العين وسكون التَّحتية، أي: إبلٌ لدحية أو لعبد الرَّحمن بن عوفٍ (تَحْمِلُ طَعَامًا، فَالتَفَتُوا إِلَيْهَا) أي: إلى العير، وفي رواية ابن فُضَيلٍ: فانفضَّ النَّاس [خ¦٢٠٦٤] أي: فتفرَّقوا، وهو موافقٌ لنصِّ القرآن، فالمراد من الالتفات: الانصراف (حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا) برفع «اثنا» بالألف، ويجوز النَّصب؛ لأنَّه استثناء من الضَّمير في «بقي» العائد على المصلِّي، فإنَّه إذا كان كذلك يجوز الرَّفع والنَّصب على ما لا يخفى، وفي رواية خالدٍ الطَّحَّان عند مسلمٍ أنَّ جابرًا قال: أنا فيهم، وله في رواية هشيمٍ: فيهم أبو بكر وعمر، وروى السُّهيليُّ بسندٍ منقطعٍ أنَّ الاثني عشر هم العشرة المبشَّرة بالجنَّة (١) وبلالٌ وابن مسعودٍ (فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]) تقديره: وإذا رأوا تجارةً انفضُّوا إليها، أو لهوًا انفضُّوا إليه، فحُذِف أحدهما لدلالة الآخر عليه، أو أُعيد الضَّمير إلى التِّجارة؛ لأنَّها كانت أهمَّ إليهم، أو أنَّ الضَّمير أُعيد إلى المعنى دون اللفظ، أي: انفضُّوا إلى الرُّؤية التي رأوها؟ أي: مالوا إلى طلب ما رأوه.
وقد أشار المؤلِّف بهذه التَّرجمة إلى أنَّ التِّجارة وإن كانت ممدوحةً باعتبار كونها من مكاسب الحلال؛ فإنَّها قد تُذمُّ إذا قُدِّمت على ما يجب تقديمُه عليها، قاله في «الفتح».
(٧) (باب مَنْ لَمْ يُبَالِ مِنْ حَيْثُ كَسَبَ المَالَ).
٢٠٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ
стр. 4517
لَا يُبَالِي المَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ، أَمِنَ الحَلَالِ أَمْ مِنَ الحَرَامِ) الضَّمير في «منه» عائد إلى (١) «ما»، وفيه ذمُّ ترك التَّحرِّي في المكاسب، وقال السَّفاقسيُّ: أخبر بهذا ﵊ تحذيرًا من فتنة المال، وهو من بعض دلائل نبوَّته لإخباره (٢) بالأمور التي لم تكن في زمنه، ووجه الذَّمِّ من جهة التَّسوية بين الأمرين، وإِلَّا فأخذ المال من الحلال ليس مذمومًا من حيث هو، والله تعالى أعلم.
(٨) (باب التِّجَارَةِ فِي البَرِّ) بفتح الموحَّدة والرَّاء المهملة المشدَّدة، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «في البَزِّ» بالزَّاي بدل الرَّاء، قال الحافظ ابن حجرٍ: وعليه الأكثر، وليس في الحديث ما يدلُّ عليه بخصوصه، بل بطريق عموم المكاسب، وصوَّب ابن عساكر الأولى، وهو أليق بمؤاخاة التَّرجمة للَّاحقة، وهي التِّجارة في البحر، وكذا ضبطها الحافظ الدِّمياطيُّ، وأمَّا قول البرماويِّ تبعًا لبعضهم: إنَّه تصحيفٌ، فقال في «الفتح»: إنَّه خطأٌ إذ ليس في الآية ولا الحديث ولا الأثر اللَّاتي أوردها في الباب ما يرجِّح أحد اللَّفظين، ولابن عساكر: «البُرِّ» بضمِّ الموحَّدة وبالرَّاء (٣)، ونسبها ابن حجرٍ لضبط ابن بطَّالٍ وغيره فيما قرأه بخطِّ القطب الحلبيِّ، وليس في الباب ما يقتضي تعيينه من بين أنواع التجارات، وزاد في رواية أبي الوقت: «وغيرِه» بالجرِّ عطفًا على السَّابق، قال الحافظ ابن حجر: ولم تقع في رواية الأكثر، وثبتت عند الإسماعيليِّ وكريمة. (وَقَوْلُِهِ تعالى) بالخفض عطفًا على السَّابق، أو بالرَّفع على الاستئناف: (﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ﴾ [النور: ٣٧]) قال ابن عبَّاسٍ: يقول: عن الصَّلاة المكتوبة، وقال السُّدِّيُّ: عن الصَّلاة في جماعةٍ، وعن مقاتل بن حيَّان: لا يُلهيهم ذلك عن حضور الصَّلاة، وأن يقيموها كما أمرهم الله، وأن يحافظوا على مواقيتها وما استحفظهم الله فيها، والتِّجارة: صناعة التَّاجر، وهو الَّذي يبيع ويشتري للرِّبح، وعطف «البيع» على «التِّجارة» مع كونها أعمَّ؛ لأنَّ البيع -كما في «الكشاف» -
стр. 4518
أدخل في الإلهاء من قِبَلِ أنَّ التَّاجر إذا اتَّجهت له بيعةٌ رابحةٌ، وهي طَلِبَتُهُ الكلِّيَّة من صناعته، أَلْهَتْهُ ما لا يُلهيه شراء شيءٍ يتوقَّع فيه الرِّبح في الوقت، أو لأنَّ هذا يقينٌ، وذاك مظنونٌ، أو أن (١) الشِّراء يسمى تجارةً، إطلاقًا لاسم الجنس على النَّوع، أو التِّجارة لأهل الجلب، يقال: تجر (٢) فلان في كذا، إذا جلبه، واختُلِف في المعنيِّ، فقيل: لا تجارة لهم فلا يشتغلون عن الذِّكر، وقيل: لهم تجارةٌ ولكنها لا تُشغِلهم، وعلى هذا تُنزَّل ترجمة البخاريِّ، فإنَّما أراد إباحة التِّجارة وإثباتها لا نفيها، وأراد بقوله: «في البزِّ (٣) وغيره»: أنَّه لا يتقيَّد في تخصيص (٤) نوعٍ من البضائع دون غيره، وإنَّما التَّقييد في ألَّا يشتغل بالتِّجارة عن الذِّكر (٥)، ولم يَسُقْ في الباب حديثًا يقتضي التِّجارة في البزِّ بعينها من بين سائر أنواع التِّجارات، قال ابن بطَّال: غير أنَّ قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ﴾ [النور: ٣٧] يدخل فيه جميع أنواع التِّجارة (٦) من البزِّ وغيره، قال في «المصابيح»: لا نُسلِّم شمول الآية لكلِّ تجارة بطريق العموم الاستغراقيِّ، فإنَّ التِّجارة والبيع فيها من المطلق، لا من العامِّ، فإن قلت: كيف يتَّجه هذا وكلٌّ من التِّجارة والبيع في الآية وقع نكرةً في سياق النَّفي؟ وأجاب: بأنَّ ترجمة البخاريِّ مقتضيةٌ لإثبات التِّجارة لا نفيها، وأنَّ المعنى: لهم تجارةٌ وبيعٌ لا يُلهيانهم عن ذكر الله، فإذًا كلٌّ منهما نكرةٌ في سياق (٧) الإثبات، فلا تعمُّ. (وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ القَوْمُ) أي: الصَّحابة (يَتَبَايَعُونَ وَيَتَّجِرُونَ، وَلَكِنَّهُمْ إِذَا نَابَهُمْ) أي: عَرَض لهم (حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللهِ، لَمْ تُلْهِهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ) أي: لم تشغلهم الدُّنيا وزخرفها وملاذُّها وربحها (عَنْ ذِكْرِ اللهِ حَتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَى اللهِ) الَّذي هو خالقهم ورازقهم، فيقدِّمون طاعته ومراده ومحبَّته على مرادهم ومحبَّتهم، وقال ابن بطَّال: ورأيت في تفسير الآية قال (٨): كانوا
стр. 4519
حدَّادين وخرَّازين، فكان أحدهم إذا رفع المطرقة أو غرز الإشفى (١) فسمع الأذان (٢) لم يرفعه من الغرزة ولم يوقع (٣) المطرقة، ورمى بها وقام إلى الصَّلاة، وهذا التَّعليق قال في «الفتح»: لم أره موصولًا عن قتادة، نعم روى ابن أبي حاتمٍ وابن جريرٍ فيما ذكره ابن كثيرٍ في «تفسيره» عن ابن عمر: أنَّه كان في السُّوق، فأُقيمت الصَّلاة، فأغلقوا حوانيتهم، ودخلوا المسجد، فقال ابن عمر: فيهم نزلت الآية (٤)، وعزاه في «فتح الباري» لتخريج عبد الرَّزَّاق.
٢٠٦٠ - ٢٠٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) النَّبيل الضَّحَّاك بن مخلد البصريُّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز المكيِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) بفتح العين، المكّيُّ (٥) (عَنْ أَبِي المِنْهَالِ) بكسر الميم وسكون النُّون، آخره لامٌ، اسمه: عبد الرَّحمن بن مُطعِمٍ الكوفيُّ (قَالَ: كُنْتُ أَتَّجِرُ فِي الصَّرْفِ) وهو بيع الذهب بالذهب، والفضَّة بالفضَّة، أو أحدهما بالآخر (فَسَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ) الأنصاريَّ الكوفيَّ (¬﵁، فَقَالَ: قَالَ (٦) النَّبِيُّ ﷺ ¬). قال البخاريُّ: (ح: وَحَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (الفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ) الرُّخاميُّ -بضمِّ الرَّاء بعدها خاءٌ معجَمةٌ- أبو العبَّاس البغداديُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا الحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور التِّرمذيُّ الأصل، سكن المِصِّيصة: (قَالَ ابْنُ
стр. 4520
جُرَيْجٍ) (١) عبد الملك: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَعَامِرُ بْنُ مُصْعَبٍ) بضمِّ الميم وفتح العين (أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا المِنْهَالِ) عبد الرَّحمن بن مُطعِم (يَقُولُ: سَأَلْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ عَنِ الصَّرْفِ) سقط لفظ «ابن عازب» للمُستملي (٢) (فَقَالَا: كُنَّا تَاجِرَيْنِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الصَّرْفِ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ يَدًا بِيَدٍ) أي: متقابضين في المجلس (فَلَا بَأْسَ) به (وَإِنْ كَانَ نَسَاءً) بفتح النُّون والسِّين المهملة ممدودًا، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُسْتملي: «نَسِيْئًا» بكسر السِّين ثم مثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ساكنةٍ مهموزًا، أي: متأخِّرًا (فَلَا يَصْلُحُ) واشتراط القبض في الصَّرف متَّفقٌ عليه، وإنَّما الاختلاف في التَّفاضُل بين الجنس الواحد.
ومباحث ذلك تأتي -إن شاء الله تعالى- في محالِّها، وموضع التَّرجمة قوله: وكنَّا (٣) تاجرين على عهد النَّبيِّ ﷺ ، وأخرج المؤلِّف الطَّريق الثَّانية بنزول رجلٍ؛ لأجل زيادة عامر بن مُصعَب مع عمرو بن دينار في رواية ابن جُرَيجٍ عنهما عن أبي المنهال المذكور، وليس لعامر بن مصعبٍ في «البخاريِّ» سوى هذا الموضع الواحد.
وروى المؤلِّف هذا الحديث في «البيوع» [خ¦٢١٨٠] و «هجرة النَّبيِّ ﷺ » [خ¦٣٩٣٩]، ومسلمٌ في «البيوع»، وكذا النَّسائيُّ (٤).
(٩) (باب) إباحة (الخُرُوجِ فِي التِّجَارَةِ) و «في»: للتَّعليل، أي: لأجل التِّجارة كقوله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ﴾ [النور: ١٤] (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه: (﴿فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ
стр. 4521
وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ﴾ [الجمعة: ١٠]) إطلاقٌ لِما حُظِر عليهم، واحتجَّ به من (١) جعل الأمر بعد الحظر للإباحة، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ﴾ [المائدة: ٢] والابتغاء من فضل الله هو طلب الرزق، وسقط لابن عساكر وأبي ذرٍّ «﴿وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ﴾».
٢٠٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللَّام، ابن الفرج البِيكنديُّ -بكسر الموحَّدة- وسقط في رواية ابن عساكر وأبي ذرٍّ لفظ «ابن سَلَام» قال (٢): (أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ) من الزِّيادة، ومَخْلَد: بفتح الميم وسكون المعجَمة وفتح اللَّام، الحرَّانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ) بضمِّ العين فيهما مصغَّرين، ابن قتادة، أبو عاصم، قاصُّ (٣) أهل مكَّة، قال مسلمٌ: وُلِد في زمنه (٤) ﷺ ، وقال البخاريُّ: رأى النَّبيَّ ﷺ (أَنَّ أَبَا مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ (الأَشْعَرِيَّ) ﵁ (اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁¬) زاد بُسْر (٥) بن سعيدٍ عن أبي سعيدٍ في «الاستئذان» [خ¦٦٢٤٥]: أنَّه استأذن ثلاثًا (فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ) بضمِّ الياء مبنيًّا للمفعول (وَكَأَنَّهُ) أي: عمر (كَانَ
стр. 4522
مَشْغُولًا) بأمرٍ من أمور المسلمين (فَرَجَعَ أَبُو مُوسَى، فَفَرَغَ عُمَرُ) من شغله (فَقَالَ: أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ) أبي موسى الأشعريِّ؟ (ائْذَنُوا لَهُ) بالدُّخول (قِيلَ: قَدْ رَجَعَ) أي: أبو موسى، فبعث عمر وراءه، فحضر (فَدَعَاهُ) فقال: لمَ رجعت؟ (فَقَالَ) أي: أبو موسى: (كُنَّا نُؤْمَرُ بِذَلِكَ) أي: بالرُّجوع حين لم يُؤذَن للمستأذِن، قال في رواية (١) «الاستئذان» المذكورة: فأخبرت عمر عن النَّبيِّ ﷺ بذلك (فَقَالَ) أي: عمر: (تَأْتِينِي) بدون لام التَّأكيد في أوَّله، وهو خبرٌ أُريد به الأمر، وفي نسخة: «تَأْتِني» بحذف التَّحتيَّة الَّتي بعد الفوقيَّة (عَلَى ذَلِكَ) أي: على الأمر بالرُّجوع (بِالبَيِّنَةِ؟) زاد مالك في «موطَّئه»: فقال عمر لأبي موسى: أما إنِّي لم أتَّهمك، ولكن خشيتُ أن يتقوَّل النَّاسُ على رسول الله ﷺ ، وحينئذٍ (٢) فلا دلالة في طلبه البيِّنة على أنَّه لا يحتجُّ بخبر الواحد، بل أراد سدَّ الباب خوفًا من غير أبي موسى أن يختلق كذبًا على رسول الله ﷺ عند الرَّغبة والرَّهبة (فَانْطَلَقَ) أي: أبو موسى (إِلَى مَجْلِسِ الأَنْصَارِ) بتوحيد «مجلس»، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «إلى مجالس الأنصار» (فَسَأَلَهُمْ) عن ذلك (فَقَالُوا: لَا يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا) الذي أنكره عمر ﵁ (إِلَّا أَصْغَرُنَا أَبُو سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الخُدْرِيُّ) أشاروا إلى أنَّه حديثٌ مشهورٌ بينهم، حتَّى إنَّ أصغرهم سمعه من النَّبيِّ ﷺ (فَذَهَبَ) أي (٣): أبو موسى (بِأَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) إلى عمر فأخبره أبو سعيد بذلك (فَقَالَ عُمَرُ: أَخَفِيَ عَلَيَّ) ولأبوي ذرٍّ والوقت عن الحَمُّويي: «أَخَفيَ هذا عليَّ» (مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟) والهمزة في «أَخَفي» للاستفهام، وياء «عليَّ» مشدَّدة (أَلْهَانِي) أي: أشغلني (٤) (الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، يَعْنِي) عمر ﵁ بذلك: (الخُرُوجَ إِلَى تِجَارَةٍ (٥)) ولابن عساكر عن الكُشْمِيهَنيِّ: «إلى التِّجارة» بالتَّعريف، أي: شغله ذلك عن ملازمة رسول الله ﷺ في بعض الأوقات، حتَّى حضر من هو أصغر منِّي ما لم أحضره من العلم، وفيه: أنَّ طلب الدُّنيا يمنع من استفادة العلم، وقد كان احتياج عمر (٦) ﵁ إلى السُّوق؛ لأجل الكسب لعياله والتعفُّف عن الناس.
стр. 4523
وهذا موضع التَّرجمة، وفي ذلك ردٌّ على من يتنطَّع في التِّجارة فلا يحضر الأسواق ويتحرَّج منها، لكن يحتمل أنَّ تحرُّج (١) من يتحرَّج لغلبة المنكرات في الأسواق في هذه الأزمنة، بخلاف الصَّدر الأول، وفي الحديث: أنَّ قول الصحابي: «كُنَّا نؤمر بكذا» له حكم الرَّفع.
وهذ الحديث أخرجه أيضًا في «الاعتصام» [خ¦٧٣٥٣]، ومسلمٌ في «الاستئذان»، وأبو داود في «الأدب».
(١٠) (باب التِّجَارَةِ فِي البَحْرِ) أي: باب إباحة ركوب البحر للتِّجارة، قال الحافظ ابن حجرٍ: وفي بعض النُّسخ: «وغيرِه» (وَقَالَ مَطَرٌ) هو ابن طَهْمان أبو رجاءٍ الورَّاق البصريُّ، ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ: (لَا بَأْسَ بِهِ) أي: بركوب البحر (وَ) يقولُ: (مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ) أي: ركوبَ البحر (فِي القُرْآنِ إِلَّا بِحَقٍّ) ولابن عساكر: «وما ذكر الله» بإسقاط الضَّمير المنصوب، وفي نسخة بالفرع: «إلا بالحقِّ» ووقع في رواية الحَمُّويي: «وقال مُطرِّف» بدل «مطر»، قال الحافظ ابن حجرٍ وغيره: إنَّه تصحيفٌ (ثُمَّ تَلَا) مطرٌ: (﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾) وهذه آية النحل، ولأبي ذرٍّ: «﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾» [فاطر: ١٢] بتقديم ﴿فِيهِ﴾ على ﴿مَوَاخِرَ﴾ وهذه آية سورة فاطرٍ (﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ [النحل: ١٤]) من سعة رزقه تركبونها للتِّجارة، ووجه حمل مطرٍ ذلك على الإباحة أنَّها سيقت في مقام الامتنان؛ لأنَّ الله تعالى جعل البحر لعباده لابتغاء فضله من نعمه التي عدَّدها (٢) لهم، وأراهم في ذلك عظيم قدرته، وسخَّر الرِّياح باختلافها لحملهم (٣) وتردُّدهم، وهذا من عظيم آياته (٤)،
стр. 4524
وهذا يردُّ على من منع ركوب البحر في إبَّان ركوده (١)، وهذا (٢) قولٌ يروى عن عمر ﵁، ولمَّا كتب إلى عمرو بن العاص يسأله عن البحر، فقال: خلقٌ عظيمٌ، يركبه خلقٌ ضعيفٌ، دودٌ (٣) على عودٍ، فكتب إليه عمر ﵁ أنْ لا يركبه أحدٌ طول حياته، فلمَّا كان بعد عمر ﵁ لم يزل يُركَب حتى كان عمر بن عبد العزيز، فاتَّبع فيه رأي عمر ﵁، وكان مَنْعُ عمر لشدَّة شفقته على المسلمين، وأمَّا إذا كان إبَّان (٤) هيجانه وارتجاجه فلا يجوز ركوبه؛ لأنَّه تعرُّض للهلاك، وقد نهى الله عباده عن ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. قال البخاريُّ: (وَالفُلْكُ) في الآية: هي (السُّفُنُ) بضمِّ السِّين والفاء، جمع سفينة، وسُمِّيت سفينةً؛ لأنَّها تسفن وجه الماء، أي: تقشره، فعيلةٌ بمعنى: فاعلةٍ، والجمع: سفائن وسُفُنٌ وسَفينٌ، وقوله: (الوَاحِدُ وَالجَمْعُ) (٥) وسقطت الواو من قوله «والفلك» لأبي ذرٍّ، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «والجميع» (سَوَاءٌ) يعني: في الفلك، بدليل قوله تعالى: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢] فذكره في الإفراد والجمع بلفظٍ واحدٍ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفِرْيابيُّ في «تفسيره» وعبد بن حميدٍ من وجهٍ آخرَ: (تَمْخَرُ) بفتح التاء وسكون الميم وفتح الخاء المعجمة، أي: تشقُّ (السُّفُنُ الرِّيحَ) برفع «السُّفن» على الفاعليَّة، ونصب «الرِّيح» على المفعوليَّة، كذا في فرع «اليونينيَّة»، قال عياضٌ: وهو رواية الأَصيليِّ، وهو الصَّواب، ويدلُّ له (٦) قوله تعالى: ﴿مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ [النحل: ١٤] إذ جعل الفعل للسُّفن، وقال الخليل: مخرت السَّفينة الرِّيح إذا استقبلته، وقال أبو عبيدٍ وغيره: هو شقُّها الماء، وعلى هذا فـ «السَّفينة» رفعٌ على الفاعليَّة، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «من الرِّيح»، وفي نسخة -قال عياض:
стр. 4525
وهي للأكثر-: «تَمْخَر السُّفنَ» بالنَّصب «الرِّيحُ» بالرفع على الفاعليَّة؛ لأنَّ الرِّيح هي الَّتي تَصرِف السَّفينة في الإقبال والإدبار (وَلَا يَمْخَرُ الرِّيحَ) شيءٌ (مِنَ السُّفُنِ) بنصب «الرِّيح» على المفعوليَّة، ولأبي ذرٍّ: «الريحُ» شيئًا «من السُّفن» برفع «الرِّيح» على الفاعليَّة (إِلَّا الفُلْكُ العِظَامُ) بالرَّفع فيهما بدلًا من المستثنى منه؛ لأنَّه منفيٌّ، ولأبي ذرٍّ: «إلا الفلكَ العظامَ» بالنَّصب فيهما على الاستثناء.
٢٠٦٣ - (١) (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعد الإمام: (حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن شُرَحبيل بن حَسَنة المصريُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ) الأعرج (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ (٢) ﷺ : أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ خَرَجَ فِي البَحْرِ) ولأبي ذرٍّ: «إلى البحر» (فَقَضَى حَاجَتَهُ … ، وَسَاقَ الحَدِيثَ) ويأتي بتمامه في «الكفالة» [خ¦٢٢٩١]-إن شاء الله تعالى- وسبق في «كتاب الزَّكاة» في «باب ما يُستخرج من البحر» [خ¦١٤٩٨] بصورة التَّعليق أيضًا، ولفظه: «أنَّه ذكر رجلًا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يُسلفه ألف دينار، فدفعها إليه، فخرج في البحر، فلم يجد مركبًا، فأخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار، فرمى بها في البحر، فخرج الرَّجل الَّذي كان أسلفه، فإذا بالخشبة، فأخذها لأهله حطبًا … فذكر الحديث، فلمَّا نشرها وجد المال»، والرَّجل المقرِض هو النَّجاشيُّ، كما نقله الحافظ ابن حجرٍ في «المقدِّمة» عن كتاب «الصَّحابة» لمحمَّد بن الرَّبيع الجيزيِّ، وفيه بحثٌ يأتي -إن شاء الله تعالى- في «الكفالة» [خ¦٢٢٩١]. وهذا الحديث قد وصله الإسماعيليُّ، وكذا هو موصولٌ عند المؤلِّف في رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي حيث قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ) كاتب اللَّيث (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (اللَّيْثُ بِهَذَا) الحديث، وأفاد في «فتح الباري» أنَّ هذا ثابتٌ في رواية أبي الوقت أيضًا، وقال صاحب «اللَّامع»: وفي بعض النُّسخ تقديم ذلك على قوله: «وقال الليث»، ويُعزى ذلك لرواية الحَمُّويي، ولكنَّ الصَّواب أن يكون مؤخَّرًا؛ فإنَّ البخاريَّ لم يخرِّج عن عبد الله بن صالح كاتب اللَّيث في
стр. 4526
«الجامع» مسندًا ولا حرفًا، بل ولا مسلمٌ، إلَّا أنَّ البخاريَّ استشهد (١) به في مواضع، وهذا معنى قول أبي ذرٍّ: أنَّ كلَّ ما قاله (٢) البخاريُّ عن اللَّيث فإنَّما سمعه من عبد الله بن صالح كاتب اللَّيث في الاستشهاد. انتهى.
ووجه تعلُّقه بالتَّرجمة ظاهرٌ من جهة أنَّ شَرْعَ مَن قبلنا شرع لنا إذا لم يَرِدْ في شرعنا ما ينسخه، لا سيما إذا ذكره ﷺ مقرِّرًا له، أو في (٣) سياق الثَّناء على فاعله وما أشبه ذلك، ويُحتمل أن يكون مراد المؤلِّف بإيراد هذا: أنَّ ركوب البحر لم يزل متعارفًا مألوفًا من قديم الزَّمان، فيُحمل على أصل الإباحة حتَّى يرد دليلٌ على المنع.
والحديث يأتي -إن شاء الله تعالى- في «الكفالة» [خ¦٢٢٩١] و «الاستقراض» [خ¦٢٤٠٤] و «اللُّقطة» [خ¦٢٤٣٠] و «الشُّروط» [خ¦٢٧٣٤] و «الاستئذان» [خ¦٦٢٦١]، وأخرجه النَّسائيُّ في «اللُّقطة».
(١١) هذا (بابٌ) بالتنوين (﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ (٤) [الجمعة: ١١] وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ﴾ [النور: ٣٧] وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ القَوْمُ) أي: الصَّحابة (يَتَّجِرُونَ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا نَابَهُمْ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللهِ) (لَمْ تُلْهِهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ حَتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَى اللهِ) ، كذا وقع ذلك كلُّه معادًا في رواية المُستملي وحده، وسقط لغيره، قال الحافظ ابن حجرٍ: إلَّا النَّسفيّ، فإنَّه ذكره هنا (٥) وحذفه فيما سبق. انتهى. وسقط عند المُستملي في رواية أبي ذرٍّ لفظ «رجال» وعن أبي ذرٍّ سقوط قوله: «﴿عَن ذِكْرِ اللهِ﴾»، وهذا التَّعليق قد سبق في «باب التِّجارة في البرِّ» [خ¦٣٤/ ٨ - ٣٢١٨] أنَّه لم يقف عليه موصولًا مع ما فيه.
стр. 4527
٢٠٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولابن عساكر: «حدَّثنا» (مُحَمَّدٌ) هو ابن سلامٍ البيكنديُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد من التَّحديث، ولابن عساكر: «أخبرنا» بالجمع من الإخبار (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) مُصَغَّرًا، ابن غزوان الضَّبيُّ الكوفيُّ (عَنْ حُصَيْنٍ) مصغَّرًا، ابن عبد الرَّحمن السُّلميِّ الكوفيِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين المهملة، الكوفيِّ (عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: أَقْبَلَتْ عِيرٌ وَنَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الجُمُعَةَ) أي: ننتظرها (فَانْفَضَّ النَّاسُ) أي: فتفرَّقوا (إِلَّا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا) بنصب «اثني» بالياء على الاستثناء (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]) أي: في الخطبة.
وهذا الحديث قد سبق في «باب التِّجارة في البرِّ» [خ¦٢٠٦٠] وذكر هنا لكن بتخالفٍ لبعض المتن والسند (١).
(١٢) (بابُ) تفسير (قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]) أي: من (٢) حلاله، أو جياده، وعن مجاهد: المراد به التِّجارة، ولأبي الوقت: «كلوا» بدل «أنفقوا»، قال ابن بطَّال: وهو غلطٌ، وأفاد في «فتح الباري» أنَّه رأى ذلك في رواية النَّسفيِّ.
٢٠٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) أخو أبي بكر قَالَ: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم وكسر الرَّاء، ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) بالهمز، شقيقٍ (عَنْ
стр. 4528
مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ) على عيال زوجها وأضيافه ونحوهم (مِنْ طَعَامِ) زوجها الَّذي في (بَيْتِهَا) المتصرِّفة فيه إذا أذِنَ لها في ذلك بالصَّريح (١) أو بالمفهوم، أو علمت رضاه بذلك، حال كونها (غَيْرَ مُفْسِدَةٍ) له بأن لم تتجاوز العادة (كَانَ لَهَا) أي: للمرأة، وأفاد الزَّركشيُّ أنَّ قوله: «وكان» ثبت بالواو، فيحتمل (٢) زيادتها، ولهذا روي بإسقاطها. انتهى. والذي في «الفرع» وغيره: «كان» بحذف الواو، وقال في «المصابيح»: لم تثبت زيادة الواو في جواب «إذا»، فالذي ينبغي أن يُجعل الجواب محذوفًا، والواو عاطفةً على المعهود فيها، محافظةً على إبقاء (٣) القواعد وعدم الخروج عنها، أي: لم تأثم، وكان لها (أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ) غير مفسدةٍ (وَلِزَوْجِهَا) زاد في «باب من أمر خادمه بالصَّدقة» [خ¦١٤٢٥]: أجره (بِمَا كَسَبَ) أي: بسبب كسبه، وهذا موضع التَّرجمة (وَلِلْخَازِنِ) الَّذي يحفظ الطعامَ المُتصَدَّقَ منه (مِثْلُ ذَلِكَ) من الأجر (لَا يَنْقُصُ) بفتح أوَّله وضمِّ ثالثه (بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ) أي: من أجر بعضٍ (شَيْئًا) بالنَّصب مفعول «يَنقُص».
وهذا الحديث سبقت مباحثه في «الزَّكاة» [خ¦١٤٣٧].
٢٠٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ) أبو زكريا البيكنديُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: «أخبرنا» (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّام الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) بفتح الميمين، ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابن مُنَبِّهٍ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا عَنْ (٤) غَيْرِ أَمْرِهِ) الصَّرِيح في ذلك القدرَ المعيَّن، فلا يشترط في ذلك الإذن الصَّريح، بل لو فهمت الإذن لها بقرائن حاليَّة دالَّة على ذلك جاز لها الاعتماد على ذلك، فينزَّل (٥) منزلة صريح الإذن،
стр. 4529
أو المراد: إنفاقها من الَّذي اختصَّها الزَّوج به، فإنَّه يصدق بأنَّه من كسبه -فيؤجَر عليه- وكونه بغير أمره، ولا بدَّ من الحمل على هذين المعنيين، وإلَّا فلو لم تكن مأذونًا لها فيه أصلًا فهي متعدِّيةٌ، فلا أجر لها بل عليها الوِزْر (فَلَهُ) أي: للزوج، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فلها» أي: للمرأة (نِصْفُ أَجْرِهِ) محمولٌ على ما إذا لم يكن هناك من يُعينها على تنفيذ الصَّدقة، بخلاف حديث عائشة ﵂، ففيه: أنَّ للخادم مثلَ ذلك، أو أنَّ معنى النصف: أنَّ أجره وأجرها إذا جُمِعا كان لها النِّصف من ذلك، فلكلٍّ منهما أجرٌ كاملٌ وهما اثنان، فكأنَّهما نصفان، وقيل: إنَّه بمعنى: الجزء (١)، والمراد: المشاركة في أصل الثَّواب وإن كان أحدهما أكثر بحسب الحقيقة.
وموضع التَّرجمة قوله: «من كسب زوجها» فإنَّ كسبه من التِّجارة وغيرها، وهو مأمورٌ بأن ينفق من طيِّبات ما كسب، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «النَّفقات» [خ¦٥٣٦٠]، ومسلمٌ في «الزَّكاة»، وكذا أبو داود.
(١٣) (باب مَنْ أَحَبَّ البَسْطَ) التَّوسُّع (فِي الرِّزْقِ).
٢٠٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ) إسحاق (الكِرْمَانِيُّ) بكسر الكاف، قال: (حَدَّثَنَا حَسَّانُ) بتشديد المهملة من غير صرفٍ، ابن إبراهيم، أبو هشامٍ العَنَزِيُّ -بالزَّاي- قاضي كِرْمان قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن يزيد قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو ابن مسلم ابن شهابٍ، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «قال محمَّد هو الزُّهري» (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ سَرَّهُ) أي: من أفرحه (أَنْ يُبْسَطَ لَهُ (٢) رِزْقُهُ) بضمِّ المثنَّاة التَّحتيَّة وسكون الموحَّدة وفتح المهملة مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «لهُ في رزقِه (٣)» (أَوْ يُنْسَأَ) بضمِّ أوَّله وسكون النُّون
стр. 4530
آخره همزةٌ، منصوبٌ (١) عطفًا على «أن يبسط» أي: يؤخَّر (لَهُ فِي أَثَرِهِ) بفتح الهمزة المقصورة والمثلَّثة، أي: في بقيَّة عمره، وجواب «مَن» قولهُ: (فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) كلَّ ذي رحمٍ محرمٍ، أو الوارث، أو القريب، وقد يكون بالمال وبالخدمة وبالزِّيارة، واستُشكِل هذا مع قوله في الحديث الآخر: «كُتِب رزقُه وأجلُه في بطن أمِّه»، وأُجيب بأنَّ معنى البسط في الرِّزق: البركة فيه، إذ الصِّلة صدقةٌ، وهي تُربي المال، وتزيد فيه، فينمو (٢) بها، وفي العمر حصول القوَّة في الجسد، أو يبقى ثناؤه الجميل على الألسنة، فكأنَّه لم يمت، وبأنَّه يجوز أن يكتب في بطن أمِّه إن وصل رحمه فرزقه وأجله كذا، وإن لم يصل فكذا، وفي كتاب «التَّرغيب والتَّرهيب» للحافظ أبي موسى المدينيِّ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «إنَّ الإنسان ليصل رحمه وما بقي من عمره إلَّا ثلاثة أيام، فيزيد الله تعالى في عمره ثلاثين سنة، وإنَّ الرجل ليقطع رحمه وقد بقي من عمره ثلاثون سنة، فينقص الله تعالى من (٣) عمره حتَّى لا يبقى منه إلَّا ثلاثة أيام»، ثم قال: هذا حديثٌ حسنٌ، ومن حديث إسماعيل بن عيَّاش عن داود بن عيسى قال: مكتوبٌ في التَّوراة: صلة الرَّحم وحسن الخلُق وبرُّ القرابة يعمر الدِّيار، ويكثر الأموال، ويزيد في الآجال وإن كان القوم كفَّارًا، قال أبو موسى: يُروى هذا من طريق أبي سعيدٍ الخدريِّ مرفوعًا عن التَّوراة.
(١٤) (باب شِرَاءِ النَّبِيِّ ﷺ بِالنَّسِيئَةِ) بفتح النُّون وكسر السِّين (٤) المهملة وفتح الهمزة، أي: بالأجل.
٢٠٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) بضمِّ الميم وفتح العين المهملة (٥) وفتح اللَّام المشدَّدة،
стр. 4531
أبو الهيثم قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زياد قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ: ذَكَرْنَا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (الرَّهْنَ فِي السَّلَمِ) أي: في السَّلف، ولم يرد به السَّلم العرفيَّ الَّذي هو بيع الدَّين بالعين (فَقَالَ) أي: إبراهيم: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (الأَسْوَدُ) بن يزيد -وهو خال إبراهيم- (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى طَعَامًا) في «البخاريِّ» من حديث عائشة [خ¦٢٩١٦]: أنَّه ثلاثون صاعًا من شعيرٍ، وفي أخرى: عشرون، وللبزَّار من طريق ابن عبَّاسٍ: أربعون، وفي «مصنَّف عبد الرَّزَّاق»: وَسْقٌ من شعيرٍ (مِنْ يَهُودِيٍّ) هو أبو الشَّحم كما في «مسند الشَّافعيِّ» و «مبهمات الخطيب» ورواه البيهقيُّ (إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ) بكسر الدَّال المهملة: ما يُلبَس في الحرب، قال أبو عبد الله محمَّد بن أبي بكر التِّلمسانيُّ في كتاب «الجوهرة»: إنَّ هذه الدِّرع هي ذات الفضول، قيل: وإنَّما لم يرهنه عند أحدٍ من مياسير الصَّحابة (١)، حتى لا يبقى لأحدٍ عليه منَّةٌ لو أبرأه منه.
وفي الحديث: جواز البيع إلى أجلٍ، ومعاملة اليهود وإن كانوا يأكلون أموال الرِّبا كما أخبر الله تعالى عنهم، ولكنَّ مبايعتهم وأكل طعامهم مأذونٌ لنا فيه بإباحة الله تعالى، وفيه: معاملة من يظنُّ أن أكثر ماله حرامٌ ما لم يتيقَّن أنَّ المأخوذ بعينه حرامٌ، وجواز الرَّهن في الحضر وإن كان في التَّنزيل مقيَّدًا بالسفر.
وفي هذا (٢) الحديث ثلاثةٌ من التَّابعين على نسقٍ واحدٍ: الأعمش وإبراهيم والأسود.
وأخرجه المؤلِّف في «البيوع» [خ¦٢٠٩٦] و «الاستقراض» [خ¦٢٣٨٦] و «السَّلم» [خ¦٢٢٥١] (٣) و «الرَّهن» [خ¦٢٥٠٩] و «الجهاد» [خ¦٢٩١٦] و «المغازي» [خ¦٤٤٦٧]، ومسلمٌ في «البيوع»، وكذا النَّسائيُّ، وأخرجه ابن ماجه في «الأحكام».
стр. 4532
٢٠٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابن إبراهيم الفراهيديُّ القصَّاب قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ).
(ح) لتحويل السَّند: (وحَدَّثَنِي) بواو العطف والإفراد، وسقطت «الواو» لغير أبي ذرٍّ وابن عساكر (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَوْشَبٍ) بفتح الحاء والشِّين المعجمة، بينهما واوٌ ساكنةٌ، آخره موحَّدةٌ، على وزن كَوكَب، قال: (حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ) بفتح الهمزة وسكون السِّين المهملة، وبالموحَّدة وبعد الألف طاءٌ مهملةٌ (أَبُو اليَسَعِ) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة والسِّين المهملة (البَصْرِيُّ) وليس له في «البخاريِّ» سوى هذا الموضع، قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَُوَائِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّهُ مَشَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِخُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ) بكسر الهمزة وتخفيف الهاء: الأَلْيَة، أو ما أُذيب من الشَّحم، أو كلُّ ما يؤتَدم به من الأدهان، أو الدَّسم الجامد على المرقة (١) (سَنِخَةٍ) بفتح السِّين المهملة وكسر النُّون وفتح الخاء المعجمة، أي: متغيِّرة الرَّائحة من طول المكث، وروي: «زَنِخَة» بالزَّاي (وَلَقَدْ رَهَنَ النَّبِيُّ ﷺ دِرْعًا لَهُ) من حديدٍ تُسمَّى: ذات الفضول (بِالمَدِينَةِ عِنْدَ يَهُودِيٍّ) هو أبو الشَّحم (وَأَخَذَ مِنْهُ شَعِيرًا) ثلاثين صاعًا أو عشرين أو أربعين، أو وسقًا واحدًا (٢) كما مرَّ [خ¦٢٠٦٨] (لأَهْلِهِ) لأزواجه، وكنَّ (٣) تسعًا، قال أنس: (وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ) ﵊ (يَقُولُ: مَا أَمْسَى عِنْدَ آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ صَاعُ بُرٍّ وَلَا صَاعُ حَبٍّ) تعميمٌ بعد تخصيصٍ، قال البرماويُّ: و «آل» مقحَمةٌ (وَإِنَّ عِنْدَهُ لَتِسْعَ نِسْوَةٍ) بنصب «تسع» اسم «إنَّ»، واللَّام فيه للتَّأكيد، وفيه: ما كان عليه ﵊ من التَّقلُّل من الدُّنيا اختيارًا
стр. 4533
منه، وهذا من كلام أنسٍ كما مرَّ (١)، والضمير في «سمعته» للنَّبيِّ ﷺ كما مرَّ، أي: قال ذلك لمَّا رهن الدرع عند اليهوديِّ مظهرًا للسَّبب في شرائه إلى أجلٍ، كذا قاله الحافظ ابن حجرٍ، قال: وذهل من زعم أنَّه كلام قتادة، وجعل الضَّمير في «سمعته» لأنسٍ؛ لأنَّه إخراجٌ للسِّياق عن ظاهره بغير دليلٍ. انتهى. وهذا قاله البرماويُّ كالكِرمانيِّ، وانتصر له العينيُّ متعقِّبًا لابن حجرٍ، فقال: الأوجهُ في حقِّ النَّبيِّ ﷺ ما قاله الكِرمانيُّ؛ لأنَّ في نسبة ذلك إلى النَّبيِّ ﷺ نوعَ إظهار بعض الشَّكوى وإظهار الفاقة على سبيل المبالغة، وليس ذلك يذكر في حقِّه ﷺ .
ورجال هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، وساقه المؤلِّف هنا على لفظ أسباط، وفي «الرَّهن» [خ¦٢٥٠٨] على (٢) لفظ مسلم بن إبراهيم، مع أنَّ طريق مسلمٍ أعلى، وذلك لأنَّ أسباطًا (٣) فيه مقالٌ، فاحتاج إلى ذكره عقب من يعضده ويتقوَّى به، ولأنَّ من (٤) عادته غالبًا ألَّا يذكر الحديث الواحد في موضعين بإسنادٍ واحدٍ.
(١٥) (بابُ) بيان فضل (كَسْبِ الرَّجُلِ وَعَمَلِهِ بِيَدِهِ) هو من عطف الخاصِّ على العامِّ؛ لأنَّ الكسب أعمُّ من أن يكون بعمل اليد أو بغيرها.
٢٠٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «أخبرني» بالإفراد فيهما (٥) (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا
стр. 4534
اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ) ﵁ (قَالَ: لَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي) قريشٌ أو المسلمون (أَنَّ حِرْفَتِي) بكسر المهملة وسكون الرَّاء بعدها فاءٌ، أي: جهة كسبي (لَمْ تَكُنْ تَعْجِزُ) بكسر الجيم (عَنْ مَؤُوْنَةِ أَهْلِي، وَشُغِلْتُ) بضمِّ المعجمة مبنيًّا للمفعول (بِأَمْرِ المُسْلِمِينَ) عن الاحتراف (فَسَيَأْكُلُ آلُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ هَذَا المَالِ) لأنَّه لمَّا اشتغل بالنَّظر في أمور المسلمين لكونه خليفةً احتاج أن يأكل هو وأهله من بيت المال، وقد روى ابن سعدٍ بإسنادٍ مرسَلٍ رجاله ثقاتٌ قال: لما استُخلِف أبو بكرٍ أصبح غاديًا إلى السُّوق على رأسه أثوابٌ يتَّجر بها (١)، فلقيه عمر بن الخطَّاب وأبو عبيدة بن الجرَّاح ﵄، فقالا: كيف تصنع هذا وقد وُلِّيت أمر المسلمين؟! قال: فمن أين أُطعم عيالي؟ قالوا: نفرض لك، ففرضوا له كلَّ يوم شطر شاةٍ، ففيه: أنَّ القدر الذي كان يتناوله فُرِض له باتِّفاقٍ من الصَّحابة (وَيَحْتَرِفُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ) أي: يتَّجر في مالهم (٢) بأن يعطي المال لمن يتَّجر فيه، ويجعل ربحه للمسلمين في نظير ما يأخذه، وللمُستملي والحَمُّويي: «وأحترفُ» بهمزةٍ بدل الياء، وهذا تطوُّعٌ منه، فإنَّه لا يجب على الإمام الاتِّجار في أموال المسلمين بقدر مؤنته؛ لأنَّها فرضٌ في بيت المال، أو المراد من الاحتراف: نَظَره في أمورهم وتمييز مكاسبهم وأرزاقهم، أو المعنى: يجازيهم، يُقال: احترف الرَّجل، إذا جازى على خير أو شرٍّ.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ فيه ما يدلُّ على أنَّ كسب الرَّجل بيده أفضل، وذلك أنَّ أبا بكرٍ ﵁ كان يحترف، أي: يكتسب ما يكفي عياله، ثُمَّ لما شُغِل (٣) بأمر المسلمين حين استُخلِف لم يكن يفرغ للاحتراف بيده، فصار يحترف للمسلمين، وإنَّه يعتذر عن تركه
стр. 4535
الاحتراف (١) لأهله، فلولا أنَّ الكسب بيده أفضل لم يكن ليعتذر، وقد صوَّب النَّوويُّ: أنَّ أطيب الكسب ما كان بعمل اليد، وهذا الحديث وإن كان ظاهره أنَّه موقوفٌ، لكنَّه بما اقتضاه من أنَّه قبل أن يُستَخلَف كان يحترف لتحصيل مؤنة أهله يصير مرفوعًا، لأنَّه كقول الصَّحابيِّ: كنَّا نفعل كذا على عهد النَّبيِّ ﷺ .
٢٠٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا (٢) مُحَمَّدٌ) هو ابن إسماعيل المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) هو المقرئ، مولى عمر بن الخطاب، القرشيُّ العدويُّ شيخ المؤلِّف، قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابن أبي أيُّوب المصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو الأَسْوَدِ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (٣) يتيم عروة بن الزُّبير (عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عُمَّالَ أَنْفُسِهِمْ) بضمِّ العين وتشديد الميم، جمع عامل (وَكَانَ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «فكان» بالفاء (يَكُونُ لَهُمْ أَرْوَاحٌ) جمع ريحٍ، وهو أكثر من «أرياح»، خلافًا لما يقتضيه كلام «الصِّحاح» (٤)، وذلك أنَّ فيه (٥): والرِّيح واحدة الرِّياح والأرياح، وقد تُجمع على أرواح؛ لأنَّ أصلها الواو، وأَراحَ اللَّحمُ:
стр. 4536
أَنْتَنَ، و «كان» الأولى شأنيَّةٌ (١)، واسمها ضميرٌ مستترٌ فيها، و «يكون لهم أرواح»: في محلِّ نصب خبر «كان»، وعبَّر بـ «يكون» المضارع استحضارًا للماضي، أو إرادةَ الاستمرار (فَقِيلَ لَهُمْ: لَوِ اغْتَسَلْتُمْ) لذهبت عنكم تلك الرَّوائح الكريهة.
(رَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (هَمَّامٌ) بفتح المهملة وتشديد الميم، ابن يحيى بن دينارٍ الشَّيبانيُّ البصريُّ (عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) وفي بعض النُّسخ: «وقال هَمَّامٌ» بدل «رواه هَمَّامٌ» وقد وصله أبو نُعيمٍ في «مستَخرَجه» من طريق هُدْبَة عنه بلفظ: كان القوم خُدَّام أنفسهم، فكانوا يروحون إلى الجمعة، فأُمِروا أن يغتسلوا.
٢٠٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد التَّميميُّ الفرَّاء الرَّازيُّ (٢) الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا عِيسَى بنُ يُونُسَ) الهَمْدانيُّ، وسقط لأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر «بن يونس» (عَنْ ثَوْرٍ) بالمثلَّثة، ابن يزيد، من الزِّيادة، الكلاعيِّ الحمصيِّ، اتَّفقوا على تثبُّتِهِ في الحديث، لكنَّه كان قدريًّا، فأُخرِج من حمص، فأُحرِقت داره بها، فارتحل منها (٣) إلى القدس، وقدم المدينة فنهى مالكٌ عن مجالسته، وقال ابن معين: كان يجالس قومًا ينالون من عليٍّ، لكنَّه كان لا يَسُبُّ، وقد احتجَّ به الجماعة، وكان الثَّوريُّ يقول: خذوا عنه (عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ) بفتح الميم وسكون العين المهملة بعدها دالٌ مهملةٌ، وبعد الألف نونٌ، الكلاعيِّ، كان يسبِّح في اليوم أربعين ألف تسبيحةٍ
стр. 4537
(عَنِ المِقْدَامِ) بكسر الميم وسكون القاف، ابن معد يكرب الكنديِّ (¬﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «عن النَّبيِّ» (¬ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا) وعند الإسماعيليِّ: «ما أكل أحدٌ من بني آدم طعامًا» (قَطُّ خَيْرًا) بالنَّصب، قال في «المصابيح»: يحتمل أن يكون صفةً لمصدرٍ محذوفٍ، أي: أكلًا خيرًا (مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ) فيكون أكله من طعامٍ ليس من كسب يده منفيَّ التَّفضيلِ على أكله من كسب يده، وهو واضحٌ، ويحتمل أن يكون صِفةً لـ «طعامًا»، فيحتاج إلى تأويلٍ أيضًا، وذلك لأنَّ الطَّعام في هذا التَّركيب مفضَّلٌ على نفس أكل الإنسان من عمل يده بحسب الظَّاهر، وليس المراد، فيقال في تأويله: الحرف المصدريُّ وصلته بمعنى: مصدرٍ مرادٍ به المفعول، أي: من مأكوله من عمل يده، فتأمَّله، وعند الإسماعيليِّ: «خيرٌ» بالرَّفع على أنَّه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هو خيرٌ، و (١) قوله: «من عمل يده» بالإفراد، وعند الإسماعيليِّ: «يديه» بالتَّثنية، ووجه الخيريَّة: ما فيه من إيصال النَّفع إلى الكاسبِ وإلى غيره، وللسَّلامة عن (٢) البطالة المؤدِّية إلى الفضول، ولكسر النَّفس به، وللتعفُّف عن ذلِّ (٣) السؤال (وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ ﵇ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ) في الدُّروع من الحديد، ويبيعه لقوته، وخُصَّ داود بالذِّكر لأنَّ اقتصاره في أكله على ما يعمله بيده لم يكن من الحاجة؛ لأنَّه كان خليفةً في الأرض، وإنَّما ابتغى الأكل من طريق الأفضل؛ ولهذا أورد النَّبيُّ ﷺ قصَّته في مقام الاحتجاج بها على ما قدَّمه من أنَّ خير الكسب عمل اليد، وقد كان نبيُّنا ﷺ يأكل من سعيه الذي يكسبه من أموال الكفَّار بالجهاد، وهو أشرف المكاسب على الإطلاق؛ لما فيه من إعلاء كلمة الله، وخذلان كلمة أعدائه، والنَّفع الأُخرويِّ.
٢٠٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى) بن عبد ربِّه البلخيُّ، المشهور بختٍّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام بن نافعٍ الحميريُّ الصَّنعانيُّ، ثقةٌ حافظٌ شهيرٌ عمِيَ في آخر عمره، فتغيَّرَ، وكان يتشيَّعُ، وقد احتجَّ به الشَّيخان في جملة حديثِ من سُمِع منه قبل الاختلاط، وقال ابن معينٍ: كان عبد الرَّزَّاق أثبتَ في حديث معمرٍ، وروى له الجماعة، قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن
стр. 4538
راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بكسر الموحَّدة المشدَّدة، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَنَّ دَاوُدَ ﵇ ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «أنَّ داود النَّبيَّ ﵇» (كَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ) صريحٌ في الحصر، بخلاف الذي قبله، وهو طرفٌ من حديثٍ يأتي -إن شاء الله تعالى- في ترجمة داود من «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤١٧] ووقع في «المستدرك» عن ابن عبَّاسٍ بسندٍ واهٍ: كان داود زرَّادًا، وكان آدم حرَّاثًا، وكان نوح نجَّارًا، وكان إدريس خيَّاطًا، وكان موسى راعيًا، وفيه: أنَّ التَّكسُّب (١) لا يقدح في التَّوكُّل.
٢٠٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة مصغَّرًا، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ) بالضمِّ مصغَّرًا من غير إضافةٍ (مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَأَنْ) بفتح اللَّام، قال الزَّركشيُّ: على جواب قسمٍ مقدَّرٍ، قال البدر الدَّمامينيُّ: يحتمل كونها لام الابتداء، ولا تقدير (يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً) بضمِّ الحاء المهمَلة وسكون الزَّاي المعجَمة، فيحملها (عَلَى ظَهْرِهِ) فيبيعَها فيأكلَ ويتصدَّقَ (خَيْرٌ مِنْ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ وابن عساكر: «خير له من» (أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ) بنصب الفعلين جوابًا للطَّلب (٢)، ولا يخفى ما في ذلك من ذلِّ السُّؤال مع ما ينضاف إلى ذلك من ألم الحرمان.
وهذا الحديث قد مضى في «الزَّكاة» [خ¦١٤٧١] في «باب قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]».
стр. 4539
٢٠٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى) المشهور بختٍّ قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) هو ابن الجرَّاح الرُّؤاسيُّ-بضمِّ الرَّاء وهمزةٍ ثم مهمَلةٍ- الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَأَنْ) بفتح اللام (يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحْبُلَهُ) بفتح الهمزة وضمِّ الموحَّدة، جمع حَبْل، كفَلْس وأفْلُس، أي: أخذ الحبل للاحتطاب (١)، ولابن عساكر وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «خيرٌ له من أن يسأل النَّاس».
(١٦) وبه قال (٢): (باب) استحباب (السُّهُولَةِ) ضدُّ الصُّعوبة (وَالسَّمَاحَةِ) أي: الجود والسَّخاء (فِي الشِّرَاءِ وَالبَيْعِ) وقولُ الحافظ ابن حجرٍ: «السُّهولة والسَّماحة متقاربان في المعنى، فعطفُ أحدهما على الآخر من التَّأكيد اللَّفظيِّ» تعقَّبه العينيُّ بأنَّهما متغايران في أصل الوضع، فلا يصحُّ أن يُقال: من التَّأكيد اللَّفظيِّ؛ لأنَّ التَّأكيد اللَّفظيَّ أن يكون المؤكَّدُ والمؤكِّد لفظًا واحدًا من مادَّةٍ واحدةٍ، كما عُرِف في موضعه (وَمَنْ طَلَبَ حَقًّا) له (٣) ممَّن عليه (فَلْيَطْلُبْهُ) منه حال
стр. 4540
كونه (فِي) ولابن عساكر في نسخةٍ: «عن» (عَفَافٍ) بفتح العين: الكفُّ عمَّا لا يحلُّ، وهذا القدر أخرجه التِّرمذيُّ وابن ماجه وابن حبَّان من حديث نافعٍ عن ابن عمر وعائشة مرفوعًا بلفظ: «من طلب حقًّا فليطلبه في عَفَافٍ، وافٍ أو غير وافٍ».
٢٠٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ) بفتح العين المهملة وتشديد التَّحتيَّة وبعد الألف شينٌ معجمةٌ، الألهانيُّ الحمصيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة وتشديد السِّين المهملة وبعد الألف نونٌ (مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ) بكسر الرَّاء على صيغة اسم الفاعل من التَّطريفِ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ) على وزن اسم الفاعل من الانكدار (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: رَحِمَ اللهُ رَجُلًا سَمْحًا) بإسكان الميم من السَّماحة، وهي (١) الجود (إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى) أي: طلب قضاء حقِّه بسهولةٍ، وهذا يحتمل الدُّعاء والخبر، ويؤيِّد الثَّاني قوله في حديث التِّرمذيِّ عن زيد بن عطاء بن السَّائب عن ابن المنكدر في هذا الحديث: «غفر الله لرجلٍ كان قبلكم كان سَهْلًا إذا باع»، ولكنَّ قرينة الاستقبال المستفاد من «إذا» تجعله (٢) دعاءً، وتقديره: رجلًا يكون سَمْحًا، وقد (٣) يستفاد العموم من
стр. 4541
تقييده بالشَّرط، قاله البرماويُّ وغيره كالكِرمانيِّ، وفي روايةٍ حكاها ابن التِّين: «وإذا قضى» أي: أعطى الذي عليه بسهولةٍ من غير مطلٍ.
وهذا الحديث أخرجه التِّرمذيُّ كما مرَّ، وكذا أخرجه ابن ماجه في «التِّجارات» (١).
(١٧) (باب) فضل (مَنْ أَنْظَرَ مُوسِرًا).
٢٠٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمد بن عبد الله بن يونس التَّميميُّ اليربوعيُّ قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بضمِّ الزَّاي وفتح الهاء مصغَّرًا، ابن معاوية، أبو خيثمة الجعفيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ) هو (٢) ابن المعتمر السُّلميُّ (أَنَّ رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ) بكسر الرَّاء وسكون الموحَّدة وبعد العين المهملة المكسورة تحتيَّةٌ مشدَّدةٌ، وحِرَاش: بكسر الحاء المهملة وتخفيف الرَّاء وبعد الألف شينٌ معجمةٌ (حَدَّثَهُ: أَنَّ حُذَيْفَةَ) بن اليمان (¬﵁ حَدَّثَهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : تَلَقَّتِ المَلَائِكَةُ) استقبلت (رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) عند الموت (قَالُوا) أي: الملائكة، ولأبي ذرٍّ: «فقالوا»: (أَعَمِلْتَ) بهمزة الاستفهام (مِنَ الخَيْرِ شَيْئًا؟) زاد في رواية عبد الملك بن عُميرٍ عن (٣) ربعيٍّ في «ذكر بني إسرائيل» [خ¦٣٤٥١]: فقال: ما أعلم، قيل: انظر (قَالَ: كُنْتُ آمُرُ فِتْيَانِي) بكسر الفاء جمع فتًى، وهو الخادم حُرًّا كان أو مملوكًا (أَنْ يُنْظِرُوا) بضمِّ أوَّله وكسر ثالثه، أي (٤): يُمْهِلوا (وَيَتَجَاوَزُوا) أي: يتسامحوا في الاستيفاء
стр. 4542
(عَنِ المُوسِرِ) كذا في «اليونينيَّة» ليس فيها ذكر «المعسر» وكذا فيما وقفت عليه من الأصول المعتمدة، لكن قال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّها كذلك ساقطةٌ في رواية أبي ذرٍّ والنَّسفيِّ، وللباقين إثباتها، والجارُّ والمجرور يتعلَّق بقوله: «ويتجاوزوا» لكنَّه يخالف التَّرجمة بـ «من أنظر موسرًا» فيقتضي أنَّ «الموسر» يتعلَّق بقوله: «ينظروا» أيضًا، واختُلِف في الموسر فقيل: مَن عنده مؤنته ومؤنة من تلزمه نفقته، والمرجَّح أنَّ الإيسار والإعسار يرجعان إلى العُرف، فمن كانت حاله بالنِّسبة إلى مثله يعدُّ يسارًا فهو موسرٌ، وعكسه عكسه (١): (قَالَ (٢): فَتَجَاوَزُوا عَنْهُ) بفتح الواو في الفرع وغيره، وفي روايةٍ: «فتجاوِزوا» بكسر الواو (٣) على الأمر، فيكون من قول الله تعالى للملائكة، وفي لفظٍ لمسلمٍ -كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى-: فقال الله : «أنا أحقُّ بذا منك، تجاوزوا عن عبدي»، وللمؤلِّف في «بني إسرائيل» [خ¦٣٤٥١] ومسلمٍ: «إنَّ رجلًا كان فيمن كان قبلكم أتاه المَلَك ليقبض روحه، فقيل له: هل عملت من خير؟ قال: ما أعلم، قيل له: انظر، قال: ما أعلم شيئًا غير أنِّي كنتُ أبايع النَّاس في الدُّنيا فأجازيهم، فأُنظِر الموسر وأتجاوز عن المعسِر، فأدخله الله الجنَّة»، قال المظهريُّ: هذا السُّؤال منه كان في القبر، وقال الطِّيبيُّ: يحتمل أن يكون قوله (٤) «فقيل» مسندًا إلى الله تعالى، والفاء عاطفةٌ على مقدَّرٍ، أي: أتاه الملك ليقبض روحه (٥)، فقُبِض، فبعثه الله تعالى، فقال له، فأجابه، فأدخله الله (٦) الجنَّة، وعلى قول
стр. 4543
المظهريِّ: فقُبِض وأُدخِل القبر، فتنازع ملائكة الرَّحمة وملائكة (١) العذاب فيه، فقيل له ذلك، وينصر هذا قوله في الرِّواية الأخرى: «تجاوزوا عن عبدي».
وحديث الباب أخرجه المؤلِّف في «الاستقراض» [خ¦٢٣٩١] وفي «ذكر بني إسرائيل» [خ¦٣٤٥١]، ومسلمٌ في «البيوع»، وابن ماجه في «الأحكام».
(وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ) سعد بن طارقٍ الأشجعيُّ الكوفيُّ، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريّ: «وقال أبو مالك» (عَنْ رِبْعِيٍّ) هو ابن حِراشٍ: (كُنْتُ أُيَسِّرُ عَلَى المُوسِرِ) بضمِّ الهمزة وتشديد السِّين، من التَّيسير (وَأُنْظِرُ المُعْسِرَ) وهذا وصله مسلمٌ في «صحيحه» عن أبي سعيدٍ الأشجِّ قال: حدَّثنا أبو خالدٍ الأحمر عن أبي مالكٍ عن ربعيٍّ عن حذيفة بلفظ: «أتى الله بعبدٍ من عباده آتاه الله مالًا، فقال له: ماذا عملت في الدنيا؟ قال: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] قال: يا ربِّ، آتيتني مالًا فكنت أُبايع النَّاس، وكان من خُلُقِي الجواز، فكنت أيسِّر على الموسر وأُنظِر المعسر، فقال الله تعالى: أنا أحقُّ بذا منك، تجاوزوا عن عبدي»، قال عقبة بن عامرٍ الجهنيُّ وأبو مسعودٍ الأنصاريُّ: هكذا سمعناه من في رسول الله ﷺ .
(وَتَابَعَهُ) أي: تابع أبا مالكٍ (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ) بن عميرٍ (عَنْ رِبْعِيٍّ) أي: عن حذيفة في قوله: «وأُنظِر المعسِر»، وهذه المتابعة وصلها ابن ماجه من طريق أبي عامرٍ عن شعبة بهذا اللَّفظ، ورواها البخاريُّ في «الاستقراض» [خ¦٢٣٩١] عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة بلفظ (٢): «فأتجوَّز (٣) عن الموسر، وأُخفِّف عن المعسر». (وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ، ممَّا وصله المؤلِّف في «ذكر بني إسرائيل» [خ¦٣٤٥١] (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ عَنْ رِبْعِيٍّ: أُنْظِرُ المُوسِرَ وَأَتَجَاوَزُ عَنِ المُعْسِرِ) وهذا موافقٌ للتَّرجمة. (وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ) بضمِّ النُّون وفتح العين مصغَّرًا، الأشجعيُّ، ممَّا وصله مسلمٌ (عَنْ رِبْعِيٍّ: فَأَقْبَلُ مِنَ المُوسِرِ، وَأَتَجَاوَزُ عَنِ المُعْسِرِ) قال ابن التِّين ممَّا نقله في «الفتح»: رواية من روى: «وأُنظِرُ الموسر» أَولى من رواية من روى: «وأُنظِر المعسر» لأنَّ إنظار المعسر واجبٌ، قال في «الفتح»: ولا يلزم من كونه واجبًا ألَّا يؤجَر صاحبه عليه أو يُكفَّر عنه بذلك من سيئاته.
стр. 4544
(١٨) (باب) فضل (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا) وهو الذي لم يجد وفاءً.
٢٠٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ) السلميُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى (١) بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي، الحضرميُّ قاضي دمشق، قال (٢): (حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ) بضمِّ الزَّاي وفتح الموحَّدة، محمَّد بن الوليد بن عامر (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بتصغير الأوَّل، ابن عتبة بن مسعودٍ، أحد الفقهاء السَّبعة (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁¬) يحدِّثُ (٣) (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ) وفي رواية أبي صالحٍ عن أبي هريرة عند النَّسائيِّ: «إنَّ رجلًا لم يعمل خيرًا قطُّ، وكان يُداين الناس» (فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ) لخدمه: (تَجَاوَزُوا عَنْهُ) وعند النَّسائيِّ: «فيقول لرسوله: خذ ما تيسَّر، واترك ما عسر وتجاوز» (لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُ) وعند النَّسائيِّ: «فلمَّا هلك قال الله تعالى له: هل عملت خيرًا قطُّ؟ قال: لا إلَّا أنَّه كان لي غلامٌ، وكنت أداين النَّاس، فإذا بعثته يتقاضى قلت له: خذ ما تيسَّر واترك ما عسر، وتجاوز لعلَّ الله يتجاوز عنَّا، قال الله تعالى: قد تجاوزت عنك»، وفي حديث أبي اليسر: «من أنظر معسرًا أو وضع له أظلَّه الله في ظلِّ عرشه»، وقد أمر الله تعالى بالصَّبر على المعسر، فقال: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] أي: فعليكم تأخيرٌ إلى ميسرةٍ، لا كفعل الجاهليَّة إذا حلَّ الدَّين يطالب إمَّا بالقضاء وإمَّا بالرِّبا، فمتى علم صاحب الحق عُسْرَ المديان حرمت عليه مطالبته وإن لم يثبت عسره عند الحاكم، وقد حكى القرافيُّ وغيره: أنَّ إبراءه أفضل من إنظاره، وجعلوا ذلك ممَّا استُثني من قاعدة كون الفرض أفضل من النَّافلة، وذلك أنَّ إنظاره واجبٌ وإبراءه مستحبٌّ، وقد انفصل عنه الشَّيخ تقيُّ الدِّين السُّبكيُّ: بأنَّ الإبراء يشتمل على الإنظار
стр. 4545
اشتمال الأخصِّ على الأعمِّ؛ لكونه تأخيرًا للمطالبة، فلم يفضل ندبٌ (١) واجبًا، وإنَّما فضل واجبٌ -وهو الإنظار الذي تضمَّنه الإبراء وزيادة؛ وهو خصوص الإبراء- واجبًا آخر، وهو مجرد الإنظار، ونازعه ولده التَّاج في «الأشباه والنظائر» في ذلك فقال: وقد يُقال: الإنظار: هو تأخير الطَّلب مع بقاء العلقة، والإبراء: زوال العلقة، فهما قسمان لا يشتمل أحدهما على الآخر، فينبغي أنَّ يقال: إن الإبراء يحصِّل مقصود الإنظار (٢) وزيادة، قال: وهذا كلُّه بتقدير تسليم (٣) أنَّ الإبراء أفضل، وغاية ما استدلَّ به عليه بقوله تعالى: ﴿وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وهذا (٤) يحتمل أن يكون افتتاح كلام، فلا يكون دليلًا على أنَّ الإبراء أفضل، ويتطرَّق من هذا إلى أنَّ الإنظار أفضل؛ لشدَّة ما يقاسيه المُنْظِر من ألم الصَّبر (٥) مع تشوُّف القلب، وهذا فضلٌ ليس في الإبراء الذي انقطع فيه اليأس، فحصلت فيه راحةٌ من هذه الحيثيَّة ليست في الإنظار، ومن ثَمَّ قال ﷺ : «من أنظر معسرًا كان له بكلِّ يومٍ صدقةٌ» رواه أحمد، فانظر كيف وزَّع أجره على الأيَّام، يكثر بكثرتها، ويقلُّ بقلَّتها، ولعلَّ سرَّه ما أبديناه، فالمُنظِر ينال كلَّ يومٍ عوضًا جديدًا، ولا يخفى أنَّ هذا لا يقع بالإبراء، فإنَّ أجره وإن كان وافرًا (٦) لكنَّه ينتهي بنهايته. انتهى.
(١٩) هذا (بابٌ) بالتنوين (إِذَا بَيَّنَ البَيِّعَانِ) بفتح الموحَّدة وتشديد التَّحتانيَّة (٧) المكسورة، أي: إذا
стр. 4546
أظهر البائع والمشتري ما في المبيع من العيب (وَلَمْ يَكْتُمَا) ما فيه من العيب (وَنَصَحَا) من عطف العامِّ على الخاصِّ، وجواب «إذا» محذوف للعلم به، وتقديره: بورك لهما في بيعهما. (وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (عَنِ العَدَّاءِ) بفتح العين والدَّال المشدَّدة المهملتين ممدودًا (بْنِ خَالِدٍ) واسم جدِّه: هَوْذة بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن صعصعة الصحابيِّ، أسلم بعد حنين، أنَّه (قَالَ: كَتَبَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : هَذَا مَا اشْتَرَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ العَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ) قال القاضي عياضٌ: هذا مقلوبٌ، والصَّواب -كما في التِّرمذيِّ والنَّسائيِّ وابن ماجه وابن منده موصولًا-: أنَّ المشتريَ العدَّاءُ من محمَّدٍ رسول الله ﷺ ، أو الذي في «البخاريِّ» صوابٌ غير منافٍ لباقي الرِّوايات؛ لأنَّ «اشترى» يكون بمعنى: باع، وحمله في «المصابيح» على تعدُّد الواقعة، وحينئذٍ فلا تعارض (بَيْعَُ المُسْلِمِ المُسْلِمَ) برفع «بيع» خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هو بيع المسلم (١)، وبالنَّصب على أنَّه مصدرٌ من غير فعله؛ لأنَّ معنى البيع والشراء متقاربان، أو منصوبٌ بنزع الخافض، أي: كبيع المسلم، و «المسلمَ» الثَّاني: منصوبٌ بالمصدر، وهو «بيع»، وليس المراد به أنَّه إذا بايع ذِمِّيًّا يغشُّه، بل هذا مبايعة المسلمين مطلقًا، لا يغشُّ مسلمًا ولا غيره، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «من المسلم» (لَا دَاءَ) أي: لا عيب، والمراد به: العيب الباطن، سواءٌ ظهر منه شيءٌ أم لا، كوجع الكبد والسُّعال، وقال ابن المُنَيِّر: قوله: «لا داء» أي: يكتمه البائع، وإلَّا فلو كان بالعبد داءٌ وبيَّنه البائع لكان من بيع المسلمِ المسلمَ، ومحصَّله (٢) -كما قاله (٣) في «الفتح» -: أنَّه لم يرد بقوله: «لا داء» نفي الدَّاء مطلقًا، بل نفي داءٍ مخصوصٍ، وهو ما لم يُطَّلع عليه (وَلَا خِبْثَةَ) بكسر الخاء المعجمة وضمِّها وإسكان الموحَّدة، ثم مثلَّثةٍ مفتوحةٍ، أي: لا مَسبيًّا من قومٍ لهم عهدٌ، أو المراد: الأخلاق الخبيثة كالإباق، أو الحرام كما عبَّر عن الحلال بـ «الطَّيِّب»، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ولا خَبِيْئَة» (وَلَا غَائِلَةَ) بالغين المعجمة والهمزة، أي: لا فجور، وأصله من الغول، أي: الهلاك. (وَقَالَ قَتَادَةُ) فيما وصله ابن منده من طريق الأصمعيِّ عن سعيد بن أبي عَروبة عنه: (الغَائِلَةُ: الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ وَالإِبَاقُ) قال ابن قُرْقُول
стр. 4547
في «المطالع»: الظَّاهر أنَّ تفسير قتادة يرجع إلى الخبثة والغائلة معًا.
(وَقِيلَ لإِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ: (إِنَّ بَعْضَ النَّخَّاسِينَ) بفتح النُّون والخاء المعجمة المشدَّدة، وبعد الألف سينٌ مهملةٌ: الدَّلَّالين (يُسَمِّي) بكسر الميم المشدَّدة، وفاعله ضميرٌ يعود على البعض المتقدِّم، ومفعوله الأوَّل قوله (١): (آرِيَّ) بفتح الهمزة الممدودة وكسر الراء وتشديد التَّحتيَّة على المشهور، وفي «اليونينيَّة»: رفع الياء (٢)، وهو مربط الدَّابَّة، أو حبلٌ يدفن في الأرض ويبرز طرفهَ تُشدُّ (٣) به الدَّابَّة، قال القاضي عياضٌ: وأظنُّ أنَّه سقط من الأصل لفظة «دوابِّه» يعني: أنَّه كان الأصل: يُسمِّي آريَّ دوابِّه، ووجَّهه في «المصابيح»: بأنَّه من حذف المضاف إليه وإبقاء المضاف على حاله، أو على حذف الألف واللام، أي: يسمِّي الآريَّ، أي: الإصطبل، كأنَّه كان فيه: يسمِّي آريَّه، وفي رواية أبي زيدٍ المروزيِّ: «يسمِّي (٤) أرَى» بفتح الهمزة والرَّاء من غير مدٍّ مع قصر آخره، كدعا، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو تصحيفٌ، ولأبي ذرٍّ الهرويِّ: «أُرَى» بضمِّ الهمزة وفتح الراء، بمعنى أظنُّ، والصَّواب الأوَّل، وهو الذي في الفرع وأصله (٥) لا غير، وقد بيَّن الصَّواب في ذلك ما رواه ابن أبي شيبة عن هُشَيمٍ عن مغيرة عن إبراهيم قال: «قيل له: إنَّ ناسًا من النَّخَّاسين وأصحاب الدَّوابِّ يُسمِّي أحدهم إصطبل دوابِّه
стр. 4548
(خُرَاسَانَ) الإقليم المعروف، وهو ثاني مفعولَي «يسمِّي» (وَسِجِسْتَانَ) بكسر السِّين الأولى والجيم، وسكون الثَّانية، عَطْفٌ عليه، ثمَّ يأتي السُّوق (فَيَقُولُ: جَاءَ أَمْسِ) بكسر السِّين: اليوم الذي قبل يومك (مِنْ خُرَاسَانَ، جَاءَ اليَوْمَ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «وجاء اليوم»، وللحمُّويي والمُستملي: «أمسِ» (مِنْ سِجِسْتَانَ، فَكَرِهَهُ كَرَاهَةً (١) شَدِيدَةً) لما تضمَّنه من الغشِّ والخداع والتَّدليس على المشتري؛ لأنَّه يظنُّ بذلك أنَّها قريبة الجلب من المحلَّين المذكورين. (وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ) الجُهَنيُّ (٢) المتوفَّى بمصر واليًا سنة ثمانٍ وخمسين، فيما وصله ابن ماجه بمعناه: (لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يَبِيعُ سِلْعَةً يَعْلَمُ أَنَّ بِهَا (٣) دَاءً) عيبًا باطنًا كوجع كبدٍ (إِلَّا أَخْبَرَهُ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «إلا أخبر (٤) به».
٢٠٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ صَالِحٍ أَبِي الخَلِيلِ) بالخاء المعجمة من الخلَّة، ابن أبي مريم الضُّبَعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ) بن نوفل بن الحارث بن عبد المطَّلب، الهاشميِّ، وهو مذكورٌ في الصَّحابة؛ لأنَّه وُلد في عهده (٥) ﷺ وحنَّكه، وهو معدودٌ من حيث الرِّواية في كبار التَّابعين (رَفَعَهُ) أي: الحديث (إِلَى حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) بكسر الحاء المهملة وبالزَّاي المخفَّفة، وله في «البخاريِّ» أربعة أحاديث [خ¦١٤٢٧] [خ¦١٤٣٦] [خ¦١٤٧٢] (¬﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : البَيِّعَانِ) بفتح الموحَّدة وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة (بِالخِيَارِ) في المجلس (مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا) بتقديم الفوقيَّة على الفاء وتشديد الرَّاء (أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا) بأبدانهما عن مكانهما الذي تبايعا فيه، والشَّكُّ من الرَّاوي (فَإِنْ صَدَقَا) كلُّ واحدٍ
стр. 4549
منهما عمَّا يتعلَّق به من الثَّمن، ووصف المبيع، ونحو ذلك (وَبَيَّنَا) ما يحتاج إلى بيانه من عيبٍ ونحوه في السِّلعة والثَّمن (بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا) أي: كَثُرَ نفع المبيع والثَّمن (وَإِنْ كَتَمَا) أي: كتم البائعُ عيبَ السِّلعة، والمشتري عيبَ الثَّمن (وَكَذَبَا) في وصف السِّلعة والثَّمن (مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا) أي: أُذهِبَت زيادتُه ونماؤه، فإن فعله أحدهما دون الآخر مُحِقَت (١) بركة بيعه وحده (٢)، ويحتمل أن يعود شؤم أحدهما على الآخر بأن تنزع (٣) البركة من المبيع إذا وُجِدَ الكذب أو الكتم.
وهذا الحديث أخرجه في «البيع» [خ¦٢٠٨٢] وكذا مسلمٌ وأبو داودَ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ فيه وفي «الشروط».
(٢٠) (باب بَيْعِ الخِلْطِ مِنَ التَّمْرِ) بكسر المعجمة: التَّمر المجتمع من أنواعٍ متفرِّقةٍ، أو هو نوعٌ رديءٌ.
٢٠٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بن يحيى التَّميميُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الخدريِّ (¬﵁ قَالَ: كُنَّا نُرْزَقُ) بضمِّ النُّون مبنيًّا للمفعول، أي: نُعطَى (تَمْرَ الجَمْعِ) بفتح الجيم وسكون الميم (وَهْوَ الخِلْطُ مِنَ التَّمْرِ) أي: من أنواعٍ متفرِّقةٍ منه، وإنَّما خُلِط لرداءته، ففيه دفع توهيم (٤) من يتوهَّم أنَّ مثل هذا لا يجوز بيعه لاختلاط جيِّده برديئه؛ لأنَّ هذا الخلط لا يقدح في البيع، لأنَّه متميِّزٌ ظاهرٌ فلا يعدُّ غشًّا، بخلاف خلط اللَّبن بالماء فإنَّه لا يظهر (وَكُنَّا نَبِيعُ صَاعَيْنِ) من التَّمر (بِصَاعٍ) واحدٍ منه (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا) تبيعوا (صَاعَيْنِ) من التَّمر (بِصَاعٍ) واحدٍ (٥) منه
стр. 4550
(وَلَا) تبيعوا (دِرْهَمَيْنِ بِدِرْهَمٍ) ويدخل في معنى التَّمر جميع الطعام، فلا يجوز في الجنس الواحد منه (١) التَّفاضل ولا النَّساء، وبقيَّة المباحث تأتي إن شاء الله تعالى قريبًا.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «البيوع» وكذا النَّسائيُّ، وأخرجه ابن ماجه في «التِّجارات».
(٢١) (باب مَا قِيلَ فِي اللَّحَّامِ) بيَّاع اللَّحم (وَالجَزَّارِ) الذي ينحر الإبل.
٢٠٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياثٍ النَّخعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (شَقِيقٌ) هو ابن سلمةَ أبو وائلٍ (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرٍو الأنصاريِّ أنَّه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) لم يُعرف اسمه (يُكْنَى) بضمِّ التَّحتيَّة (٢) وسكون الكاف (أَبَا شُعَيْبٍ) بالجرِّ على الإضافة، ووقع في «اليونينيَّة» ضبطه بالرَّفع أيضًا (فَقَالَ لِغُلَامٍ لَهُ قَصَّابٍ) بفتح القاف وتشديد الصَّاد المهملة، والجرِّ صفة لـ «غلامٍ» أي: جزَّارٍ، وفي «المظالم» [خ¦٢٤٥٦] من وجهٍ آخرَ عن الأعمش: كان له غلامٌ لحَّامٌ، ولم يسمِّ الغلام: (اجْعَلْ لِي طَعَامًا يَكْفِي خَمْسَةً) من النَّاس، وفي رواية جريرٍ عن الأعمش عند مسلمٍ: «اصنع لي طعامًا لخمسةِ نفرٍ» (فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ النَّبِيَّ ﷺ ¬) حال كونه (خَامِسَ خَمْسَةٍ)
стр. 4551
ويجوز الرَّفع بتقدير: هو خامس خمسةٍ، أي: أحدهم، يُقال: خامس خمسةٍ وخامس أربعةٍ بمعنًى، قال الله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة: ٤٠] و ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] وفي حديث ابن مسعود: «رابع أربعةٍ»، ومعنى: خامس أربعةٍ، أي: زائدٌ (١) عليهم، قال المهلَّب: إنَّما صنع طعام خمسةٍ، لعلمه أنَّه ﵊ سيتبعه من أصحابه غيره، ويحتمل أنَّ أبا شعيبٍ حين رأى النَّبيَّ ﷺ وعرف في وجهه الجوع رأى معه أربعةً جالسين (٢). انتهى. (فَإِنِّي قَدْ عَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ) ﷺ (الجُوعَ، فَدَعَاهُمْ) بعد أن صنع الطَّعام، وفي رواية أبي معاوية عن الأعمش عند مسلمٍ والتِّرمذيِّ: فدعاه وجلساءَه الذين معه، وكأنَّهم كانوا أربعةً وهو ﵊ خامسهم (فَجَاءَ مَعَهُمْ رَجُلٌ) سادسٌ لم يُسمَّ أيضًا (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لأبي شعيبٍ الأنصاريِّ: (إِنَّ هَذَا) الرَّجل (قَدْ تَبِعَنَا) بفتح الفوقيَّة وكسر الموحَّدة، وفي رواية أبي عَوانة وجريرٍ: «اتَّبعنا» بالتَّشديد، وفي رواية أبي معاوية: «لم يكن معنا حين دعوتَنا» (فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ) في الدُّخول (فَائْذَنْ لَهُ) وسقط قوله «فَائْذَنْ له» في رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر (وَإِنْ شِئْتَ أَنْ يَرْجِعَ رَجَعَ، فَقَالَ) ولأبي الوقت: «قال»: (لَا) يرجع (بَلْ قَدْ أَذِنْتُ لَهُ) زاد في رواية جريرٍ: «يا رسول الله»، ولفظ رواية أبي معاوية: فقد أذنَّا له، فليدخل، وإنَّما توقَّف ﵊ عن إذنه لهذا الرَّجل السَّادس بخلاف طعام أبي طلحة؛ لأنَّ الدَّاعيَ في هذه القصَّة حَصَر العدد بقصده أوَّلًا حيث قال: طعام خمسة، مع أنَّ له ﵊ التَّصرُّف (٣) في مال كلٍّ من الأمَّة بغير حضوره بغير رضاه، لكنَّه لم يفعل ذلك إلَّا بالإذن، تطييبًا لقلوبهم، وتشريعًا لأمَّته، وفيه: أنَّ (٤) من تطفَّل في الدَّعوة كان لصاحب الدَّعوة الاختيار في حرمانه، فإن دخل بغير إذنه كان له إخراجه، وأنَّ من قصد التَّطفُّل لم يُمنع ابتداءً؛ لأنَّ الرَّجل تبع النَّبيَّ ﷺ فلم يردَّه؛ لاحتمال أن تطيبَ نفس صاحب الدَّعوة بالإذن له، وأنَّ الطُّفيليَّ يأكل حرامًا، وقد روى أبو داود الطَّيالسيُّ
стр. 4552
من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من مشى إلى طعامٍ لم يُدْعَ إليه مشى فاسقًا، وأكل حرامًا، ودخل سارقًا، وخرج مُغيرًا»، وللخطيب البغداديِّ في «أخبار الطُّفيليِّين» جزءٌ فيه فوائد يأتي منها في «كتاب الأطعمة» -إن شاء الله تعالى- طائفةٌ مع بقيَّة المباحث. وفي حديث الباب عَلَمٌ من أعلام النُّبوَّة؛ فإنَّ الأنصاريَّ لم يقل لغلامه: «طعام خمسة» بحضرة الرَّسول ﷺ ، فأطلع الله تعالى نبيَّه على أنَّه حَجَر الدَّعوة ولم يطلقها.
وقد أخرج الحديثَ أيضًا في «المظالم» [خ¦٢٤٥٦] و «الأطعمة» [خ¦٥٤٦١]، ومسلمٌ في «الأطعمة»، والتِّرمذيُّ في «النِّكاح»، والنَّسائيُّ في «الوليمة».
(٢٢) (باب) بيان (مَا يَمْحَقُ الكَذِبُ) من البائع في مدح سلعته، ومن المشتري في التَّقصير في وفاء الثَّمن (وَالكِتْمَانُ) من البائع عن عيب سلعته، ومن المشتري عن وصف الثَّمن، من البركة (فِي البَيْعِ).
٢٠٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بَدَلُ بْنُ المُحَبَّرِ) بفتح الموحَّدة والمهملة، آخره لامٌ، ابن المُحَبَّر -بضمِّ الميم وفتح المهملة وتشديد الموحَّدة المفتوحة آخره راءٌ- ابن مُنَبِّهٍ، اليربوعيُّ البصريُّ الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الخَلِيلِ) صالح بن أبي مريم الضُّبَعيَّ (يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ) بن نوفلٍ الهاشميِّ (عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) بالزَّاي (¬﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا) بأبدانهما عن مكانهما الذي تبايعا فيه (أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا) بالشَّكِّ من الرَّاوي (فَإِنْ صَدَقَا) البائعُ في السَّوم،
стр. 4553
والمشتري في الوفاء (وَبَيَّنَا) ما في الثَّمن والمُثْمَن من عيبٍ (بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا) مبيعهما (وَإِنْ كَتَمَا) عيب السِّلعة والثَّمن (وَكَذَبَا) في وصفهما (مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا) مبيعهما.
وهذا الحديث قد سبق قريبًا [خ¦٢٠٧٩].
(٢٣) (باب قَوْلِ اللهِ تعالى) وفي نسخةٍ: « »: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً﴾) نهى عباده المؤمنين عن تعاطي الرِّبا وأكله أضعافًا مضاعفةً، كما كانوا يقولون في الجاهلية إذا حلَّ أَجَل الدَّين: إمَّا أن تقضيَ وإمَّا أن تربيَ، فإن قضاه، وإلَّا زاده في المدَّة، وزاده الآخر في القدر، وهكذا كلُّ عامٍ، فربَّما تضاعف القليل حتَّى يصير كثيرًا مضاعفًا، ثم أمر تعالى عباده بالتَّقوى، فقال: (﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ﴾) فيما نُهيتُم عنه من الرِّبا (﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠]): راجين الفلاح في الأولى والآخرة.
٢٠٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ) بضمِّ الموحَّدة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي المَرْءُ بِمَا أَخَذَ (١) المَالَ) بإثبات ألف «ما» الاستفهاميَّة الدَّاخل عليها حرف الجرِّ، والقياس حذفها، لكنَّه وُجِدَ في كلام العرب على قلَّةٍ (٢)، وقد (٣) سبق في «باب من لم يبالِ من حيث كسب المال» بهذا السند [خ¦٢٠٥٩]: «لا يبالي المرء ما أخذ منه» (أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ) وفي الباب السَّابق [خ¦٢٠٥٩] بالتَّعريف فيهما، ولأبي ذرٍّ: «أَمِنَ الحلال» بالتَّعريف فيه فقط.
стр. 4554
وهذا الحديث ساقطٌ في رواية النَّسفيِّ، وليس عنده سوى الآية، وقول الحافظ ابن حجر: ولعلَّ المصنِّف أشار بالتَّرجمة إلى ما أخرجه النَّسائيُّ من وجهٍ آخرَ عن أبي هريرةَ مرفوعًا: «يأتي على النَّاس زمانٌ يأكلون الرِّبا، فمن لم يأكله أصابه من غباره» تعقَّبه العينيُّ بأنَّ الآية هي التَّرجمة، فكيف يشير بها إلى حديث أبي هريرة؟! والآية في النَّهي عن أكل الرِّبا والأمر بالتَّقوى، وحديث أبي هريرة يخبر عن فساد الزَّمان الذي يؤكل فيه الرِّبا.
(٢٤) (باب) حكم (آكِلِ الرِّبَا) بمدِّ الهمزة وكسر الكاف، والرِّبا (١): بالقصر، ومدُّه لغةٌ شاذَّةٌ، وأَلِفه بدلٌ من واوٍ، ويُكتب بها (٢) وبالواو، ويقال: الرِّماء، بالميم والمدِّ (وَ) حكمِ (شَاهِدِهِ) بالإفراد، وللإسماعيليِّ: «وشاهديه» بالتَّثنية (وَ) حكم (كَاتِبِهِ) الذين يواطئون صاحب الرِّبا على كتمان الرِّبا وإظهار الجائز، وفيه ما يدلُّ على أنَّ الكاتبَ غيرُ الشَّاهدِ، وأنَّهما وظيفتان، وعلى ذلك العمل بتونس وبعض بلاد المغرب (وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه، وسقطت «الواو» لأبي ذرٍّ، و «القول» (٣) عنده مرفوعٌ، ولابن عساكر: «قول الله تعالى»: (﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾) أي: الآخذون له، وإنَّما عبَّر عنه بالأكل؛ لأنَّ الأكل أعظم المنافع، ولأنَّ الرِّبا شائعٌ في المطعومات، وهو في اللُّغة: الزِّيادة، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥] أي: زادت وعلت، وفي الشَّرع: عقدٌ على عوضٍ مخصوصٍ غير معلومِ التَّماثل في معيار الشَّرع حالة العقد، أو مع تأخيرٍ في (٤) البدلين أو أحدهما، وهو ثلاثة أنواعٍ: ربا الفضل، وهو البيع مع زيادة أحد العوضين على الآخر، وربا اليد، وهو
стр. 4555
البيع مع تأخير قبضهما أو قبض أحدهما، وربا النَّساء، وهو البيع لأجلٍ، وكلٌّ منها حرامٌ (﴿لَا يَقُومُونَ﴾) من قبورهم (﴿إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ﴾) أي: إلَّا قيامًا كقيام المصروع (﴿مِنَ الْمَسِّ﴾) أي: الجنون، وقال في «البحر»: ﴿مِنَ الْمَسِّ﴾: متعلِّقٌ بقوله: ﴿يَتَخَبَّطُهُ﴾ وهو على سبيل التَّأكيد ورفع ما يحتمله ﴿يَتَخَبَّطُهُ﴾ من المجاز، إذ هو ظاهرٌ في أنَّه لا يكون إلَّا من المسِّ، ويحتمل أن يكون المراد بالتَّخبُّط: الإغواء (١) وتزيين المعاصي، فأزال قوله (٢): ﴿مِنَ الْمَسِّ﴾ هذا الاحتمال، وقول الزَّمخشريِّ: «إنَّ (٣) قوله: ﴿مِنَ الْمَسِّ﴾ متعلِّقٌ بـ ﴿لَا يَقُومُونَ﴾ أي: لا يقومون من المسِّ الذي بهم إلَّا كما يقوم المصروع (٤)» ضعيفٌ؛ لأنَّ ما بعد «إلَّا» لا يتعلَّق بما قبلها إلَّا إن كان في حيِّز الاستثناء؛ ولذلك منعوا أن يتعلَّق ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً﴾ [النحل: ٤٣] وأنَّ التَّقدير: وما أرسلنا بالبيِّنات والزُّبر إلَّا رجالًا يوحى إليهم. انتهى. وقيل: إنَّ النَّاس يخرجون من الأجداث سِراعًا، لكنَّ آكل الرِّبا يربو الرِّبا في بطنه، فيريد الإسراع فيسقط، فيصير بمنزلة المتخبِّط من الجنون لاختلال عقله. (﴿ذَلِكَ﴾) أي: العقاب (﴿بِأَنَّهُمْ﴾) بسبب أنَّهم (﴿قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾) نظموا الرِّبا والبيع (٥) في سلكٍ واحدٍ؛ لإفضائهما إلى الرِّبح، فاستحلُّوه استحلاله، قال الزَّمخشريُّ: فإن قلت: هلَّا قيل: إنَّما الرِّبا مثل البيع لأنَّ الكلام في الرِّبا لا في البيع، فوجب أن يُقال: إنَّهم شبَّهوا الرِّبا بالبيع فاستحلُّوه، وكانت شبهتهم أنَّهم قالوا: لو اشترى الرجل ما لا يساوي إلَّا درهمًا بدرهمين جاز، فكيف إذا باع (٦) درهمًا بدرهمين؟ وأجاب: بأنَّه جيء به على طريق المبالغة، وهو أنَّه قد بلغ من اعتقادهم في حلِّ الرِّبا أنَّهم جعلوه أصلًا وقانونًا في الحلِّ حتى شبَّهوا به البيع. انتهى. وتعقَّبه ابن المُنَيِّر بأنَّه لا يجب حمله على المبالغة؛ إذ يمكن أن يُقال: الرِّبا كالبيع، والبيع حلالٌ، فالرِّبا مثله، ويمكن أن يعكس فيُقال: البيع كالرِّبا، فلو كان الرِّبا حرامًا كان