرِّقاق» (٢) [خ¦٦٤٦٦] «هل يخصُّ» (مِنَ الأَيَّامِ شَيْئًا؟) بالصَّوم

стр. 4408

كالسَّبت مثلًا (قَالَتْ: لَا) ويشكل عليه صوم (١) الاثنين والخميس الوارد عند أبي داود والتِّرمذيِّ والنَّسائيِّ، وصحَّحه ابن حبَّان عنها (٢)، وأُجيب بأنَّه استثناءٌ من عموم قول عائشة: «لا»، وأجاب في «فتح الباري»: باحتمال أن يكون (٣) المراد بالأيَّام المسؤول عنها الثَّلاثة من كلِّ شهرٍ، فكأنَّ السَّائل لمَّا سمع أنَّه ﵊ كان يصوم ثلاثة أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ (٤)؛ سأل عائشة: هل كان يختصُّها بالبيض؟ فقالت: لا (كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً) بكسر الدَّال وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، أي: دائمًا (وَأَيُّكُمْ يُطِيقُ مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُطِيقُ؟!) وفي رواية جريرٍ: «وأيُّكم يستطيع» في الموضعين. ورواة هذا الحديث كلُّهم (٥) كوفيُّون إلَّا الأوَّلَيْن (٦) فبصريَّان، وإسناده ممَّا عدُّوه من أصحِّ الأسانيد، وأخرجه المؤلِّف في «الرِّقاق» [خ¦٦٤٦٦]، ومسلمٌ في «الصَّوم»، وأبو داود في «الصَّلاة». (٦٥) (بابُ) حكم (صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ).

стр. 4409

١٩٨٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ) هو أبو النَّضر (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُمَيْرٌ) تصغير «عمر» (مَوْلَى أُمِّ الفَضْلِ) لُبابة أمِّ ابن عبَّاسٍ: (أَنَّ أُمَّ الفَضْلِ حَدَّثَتْهُ). (ح) قال المؤلِّف: (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ) بالضَّاد المعجمة سالمٍ المذكور، وهو (مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير (عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ العَبَّاسِ) بالألف واللَّام، ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «ابن عبَّاسٍ» نسبه أوَّلًا لأمِّ عبد الله أمِّ الفضل؛ باعتبار الأصل، وثانيًا لولدها عبد الله؛ باعتبار ما آل إليه حاله (عَنْ أُمِّ الفَضْلِ بِنْتِ الحَارِثِ) بن حزنٍ الهلاليَّة، أخت ميمونة بنت الحارث أمِّ المؤمنين: (أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا) أي: اختلفوا (عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ) على جاري عادته في سرد الصَّوم في الحضر (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ) لكونه مسافرًا (فَأَرْسَلَتْ) أي (١): أمُّ الفضل، لكن في الحديث التَّالي [خ¦١٩٨٩] أنَّ أختها ميمونة هي المُرسِلة، ويأتي الجواب عنه إن شاء الله تعالى (إِلَيْهِ) ﵊ (بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهْوَ وَاقِفٌ) أي: راكبٌ (عَلَى بَعِيرِهِ) بعرفاتٍ (فَشَرِبَهُ) زاد في حديث ميمونة [خ¦١٩٨٩] «والنَّاس ينظرون». وهذا الحديث سبق في (٢) صوم يوم عرفة من «كتاب الحجِّ» [خ¦١٦٦١] ومقتضاه: أنَّ صوم يوم عرفة غير مُستَحَبٍّ، لكن في حديث قتادة عند مسلمٍ: أنَّه يكفِّر سنةً آتية، وسنةً ماضية، قال الإمام: والمكفَّر الصَّغائر، والجمع بينه وبين حديثي الباب أن يُحمَل على غير الحاجِّ، أمَّا

стр. 4410

الحاجُّ فلا يُستَحَبُّ له صومه وإن كان قويًّا لأنَّه ﵊ أفطر حينئذٍ، وتُعقِّب بأنَّ فعله المُجرَّد لا يدلُّ على نفي الاستحباب؛ إذ قد يترك الشَّيء المستحبَّ لبيان الجواز، ويكون في حقِّه أفضل لمصلحة التَّبليغ، لكن روى أبو داود والنَّسائيُّ وصحَّحه ابن خزيمة والحاكم: أنَّ أبا هريرة حدَّثهم: أنَّه ﷺ نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة، وقد أخذ بظاهره قومٌ، منهم: يحيى بن سعيدٍ الأنصاريُّ، فقال: يجب فطره للحاجِّ، والجمهور على استحباب فطره، حتَّى قال عطاءٌ: من أفطره ليتقوَّى به على الذِّكر كان له مثل أجر الصَّائم، فصومه له خلاف الأَولى، بل في «نكت التَّنبيه» للنَّوويِّ: أنَّه مكروهٌ، وفي «شرح المُهذَّب»: أنَّه يُستحَبُّ صومه لحاجٍّ لم يصل عرفة إلَّا ليلًا لفقد العلَّة، وهذا كلُّه في غير المسافر والمريض، أمَّا هما فيُستَحَبُّ لهما فطره مطلقًا كما نصَّ عليه الشَّافعيُّ في «الإملاء». وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٦٦١]، وكذا أبو داود. ١٩٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) الجعفيُّ، قدم مصر قال: (حَدَّثَنَا) (١) ولأبي ذرٍّ: «أخبرني» بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (٢) (-أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ-) شكٌّ من يحيى في أنَّ الشَّيخ قرأ، أو قُرِئ على الشَّيخ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) بفتح العين ابن الحارث (عَنْ بُكَيْرٍ) هو ابن عبد الله بن الأشجِّ (عَنْ كُرَيْبٍ) هو ابن أبي مسلمٍ القرشيِّ مولى عبد الله بن عبَّاسٍ (عَنْ مَيْمُونَةَ) بنت الحارث أمِّ المؤمنين (¬﵂: أَنَّ النَّاسَ شَكُّوا) بتشديد الكاف (فِي صِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ (٣) يَوْمَ عَرَفَةَ) فقال قومٌ: صائمٌ، وقال آخرون: غير صائمٍ (فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ) ﷺ (بِحِلَابٍ) بكسر الحاء (٤) المهملة وتخفيف اللَّام: الإناء الذي يُحلَب فيه اللَّبن، أو هو اللَّبن المحلوب (وَهْوَ وَاقِفٌ فِي المَوْقِفِ)

стр. 4411

جملةٌ حاليَّةٌ (فَشَرِبَ مِنْهُ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ) إليه ﷺ ، وقد عُلِمَ أنَّ المُرسِلة (١) في هذا الحديث ميمونة، وفي الأوَّل [خ¦١٩٨٨] أمُّ الفضل أختها، فيُحمَل على التَّعدُّد، أو أنَّهما أرسلتا معًا فنسب ذلك إلى كل منهما، فتكون ميمونة أرسلت بسؤال أمِّ الفضل لها بذلك لكشف الحال، ويحتمل العكس، ولم يُسَمَّ الرَّسولُ في طريق (٢) حديث أمِّ الفضل، نعم في «النَّسائيِّ» من طريق سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبَّاس ما يدلُّ على أنَّه كان الرَّسولَ بذلك. وفي هذا الحديث: التَّحيُّل على الاطِّلاع على الحكم بغير سؤالٍ، وفيه: فطنة السَّائلة لاستكشافها عن الحكم الشَّرعيّ بهذه الوسيلة اللَّطيفة اللَّائقة بالحال لأنَّ ذلك كان في يوم حرٍّ (٣) بعد الظَّهيرة، ونصف إسناده الأوَّل مصريُّون والآخر مدنيُّون، وأخرجه مسلمٌ في «الصَّوم»، والله أعلم. (٦٦) (بابُ) حكم (صَوْمِ يَوْمِ الفِطْرِ). ١٩٩٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ) بالتَّصغير من غير إضافةٍ، اسمه سعدٌ (مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ) هو عبد الرَّحمن بن (٤) الأزهر بن عبد عوفٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ -كما في «الفتح» -: «مولى بني (٥) أزهر» (قَالَ: شَهِدْتُ العِيدَ) زاد يونس عن الزُّهريِّ في روايته في «الأضاحي» [خ¦٥٥٧١]

стр. 4412

«يوم الأضحى» (مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ: هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهِمَا) أحدهما: (يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَاليَوْمُ (١) الآخَرُ) بفتح الخاء (تَأْكُلُونَ فِيهِ) خبرٌ لـ «اليوم» (مِنْ نُسُْكِكُمْ) بضمِّ السِّين، ويجوز سكونها؛ أي: أضحيتكم، قال في «فتح الباري»: وفائدة وصف اليومين: الإشارة إلى العلَّة في وجوب فطرهما؛ وهي الفصل من الصَّوم، وإظهار تمامه وحده بفطر ما بعده، والآخر: لأجل النُّسك المُتقرَّب بذبحه ليُؤكَل منه، ولو شرع صومه لم يكن لمشروعيَّة الذَّبح فيه معنًى، فعبَّر عن علَّة التَّحريم بالأكل من النُّسك لأنَّه يستلزم النَّحر، وقوله: «هذان» فيه التَّغليب؛ وذلك أنَّ الحاضر يُشار إليه بـ «هذا» والغائب يُشار إليه بـ «ذاك» (٢)، فلمَّا أن جمعهما اللَّفظ قال: «هذان»؛ تغليبًا للحاضر على الغائب، وزاد في رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر هنا: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريُّ: «قال ابن عيينة» فيما حكاه عنه عليُّ (٣) بن المدينيِّ في «العلل» من قال أي: في أبي عبيدٍ: «مولى ابن أزهر» فقد أصاب، ومن قال: «مولى عبد الرَّحمن بن عوفٍ» فقد أصاب أيضًا لأنَّه (٤) يحتمل أنَّهما اشتركا في ولائه، أو أحدهما على الحقيقة والآخر على المجاز بملازمة أحدهما للخدمة، أو للأخذ عنه. ١٩٩١ - ١٩٩٢ - وبه (٥) قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنْقَريٌّ؛ بكسر الميم وسكون النُّون وفتح القاف، قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مُصغَّرًا، ابن خالدٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) هو المازنيُّ (عَنْ أَبِيهِ) يحيى (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ (¬﵁ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ:

стр. 4413

«نهى رسول الله» (¬ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الفِطْرِ وَ) وصوم يوم (النَّحْرِ، وَعَنِ الصَّمَّاءِ) بفتح الصَّاد المهملة وتشديد الميم والمدِّ، قال الفقهاء: أن يشتمل بثوبٍ واحدٍ ليس عليه غيره، ثمَّ يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبيه فيبدو منه فرجه، وتُعقِّب هذا التَّفسير بأنَّه لا يُشعِر به لفظ الصَّمَّاء، والمطابق له ما نُقِل عن الأصمعيِّ: وهو أن يشتمل بالثَّوب يستر به جميع بدنه؛ بحيث لا يترك فرجةً يُخرِج منها يده (١) حتَّى لا يتمكَّن من إزالة شيءٍ يؤذيه بيديه (٢) (وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) زاد الإسماعيليُّ: «لا يواري فرجه بشيءٍ». (وَعَنْ صَلَاةٍ) ولابن عساكر والحَمُّويي والمُستملي: «وعن الصَّلاة» (بَعْدَ) صلاة (الصُّبْحِ) حتَّى ترتفع الشَّمس (وَ) بعد صلاة (العَصْرِ) حتَّى تغيب الشَّمس إلَّا لسببٍ. وهذ الحديث سبق الكلام عليه في «باب ما يَستُر من العورة» [خ¦٣٦٧] وفي «المواقيت» [خ¦٥٨٦]. (٦٧) (بابُ) حكم (الصَّوْمِ يَوْمَ النَّحْرِ) ولابن عساكر والحَمُّويي والمُستملي: «صوم يوم النَّحر». ١٩٩٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد الفرَّاء الرَّازي المعروف بالصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ) بكسر الميم وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وبالنُّون ممدودًا كعطاءٍ، إلَّا أنَّ الأوَّل منصرفٌ حُذِف تنوينه، والثَّاني غير منصرفٍ، وهو مدنيٌّ (قَالَ) أي: عمرو بن دينارٍ: (سَمِعْتُهُ) أي: عطاء بن ميناء (يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه

стр. 4414

(قَالَ: يُنْهَى) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (عَنْ صِيَامَيْنِ وَ) عن (بَيْعَتَيْنِ: الفِطْرِ وَالنَّحْرِ، وَالمُلَامَسَةِ وَالمُنَابَذَةِ) بالجرِّ في الأربعة: بدلًا من السَّابق، وفيه لفٌّ ونشرٌ مُرتَّبٌ، فـ «الفطر» و «النَّحر» يرجعان إلى «صيامين»، والآخران إلى «بيعتين»، و «المُلامسة»: بضمِّ الميم الأولى، «مفاعلةٌ» من اللَّمس؛ وهي أن يلمس ثوبًا مطويًّا أو في ظلمةٍ ثمَّ يشتريه على أنَّه لا خيار له إذا رآه اكتفاءً بلمسه عن رؤيته، أو يقول: إذا لمسته؛ فقد بعتك اكتفاءً بلمسه عن الصِّيغة، أو يبيعه شيئًا على أنَّه متى لمسه؛ لزم البيع وانقطع الخيار اكتفاءً بلمسه عن الإلزام بتفرُّقٍ أو تخايرٍ. و «المُنابذة»: بضمِّ الميم وبالذَّال المعجمة: بأن ينبذ كلٌّ منهما ثوبه على أنَّ كلًّا منهما مقابلٌ بالآخر، ولا خيار لهما إذا عرفا الطول والعرض، وكذا لو نبذه إليه بثمنٍ (١) معلومٍ اكتفاءً بذلك عن الصِّيغة، وتأتي مباحث ذلك في «البيع» -إن شاء الله تعالى- والنَّهي هنا للتَّحريم، فلا يصحُّ الصَّوم ولا البيع، والبطلان في الأخيرين من حيث المعنى لعدم الرُّؤية، أو عدم الصِّيغة، أو للشَّرط الفاسد، وفي الأوَّلين: أنَّ الله تعالى أكرم عباده فيهما بضيافته، فمن صامهما فكأنَّه ردَّ هذه الكرامة، وهذا المعنى وإن كان لمن يصوم رمضان ومن ينسك لكنَّه عامٌّ لعموم الكرم. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «البيوع». ١٩٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ البصريُّ الزَّمِن قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذٌ) هو ابن معاذٍ العنبريُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ) هو عبد الله بن عون بن أَرْطَبَان البصريُّ (عَنْ زِيَادِ بْنِ

стр. 4415

جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح المُوحَّدة ابن حَيَّة -بفتح المهملة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة- الثَّقفيِّ، أنَّه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (إِلَى ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄¬) ولابن عساكر: «جاء رجلٌ ابنَ عمر» بإسقاط «إلى»، ونصب: «ابنَ» (فَقَالَ) أي: الجائي لابن عمر: (رَجُلٌ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا، قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: الإِثْنَيْن) أي: قال الجائي: أظنُّ الرَّجل الذي نذر (١) قال: إنَّه نذر صوم يوم الإثنين (فَوَافَقَ) يوم الإثنين المنذور (يَوْمَ عِيدٍ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «فوافق ذلك يوم عيدٍ» وفي رواية يزيد بن زُرَيعٍ عن يونس بن عبيد الله عند المصنِّف في «النَّذر» [خ¦٦٧٠٦] «فوافق يوم النَّحر» (فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَمَرَ اللهُ بِوَفَاءِ النَّذْرِ) أي: في قوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] (وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَوْمِ هَذَا اليَوْمِ) إنَّما توقَّف ابن عمر عن الجزم بالفتيا لتعارض الأدلَّة عنده، وهذا قاله الزَّركشيُّ في آخرين، وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ فقال: ليس كما ظنَّه، بل نبَّه ابن عمر على أنَّ أحدهما -وهو الوفاء بالنَّذر- عامٌّ، والآخر -وهو المنع من صوم العيد- خاصٌّ، فكأنَّه أَفْهَمَه أنَّه يقضي بالخاصِّ على العامِّ. انتهى. وهذا الذي ذكره هو قول ابن المُنيِّر في «الحاشية»، وقد تعقَّبه أخوه بأنَّ النَّهي عن صوم العيد فيه أيضًا عمومٌ للمخاطبين ولكلِّ عيدٍ، فلا يكون من حمل الخاصِّ على العامِّ. انتهى. وقيل: يحتمل أنَّه عرض للسَّائل بأن الاحتياطَ لك القضاءُ، فتجمع بين أمر الله وأمر رسوله ﷺ ، وقيل: إذا التقى الأمر والنَّهي في موضعٍ قُدِّم النَّهي، وعند الشَّافعيَّة: إذا نذر صوم اليوم الذي يقدم فيه فلانٌ صحَّ نذره في الأظهر لإمكان العلم بقدومه قبل يومه، فيبيِّت النيَّة، والثَّاني قال: لا يمكن الوفاء به لانتفاء تبييت النِّيَّة؛ لانتفاء العلم بقدومه، فإن قدم ليلًا أو يوم عيدٍ أو نحوه أو في رمضان انحلَّ النَّذر ولا شيء عليه لعدم قبول ما عدا الأخير للصَّوم، والأخير لصوم غيره.
следующие страницы →