وَاحْتِسَابًا) أي: تصديقًا وطلبًا لرضا الله وثوابه، لا بقصد رؤية النَّاس ولا غيرهم ممَّا ينافي الإخلاص (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) من الصَّغائر، ولأحمد عن أبي هريرة مرفوعًا: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر» (وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ) زاد مسلمٌ: فيوافقها (إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) زاد النَّسائيُّ في «سننه الكبرى» في روايةٍ: «وما تأخَّر» (١)، وفي «مُسنَد أحمد» و «مُعجَم الطَّبرانيِّ (٢) الكبير» من (٣) حديث عبادة بن الصَّامت مرفوعًا: «فمن قامها إيمانًا واحتسابًا ثمَّ وُفِّقَتْ له غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر» وفيه عبد الله بن محمَّد بن عَقيلٍ، وحديثه حسنٌ، وفي «مسلمٍ» -كما مرَّ-: «من يقم ليلة القدر فيوافقها» قال النَّوويُّ: يعني: يعلم أنَّها ليلة القدر، وقال في «شرح التَّقريب»: إنَّما معنى توفيقها له أو موافقته لها: أن يكون الواقع أنَّ تلك اللَّيلة التي قامها بقصد ليلة القدر هي (٤) ليلة القدر في نفس الأمر، وإن لم يعلم هو ذلك، وما ذكره النَّوويُّ من أنَّ معنى الموافقة: العلم بأنَّها ليلة القدر مردودٌ، وليس في اللَّفظ ما يقتضي هذا ولا المعنى يساعده، وقال في «فتح الباري»: الذي يترجَّح في نظري ما قاله النَّوويُّ، ولا أنكر حصول الثَّواب الجزيل لمن قام لابتغاء ليلة القدر، وإن لم يعلم بها ولم تُوفَّق له، وإنَّما الكلام على حصول الثَّواب المُعيَّن الموعود به، فليُتأمَّل، وقد فرَّعوا على القول باشتراط العلم بها: أنَّه يختصُّ (٥) بها شخصٌ دون شخصٍ، فتُكشَف لواحدٍ ولا تُكشَف لآخر، ولو كانا معًا في بيتٍ واحدٍ.
(تَابَعَهُ) أي: تابع سفيانَ (سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ) العبديُّ في روايته (عَنِ الزُّهْرِيِّ) وهذا ممَّا (٦) وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات».
стр. 4447
(٢) (بابُ التِمَاسِ لَيْلَةِ القَدْرِ) ولابن عساكر وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «بابٌ» -بالتَّنوين- «التمسوا ليلة القدر» (فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ) من رمضان.
٢٠١٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) لم يُسَمَّ أحدٌ منهم (أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ) بضمِّ الهمزة من «أُروا» مبنيًّا للمفعول تنصب مفعولين؛ أحدهما: النَّائب عن الفاعل، والآخر: قوله: «ليلة القدر» أي: أراهم اللهُ ليلةَ القدر (فِي المَنَامِ فِي) ليالي (السَّبْعِ الأَوَاخِرِ) جمع آخِرٍ -بكسر الخاء- قال في «المصابيح»: ولا يجوز «أُخَر» لأنَّه جمعٌ لـ «أخرى» (١)، وهي لا دلالة لها على المقصود -وهو التَّأخير في الوجود- وإنَّما تقتضي المغايرة، تقول: مررت بامرأةٍ حسنةٍ وامرأةٍ أخرى مغايرةٍ لها، ويصحُّ هذا التَّركيب، سواءٌ كان المرور بهذه المرأة المغايرة سابقًا أو لاحقًا، وهذا عكس العشر الأُوَل فإنَّه يصحُّ لأنَّه جمع «أُولى»، ولا يصحُّ: الأوائل لأنَّه (٢) جمع «أوَّلٍ» الذي هو (٣) للمُذكَّر، وواحدُ العشر (٤) ليلةٌ، وهي مُؤنَّثةٌ،
стр. 4448
فلا تُوصَف بمُذَكَّرٍ، وقول الكِرمانيِّ (١): -قوله: «في السَّبع الأواخر» ليس ظرفًا للإراءة- معناه: أنَّه صفةٌ لقوله: «في المنام» أي: في المنام الواقع أو الكائن في السَّبع الأواخر، وقول الحافظ ابن حجرٍ: أي: قيل لهم في المنام: إنَّها في السَّبع الأواخر، تعقَّبه العينيُّ بأنَّه ليس بصحيحٍ لأنَّه يقتضي أنَّ ناسًا قالوا لهم: إنَّ ليلة القدر في السَّبع الأواخر، وليس هذا تفسير قوله: «أُروا ليلةَ القدر في المنام»، بل تفسيره: أنَّ ناسًا أروهم إيَّاها فرأَوا، وعلى تفسير هذا القائل أخبروا بأنَّها في السَّبع الأواخر، ولا يستلزم هذا رؤيتهم. انتهى. وظاهر الحديث: أنَّ رؤياهم كانت قبل دخول السَّبع الأواخر لقوله: فليتحرَّها في السَّبع الأواخر، ثمَّ يحتمل أنَّهم رأوا ليلة القدر وعظمتها وأنوارها ونزول الملائكة فيها، وأنَّ ذلك كان في ليلةٍ من السَّبع الأواخر، ويحتمل أنَّ قائلًا قال لهم: هي في كذا، وعيَّن ليلةً من السَّبع الأواخر ونُسِيت، أو قال: إنَّ ليلة القدر في السَّبع، فهي ثلاث احتمالاتٍ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَرَى) بفتح الهمزة والرَّاء، أي: أعلم (رُؤْيَاكُمْ) بالإفراد؛ والمراد: الجمع، أي: رؤاكم لأنَّها لم تكن رؤيا واحدةً، فهو ممَّا (٢) عاقب الإفراد فيه الجمع لأمن اللَّبس، وقول السَّفاقسيِّ: إنَّ المحدِّثين يروونه بالتَّوحيد وهو جائزٌ، وأفصحُ منه: «رؤاكم»، جمع «رؤيا» ليكون جمعًا في مقابلة جمعٍ أصحُّ (٣) فيه نظرٌ لأنَّه بإضافته إلى ضمير الجمع عُلِم منه التَّعدُّد بالضَّرورة، وإنَّما عبَّر بـ «أرى» لتجانس «رؤياكم»، ومفعول «أرى» الأوَّل: «رؤياكم»، والثَّاني قوله: (قَدْ تَوَاطَأَتْ) بالهمز، قال النَّوويُّ: ولا بدَّ من قراءته مهموزًا، قال الله تعالى: ﴿لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ﴾ [التوبة: ٣٧] وقال في «شرح التَّقريب»: ورُوِي: «تواطت» بترك الهمزة (٤)، وقال في «المصابيح»: ويجوز تركه، أي: توافقت (فِي) رؤيتها في ليالي (السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا) أي: طالبها وقاصدها (فَلْيَتَحَرَّهَا فِي) ليالي (السَّبْعِ الأَوَاخِرِ) من رمضان من غير تعيينٍ، وهي التي تلي (٥) آخره، أو السَّبع بعد العشرين، والحمل على هذا أولى لتناوله إحدى وعشرين، وثلاثًا وعشرين؛ بخلاف الحمل على الأوَّل فإنَّهما لا يدخلان، ولا تدخل ليلة التَّاسع والعشرين على الثَّاني، وتدخل على الأوَّل، وفي حديث
стр. 4449
عليٍّ مرفوعًا عند أحمد: «فلا تُغْلَبوا في السَّبع البواقي»، ولمسلمٍ من طريق عقبة (١) بن حُرَيثٍ عن ابن عمر (٢): «التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضَعُفَ أحدُكم أو عجز فلا يُغلَبنَّ على السَّبع البواقي» وهذا السِّياق يرجِّح الاحتمال الأوَّل من تفسير السَّبع، وظاهر الحديث: أنَّ طلبها في السَّبع مُستَنَده الرُّؤيا، وهو مشكلٌ لأنَّه إن كان المعنى: أنَّه قيل لكلِّ واحدٍ: هي في السَّبع فشرط التَّحمُّل التَّمييز، وهم كانوا نيامًا، وإن كان معناه: أنَّ كلَّ واحدٍ رأى الحوادث التي تكون فيها في (٣) منامه في السَّبع فلا يلزم منه أن تكون في السَّبع كما لو رُؤِيت حوادث القيامة في المنام في ليلةٍ فإنَّه لا تكون تلك اللَّيلة محلًّا لقيامها، وأجيب بأنَّ الاستناد (٤) إلى الرُّؤيا إنَّما هو من حيث الاستدلال بها على أمرٍ وجوديٍّ غير مخالفٍ لقاعدة الاستدلال، والحاصل: أنَّ الاستناد إلى الرُّؤيا هنا في أمرٍ ثبت استحبابه مطلقًا؛ وهو طلب ليلة القدر، وإنَّما تُرجَّح السَّبع الأواخر لسبب (٥) المَرَائي (٦) الدَّالَّة على كونها في السَّبع الأواخر، وهو استدلالٌ على أمرٍ وجوديٍّ لزمه استحبابٌ شرعيٌّ مخصوصٌ بالتَّأكيد بالنِّسبة إلى هذه اللَّيالي، لا أنَّها ثبت بها حكمٌ، أو أنَّ الاستناد إلى الرُّؤيا إنَّما هو من حيث إقراره ﷺ لها كأحد ما قيل في رؤيا الأذان.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الصَّوم»، والنَّسائيُّ في «الرُّؤيا».
стр. 4450
٢٠١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثني» بواو العطف والتَّوحيد (مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء وتخفيف المعجمة الزَّهرانيُّ الطُّفَاويُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الخدريَّ ﵁ (وَكَانَ لِي صَدِيقًا فَقَالَ: اعْتَكَفْنَا) لم يذكر المسؤول عنه هنا، وفي رواية عليِّ بن مباركٍ الآتية في «باب الاعتكاف» [خ¦٢٠٣٦]: سألتُ أبا سعيدٍ الخدريَّ ﵁ قلت: هل سمعتَ رسول الله ﷺ يذكر ليلةَ القدر؟ قال: نعم، اعتكفنا (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ العَشْرَ الأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ) ذكَّرَه، وكان حقُّه أن يقول: الوسطى -بالتَّأنيث- إمَّا باعتبار لفظ «العشر» من غير نظرٍ إلى مفرداته، ولفظه مُذكَّرٌ فيصحُّ وصفه بـ «الأوسط»، وإمَّا باعتبار الوقت أو الزَّمان، أي: ليالي العشر التي هي الثُّلث الأوسط من الشَّهر (فَخَرَجَ) ﷺ (صَبِيحَةَ عِشْرِينَ، فَخَطَبَنَا) بفاء التَّعقيب، وظاهر رواية مالكٍ الآتية -إن شاء الله تعالى- في «باب الاعتكاف» [خ¦٢٠٢٧]-حيث قال: «حتَّى إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهي اللَّيلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه» - يخالف ما هنا؛ إذ مقتضاه: أنَّ خطبته وقعت في أوَّل اليوم الحادي والعشرين، وعلى هذا يكون أوَّل ليالي اعتكافه الأخير ليلة اثنتين وعشرين، وهو مغايرٌ لقوله في آخر الحديث: فَبصُرَتْ عينايَ رسولَ الله ﷺ وعلى جبهته أثر الماء والطِّين من صبح يوم (١) إحدى وعشرين، فإنَّه ظاهرٌ في أنَّ الخطبة كانت في صبح اليوم العشرين، ووقوع المطر في ليلة إحدى وعشرين، وهو الموافق لبقيَّة الطُّرق، وعلى هذا: فالمراد -أي: من الصُّبح- الذي قبلها، ويكون في إضافة الصُّبح إليها تجوُّزٌ، ويؤيِّده: أنَّ في رواية الباب الذي يليه [خ¦٢٠١٨] «فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلةً تمضي، ويستقبل إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه»، وهذا في غاية الإيضاح، قاله في «فتح الباري».
(وَقَالَ) ﵊: (إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ القَدْرِ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول من الرُّؤيا، أي: أُعلِمت بها، أو من الرُّؤية؛ أي (٢): أبصرتها، وإنَّما أُرِي علامتها؛ وهو (٣) السُّجود في الماء والطِّين كما في
стр. 4451
رواية همَّامٍ عن يحيى في «باب السُّجود في الماء والطِّين» (١) من «صفة الصَّلاة» بلفظ: «حتَّى رأيت أثر الماء والطِّين على جبهة رسول الله ﷺ ، تصديقَ رؤياه» [خ¦٨١٣] (ثُمَّ أُنْسِيتُهَا) بضمِّ الهمزة أي: أنساه غيرُه إيَّاها، وكذا قوله: (أَوْ نُسِّيتُهَا) على رواية ضمِّ النُّون وتشديد السِّين، وهو الذي في «اليونينيَّة» وغيرها، وفي بعضها: بالفتح والتَّخفيف، أي: نسيها هو من غير واسطةٍ، والشَّكُّ من الرَّاوي، والمراد: أنَّه أُنسِي علم تعيينها في تلك السَّنة لا رفع وجودها؛ لأنَّه أَمَرَ بالتماسها حيث قال: (فَالتَمِسُوهَا) أي: ليلة القدر (فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي الوَتْرِ) أي: في أوتار تلك اللَّيالي، وأوَّلها: ليلة الحادي والعشرين إلى آخر ليلة التَّاسع والعشرين لا ليلة أشفاعها، وهذا لا ينافي قوله: «التمسوها في السَّبع الأواخر» لأنَّه ﷺ لم يحدِّث بميقاتها جازمًا به (وَإِنِّي رَأَيْتُ) أي (٢): في منامي (أَنِّي أَسْجُدُ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ -كما في «الفتح» -: «أن أسجد» (فِي مَاءٍ وَطِينٍ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلْيَرْجِعْ) إلى مُعتكَفه، وفيه التفاتٌ؛ إذ الأصل أن يقول: اعتكف معي (فَرَجَعْنَا) إلى معتكفنا (وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً) بفتح القاف والمعجمة، أي: قطعةً رقيقةً من السَّحاب (فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ فَمَطَرَتْ) بفتحاتٍ (حَتَّى سَالَ سَقْفُ المَسْجِدِ) من باب ذكر المحلِّ وإرادة الحالِّ، أي: قَطَرَ الماءُ من سقفه (وَكَانَ) السَّقف (مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ) سعفه الذي جُرِّد عنه خوصه (وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) صلاة الصُّبح (فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْجُدُ فِي المَاءِ وَالطِّينِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ) الشَّريفة ﷺ ، زاد في رواية همَّامٍ في «باب السُّجود على الأنف في الطَّين» [خ¦٨١٣] «تصديقَ رؤياه»، ومبحث السُّجود بأثر الطِّين قد سبق في «الصَّلاة»، وحمله الجمهور على الأثر الخفيف. والله أعلم (٣).
(٣) (بابُ تَحَرِّي لَيْلَةِ القَدْرِ فِي) ليالي (الوِتْرِ مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ) من رمضان، ومُحصَّله: تعيينها في رمضان، ثمَّ في العشر الأخير منه، ثمَّ في أوتاره، لا في ليلةٍ منه بعينها (فِيهِ) أي: في هذا الباب
стр. 4452
(عُبَادَةُ) بن الصَّامت، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «عن عبادة» وحديثه يأتي إن شاء الله تعالى في الباب اللَّاحق [خ¦٢٠٢٣].
٢٠١٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ المؤدِّب قال: (حَدَّثَنَا أَبُو سُهَيْلٍ) بضمِّ السِّين وفتح الهاء مُصغَّرًا نافعٌ عمُّ مالك بن أنس (عَنْ أَبِيهِ) مالك بن أبي عامرٍ الأصبحيِّ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: تَحَرَّوْا) بفتح المُثنَّاة والمهملة والرَّاء وإسكان الواو، من التَّحرِّي، أي: اطلبوا بالاجتهاد (لَيْلَةَ القَدْرِ فِي) ليالي (الوِتْرِ مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ).
٢٠١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ (١) بْنُ حَمْزَةَ) بن محمَّد بن حمزة بن مصعب بن الزُّبير بن العوَّام الزُّبيريُّ الأسديُّ المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي
стр. 4453
عبد العزيز، واسم أبي حازمٍ: سلمةُ بن دينارٍ (وَالدَّرَاوَرْدِيُّ) بفتح الدَّال والرَّاء الأولى وبعد الألف واوٌ مفتوحةٌ فراءٌ ساكنةٌ فدالٌ مكسورةٌ فياءٌ نسبةً إلى قريةٍ من قرى خراسان، واسمه عبد العزيز أيضًا ابن محمَّدٍ، كلاهما (عَنْ يَزِيدَ) من الزِّيادة، ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن الهادِ» وهو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهادِ اللَّيثيِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث التَّيميِّ القرشيِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁¬) أنَّه قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُجَاوِرُ) أي: يعتكف في المسجد (فِي رَمَضَانَ العَشْرَ الَّتِي فِي وَسَطِ الشَّهْرِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «التي وسط الشَّهر» فأسقط لفظة «في» (فَإِذَا كَانَ حِينَ يُمْسِي مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً تَمْضِي) بنصب «حينَ» على الظَّرفيَّة، وأعربها العينيُّ والبرماويُّ كالكِرمانيِّ: «حينُ» بالرَّفع أيضًا: اسم «كان»، والذي في «اليونينيَّة» وغيرها: الأوَّل، وقوله: «تَمضِي» بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة في موضع نصبِ صفة لقوله: «ليلةً» المنصوب على التَّمييز، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يمضين» بالمُثنَّاة التَّحتيَّة وآخره نونُ الجمعِ (وَيَسْتَقْبِلُ) ليلة (إِحْدَى وَعِشْرِينَ) عطفٌ على قوله: «يمسي»، لا على: «تمضي» (رَجَعَ) ﵊ (إِلَى مَسْكَنِهِ، وَرَجَعَ مَنْ (١) كَانَ يُجَاوِرُ مَعَهُ) إلى مساكنهم (وَأَنَّهُ) ﵊ (أَقَامَ فِي شَهْرٍ جَاوَرَ فِيهِ) في معتكفه (اللَّيْلَةَ الَّتِي كَانَ يَرْجِعُ فِيهَا) إلى مسكنه (فَخَطَبَ النَّاسَ، فَأَمَرَهُمْ مَا شَاءَ اللهُ) أن يأمرهم (ثُمَّ قَالَ: كُنْتُ أُجَاوِرُ هَذِهِ العَشْرَ) بتأنيث «هذه» (ثُمَّ قَدْ بَدَا لِي) ظهر لي بوحيٍ أو اجتهادٍ (أَنْ أُجَاوِرَ هَذِهِ العَشْرَ الأَوَاخِرَ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي) في رواية الباب السَّابق [خ¦٢٠١٦]: «فمن كان اعتكف مع رسول الله ﷺ »، والذي هنا على الأصل، وذاك من باب الالتفات؛ كما سبق (فَلْيَثْبُتْ فِي مُعْتَكَفِهِ) من الثُّبوت واللَّام ساكنةٌ، وفي روايةٍ لـ «مسلمٍ»: «فَلْيَبِتْ»، من المبيت، وفي أخرى: «فليلبث»، مِنَ اللُّبث، وهو في نسخةٍ من البخاريِّ أيضًا، وكلُّه صحيحٌ، وكاف «معتكَفه» مفتوحةٌ (وَقَدْ أُرِيتُ) بضمِّ الهمزة (هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا) بضم الهمزة (فَابْتَغُوهَا) بالمُوحَّدة والمعجمة، أي: اطلبوها (فِي) ليالي (العَشْرِ الأَوَاخِرِ وَابْتَغُوهَا) أي (٢): اطلبوها (فِي كُلِّ وِتْرٍ) من أوتار ليالي العشر الأواخر (وَقَدْ رَأَيْتُنِي) بضمِّ التَّاء للمتكلِّم، وفيه عمل الفعل في ضميري الفاعل والمفعول، وهو المتكلِّم، وهو من خصائص أفعال القلوب، أي: رأيت نفسي (أَسْجُدُ فِي
стр. 4454
مَاءٍ وَطِينٍ) علامةٌ جُعِلت له يستدلُّ بها عليها، زاد في رواية الباب السَّابق [خ¦٢٠١٦] «وما نرى في السَّماء قَزَعةً» (فَاسْتَهَلَّتِ السَّمَاءُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ) ولابن عساكر: «فاستهلَّت السَّماء تلك اللَّيلة» بإسقاط: «في» ونصب «اللَّيلةَ» (فَأَمْطَرَتْ) تأكيدٌ لسابقه لأنَّ «استهلَّت» تتضمَّن (١) معنى «أمطرت» (فَوَكَفَ المَسْجِدُ) أي: قَطَرَ ماءُ المطر من سقفه (فِي مُصَلَّى النَّبِيِّ ﷺ ¬) موضع صلاته (لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، فَبَصُرَتْ) بضمِّ الصَّاد (عَيْنِي) بالإفراد وهو تأكيدٌ (٢)، مثل قولك: أخذت بيدي، وإنَّما يُقال في أمرٍ يعزُّ الوصول إليه إظهارًا للتَّعجُّب من تلك الحالة الغريبة (نَظَرْتُ) بسكون الرَّاء وتاء المتكلِّم في الفرع وغيره، وفي نسخةٍ: «نَظَرَتْ» بفتح الرَّاء وسكون التَّاء، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فبصرت عيني رسول الله ﷺ ونظرت» بواو العطف (إِلَيْهِ انْصَرَفَ مِنَ الصُّبْحِ، وَوَجْهُهُ) أي: والحال أنَّ وجهه (مُمْتَلِئٌ (٣) طِينًا) نُصِب على التَّمييز (وَمَاءً) عطفٌ عليه.
٢٠١٩ - ٢٠٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: التَمِسُوا) بحذف المفعول، أي: ليلة القدر، وهو مُفسَّرٌ بما سيأتي -إن شاء الله تعالى- ووقع هنا مختصرًا إحالةً على الطَّريق الثَّاني، وهي قوله بالسَّند السَّابق إليه (٤):
(حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «وحدَّثني» بواو العطف، وفي نسخةٍ: «ح»: للتَّحويل: «وحدَّثني» (مُحَمَّدٌ) هو ابن سلامٍ البيكنديُّ -كما جزم به أبو نُعيمٍ في «المستخرج» -
стр. 4455
أو هو ابن المُثنَّى، قال (١): (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ) بفتح العين وسكون المُوحَّدة ابن سليمان الكوفيُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُجَاوِرُ) أي: يعتكف (فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَيَقُولُ: تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ) وقال في الطَّريق الأولى: «التمسوا»، وكلٌّ منهما بمعنى الطَّلبِ والقصدِ، لكن معنى التَّحرِّي أبلغ لكونه يقتضي الطَّلب بالجدِّ والاجتهاد، ولم يقع في شيءٍ من طرق هشامٍ في هذا الحديث التَّقييد بالوتر، فكأنَّ المؤلِّف أشار بإدخاله في التَّرجمة إلى أنَّ مطلقه يُحمَل على المُقيَّد في رواية أبي سهيلٍ.
٢٠٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) هو ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ، ولابن عساكر: «عن أيُّوب» (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن (٢) عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: التَمِسُوهَا) الضَّمير المنصوب مبهمٌ يفسِّره قولُه: «ليلة القدر» كقوله تعالى: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩] وهو غير ضمير الشَّأن؛ إذ مفسِّره لا بدَّ أن يكون جملةً، وهذا مفردٌ (فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ لَيْلَةَُ القَدْرِ) بالنَّصب على البدل من الضَّمير في قوله: «التمسوها»، ويجوز رفعه خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هي ليلةُ القدر (فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى) بدلٌ من قوله: «في العشر الأواخر»، وقوله: «تبقى» صفةٌ لـ «تاسعةٍ»؛ وهي ليلة إحدى وعشرين لأنَّ المُحقَّق المقطوع بوجوده بعد العشرين تسعة أيَّامٍ لاحتمال أن يكون الشَّهر تسعةً وعشرين، وليوافق الأحاديث الدَّالَّة على أنَّها في الأوتار (فِي سَابِعَةٍ تَبْقَى) بدلٌ وصفةٌ أيضًا، وهي ليلة ثلاثٍ وعشرين (فِي خَامِسَةٍ تَبْقَى) وهي ليلة خمس وعشرين، وإنَّما يصحُّ معناه ويوافق ليلة القدر وترًا من اللَّيالي -على ما ذُكِر في الأحاديث- إذا كان الشَّهر ناقصًا، فأمَّا إن
стр. 4456
(١) كان كاملًا فلا يكون إلَّا في شفعٍ لأنَّ الذي يبقى بعدها ثمانٍ، فتكون التَّاسعة الباقية ليلة ثنتين وعشرين، والسَّابعة الباقية بعد ستٍّ ليلة أربعٍ وعشرين، والخامسة الباقية بعد أربع ليالٍ ليلة السَّادس والعشرين، وهذا على (٢) طريقة العرب في التَّاريخ إذا جاوزوا نصف الشَّهر، فإنَّما يؤرِّخون بالباقي منه لا بالماضي منه.
٢٠٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي الأَسْوَدِ) هو عبد الله بن محمَّد بن أبي الأسود، واسمه حميد بن الأسود أبو بكرٍ البصريُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمٌ) هو ابن سليمان الأحول البصريُّ (عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ) بكسر الميم وسكون الجيم وفتح اللَّام آخره زايٌ، واسمه حميد بن سعيدٍ السَّدوسيِّ البصريِّ (وَعِكْرِمَةَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄¬) وفي نسخةٍ: «قالا» أي: أبو مجلزٍ وعكرمة: «حدَّثنا ابن عبَّاسٍ قال» (قَالَ (٣) رَسُولُ اللهِ ﷺ : هِيَ) أي: ليلة القدر، وفي رواية أحمد عن عفَّان، والإسماعيليِّ من طريق محمَّد بن عقبة، كلاهما عن عبد الواحد زيادةٌ في أوَّله؛ وهي: قال عمر: من يعلم ليلة القدر؟ فقال ابن عبَّاسٍ: قال رسول الله ﷺ : هي (فِي العَشْرِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت زيادة: «الأواخر» (هِيَ فِي تِسْعٍ) بتقديم المُثنَّاة الفوقيَّة على السِّين (يَمْضِينَ) بكسر الضَّاد المعجمة من المضيِّ، وهو بيانٌ لـ «العشر» أي: هي في ليلة التَّاسع والعشرين (أَوْ فِي سَبْعٍ يَبْقَيْنَ) بفتح التَّحتيَّة والقاف، بينهما مُوحَّدةٌ ساكنةٌ من البقاء، أي: في ليلة الثَّالث والعشرين، أو مبهمةٌ في ليالي السَّبع، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «يمضين» فتكون ليلة السَّابع والعشرين (يَعْنِي: لَيْلَةَ القَدْرِ).
(تَابَعَهُ) أي: تابع وُهَيبًا (عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثَّقفيُّ، فيما وصله أحمد وابن أبي
стр. 4457
عمر في «مُسنَديهما»، وفي رواية غير أبي ذرٍّ وابن عساكر: «قال عبد الوهَّاب» (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ موافقةً لوُهَيب في إسناده ولفظه، وزاد محمَّد بن (١) نصرٍ في «قيام اللَّيل»: «أو آخر ليلةٍ»، وهذه المتابعة رُقِم عليها في الفرع علامة التَّقديم عند ابن عساكر عقب طريق وُهَيبٍ عن أيُّوب، وهي كذلك عند النَّسفيِّ والصَّواب، وأصلحها ابن عساكر في نسخته كذلك، ووقعت (٢) عند الأكثرين من رواية الفَِرَبْريِّ عقب حديث عبد الله ابن أبي الأسود (وَعَنْ خَالِدٍ) الحذَّاء بالإسناد الأوَّل، لكن جزم المزِّيُّ بأنَّه مُعلَّقٌ (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه قال: (التَمِسُوا) (٣) أي: ليلة القدر (فِي) ليلة (أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ) من رمضان، وهي ليلة إنزال القرآن، واستُشكِل إيراد هذا الحديث هنا لأنَّ التَّرجمة للأوتار، وهذا شفعٌ، وأُجيب بأنَّ أنسًا روى: أنَّه ﵊ كان يتحرَّى ليلة ثلاثٍ وعشرين وليلة أربعٍ وعشرين، أي: يتحرَّاها في ليلةٍ من السَّبع البواقي، فإن كان الشَّهر تامًّا فهي ليلة أربعٍ وعشرين، وإن كان ناقصًا فثلاث، ولعلَّ ابن عبَّاسٍ إنَّما قصد بالأربع الاحتياط، وقيل: المراد: التمسوها في تمام أربعةٍ وعشرين -وهي ليلة الخامس والعشرين- على أنَّ البخاريَّ ﵀ كثيرًا ما يذكر ترجمةً ويسوق فيها (٤) ما يكون بينه وبين التَّرجمة أدنى ملابسةٍ؛ كالإشعار بأنَّ خلافه قد ثبت أيضًا.
(٤) (بابُ رَفْعِ مَعْرِفَةِ) تعيين (لَيْلَةِ القَدْرِ لِتَلَاحِي النَّاسِ) بالحاء المهملة، أي: لأجل مخاصمتهم، وسقطت هذه التَّرجمة مع الباب لغير أبوي ذرٍّ والوقت، وزاد أبو ذرٍّ وابن عساكر (٥): «يعني: ملاحاةً».
стр. 4458
٢٠٢٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العنزيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ) الهجيميُّ قال: (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) هو ابن أبي حُمَيدٍ، واسم أبي حُمَيدٍ: تِيْرُ -بكسر المُثنَّاة (١) الفوقيَّة وسكون التَّحتيَّة آخره راءٌ- ومعناه: السَّهم، وقيل: تيرَوَيْه، وقيل: طرخان، وقيل: مهران، وهو مشهورٌ بحُمَيدٍ الطَّويل، قيل: كان قصيرًا طويل اليدين، وكان يقف عند الميت فتصل إحدى يديه إلى رأسه والأخرى إلى رجليه، وقال الأصمعيُّ: رأيته ولم يكن بذلك الطُّول، كان في جيرانه رجلٌ يُقال له: حُمَيدٌ القصير، فقيل له: حُمَيدٌ الطَّويل للتَّمييز بينهما، الخزاعيُّ البصريُّ (٢) قال: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) ﵁ (قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) من حجرته (لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ القَدْرِ) أي: بتعيينها (فَتَلَاحَى) بفتح الحاء المهملة، أي: تنازع وتخاصم (رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ) قيل: هما عبد الله بن أبي حَدْرَدٍ، وكعب بن مالكٍ فيما ذكره ابن دِحْية، لكن لم يذكر له مستندًا (فَقَالَ) ﵊: (خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ) بنصب الرَّاء بـ «أن» المُقدَّرة (٣) بعد لام التَّعليل، و «أخبر» يقتضي ثلاثة مفاعيل، الأوَّل: الكاف، وقوله: (بِلَيْلَةِ القَدْرِ) سدَّ مسدَّ المفعول الثَّاني والثَّالث لأنَّ التَّقدير: أخبركم بأنَّ ليلة القدر هي اللَّيلة الفلانيَّة (فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ) في المسجد وشهر رمضان اللذين هما محلَّان لذكر الله لا للَّغو (فَرُفِعَتْ) أي: رُفِع بيانها أو علمها من قلبي؛ بمعنى: نسيتها كما وقع التَّصريح به في رواية مسلمٍ، وقيل: رُفِعت بركتها في تلك السَّنة، وقيل: التَّاء في «رُفِعت» للملائكة لا للَّيلة، وفي حديث أبي هريرة عند مسلمٍ: أنَّه ﷺ قال: «أُرِيت ليلة القدر، ثمَّ أيقظني بعض أهلي فنسيتها»، وهذا يقتضي أنَّ سبب الرَّفع النِّسيان لا الملاحاة، وأجيب باحتمال أن يكون النِّسيان وقع مرَّتين عن سببين، أو
стр. 4459
أنَّ الرُّؤيا في حديث أبي هريرة منامًا، فيكون سبب النِّسيان الإيقاظ، والأخرى في اليقظة فيكون سبب النسيان الملاحاة، وحاصله: الحمل على التَّعدُّد.
(وَعَسَى أَنْ يَكُونَ) رُفِع تعيينها (خَيْرًا لَكُمْ) وجه الخيريَّة: أنَّ إخفاءها يستدعي قيام كلِّ الشَّهر بخلاف ما لو بقيت معرفة تعيينها، واستنبط منه الشَّيخ تقيُّ الدِّين السُّبكيُّ - رحمه الله تعالى - استحباب كتمان ليلة القدر لمن رآها، قال: وجه الدَّلالة: أنَّ الله تعالى قدَّر لنبيِّه أنَّه لم يُخبَر بها، والخير كلُّه فيما قدَّره له، ويُستَحَبُّ (١) اتِّباعه في ذلك، قال: والحكمة فيه أنَّها كرامةٌ، والكرامة ينبغي كتمانها بلا خلافٍ عند أهل الطَّريق، من جهة رؤية النَّفس فلا يأمن السَّلب، ومن جهة أنَّه لا يأمن الرِّياء، ومن جهة الأدب فلا يتشاغل عن الشُّكر لله بالنَّظر إليها وذكرها للنَّاس، وإذا تقرَّر أنَّ الذي ارتفع علمُ تعيينها تلك السَّنة فهل أُعلِم النَّبيُّ ﷺ بعد ذلك بتعيينها؟ (٢) فيه احتمالٌ، وشذَّ قومٌ فقالوا: إنَّها رُفِعت أصلًا، وهو غلطٌ منهم، ولو كان كذلك لم يقل النَّبيُّ ﷺ بعد ذلك: (فَالتَمِسُوهَا) أي: اطلبوا ليلة القدر (فِي) اللَّيلة (التَّاسِعَةِ) والعشرين (وَ) في اللَّيلة (السَّابِعَةِ) والعشرين (وَ) في الليلة (الخَامِسَةِ) والعشرين من شهر رمضان، وقد استُفيد التَّقدير بالعشرين واللَّيلة من رواياتٍ أُخَر كما لا يخفى، ولو كان المراد رفع وجودها -كما زعم الرَّوافض- لم يأمرهم بالتماسها، وقد أجمع من يُعتَدُّ به على وجودها ودوامها إلى آخر الدَّهر، وقد وقع الأمر بطلبها في هذه الأحاديث في أوتار العشر الأواخر وفي السَّبع الأواخر، وبينهما تنافٍ وإن اتَّفقا على أنَّ محلَّها منحصرٌ في العشر الأواخر، والأوَّل -وهو انحصارها في أوتار العشر الأخير- قولٌ حكاه القاضي عياضٌ وغيره، قال الحنابلة: وتُطلَب في ليالي العشر الأخير، وليالي الوتر آكد، قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين بن تيميَّة: الوتر يكون باعتبار الماضي، فتُطلب ليلة القدر ليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاثٍ وعشرين … إلى آخره، ويكون باعتبار الباقي لقوله ﵊: «لتاسعةٍ تبقى»، فإن كان الشَّهر ثلاثين يكون ذلك ليالي الأشفاع، فليلة الثَّانية تاسعةٌ تبقى، وليلة الرَّابعة سابعةٌ تبقى كما فسَّره أبو سعيدٍ، وإن كان الشَّهر ناقصًا كان التَّأريخ بالباقي كالتَّأريخ بالماضي. انتهى. وأمَّا القول بانحصارها في السَّبع
стр. 4460
الأواخر فلا نعرف قائلًا به، وميل الشَّافعيِّ إلى أنَّها ليلة الحادي والعشرين أو الثَّالث والعشرين لقوله ﵊ في حديث أبي سعيدٍ السَّابق [خ¦٢٠١٨] وفيه: «فوكف المسجد في مُصلَّى النَّبيِّ ﷺ ليلة إحدى وعشرين»، وحديث عبد الله بن أنيسٍ عند مسلمٍ: أنَّه ﷺ قال: «أُرِيتُ (١) ليلة القدر ثمَّ أُنسِيتها، وأراني في صبيحتها أسجد في ماءٍ وطينٍ»، قال: فمُطِرت ليلة ثلاثٍ وعشرين، وعبارة الشَّافعيِّ في «الأمِّ» -كما نقله البيهقيُّ في «المعرفة» -: وتُطلَب ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان، قال: وكأنِّي رأيت -والله أعلم- أقوى الأحاديث فيه ليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاثٍ وعشرين، وقال الحنابلة: وأرجى الأوتار ليلة سبعٍ وعشرين، قال في «الإنصاف»: وهذا المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وهو من المفردات. انتهى. وبه جزم أبيُّ بن كعبٍ وحلف عليه كما في «مسلمٍ»، وفي حديث ابن عمر عند أحمد مرفوعًا: «ليلة القدر سبع وعشرين»، وحكاه الشَّاشيُّ من الشَّافعيَّة في «الحلية» عن أكثر العلماء، واستدلَّ ابن عبَّاسٍ على ذلك: بأنَّ الله خلق السَّموات سبعًا، والأرضين سبعًا، والأيَّام سبعًا، وأنَّ الإنسان خُلِق من سبعٍ، وجُعِل رزقه في سبعٍ، ويسجد على سبعة أعضاء، والطَّواف سبعٌ، والجمار سبعٌ … واستحسن ذلك عمر بن الخطَّاب، وقال ابن قدامة: إنَّ ابن عبَّاسٍ استنبط ذلك من عدد كلمات السُّورة، وقد وافقه أنَّ قوله فيها: ﴿هِيَ﴾ سابعُ كلمةٍ بعد العشرين، واستنبطه بعضهم من وجهٍ آخر فقال: ليلة القدر تسعة أحرفٍ، وقد أُعيدت في السُّورة ثلاث مرَّاتٍ، وذلك سبعٌ وعشرون، واستدلَّ أبيُّ بن كعبٍ على ذلك بطلوع الشَّمس في صبيحتها لا شعاع لها، ولفظ رواية مسلمٍ: أنَّه كان يحلف على ذلك ويقول بالآية والعلامة التي أخبرنا بها رسول الله ﷺ : «أنَّ الشمس تطلع صبيحتها لا شعاع لها»، وقد جاء أنَّ لليلة القدر علاماتٍ تظهر، فقيل: يرى كلَّ شيءٍ ساجدًا، وقيل: ترى (٢) الأنوار في كلِّ مكانٍ ساطعةً حتَّى في المواضع المظلمة، وقيل: يسمع سلامًا من الملائكة، وقيل: علامتها استجابة دعاء من وقعت له، وفي «كتاب فضائل رمضان»
стр. 4461
لسلمة بن شبيبٍ عن فرقدٍ: أنَّ ناسًا من الصَّحابة كانوا في المسجد، فسمعوا كلامًا من السَّماء، ورأوا نورًا (١) في (٢) السَّماء وبابًا من السَّماء، وذلك في شهر رمضان، فأخبروا رسول الله ﷺ بما رأوا، فزعم أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أمَّا النُّور فنور ربِّ العزَّة تعالى، وأمَّا الباب فباب السَّماء، والكلام كلام الأنبياء» وهذا مُرسَلٌ ضعيفٌ، ولا يلزم من تخلُّف العلامة عدمها، فرُبَّ قائمٍ فيها لم يحصل (٣) منها إلَّا على (٤) العبادة ولم ير شيئًا من كرامة علامتها (٥)، وهو عند الله أفضل ممَّن رآها، وأيُّ كرامةٍ أفضل من الاستقامة التي هي عبارةٌ عن اتِّباع الكتاب والسُّنَّة وإخلاص النِّيَّة، وعن مالكٍ: أنَّها تنتقل في العشر الأواخر من رمضان، وعن أبي حنيفة: أنَّها في رمضان تتقدَّم وتتأخَّر، وعن أبي يوسف ومحمد: لا تتقدَّم ولا تتأخَّر، لكن غير معيَّنةٍ، وقيل: هي عندهما في النِّصف الأخير من رمضان، وقال أبو بكرٍ الرَّازي: هي غير مخصوصةٍ بشهرٍ من الشُّهور، وبه قال الحنفيَّة، وفي «فتاوى (٦) قاضي خان»: المشهور عن أبي حنيفة أنَّها تدور في السَّنة كلِّها، وقد تكون في رمضان وفي غيره، وصحَّ ذلك عن ابن مسعودٍ، لكن في «صحيح مسلمٍ» وغيره عن زِرِّ بن حُبَيشٍ قال: سألت أبيَّ بن كعبٍ فقلت: إنَّ أخاك ابن مسعودٍ يقول: من يَقُمِ الحول يُصِب ليلة القدر، فقال ﵀: أراد ألَّا يتَّكل النَّاس، أمَا إنه علم أنَّها في رمضان، وأنَّها في العشر الأواخر، وأنَّها ليلة سبعٍ وعشرين، وقيل: أرجاها ليالي الجمع في الأوتار، وقيل: إنَّها أوَّل ليلةٍ من رمضان، وقيل: آخر ليلةٍ منه، وقيل: إنَّها تختصُّ بأشفاع العشر الأخير على الإبهام، وقيل: في كلِّ ليلةٍ من أشفاعه على التَّعيين، وقيل: تكون في ليلة أربع عشرة، وقيل: في سبع عشرة، وقيل: ليلة تسع عشرة، وعن ابن خزيمة من الشَّافعيَّة: أنَّها تنتقل في كلِّ
стр. 4462
سنةٍ إلى ليلةٍ من ليالي العشر الأخير، واختاره النَّوويُّ في «الفتاوى» و «شرح المُهذَّب»، وقيل غير ذلك ممَّا يطول استقصاؤه، وأمَّا قول ابن العربيِّ: -الصَّحيح أنَّها لا تُعلَم- فأنكره (١) النَّوويُّ بأنَّ الأحاديث قد تظاهرت بإمكان العلم بها، وأخبر به جماعةٌ من الصَّالحين، فلا معنى لإنكار ذلك، وقد جزم ابن حبيبٍ من المالكيَّة ونقله (٢) الجمهور وحكاه صاحب «العدَّة» من الشَّافعيَّة ورجَّحه: أنَّ ليلة القدر خاصَّةٌ بهذه الأمَّة، ولم تكن في الأمم قبلهم، وهو مُعترَضٌ بحديث أبي ذرٍّ عند النَّسائيِّ حيث قال فيه: قلت: يا رسول الله أتكون مع الأنبياء فإذا ماتوا رُفِعت؟ قال: «بل (٣) هي باقيةٌ»، وعمدتهم قول مالكٍ السَّابق: بلغني أنَّ رسول الله ﷺ تقاصر أعمار (٤) أمَّته … إلى آخره، وهذا محتملٌ للتَّأويل فلا يدفع الصَّريح في حديث أبي ذرٍّ، كما قاله الحافظان ابن حجرٍ في «فتح الباري»، وابن كثيرٍ في «تفسيره».
(٥) (بابُ) الاجتهاد في (العَمَلِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ) وللحَمُّويي والمُستملي: «في» (رَمَضَانَ).
٢٠٢٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وسكون العين المهملة وضمِّ الفاء آخره راءٌ منصرفًا، عبد الرَّحمن بن عبيدٍ البَّكَّائيِّ العامريِّ (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلم بن صُبَيحٍ مُصغَّر صبحٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ العَشْرُ) أي: الأخير -كما صرَّح به في حديث عليٍّ عند ابن أبي شيبة- من رمضان (شَدَّ مِئْزَرَهُ) بكسر الميم وسكون الهمزة، أي: إزاره، ولـ «مسلمٍ»: «جدَّ، وشدَّ المئزر»، قيل: هو كنايةٌ عن شدَّة جدِّه واجتهاده في
стр. 4463
العبادة كما يُقال: فلانٌ يشدُّ وسطه ويسعى في كذا، وهذا فيه نظرٌ؛ فإنَّها قالت: جدَّ وشدَّ المئزر، فعطفت «شدَّ المئزر» على الجدِّ، والعطف يقتضي التَّغاير، والصَّحيح: أن المراد به اعتزاله للنِّساء (١)، وبذلك فسَّره السَّلف والأئمَّة المتقدِّمون (٢)، وجزم به عبد الرَّزَّاق عن الثَّوريِّ واستشهد بقول الشَّاعر:
قومٌ إذا حاربوا شدُّوا مآزرهم … عن النِّساء ولو باتت بأطهار
ويحتمل أن يُراد الاعتزال والتَّشمير معًا، فلا ينافي شدَّ المئزر حقيقةً، وقد كان ﵊ يصيب من أهله في العشرين من رمضان، ثمَّ يعتزل النِّساء ويتفرَّغ لطلب ليلة القدر في العشر الأواخر، وعند ابن أبي عاصمٍ بإسنادٍ مقاربٍ عن عائشة: «كان رسول الله ﷺ إذا كان رمضان قام ونام، فإذا دخل العشر شدَّ المئزر واجتنب النِّساء»، وفي حديث أنسٍ عند الطَّبرانيِّ: «كان ﷺ إذا (٣) دخل العشر الأواخر من رمضان طوى فراشه واعتزل النِّساء» (وَأَحْيَا لَيْلَهُ) استغرقه بالسَّهر في الصَّلاة وغيرها، أو أحيا معظمه لقولها في الصَّحيح: «ما علمته قام ليلة حتَّى الصَّباح»، وقوله: «أحيا ليله» من باب الاستعارة، شبَّه القيام فيه بالحياة في حصول الانتفاع التَّامِّ، أي: أحيا ليله بالطَّاعة أو أحيا نفسه بالسَّهر (٤) فيه؛ لأنَّ النَّوم أخو الموت، وأضافه إلى اللَّيل اتِّساعًا لأنَّ النَّائم إذا حييَ باليقظة حييَ ليله بحياته، وهو نحو قوله: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا» أي: لا تناموا فتكونوا كالأموات وتكون بيوتكم كالقبور (وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ) أي: للصَّلاة والعبادة.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ أيضًا في «الصَّوم»، وأبو داود في «الصَّلاة» وكذا النَّسائيُّ، وأخرجه ابن ماجه في «الصَّوم».
стр. 4464
((٣٣)) (بسم الله الرحمن الرحيم. أَبْوابُ الاِعْتِكَافِ) سقط لغير المُستملي «أبواب الاعتكاف»، وثبت له تأخير البسملة، ولابن عساكر: «كتاب الاعتكاف» بدل «أبواب الاعتكاف».
(١) (بابُ الاعْتِكَافِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ) أي: من رمضان، وهو لغةً: اللُّبث والحبس والملازمة على الشَّيء، خيرًا كان أو شرًّا، قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وقال : ﴿فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] وشرعًا: اللُّبث في المسجد من شخصٍ مخصوصٍ بنيَّته (والاعْتِكَافِ) بالجرِّ عطفًا على سابقه (فِي المَسَاجِدِ كُلِّهَا) قيَّده بالمساجد؛ إذ لا يصحُّ في غيرها، وجَمَعَ المساجد وأكَّدها بلفظ «كلِّها» ليعمَّ جميعها خلافًا لمن خصَّه بالمساجد الثَّلاثة، ومن خصَّه بمسجدٍ بُنِي، ومن خصَّه بمسجدٍ تُقام فيه الجمعة، وهذا الأخير قول مالكٍ في «المُدوَّنة»، وهو مذهب الحنابلة، وقال في «الإنصاف»: لا يخلو المعتكف إمَّا أن يأتي عليه في مدَّة اعتكافه فعل صلاةٍ وهو ممَّن تلزمه الصَّلاة أوَّلًا؛ فإن لم يأت عليه في مدَّة اعتكافه فعل صلاةٍ فهذا يصحُّ اعتكافه في كلِّ مسجدٍ، وإن أتى عليه في مدَّة اعتكافه فعل صلاةٍ لم يصحَّ إلَّا في مسجدٍ تُصلَّى فيه الجماعة على الصَّحيح من المذهب، وعن أبي حنيفة: لا يجوز إلَّا في مسجدٍ تُصلَّى فيه الصَّلوات الخمس لأنَّ الاعتكاف عبارةٌ عن انتظار الصَّلاة، فلا بدَّ من اختصاصه بمسجدٍ تُصلَّى فيه الصَّلوات الخمس، والأوَّل هو قول الشَّافعيِّ في الجديد ومالكٍ في «المُوطَّأ»، وهو المشهور من مذهبه، وبه قال محمَّدٌ وأبو يوسف صاحبا أبي حنيفة (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]) معتكفون فيها، والمراد بالمباشرة: الوطء؛ لِمَا تقدَّم
стр. 4465
من قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ إلى قوله (١): ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] وقيل: معناه ولا تلامسوهنَّ بشهوةٍ، واستدلال المؤلِّف بالآية: -على أنَّ الاعتكاف لا يكون إلَّا في المسجد-تُعقِّب بأنَّه ربَّما يُدَّعى دلالتها على أنَّ الاعتكاف قد يكون في غير المسجد، وإلَّا لم يكن للتَّقييد دلالةٌ، وأُجيب بأنَّه لو لم يكن ذكر المساجد لبيان أنَّ الاعتكاف لا يكون إلَّا في المسجد لزم اختصاص حرمة المباشرة باعتكافٍ يكون في المسجد، وهو باطلٌ اتِّفاقًا لأنَّ الوطء العمد مفسدٌ للاعتكاف، بل يحرم به التَّقبيل واللَّمس بشهوةٍ بالشُّروط السَّابقة في الصَّوم، فإذا أنزل معهما أفسده كالاستمناء؛ بخلاف ما إذا لم ينزل معهما أو أنزل معهما وكانا بلا شهوةٍ كما في الصَّوم، وسبب نزول هذه الآية: ما رُوِي عن قتادة (٢): أنَّ الرَّجل كان إذا اعتكف خرج فباشر امرأته ثمَّ رجع (٣) إلى المسجد، فنهاهم الله عن ذلك، وكذا قاله الضَّحَّاك ومجاهدٌ (﴿تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ﴾) أي: الأحكام التي ذُكِرت (﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾) أي: فلا (٤) تغشوها (﴿كَذَلِكَ﴾) مثل ذلك التَّبيين (﴿يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧]) مخالفة الأوامر والنَّواهي، ولفظ رواية أبوي الوقت وذرِّ: «﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا … ﴾ إلى آخر الآية»، وسقط لابن عساكر من قوله: «﴿تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ﴾» إلى آخر قوله: «﴿لِلنَّاسِ﴾» (٥).
٢٠٢٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (أَنَّ نَافِعًا) مولى ابن عمر (أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ) زاد من هذا الوجه: قال نافعٌ: وقد أراني عبد الله بن عمر المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله ﷺ من المسجد.
стр. 4466
٢٠٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ) تعالى، وفيه: دليلٌ على أنَّه لم يُنسَخ وأنَّه من السُّنن المُؤكَّدة، خصوصًا في العشر الأواخر من رمضان لطلب ليلة القدر، وروى أبو الشَّيخ ابن حيَّان (١) من حديث الحسين بن عليٍّ مرفوعًا: «اعتكاف عشرٍ (٢) في رمضان بحجَّتين وعمرتين» وهو ضعيفٌ (ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ) فيه دليلٌ على أنَّ النِّساء كالرِّجال في الاعتكاف، وقد كان ﵊ أذن لبعضهنَّ (٣)، وأمَّا إنكاره عليهنَّ الاعتكاف بعد الإذن-كما في الحديث الصَّحيح- فلمعنًى آخر، فقيل: خوف أن يكنَّ غير مخلصاتٍ في الاعتكاف بل أردن القرب منه لغيرتهنَّ عليه، أو ذهاب المقصود من الاعتكاف بكونهنَّ معه في المُعتكَف، أو لتضييقهنَّ المسجد بأبنيتهنَّ، وعند أبي حنيفة: إنَّما يصحُّ اعتكاف المرأة في مسجد بيتها، وهو الموضع (٤) المُهيَّأ في بيتها لصلاتها.
стр. 4467
٢٠٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن عبد الله بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الهَادِ) بغير ياءٍ بعد الداَّل (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ فِي العَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ) ذكَّره (١) باعتبار لفظ «العشر»، أو باعتبار الوقت أو الزَّمان، ورواه بعضهم: «الوُسُط» بضمِّ السِّين (فَاعْتَكَفَ عَامًا) مصدر «عَامَ» إذا سبح، يُقال: عام يعوم عومًا وعامًا، فالإنسان يعوم في دنياه على الأرض طول حياته حتَّى يأتيه الموت فيغرق فيها، أي: اعتكف في شهر رمضان في عامٍ (حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ) بنصب «ليلةَ» في الفرع وغيره، وضبطه بعضهم بالرَّفع فاعلًا بـ «كان» التَّامَّة؛ بمعنى: ثبت ونحوه، والمراد: حتَّى إذا كان استقبال ليلة إحدى وعشرين؛ لأنَّ المعتكف العشر الأوسط إنَّما يخرج قبل دخول ليلة الحادي والعشرين؛ لأنَّها من العشر الأخير، وقد صرَّح به في رواية هشامٍ في «باب التماس ليلة القدر» [خ¦٢٠١٦] إنَّما كان في اليوم العشرين، وقد مرَّ تقريره هناك أيضًا (وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ صَبِيحَتَهَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «من صبيحتها» (مِنِ اعْتِكَافِهِ؛ قَالَ) ﵊: (مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي) أي: في العشر الأوسط (فَلْيَعْتَكِفِ العَشْرَ الأَوَاخِرَ، وَقَدْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فقد» (أُرِيتُ) بضمِّ الهمزة (هَذِهِ اللَّيْلَةَ) بالنَّصب مفعولٌ به لا ظرفٌ، أي: رأيت ليلة القدر (ثُمَّ أُنْسِيتُهَا) قال القفَّال (٢) في «العدَّة» فيما حكاه الطَّبريُّ: ليس معناه أنَّه رأى اللَّيلة (٣) أو الأنوار عيانًا ثمَّ نسي في أيِّ ليلةٍ رأى ذلك لأنَّ مثل هذا قلَّ أن يُنسَى، وإنَّما رأى أنَّه قيل له: ليلةُ القدر ليلة كذا وكذا، ثمَّ نسي كيف قيل له (وَقَدْ رَأَيْتُنِي) بضمِّ التَّاء، أي: رأيت نفسي (أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ صَبِيحَتِهَا) يحتمل أن
стр. 4468
تكون «من» بمعنى «في» كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] أو هي لابتداء الغاية الزَّمانيَّة (فَالتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ) من رمضان (وَالتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ) منه (فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ) بفتح الميم والطَّاء (تِلْكَ اللَّيْلَةَ) يُقال في اللَّيلة الماضية: اللَّيلة، إلى أن تزول الشَّمس فيُقال حينئذٍ: البارحة (وَكَانَ المَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ) أي: مُظلَّلًا بجريدٍ ونحوه ممَّا يستظلُّ به؛ يريد (١): أنَّه لم يكن له سقفٌ يُكِنُّ من المطر (فَوَكَفَ المَسْجِدُ) أي: سال ماء المطر من سقف المسجد (فَبَصُرَتْ عَيْنَايَ) بضمِّ الصَّاد (رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ المَاءِ وَالطِّينِ، مِنْ صُبْحِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ) أي: تصديق رؤياه كما في رواية همَّامٍ السَّابقة في «الصَّلاة» [خ¦٨١٣].
(٢) (بابُ الحَائِضُ) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين «الحائض» (تُرَجِّلُ المُعْتَكِفَ) أي: تمشِّط وتسرِّح شعر رأسه، وتنظِّفه وتحسِّنه، ولا دخل للدُّهن هنا.
٢٠٢٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) الزَّمِنُ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصْغِي) بضمِّ أوَّله وكسر الغين المعجمة، أي: يدني ويميل (إِلَيَّ رَأْسَهُ) منصوبٌ بـ «يصغي» (وَهْوَ مُجَاوِرٌ) أي: معتكفٌ (فِي المَسْجِدِ) والجملة حاليَّةٌ، وعند أحمد: «كان يأتيني وهو معتكفٌ في المسجد فيتَّكئ على باب حجرتي، فأغسل رأسه وسائره في المسجد» (فَأُرَجِّلُهُ) أي: فأمشِّط شعره وأسرِّحه (وَأَنَا حَائِضٌ) وفيه: أنَّ إخراج البعض لا يجري مجرى الكلِّ، وينبني عليه: ما لو حلف لا يدخل بيتًا فأدخل بعض أعضائه -كرأسه- لم يحنث، وبه صرَّح أصحابنا الشَّافعيَّة.
(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يَدْخُلُ) المعتكف (البَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ) لا بدَّ له منها.
стр. 4469
٢٠٢٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ الثَّقفيُّ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا لَيْثٌ) هو ابن سعدٍ الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد (١) بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزَّبير بن العوَّام (وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سعد بن زرارة (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: وَإِنْ) «إن» هي المُخفَّفة من الثَّقيلة، واسمها ضمير الشَّأن (٢) (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيُدْخِلُ عَلَيَّ رَأْسَهُ وَهْوَ فِي المَسْجِدِ) معتكفٌ، وأنا في الحجرة (فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ البَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ) فسَّرها الزُّهريُّ روايةً: بالبول والغائط، واتَّفق على استثنائهما (إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا) فيه: أنَّه يخرج لحاجته، قَرُبت داره أو بَعُدت، نعم يضرُّ البعد الفاحش، ولا يُكلَّف فعل ذلك في سقاية المسجد لِمَا فيه من خرم المروءة، ولا في دار (٣) صديقه بجوار المسجد للمنَّة، أمَّا إذا فحش بُعْده فيقطعه خروجه لذلك (٤).
(٤) (بابُ) جواز (غَسْلِ المُعْتَكِفِ) بكسر الكاف، قال البرماويُّ -كالكِرمانيِّ-: «غَسل» بفتح الغين لا بضمِّها. انتهى. نعم ثبت الرَّفع في رواية أبي ذرٍّ كما في «اليونينيَّة» وغيرها.
٢٠٣٠ - ٢٠٣١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد النَّخعيِّ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬)
стр. 4470
أنَّها (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُبَاشِرُنِي) أي: يمسُّ بشرتي من غير جماعٍ (وَأَنَا حَائِضٌ).
(وَكَانَ يُخْرِجُ) إليَّ (رَأْسَهُ مِنَ المَسْجِدِ) وأنا في الحجرة (وَهْوَ مُعْتَكِفٌ فَأَغْسِلُهُ) بفتح الهمزة وسكون الغين المعجمة (١) (وَأَنَا حَائِضٌ) جملةٌ حاليَّةٌ.
(٥) (بابُ) جواز (الاعْتِكَافِ لَيْلًا).
٢٠٣٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين ابن عمر العمريِّ قال: (أَخْبَرَنِي) (٢) بالإفراد (نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ¬) بالجِعْرانة لمَّا رجعوا من حُنَينٍ كما في «النَّذر» [خ¦٦٦٩٧] (قَالَ: كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ) أي: حول الكعبة، ولم يكن في عهده ﷺ ولا أبي بكرٍ جدارٌ، بل الدُّور حول البيت وبينها أبوابٌ لدخول النَّاس، فوسَّعه عمر ﵁ بدورٍ اشتراها وهدمها واتَّخذها للمسجد جدارًا قصيرًا دون القامة، ثمَّ تتابع النَّاس على عمارته وتوسيعه (قَالَ) ﵊ له: (أَوْفِ بِنَذْرِكَ) الذي نذرته في الجاهليَّة، أي: على سبيل النَّدب، وليس الأمر للإيجاب (٣)، واستدلَّ به على جواز الاعتكاف بغير صومٍ لأنَّ اللَّيل ليس ظرفًا للصَّوم، فلو كان شرطًا لأمره النَّبيُّ ﷺ به، لكن عند مسلمٍ من حديث سعيدٍ عن عبيد الله: «يومًا» بدل «ليلة» فجمع ابن حبَّان (٤) وغيره بين الرِّوايتين: بأنَّه نذر اعتكاف يومٍ وليلةٍ، فمن أطلق ليلةً أراد: بيومها، ومن أطلق يومًا أراد: بليلته، وقد ورد الأمر بالصَّوم في رواية عمرو بن دينارٍ عن ابن عمر صريحًا، لكنَّ إسنادها
стр. 4471
ضعيفٌ، وقد زاد فيها: أنَّه ﷺ قال له: «اعتكف وصم» أخرجه أبو داود والنَّسائيُّ من طريق عبد الله بن بُدَيلٍ وهو ضعيفٌ، وقد (١) ذكر ابن عديٍّ والدَّارقُطنيُّ: أنَّه تفرَّد بذلك عن عمرو بن دينارٍ، ورواية من روى: «يومًا» شاذَّةٌ، وقد وقع في رواية سليمان بن بلالٍ الآتية -إن شاء الله تعالى-[خ¦٢٠٤٢] «فاعتكفَ ليلةً» فدلَّ على أنَّه لم يزده على نذره شيئًا، وأنَّ الاعتكاف لا صوم فيه، قاله في «فتح الباري»، وهذا مذهب الشَّافعيَّة والحنابلة، وعن أحمد أيضًا (٢): لا يصحُّ بغير صومٍ، والأوَّل هو الصَّحيح عندهم وعليه أصحابهم، وقال المالكيَّة والحنفيَّة: لا يصحُّ إلَّا بصومٍ، واحتجُّوا: بأنَّه ﷺ لم يعتكف إلَّا بصومٍ، وفيه نظرٌ لما في الباب الذي بعده [خ¦٢٠٣٣] «أنَّه اعتكف في شوَّالٍ»، واستُشكِل قوله: «نذرت في الجاهليَّة … » إلى آخره، إذ ظاهره: أنَّه الوقت الذي كان هو فيه على الجاهليَّة لأنَّ الصَّحيح أنَّ نذر الكافر غير صحيحٍ، وأُجيب بأنَّ المراد أنَّه نذر بعد إسلامه في زمن لا يقدر أن يفي بنذره فيه لمنع الجاهليَّة للمسلمين من دخول مكَّة ومن الوصول إلى الحرم، وهذا مردودٌ بما أخرجه الدَّارقُطنيُّ من طريق سعيد بن بشيرٍ عن عبيد الله (٣) بلفظ: «نذر عمر أن يعتكف في الشِّرك»، فهو (٤) صريحٌ في أنَّ نذره كان قبل إسلامه في الجاهليَّة، فالمراد من قوله ﵊ له: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ» على سبيل النَّدب لا على سبيل الوجوب لعدم أهليَّة الكافر للتَّقرُّب، فحملُه على النَّدب أَولى؛ إذ لا يحسن تركه بالإسلام ما عزم عليه في الكفر من الخير، والله أعلم، وعند الحنابلة: يصحُّ النَّذر من الكافر، وعبارة المرداويِّ في «تنقيح المقنع»: النَّذر مكروهٌ، وهو إلزام (٥) مُكلَّفٍ مختارٍ -ولو كافرًا- بعبادةٍ نصًّا نفسَه لله تعالى.
стр. 4472
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الاعتكاف» [خ¦٢٠٤٢]، وأخرجه مسلمٌ في «الأيمان والنُّذور»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ، وأخرجه (١) النَّسائيُّ فيه وفي «الاعتكاف»، وأخرجه ابن ماجه في «الصِّيام».
(٦) (بابُ) حكم (اعْتِكَافِ النِّسَاءِ).
٢٠٣٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو ابن درهمٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريُّ (عَنْ عَمْرَةَ) بنت عبد الرَّحمن الأنصاريَّة (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ) والاعتكاف فيه آكد منه في غيره اقتداءً به ﷺ وطلبًا لليلة القدر (فَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً) بكسر الخاء المعجمة ثمَّ مُوحَّدةٍ ممدودًا، أي: خيمةً من وبرٍ أو صوفٍ لا من شعرٍ، وهو على عمودين أو ثلاثةٍ (فَيُصَلِّي الصُّبْحَ) في المسجد (ثُمَّ يَدْخُلُهُ) أي: الخباء (فَاسْتَأْذَنَتْ حَفْصَةُ) بنت عمر أمُّ المؤمنين (عَائِشَةَ) نصب مفعول «حفصة» (أَنْ تَضْرِبَ خِبَاءً) أي: في ضرب خباءٍ لها، فـ «أنْ»: مصدريَّةٌ (فَأَذِنَتْ لَهَا) عائشة، وفي رواية الأوزاعيِّ الآتية -إن شاء الله تعالى-[خ¦٢٠٤٥] «فاستأذنته عائشة فأذن لها»، وسألت حفصةُ عائشةَ أن تستأذن لها، ففعلتْ (فَضَرَبَتْ) أي: حفصةُ (خِبَاءً) لها لتعتكف فيه (فَلَمَّا رَأَتْهُ) أي: الخباء (زَيْنَبُ ابْنَةُ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (جَحْشٍ) أمُّ المؤمنين (ضَرَبَتْ خِبَاءً آخَرَ) زاد في رواية عمرو بن الحارث عند أبي عَوانة: «وكانت امرأةً غيورًا» (فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّبِيُّ ﷺ رَأَى الأَخْبِيَةَ) الثَّلاثة التي لأمَّهات المؤمنين (فَقَالَ: مَا هَذَا) الذي أراه من الأخبية (فَأُخْبِرَ) أي: بأنَّها لأمَّهات المؤمنين (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : آلْبِرَّ) بهمزة الاستفهام
стр. 4473
ممدودةً على وجه الإنكار، والنَّصب على أنَّه مفعولٌ مُقدَّمٌ لقوله: (تُرَوْنَ) (١) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة وفتح الرَّاء مبنيًّا للمفعول، أي: الطَّاعة تظنُّون (بِهِنَّ؟) أي: متلبِّسًا (٢) بهنَّ، فـ «البرَّ» مفعولٌ أوَّلٌ، و «بهنَّ» مفعولٌ ثانٍ، وهما في الأصل مبتدأٌ وخبرٌ، والخطاب للحاضرين معه من الرِّجال وغيرهم، وفي رواية ابن عساكر: «تُرِدْن» -بضمِّ الفوقيَّة وكسر الرَّاء وسكون الدَّال- مِنَ الإرادة بدل قوله: «تُرَون» أي: أمَّهات المؤمنين، وفي نسخةٍ: «آلبرُّ» بالرَّفع على الابتداء، والخبر ما بعده، وإلغاء الفعل الذي هو «تُرَون» لتوسُّطه بين المفعولين، وهما: البرَّ وبهنَّ (فَتَرَكَ) ﵊ (الاِعْتِكَافَ ذَلِكَ الشَّهْرَ) مبالغةً في الإنكار عليهنَّ خشية أن يكنَّ غير مخلصاتٍ في اعتكافهنَّ، بل الحامل لهنَّ على ذلك المباهاة أو التَّنافس النَّاشئ عن الغيرة؛ حرصًا على القرب منه خاصَّةً فيخرج الاعتكاف عن موضوعه، أو خاف تضييق المسجد على المصلِّين بأخبيتهنَّ، أو لأنَّ المسجد يجمع النَّاس ويحضره الأعراب والمنافقون وهنَّ محتاجاتٌ إلى الدُّخول والخروج، فيبتذلن بذلك (ثُمَّ اعْتَكَفَ) ﵊ (عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ) قضاءً عمَّا تركه من الاعتكاف في رمضان على سبيل الاستحباب؛ لأنَّه كان (٣) إذا عمل عملًا أثبته، ولو كان للوجوب؛ لاعتكف معه نساؤه أيضًا في شوَّالٍ، ولم يُنقَل، وفي رواية أبي معاوية عند مسلمٍ: «حتَّى اعتكف الأوَّل (٤) من شوَّال»، وقال الإسماعيليُّ: فيه دليلٌ على جواز الاعتكاف بغير صومٍ لأنَّ أوَّل شوَّالٍ هو يوم الفطر (٥)، وصومُه حرامٌ، واعتُرِض: بأنَّ المعنى: كان ابتداؤه في العشر الأُوَل، وهو صادقٌ بما إذا ابتدأ باليوم الثَّاني، فلا دليل فيه لما قاله.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الصَّوم» وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ، وأخرجه النَّسائيُّ في «الصَّلاة».
стр. 4474
(٧) (بابُ الأَخْبِيَةِ فِي المَسْجِدِ).
٢٠٣٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الأنصاريَّة (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) قال في «الفتح»: وسقط قوله: «عن عائشة» في رواية النَّسفيِّ والكُشْمِيْهَنِيِّ، وكذا هو في «المُوطَّآت» كلِّها، وأخرجه أبو نُعيمٍ في «المستخرج» من طريق عبد الله بن يوسف شيخ المؤلِّف فيه مرسلًا أيضًا، وجزم بأنَّ البخاريَّ أخرجه عن عبد الله بن يوسف موصولًا عن عائشة: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ) في العشر الأواخر من رمضان (فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَى المَكَانِ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ) زاد في نسخةٍ: «فيه» (إِذَا أَخْبِيَةٌ) مضروبةٌ في المسجد، أحدها: (خِبَاءُ عَائِشَةَ، وَ) الثَّاني (١): (خِبَاءُ حَفْصَةَ، وَ) الثَّالث: (خِبَاءُ زَيْنَبَ) بكسر الخاء المعجمة والمدِّ فيها كما مرَّ (فَقَالَ) ﵊: (آلْبِرَّ) بالمدِّ، قال في «الفتح»: وبغير مدِّ (٢) (تَقُولُونَ) أي: تظنُّون (بِهِنَّ؟) فأجرى فعل القول مجرى فعل الظَّنِّ على اللُّغة المشهورة، و «البرَّ» مفعولٌ أوَّلٌ مقدَّمٌ، و «بهنَّ» مفعولٌ ثانٍ، أي: تظنُّون أنَّهنَّ طلبن البرَّ وخالص العمل، ويجوز رفع «البرِّ» كما مرَّ في الباب السَّابق [خ¦٢٠٣٣] وكان القياس أن يُقال: «تقلن» بلفظ جمع المُؤنَّث، ولكنَّ الخطاب للحاضرين الشَّامل للنِّساء والرِّجال (ثُمَّ انْصَرَفَ) ﵊ (فَلَمْ يَعْتَكِفْ) ذلك العشر (٣) (حَتَّى اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ) أوَّله يوم العيد على ما مرَّ، مع ما فيه من نظرٍ -كما تقدَّم-.
стр. 4475
(٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يَخْرُجُ المُعْتَكِفُ) من معتكفه (لِحَوَائِجِهِ إِلى بَابِ المَسْجِدِ)؟
٢٠٣٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ) بن عليِّ بن أبي طالبٍ القرشيُّ زين العابدين (¬﵄¬) ولابن عساكر: «ابن حسين» (أَنَّ صَفِيَّةَ) بنت حييٍّ (زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «جاءت إلى رسول الله» (¬ ﷺ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ) من الأحوال المُقدَّرة، وفي رواية مَعْمَرٍ عند المؤلِّف في «صفة إبليس» [خ¦٣٢٨١]: «فأتيته أزوره ليلًا» (فِي المَسْجِدِ، فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً) زاد في «الأدب» [خ¦٦٢١٩] «من العشاء» (ثُمَّ قَامَتْ) أي: صفيَّة (تَنْقَلِبُ) أي: تردُّ إلى منزلها (فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَهَا يَقْلِبُهَا) بفتح الياء وسكون القاف وكسر اللَّام، أي: يردُّها إلى منزلها (حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ المَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَارِ) قال ابن العطَّار في «شرح العمدة»: هما أُسَيد بن حُضَيرٍ وعبَّاد بن بشرٍ (١)، ولم يذكر لذلك مستندًا، وفي رواية هشامٍ الآتية [خ¦٢٠٣٨] «وكان بيتُها في دار أسامة، فخرج النَّبيُّ ﷺ معها، فلقيه رجلان من الأنصار» وظاهره: أنَّه ﵊ خرج من باب المسجد، وإلَّا فلا فائدة في قوله لها في حديث هشامٍ هذا: «لا تعجلي حتَّى أنصرف معك»، ولا فائدة لقلبها لباب المسجد فقط لأنَّ قلبها إنَّما كان لبُعْد بيتها، وفي رواية عبد الرَّزَّاق من طريق مروان بن سعيد بن المُعلَّى: «فذهب معها حتَّى أدخلها (٢) بيتها».
стр. 4476
(فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) وفي رواية مَعْمَرٍ المذكورة [خ¦٢٠٣٨] «فنظرا إلى النَّبيِّ ﷺ ثمَّ أجازا» أي: مضيا، وفي رواية عبد الرَّحمن بن إسحاق عن الزُّهريِّ عند ابن حبَّان: «فلمَّا رأيا (١) استحييا فرجعا» (فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ ¬): امشيا (عَلَى رِسْلِكُمَا) بكسر الرَّاء وسكون السِّين المهملة، أي: على هينتكما، فليس شيءٌ تكرهانه (إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ) بمهملةٍ ثمَّ مثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مُصغَّرًا ابن أخطب، وكان أبوها رئيس خيبر (فَقَالَا) أي (٢): الرَّجلان: (سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ!) أي: تنزَّه اللهُ عن أن يكون رسولُه ﵇ مُتَّهَمًا بما لا ينبغي، أو كنايةٌ عن التَّعجُّب من هذا القول (وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا) بضمِّ المُوحَّدة، أي: عَظُم وشقَّ عليهما ما قال ﵊، وفي رواية هُشَيمٍ: «فقالا: يا رسول الله، وهل نظنُّ بك إلَّا خيرًا؟» (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ) الرِّجال والنِّساء، فالمرادُ الجنسُ (مَبْلَغَ الدَّمِ) أي: كمبلغ الدَّم، ووجه الشَّبه: شدَّة الاتِّصال وعدم المفارقة، وهو كنايةٌ عن الوسوسة (وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ) الشَّيطان (فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا) ولمسلمٍ وأبي داود من حديث مَعْمَرٍ: «شرًّا»، ولم يكن النَّبيُّ ﷺ نسبهما أنَّهما يظنَّان به سوءًا لما تقرَّر عنده من صدق إيمانهما، ولكن خشي عليهما أن يوسوس لهما الشَّيطان ذلك لأنَّهما غير معصومين، فقد يفضي بهما ذلك إلى الهلاك، فبادر إلى إعلامهما حسمًا للمادَّة وتعليمًا لمن بعده إذا وقع له مثل ذلك، وقد روى الحاكم: أنَّ الشَّافعيَّ كان في مجلس ابن عُيَيْنة، فسأله عن هذا الحديث، فقال الشَّافعيُّ: إنَّما قال لهما ذلك لأنَّه خاف عليهما الكفر إن ظنَّا به التُّهمة، فبادر إلى إعلامهما نصيحةً لهما قبل أن يقذف الشَّيطان في نفوسهما شيئًا يهلكان به، وفي «طبقات العباديِّ»: أنَّ الشَّافعيَّ سُئِل عن
стр. 4477
خبر صفيَّة، فقال: إنَّه على سبيل (١) التَّعليم، علَّمنا إذا حدَّثنا محارمنا أو نساءنا على الطَّريق أن نقول: هي مَحْرَمي؛ حتَّى لا نُتَّهَم، وقال ابن دقيق العيد: فيه دليل على التَّحرُّز ممَّا يقع في الوهم (٢) نسبة الإنسان إليه ممَّا لا ينبغي، وهذا متأكِّدٌ في حقِّ العلماء ومَن يُقتدى بهم، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلًا يوجب ظنَّ السُّوء بهم وإن كان لهم فيه مخلصٌ لأنَّ ذلك سببٌ إلى إبطال الانتفاع بعلمهم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «فقام النَّبيُّ ﷺ يقلبها»، وفي رواية هشامٍ المذكورة: الدَّلالة على جواز خروج المعتكف لحاجته من أكلٍ وشربٍ، وبولٍ وغائطٍ، وأذانٍ على منارة المسجد إذا كان راتبًا، ومرضٍ تشقُّ الإقامة معه في المسجد، وخوف سلطانٍ، وصلاة جمعةٍ، لكنَّ الأظهر بطلانه بخروجه لها لأنَّه كان يمكنه الاعتكاف في الجامع، ودفن ميتٍ تعيَّن عليه كغسله، وأداء شهادةٍ تعيَّن أداؤها عليه، وخوف عدوٍّ قاهرٍ، وغسلٍ من احتلام.
وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في «الاعتكاف» [خ¦٢٠٣٨] وفي «الأدب» [خ¦٦٢١٩] وفي «صفة إبليس» [خ¦٣٢٨١] وفي «الأحكام» [خ¦٧١٧١]، وأخرجه مسلمٌ في «الاستئذان»، وأبو داود في «الصوم» وفي «الأدب»، والنَّسائيُّ في «الاعتكاف»، وابن ماجه في «الصَّوم». انتهى.
(٩) (بابُ الاعْتِكَافِ، وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بفتحاتٍ، و «النَّبيُّ» رفع فاعلٍ كذا في الفرع وغيره، وفي بعض الأصول: «وخُرُوج النَّبيِّ ﷺ » (٣) بضمِّ الخاء والرَّاء ثمَّ واو، و «النَّبيِّ» مجرورٌ بالإضافة، أي: خروجه من اعتكافه (صَبِيحَةَ عِشْرِينَ) من شهر رمضان.
стр. 4478
٢٠٣٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ) بضمِّ الميم وكسر النَّون المروزيُّ، أنَّه (سَمِعَ هَارُونَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ) أبا الحسن، البصريَّ قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ) الهُنَائيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁ (١) قُلْتُ: هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ لَيْلَةَ القَدْرِ؟ قَالَ: نَعَمِ، اعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ العَشْرَ الأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ) الأقوى فيه أن يُقال: «الوسُط» بضمَّ السِّين، و «الوسَط» بفتحها، وأمَّا الأوسط فكأنَّه تسميةٌ لمجموع تلك اللَّيالي والأيَّام، وإنَّما رجح الأوَّل لأنَّ العشر اسمٌ الليالي (٢) كما مرَّ (قَالَ: فَخَرَجْنَا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ) من الشَّهر (قَالَ: فَخَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَقَالَ) ﵊: (إِنِّي أُرِيتُ) بتقديم الهمزة المضمومة على الرَّاء، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «رَأَيت» بتقديم الرَّاء وفتح الهمزة (لَيْلَةَ القَدْرِ، وَإِنِّي نُسِّيتُهَا) بضمِّ النُّون وتشديد المهملة المكسورة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والحَمُّويي: «نَسِيتها» بفتح النُّون وتخفيف المهملة، فالأولى: أنَّه نسيها بواسطةٍ، وفي رواية همَّامٍ عن يحيى في «باب السُّجود في الماء والطِّين» [خ¦٨١٣] من «صفة الصَّلاة»: أنَّ جبريل هو المخبر له بذلك (فَالتَمِسُوهَا) اطلبوها (فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ) من رمضان (فِي وِتْرٍ) من غير تعيين (فَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَسْجُد) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أنِّي أسجد» (فِي مَاءٍ وَطِينٍ، وَمَنْ) بالواو (كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلْيَرْجِعْ) إلى مُعتكَفه ويعتكف (فَرَجَعَ النَّاسُ إِلَى المَسْجِدِ، وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً) بالقاف
стр. 4479
والزَّاي والعين المهملة مفتوحاتٍ (١): سحابةً (قَالَ: فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ فَمَطَرَتْ) بفتحاتٍ (وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) صلاة الصُّبح (فَسَجَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الطِّينِ وَالمَاءِ، حَتَّى رَأَيْتُ الطِّينَ) وفي رواية غير ابن عساكر: «حتَّى رأيت أثر الطِّين» (فِي أَرْنَبَتِهِ) بفتح الهمزة وسكون الرَّاء وفتح النُّون والمُوحَّدة: طرف أنفه الشَّريف (وَ) في (جَبْهَتِهِ) المُقدَّسة.
(١٠) (بابُ) حكم (اعْتِكَافِ المُسْتَحَاضَةِ).
٢٠٣٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضمِّ الزَّاي تصغير زرعٍ (عَنْ خَالِدٍ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ: اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ مُسْتَحَاضَةٌ) ولأبي ذرٍّ: «امرأةٌ مستحاضةٌ من أزواجه» وهي أمُّ سلمة كما في «سنن سعيد بن منصورٍ» (فَكَانَتْ تَرَى الحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ، فَرُبَّمَا وَضَعْنَا) وفي نسخةٍ: «وضعت» (الطَّسْتَ تَحْتَهَا، وَهْيَ تُصَلِّي) فيه: جواز صلاتها كاعتكافها، لكن مع الأمن من التَّلويث كدائم الحدث.
وهذا الحديث قد سبق في «كتاب الحيض» [خ¦٣١٠].
(١١) (بابُ زِيَارَةِ المَرْأَةِ زَوْجَهَا فِي اعْتِكَافِهِ).
стр. 4480
٢٠٣٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ) بضمِّ العين (١) وفتح الفاء وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره راءٌ المصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) هو ابن مسافرٍ الفهميُّ أمير مصر (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ ﵄¬) زين العابدين، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «عليِّ بن حسينٍ» بحذف الألف واللَّام (أَنَّ صَفِيَّةَ) بنت حُيَيٍّ (زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ) كذا أورده مختصرًا موصولًا.
ثمَّ ذكر طريقًا أخرى مُرسَلةً فقال: «ح» (٢): (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «حدَّثني» بالإفراد، ولأبي ذرٍّ وحده: «وحدَّثني» بالواو (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو الصَّنعانيُّ اليمانيُّ، ولأبي ذرٍّ: «هشام بن يوسف» قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميم وسكون المهملة ابن راشدٍ الأزديُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر (٣): «ابن حسينٍ» أنَّه قال: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي المَسْجِدِ) معتكفًا (وَعِنْدَهُ أَزْوَاجُهُ، فَرُحْنَ) إلى منازلهنَّ (فَقَالَ) ﵊ (لِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ: لَا تَعْجَلِي حَتَّى أَنْصَرِفَ مَعَكِ) كأنَّ مجيئها تأخَّر عن رفقتها، فأمرها بالتَّأخُّر ليحصل التَّساوي في مدَّة جلوسهنَّ عنده، أو أنَّ بيوت رفقتها كانت أقرب، فخشي عليه الصَّلاة السَّلام عليها، وكان مشغولًا، فأمرها بالتَّأخُّر (٤) ليفرغ ويشيِّعها (وَكَانَ بَيْتُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ) أي: الدَّار التي صارت بعد ذلك لأسامة بن زيدٍ لأنَّ أسامة إذ ذاك لم يكن له دارٌ مستقلَّةٌ بحيث تسكن فيها صفيَّة (فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) من المسجد (مَعَهَا، فَلَقِيَهُ رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَارِ) قيل: هما (٥) أُسَيد بن حُضَيرٍ وعبَّاد بن بشرٍ (فَنَظَرَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ أَجَازَا) بهمزةٍ مفتوحةٍ قبل الجيم وبعد الألف زايٌ، وسقطت الهمزة في رواية لابن عساكر، يُقال: جاز وأجاز بمعنًى، أي: مضيا
стр. 4481
(وَقَالَ) ولابن عساكر وأبي ذرٍّ: «فقال» (لَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ : تَعَالَيَا) بفتح اللَّام (إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ، قَالَا) ولأبي ذرٍّ: «فقالا»: (سُبْحَانَ اللهِ) متعجِّبين من قوله ﵊ لهما ذلك، أو ننزِّهك ممَّا لا ينبغي (يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ) ﵊: (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ) قيل: حقيقةً جعل الله له قوَّة ذلك، وقيل: إنَّه يلقي وسوسته في مسامٍ لطيفةٍ من البدن فتصل وسوسته إلى القلب (وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يُلْقِيَ) الشَّيطان (فِي أَنْفُسِكُمَا شَيْئًا) فتهلكا.
(١٢) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يَدْرَأْ) بفتح الياء وسكون الدَّال المهملة وبعد الرَّاء همزةٌ مضمومةٌ، أي: هل يدفع (المُعْتَكِفُ عَنْ نَفْسِهِ) بالقول والفعل؟
٢٠٣٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) ولابن عساكر: «حدَّثني» بالتَّوحيد فيهما (أَخِي) عبد الحميد بن أبي أويسٍ (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن بلالٍ مولى عبد الله بن أبي عتيقٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ) هو محمَّد بن عبد الله بن أبي عتيق بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) ولأبي ذرٍّ: «عن الزُّهريِّ» (عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ ﵄¬) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «ابن حسين» (أَنَّ صَفِيَّةَ) زاد ابن عساكر: «بنت حييٍّ» (أَخْبَرَتْهُ) أورده أيضًا كالسَّابق مختصرًا موصولًا ثمَّ مرسلًا، فقال:
«ح» (٢): (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «وحدَّثنا» (عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال:
стр. 4482
(حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يُخْبِرُ) بسكون المعجمة (١) (عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ) ولأبي ذرٍّ (٢) وابن عساكر: «ابن حسين»: (أَنَّ صَفِيَّةَ ﵂ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ وَهْوَ مُعْتَكِفٌ) في المسجد (فَلَمَّا رَجَعَتْ) إلى منزلها في دار أسامة بن زيدٍ خارج المسجد (مَشَى مَعَهَا) رسول الله ﷺ (فَأَبْصَرَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) بالإفراد، وفي السَّابق [خ¦٢٠٣٨]: «فلقيه رجلان»، فقيل: محمولٌ على التَّعدُّد، وقال في «الفتح»: إنَّ أحدهما كان تبعًا للآخر، أو خصَّ أحدهما بخطاب المشافهة دون الآخر، أو أنَّ الزُّهريَّ كان يشكُّ فيه؛ فتارةً يقول: رجلان، وتارةً يقول (٣): رجلٌ، وقد رواه سعيد بن منصورٍ عن هُشَيمٍ عن الزُّهريِّ: «فلقيه رجلٌ أو رجلان»؛ بالشَّكِّ، ورواه مسلمٌ من وجهٍ آخر من حديث أنسٍ بالإفراد.
(فَلَمَّا أَبْصَرَهُ) ﵊ الرَّجلُ (دَعَاهُ فَقَالَ: تَعَالَ) بفتح اللَّام (هِيَ صَفِيَّةُ -وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: هَذِهِ صَفِيَّةُ- فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ) وفي رواية عبد الرَّحمن بن إسحاق عن الزُّهريِّ عند ابن حبَّان: «ما أقول لكما هذا أن تكونا تظنَّان شرًّا، ولكن قد علمت أنَّ الشَّيطان يجري من ابن آدم مجرى الدَّم»، وهذا موضع التَّرجمة لأنَّ فيه الذَّبَّ بالقول، قال إمامنا الشَّافعيُّ -كما مرَّ-: إنَّ قوله ﵊ ذلك تعليمٌ لنا إذا حدَّثْنا محارمنَا أو نساءنا على الطَّريق أن نقول: هي مَحْرَمي، حتَّى لا نُتَّهَم. انتهى. وكذا يجوز الذَّبُّ بالفعل؛ إذ ليس المعتكف في ذلك بأشدَّ من المصلِّي، قال عليُّ بن المدينيِّ: (قُلْتُ لِسُفْيَانَ) بن عيينة: (أَتَتْهُ) ﵊ صفيَّة (لَيْلًا؟ قَالَ: وَهَلْ) ولأبي ذرٍّ: «قال: وفهل» (هُوَ إِلَّا لَيْلًا؟) أي: وهل وقع الإتيان إلَّا في اللَّيل، وعند النَّسائيِّ من طريق عبد الله بن المبارك عن سفيان بن عيينة في نفس الحديث: أنَّ صفيَّة أتت النَّبيَّ ﷺ ذات ليلةٍ، وفي غير رواية أبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «إلا ليلٌ» بالرَّفع.
(١٣) (بابُ مَنْ خَرَجَ مِنَ اعْتِكَافِهِ عِنْدَ الصُّبْحِ) إذا أراد اعتكاف اللَّيالي دون الأيَّام.
стр. 4483
٢٠٤٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) العبديُّ النَّيسابوريُّ، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «عبد الرَّحمن بن بِشْرٍ» بكسر المُوحَّدة وسكون الشِّين المعجمة، قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنة (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن أبي مسلمٍ (الأَحْوَلِ خَالِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) المكِّيِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ (١). (قَالَ سُفْيَانُ) أي: ابن عيينة، وسقط لأبي ذرٍّ «قال سفيان»: (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو) بسكون الميم ابن علقمة بن أبي وقَّاصٍ اللَّيثيُّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: وَأَظُنُّ) وللأَصيليِّ: «قال سفيان (٢): وأظنُّ» (أَنَّ ابْنَ أَبِي لَبِيدٍ) بفتح اللَّام وكسر المُوحَّدة عبد الله المدنيَّ (حَدَّثَنَا، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁¬) ومُحصَّل هذا: أنَّ سفيان رواه عن ثلاثةٍ: ابن جريجٍ ومحمَّد بن عمروٍ وابن أبي لبيدٍ، وقد أخرجه أحمد عن سفيان، ولم يقل: وأظنُّ، ولفظه: قال: حدَّثنا محمَّد بن عمروٍ عن أبي سلمة، وابن أبي لبيدٍ عن أبي سلمة: سمعت أبا سعيدٍ ﵁ (قَالَ: اعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ العَشْرَ الأَوْسَطَ) من رمضان (فَلَمَّا كَانَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ) منه (نَقَلْنَا مَتَاعَنَا) فيه إشعارٌ بأنَّهم اعتكفوا اللَّيالي دون الأيَّام، فيوافق (٣) التَّرجمة، لكن حمله المُهلَّب على نقل أثقالهم وما يحتاجون إليه من آلة الأكل وغيرها؛ إذ لا حاجة لهم فيها ذلك اليوم، فإذا كان المساء خرجوا خفافًا، قال: ولذلك قال: «نقلنا متاعنا»،
стр. 4484
ولم يقل: «خرجنا»، وقد سبق في «باب تحرِّي ليلة القدر» [خ¦٢٠١٨] من وجهٍ آخر، فإذا كان حين يُمسي من عشرين ليلةً، ويستقبل إحدى وعشرين رجع ﵊، وبذلك يُجمَع بين الطَّريقين، فإنَّ القصَّة واحدةٌ والحديث واحدٌ، وهو حديث أبي سعيدٍ (فَأَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ) معي (فَلْيَرْجِعْ إِلَى مُعْتَكَفِهِ) بفتح الكاف (فَإِنِّي رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، وَرَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مُعْتَكَفِهِ) بفتح الكاف (وَهَاجَتِ) ولأبي ذرٍّ: «قال: وهاجت» (السَّمَاءُ) طلعت السُّحب (فَمُطِرْنَا) بضمِّ الميم (فَوَالَّذِي بَعَثَهُ) ﵊ (بِالحَقِّ؛ لَقَدْ هَاجَتِ السَّمَاءُ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وَكَانَ المَسْجِدُ) أي: سقفه (عَرِيشًا) أي: مُظلَّلًا بجريدٍ؛ يريد: أنَّه لم يكن له سقفٌ يُكِنُّ النَّاس من المطر (فَلَقَدْ رَأَيْتُ عَلَى أَنْفِهِ وَأَرْنَبَتِهِ) أي: طرف أنفه، وجمع بينهما؛ تأكيدًا، أو على أنَّ المراد بالأوَّل: وسطه، والثَّاني: طرفه (أَثَرَ المَاءِ وَالطِّينِ).
(١٤) (بابُ الاِعْتِكَافِ فِي شَوَّالٍ).
٢٠٤١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (مُحَمَّدٌ) ولابن عساكر -ونسبه في «الفتح» لكريمة-: «هو ابن سَلامٍ» -بتخفيف اللَّام- قال: (حَدَّثَنَا) (١) وفي نسخة لابن عساكر (٢): «أخبرنا» (مُحَمَّدُ بْنُ
стр. 4485
فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ) بفتح الغين وسكون الزَّاي المعجمتين و «فُضَيل»: مُصغَّرٌ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الأنصاريَّة (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانٍ) بالتَّنوين لأنَّه نُكِّر، فزالت العلميَّة منه، فصُرِف كذا في الفرع: «رمضانٍ» مصروفًا (١) (وَإِذَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «فإذا» بالفاء (صَلَّى الغَدَاةَ) الصَّبح (دَخَلَ مَكَانَهُ) من الدُّخول، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «حلَّ مكانه» من الحلول (الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ) وهو موضع خيمته (قَالَ: فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ أَنْ تَعْتَكِفَ) في المسجد (فَأَذِنَ لَهَا فَضَرَبَتْ فِيهِ قُبَّةً، فَسَمِعَتْ بِهَا حَفْصَةُ فَضَرَبَتْ قُبَّةً) أي: فيه بعد أن استأذنته كما مرَّ (وَسَمِعَتْ زَيْنَبُ بِهَا) وكانت امرأةً غيورًا (٢) (فَضَرَبَتْ) أي: فيه (قُبَّةً أُخْرَى) ثالثةً (فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الغَدِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «من الغداة» (أَبْصَرَ أَرْبَعَ قِبَابٍ) أي: بقبته ﵊ (فَقَالَ: مَا هَذَا) الذي أراه؟ (فَأُخْبِرَ) بضمِّ الهمزة (خَبَرَهُنَّ) بثلاث فتحاتٍ (فَقَالَ: مَا حَمَلَهُنَّ عَلَى هَذَا؟ آلْبِرُّ؟) بالرَّفع، فـ «ما» نافيةٌ و «البرُّ» فاعل «حمل»، أو «ما» استفهاميَّة، و «آلبرُّ» بهمزة الاستفهام: مبتدأٌ محذوف الخبر، أي: كائنٌ أو حاصلٌ (انْزِعُوهَا) أي: القِباب المذكورة (فَلَا أَرَاهَا) بفتح الهمزة وألفٍ بعد الرَّاء، فهو رُفِع على أنَّ «لا» نافيةٌ، وقول البرماويِّ -تبعًا للكِرمانيِّ-: والجزم؛ تعقَّبه العينيُّ بأنَّ «لا» ليست ناهيةً (فَنُزِعَتْ) تلك القِباب (فَلَمْ يَعْتَكِفْ) ﵊ (فِي رَمَضَانَ) تلك السَّنة (حَتَّى اعْتَكَفَ فِي آخِرِ العَشْرِ مِنْ شَوَّالٍ) وفي رواية أبي معاوية عند مسلمٍ وأبي داود: «حتَّى (٣) اعتكف في العشر الأُوَل من شوَّال»، ويُجمَع بينهما: بأنَّ المراد من قوله: «آخر العشر» انتهاء اعتكافه، والله أعلم (٤).
(١٥) (بابُ مَنْ لَمْ يَرَ عَلَيْهِ) أي: على المعتكف (صَوْمًا) نُصِبَ مفعول: «يرَ» (إِذَا اعْتَكَفَ) ولأبي ذرٍّ: