(وَقَالَ) ولابن عساكر وأبي ذرٍّ: «فقال» (لَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ : تَعَالَيَا) بفتح اللَّام (إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ، قَالَا) ولأبي ذرٍّ: «فقالا»: (سُبْحَانَ اللهِ) متعجِّبين من قوله ﵊ لهما ذلك، أو ننزِّهك ممَّا لا ينبغي (يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ) ﵊: (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ) قيل: حقيقةً جعل الله له قوَّة ذلك، وقيل: إنَّه يلقي وسوسته في مسامٍ لطيفةٍ من البدن فتصل وسوسته إلى القلب (وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يُلْقِيَ) الشَّيطان (فِي أَنْفُسِكُمَا شَيْئًا) فتهلكا.
(١٢) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يَدْرَأْ) بفتح الياء وسكون الدَّال المهملة وبعد الرَّاء همزةٌ مضمومةٌ، أي: هل يدفع (المُعْتَكِفُ عَنْ نَفْسِهِ) بالقول والفعل؟
٢٠٣٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) ولابن عساكر: «حدَّثني» بالتَّوحيد فيهما (أَخِي) عبد الحميد بن أبي أويسٍ (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن بلالٍ مولى عبد الله بن أبي عتيقٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ) هو محمَّد بن عبد الله بن أبي عتيق بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) ولأبي ذرٍّ: «عن الزُّهريِّ» (عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ ﵄¬) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «ابن حسين» (أَنَّ صَفِيَّةَ) زاد ابن عساكر: «بنت حييٍّ» (أَخْبَرَتْهُ) أورده أيضًا كالسَّابق مختصرًا موصولًا ثمَّ مرسلًا، فقال:
«ح» (٢): (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «وحدَّثنا» (عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال:
стр. 4482
(حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يُخْبِرُ) بسكون المعجمة (١) (عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ) ولأبي ذرٍّ (٢) وابن عساكر: «ابن حسين»: (أَنَّ صَفِيَّةَ ﵂ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ وَهْوَ مُعْتَكِفٌ) في المسجد (فَلَمَّا رَجَعَتْ) إلى منزلها في دار أسامة بن زيدٍ خارج المسجد (مَشَى مَعَهَا) رسول الله ﷺ (فَأَبْصَرَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) بالإفراد، وفي السَّابق [خ¦٢٠٣٨]: «فلقيه رجلان»، فقيل: محمولٌ على التَّعدُّد، وقال في «الفتح»: إنَّ أحدهما كان تبعًا للآخر، أو خصَّ أحدهما بخطاب المشافهة دون الآخر، أو أنَّ الزُّهريَّ كان يشكُّ فيه؛ فتارةً يقول: رجلان، وتارةً يقول (٣): رجلٌ، وقد رواه سعيد بن منصورٍ عن هُشَيمٍ عن الزُّهريِّ: «فلقيه رجلٌ أو رجلان»؛ بالشَّكِّ، ورواه مسلمٌ من وجهٍ آخر من حديث أنسٍ بالإفراد.
(فَلَمَّا أَبْصَرَهُ) ﵊ الرَّجلُ (دَعَاهُ فَقَالَ: تَعَالَ) بفتح اللَّام (هِيَ صَفِيَّةُ -وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: هَذِهِ صَفِيَّةُ- فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ) وفي رواية عبد الرَّحمن بن إسحاق عن الزُّهريِّ عند ابن حبَّان: «ما أقول لكما هذا أن تكونا تظنَّان شرًّا، ولكن قد علمت أنَّ الشَّيطان يجري من ابن آدم مجرى الدَّم»، وهذا موضع التَّرجمة لأنَّ فيه الذَّبَّ بالقول، قال إمامنا الشَّافعيُّ -كما مرَّ-: إنَّ قوله ﵊ ذلك تعليمٌ لنا إذا حدَّثْنا محارمنَا أو نساءنا على الطَّريق أن نقول: هي مَحْرَمي، حتَّى لا نُتَّهَم. انتهى. وكذا يجوز الذَّبُّ بالفعل؛ إذ ليس المعتكف في ذلك بأشدَّ من المصلِّي، قال عليُّ بن المدينيِّ: (قُلْتُ لِسُفْيَانَ) بن عيينة: (أَتَتْهُ) ﵊ صفيَّة (لَيْلًا؟ قَالَ: وَهَلْ) ولأبي ذرٍّ: «قال: وفهل» (هُوَ إِلَّا لَيْلًا؟) أي: وهل وقع الإتيان إلَّا في اللَّيل، وعند النَّسائيِّ من طريق عبد الله بن المبارك عن سفيان بن عيينة في نفس الحديث: أنَّ صفيَّة أتت النَّبيَّ ﷺ ذات ليلةٍ، وفي غير رواية أبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «إلا ليلٌ» بالرَّفع.
(١٣) (بابُ مَنْ خَرَجَ مِنَ اعْتِكَافِهِ عِنْدَ الصُّبْحِ) إذا أراد اعتكاف اللَّيالي دون الأيَّام.
стр. 4483
٢٠٤٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) العبديُّ النَّيسابوريُّ، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «عبد الرَّحمن بن بِشْرٍ» بكسر المُوحَّدة وسكون الشِّين المعجمة، قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنة (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن أبي مسلمٍ (الأَحْوَلِ خَالِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) المكِّيِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ (١). (قَالَ سُفْيَانُ) أي: ابن عيينة، وسقط لأبي ذرٍّ «قال سفيان»: (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو) بسكون الميم ابن علقمة بن أبي وقَّاصٍ اللَّيثيُّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: وَأَظُنُّ) وللأَصيليِّ: «قال سفيان (٢): وأظنُّ» (أَنَّ ابْنَ أَبِي لَبِيدٍ) بفتح اللَّام وكسر المُوحَّدة عبد الله المدنيَّ (حَدَّثَنَا، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁¬) ومُحصَّل هذا: أنَّ سفيان رواه عن ثلاثةٍ: ابن جريجٍ ومحمَّد بن عمروٍ وابن أبي لبيدٍ، وقد أخرجه أحمد عن سفيان، ولم يقل: وأظنُّ، ولفظه: قال: حدَّثنا محمَّد بن عمروٍ عن أبي سلمة، وابن أبي لبيدٍ عن أبي سلمة: سمعت أبا سعيدٍ ﵁ (قَالَ: اعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ العَشْرَ الأَوْسَطَ) من رمضان (فَلَمَّا كَانَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ) منه (نَقَلْنَا مَتَاعَنَا) فيه إشعارٌ بأنَّهم اعتكفوا اللَّيالي دون الأيَّام، فيوافق (٣) التَّرجمة، لكن حمله المُهلَّب على نقل أثقالهم وما يحتاجون إليه من آلة الأكل وغيرها؛ إذ لا حاجة لهم فيها ذلك اليوم، فإذا كان المساء خرجوا خفافًا، قال: ولذلك قال: «نقلنا متاعنا»،
стр. 4484
ولم يقل: «خرجنا»، وقد سبق في «باب تحرِّي ليلة القدر» [خ¦٢٠١٨] من وجهٍ آخر، فإذا كان حين يُمسي من عشرين ليلةً، ويستقبل إحدى وعشرين رجع ﵊، وبذلك يُجمَع بين الطَّريقين، فإنَّ القصَّة واحدةٌ والحديث واحدٌ، وهو حديث أبي سعيدٍ (فَأَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ) معي (فَلْيَرْجِعْ إِلَى مُعْتَكَفِهِ) بفتح الكاف (فَإِنِّي رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، وَرَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مُعْتَكَفِهِ) بفتح الكاف (وَهَاجَتِ) ولأبي ذرٍّ: «قال: وهاجت» (السَّمَاءُ) طلعت السُّحب (فَمُطِرْنَا) بضمِّ الميم (فَوَالَّذِي بَعَثَهُ) ﵊ (بِالحَقِّ؛ لَقَدْ هَاجَتِ السَّمَاءُ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وَكَانَ المَسْجِدُ) أي: سقفه (عَرِيشًا) أي: مُظلَّلًا بجريدٍ؛ يريد: أنَّه لم يكن له سقفٌ يُكِنُّ النَّاس من المطر (فَلَقَدْ رَأَيْتُ عَلَى أَنْفِهِ وَأَرْنَبَتِهِ) أي: طرف أنفه، وجمع بينهما؛ تأكيدًا، أو على أنَّ المراد بالأوَّل: وسطه، والثَّاني: طرفه (أَثَرَ المَاءِ وَالطِّينِ).
(١٤) (بابُ الاِعْتِكَافِ فِي شَوَّالٍ).
٢٠٤١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (مُحَمَّدٌ) ولابن عساكر -ونسبه في «الفتح» لكريمة-: «هو ابن سَلامٍ» -بتخفيف اللَّام- قال: (حَدَّثَنَا) (١) وفي نسخة لابن عساكر (٢): «أخبرنا» (مُحَمَّدُ بْنُ
стр. 4485
فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ) بفتح الغين وسكون الزَّاي المعجمتين و «فُضَيل»: مُصغَّرٌ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الأنصاريَّة (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانٍ) بالتَّنوين لأنَّه نُكِّر، فزالت العلميَّة منه، فصُرِف كذا في الفرع: «رمضانٍ» مصروفًا (١) (وَإِذَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «فإذا» بالفاء (صَلَّى الغَدَاةَ) الصَّبح (دَخَلَ مَكَانَهُ) من الدُّخول، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «حلَّ مكانه» من الحلول (الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ) وهو موضع خيمته (قَالَ: فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ أَنْ تَعْتَكِفَ) في المسجد (فَأَذِنَ لَهَا فَضَرَبَتْ فِيهِ قُبَّةً، فَسَمِعَتْ بِهَا حَفْصَةُ فَضَرَبَتْ قُبَّةً) أي: فيه بعد أن استأذنته كما مرَّ (وَسَمِعَتْ زَيْنَبُ بِهَا) وكانت امرأةً غيورًا (٢) (فَضَرَبَتْ) أي: فيه (قُبَّةً أُخْرَى) ثالثةً (فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الغَدِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «من الغداة» (أَبْصَرَ أَرْبَعَ قِبَابٍ) أي: بقبته ﵊ (فَقَالَ: مَا هَذَا) الذي أراه؟ (فَأُخْبِرَ) بضمِّ الهمزة (خَبَرَهُنَّ) بثلاث فتحاتٍ (فَقَالَ: مَا حَمَلَهُنَّ عَلَى هَذَا؟ آلْبِرُّ؟) بالرَّفع، فـ «ما» نافيةٌ و «البرُّ» فاعل «حمل»، أو «ما» استفهاميَّة، و «آلبرُّ» بهمزة الاستفهام: مبتدأٌ محذوف الخبر، أي: كائنٌ أو حاصلٌ (انْزِعُوهَا) أي: القِباب المذكورة (فَلَا أَرَاهَا) بفتح الهمزة وألفٍ بعد الرَّاء، فهو رُفِع على أنَّ «لا» نافيةٌ، وقول البرماويِّ -تبعًا للكِرمانيِّ-: والجزم؛ تعقَّبه العينيُّ بأنَّ «لا» ليست ناهيةً (فَنُزِعَتْ) تلك القِباب (فَلَمْ يَعْتَكِفْ) ﵊ (فِي رَمَضَانَ) تلك السَّنة (حَتَّى اعْتَكَفَ فِي آخِرِ العَشْرِ مِنْ شَوَّالٍ) وفي رواية أبي معاوية عند مسلمٍ وأبي داود: «حتَّى (٣) اعتكف في العشر الأُوَل من شوَّال»، ويُجمَع بينهما: بأنَّ المراد من قوله: «آخر العشر» انتهاء اعتكافه، والله أعلم (٤).
(١٥) (بابُ مَنْ لَمْ يَرَ عَلَيْهِ) أي: على المعتكف (صَوْمًا) نُصِبَ مفعول: «يرَ» (إِذَا اعْتَكَفَ) ولأبي ذرٍّ:
стр. 4486
«باب من لم يرَ عليه إذا اعتكف صومًا» ولابن عساكر: «باب من لم ير على المعتكف صومًا» وفي نسخةٍ معتمدةٍ: «بابٌ» بالتَّنوين «إذا اعتكف من لم ير عليه صومًا».
٢٠٤٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أبي أويسٍ (عَنْ أَخِيهِ) عبد الحميد (عَنْ سُلَيْمَانَ) ولابن عساكر زيادة: «ابن بلالٍ» (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ) أبيه (عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي نَذَرْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ) أي: قبل إسلامه (١) (أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَوْفِ نَذْرَكَ) بفتح الهمزة وحذف الياء بعد الفاء، ولابن عساكر في نسخةٍ: «بنذرك» بزيادة حرف الجرِّ أوَّله (فَاعْتَكَفَ) عمر (لَيْلَةً) وفاءً بنذره على سبيل السُّنَّة، ولم يأمره ﵊ بصومٍ، فدلَّ على أنَّ الصَّوم ليس بشرطٍ للاعتكاف، كما مرَّ.
(١٦) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا نَذَرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَعْتَكِفَ، ثُمَّ أَسْلَمَ) أي: هل يلزمه الوفاء بذلك أم لا؟
٢٠٤٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) اسمه في الأصل: عبد الله الهَبَّاريُّ القرشيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة اللَّيثيُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بن عمر العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ ﵁ نَذَرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ) قبل أن يسلم (أَنْ يَعْتَكِفَ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ-قَالَ) عُبَيدٌ شيخ المؤلِّف، أو المؤلِّف نفسه: (أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة: أظنُّه (قَالَ-: لَيْلَةً،
стр. 4487
قَالَ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «فقال» (لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَوْفِ بِنَذْرِكَ) بحرف الجرِّ أوَّله.
(١٧) (بابُ الاِعْتِكَافِ فِي العَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ) فلا يختصُّ بالأخير وإن كان هو فيه أفضل.
٢٠٤٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ (١) اللهِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو ابن عبيد (٢) الله بن أبي شيبة الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ) هو ابن عيَّاشٍ المقرئ راوي حفصٍ (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصَّاد المهملتين عثمان بن عاصمٍ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانٍ) بالصَّرف لأنَّه نُكِّر، فزالت منه (٣) العلميَّة كما مرَّ قريبًا [خ¦٢٠٤١] (عَشْرَةَ أَيَّامٍ) وفي رواية يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عيَّاشٍ عند النَّسائيِّ: «يعتكف العشر الأواخر من رمضان» (فَلَمَّا كَانَ العَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا) لأنَّه علم بانقضاء أجله فأراد أن يستكثر من الأعمال الصَّالحة تشريعًا لأمَّته أن يجتهدوا في العمل إذا بلغوا أقصى العمر ليلقَوا الله على خير أعمالهم، ولأنَّه ﵊ اعتاد من جبريل ﵊ أن يعارضه بالقرآن في كلِّ عامٍّ مرَّةً واحدةً، فلمَّا عارضه في العام الأخير مرَّتين اعتكف فيه مِثْلَيْ ما كان يعتكف، وهذا موضع التَّرجمة لأنَّ الظَّاهر من إطلاق العشرين أنَّها متواليةٌ، والعشر الأخير منها، فيلزم منه دخول العشر الأوسط فيها، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «يومًا».
(١٨) (بابُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ ثُمَّ بَدَا) أي: ظهر (لَهُ أَنْ يَخْرُجَ) أي: يترك ما أراده من الاعتكاف.
стр. 4488
٢٠٤٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ) المروزيُّ المجاور بمكَّة قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ (قَالَ: حَدَّثَتْنِي) بتاء التَّأنيث والتَّوحيد (عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سعدٍ الأنصاريَّة (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَكَرَ) للنَّاس أنَّه يريد (أَنْ يَعْتَكِفَ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ) ﵂ في أن تعتكف معه (فَأَذِنَ لَهَا، وَسَأَلَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ أَنْ تَسْتَأْذِنَ لَهَا) النَّبيَّ ﷺ أن تعتكف معه أيضًا (فَفَعَلَتْ) عائشة ذلك، فأذن ﵊ لحفصة في ذلك (فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ زَيْنَبُ ابْنَةُ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (جَحْشٍ أَمَرَتْ بِبِنَاءٍ، فَبُنِيَ لَهَا) أي: بضرب خيمةٍ، فضُرِبت لها أيضًا في المسجد (قَالَتْ) عائشة ﵂: (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا صَلَّى انْصَرَفَ إِلَى بِنَائِهِ) الذي بُنِي له قبل اعتكافه فيدخله (فَبَصُرَ بِالأَبْنِيَةِ) بفاءٍ فمُوحَّدةٍ مفتوحتين (١) فمُهمَلةٍ مضمومةٍ، و «بالأبنية»: بحرف الجرِّ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فأبصر الأبنيَة» بالنَّصب مفعول «أبصر» (فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: بِنَاءُ عَائِشَةَ وَ) بناء (حَفْصَةَ وَ) بناء (زَيْنَبَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : آلْبِرَّ أَرَدْنَ بِهَذَا؟) بهمزة الاستفهام والنَّصب، مفعولٌ مقدَّمٌ لقوله: «أردن» (مَا أَنَا بِمُعْتَكِفٍ) أي: في هذا الشَّهر (فَرَجَعَ) عن الاعتكاف، أي: تركه، ولا ينافي ما سبقه (٢) من أنَّه اعتكف العشر الأواخر (٣) لجواز أن يكون ذلك في (٤) وقتين جمعًا بين الحديثين، وهذا موضع التَّرجمة (فَلَمَّا أَفْطَرَ) من رمضان (اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ).
стр. 4489
(١٩) (بابُ المُعْتَكِفِ) وفي نسخةٍ: «بابٌ» بالتَّنوين «المعتكف» (يُدْخِلُ رَأْسَهُ البَيْتَ لِلْغَسْلِ) بفتح الغين، ولأبي ذرٍّ: «للغُسل» بضمِّها، واللَّام للتَّعليل.
٢٠٤٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الصَّنعانيُّ، ولأبي ذرٍّ: «هشام بن يوسف» قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) أي: تمشِّط شعر رأسه (وَهِيَ حَائِضٌ) جملةٌ حاليَّةٌ من فاعل «ترجِّل» (وَهْوَ) ﵊ (مُعْتَكِفٌ فِي المَسْجِدِ) جملةٌ حاليَّةٌ من مفعول «ترجِّل» أيضًا، وكذا (١) اللَّاحقة المذكورة بقوله: (وَهْيَ فِي حُجْرَتِهَا) من وراء عَتَبَةِ بابها (يُنَاوِلُهَا) أي: يُميل إليها (رَأْسَهُ) من داخل المسجد خارج الحجرة، وهذا مجازٌ علاقتُه التَّشبيهُ لأنَّ المناولَة حقيقةً نقلُ الشَّيء، والرَّأسُ مُذكَّرٌ، قال الفاكهانيُّ: لا أعلم فيه خلافه، وهو مهموزٌ وقد يُخفَّف بتركه، ووَهِم مَنْ أنَّثه.
وهذا (٢) آخر ربع العبادات من هذا الشَّرح، تمام الجزء الثَّالث من تجزئة عشرةٍ، يتلوه الجزء الرَّابع (٣)، أوَّله: «كتاب البيوع»، قال القسطلانيُّ: فرغت منه يوم الخميس ثالث رجبٍ سنة سبعٍ وتسع مئةٍ، والله أعلم بالصَّواب، وإليه المرجع والمآب، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله العليِّ العظيم (٤).
стр. 4490
((٣٤)) (بسم الله الرحمن الرحيم (١) كِتَابُ البُيُوعِ) جمعُ بيعٍ، وجُمِعَ لاختلافِ أنواعه، كبيعِ العينِ، وبيعِ الدَّينِ، وبيع المنفعة، والصَّحيحِ والفاسد، وغير ذلك، وهو في اللُّغة: المبادلةُ، ويُطلقُ أيضًا على الشِّراء، قال الفرزدق:
إنَّ الشَّبابَ لَرابحٌ مَن باعهُ … والشَّيبُ ليس لبائِعيه تِجارُ
يعني: من اشتراه، ويُطلق الشِّراء أيضًا على البيع، نحو: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] قيل: وسُمِّي البيعُ بيعًا؛ لأنَّ البائعَ يمدُّ باعه إلى المشتري حالة العقد غالبًا، كما يُسمَّى صفقةً؛ لأنَّ أحد المتبايعين يصفِّق يده على يد صاحبه، لكن رُدَّ كون البيع مأخوذًا من الباع؛ لأنَّ البيع يائيُّ العين، والباع واويٌّ، تقول منه: بُعْت الشيء -بالضَّمِّ- أبوعه بوعًا، إذا قستَه بالباع، واسم الفاعل من باع: بائعٌ -بالهمز- وتركه لحنٌ، واسم المفعول: مَبِيعٌ، وأصله:
стр. 4491
مَبْيُوعٌ، قيل: حُذِفت الياء؛ لأنَّ (١) الذي حُذِف من «مبيعٍ» واو مفعولٍ لزيادتها، وهي أَولى بالحذف، وقال الأخفش: المحذوف عين الفعل؛ لأنَّهم لمَّا سكَّنوا الياء ألقَوا حركتها على الحرف الذي قبلها فانضمَّت، ثم أبدلوا من الضمَّةِ كسرةً للياء التي بعدها، ثم حُذِفت الياء وانقلبت الواو ياءً، كما انقلبت واو «ميزانٍ» للكسرة، قال المازنيُّ (٢): كلا القولين حسنٌ، وقول الأخفش أقيس.
والبيع في الشَّرع: مقابلةُ مالٍ قابلٍ للتَّصرُّف بمالٍ قابلٍ للتَّصرُّف مع الإيجاب والقبول على الوجه المأذون فيه، وحكمته: نظام (٣) المعاشِ وبقاء العالم؛ لأنَّ حاجة الإنسان تتعلَّق بما في يد صاحبه غالبًا، وقد لا يبذلها له بغير المعاملة، وتُفضي إلى التَّقاتل والتَّنازع وفناء العالم واختلال (٤) نظام المعاش وغير ذلك، ففي تشريع البيع وسيلةٌ إلى بلوغ الغرض من غير حرجٍ، ومن ثمَّ عقَّب المؤلِّف كغيره المعاملات بالعبادات؛ لأنَّها ضروريَّةٌ، وأخَّر النِّكاح؛ لأنَّ شهوته متأخِّرةٌ عن شهوة الأكل والشُّرب ونحوهما، وقد ثبتت البسملةُ مقدَّمةً قبل «كتاب» في الفرع، ومؤخَّرةً عنه (٥) لأبي ذرٍّ.
(وقولِ الله بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق: (﴿وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥])
стр. 4492
لمَّا ذمَّ الله أَكَلَة الرِّبا بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وأخبر أنَّهم اعترضوا على أحكام الله تعالى، وقالوا: البيع مثل الرِّبا، فإذا كان الرِّبا حرامًا فلا بدَّ أنْ يكون البيع كذلك، فردَّ (١) الله عليهم بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] واللَّفظ لفظ العموم، فيتناول كلَّ بيعٍ، فيقتضي إباحة الجميع، لكن قد منع الشَّارع بيوعًا أخرى وحرَّمها، فهو عامٌّ في الإباحة، مخصوصٌ بما لا يدلُّ الدَّليل على منعه، وقال إمامنا الشَّافعيُّ فيما رأيته في كتاب «المعرفة» للبيهقيِّ: وأصل البيوع كلِّها مباحٌ إذا كانت برضا المتبايعين الحائزين الأمر فيما تبايعا، إلَّا ما نهى عنه رسول الله (٢) ﷺ منه، أو ما (٣) كان في معنى ما نهى عنه رسول الله ﷺ . انتهى. (وَقَولُِهُِ) بالجرِّ عطفًا على سابقه، ويجوز الرَّفع على الاستئناف: (﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ﴾) التِّجارة (﴿تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]) استثناءٌ من الأمر بالكتابة، والتِّجارة الحاضرة تعمُّ المبايعة بدينٍ أو عينٍ، وإدارتها بينهم: تعاطيهم إيَّاها يدًا بيد، أي: إلَّا أنْ تتبايعوا يدًا بيد فلا بأس ألَّا تكتبوا؛ لبعده عن التَّنازع والنِّسيان، قاله البيضاويُّ. وقال الثَّعلبيُّ: الاستثناء منقطعٌ، أي: لكن إذا كانت تجارةً فإنها ليست بباطلٍ، فأوَّلُ هذه الآية يدلُّ على إباحة البيوع المؤجَّلة، وآخرها على إباحة التِّجارة في البيوع الحالَّة، وسقطت الآيتان في رواية أبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر.
(١) بابُ (باب مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللهِ تعالى) أسقط ابن عساكر لفظ «الباب» وزاد واو العطف قبل قوله:
стр. 4493
«ما جاء» (١) (﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾) فرغتم منها (﴿فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾) لقضاء حوائجكم (﴿وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ﴾) رزقه، وهذا أمرُ إباحةٍ بعد الحظر، وكان عِراكُ بنُ مالكٍ إذا صلَّى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: اللَّهم أجبتُ دعوتك، وصلَّيت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك وأنت خير الرَّازقين. رواه ابن أبي حاتم، وعن بعض السَّلف: من باع واشترى بعد صلاة الجمعة بارك الله له سبعين مرة. (﴿وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا﴾) اذكروه في مجامع أحوالكم، ولا تخصُّوا ذكره بالصَّلاة (﴿لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾) بخير الدَّارين (﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾) قيل: تقديره: إليها وإليه، فحُذِفت «إليه» للقرينة، وقيل: أَفرد التِّجارةَ لأنَّها المقصودة؛ إذ المراد من اللَّهو: طبلُ قدومِ العير، والآية نزلت حين قدمت عيرٌ المدينةَ أيَّامَ الغلاءِ والنَّبيُّ ﷺ يخطب، فسمع النَّاسُ الطبلَ لقدومها، فانصرفوا إليها إلَّا اثني عشر رجلًا (﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾) في الخطبة، وكان ذلك في أوائل وجوب الجمعة حين كانت الصَّلاة قبل الخطبة مثل العيد، كما رواه أبو داود في «مراسيله» (﴿قُلْ مَا عِندَ اللهِ﴾) من الثَّواب (﴿خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ١٠ - ١١]) لمن توكَّل عليه، فلا تتركوا ذكر الله في وقتٍ. وفي هذه الآية مشروعيَّة البيع من طريق عموم ابتغاء الفضل؛ لشموله التِّجارة وأنواع التَّكسُّب، ولفظ رواية أبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ﴾ إلى آخر السُّورة»، وفي أخرى لهم ذكر الآية إلى قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ثم قال: «إلى آخر السُّورة». (وَقَوْلِهِ) تعالى بالجرِّ عطفًا على السَّابق: (﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾) بما لم يُبِحْه الشَّرع، كالغصب والرِّبا والقمار (﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةٌ عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]) استثناءٌ منقطعٌ، أي: لكن كونُ تجارةٍ عن تراضٍ غيرُ منهيٍّ عنه، أو اقصدوا كون تجارةٍ، و ﴿عَن تَرَاضٍ﴾ صفةٌ لـ ﴿تِجَارَةٌ﴾ أي: تجارةٌ صادرةٌ عن تراضي
стр. 4494
المتعاقدين، وتخصيص التِّجارة من الوجوه الَّتي بها يحلُّ تناول مال الغير؛ لأنَّه أغلب وأوفق لذوي (١) المروءات، وقرأ الكوفيُّون: ﴿تِجَارَةً﴾ بالنَّصب على أنَّ «كان» ناقصةٌ وإضمار الاسم، أي: إلَّا أن تكون التِّجارةُ أو الجهةُ تجارةً.
٢٠٤٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع قال: (حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: إِنَّكُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) بضمِّ أول «يُكثر»، من الإكثار (وَتَقُولُونَ: مَا بَالُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لَا يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ؟ وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ صَفْقٌ بِالأَسْوَاقِ) بفتح ياء المضارعة من «يَشغلهم» مضارع شغله (٢) الشَّيء ثلاثيًّا، قال الجوهريُّ: ولا تَقُل: «أشغلني» يعني: بالألف؛ لأنَّه لغةٌ رديئةٌ، و «الصَّفْق» بالصَّاد وسكون الفاء وبالقاف، وقال الحافظ ابن حَجَرٍ: ووقع في رواية القابسيِّ بالسِّين، أي: بدل الصَّاد، وقد قال الخليل: كلُّ صادٍ تجيء قبل القاف فللعربِ فيها لغتان، سينٌ وصادٌ، قال في «المصابيح»: وقوله: «يشغلهم» خبر «كان» مقدَّمًا، و «صفق»: اسمها، فإن قلت: قد منعوا في باب المبتدأ تقديم الخبر في مثل: زيد قام؛
стр. 4495
لئلَّا يلتبس بالفاعل (١)، ومقتضاه منع ما ذكرته من الإعراب، وأجاب: بأنَّه بعد دخول النَّاسخ يجوز، نحو: كان يقوم زيدٌ، خلافًا لقومٍ، وصرَّح به في «التَّسهيل». انتهى. والمراد بالصَّفق هنا: التَّبايع؛ لأنَّهم كانوا إذا تبايعوا تصافقوا بالأكفِّ، أمارةً (٢) لانتزاع المبيع (٣)؛ لأنَّ الأملاك إنَّما تُضاف إلى الأيدي، والمقبوضُ تبعٌ لها، فإذا تصافقت الأكفُّ انتقلت (٤) الأملاك، واستقرَّت كلُّ يدٍ منها على ما صار لكلِّ واحدٍ منهما من ملك صاحبه. وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّه وقع في زمنه ﷺ ، واطَّلع عليه، وأقرَّه. (وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي) بكسر الميم وسكون اللَّام ثم همزة: مقتنعًا بالقوت، فلم يكن لي غيبةٌ عنه (فَأَشْهَدُ) رسول الله ﷺ (إِذَا غَابُوا) أي: إخوتي من المهاجرين (وَأَحْفَظُ) حديثه (إِذَا نَسُوا) بفتح النُّون وضمِّ المهملة المخفَّفة (وَكَانَ يَشْغَلُ إِخْوَتِي مِنَ الأَنْصَارِ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ) في الزِّراعة، و «عمل» فاعل «يشغل»، و «إخوتي» مفعولٌ، وهو بالمثنَّاة الفوقيَّة في الموضعين (وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا مِنْ مَسَاكِينِ الصُّفَّةِ) التي كانت منزلَ غرباءِ فقراء الصَّحابة بالمسجد الشَّريف النَّبويِّ (أَعِي) استئنافٌ أو حالٌ من الضَّمير في «كنتُ» وإن كان مضارعًا و «كان» ماضيًا؛ لأنَّه لحكايةِ الحال الماضية، أي: أحفظ (حِينَ يَنْسَوْنَ) لم يقل: أشهد إذا غابوا؛ لأنَّ غيبة الأنصار كانت أقلَّ، لأنَّ المدينة بلدهم، ووقت الزِّراعةِ قصيرٌ، فلم يعتدَّ به (وَقَدْ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ فِي حَدِيثٍ يُحَدِّثُهُ: إِنَّهُ لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ ثُمَّ يَجْمَعَ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ إِلَّا وَعَى مَا أَقُولُ) أي: حفظه (فَبَسَطْتُ نَمِرَةً) كانت (عَلَيَّ) بفتح النُّون وكسر الميم: كساءً ملوَّنًا كأنه من النَّمِر؛ لما فيه من سوادٍ وبياضٍ، وقال ثعلب: ثوبٌ مخطَّطٌ (حَتَّى إِذَا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَالَتَهُ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَمَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ تِلْكَ مِنْ شَيْءٍ) ووقع في «التِّرمذيِّ» التَّصريحُ بهذه المقالةِ المبهمة في حديث أبي هريرة ولفظه: قال رسول الله ﷺ : «ما من رجلٍ يسمع كلمةً أو كلمتين ممَّا فرضَ الله تعالى عليه فيتعلَّمهنَّ ويُعلِّمهنَّ إلَّا دخل الجنَّة»، ومقتضى قوله: «فما نسيتُ مِن مقالةِ رسول الله ﷺ تلك من شيءٍ» تخصيصُ عدم النِّسيان بهذه المقالة فقط، لكن وقع في «باب حفظ العلم» [خ¦١١٩]
стр. 4496
من طريق سعيدٍ المقبُريِّ عن أبي هريرة قال: «ابسط رداءك»، فبسطته، فغرف بيديه، ثم قال: «ضُمَّه»، فضممتُه، فما نسيت شيئًا بعده، أي: بعد الضَّمِّ، وظاهره العموم في عدم النِّسيان منه لكلِّ شيءٍ في الحديث وغيره؛ لأنَّ النَّكرة في سياق النَّفي تدلُّ عليه، لكن وقع في (١) رواية يونس عند مسلمٍ: فما نسيتُ بعد ذلك اليوم شيئًا حدَّثني به، وهو يقتضي تخصيص عدمِ النِّسيان بالحديث.
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في «الفضائل»، والنَّسائيُّ في «العلم».
٢٠٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين (عَنْ أَبِيهِ) سعدٍ (عَنْ جَدِّهِ) إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (قَالَ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁: لَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ آخَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ) بفتح الرَّاء وكسر الموحَّدة وسكون المثنَّاة التَّحتيَّة، الأنصاريِّ الخزرجيِّ النَّقيب البدريِّ، و «آخى»: بالمدِّ، أي (٢): جعلنا أخوين، وكان ذلك بعد قدومه ﵊ المدينة بخمسة أشهر، وكانوا يتوارثون بذلك دون القرابات (٣) حتى نزلت: ﴿وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأحزاب: ٦] (فَقَالَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ) لعبد الرحمن بن عوفٍ: (إِنِّي أَكْثَرُ الأَنْصَارِ مَالًا، فَأَقْسِمُ لَكَ نِصْفَ مَالِي، وَانْظُرْ) بالواو، وفي نسخة بالفرع كأصله: «فانظر» بالفاء (٤) (أَيَّ زَوْجَتَيَّ
стр. 4497
هَوِيتَ) «زوجتيَّ»: بلفظ المثنَّى المضاف إلى ياء المتكلِّم، واسم إحدى زوجتيه: عَمْرة بنت حزمٍ، أخت عمرو بن حزمٍ، كما سمَّاها إسماعيل بن إسحاق (١) القاضي في «أحكامه»، والأخرى لم تسمَّ، و «هَوِيتَ» بفتح الهاء وكسر الواو، أي: أحببتَ (نَزَلْتُ لَكَ عَنْهَا) أي: طلَّقتها (فَإِذَا حَلَّتْ) أي: انقضت عدَّتها (تَزَوَّجْتَهَا، قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) أي: له، ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «فقال له عبد الرحمن»: (لَا حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ، هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ؟) وهذا موضع التَّرجمة، و «السُّوق»: يذكَّر ويؤنَّث (قَالَ) سعدٌ: (سُوقُ قَيْنُقَاعَ) بفتح القاف وسكون المثنَّاة (٢) التَّحتيَّة وضمِّ النُّون وبالقاف آخره عينٌ مهملةٌ، غير مصروفٍ في الفرع على إرادة القبيلة، وفي غيره: بالصَّرفِ، على إرادة الحيِّ، وحُكِي في «التَّنقيح»: تثليث نونه، وهم بطنٌ من اليهود أُضِيف إليهم السُّوق (قَالَ: فَغَدَا إِلَيْهِ) أي: إلى السُّوق (عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَأَتَى بِأَقِطٍ) لبنٍ جامدٍ معروفٍ (وَسَمْنٍ) اشتراهما منه (قَالَ: ثُمَّ تَابَعَ الغُدُوَّ) بلفظ المصدر، أي: تابع الذَّهاب إلى السُّوق للتِّجارة (فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ) أي: الطِّيب الَّذي استعمله عند الزَّفاف (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) له: (تَزَوَّجْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ) ﵊: (وَمَنْ؟) أي: ومَن الَّتي تزوَّجتها؟ (قَالَ): تزوَّجت (امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ) هي ابنة أبي الحَيْسَر (٣) أنس بن رافع الأنصاريِّ الأوسيِّ (٤)، ولم تُسَمَّ (قَالَ: كَمْ سُقْتَ؟) أي: كم أعطيت لها مهرًا؟ (قَالَ): سُقْتُ (زِنَةَ نَوَاةٍ) أي: خمسة دراهم (مِنْ ذَهَبٍ) وعن بعض المالكيَّة: هي ربع دينارٍ، وعن أحمد: ثلاثة دراهمَ وثُلثٌ (أَوْ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ) شكَّ الرَّاوي، ولأبي الوقت وابن عساكر: «أو نواةَ ذهبٍ» بإسقاط حرف الجرِّ والإضافة (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَوْلِمْ) أي: اتَّخِذ وليمةً -وهي
стр. 4498
الطَّعام للعرس- ندبًا قياسًا على الأضحية وسائر الولائم، وفي قولٍ: وجوبًا؛ لظاهر الأمر (وَلَوْ بِشَاةٍ) أي: مع القدرة، وإلَّا فقد أولم ﷺ على بعض نسائه بمُدَّين من شعيرٍ؛ كما في «البخاريِّ» [خ¦٥١٧٢] وعلى صفيَّة بتمرٍ وسمنٍ وأقطٍ [خ¦٥٠٨٥].
ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون، وظاهره الإرسال؛ لأنَّه إن كان الضَّمير في «جدِّه» يعود إلى إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن، فيكون الجدُّ فيه إبراهيم بن عبد الرَّحمن، وإبراهيم لم يشهد المؤاخاة؛ لأنَّه توفِّي بعد التِّسعين بيقينٍ وعمره خمسٌ وسبعون سنةً، وإن عاد الضَّمير إلى جدِّ (١) سعد؛ فيكون على هذا سعدٌ روى عن جدِّه عبد الرَّحمن، وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّ عبد الرَّحمن توفِّي سنة اثنتين وثلاثين، وتوفِّي سعدٌ سنة ستٍّ وعشرين ومئةٍ عن ثلاثٍ وسبعين سنةً، ولكنَّ الحديث المذكور متَّصلٌ؛ لأنَّ إبراهيم قال فيه: قال عبد الرَّحمن بن عوف، ويوضِّح ذلك ما رواه أبو نُعيمٍ الحافظ عن أبي بكر الطَّلْحيِّ قال (٢): حدَّثنا أبو حصين الوادعيُّ: حدَّثنا يحيى بن عبد الحميد: حدَّثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جدِّه، عن عبد الرَّحمن بن عوف قال: لمَّا قدمنا المدينة … الحديث.
٢٠٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمد بن عبد الله بن يونس التَّميميُّ اليربوعيُّ قال:
стр. 4499
(حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بضمِّ الزَّاي وفتح الهاء، ابن معاوية الجعفيُّ قال: (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَدِمَ) وللكُشْمِيهَنيِّ: «قال: لمَّا قدم» (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) ﵁ (المَدِينَةَ، فَآخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيِّ) بفتح الرَّاء وكسر الموحَّدة، و «آخى»: بالمدِّ، من المؤاخاة (وَكَانَ سَعْدٌ ذَا غِنًى، فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: أُقَاسِمُكَ مَالِي نِصْفَيْنِ، وَأُزَوِّجُكَ) وفي الحديث السَّابق [خ¦٢٠٤٨]: «وانظر أيَّ زوجتيَّ هَوِيتَ نزلتُ لك عنها، فإذا حلَّت تزوَّجتَها» (قَالَ) عبد الرَّحمن: (بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ) أي (١): فدلُّوه على السُّوق (فَمَا رَجَعَ) منه (حَتَّى اسْتَفْضَلَ) بالضَّاد المعجمة، أي: ربح (أَقِطًا وَسَمْنًا فَأَتَى بِهِ) أي: بالذي استفضله (أَهْلَ مَنْزِلِهِ، فَمَكَثْنَا يَسِيرًا أَوْ مَا شَاءَ اللهُ، فَجَاءَ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ) بفتح الواو والضَّاد المعجمة، أي: لَطْخٌ (مِنْ صُفْرَةٍ) أي: صفرة طيبٍ أو خلوقٍ، واسْتُشكِل مع مجيء النَّهي عن التَّزعفُر، وأُجيب بأنَّه كان يسيرًا فلم يُنكِره، أو علق به من ثوب امرأته من غير قصدٍ، وعند المالكيَّة جوازه؛ لما روى مالكٌ في «الموطَّأ»: أنَّ ابن عمر كان يلبس الثَّوب المصبوغ بالزَّعفران، قال ابن العربيِّ: وما كان ابن عمر لِيَكْرَهَ النَّبيُّ ﷺ شيئًا ويستعمله، قال: والأصفر لم يرد فيه حديثٌ، لكنَّه ورد ممدوحًا في القرآن، قال تعالى: ﴿صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩] وأُسنِد إلى ابن عباس: أنَّه من طلب حاجةً على نعلٍ أصفر قُضيت حاجته (٢)؛ لأنَّ حاجة بني إسرائيل قُضِيت بجلدٍ أصفر (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : مَهْيَمْ) بفتح الميم الأولى وسكون الأخيرة، وبعد الهاء السَّاكنة مثنَّاةٌ
стр. 4500
تحتيَّةٌ مفتوحة، كلمةٌ يستفهم بها، أي: ما شأنك؟ (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ) هي ابنة أبي الحَيْسَر (١) أنس بن رافعٍ الأنصاريِّ (قَالَ: مَا سُقْتَ إِلَيْهَا) من الدراهم صداقًا؟ (قَالَ): سقت إليها (نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ) بنصب «نواة» بتقدير: سقت إليها، فيكون الجواب مطابقًا للسُّؤال من حيث إنَّ كلًّا منهما جملةٌ فعليَّةٌ، ويجوز الرَّفع بناءً على أنَّ المشاكلة غير لازمةٍ، أو أنَّ المشاكلة حاصلةٌ بأن يُقدَّر «ما سقتَ إليها» جملةً اسميَّةً، وذلك بأن يكون «ما» مبتدأ، و «سقتَ إليها» الخبر، والعائد محذوف، أي: سقته، لكنِّي لم أقف على كونه مرفوعًا في أصلٍ من (٢) «البخاريِّ»، واتِّباع الرواية أَولى (أَوْ) قال: سقتُ إليها (وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ) اسمٌ لخمسة دراهم كما مرَّ قريبًا [خ¦٢٠٤٨] (قَالَ) ﵊ (٣): (أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ).
٢٠٥٠ - وبه قال (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «حدَّثني» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن دينارٍ المكِّيِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: كَانَتْ عُكَاظٌ) بضمِّ العين وتخفيف الكاف آخرُه ظاءٌ معجمةٌ منوَّنةٌ، ولأبي ذرٍّ: «عكاظُ» بغير تنوينٍ (وَمِجَنَّةُ) بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النُّون، ولأبي ذرٍّ: «ومَجَنَّة» بفتح الميم (وَذُو المَجَازِ) بفتح الميم والجيم وبعد الألف زايٌّ (أَسْوَاقًا فِي الجَاهِلِيَّةِ) فسوق مِجَنَّة هو سوق هجر، قال البكريُّ: على أميالٍ يسيرةٍ من مكَّة بناحية مرِّ الظَّهران، وكان سوقه عشرة أيَّام آخر ذي القعدة، والعشرون قبلها سوق عُكاظ، وذو المجاز يقوم بعد هلال ذي الحجَّة (فَلَمَّا كَانَ الإِسْلَامُ) أي: جاء، و «كان» تامَّة (فَكَأَنَّهُمْ تَأَثَّمُوا فِيهِ) أي: اجتنبوا الإثم، والمعنى: تركوا التجارة في الحجِّ حذرًا من الإثم، وللكُشْمِيهَنيِّ: «منه» بدل: «فيه» (فَنَزَلَتْ: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ)) في أن تطلبوا ((فَضْلًا مِنْ رَّبِّكُمْ) [البقرة: ١٩٨]) أي: عطاءً ورِزقًا منه، يريد: الرِّبح والتِّجارة ((فِي مَوَاسِمِ الحَجِّ) قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ) كذلك بزيادة «في مواسم الحجِّ»، وهي شاذَّةٌ، لكن صحَّ إسنادها، فهي ممَّا يُحتَجُّ به وليس بقرآنٍ.
стр. 4501
وهذا الحديث قد مضى في «الحجِّ» في «باب التِّجارة في أيَّام الموسم والبيع في أسواق الجاهلية» [خ¦١٧٧٠] ومطابقته للتَّرجمة من حيث إنَّهم كانوا يتَّجرون في الأسواق المذكورة.
(٢) هذا (١) (بابٌ) بالتنوين (الحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ) بفتح الشين المعجمة وفتح الموحَّدة المشدَّدة.
٢٠٥١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) الزَّمِنُ قال: (حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) بفتح العين وكسر الدَّال المهملتين، إبراهيم مولى بني سليم (عَنِ ابْنِ عَوْنٍ) بفتح العين (٢) المهملة وسكون الواو، عبدِ الله بنِ أَرْطَبان (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيلَ (قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) وسقط لابن عساكر قوله: «سمعت النَّبيَّ ﷺ » (٣)،
стр. 4502
ولم يذكر لفظ هذه الرِّواية، وهي عند أبي داود والنَّسائيِّ وغيرهما بلفظ: «إنَّ الحلال بيِّن، وإنَّ الحرام بيِّن، وبينهما أمورٌ مشتبهاتٌ» -وأحيانًا يقول: مشتبهةٌ- وسأضرب لكم في ذلك مثلًا: «إنَّ الله حمى حمًى، وإنَّ حمى الله ما حرَّمه، وإنَّه (١) من يَرْعَ حول الحمى يوشك أنْ يُخالطه، وإنَّ (٢) من يُخالط الرِّيبة يوشك أن يَجْسُر (٣)». وبه قال: «ح»: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «وحدَّثنا» (عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنْ أَبِي فَرْوَةَ) بفتح الفاء وسكون الرَّاء، عروة بن الحارث الأكبر، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «حدَّثنا أبو فروة» (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر (قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ) زاد في رواية أبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «ابن بشير» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ولأبي ذرٍّ: «قال: سمعت النَّبيَّ ﷺ »، وسقط ذلك لابن عساكر كالأوَّل. وبه قال: «ح»: (حَدَّثَنَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «وحدَّثني» بالواو والإفراد، ولابن عساكر (٤): «وحدَّثنا» بالواو والجمع (٥) (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنْ أَبِي فَرْوَةَ) عروة الأكبر (قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ) عامرًا يقول: (سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ولم يذكر لفظ ابن عيينة عن أبي فَرْوة في الطَّريقين، ولفظه كما عند ابن خزيمة في «صحيحه» والإسماعيليِّ من طريقه (٦): «حلالٌ بيِّنٌ، وحرامٌ بيِّنٌ، ومشتبهاتٌ بين ذلك … » فذكره، وفي آخره: «ولكلِّ ملكٍ حمًى، وحمى الله في الأرض معاصيه». وبه قال: «ح»: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، العبديُّ البصريُّ، قال ابن معينٍ: لم يكن بالثِّقة، وقال أبو حاتمٍ: صدوقٌ، ووثَّقه أحمد ابن حنبل، وروى عنه البخاريُّ ثلاثةَ أحاديث، في العلم [خ¦٩٠] وهذا الحديث و «التَّفسير» [خ¦٤٧٥١] وقد تُوبِعَ عليها، قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ)
стр. 4503
الثَّوريُّ (عَنْ أَبِي فَرْوَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الحَلَالُ بَيِّنٌ) واضحٌ لا يخفى حِلُّه، وهو ما علم ملكه يقينًا (وَالحَرَامُ بَيِّنٌ) واضحٌ لا تخفى حُرمتُه، وهو ما علم ملكه لغيره (وَبَيْنَهُمَا) أي: الحلال والحرام الواضحين (أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ) بسكون الشِّين المعجمة وفتح المثنَّاةِ الفوقيَّة وكسر الموحَّدة بلفظ التَّوحيد، أي: مشتبهةٌ على بعض النَّاس، لا يُدرى أهي من الحلال أم من الحرام؟ لا أنَّها في نفسها مشتبهةٌ؛ لأنَّ الله تعالى بعث رسوله ﷺ مُبيِّنًا للأمَّة جميع ما يحتاجونه في دينهم، كذا قرَّره البَرماويُّ كالكِرمانيِّ، وقال ابن المُنَيِّر: فيه دليلٌ على بقاء المجمَلات بعد النَّبيِّ ﷺ ، خلافًا لمن منع من (١) ذلك، وتأوَّل ذلك من قوله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] وإنَّما المراد: أنَّ أصول البيان في كتاب الله تعالى، فلا مانع من الإجمال والاشتباه حتى يُستَنبط له البيان، ومع ذلك قد يتعذَّر البيان ويبقى التَّعارض، فلا يُطَّلَع على ترجيحٍ، فيكون البيان حينئذٍ الاحتياط، والاستبراء للعرض والدِّين والأخذ بالأشدِّ على قولٍ، أو يتخيَّر المجتهد على قول، أو يرجع إلى البراءة الأصليَّة، وكلُّ ذلك بيانٌ يُرجَعُ إليه عند الاشتباه من غير أن يُجحَد الإجمال أو الإشكال، قال ابن حجرٍ الحافظ: وفي الاستدلال بذلك نظرٌ، إلَّا إن أراد (٢) به مجملٍ في حقِّ بعضٍ دون بعضٍ، أو أراد الرَّدَّ على مُنكِري القياس فيحتمل ما قاله، والله أعلم. (فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ) بضمِّ الشِّين وكسر الموحَّدة المشددَّة (كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ) أي: ظهر حرمته (أَتْرَكَ) نصبٌ خبرُ «كان» (وَمَنِ اجْتَرَأَ) بالرَّاء، من الجراءة (عَلَى مَا يَشُكُّ) بفتح أوَّله وضمِّ ثانيه، ولأبي ذرٍّ: «يُشَكُّ» بضمِّ أوله وفتح ثانيه مبنيًّا للمفعول (فِيهِ مِنَ الإِثْمِ) بهمزة قطعٍ (أَوْشَكَ) بفتح الهمزة والمعجمة، أي: قرب (أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ) أي: ظهر حرمته، فينبغي اجتناب ما اشتبه؛ لأنَّه إن كان في نفس الأمر حرامًا فقد برئ من تَبِعَتِه، وإن كان حلالًا فيُثاب على تركه بهذا القصد الجميل، وزاد في حديث «باب فضل من استبرأ لدينه» [خ¦٥٢]: «ألا وإنَّ لكل ملكٍ حمًى»
стр. 4504
(وَالمَعَاصِي) الَّتي حرَّمها، كالقتل والسَّرقة (حِمَى اللهِ، مَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ الحِمَى يُوشِكْ) بكسر المعجمة، أي: يقرب (أَنْ يُوَاقِعَهُ) أي: يقع فيه، شبَّه المكلَّف بالرَّاعي، والنَّفس البهيميَّة (١) بالأنعام، والمشبَّهات (٢) بما حول الحمى، والمعاصي بالحمى، وتناوله المشبَّهات (٣) بالرَّتع (٤) حول الحمى، فهو تشبيهٌ بالمحسوس الذي لا يخفى حاله، ووجه التَّشبيه حصول العقاب بعدم الاحتراز في ذلك، كما أنَّ الرَّاعي إذا جرَّه رعيُه حول الحمى إلى وقوعه استحقَّ العقاب لذلك، فكذا مَنْ أكثرَ من الشُّبهات وتعرَّض لمقدِّماتها وقع في الحرام، فاستحقَّ العقاب، قال في «فتح الباري»: واختُلِف في حكم المشبَّهات، فقيل: التَّحريم، وهو مردودٌ، وقيل الكراهة (٥)، وقيل: الوقف، وهو كالخلاف فيما قبل الشَّرع، وحاصلُ ما فسَّر به العلماء الشُّبهات أربعة أشياء:
أحدها: تعارض الأدلة.
ثانيها: اختلاف العلماء، وهي مُنتَزعةٌ من الأولى.
ثالثها: أنَّ المراد بها قسم المكروه لأنَّه يجتذبه جانبا الفعل والتَّرك.
رابعها: المراد بها: المباح، ولا يُمْكِنُ قائلَ هذا أن يحمله على متساوي الطَّرفين من كلِّ وجهٍ، بل يمكن حمله على ما يكون من قسم خلاف الأَوْلَى بأن يكون متساويَ الطرفين باعتبار ذاته، راجحَ الفعل أو التَّرك باعتبار أمرٍ خارجٍ، وقد كان بعضهم يقول: المكروه عَقَبةٌ بين العبد والحرام، فمن استكثر من المكروه تطرَّق إلى الحرام، والمباح عَقَبةٌ بينه وبين المكروه، فمن استكثر منه تطرَّق إلى المكروه.
ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ ومكيٍّ وكوفيٍّ ونجَّاريٍّ (٦)، وإنَّما كرَّر طُرُقه ردًّا على ابن معين حيث حكى عن أهل المدينة أنَّ النُّعمان لم يصحَّ له سماعٌ من النَّبيِّ ﷺ ، وقد أخرج
стр. 4505
حديثه هذا الحُميديُّ في «مسنده» عن ابن عيينة، فصرَّح فيه بتحديث أبي فروة له، وبسماع أبي فروة من الشَّعبيِّ، وبسماع الشَّعبيِّ من النُّعمان على المنبر، وبسماع النُّعمان من رسول الله ﷺ .
(٣) (باب تَفْسِيرِ المُشَبَّهَاتِ) بفتح الشِّين (١) المعجمة وتشديد الموحَّدة المفتوحة، ولابن عساكر: «المشْتَبِهات (٢)» بسكون المعجمة ثم مثنَّاة فوقيَّة مفتوحة وكسر الموحَّدة، وفي بعض النُّسخ: «الشُّبُهات» بضمِّ الشِّين والموحَّدة (وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ) بكسر السِّين، البصريُّ، أحد العبَّاد في زمن التَّابعين، وليس له في هذا الكتاب غير هذا الموضع: (مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَهْوَنَ مِنَ الوَرَعِ، دَعْ مَا يَُرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَُرِيبُكَ) بفتح الياء فيهما، من رابه يَريبُه، ويجوز الضَّمُّ من أرابه يُريبه، وهو الشَّكُّ والتَّردُّد، والمعنى هنا: إذا شككت في شيءٍ فدعْهُ، وقد روى التِّرمذيُّ من حديث عطيَّة السَّعديِّ مرفوعًا: «لا يَبْلُغُ العبد أن يكون من المتَّقين حتَّى يَدَعَ ما لا بأس به حذرًا ممَّا به بأسٌ»، وهذا التَّعليق قد وصله أحمد وأبو نعيم في «الحلية»، ولفظه: اجتمع يونس بن عُبيد وحسَّان بن أبي سنان، فقال يونس: ما عالجت شيئًا أشدَّ عليَّ من الورع، فقال حسَّان: ما عالجت شيئًا أهون عليَّ (٣) منه، قال: كيف؟ قال حسان: تركتُ ما يريبني إلى ما لا يريبني، فاسترحت. وقد ورد قوله: «دع ما يَُريبك إلى ما لا يَُريبك» مرفوعًا، أخرجه أحمد والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن حبَّان والحاكم من حديث الحسن بن عليٍّ.
٢٠٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) العبديُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قال: (أَخْبَرَنَا
стр. 4506
عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح السِّين، القرشيُّ المكيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) زهيرٍ التَّيميُّ (١) الأحول، ونسبه لجدِّه، واسم أبيه: عُبَيد الله مصغَّرًا (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ) أبي (٢) سِرْوَعة (¬﵁: أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ) لم تُسَمَّ (جَاءَتْ) في حديث «باب الرِّحلة في المسألة النَّازلة» [خ¦٨٨]: أنَّ عقبة بن الحارث تزوَّج ابنةً لأبي إهاب بن عزيزٍ، فأتت امرأةٌ (فَزَعَمَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُمَا) أي: عقبة والتي تزوَّج بها، واسمها: غنية (فَذَكَرَ) عقبة ذلك (لِلنَّبِيِّ) ﷺ (فَأَعْرَضَ عَنْهُ وَتَبَسَّمَ) وفي نسخة بالفرع: «فتبسَّم» (النَّبِيُّ ﷺ ، قَالَ: (٣) كَيْفَ) تباشرها (وَقَدْ قِيلَ): إنَّك أخوها من الرَّضاعة (٤)؟ وعند التِّرمذيِّ قال: تزوَّجتُ امرأةً، فجاءتنا امرأةٌ سوداء فقالت: إنِّي أرضعتكما، فأتيت النَّبيَّ ﷺ فقلت: تزوَّجت فلانةَ بنت فلانٍ، فجاءتنا امرأةٌ سوداء فقالت: إنِّي أرضعتكما، وهي كاذبةٌ، قال: فأعرض عنِّي، فأتيتُه من قِبَلِ وجهه، فقلت: إنَّها كاذبة، قال: «وكيف بها وقد زعمت أنَّها أرضعتكما؟ دعْها عنك» أي: احتياطًا؛ لأنَّه لمَّا أخبره أعرض عنه، فلو كان حرامًا لأجابه بالتَّحريم (وَقَدْ كَانَتْ) وللمُستملي: «وكانت» (٥) (تَحْتَهُ) أي: تحت عقبة (ابْنَةُ) ولابن عساكر: «بنت» (أَبِي إِهَابٍ التَّمِيمِيِّ) بكسر الهمزة، واسمها: غنية، كما مرَّ.
وهذا الحديث قد سبق في العلم [خ¦٨٨].
стр. 4507
٢٠٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بالقاف والزَّاي والعين المهملة المفتوحات، قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) هو الذي كسر ثنيَّة النَّبيِّ ﷺ في وقعة أُحُدٍ ومات على شِرْكه، وقد ذكر ابن الأثير في «أُسْد الغابة» ما يقتضي أنَّه أسلم، فالله أعلم، قاله الحافظ زين الدِّين العراقيُّ، وقال في «الإصابة»: لم أرَ من ذكره في الصحابة إلَّا ابن منده، وقد اشتدَّ إنكار أبي نُعيمٍ عليه في ذلك وقال: هو الَّذي كسر رباعيَّة النَّبيِّ ﷺ وما علمت له إسلامًا، بل روى عبد الرَّزَّاق عن معمرٍ عن الزُّهريِّ، وعن عثمان الجزريِّ عن مقسمٍ: أنَّ عتبة لمَّا كسر رباعيَّة النَّبيِّ ﷺ دعا عليه ألَّا يحولَ عليه الحولُ حتَّى يموتَ كافرًا، فما حال عليه الحول حتَّى مات كافرًا إلى النَّار، وحينئذٍ فلا معنى لإيراده في الصَّحابة، واستند ابن منده في قوله بما لا يدلُّ على إسلامه، وهو قوله في هذا الحديث: كان عتبة بن أبي وقاص (عَهِدَ) أي: أوصى (إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) أحد العشرة، وهو (١) أول من رمى بسهمٍ في سبيل الله، وأَحَدُ مَنْ فداه رسول الله ﷺ بأبيه وأمِّه (أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ) بن قيسٍ العامريِّ، أي: جاريته، ولم تسمَّ، واسم ولدها صاحب القصَّة: عبد الرَّحمن، وزَمْعَة: بفتح الزَّاي وسكون الميم، ولأبي ذرٍّ: «زَمَعَة» (٢) بفتحهما (٣)، قال الوقَّشِيُّ: وهو الصَّواب (مِنِّي فَاقْبِضْهُ) بهمزة وصلٍ وكسر الموحَّدة، وأصل هذه القصَّة: أنَّه
стр. 4508
كانت (١) لهم (٢) في الجاهليَّة إماءٌ يزنين، وكانت السَّادة تأتيهنَّ في خلال ذلك، فإذا أتت إحداهنَّ بولدٍ، فربَّما يدَّعيه السَّيِّد، وربَّما يدَّعيه الزَّاني، فإذا مات السَّيِّد ولم يكن ادَّعاه ولا أنكره، فادَّعاه (٣) ورثته لحق به، إلَّا أنَّه لا يشارك مستلحقه في ميراثه إلَّا أن يستلحقه قبل القسمة، وإن كان السَّيِّد أنكره لم يلحق به، وكان لزمعة بن قيس والد سودة أمِّ المؤمنين أمةٌ على ما وُصِف، وعليها ضريبةٌ، وهو يُلِمُّ بها، فظهر بها حملٌ كان سيِّدها يظنُّ أنَّه من عتبة أخي سعدٍ، فعهد عتبة إلى أخيه سعدٍ قبل موته أن يستلحق الحمل الذي بأمة زمعة (قَالَتْ) عائشة: (فَلَمَّا كَانَ عَامَ الفَتْحِ أَخَذَهُ) أي: الولد (سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) وسقط قوله (٤) «أنَّ ابن وليدة … » إلى هنا من رواية ابن عساكر، وقال في نسخته: إنَّه لم يكن في الأصل، وهو من رواية الحَمُّويي والنُّعيميِّ، كذا نقل عن «اليونينيَّة» (وَقَالَ) أي: سعد: هو (ابْنُ أَخِي) عتبة (قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ) أن أستلحقه به، وسقط لابن عساكر لفظ (٥) «قد» (فَقَامَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ) بغير إضافة، ابن قيس بن عبد شمس القرشيُّ العامريُّ، أسلم يوم الفتح، وهو أخو سَودة أمِّ المؤمنين (فَقَالَ): هو (أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي) أي: جاريته (وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَتَسَاوَقَا) أي: فتدافعا بعد تخاصمهما وتنازعهما في الولد (إِلَى النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «إلى رسول الله» (¬ ﷺ ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ) هو (ابْنُ أَخِي) عتبة (كَانَ قَدْ عَهِدَ) ولابن عساكر: «كان عهد» (إِلَيَّ فِيهِ) أن أستلحقه به (فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ): هو (أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «فقال (٦) النبيُّ» (¬ ﷺ : هُوَ) أي:
стр. 4509
الولد (لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ) بضمِّ الدَّال على الأصل ونصب نون «ابن»، ولأبي ذرٍّ: «يا عَبْدَ» بفتحها، وسقط في رواية النَّسائيِّ أداة النِّداء، واختُلِف في قوله: «لك» على قولين: أحدهما: معناه: هو أخوك إمَّا بالاستلحاق وإمَّا بالقضاء (١) بعلمه؛ لأنَّ زمعة كان صهره ﵊ والد زوجته، ويؤيِّده ما في «المغازي» عند المؤلِّف [خ¦٤٣٠٣]: «هو لك، فهو أخوك يا عبد»، وأمَّا ما عند أحمد في «مسنده» والنَّسائيِّ في «سُننه» من زيادة: «ليس لك بأخٍ» فأعلَّها البيهقيُّ، وقال المنذريُّ: إنَّها زيادةٌ غير ثابتة. والثَّاني: أنَّ معناه: هو لك مِلْكًا؛ لأنَّه ابن وليدة أبيك من غيره؛ لأنَّ زمعة لم يقرَّ به ولا شهد عليه، فلم يبقَ إلَّا أنَّه عبدٌ تبعًا لأمِّه، وهذا قاله ابن جريرٍ. (ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الوَلَدُ) تابعٌ (لِلْفِرَاشِ) وهو على حذف مضافٍ، أي: لصاحب الفراش، زوجًا أو سيِّدًا، وفي «كتاب الفرائض» عند المؤلف [خ¦٦٧٥٠] من حديث أبي هريرة: «الولد لصاحب الفراش»، وترجم عليه وعلى حديث عائشة [خ¦٦٧٤٩]: «الولد للفراش، حرَّة كانت أو أمةً» وهو لفظٌ عامٌّ ورد على سببٍ خاصٍّ، وهو مُعتَبرُ العموم عند الأكثر نظرًا لظاهر اللَّفظ، وقيل: هو مقصورٌعلى السَّبب لوروده فيه، ومثاله حديث التِّرمذيِّ وغيره عن أبي سعيد الخدريِّ قيل: يا رسول الله، أنتوضَّأ من بئر بُضاعة، وهي بئرٌ تلقى فيها (٢) الحِيَض (٣) ولحوم الكلاب والنَّتن؟
стр. 4510
فقال: «إنَّ الماء طهورٌ لا ينجِّسه شيء» أي: ممَّا ذُكِر وغيره، وقيل: ممَّا ذُكِر، وهو ساكتٌ عن غيره، ثمَّ إنَّ صورة السَّبب التي ورد عليها العامُّ قطعيَّةَ الدُّخول فيه عند الأكثر من العلماء لوروده فيها، فلا يخصُّ منه بالاجتهاد، وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين السُّبكيُّ: وهذا عندي ينبغي أن يكون إذا دلَّت قرائنُ حاليَّة أو مقاليَّة على ذلك أو على أنَّ اللَّفظ العامَّ يشمله بطريقٍ [الوضع] (١) لا محالة وإلَّا فقد ينازع الخصم في دخوله وضعًا (٢) تحت اللَّفظ العامِّ، ويدَّعي أنَّه قد يقصد المتكلِّمُ بالعام إخراجَ السَّبب وبيان أنَّه ليس داخلًا في الحكم، فإنَّ للحنفيَّة (٣) -القائلين: إنَّ ولدَ الأمةِ المستفرشة لا يَلْحَق سيِّدها ما لم يقرَّ به؛ نظرًا إلى أنَّ الأصل في اللَّحاق الإقرار- أن يقولوا في قوله ﵊: «الولد للفراش»: وإن كان واردًا في أمةٍ فهو واردٌ لبيان حكم ذلك الولد، وبيان حكمه إمَّا بالثُّبوت أو بالانتفاء، فإذا ثبت أنَّ الفراش هي الزَّوجة؛ لأنَّها هي التي يُتَّخذ لها الفراش غالبًا، وقال: «الولد للفراش» كان فيه حصرُ أنَّ الولد للحرَّة، وبمقتضى ذلك لا يكون للأمة، فكان فيه بيان الحكمين جميعًا: نفي السَّبب عن المسبَّب (٤) وإثباته لغيره، ولا يليق دعوى القطع ههنا، وذلك من جهة اللَّفظ، وهذا في الحقيقة نزاعٌ في أنَّ اسم الفراش هل هو موضوع للحرَّة والأمة الموطوءة أو للحرَّة فقط؟ فالحنفيَّة يدَّعون الثَّاني، فلا عموم عندهم له في الأمة، فتخرج المسألة حينئذٍ من باب أنَّ العبرة بعموم اللَّفظ أو بخصوص السَّبب، نعم قوله ﷺ في هذا الحديث: «هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر» بهذا التَّركيب يقتضي أنَّه ألحقه به على حكم السَّبب، فيلزم أن يكون مرادًا من قوله: «للفراش» فليُتَنَبَّه لهذا البحث فإنَّه نفيسٌ جدًّا، وبالجملة فهذا الحديث أصلٌ في إلحاق الولد بصاحب الفراش وإن طرأ عليه وطءٌ محرَّمٌ. (وَلِلْعَاهِرِ) أي: الزَّاني (الحَجَرُ) أي: الخَيبة، ولا حقَّ له في الولد، والعرب تقول في حرمان الشَّخص: له الحَجَر وله التُّراب، وقيل: هو على ظاهره، أي: الرَّجم بالحجارة، وضُعِّفَ بأنَّه ليس كل زانٍ يُرْجَم، بل المحصن، وأيضًا فلا يلزم من رجمه نفي
стр. 4511
الولد، والحديث إنَّما هو في نفيه عنه. (ثُمَّ قَالَ) ﵊ (لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : احْتَجِبِي مِنْهُ) أي: من ابن زَمْعَة المتنازَع فيه (يَا سَوْدَةُ) والأمر للنَّدب والاحتياط، وإلَّا فقد ثبت نسبه وأُخُوُّته لها في ظاهر الشرع (لِمَا رَأَى) ﵊ (مِنْ شَبَهِهِ) أي: الولد المتخاصَم فيه (بِعُتْبَةَ) بن أبي وقاص (فَمَا رَآهَا) عبد الرَّحمن المستلحَق (حَتَّى لَقِيَ اللهَ) ، أي: مات، والاحتياط لا يُنافي ظاهر الحكم، وفيه جواز استلحاق الوارث نسبًا للمورِّث، وأنَّ الشَّبه وحكم القافة إنَّما يُعتَمد إذا لم يكن هناك أقوى منه كالفراش؛ فلذلك لم يُعْتبر الشَّبه الواضح.
وهذا موضع التَّرجمة لأنَّ إلحاقه بزمعة يقتضي ألَّا تحتجب منه سودة، والشَّبه بعتبة يقتضي أن تحتجب، والمشبَّهات (١) ما أشبهت الحلال من وجهٍ والحرام من آخر، وبقيَّة مباحث هذا الحديث تأتي -إن شاء الله تعالى- في محالِّها.
وقد أخرجه المؤلف في «الفرائض» [خ¦٦٧٤٩] و «الأحكام» [خ¦٧١٨٢] و «الوصايا» [خ¦٢٧٤٥] و «المغازي» [خ¦٤٣٠٣] و «شراء المملوك من الحربي» [خ¦٢٢١٨] ومسلمٌ، وأخرجه النَّسائيُّ في «الطَّلاق».
٢٠٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ) بفتح السِّين المهملة والفاء آخره راءٌ، الكوفيُّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامرٍ (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) الطَّائيِّ (¬﵁¬) أنَّه (٢) (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ عَنِ المِعْرَاضِ) بكسر الميم وسكون العين المهملة وبعد الرَّاء ألفٌ ثم ضادٌ مُعجَمةٌ: السَّهم الذي لا ريشَ عليه، أو عصًا رأسُها محدَّدٌ، أي: سألته عن رمي
стр. 4512
الصَّيد بالمِعْراض (فَقَالَ) ﵊: (إِذَا أَصَابَ) المِعْراض الصَّيد (بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ) بفتح العين المهملة (فَقَتَل) الصَّيد (فَلَا تَأْكُلْ) منه (فَإِنَّهُ وَقِيذٌ) بفتح الواو وكسر القاف آخره معجمةٌ، بمعنى: موقوذٍ، وهو المقتول بغير محدَّدٍ من عصًا أو (١) حجرٍ ونحوهما، وسقط في رواية ابن عساكر قوله «فَقَتَلَ» (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُرْسِلُ كَلْبِي) المعلَّم (٢) (وَأُسَمِّي) الله (فَأَجِدُ مَعَهُ عَلَى الصَّيْدِ كَلْبًا آخَرَ لَمْ أُسَمِّ عَلَيْهِ، وَلَا أَدْرِي أَيُّهُمَا أَخَذَ) الصَّيد؟ (قَالَ) ﵊: (لَا تَأْكُلْ) منه، ثم علَّل بقوله: (إِنَّمَا سَمَّيْتَ) أي: ذكرت الله (عَلَى كَلْبِكَ) عند إرساله (وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى) الكلب (الآخَرِ) وظاهره: وجوب التَّسمية، حتى لو تركها سهوًا أو عمدًا لا يحلُّ، وهو قول أهل الظَّاهر، ومذهب الشَّافعيَّة سُنِّيتها، وتقدَّم البحث في ذلك في «باب إذا شرب الكلب في (٣) إناء أحدكم فليغسله سبعًا» من «كتاب الوضوء» [خ¦١٧٢] ويأتي في «الصَّيد والذَّبائح» [خ¦٥٤٧٥]-إن شاء الله تعالى- مزيدٌ لذلك بعون الله وقوَّته.
(٤) (باب مَا يُتَنَزَّهُ) بضمِّ أوَّله، أي: يُجتَنب، وللكُشْمِيهَنيِّ: «ما يكره» (مِنَ الشُّبُهَاتِ).
٢٠٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف وكسر الموحَّدة، ابن عقبة السَّوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ طَلْحَةَ) بن مصرِّف الياميِّ الكوفيِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ مُسْقَطَةٍ) بضمِّ الميم وسكون السِّين المهملة وفتح القاف على صيغة المفعول، ولأبي ذرٍّ: «مَسقُوطة» بفتح الميم وبعد القاف واوٌ، أي: ساقطةٌ، ويأتي «مفعول»
стр. 4513
بمعنى: فاعل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١] أي: آتيًا، ونسب الحافظ ابن حجرٍ الرِّواية الأولى لكريمة، والأخرى للأكثر (فَقَالَ) ﵊: (لَوْلَا أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً) وفي نسخة: «مِن صدقةٍ» (لأَكَلْتُهَا) فتركها تنزُّهًا لأجل الشُّبهة، وهو احتمال كونها من الصَّدقة.
والحديث رواته كوفيُّون، وأخرجه أيضًا في «المظالم» [خ¦٢٤٣١]، ومسلمٌ في «الزكاة»، والنَّسائيُّ في «اللُّقطة».
(وَقَالَ هَمَّامٌ) بفتح الهاء وتشديد الميم، ابن مُنبِّه بما (١) وصله المؤلف في «اللُّقطة» [خ¦٢٤٣٢]: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: أَجِدُ تَمْرَةً سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي) تمامه: «فأرفعها لآكلها، ثمَّ أخشى أن تكون صدقةً فألقيها»، وقال: «أجد» بلفظ المضارع (٢) استحضارًا للصُّورة الماضية، وذكره هنا لما فيه من تعيين المحلِّ الذي رأى فيه التَّمرة، وهو الفراش.
(٥) (باب مَنْ لَمْ يَرَ الوَسَاوِسَ وَنَحْوَهَا) وفي نسخة: «الوسواس ونحوه» (مِنَ المُشَبَّهَاتِ) بميمٍ مضمومةٍ وفتح الشِّين المعجمة وتشديد الموحَّدة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُسْتملي: «من الشُّبُهات» بضمِّ الشِّين والموحَّدة من غير ميمٍ، ولابن عساكر: «المُشْتَبِهات» بميمٍ مضمومةٍ وسكون الشِّين ومثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مفتوحةٍ وكسر الموحَّدة.
٢٠٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكينٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (٣) (عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ) بتشديد الموحَّدة بعد العين المفتوحة (عَنْ عَمِّهِ) عبد الله
стр. 4514
بن زيد بن عاصمٍ المازنيِّ (قَالَ: شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) بضمِّ الشِّين وكسر الكاف (الرَّجُلُ يَجِدُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا) أي: وسوسةً في بطلان الوضوء (أَيَقْطَعُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ) ﵊: (لَا) يقطعها (حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا) فلا يزول يقين الطَّهارة بالشَّكِّ، بل يزول بيقين الحدث. (وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَفْصَةَ) هو أبو سلمة محمَّد بن أبي حفصة (١) ميسرة البصريُّ، مما (٢) وصله أحمد والسراج في «مسنده» (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهابٍ: (لَا وُضُوءَ إِلَّا فِيمَا وَجَدْتَ الرِّيحَ، أَوْ سَمِعْتَ الصَّوْتَ).
٢٠٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «حدَّثنا» (أَحْمَدُ بْنُ المِقْدَامِ) بكسر الميم وسكون القاف (العِجْلِيُّ) بكسر العين المهملة وسكون الجيم، البصريُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيُّ) بضمِّ الطَّاء المهملة وتخفيف الفاء وكسر الواو، قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ) عند الذَّبح (أَمْ لَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : سَمُّوا اللهَ عَلَيْهِ وَكُلُوهُ) ولأبي الوقت (٣) وابن عساكر: «سمُّوا عليه»، واستُدلَّ به على أنَّ التَّسمية ليست شرطًا لصحَّة الذَّبح، قال في «فتح الباري»: وغرض المصنِّف هنا بيان ورع الموسوسين، كمن يمتنع
стр. 4515
من أكل الصَّيد خشية أن يكون الصَّيد كان لإنسانٍ ثم انفلت منه، وكمن يترك شراء ما يحتاج إليه من مجهولٍ لا يدري أمالهُ حرامٌ أم حلال؟ وليست هناك علامةٌ تدلُّ على الحرمة، وكمن يترك تناول الشَّيء لخبرٍ ورد فيه متَّفقٍ على ضعفه وعدم الاحتجاج به، ويكون دليل الإباحة (١) قويًّا، وتأويله ممتنعٌ أو مُستَبعَدٌ.
(٦) (باب قَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا﴾) ولابن عساكر: «بابٌ» بالتَّنوين «﴿وَإِذَا رَأَوْا﴾» (﴿تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]).
٢٠٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ) بفتح الطَّاء وسكون اللام، وغَنَّام: بفتح المعجمة والنُّون المشدَّدة، ابن معاوية، النَّخعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا زَائِدَةُ) (٢) بن قدامة أبو الصَّلت الكوفيُّ (٣) (عَنْ حُصَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتين، ابن عبد الرَّحمن السُّلميِّ الكوفيِّ (٤) (عَنْ سَالِمٍ) هو ابن أبي الجعد، واسمه: رافعٌ الأشجعيُّ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي (٥)) بالتَّوحيد (جَابِرٌ (٦) ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أي: منتظرين صلاة الجمعة؛ لأنَّ المفارقة كانت في أثناء الخطبة، لكنَّ المنتظِر للصَّلاة كالمصلِّي (إِذْ أَقْبَلَتْ مِنَ الشَّأْمِ عِيرٌ) بكسر
стр. 4516
العين وسكون التَّحتية، أي: إبلٌ لدحية أو لعبد الرَّحمن بن عوفٍ (تَحْمِلُ طَعَامًا، فَالتَفَتُوا إِلَيْهَا) أي: إلى العير، وفي رواية ابن فُضَيلٍ: فانفضَّ النَّاس [خ¦٢٠٦٤] أي: فتفرَّقوا، وهو موافقٌ لنصِّ القرآن، فالمراد من الالتفات: الانصراف (حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا) برفع «اثنا» بالألف، ويجوز النَّصب؛ لأنَّه استثناء من الضَّمير في «بقي» العائد على المصلِّي، فإنَّه إذا كان كذلك يجوز الرَّفع والنَّصب على ما لا يخفى، وفي رواية خالدٍ الطَّحَّان عند مسلمٍ أنَّ جابرًا قال: أنا فيهم، وله في رواية هشيمٍ: فيهم أبو بكر وعمر، وروى السُّهيليُّ بسندٍ منقطعٍ أنَّ الاثني عشر هم العشرة المبشَّرة بالجنَّة (١) وبلالٌ وابن مسعودٍ (فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]) تقديره: وإذا رأوا تجارةً انفضُّوا إليها، أو لهوًا انفضُّوا إليه، فحُذِف أحدهما لدلالة الآخر عليه، أو أُعيد الضَّمير إلى التِّجارة؛ لأنَّها كانت أهمَّ إليهم، أو أنَّ الضَّمير أُعيد إلى المعنى دون اللفظ، أي: انفضُّوا إلى الرُّؤية التي رأوها؟ أي: مالوا إلى طلب ما رأوه.
وقد أشار المؤلِّف بهذه التَّرجمة إلى أنَّ التِّجارة وإن كانت ممدوحةً باعتبار كونها من مكاسب الحلال؛ فإنَّها قد تُذمُّ إذا قُدِّمت على ما يجب تقديمُه عليها، قاله في «الفتح».
(٧) (باب مَنْ لَمْ يُبَالِ مِنْ حَيْثُ كَسَبَ المَالَ).
٢٠٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ
стр. 4517
لَا يُبَالِي المَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ، أَمِنَ الحَلَالِ أَمْ مِنَ الحَرَامِ) الضَّمير في «منه» عائد إلى (١) «ما»، وفيه ذمُّ ترك التَّحرِّي في المكاسب، وقال السَّفاقسيُّ: أخبر بهذا ﵊ تحذيرًا من فتنة المال، وهو من بعض دلائل نبوَّته لإخباره (٢) بالأمور التي لم تكن في زمنه، ووجه الذَّمِّ من جهة التَّسوية بين الأمرين، وإِلَّا فأخذ المال من الحلال ليس مذمومًا من حيث هو، والله تعالى أعلم.
(٨) (باب التِّجَارَةِ فِي البَرِّ) بفتح الموحَّدة والرَّاء المهملة المشدَّدة، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «في البَزِّ» بالزَّاي بدل الرَّاء، قال الحافظ ابن حجرٍ: وعليه الأكثر، وليس في الحديث ما يدلُّ عليه بخصوصه، بل بطريق عموم المكاسب، وصوَّب ابن عساكر الأولى، وهو أليق بمؤاخاة التَّرجمة للَّاحقة، وهي التِّجارة في البحر، وكذا ضبطها الحافظ الدِّمياطيُّ، وأمَّا قول البرماويِّ تبعًا لبعضهم: إنَّه تصحيفٌ، فقال في «الفتح»: إنَّه خطأٌ إذ ليس في الآية ولا الحديث ولا الأثر اللَّاتي أوردها في الباب ما يرجِّح أحد اللَّفظين، ولابن عساكر: «البُرِّ» بضمِّ الموحَّدة وبالرَّاء (٣)، ونسبها ابن حجرٍ لضبط ابن بطَّالٍ وغيره فيما قرأه بخطِّ القطب الحلبيِّ، وليس في الباب ما يقتضي تعيينه من بين أنواع التجارات، وزاد في رواية أبي الوقت: «وغيرِه» بالجرِّ عطفًا على السَّابق، قال الحافظ ابن حجر: ولم تقع في رواية الأكثر، وثبتت عند الإسماعيليِّ وكريمة. (وَقَوْلُِهِ تعالى) بالخفض عطفًا على السَّابق، أو بالرَّفع على الاستئناف: (﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ﴾ [النور: ٣٧]) قال ابن عبَّاسٍ: يقول: عن الصَّلاة المكتوبة، وقال السُّدِّيُّ: عن الصَّلاة في جماعةٍ، وعن مقاتل بن حيَّان: لا يُلهيهم ذلك عن حضور الصَّلاة، وأن يقيموها كما أمرهم الله، وأن يحافظوا على مواقيتها وما استحفظهم الله فيها، والتِّجارة: صناعة التَّاجر، وهو الَّذي يبيع ويشتري للرِّبح، وعطف «البيع» على «التِّجارة» مع كونها أعمَّ؛ لأنَّ البيع -كما في «الكشاف» -
стр. 4518
أدخل في الإلهاء من قِبَلِ أنَّ التَّاجر إذا اتَّجهت له بيعةٌ رابحةٌ، وهي طَلِبَتُهُ الكلِّيَّة من صناعته، أَلْهَتْهُ ما لا يُلهيه شراء شيءٍ يتوقَّع فيه الرِّبح في الوقت، أو لأنَّ هذا يقينٌ، وذاك مظنونٌ، أو أن (١) الشِّراء يسمى تجارةً، إطلاقًا لاسم الجنس على النَّوع، أو التِّجارة لأهل الجلب، يقال: تجر (٢) فلان في كذا، إذا جلبه، واختُلِف في المعنيِّ، فقيل: لا تجارة لهم فلا يشتغلون عن الذِّكر، وقيل: لهم تجارةٌ ولكنها لا تُشغِلهم، وعلى هذا تُنزَّل ترجمة البخاريِّ، فإنَّما أراد إباحة التِّجارة وإثباتها لا نفيها، وأراد بقوله: «في البزِّ (٣) وغيره»: أنَّه لا يتقيَّد في تخصيص (٤) نوعٍ من البضائع دون غيره، وإنَّما التَّقييد في ألَّا يشتغل بالتِّجارة عن الذِّكر (٥)، ولم يَسُقْ في الباب حديثًا يقتضي التِّجارة في البزِّ بعينها من بين سائر أنواع التِّجارات، قال ابن بطَّال: غير أنَّ قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ﴾ [النور: ٣٧] يدخل فيه جميع أنواع التِّجارة (٦) من البزِّ وغيره، قال في «المصابيح»: لا نُسلِّم شمول الآية لكلِّ تجارة بطريق العموم الاستغراقيِّ، فإنَّ التِّجارة والبيع فيها من المطلق، لا من العامِّ، فإن قلت: كيف يتَّجه هذا وكلٌّ من التِّجارة والبيع في الآية وقع نكرةً في سياق النَّفي؟ وأجاب: بأنَّ ترجمة البخاريِّ مقتضيةٌ لإثبات التِّجارة لا نفيها، وأنَّ المعنى: لهم تجارةٌ وبيعٌ لا يُلهيانهم عن ذكر الله، فإذًا كلٌّ منهما نكرةٌ في سياق (٧) الإثبات، فلا تعمُّ. (وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ القَوْمُ) أي: الصَّحابة (يَتَبَايَعُونَ وَيَتَّجِرُونَ، وَلَكِنَّهُمْ إِذَا نَابَهُمْ) أي: عَرَض لهم (حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللهِ، لَمْ تُلْهِهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ) أي: لم تشغلهم الدُّنيا وزخرفها وملاذُّها وربحها (عَنْ ذِكْرِ اللهِ حَتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَى اللهِ) الَّذي هو خالقهم ورازقهم، فيقدِّمون طاعته ومراده ومحبَّته على مرادهم ومحبَّتهم، وقال ابن بطَّال: ورأيت في تفسير الآية قال (٨): كانوا
стр. 4519
حدَّادين وخرَّازين، فكان أحدهم إذا رفع المطرقة أو غرز الإشفى (١) فسمع الأذان (٢) لم يرفعه من الغرزة ولم يوقع (٣) المطرقة، ورمى بها وقام إلى الصَّلاة، وهذا التَّعليق قال في «الفتح»: لم أره موصولًا عن قتادة، نعم روى ابن أبي حاتمٍ وابن جريرٍ فيما ذكره ابن كثيرٍ في «تفسيره» عن ابن عمر: أنَّه كان في السُّوق، فأُقيمت الصَّلاة، فأغلقوا حوانيتهم، ودخلوا المسجد، فقال ابن عمر: فيهم نزلت الآية (٤)، وعزاه في «فتح الباري» لتخريج عبد الرَّزَّاق.
٢٠٦٠ - ٢٠٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) النَّبيل الضَّحَّاك بن مخلد البصريُّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز المكيِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) بفتح العين، المكّيُّ (٥) (عَنْ أَبِي المِنْهَالِ) بكسر الميم وسكون النُّون، آخره لامٌ، اسمه: عبد الرَّحمن بن مُطعِمٍ الكوفيُّ (قَالَ: كُنْتُ أَتَّجِرُ فِي الصَّرْفِ) وهو بيع الذهب بالذهب، والفضَّة بالفضَّة، أو أحدهما بالآخر (فَسَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ) الأنصاريَّ الكوفيَّ (¬﵁، فَقَالَ: قَالَ (٦) النَّبِيُّ ﷺ ¬). قال البخاريُّ: (ح: وَحَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (الفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ) الرُّخاميُّ -بضمِّ الرَّاء بعدها خاءٌ معجَمةٌ- أبو العبَّاس البغداديُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا الحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور التِّرمذيُّ الأصل، سكن المِصِّيصة: (قَالَ ابْنُ
стр. 4520
جُرَيْجٍ) (١) عبد الملك: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَعَامِرُ بْنُ مُصْعَبٍ) بضمِّ الميم وفتح العين (أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا المِنْهَالِ) عبد الرَّحمن بن مُطعِم (يَقُولُ: سَأَلْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ عَنِ الصَّرْفِ) سقط لفظ «ابن عازب» للمُستملي (٢) (فَقَالَا: كُنَّا تَاجِرَيْنِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الصَّرْفِ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ يَدًا بِيَدٍ) أي: متقابضين في المجلس (فَلَا بَأْسَ) به (وَإِنْ كَانَ نَسَاءً) بفتح النُّون والسِّين المهملة ممدودًا، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُسْتملي: «نَسِيْئًا» بكسر السِّين ثم مثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ساكنةٍ مهموزًا، أي: متأخِّرًا (فَلَا يَصْلُحُ) واشتراط القبض في الصَّرف متَّفقٌ عليه، وإنَّما الاختلاف في التَّفاضُل بين الجنس الواحد.
ومباحث ذلك تأتي -إن شاء الله تعالى- في محالِّها، وموضع التَّرجمة قوله: وكنَّا (٣) تاجرين على عهد النَّبيِّ ﷺ ، وأخرج المؤلِّف الطَّريق الثَّانية بنزول رجلٍ؛ لأجل زيادة عامر بن مُصعَب مع عمرو بن دينار في رواية ابن جُرَيجٍ عنهما عن أبي المنهال المذكور، وليس لعامر بن مصعبٍ في «البخاريِّ» سوى هذا الموضع الواحد.
وروى المؤلِّف هذا الحديث في «البيوع» [خ¦٢١٨٠] و «هجرة النَّبيِّ ﷺ » [خ¦٣٩٣٩]، ومسلمٌ في «البيوع»، وكذا النَّسائيُّ (٤).
(٩) (باب) إباحة (الخُرُوجِ فِي التِّجَارَةِ) و «في»: للتَّعليل، أي: لأجل التِّجارة كقوله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ﴾ [النور: ١٤] (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه: (﴿فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ