جملةٌ حاليَّةٌ (فَشَرِبَ مِنْهُ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ) إليه ﷺ ، وقد عُلِمَ أنَّ المُرسِلة (١) في هذا الحديث ميمونة، وفي الأوَّل [خ¦١٩٨٨] أمُّ الفضل أختها، فيُحمَل على التَّعدُّد، أو أنَّهما أرسلتا معًا فنسب ذلك إلى كل منهما، فتكون ميمونة أرسلت بسؤال أمِّ الفضل لها بذلك لكشف الحال، ويحتمل العكس، ولم يُسَمَّ الرَّسولُ في طريق (٢) حديث أمِّ الفضل، نعم في «النَّسائيِّ» من طريق سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبَّاس ما يدلُّ على أنَّه كان الرَّسولَ بذلك.
وفي هذا الحديث: التَّحيُّل على الاطِّلاع على الحكم بغير سؤالٍ، وفيه: فطنة السَّائلة لاستكشافها عن الحكم الشَّرعيّ بهذه الوسيلة اللَّطيفة اللَّائقة بالحال لأنَّ ذلك كان في يوم حرٍّ (٣) بعد الظَّهيرة، ونصف إسناده الأوَّل مصريُّون والآخر مدنيُّون، وأخرجه مسلمٌ في «الصَّوم»، والله أعلم.
(٦٦) (بابُ) حكم (صَوْمِ يَوْمِ الفِطْرِ).
١٩٩٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ) بالتَّصغير من غير إضافةٍ، اسمه سعدٌ (مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ) هو عبد الرَّحمن بن (٤) الأزهر بن عبد عوفٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ -كما في «الفتح» -: «مولى بني (٥) أزهر» (قَالَ: شَهِدْتُ العِيدَ) زاد يونس عن الزُّهريِّ في روايته في «الأضاحي» [خ¦٥٥٧١]
стр. 4412
«يوم الأضحى» (مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ: هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهِمَا) أحدهما: (يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَاليَوْمُ (١) الآخَرُ) بفتح الخاء (تَأْكُلُونَ فِيهِ) خبرٌ لـ «اليوم» (مِنْ نُسُْكِكُمْ) بضمِّ السِّين، ويجوز سكونها؛ أي: أضحيتكم، قال في «فتح الباري»: وفائدة وصف اليومين: الإشارة إلى العلَّة في وجوب فطرهما؛ وهي الفصل من الصَّوم، وإظهار تمامه وحده بفطر ما بعده، والآخر: لأجل النُّسك المُتقرَّب بذبحه ليُؤكَل منه، ولو شرع صومه لم يكن لمشروعيَّة الذَّبح فيه معنًى، فعبَّر عن علَّة التَّحريم بالأكل من النُّسك لأنَّه يستلزم النَّحر، وقوله: «هذان» فيه التَّغليب؛ وذلك أنَّ الحاضر يُشار إليه بـ «هذا» والغائب يُشار إليه بـ «ذاك» (٢)، فلمَّا أن جمعهما اللَّفظ قال: «هذان»؛ تغليبًا للحاضر على الغائب، وزاد في رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر هنا: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريُّ: «قال ابن عيينة» فيما حكاه عنه عليُّ (٣) بن المدينيِّ في «العلل» من قال أي: في أبي عبيدٍ: «مولى ابن أزهر» فقد أصاب، ومن قال: «مولى عبد الرَّحمن بن عوفٍ» فقد أصاب أيضًا لأنَّه (٤) يحتمل أنَّهما اشتركا في ولائه، أو أحدهما على الحقيقة والآخر على المجاز بملازمة أحدهما للخدمة، أو للأخذ عنه.
١٩٩١ - ١٩٩٢ - وبه (٥) قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنْقَريٌّ؛ بكسر الميم وسكون النُّون وفتح القاف، قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مُصغَّرًا، ابن خالدٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) هو المازنيُّ (عَنْ أَبِيهِ) يحيى (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ (¬﵁ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ:
стр. 4413
«نهى رسول الله» (¬ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الفِطْرِ وَ) وصوم يوم (النَّحْرِ، وَعَنِ الصَّمَّاءِ) بفتح الصَّاد المهملة وتشديد الميم والمدِّ، قال الفقهاء: أن يشتمل بثوبٍ واحدٍ ليس عليه غيره، ثمَّ يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبيه فيبدو منه فرجه، وتُعقِّب هذا التَّفسير بأنَّه لا يُشعِر به لفظ الصَّمَّاء، والمطابق له ما نُقِل عن الأصمعيِّ: وهو أن يشتمل بالثَّوب يستر به جميع بدنه؛ بحيث لا يترك فرجةً يُخرِج منها يده (١) حتَّى لا يتمكَّن من إزالة شيءٍ يؤذيه بيديه (٢) (وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) زاد الإسماعيليُّ: «لا يواري فرجه بشيءٍ».
(وَعَنْ صَلَاةٍ) ولابن عساكر والحَمُّويي والمُستملي: «وعن الصَّلاة» (بَعْدَ) صلاة (الصُّبْحِ) حتَّى ترتفع الشَّمس (وَ) بعد صلاة (العَصْرِ) حتَّى تغيب الشَّمس إلَّا لسببٍ.
وهذ الحديث سبق الكلام عليه في «باب ما يَستُر من العورة» [خ¦٣٦٧] وفي «المواقيت» [خ¦٥٨٦].
(٦٧) (بابُ) حكم (الصَّوْمِ يَوْمَ النَّحْرِ) ولابن عساكر والحَمُّويي والمُستملي: «صوم يوم النَّحر».
١٩٩٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد الفرَّاء الرَّازي المعروف بالصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ) بكسر الميم وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وبالنُّون ممدودًا كعطاءٍ، إلَّا أنَّ الأوَّل منصرفٌ حُذِف تنوينه، والثَّاني غير منصرفٍ، وهو مدنيٌّ (قَالَ) أي: عمرو بن دينارٍ: (سَمِعْتُهُ) أي: عطاء بن ميناء (يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه
стр. 4414
(قَالَ: يُنْهَى) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (عَنْ صِيَامَيْنِ وَ) عن (بَيْعَتَيْنِ: الفِطْرِ وَالنَّحْرِ، وَالمُلَامَسَةِ وَالمُنَابَذَةِ) بالجرِّ في الأربعة: بدلًا من السَّابق، وفيه لفٌّ ونشرٌ مُرتَّبٌ، فـ «الفطر» و «النَّحر» يرجعان إلى «صيامين»، والآخران إلى «بيعتين»، و «المُلامسة»: بضمِّ الميم الأولى، «مفاعلةٌ» من اللَّمس؛ وهي أن يلمس ثوبًا مطويًّا أو في ظلمةٍ ثمَّ يشتريه على أنَّه لا خيار له إذا رآه اكتفاءً بلمسه عن رؤيته، أو يقول: إذا لمسته؛ فقد بعتك اكتفاءً بلمسه عن الصِّيغة، أو يبيعه شيئًا على أنَّه متى لمسه؛ لزم البيع وانقطع الخيار اكتفاءً بلمسه عن الإلزام بتفرُّقٍ أو تخايرٍ.
و «المُنابذة»: بضمِّ الميم وبالذَّال المعجمة: بأن ينبذ كلٌّ منهما ثوبه على أنَّ كلًّا منهما مقابلٌ بالآخر، ولا خيار لهما إذا عرفا الطول والعرض، وكذا لو نبذه إليه بثمنٍ (١) معلومٍ اكتفاءً بذلك عن الصِّيغة، وتأتي مباحث ذلك في «البيع» -إن شاء الله تعالى- والنَّهي هنا للتَّحريم، فلا يصحُّ الصَّوم ولا البيع، والبطلان في الأخيرين من حيث المعنى لعدم الرُّؤية، أو عدم الصِّيغة، أو للشَّرط الفاسد، وفي الأوَّلين: أنَّ الله تعالى أكرم عباده فيهما بضيافته، فمن صامهما فكأنَّه ردَّ هذه الكرامة، وهذا المعنى وإن كان لمن يصوم رمضان ومن ينسك لكنَّه عامٌّ لعموم الكرم.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «البيوع».
١٩٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ البصريُّ الزَّمِن قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذٌ) هو ابن معاذٍ العنبريُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ) هو عبد الله بن عون بن أَرْطَبَان البصريُّ (عَنْ زِيَادِ بْنِ
стр. 4415
جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح المُوحَّدة ابن حَيَّة -بفتح المهملة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة- الثَّقفيِّ، أنَّه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (إِلَى ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄¬) ولابن عساكر: «جاء رجلٌ ابنَ عمر» بإسقاط «إلى»، ونصب: «ابنَ» (فَقَالَ) أي: الجائي لابن عمر: (رَجُلٌ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا، قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: الإِثْنَيْن) أي: قال الجائي: أظنُّ الرَّجل الذي نذر (١) قال: إنَّه نذر صوم يوم الإثنين (فَوَافَقَ) يوم الإثنين المنذور (يَوْمَ عِيدٍ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «فوافق ذلك يوم عيدٍ» وفي رواية يزيد بن زُرَيعٍ عن يونس بن عبيد الله عند المصنِّف في «النَّذر» [خ¦٦٧٠٦] «فوافق يوم النَّحر» (فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَمَرَ اللهُ بِوَفَاءِ النَّذْرِ) أي: في قوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] (وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَوْمِ هَذَا اليَوْمِ) إنَّما توقَّف ابن عمر عن الجزم بالفتيا لتعارض الأدلَّة عنده، وهذا قاله الزَّركشيُّ في آخرين، وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ فقال: ليس كما ظنَّه، بل نبَّه ابن عمر على أنَّ أحدهما -وهو الوفاء بالنَّذر- عامٌّ، والآخر -وهو المنع من صوم العيد- خاصٌّ، فكأنَّه أَفْهَمَه أنَّه يقضي بالخاصِّ على العامِّ. انتهى. وهذا الذي ذكره هو قول ابن المُنيِّر في «الحاشية»، وقد تعقَّبه أخوه بأنَّ النَّهي عن صوم العيد فيه أيضًا عمومٌ للمخاطبين ولكلِّ عيدٍ، فلا يكون من حمل الخاصِّ على العامِّ. انتهى. وقيل: يحتمل أنَّه عرض للسَّائل بأن الاحتياطَ لك القضاءُ، فتجمع بين أمر الله وأمر رسوله ﷺ ، وقيل: إذا التقى الأمر والنَّهي في موضعٍ قُدِّم النَّهي، وعند الشَّافعيَّة: إذا نذر صوم اليوم الذي يقدم فيه فلانٌ صحَّ نذره في الأظهر لإمكان العلم بقدومه قبل يومه، فيبيِّت النيَّة، والثَّاني قال: لا يمكن الوفاء به لانتفاء تبييت النِّيَّة؛ لانتفاء العلم بقدومه، فإن قدم ليلًا أو يوم عيدٍ أو نحوه أو في رمضان انحلَّ النَّذر ولا شيء عليه لعدم قبول ما عدا الأخير للصَّوم، والأخير لصوم غيره.
стр. 4416
١٩٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم وسكون النُّون السُّلميُّ الأنماطيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) بضمِّ العين وفتح الميم ابن سويدٍ اللَّخميُّ الكوفيُّ، ويُقال له: الفَرَسيُّ -بفتح الفاء والرَّاء- نسبةً إلى فرسٍ له سابقٍ (قَالَ: سَمِعْتُ قَزَعَةَ) بفتح القاف والزَّاي والعين المهملة ابن يحيى البصريَّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الخُدْرِيَّ ﵁ -وَكَانَ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً-) وكان قد استُصغِر بأحدٍ واستُشهِد أبوه (١) مالك بن سنانٍ بها وغزا هو ما بعدها (قَالَ: سَمِعْتُ أَرْبَعًا مِنَ النَّبِيِّ) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «عن النَّبيِّ» (¬ ﷺ فَأَعْجَبْنَنِي) بسكون المُوحَّدة بلفظ صيغة الجمع للمُؤنَّث، أحدها: (قَالَ: لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ إِلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا) بالواو؛ كما في رواية أبوي ذرٍّ والوقت في «باب فضل مسجد بيت المقدس» [خ¦١١٩٧] (أَوْ ذُو مَحْرَمٍ) عاقلٌ بالغٌ (وَ) ثانيها: (لَا صَوْمَ فِي يَوْمَيْنِ الفِطْرِ وَالأَضْحَى) لأنَّهما غير قابلين للصَّوم لحرمته فيهما فلا يصحُّ نذر صومهما، وكذا حكم صوم أيَّام التَّشريق كما سيأتي بيانه عن قريبٍ -إن شاء الله تعالى- ومذهب أبي حنيفة: لو نذر صوم يوم النَّحر أفطر وقضى يومًا مكانه (وَ) ثالثها: (لَا صَلَاةَ بَعْدَ) صلاة (الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا بَعْدَ) صلاة (العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ) الشَّمس (وَ) رابعها: (لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الحَرَامِ) بمكَّة (وَمَسْجِدِ الأَقْصَى) بالقدس (وَمَسْجِدِي هَذَا) بطيبة.
وهذا الحديث قد سبق في «باب مسجد القدس»، في أواخر «الصَّلاة» [خ¦١١٩٧].
(٦٨) (بابُ صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) وهي ثلاثة أيَّامٍ بعد يوم النَّحر، وهذا قول ابن عمر وأكثر العلماء، ورُوِي عن ابن عبَّاسٍ وعطاءٍ: أنَّها أربعة أيَّامٍ: يوم النَّحر وثلاثة أيَّامٍ بعده، وسمَّاها
стр. 4417
عطاءٌ أيَّام التَّشريق، والأوَّل أظهر، وقد قال النَّبيُّ ﷺ : «أيَّام منًى ثلاثةٌ، فمن تعجَّل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخَّر فلا إثم عليه» خرَّجه (١) أصحاب «السُّنن الأربعة» من حديث عبد الرَّحمن بن يَعْمَر، وهذا صريحٌ في أنَّها أيَّام التَّشريق، وأفضلها أوَّلها؛ وهو يوم القَرِّ-بفتح القاف وتشديد الرَّاء- لأنَّ أهل منًى يستقرُّون فيه ولا يجوز فيه النَّفر، وهي الأيَّام المعدودات وأيَّام منًى، وسُمِّيت بأيَّام التَّشريق؛ لأنَّ لحوم الأضاحي تُشرَق فيها، أي: تُنشَر في الشَّمس.
١٩٩٦ - بالسَّند قال: (قَالَ (٢) أَبُو عَبْدِ اللهِ) كذا لأبوي ذرٍّ والوقت، وسقط لغيرهما: (وَقَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) الزَّمِن، وكأنَّه لم يصرِّح بالتَّحديث لكونه موقوفًا على عائشة كما عُرِف من عادته بالاستقراء؛ كذا قاله الحافظ ابن حجرٍ، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه إنَّما ترك التَّحديث لأنَّه أخذه عن ابن المُثنَّى مذاكرةً، قال: وهذا هو المعروف من عادته (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (أَبِي) عروة بن الزُّبير قال: (كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تَصُومُ أَيَّامَ مِنًى) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «أيَّام التَّشريق بمنًى» قال عروة: (وَكَانَ أَبُوهَا) أبو بكرٍ الصِّدِّيق ﵁ (يَصُومُهَا) أيضًا، ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «وكان أبوه» أي: أبو هشامٍ-وهو عروة- والقائل: يحيى القطَّان، ونسب ابن حجرٍ الأولى لرواية كريمة.
١٩٩٧ - ١٩٩٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المُشدَّدة البصريُّ، المُلقَّب
стр. 4418
ببندارٍ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) بضمِّ الغين المعجمة وفتح المهملة آخره راءٌ محمَّد بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عِيسَى) الأنصاريَّ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ زيادة: «ابن أبي ليلى» وهو ثقةٌ، لكن فيه تشيُّعٌ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ. وَعَنْ سَالِمٍ) هو من رواية الزُّهريِّ عن سالمٍ، فهو موصولٌ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) والد سالمٍ (¬﵃ قَالَا) أي: عائشة وابن عمر: (لَمْ يُرَخَّصْ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه المُشدَّد مبنيًّا للمفعول، ولم يضيفاه إلى الزَّمن النَّبويِّ، فهو موقوفٌ كما جزم به ابن الصَّلاح في نحوه ممَّا لم يُضَف، والمعنى حينئذٍ: لم يُرخِّص من له مقام الفتوى في الجملة، لكن جعله الحاكم أبو عبد الله من المرفوع، قال النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب»: وهو القويُّ؛ يعني: من حيث المعنى، وهو ظاهر استعمال كثيرٍ من المحدِّثين وأصحابنا في كتب الفقه، واعتمده الشَّيخان في «صحيحيهما»، وأكثر منه البخاريُّ، وقال التَّاج بن السُّبكيِّ: إنَّه الأظهر، وإليه ذهب الإمام فخر الدِّين، وقال ابن الصَّبَّاغ في «العدَّة»: إنَّه الظَّاهر، والمعنى هنا: لم يرخِّص النَّبيُّ ﷺ (فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) وهي الأيَّام الثَّلاثة التي بعد يوم النَّحر (أَنْ يُصَمْنَ) أي: يُصام فيهنَّ، فحذف الجارَّ وأوصل الفعل إلى الضَّمير؛ ولذا بعث النَّبيُّ ﷺ من ينادي: «إنَّها أيَّام أكلٍ وشربٍ وذكرٍ لله ، فلا يصومنَّ أحدٌ» رواه أصحاب «السُّنن»، وروى أبو داود عن عقبة بن عامرٍ مرفوعًا: «يوم عرفة ويوم النَّحر وأيَّام التَّشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيَّام أكلٍ وشربٍ»، وفي حديث عمرو بن العاصي عند أبي داود، وصحَّحه ابن خزيمة والحاكم أنَّه قال لابنه عبد الله في أيَّام التَّشريق: «إنَّها الأيَّام التي نهى رسول الله ﷺ عن صومهنَّ وأمر بفطرهنَّ»، وقد قال الطَّحاويُّ بعد أن أخرج أحاديث النَّهي عن ستَّة عشر صحابيًّا: فلمَّا ثبت بهذه الأحاديث عن رسول الله ﷺ النَّهيُ عن صيام أيَّام (١) التَّشريق، وكان نهيه عن ذلك بمنًى، والحاجُّ مقيمون بها، وفيهم المتمتِّعون والقارنون ولم يستثن منهم متمتِّعًا ولا قارنًا؛ دخل المتمتِّعون والقارنون (٢) في ذلك. انتهى.
وفي النَّهي عن صيام هذه الأيَّام والأمر بالأكل والشُّرب سرٌّ حسنٌ؛ وهو أنَّ الله تعالى لمَّا علم ما يلاقي الوافدون إلى بيته من مشاقِّ السَّفر وتعب الإحرام وجهاد النُّفوس على قضاء المناسك
стр. 4419
شرع لهم الاستراحة عقب ذلك بالإقامة بمنًى يوم النَّحر وثلاثة أيَّامٍ بعده، وأمرهم بالأكل فيها من لحوم الأضاحي، فهم في ضيافة الله تعالى فيها لطفًا من الله تعالى بهم ورحمةً، وشاركهم أيضًا أهلُ الأمصار في ذلك؛ لأنَّ أهل الأمصار شاركوهم في النَّصَبِ لله تعالى والاجتهاد في عشر ذي (١) الحجَّة بالصَّوم والذِّكر، والاجتهاد في العبادات، وفي التَّقرُّب إلى الله تعالى بإراقة دماء الأضاحي وفي حصول المغفرة، فشاركوهم في أعيادهم واشترك الجميع في الرَّاحة بالأكل والشُّرب، وصار المسلمون كلُّهم في ضيافة الله تعالى في هذه الأيَّام، يأكلون من رزقه ويشكرونه على فضله، ولمَّا كان الكريم لا يليق به أن يجيع أضيافه نُهُوا عن صيامها (إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ) وفي رواية أبي عَوانة عن عبد الله بن عيسى عند الطَّحاويِّ: إلَّا لمتمتِّعٍ أو محصرٍ، أي: فيجوز له صيامها، وهذا مذهب مالكٍ وهو (٢) الرِّواية الثَّانية عن أحمد، واختاره ابن عبْدوسٍ في «تذكرته»، وصحَّحه في «الفائق»، وقدَّمه في «المُحرّر» و «الرِّعاية الكبرى»، وقال ابن مُنَجَّا في «شرحه»: إنَّه المذهب، وهو قول الشَّافعيِّ في (٣) القديم لحديث الباب، قال في «الرَّوضة»: وهو الرَّاجح دليلًا والصَّحيح من مذهب الشَّافعيِّ وهو القول الجديد، ومذهب الحنفيَّة: أنَّه يحرم صومها لعموم النَّهي، وهو الرِّواية الأولى عن أحمد، قال الزَّركشيُّ الحنبليُّ: وهي التي ذهب إليها أحمد أخيرًا، قال في «المبهج»: وهي الصَّحيحة. انتهى. وأمَّا قول الحافظ ابن حجرٍ: إنَّ الطَّحاويَّ قال: إنَّ قول ابن عمر وعائشة: لم يُرخَّص … إلى آخره، أخذاه من عموم قوله تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] لأنَّ قوله: ﴿فِي الْحَجِّ﴾ يعمُّ ما قبل يوم النَّحر وما بعده فتدخل أيَّام التَّشريق، قال في «الفتح»: وعلى هذا فليس بمرفوعٍ، بل هو بطريق الاستنباط عمَّا فَهِمَاه من عموم الآية، وقد ثبت نهيه ﷺ عن صوم أيَّام التَّشريق وهو عامٌّ في حقِّ المتمتِّع وغيره، وعلى هذا فقد تعارض عموم الآية المشعر بالإذن وعموم الحديث المشعر بالنَّهي، وفي تخصيص عموم المتواتر بعموم الآحاد نظرٌ لو كان الحديث مرفوعًا، فكيف وفي كونه مرفوعًا نظرٌ؟! فعلى هذا يترجَّح القول بالجواز، وإلى هذا
стр. 4420
جنح البخاريُّ. انتهى. والله أعلم. ففيه نظرٌ لأنَّ قوله -: «لو كان الحديث مرفوعًا فكيف وفي كونه مرفوعًا نظرٌ؟» - لا معنى له لأنَّه إن كان مراده به (١) حديث النَّهي عن صوم أيَّام التَّشريق المرويَّ في غير ما حديثٍ فهو بلا شكٍّ مرفوعٌ كما صرَّح هو به حيث قال: وقد ثبت نهيه ﷺ عن صوم أيَّام التَّشريق، وإن كان مراده به حديث الباب فليس التَّعارض المذكور واقعًا بينه وبين عموم الآية، وكيف يكون ذلك وقد ادَّعى استنباطه منها، فالظَّاهر: أنَّه سهوٌ، ولئن سلَّمنا التَّعارض بين حديث النَّهي والآية؛ فالصَّحيح أنَّه مخصِّصٌ لعمومها، لكنَّا لا نسلِّم أنَّ أيَّام التَّشريق من أيَّام الحجِّ كما لا يخفى، ونصَّ عليه الشَّافعيُّ وغيره، على أنَّ الطَّحاويَّ لم يجزم بأنَّ ابن عمر وعائشة أخذاه من عموم الآية، وعبارته: فقولهما ذلك يجوز أن يكونا عنيا بهذه الرُّخصة ما قال الله تعالى في كتابه: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ فعداها أيَّام التَّشريق من أيَّام الحجِّ، فقالا: رُخِّص للحاجِّ المتمتِّع والمحصر في صوم أيَّام التَّشريق لهذه الآية، ولأنَّ هذه الأيَّام عندهما من أيَّام الحجِّ، وخفي عليهما ما كان من توقيف رسول الله ﷺ النَّاس من بعده، على أنَّ هذه الأيَّام ليست بداخلةٍ فيما أباح الله صومه من ذلك. انتهى. فليُتأمَّل، والعجب من العينيِّ في (٢) كونه لم ينبِّه على ذلك ولم يعرِّج عليه كغيره من الشُّرَّاح، مع كثرة تعقُّبه على الحافظ في كثيرٍ من الواضحات، نعم تعقَّبه في قوله: ووقع في رواية يحيى بن سلَّامٍ عن شعبة عند الدَّارقُطنيِّ والطَّحاويِّ بأنَّ لفظ الحديث للدَّارقطنيِّ لا لفظ (٣) الطَّحاويِّ.
стр. 4421
١٩٩٩ - وبه (١) قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: الصِّيَامُ) ثلاثة أيَّامٍ (لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ) عند فقد الهدي ينتهي (إِلَى يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) وللحَمُّويي -كما في «الفتح» -: «فمن لم يجد» (هَدْيًا وَلَمْ يَصُمْ) حتَّى دخل يوم عرفة (صَامَ أَيَّامَ مِنًى) وهي أيَّام التَّشريق كما مرَّ (وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (مِثْلَهُ) أي: مثل ما روى ابن شهابٍ عن سالمٍ عن أبيه (٢) عبد الله بن عمر.
(تَابَعَهُ) ولابن عساكر: «وتابعه» أي: وتابع مالكًا (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريُّ المدنيُّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجَّةٌ، تُكلِّم فيه بلا قادحٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، وهذا ممَّا وصله إمامنا الشَّافعيُّ فقال: أخبرنا إبراهيم بن سعدٍ عن ابن شهابٍ عن عروة عن عائشة في: «المتمتِّع إذا لم يجد هديًا ولم يصم (٣) قبل عرفة فليصم أيَّام منًى»، وعن سالمٍ عن أبيه مثله، ووصله الطَّحاويُّ من وجهٍ آخر عن ابن شهابٍ عن عروة عن عائشة وعن سالمٍ عن أبيه: «أنَّهما كانا يرخِّصان للمتمتِّع إذا لم يجد هديًا ولم يكن صام قبل عرفة أن يصوم أيَّام (٤) التَّشريق»، وأخرجه ابن أبي شيبة من حديث الزُّهريِّ عن عروة عن عائشة، وعن سالمٍ عن ابن عمر نحوه، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذا يرجِّح كونه موقوفًا لنسبة التَّرخيص إليهما، فإنَّه يقوِّي أحد الاحتمالين في رواية عبد الله بن عيسى حيث قال: لم يُرخَّص، وأبهم الفاعل فيحتمل الوقف والرَّفع -كما صرَّح به يحيى بن سلَّامٍ- لكنَّه ضعيفٌ، وتصريح إبراهيم بن سعدٍ -وهو من الحفَّاظ- بنسبة ذلك إلى ابن (٥) عمر وعائشة أرجح، ويقوِّيه رواية مالكٍ، وهو من حفَّاظ أصحاب الزُّهريِّ، فإنَّه مجزومٌ عنه بكونه موقوفًا. انتهى. وسقط في رواية ابن عساكر قوله: «عن ابن شهابٍ».
стр. 4422
(٦٩) (بابُ) حكم (صِيَامِ (١) يَوْمِ عَاشُورَاءَ) قال في «القاموس»: العَاشوراء والعَشُوراء -ويُقصَران- والعاشورُ: عاشرُ المُحرَّم، أو تاسعُه. انتهى. والأوَّل: هو قول الخليل، والاشتقاق يدلُّ عليه، وهو مذهب جمهور العلماء من الصَّحابة والتَّابعين ومن بعدهم، وذهب ابن عبَّاسٍ ﵄ إلى الثَّاني، وفي «المُصنَّف»: عن الضَّحَّاك: عاشوراء يوم التَّاسع، قيل: لأنَّه مأخوذٌ من العِشر -بالكسر- في أوراد الإبل، تقول العرب: وردت الإبل عِشْرًا إذا وردت اليوم التَّاسع؛ وذلك لأنَّهم يحسبون في الإظماء يوم الوِرْد، فإذا قامت في الرَّعي يومين ثمَّ وردت في الثَّالث قالوا: وردت رِبْعًا، وإن رعت ثلاثًا وفي الرَّابع وردت قالوا: وردت خِمْسًا لأنَّهم حسبوا في كلِّ هذا بقيَّة اليوم الذي وردت فيه قبل الرَّعي، وأوَّل اليوم الذي تَرِدُ فيه بعده، وعلى هذا القول يكون التَّاسع عاشوراء، وهذا كقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] على القول بأنَّها شهران وعشرة أيَّامٍ.
٢٠٠٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) النَّبيل الضَّحَّاك بن مخلدٍ (عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ) بضمِّ العين ابن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب (عَنْ) عمِّ أبيه (سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر (¬﵁¬) وعن أبيه أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَوْمَ عَاشُورَاءَ) بنصب «يوم» على الظَّرفيَّة: (إِنْ شَاءَ) المرءُ (صَامَ) أي: وإن شاء أفطر، وقد ساقه مختصرًا، وهو في «صحيح ابن خزيمة» عن أبي موسى عن أبي عاصمٍ بلفظ: «إنَّ اليوم يوم (٢) عاشوراء، فمن شاء فليصمه، ومن شاء فليفطره».
ورواة حديث الباب كلُّهم مدنيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف فبصريٌّ، وأخرجه مسلمٌ أيضًا في «الصَّوم».
стр. 4423
٢٠٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ الحمصيُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الحمصيُّ أيضًا (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي الوقت: «كان النَّبيُّ» (¬ ﷺ أَمَرَ بِصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ) وكان فرضه في شعبان من السَّنة الثَّانية من الهجرة (كَانَ مَنْ شَاءَ صَامَ) يوم عاشوراء (وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ) والجمع بين هذا وحديث سالمٍ السَّابق عن ابن عمر [خ¦٢٠٠٠] بالحمل على ثاني الحال.
٢٠٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) ولأبي الوقت: «أنَّ عائشة» (¬﵂ قَالَتْ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ) يحتمل أنَّهم اقتدوا في صيامه بشرعٍ سالفٍ، ولذا كانوا يعظِّمونه بكسوة البيت الحرام فيه (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُهُ) أي: عاشوراء، وزاد أبوا الوقت وذرٍّ وابن عساكر: «في الجاهليَّة» (فَلَمَّا قَدِمَ) ﵊ (المَدِينَةَ) وكان قدومه بلا ريبٍ في ربيع الأوَّل (صَامَهُ) على عادته (وَأَمَرَ) النَّاس (بِصِيَامِهِ) في أوَّل السَّنة الثَّانية (فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ) أي: صيامه في الثَّانية في شهر شعبان كما مرَّ (تَرَكَ) ﵊ (يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ) فعلى هذا لم يقع الأمر بصومه إلَّا في سنةٍ واحدةٍ، وعلى تقدير صحَّة القول بفرضيَّته فقد نُسِخ، ولم يُرْوَ عنه أنَّه ﵊ جدَّد (١) للنَّاس أمرًا بصيامه بعد فرض رمضان، بل تركهم على ما كانوا عليه من غير نهيٍ عن صيامه، فإن كان أمره ﵊ بصيامه قبل فرض صيام رمضان للوجوب فإنَّه يُبنَى على أنَّ الوجوب إذا نُسِخ هل يُنسَخ الاستحباب أم لا؟ فيه اختلافٌ مشهورٌ، وإن كان أمره
стр. 4424
للاستحباب، فيكون باقيًا على الاستحباب وهذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ.
٢٠٠٣ - به قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بن قَعْنَبٍ الحارثيُّ المدنيُّ القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) إمام الأئمَّة، ابن أنسٍ الأصبحيِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ﵄¬) واسم أبي سفيان صخرُ بن حرب ابن أميَّة الأمويُّ، وهو وأبوه من مسلمة الفتح، وقيل: أسلم هو في عمرة القضاء وكتم إسلامه، وكان أميرًا عشرين سنةً، وخليفةً عشرين سنةً، وكان يقول: أنا أوَّل الملوك (يَوْمَ عَاشُورَاءَ عَامَ حَجَّ) وكان أوَّل حجَّةٍ حجَّها بعد أن استُخلِف في سنة أربعٍ وأربعين، وآخر حجَّةٍ حجَّها سنة سبعٍ وخمسين (عَلَى المِنْبَرِ) زاد يونس عن الزُّهريِّ: بالمدينة، وقال في روايته: في قدمةٍ قَدِمَها (يَقُولُ: يَا أَهْلَ المَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟) قال النَّوويُّ: الظَّاهر: أنَّ معاوية قاله لمَّا سمع من يوجبه أو يحرِّمه أو يكرهه؛ فأراد إعلامهم بنفي الثَّلاثة. انتهى. فاستدعاؤه لهم تنبيهًا لهم على الحكم، أو استعانةً بما عندهم على ما عنده (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ صِيَامُهُ) بضمِّ أوَّل «يُكتَب» وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، و «صيامُه»: رفعُ نائبٍ عن الفاعل، ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «ولم يكتب الله عليكم صيامه» نُصِب على المفعوليَّة، وهذا من كلام الشَّارع ﵊ -كما عند النَّسائيِّ- واستدلَّ به الشَّافعيَّة والحنابلة: على أنَّه لم يكن فرضًا قطُّ ولا نُسِخ برمضان، وتُعقِّب بأنَّ معاوية من مسلمة الفتح؛ فإن كان سمع هذا بعد إسلامه فإنَّما يكون سمعه (١) سنة تسعٍ أو عشرٍ، فيكون ذلك بعد نسخه بإيجاب رمضان، ويكون المعنى: لم يُفرَض بعد إيجاب رمضان جمعًا بينه وبين الأدلَّة الصَّريحة (٢) في وجوبه، وإن كان سمعه قبله فيجوز كونه قبل افتراضه، ونُسِخ عاشوراء برمضان في
стр. 4425
«الصَّحيحين» عن عائشة [خ¦١٥٩٢] وكون لفظ: «أَمَرَ» في قوله: «وَأَمَرَ بصيامه» [خ¦١٨٩٢] مشتركًا بين الصِّيغة الطَّالبة ندبًا وإيجابًا (١) ممنوعٌ، ولو سُلِّم فقوله: -فلمَّا فُرِض رمضان قال: من … إلى آخره- دليلٌ على أنَّه مستعملٌ هنا (٢) في الصِّيغة الموجبة للقطع بأنَّ التَّخيير ليس باعتبار النَّدب لأنَّه مندوبٌ إلى الآن فكان باعتبار الوجوب (وَأَنَا صَائِمٌ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ) ولابن عساكر في نسخةٍ: «فليصمه» بضمير المفعول (وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ) بحذف ضمير المفعول.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا النَّسائيُّ.
٢٠٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) عبد الله بن عمرٍو المنقريُّ المُقعَد قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) ابن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ) فأقام إلى يوم عاشوراء من السَّنة الثَّانية (فَرَأَى اليَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ) ﵊ لهم: (مَا هَذَا) الصَّوم؟ (قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ) وعند ابن عساكر تكرير: «هذا يومٌ صالحٌ» -مرَّتين- (هَذَا يَوْمُ نَجَّى اللهُ) «يومُ»: بغير تنوينٍ في الفرع (٣) مصحح عليه، وفي غيره (٤) مُنوَّنًا (بَنِي إِسْرَائِيلَ) ولـ «مسلمٍ»: موسى وقومه (مِنْ عَدُوِّهِمْ) فرعون حيث أُغرِق في اليمِّ (فَصَامَه مُوسَى) زاد مسلمٌ في روايته: شكرًا لله تعالى فنحن نصومه، وعند المصنِّف في «الهجرة» [خ¦٣٩٤٣] ونحن نصومه تعظيمًا له، وزاد أحمد من حديث أبي هريرة ﵁: وهو اليوم الذي استوت فيه السَّفينة على الجوديِّ، فصامه نوحٌ شكرًا (قَالَ) النبي ﷺ : (فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ، فَصَامَهُ) كما كان يصومه قبل ذلك
стр. 4426
(وَأَمَرَ) النَّاس (بِصِيَامِهِ) فيه دليلٌ لمن قال: كان قبل النَّسخ واجبًا، لكن أجاب أصحابنا: بحمل الأمر هنا على تأكُّد (١) الاستحباب، وليس صيامه ﵊ له تصديقًا لليهود بمجرَّد قولهم، بل كان يصومه قبل ذلك كما وقع التَّصريح به في حديث عائشة [خ¦٣٨٣١] وجوَّز المازريُّ نزول الوحي على وَفْقِ قولهم، أو تواتر عنده الخبر، أو صامه باجتهاده، أو أخبره من أسلم منهم كابن سلامٍ، والأحقِّيَّة باعتبار الاشتراك في الرِّسالة والأخوَّة في الدِّين والقرابة الظَّاهرة دونهم، ولأنَّه ﵊ أطوع وأتبع للحقِّ منهم.
ورواة هذا الحديث: الثَّلاثةُ الأُوَل بصريُّون، والثَّلاثة الأُخَر كوفيُّون، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٩٧]، ومسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ في «الصَّوم».
٢٠٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة اللَّيثيُّ (عَنْ أَبِي عُمَيْسٍ) بضمِّ العين المهملة وفتح الميم آخره سينٌ مهملةٌ، واسمه عُتْبة -بضمِّ المهملة وسكون الفوقيَّة- ابن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعودٍ الهذليِّ المسعوديِّ الكوفيِّ (عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ) الجَدليِّ -بفتح الجيم- العدوانيِّ الكوفيِّ، ثقةٌ رُمِي بالإرجاء (عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) البجليِّ الأحمسيِّ الكوفيِّ الصَّحابيِّ، قال أبو داود: رأى النَّبيَّ ﷺ ولم يسمع منه (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ (¬﵁ قَالَ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَعُدُّهُ اليَهُودُ) أهل خيبر (عِيدًا) تعظيمًا له، والعيد لا يُصام (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَصُومُوهُ أَنْتُمْ) مخالفةً لهم، فالباعث على الصِّيام في هذا غير الباعث في حديث ابن عبَّاسٍ السَّابق [خ¦٢٠٠٤] إذ هو باعثٌ على موافقته (٢) يهود المدينة على السَّبب-وهو شكر الله تعالى على نجاة موسى- مع موافقة عادته أو الوحي كما مرَّ تقريره، ويحتمل أن يكون من تعظيمه عند يهود خيبر في
стр. 4427
شرعهم صومه، وقد وقع التَّصريح بذلك عند مسلمٍ من وجهٍ آخر عن قيس بن مسلمٍ قال: «كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتَّخذونه عيدًا».
وحديث الباب أخرجه المؤلِّف في «باب إتيان اليهود للنَّبيِّ ﷺ » [خ¦٣٩٤٢]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ في «الصَّوم» (١).
٢٠٠٦ - وبه قال (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بضمِّ العين مُصغَّرًا أبو محمَّدٍ (٢) العبسيُّ مولاهم الكوفيُّ (عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ) من الزِّيادة المكِّيَّ مولى آل قارظ (٣) بن شيبة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَحَرَّى) أي: يقصد (صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ) وصيام شهرٍ فضَّله على غيره-بتشديد الضَّاد المعجمة- جملةٌ في موضع جرِّ صفةٍ لـ «يومٍ» (إِلَّا هَذَا اليَوْمَ؛ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَهَذَا الشَّهْرَ) عُطِف على قوله: «هذا اليوم» وهو (٤) من اللَّفِّ التَّقديريِّ لأنَّ المعطوف لم يدخل في لفظ المستثنى منه إلَّا بتقدير: وصيام شهرٍ فضَّله على غيره -كما مرَّ- أو يعتبر في الشَّهر أيَّامه يومًا فيومًا موصوفًا بهذا الوصف؛ وحينئذٍ فلا يحتاج إلى تقدير: وصيام شهر (يَعْنِي: شَهْرَ رَمَضَانَ) هو من قول الرَّاوي، وهذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ.
٢٠٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن بشيرٍ الحنظليُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيدٍ)
стр. 4428
الأسلميُّ مولى سلمة بن الأكوع، وسقط لغير أبي ذرٍّ لفظ «ابن أبي عُبَيدٍ» (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) هو ابن عمرو بن الأكوع، واسمُ الأكوع سنانُ بن عبد الله (¬﵁ قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ) هو هند بن أسماء بن حارثة الأسلميَّ (أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ: أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ) أي: فليمسكْ (بَقِيَّةَ يَوْمِهِ) حرمةً لليوم (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ، فَإِنَّ اليَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ) استدلَّ به على أنَّ من تعيَّن عليه صوم يومٍ ولم ينوه ليلًا أنَّه (١) يجزئه بنيَّته نهارًا، وهذا بناءً على أنَّ عاشوراء كان واجبًا، وقد منعه ابن الجوزيِّ بحديث معاوية: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هذا يوم عاشوراء لم يُفرَض علينا صيامه، فمن شاء منكم أن يصوم فليصم»، قال: وبدليل أنَّه لم يأمر من أكل بالقضاء، وقد سبق البحث في ذلك عند ذكر حديث الباب في «باب إذا نوى بالنَّهار صومًا» [خ¦١٩٢٤] في أثناء «كتاب الصِّيام» (٢).
وهذا الحديث هو السَّادس (٣) من ثلاثيَّات المؤلِّف ﵀، ويُستَحَبُّ صوم تاسوعاء أيضًا لقوله ﵊ المرويِّ في «مسلمٍ»: «لئن عشت إلى قابلٍ لأصومنَّ التَّاسع»، فإن لم يصم التَّاسع مع العاشر استُحِبَّ له (٤) صوم الحادي عشر، ونصَّ الشَّافعيُّ في «الأمِّ» و «الإملاء» على استحباب صوم الثَّلاثة، ونقله عنه الشَّيخ أبو حامدٍ وغيره، ويدلُّ له حديث أحمد: «صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود، وصوموا قبله يومًا وبعده يومًا»، وكذا يُستحَبُّ صوم يوم عرفة لغير الحاجِّ؛ وهو تاسع الحجَّة لأنَّه ﷺ سُئِل عنه، فقال: «يكفِّر السَّنة الماضية والمستقبلة» رواه مسلمٌ، «وتسع ذي الحجَّة» رواه أبو داود، والأشهر الحرم؛ وهي: ذو القعدة وذو الحجَّة والمُحرَّم ورجبٌ لقوله ﷺ لمن تغيَّرت هيئته من الصَّوم: «لِمَ عذَّبت
стр. 4429
نفسك؟! صم شهر الصَّبر (١) ويومًا من كلِّ شهرٍ»، قال: زدني، قال: «صم يومين»، قال: زدني، قال: «صم ثلاثة أيَّامٍ»، قال: زدني، قال: «صم من الحُرُم (٢) واترك» ثلاث مرَّاتٍ، وقال: بأصابعه الثَّلاثة (٣). رواه أبو داود وغيره، قال في «شرح المُهذَّب»: وإنَّما أمره بالتَّرك لأنَّه كان يشقُّ عليه إكثار الصَّوم، فأمَّا من لا يشقُّ عليه فصوم جميعها فضيلةٌ، وأفضلها المُحرَّم، قال ﷺ : «أفضل الصِّيام بعد رمضان شهر الله المُحرَّم» رواه مسلمٌ، وقال الحنابلة: يُكرَه إفراد رجبٍ بالصَّوم، قال في «الإنصاف»: وهو المذهب، وعليه الأصحاب وقطع به كثيرٌ منهم، وهو من مفردات المذهب، قال: وحكى الشَّيخ تقيُّ الدِّين في تحريم إفراده وجهين، قال في «الفروع»: ولعلَّه أخذه من كراهة أحمد، وتزول الكراهة عندهم بالفطر من رجبٍ ولو يومًا، أو بصوم شهرٍ آخر من السَّنة، قال المجد: وإن لم يَلِهِ. انتهى. وكذا يُستحَبُّ صوم ستَّةٍ من شوَّالٍ لقوله ﵊: «من صام رمضان وأتبعه ستًّا من شوالٍ كان كصيام الدَّهر» رواه مسلمٌ، والأفضل: تتابعها وكونها متَّصلةً بالعيد مبادرةً للعبادة، وكره مالكٌ صيامها، قال في «المُوطَّأ»: لم أر أحدًا من أهل الفقه والعلم صامها، ولم يبلغني ذلك عن أحدٍ من السَّلف، وإنَّ أهل العلم يكرهون ذلك مخافة بدعته وأن يُلحِق أهل الجهالة والجفاء برمضان ما ليس منه، قال في «المقدِّمات»: وأمَّا الرَّجل في خاصَّة نفسه فلا يكره له صيامها، ونحوه في «النَّوادر»، وكذا يُستحَبُّ صوم يومٍ لا يجد في بيته ما يأكله لحديث عائشة قالت: دخل عليَّ النَّبيُّ ﷺ ذات يومٍ، فقال: «هل عندكم شيءٌ؟» قلنا: لا، قال: «إنِّي إذًا صائمٌ» رواه مسلمٌ، والنَّفل من الصَّوم غير محصورٍ، والاستكثار منه مطلوبٌ، والمكروه منه صومُ المريض والمسافر والحامل والمرضع والشَّيخ الكبير إذا خافوا منه المشقَّة
стр. 4430
الشَّديدة، وقد ينتهي ذلك إلى التَّحريم، وصوم يوم عرفة بها للحاجِّ، لكنَّ الصَّحيح أنَّه خلاف الأَولى لا مكروهٌ، ويُستَحَبُّ فطره له (١)، سواءٌ أضعفه الصَّوم عن العبادة أم لا، وقال المتولِّي: إن كان ممَّن لا يضعف بالصَّوم عن ذلك فالصَّوم أَولى له، وإلَّا فالفطر، ويُكره أيضًا التَّطوُّع بالصَّوم، وعليه قضاء صوم يومٍ (٢) من رمضان، وهذا إذا لم يتضيَّق وقته، وإلَّا حَرُم التَّطوُّع، وإفراد يوم الجمعة أو السَّبت، وصوم الدَّهر لمن خاف ضررًا أو فوت حقٍّ، ويحرم صوم العيدين وأيَّام التَّشريق، وصوم الحائض والنُّفساء للإجماع، وصوم يوم الشَّكِّ، وصوم النِّصف الأخير من شعبان إذا لم يصله (٣) بما قبله على المختار، وصحَّحه في «المجموع» وغيره لحديث: «إذا انتصف شعبان فلا صيام حتَّى يكون (٤) رمضان» رواه التِّرمذيُّ وقال: حسنٌ صحيحٌ، إلَّا لقضاءٍ أو موافقة نذرٍ أو عادةٍ، فلا يحرم، بل يصحُّ مسارعةً لبراءة الذِّمَّة ولأنَّ له سببًا، فجاز كنظيره من الصَّلاة في الأوقات المكروهة، ولا يجوز للمرأة أن تصوم نفلًا وزوجها حاضرٌ إلَّا بإذنه، لكنَّ صومها حينئذٍ صحيحٌ لأنَّ تحريمه لا لمعنًى يعود إلى الصَّوم، فهو كالصَّلاة في أرضٍ مغصوبةٍ.
وهذا آخر «كتاب الصَّوم»، وكان الفراغ منه يوم الإثنين ثالث عشر من جمادى الآخرة سنة سبعٍ وتسع مئةٍ، واللهَ أسأل أن يمنَّ بإتمامه وينفع به ويجعله خالصًا لوجهه الكريم، وحسبي الله ونعم الوكيل (٥).
стр. 4431
((٣١)) (بسم الله الرحمن الرحيم. كِتَابُ صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ) أي: في ليالي رمضان، جمع: ترويحةٍ؛ وهي المرَّة الواحدة من الرَّاحة، وهي في الأصل: اسمٌ للجلسة، وسُمِّيت الصَّلاة في الجماعة في ليالي رمضان: التَّراويح لأنَّهم كانوا أوَّل ما اجتمعوا عليها يستريحون بين كلِّ تسليمتين، وسقطت البسملة وما بعدها في رواية غير المُستملي-كما نبَّه عليه الحافظ ابن حجرٍ- وهو على هامش الفرع كأصله، ومرقومٌ عليه علامة السُّقوط لابن عساكر، والله أعلم (١).
(١) (بابُ فَضْلِ مَنْ قَامَ) في ليالي (رَمَضَانَ) مصلِّيًا ما يحصل به مُطلَق القيام.
٢٠٠٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو ابن عبد الله بن بكيرٍ المخزوميُّ مولاهم المصريُّ، ونسبه إلى جدِّه لشهرته به، ثقةٌ في اللَّيث، وتكلَّموا في سماعه من مالكٍ، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف ابن خالد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريُّ المدنيُّ، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ لِرَمَضَانَ) أي: لفضل رمضان أو لأجله، أو اللَّام بمعنى «عن» أي: يقول عن رمضان نحو:
стр. 4432
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأحقاف: ١١] أو بمعنى: «في» نحو (١): ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] أي: يقول في رمضان: (مَنْ قَامَهُ) بصلاة التَّراويح أو بالطَّاعة في لياليه، حال كون قيامه (إِيمَانًا) أي: تصديقًا بأنَّه حقٌّ، معتقدًا فضيلته (٢) (وَ) حال كونه (احْتِسَابًا) طلبًا للآخرة، (٣) لا لقصد رياءٍ ونحوه (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) من الصَّغائر لا الكبائر كما قطع به إمام الحرمين، وقطع ابن المنذر بأنَّه يتناولهما (٤)، والمعروف: الأوَّل، وهو مذهب أهل السُّنَّة، وزاد النَّسائيُّ في «السُّنن الكبرى» من طريق قتيبة بن سعيدٍ: «وما تأخَّر» وقد تابع قتيبةَ على هذه الزِّيادة جماعةٌ، واستُشكِل بأنَّ المغفرة تستدعي سبق ذنبٍ، والمتأخِّر من الذُّنوب لم يأت بعدُ فكيف يُغفَر؟ وأُجيب بأنَّ ذنوبهم تقع مغفورةً، وقيل: هو كنايةٌ عن حفظ الله إيَّاهم في المستقبل كما قيل في قوله ﵊ في أهل بدرٍ [خ¦٣٠٠٧]: «إنَّ الله اطَّلع عليهم فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم»، وعُورِض الأخير بورود النَّقل بخلافه، فقد شهد مسطحٌ بدرًا ووقع منه ما وقع في حقِّ عائشة ﵂ كما في «الصَّحيح» [خ¦٢٦٦١] وقصَّة نعيمان أيضًا مشهورةٌ [خ¦٢٣١٦].
стр. 4433
٢٠٠٩ - ٢٠١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ (١) بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ القرشيِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَنْ قَامَ رَمَضَانَ) جميع لياليه أو بعضها عند عجزه، ونيَّته القيام لولا المانع، حال كون قيامه (إِيمَانًا وَ) حال كونه (احْتِسَابًا) أي: مؤمنًا محتسبًا بأن يكون مصدِّقًا به، راغبًا في ثوابه، طيِّب النَّفس به، غير مستثقلٍ لقيامه ولا مستطيلٍ له (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) الصَّغائر، فإنَّ الكبائر لا يكفِّرها غير التَّوبة (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ: (فَتُوُفِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ) أي: على ترك الجماعة في التَّراويح، ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ -كما في «الفتح» -: «والنَّاس على ذلك» (ثُمَّ كَانَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ) أيضًا (فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ ﵄¬).
(وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ بالإسناد السَّابق (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ القَارِيِّ) بتنوين: «عبدٍ»، و «القاريِّ»: بتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة؛ نسبةً إلى القارة (٢) بن ديش (٣) بن محلِّم بن غالبٍ المدنيِّ، وكان عامل عمر على بيت مال المسلمين (أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ إِلَى المَسْجِدِ) النَّبويِّ (فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ) بفتح الهمزة وسكون الواو بعدها زايٌ وبعد الألف عينٌ مُهملةٌ: جماعاتٌ متفرِّقون، لا واحد له من لفظه، فقوله: «متفرِّقون» في الحديث نعتٌ لـ «أوزاع» على جهة التَّأكيد اللَّفظيِّ؛ مثل: ﴿نَفْخَةٌ (٤) وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣] لأنَّ الأوزاع: الجماعاتُ المتفرِّقة، وقال ابن فارسٍ: الجماعات، وكذا في «القاموس» و «الصِّحاح»: لم يقولوا: متفرِّقون، فعلى هذا يكون النَّعت للتَّخصيص، أراد: أنَّهم كانوا يتنفَّلون في المسجد بعد صلاة العشاء متفرِّقين (يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ) ما بين الثَّلاثة إلى العشرة، وهذا بيانٌ لما أجمل في قوله: «فإذا النَّاس أوزاعٌ متفرِّقون» (فَقَالَ عُمَرُ) ﵁: (إِنِّي أَرَى) من الرَّأي (لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلَاءِ) الذين يصلُّون (عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ) ذلك (أَمْثَلَ) أي: أفضل من تفرُّقهم لأنَّه أنشط لكثيرٍ من المصلِّين، واستنبط
стр. 4434
ذلك من تقرير (١) النَّبيِّ ﷺ من صلَّى معه في تلك اللَّيالي، وإن كان كرهه لهم فإنَّما كرهه خشية افتراضه عليهم (ثُمَّ عَزَمَ) عمر على ذلك (فَجَمَعَهُمْ) سنة أربع عشرة من الهجرة (عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) يصلِّي بهم إمامًا لكونه أقرأهم، وقد قال ﵊: «يؤمُّهم أقرؤهم لكتاب الله»، وعند سعيد بن منصور من طريق عروة: أنَّ عمر جمع النَّاس على أبيِّ بن كعبٍ، فكان يصلِّي بالرِّجال، وكان تميمٌ الدَّاريُّ يصلِّي بالنِّساء، وعند البيهقيِّ: وعلى النِّساء سليمان بن أبي حَثْمة، وهو محمولٌ على التَّعدُّد، قال عبد الرَّحمن بن عبدٍ: (ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ) أي: مع عمر (لَيْلَةً أُخْرَى، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ) إمامهم، فيه إشعارٌ بأنَّ عمر كان لا يواظب على (٢) الصَّلاة معهم، ولعلَّه كان يرى أنَّ فعلها في بيته -ولا سيَّما في آخر اللَّيل- أفضل (قَالَ عُمَرُ) لمَّا رآهم: (نِعْمَ البِدْعَةُ هَذِهِ) سمَّاها بدعةً لأنَّه ﷺ لم يسنَّ لهم الاجتماع لها، ولا كانت في زمن الصِّدِّيق، ولا أوَّل اللَّيل، ولا كلَّ ليلةٍ، ولا هذا العدد، وهي خمسةٌ: واجبةٌ، ومندوبةٌ، ومُحرَّمةٌ، ومكروهةٌ، ومباحةٌ، وحديث: «كلُّ بدعةٍ ضلالةٌ» من العامِّ المخصوص، وقد رغب فيها عمر بقوله: «نِعْمَ البدعة»، وهي كلمةٌ تجمع المحاسن كلَّها، كما أنَّ «بئس» تجمع المساوئ كلَّها، وقيام رمضان ليس بدعةً لأنَّه ﷺ قال: «اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكرٍ وعمر»، وإذا أجمع (٣) الصَّحابة مع عمر على ذلك زال عنه اسم البدعة.
(وَ) الفرقة (الَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا) أي (٤): عن صلاة التَّراويح (أَفْضَلُ مِنَ) الفرقة (الَّتِي يَقُومُونَ؛ يُرِيدُ: آخِرَ اللَّيْلِ) هذا تصريحٌ منه بأفضليَّة صلاتها في أوَّل اللَّيل على آخره، لكن
стр. 4435
ليس فيه أنَّ فعلها فرادى أفضل من التَّجميع (وَكَانَ النَّاسُ يَقُوسمُونَ أَوَّلَهُ) ولم يذكر في هذا الحديث عدد الرَّكعات التي كان يصلِّي بها أبيٌّ، والمعروف -وهو الذي عليه الجمهور-: أنَّها عشرون ركعةً بعشر تسليماتٍ، وذلك خمس ترويحاتٍ، كلُّ ترويحةٍ أربع ركعاتٍ بتسليمتين، غير الوتر؛ وهو ثلاث ركعاتٍ، وفي «سنن البيهقيِّ» بإسنادٍ صحيحٍ -كما قال ابن العراقيِّ في «شرح التَّقريب» - عن السَّائب بن يزيد ﵁ قال: كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطَّاب ﵁ في شهر رمضان بعشرين ركعةً، وروى مالكٌ في «المُوطَّأ» عن يزيد بن رومان قال: كان النَّاس يقومون في زمن عمر ﵁ بثلاثٍ وعشرين، وفي روايةٍ: بإحدى عشرة (١)، وجمع البيهقيُّ بينها (٢)؛ بأنَّهم كانوا يقومون بإحدى عشرة، ثمَّ قاموا بعشرين وأوتروا بثلاثٍ، وقد عدُّوا ما وقع في زمن عمر ﵁ كالإجماع، وفي «مُصنَّف ابن أبي شيبة» و «سنن البيهقيِّ» عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: كان النَّبيُّ ﷺ يصلِّي في رمضان في غير جماعةٍ بعشرين ركعةً والوتر، لكن ضعَّفه البيهقيُّ وغيره برواية أبي شيبة جدِّ ابن أبي شيبة، وأمَّا قول عائشة الآتي في هذا الباب -إن شاء الله تعالى-[خ¦٢٠١٣] «ما كان -أي: النَّبيُّ ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعةً» فحمله أصحابنا على الوتر، قال الحليميُّ والسِّرُّ في: كونها عشرين أنَّ الرَّواتب في غير رمضان عشر ركعاتٍ، فضُوعِفت لأنَّه وقت جدٍّ وتشميرٍ، وفهم ممَّا سبق من أنَّها بعشر تسليماتٍ أنَّه لو صلَّاها أربعًا أربعًا (٣) بتسليمةٍ لم يصحَّ، وبه صرَّح في «الرَّوضة»، لشبهها بالفرض في طلب الجماعة فلا تُغيَّر عمَّا ورد بخلاف نظيره في سنَّة الظُّهر والعصر، واختار مالكٌ ﵀: أن تصلِّى ستًّا وثلاثين ركعةً غير الوتر، وقال: إنَّ عليه العمل بالمدينة، وقد قال المالكيَّة: إنَّها (٤) كانت ثلاثًا وعشرين، ثمَّ جُعِلت تسعًا وثلاثين، أي: بالشَّفع والوتر فيهما، وذكر في «النَّوادر» عن ابن حبيبٍ: أنَّها كانت أوَّلًا إحدى عشرة ركعةً إلَّا أنَّهم كانوا يطيلون القراءة، فثَقُل عليهم ذلك، فزادوا في أعداد الرَّكعات وخفَّفوا القراءة، وكانوا يصلُّون عشرين ركعةً غير الشَّفع والوتر بقراءةٍ متوسِّطةٍ، ثمَّ خفَّفوا القراءة وجعلوا عدد ركعاتها ستًّا
стр. 4436
وثلاثين غير الشَّفع والوتر، قال: ومضى الأمر على ذلك. انتهى. وفي «مُصنَّف ابن أبي شيبة» عن داود بن قيسٍ قال: أدركت النَّاس بالمدينة في زمن عمر بن عبد العزيز وأبان بن عثمان يصلُّون ستًّا وثلاثين ركعةً ويوترون بثلاثٍ، وإنَّما فعل أهل المدينة هذا لأنَّهم أرادوا مساواة أهل مكَّة، فإنَّهم كانوا يطوفون سبعًا بين كلِّ ترويحتين، فجعل أهل المدينة مكان كلِّ سبعٍ أربعَ ركعاتٍ، وقد حكى الوليُّ بن العراقيِّ: أنَّ والده الحافظ لمَّا ولي إمامة مسجد المدينة أحيا سنَّتهم القديمة في ذلك مع مراعاة ما عليه الأكثر، فكان يصلِّي التَّراويح أوَّل اللَّيل بعشرين ركعةً على المعتاد، ثمَّ يقوم آخر اللَّيل في المسجد بستَّ عشرة ركعةً، فيختم في الجماعة في شهر رمضان ختمتين، واستمرَّ على ذلك عمل أهل المدينة، فَهُمْ عليه إلى الآن، فنسأل الله الكريم المنَّان أن يبلِّغنا صلاتها كذلك في ذاك المكان، في عافيةٍ وأمان، أستودعُه تعالى ذلك ونعمةَ الإسلام، وقد قال النَّوويُّ: قال الشَّافعيُّ والأصحاب: ولا يجوز ذلك، أي: صلاتها ستًّا وثلاثين ركعةً لغير أهل المدينة لأنَّ لأهلها شرفًا بهجرته ﷺ ، وهذا يخالفه قول الشَّافعيِّ المرويِّ عنه في «المعرفة» للبيهقيِّ: وليس في شيءٍ من هذا ضيقٌ ولا حدٌّ ينتهى إليه لأنَّه نافلةٌ، فإن أطالوا القيام وأقلُّوا السُّجود فحسنٌ، وهو (١) أحبُّ إليَّ، وإن أكثروا الرُّكوع والسُّجود فحسنٌ، وقول الحليميِّ: ومن اقتدى بأهل المدينة فقام (٢) بستٍّ وثلاثين فحسنٌ أيضًا؛ لأنَّهم إنَّما أرادوا بما صنعوا الاقتداء بأهل مكَّة في الاستكثار من الفضل، لا المنافسة كما ظنَّ بعضهم، قال: والاقتصار على عشرين مع القراءة فيها بما يقرؤه غيره في ستٍّ وثلاثين ركعةً (٣) أفضل لفضل طول القيام على كثرة الرُّكوع والسُّجود، وعن الشَّافعيِّ أيضًا -فيما رواه عنه الزَّعفرانيُّ-: رأيت النَّاس يقومون بالمدينة بتسعٍ وثلاثين، وبمكَّة بثلاثٍ وعشرين، وليس في شيءٍ من ذلك ضيقٌ. انتهى. وقال الحنابلة: التَّراويح عشرون، ولا بأس بالزِّيادة نصًّا، أي: عن الإمام أحمد.
стр. 4437
٢٠١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويس عبد الله بن عبد الله بن (١) أويسٍ الأصبحيُّ، وهو ابن أخت الإمام مالكٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الأصبحيُّ الإمام الأعظم (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ) هذا الحديث ساقه هنا مختصرًا جدًّا، فذكر كلمةً من أوَّله وشيئًا من آخره -كما ترى- وقد ساقه تامًّا في «باب تحريض النَّبيِّ ﷺ على قيام اللَّيل والنَّوافل من غير إيجابٍ» [خ¦١١٢٩] مِنْ «أبواب التَّهجُّد»، ولفظه: أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى ذات ليلةٍ في المسجد فصلَّى بصلاته ناسٌ، ثمَّ صلَّى من القابلة فكثر النَّاس، ثمَّ اجتمعوا من اللَّيلة الثَّالثة أو الرَّابعة، فلم يخرج إليهم، فلمَّا أصبح قال: «قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلَّا أنِّي خشيت أن تُفرَض عليكم»، وذلك في رمضان، وقوله: «قد رأيت الذي صنعتم» أي: من حرصكم على صلاة التَّراويح، وقوله: «وذلك في رمضان» هو من قول عائشة ﵂، واستدلَّ به على أنَّ الأفضل في قيام شهر رمضان أن يُفعَل في المسجد في جماعةٍ؛ لكونه ﷺ صلَّى معه ناسٌ في تلك اللَّيالي وأقرَّهم على ذلك، وإنَّما تركه لمعنًى قد أُمِنَ بوفاته ﷺ ؛ وهو خشية الافتراض، وبهذا قال الشَّافعيُّ وجمهور أصحابه وأبو حنيفة وأحمد وبعض المالكيَّة، وقد روى ابن أبي شيبة فعلَه عن عليٍّ وابن مسعودٍ وأبيِّ بن كعبٍ وسويد بن غفلة وغيرهم، وأمر به عمر بن الخطَّاب، واستمرَّ عليه عمل الصَّحابة ﵃ وسائر المسلمين، وصار من الشَّعائر الظَّاهرة كصلاة العيد، وذهب آخرون: إلى أنَّ فعلها فرادى في البيت أفضل لكونه ﵊ واظب على ذلك، وتُوفِّي والأمر على ذلك
стр. 4438
حتَّى مضى صدرٌ من خلافة عمر، وقد اعترف عمر ﵁ بأنَّها مفضولةٌ -كما مرَّ- وبهذا قال مالكٌ وأبو يوسف وبعض الشَّافعيَّة، وأُجيب بأنَّ ترك المواظبة على الجماعة فيها إنَّما كان لمعنًى وقد زال، وبأنَّ عمر ﵁ لم يعترف بأنَّها مفضولةٌ، وقوله: «والتي ينامون عنها أفضل» ليس فيه ترجيح الانفراد ولا ترجيح فعلها في البيت، وإنَّما فيه ترجيح آخرِ اللَّيل على أوَّله كما صرَّح به الراوي بقوله: «يريد: آخر الليل» وفرَّق بعضهم بين من يثق به (١) بانتباهه وبين من لا يثق به (٢).
٢٠١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «وحدَّثني» بواو العطف والإفراد (يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة مُصغَّرًا، المخزوميُّ المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ أوَّله وفتح ثانيه ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير بن العوَّام (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ) من حجرته إلى المسجد (لَيْلَةً) من ليالي رمضان (مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَصَلَّى فِي المَسْجِدِ، وَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ) مقتدين بها (٣)، وقوله: «فصلَّى» الأولى: بالفاء، والثَّانية: بالواو (فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا) أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى في المسجد من جوف اللَّيل (فَاجْتَمَعَ) في اللَّيلة الثَّانية (أَكْثَرُ مِنْهُمْ) برفع «أكثر» فاعل «اجتمع» (فَصَلَّوْا مَعَهُ) ﵊، ولأبي ذرٍّ: «فصلَّى فصلُّوا معه» (فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا) بذلك (فَكَثُرَ أَهْلُ المَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ) إليهم (رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَلَّى (٤) فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ) ولابن عساكر: «فصلَّى بصلاته» فأسقط لفظ «فصلَّوا» ولأبي ذرٍّ: «فصُلِّي بصلاته» بضمِّ الصَّاد مبنيًّا للمفعول، وأسقط: فصلَّوا أيضًا (فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ المَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ) أي: ضاق (حَتَّى خَرَجَ) ﵊ (لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَضَى الفَجْرَ) أي: صلاته (أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ) بوجهه الكريم (فَتَشَهَّدَ) في صدر الخطبة (ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْتَرَضَ) (٥) أي:
стр. 4439
صلاة التَّراويح في جماعةٍ (عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا) بكسر الجيم مضارع «عجزَ» بفتحها، أي: فتتركوها مع القدرة، وظاهر قوله: «خشيت أن تُفتَرض (١) عليكم» أنَّه ﵊ توقَّع ترتُّب (٢) افتراض قيام (٣) رمضان في جماعةٍ على مواظبتهم عليه، وفي ارتباط افتراض العبادة بالمواظبة عليها إشكالٌ، قال أبو العبَّاس القرطبيُّ: معناه: تظنُّونه فرضًا للمداومة، فيجب على من يظنَّه كذلك كما إذا ظنَّ المجتهد حِلَّ شيءٍ أو تحريمه وجب عليه العمل بذلك، وقيل: إنَّ النَّبيَّ ﷺ كان حكمه أنَّه إذا ثبت على شيءٍ من أعمال القُرَب واقتدى النَّاس به في ذلك العمل فُرِض عليهم ولذا قال: «خشيت أن تُفترَض (٤) عليكم». انتهى. واستبعد ذلك في «شرح التَّقريب»، وأجاب بأنَّ الظَّاهر أنَّ المانع له ﵊ أنَّ النَّاس يستحلُّون متابعته ويستعذبونها ويستسهلون الصَّعب منها، فإذا فعل أمرًا سَهُلَ عليهم فعلُه لمتابعته، فقد يوجبه الله عليهم لعدم المشقَّة عليهم فيه في ذلك الوقت، فإذا تُوفِّي ﵊ زال عنهم ذلك النَّشاط وحصل لهم الفتور فشقَّ عليهم ما كانوا استسهلوه، لا أنَّه يُفرَض عليهم ولا بدَّ كما قال القرطبيُّ، وغايته أن يصير ذلك الأمرُ مُرتَقبًا مُتوقَّعًا قد يقع وقد لا يقع، واحتمال وقوعه هو الذي منعه ﵊ من ذلك، قال: ومع هذا فالمسألة مشكلةٌ، ولم أر من كشف الغطاء في ذلك، وأجاب في «الفتح»: بأنَّ المَخُوْفَ افتراضُ قيام اللَّيل؛ بمعنى: جعلِ التَّهجُّد في المسجد جماعةً شرطًا في صحَّة التَّنفُّل في اللَّيل، ويومئ إليه قوله في حديث زيد بن ثابتٍ [خ¦٧٢٩]: «حتَّى خشيت أن يُكتَب عليكم، ولو كُتِب عليكم ما قمتم به، فصلُّوا أيُّها النَّاس في بيوتكم» فمنعهم من التَّجميع (٥) في المسجد إشفاقًا عليهم من اشتراطه، وأُمِن مع إذنه في المُواظَبة على ذلك في بيوتهم من افتراضه عليهم، قال الزُّهريُّ: (فَتُوُفِّي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ) أنَّ كلَّ أحدٍ يصلِّي قيام رمضان في بيته منفردًا، حتَّى جمع عمر ﵁ النَّاس على أبيِّ بن كعبٍ، فصلَّى بهم جماعةً، واستمرَّ العمل على ذلك.
стр. 4440
وهذا الحديث سبق في «باب من قال في الخطبة بعد الثَّناء: أما بعد» [خ¦٩٢٤] مِنْ «كتاب الجمعة».
٢٠١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ سَعِيدٍ) هو ابن أبي سعيدٍ كيسان المدنيِّ (المَقْبُرِيِّ) كان جارًا للمقبرة فنُسِب إليها، وثَّقه أحمد وابن المدينيِّ وأبو زرعة والنَّسائيُّ وغيرهم، وذكر الواقديُّ: أنَّه اختلط قبل موته بأربع سنين، ولم يُتَابع الواقديُّ على ذلك، نعم؛ قال شعبة: حدَّثناه (١) سعيدٌ بعد ما كبر، وعن يحيى بن معينٍ: أثبتُ النَّاس فيه ابن أبي ذئبٍ، وعن ابن خِرَاشٍ: أثبتُ النَّاس فيه اللَّيث بن سعدٍ، قال ابن حجرٍ: أكثر ما خرَّج له البخاريُّ من حديث هذين عنه، وأخرج له أيضًا من حديث مالكٍ وإسماعيل بن أميَّة وعبيد الله بن عمر العمريِّ وغيرهم من الكبار، وروى له الباقون، لكن لم يخرِّجوا من حديث شعبة عنه شيئًا (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ الزُّهريِّ أحد الأعلام، اختُلِف في اسمه، قال مالكٌ: اسمه كنيته (أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂: كَيْفَ كَانَتْ (٢) صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي) ليالي (رَمَضَانَ؟ فَقَالَتْ: مَا كَانَ) ﵊ (يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهَا) من ليالي غيره، ولابن عساكر وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ولا في غيره» أي: في غير رمضان (عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) وحديثها: «أنَّه ﷺ كان إذا دخل العشر يجتهد فيه (٣) ما لا يجتهد في غيره» يُحمَل على التَّطويل في الرَّكعات دون الزِّيادة في العدد، نعم في رواية هشام بن عروة عن أبيه [خ¦١١٧٠] «كان يصلِّي من (٤) اللَّيل ثلاث عشرة ركعةً»، لكن أُجيب بأنَّ منها ركعتي الفجر كما صرَّح
стр. 4441
بذلك في رواية القاسم عنها (يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ (١) عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ) أي: هنَّ في نهايةٍ من كمال الحسن والطُّول، مستغنياتٍ -لظهور حسنهنَّ وطولهنَّ- عن الوصف (ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا) قالت: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ قَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي) وإنَّما كان قلبه الشَّريف لا ينام لأنَّ القلب إذا قويت فيه الحياة لا ينام إذا نام البدن، فافهم.
وهذا الحديث قد سبق في «باب قيام النَّبيِّ ﷺ باللَّيل في رمضان وغيره» [خ¦١١٤٧] من «أبواب التَّهجُّد».
стр. 4442
(٣٢) (بسم الله الرحمن الرحيم بابُ فَضْلِ لَيْلَةِ القَدَْرِ) بفتح القاف وإسكان الدَّال، سُمِّيت بذلك لعظم قدرها، أي: ذات القدر العظيم لنزول القرآن فيها، ووصفها بأنَّها خيرٌ من ألف شهرٍ، أو لما يحصل لمُحْيِيها بالعبادة من القدر الجسيم، أو لأنَّ الأشياء تُقدَّر فيها وتُقضَى لقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] وتقدير الله تعالى سابقٌ، فهي ليلة إظهار الله تعالى ذلك التَّقدير للملائكة، ويجوز فتح الدَّال على أنَّه مصدرٌ: قدر الله الشَّيء قَدْرًا وقَدَرًا لغتان كالنَّهْر والنَّهَر، وقال سهل بن عبد الله: لأنَّ الله تعالى يقدِّر الرَّحمة فيها على عباده المؤمنين، وعن الخليل بن أحمد: لأنَّ الأرض تضيق فيها عن الملائكة من قوله: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] وقد سقطت البسملة لغير أبي ذرٍّ (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه، أي: في بيان تفسير قول الله تعالى، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «وقال الله تعالى»: (﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾) أي: القرآن (﴿فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾) بإسكان الدَّال من غير خلافٍ بين القُرَّاء، وكان إنزاله فيها جملةً واحدةً من اللَّوح المحفوظ إلى بيت العزَّة من السَّماء الدُّنيا، ثمَّ نزل مُفصَّلًا بحسب الوقائع (﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾) تفخيمٌ وتعظيمٌ بلفظ الاستفهام (﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾) أي: من ألف شهرٍ ليس فيها تلك اللَّيلة، أو العمل (١) في تلك اللَّيلة أفضل من عبادة ألف شهرٍ ليس فيها ليلة القدر، وعند ابن أبي حاتمٍ بسنده إلى مجاهدٍ مرسلًا ورواه البيهقيُّ في «سننه»: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ ذكر رجلًا
стр. 4443
من بني إسرائيل لبس السِّلاح في سبيل الله ألف شهرٍ، قال: فعجب المسلمون من ذلك، قال: فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ١ - ٣] التي لبس فيها ذلك الرَّجلُ السِّلاحَ (١) في سبيل الله ألف شهرٍ»، وعند ابن أبي حاتمٍ أيضًا بسنده إلى عليِّ بن عروة: «ذكر رسول الله ﷺ يومًا أربعةً من بني إسرائيل عبدوا الله مئتي عامٍ لم يعصوه طرفة عينٍ، فذكر أيُّوب وزكريَّا وحزقيل ويوشع بن نونٍ، فعجب أصحاب رسول الله ﷺ من ذلك، فأتاه جبريل فقال: عَجِبَتْ أمَّتك من عبادة ثمانين (٢) سنةً لم يعصوه طرفة عينٍ، فقد أنزل الله تعالى خيرًا من ذلك، فقرأ عليه: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] هذا أفضل ممَّا عجبت أمَّتك، قال: فَسَرَّ ذلك (٣) رسولَ الله ﷺ والنَّاسَ معه».
وعن مالكٍ ممَّا في «المُوطَّأ» أنَّه قال: سمعت من أثق به يقول: إنَّ رسول الله ﷺ أُرِي أعمار النَّاس قبله أو ما شاء الله من ذلك، فكأنَّه تقاصر إليه أعمار أمَّته ألَّا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله تعالى ليلة القدر وجعلها خيرًا من ألف شهرٍ، قال: وقد خصَّ الله تعالى بها هذه الأمَّة فلم تكن لمن قبلهم على الصَّحيح المشهور، وهل هي باقيةٌ أو رُفِعت؟ حكى الثَّاني المتولِّي في «التَّتمَّة» عن الرَّوافض، وحكى الفاكهانيُّ: أنَّها خاصَّةٌ بسنةٍ واحدةٍ، ووقعت في زمنه ﵊، وهل هي ممكنةٌ في جميع السَّنة -وهو قولٌ مشهورٌ عن الحنفيَّة- أو مختصَّةٌ برمضان ممكنةٌ في جميع لياليه؟ رواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر بإسنادٍ صحيحٍ، ورواه عنه أبو داود مرفوعًا، ورجَّحه السُّبكيُّ في «شرح المنهاج»، أو هي أوَّل ليلةٍ من رمضان؟ رواه أبو عاصمٍ من حديث أنسٍ، أو ليلة النِّصف منه؟ حكاه ابن الملقِّن في «شرح العمدة»، وفي قولٍ حكاه القرطبيُّ في «المفهم»: أنَّها ليلة نصف شعبان، أو هي ليلة سبع عشرة
стр. 4444
من رمضان؟ رواه ابن أبي شيبة والطَّبرانيُّ من حديث زيد بن أرقم، أو مبهمةٌ في العشر الأوسط؟ حكاه النَّوويُّ، أو ليلة ثماني عشرة؟ ذكره ابن الجوزيِّ، أو ليلة تسع عشرة؟ رواه عبد الرَّزَّاق عن عليٍّ، أو أوَّل ليلةٍ من العشر الأخير؟ وإليه مال الشَّافعيُّ، أو هي ليلة ثنتين وعشرين أو ثلاث وعشرين؟ رواه مسلمٌ، أو ليلة أربعٍ وعشرين، رواه الطَّيالسيُّ عن أبي سعيدٍ مرفوعًا، أو خمسٍ وعشرين، رواه ابن العربيِّ في «العارضة»، أو سبعٍ وعشرين؟ رواه مسلمٌ وغيره، أو تسعٍ وعشرين؟ أو ليلة الثَّلاثين؟ أو في أوتار العشر؟ أو تنتقل في العشر الأخير كلِّه؟ قاله أبو قلابة، وقيل: غير ذلك، والحكمة في إخفائها: ليحصل الاجتهاد في التماسها بخلاف ما لو عُيِّنت (١).
(﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾) أي (٢): جبريلُ، أو ضربٌ من الملائكة، أي: يكثر تنزُّلهم (﴿فِيهَا﴾) لكثرة بركتها (﴿بِإِذْنِ رَبِّهِم﴾) فلا يمرُّون بمؤمنٍ إلَّا سلَّموا عليه (﴿مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾) أي: تنزَّل من أجل كلِّ أمر قُدِّر في تلك السَّنة (﴿سَلَامٌ هِيَ﴾) أي (٣): ليس إلَّا (٤) سلامة لا يُقدَّر فيها شرٌّ وبلاءٌ، أو لا يستطيع الشَّيطان أن يعمل فيها سوءًا، أو ما (٥) هي إلَّا سلامٌ لكثرة سلام الملائكة على أهل المساجد (﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر ١ - ٥]) غايةٌ تبيِّن تعميم السَّلامة أو السَّلام كلَّ اللَّيلة إلى (٦) وقت طلوعه، ولفظ رواية أبي ذرٍّ: «مَا لَيْلَةُ القَدْرِ … » إلى آخر السُّورة، ولابن عساكر: «إلى آخره».
(قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان، ممَّا وصله محمَّد بن يحيى بن أبي عمر في «كتاب الإيمان» له: (مَا كَانَ فِي القُرْآنِ مَا) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «وما» (﴿أَدْرَاكَ﴾ فَقَدْ أَعْلَمَهُ) الله به (وَمَا قَالَ) ولابن عساكر: «وما كان» (﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ فإنَّه لَمْ يُعْلِمْهُ) اللهُ به، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «لم يُعلَم» وتُعقِّب هذا
стр. 4445
الحصر بقوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس: ٣] فإنَّها نزلت في ابن أمِّ مكتومٍ، وقد علم ﷺ بحاله، وإنَّه ممَّن تزكَّى ونفعته الذِّكرى.
٢٠١٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَفِظْنَاهُ) (١) أي: هذا الحديث (وَإِنَّمَا حَفِظَ) بكسر الهمزة، وكلمة: «إنَّ» التي أُضيفت إليها كلمة «ما» للحصر، و «حَفِظ»: بفتح الحاء وكسر الفاء على صيغة الماضي، أي: قال عليُّ بن عبد الله المدينيُّ: وإنَّما حفظ سفيان هذا الحديث (مِنَ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ، لأبي ذرٍّ: «وأَيُّما حِفْظٍ» بهمزةٍ مفتوحةٍ ومُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ (٢) مُشدَّدةٍ، و «حِفْظٍ» بكسر الحاء وسكون الفاء، مصدر «حَفِظ يحفَظ» و «أيُّ»: مرفوعٌ بالابتداء، مضافٌ إلى «حِفْظٍ»، و «ما» زائدةٌ، والخبر «حفظناه» مُقدَّرًا بعده: أي؛ وأيُّ حِفْظٍ حفظناه من الزُّهريِّ، يدلُّ عليه «حفظناه» الأوَّل، و «من الزُّهريِّ»: متعلِّقٌ بـ «حفظناه» المذكور قبلُ، والمراد: أنَّه يصف حفظه بكمال الأخذ وقوَّة الضَّبط لأنَّ إحدى (٣) معاني «أيٍّ»: الكمال كما تقول: زيدٌ رجلٌ أيُّ رجلٍ، أي: كاملٌ في صفات الرِّجال (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ) في رواية مالكٍ عن الزُّهريِّ في الباب الذي قبل هذا [خ¦٢٠٠٩] «من قام» بدل «من صام» (إِيمَانًا
стр. 4446
وَاحْتِسَابًا) أي: تصديقًا وطلبًا لرضا الله وثوابه، لا بقصد رؤية النَّاس ولا غيرهم ممَّا ينافي الإخلاص (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) من الصَّغائر، ولأحمد عن أبي هريرة مرفوعًا: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر» (وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ) زاد مسلمٌ: فيوافقها (إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) زاد النَّسائيُّ في «سننه الكبرى» في روايةٍ: «وما تأخَّر» (١)، وفي «مُسنَد أحمد» و «مُعجَم الطَّبرانيِّ (٢) الكبير» من (٣) حديث عبادة بن الصَّامت مرفوعًا: «فمن قامها إيمانًا واحتسابًا ثمَّ وُفِّقَتْ له غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر» وفيه عبد الله بن محمَّد بن عَقيلٍ، وحديثه حسنٌ، وفي «مسلمٍ» -كما مرَّ-: «من يقم ليلة القدر فيوافقها» قال النَّوويُّ: يعني: يعلم أنَّها ليلة القدر، وقال في «شرح التَّقريب»: إنَّما معنى توفيقها له أو موافقته لها: أن يكون الواقع أنَّ تلك اللَّيلة التي قامها بقصد ليلة القدر هي (٤) ليلة القدر في نفس الأمر، وإن لم يعلم هو ذلك، وما ذكره النَّوويُّ من أنَّ معنى الموافقة: العلم بأنَّها ليلة القدر مردودٌ، وليس في اللَّفظ ما يقتضي هذا ولا المعنى يساعده، وقال في «فتح الباري»: الذي يترجَّح في نظري ما قاله النَّوويُّ، ولا أنكر حصول الثَّواب الجزيل لمن قام لابتغاء ليلة القدر، وإن لم يعلم بها ولم تُوفَّق له، وإنَّما الكلام على حصول الثَّواب المُعيَّن الموعود به، فليُتأمَّل، وقد فرَّعوا على القول باشتراط العلم بها: أنَّه يختصُّ (٥) بها شخصٌ دون شخصٍ، فتُكشَف لواحدٍ ولا تُكشَف لآخر، ولو كانا معًا في بيتٍ واحدٍ.
(تَابَعَهُ) أي: تابع سفيانَ (سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ) العبديُّ في روايته (عَنِ الزُّهْرِيِّ) وهذا ممَّا (٦) وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات».
стр. 4447
(٢) (بابُ التِمَاسِ لَيْلَةِ القَدْرِ) ولابن عساكر وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «بابٌ» -بالتَّنوين- «التمسوا ليلة القدر» (فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ) من رمضان.
٢٠١٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) لم يُسَمَّ أحدٌ منهم (أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ) بضمِّ الهمزة من «أُروا» مبنيًّا للمفعول تنصب مفعولين؛ أحدهما: النَّائب عن الفاعل، والآخر: قوله: «ليلة القدر» أي: أراهم اللهُ ليلةَ القدر (فِي المَنَامِ فِي) ليالي (السَّبْعِ الأَوَاخِرِ) جمع آخِرٍ -بكسر الخاء- قال في «المصابيح»: ولا يجوز «أُخَر» لأنَّه جمعٌ لـ «أخرى» (١)، وهي لا دلالة لها على المقصود -وهو التَّأخير في الوجود- وإنَّما تقتضي المغايرة، تقول: مررت بامرأةٍ حسنةٍ وامرأةٍ أخرى مغايرةٍ لها، ويصحُّ هذا التَّركيب، سواءٌ كان المرور بهذه المرأة المغايرة سابقًا أو لاحقًا، وهذا عكس العشر الأُوَل فإنَّه يصحُّ لأنَّه جمع «أُولى»، ولا يصحُّ: الأوائل لأنَّه (٢) جمع «أوَّلٍ» الذي هو (٣) للمُذكَّر، وواحدُ العشر (٤) ليلةٌ، وهي مُؤنَّثةٌ،
стр. 4448
فلا تُوصَف بمُذَكَّرٍ، وقول الكِرمانيِّ (١): -قوله: «في السَّبع الأواخر» ليس ظرفًا للإراءة- معناه: أنَّه صفةٌ لقوله: «في المنام» أي: في المنام الواقع أو الكائن في السَّبع الأواخر، وقول الحافظ ابن حجرٍ: أي: قيل لهم في المنام: إنَّها في السَّبع الأواخر، تعقَّبه العينيُّ بأنَّه ليس بصحيحٍ لأنَّه يقتضي أنَّ ناسًا قالوا لهم: إنَّ ليلة القدر في السَّبع الأواخر، وليس هذا تفسير قوله: «أُروا ليلةَ القدر في المنام»، بل تفسيره: أنَّ ناسًا أروهم إيَّاها فرأَوا، وعلى تفسير هذا القائل أخبروا بأنَّها في السَّبع الأواخر، ولا يستلزم هذا رؤيتهم. انتهى. وظاهر الحديث: أنَّ رؤياهم كانت قبل دخول السَّبع الأواخر لقوله: فليتحرَّها في السَّبع الأواخر، ثمَّ يحتمل أنَّهم رأوا ليلة القدر وعظمتها وأنوارها ونزول الملائكة فيها، وأنَّ ذلك كان في ليلةٍ من السَّبع الأواخر، ويحتمل أنَّ قائلًا قال لهم: هي في كذا، وعيَّن ليلةً من السَّبع الأواخر ونُسِيت، أو قال: إنَّ ليلة القدر في السَّبع، فهي ثلاث احتمالاتٍ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَرَى) بفتح الهمزة والرَّاء، أي: أعلم (رُؤْيَاكُمْ) بالإفراد؛ والمراد: الجمع، أي: رؤاكم لأنَّها لم تكن رؤيا واحدةً، فهو ممَّا (٢) عاقب الإفراد فيه الجمع لأمن اللَّبس، وقول السَّفاقسيِّ: إنَّ المحدِّثين يروونه بالتَّوحيد وهو جائزٌ، وأفصحُ منه: «رؤاكم»، جمع «رؤيا» ليكون جمعًا في مقابلة جمعٍ أصحُّ (٣) فيه نظرٌ لأنَّه بإضافته إلى ضمير الجمع عُلِم منه التَّعدُّد بالضَّرورة، وإنَّما عبَّر بـ «أرى» لتجانس «رؤياكم»، ومفعول «أرى» الأوَّل: «رؤياكم»، والثَّاني قوله: (قَدْ تَوَاطَأَتْ) بالهمز، قال النَّوويُّ: ولا بدَّ من قراءته مهموزًا، قال الله تعالى: ﴿لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ﴾ [التوبة: ٣٧] وقال في «شرح التَّقريب»: ورُوِي: «تواطت» بترك الهمزة (٤)، وقال في «المصابيح»: ويجوز تركه، أي: توافقت (فِي) رؤيتها في ليالي (السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا) أي: طالبها وقاصدها (فَلْيَتَحَرَّهَا فِي) ليالي (السَّبْعِ الأَوَاخِرِ) من رمضان من غير تعيينٍ، وهي التي تلي (٥) آخره، أو السَّبع بعد العشرين، والحمل على هذا أولى لتناوله إحدى وعشرين، وثلاثًا وعشرين؛ بخلاف الحمل على الأوَّل فإنَّهما لا يدخلان، ولا تدخل ليلة التَّاسع والعشرين على الثَّاني، وتدخل على الأوَّل، وفي حديث
стр. 4449
عليٍّ مرفوعًا عند أحمد: «فلا تُغْلَبوا في السَّبع البواقي»، ولمسلمٍ من طريق عقبة (١) بن حُرَيثٍ عن ابن عمر (٢): «التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضَعُفَ أحدُكم أو عجز فلا يُغلَبنَّ على السَّبع البواقي» وهذا السِّياق يرجِّح الاحتمال الأوَّل من تفسير السَّبع، وظاهر الحديث: أنَّ طلبها في السَّبع مُستَنَده الرُّؤيا، وهو مشكلٌ لأنَّه إن كان المعنى: أنَّه قيل لكلِّ واحدٍ: هي في السَّبع فشرط التَّحمُّل التَّمييز، وهم كانوا نيامًا، وإن كان معناه: أنَّ كلَّ واحدٍ رأى الحوادث التي تكون فيها في (٣) منامه في السَّبع فلا يلزم منه أن تكون في السَّبع كما لو رُؤِيت حوادث القيامة في المنام في ليلةٍ فإنَّه لا تكون تلك اللَّيلة محلًّا لقيامها، وأجيب بأنَّ الاستناد (٤) إلى الرُّؤيا إنَّما هو من حيث الاستدلال بها على أمرٍ وجوديٍّ غير مخالفٍ لقاعدة الاستدلال، والحاصل: أنَّ الاستناد إلى الرُّؤيا هنا في أمرٍ ثبت استحبابه مطلقًا؛ وهو طلب ليلة القدر، وإنَّما تُرجَّح السَّبع الأواخر لسبب (٥) المَرَائي (٦) الدَّالَّة على كونها في السَّبع الأواخر، وهو استدلالٌ على أمرٍ وجوديٍّ لزمه استحبابٌ شرعيٌّ مخصوصٌ بالتَّأكيد بالنِّسبة إلى هذه اللَّيالي، لا أنَّها ثبت بها حكمٌ، أو أنَّ الاستناد إلى الرُّؤيا إنَّما هو من حيث إقراره ﷺ لها كأحد ما قيل في رؤيا الأذان.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الصَّوم»، والنَّسائيُّ في «الرُّؤيا».
стр. 4450
٢٠١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثني» بواو العطف والتَّوحيد (مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء وتخفيف المعجمة الزَّهرانيُّ الطُّفَاويُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الخدريَّ ﵁ (وَكَانَ لِي صَدِيقًا فَقَالَ: اعْتَكَفْنَا) لم يذكر المسؤول عنه هنا، وفي رواية عليِّ بن مباركٍ الآتية في «باب الاعتكاف» [خ¦٢٠٣٦]: سألتُ أبا سعيدٍ الخدريَّ ﵁ قلت: هل سمعتَ رسول الله ﷺ يذكر ليلةَ القدر؟ قال: نعم، اعتكفنا (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ العَشْرَ الأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ) ذكَّرَه، وكان حقُّه أن يقول: الوسطى -بالتَّأنيث- إمَّا باعتبار لفظ «العشر» من غير نظرٍ إلى مفرداته، ولفظه مُذكَّرٌ فيصحُّ وصفه بـ «الأوسط»، وإمَّا باعتبار الوقت أو الزَّمان، أي: ليالي العشر التي هي الثُّلث الأوسط من الشَّهر (فَخَرَجَ) ﷺ (صَبِيحَةَ عِشْرِينَ، فَخَطَبَنَا) بفاء التَّعقيب، وظاهر رواية مالكٍ الآتية -إن شاء الله تعالى- في «باب الاعتكاف» [خ¦٢٠٢٧]-حيث قال: «حتَّى إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهي اللَّيلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه» - يخالف ما هنا؛ إذ مقتضاه: أنَّ خطبته وقعت في أوَّل اليوم الحادي والعشرين، وعلى هذا يكون أوَّل ليالي اعتكافه الأخير ليلة اثنتين وعشرين، وهو مغايرٌ لقوله في آخر الحديث: فَبصُرَتْ عينايَ رسولَ الله ﷺ وعلى جبهته أثر الماء والطِّين من صبح يوم (١) إحدى وعشرين، فإنَّه ظاهرٌ في أنَّ الخطبة كانت في صبح اليوم العشرين، ووقوع المطر في ليلة إحدى وعشرين، وهو الموافق لبقيَّة الطُّرق، وعلى هذا: فالمراد -أي: من الصُّبح- الذي قبلها، ويكون في إضافة الصُّبح إليها تجوُّزٌ، ويؤيِّده: أنَّ في رواية الباب الذي يليه [خ¦٢٠١٨] «فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلةً تمضي، ويستقبل إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه»، وهذا في غاية الإيضاح، قاله في «فتح الباري».
(وَقَالَ) ﵊: (إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ القَدْرِ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول من الرُّؤيا، أي: أُعلِمت بها، أو من الرُّؤية؛ أي (٢): أبصرتها، وإنَّما أُرِي علامتها؛ وهو (٣) السُّجود في الماء والطِّين كما في