ويجوز الرَّفع بتقدير: هو خامس خمسةٍ، أي: أحدهم، يُقال: خامس خمسةٍ وخامس أربعةٍ بمعنًى، قال الله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة: ٤٠] و ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] وفي حديث ابن مسعود: «رابع أربعةٍ»، ومعنى: خامس أربعةٍ، أي: زائدٌ (١) عليهم، قال المهلَّب: إنَّما صنع طعام خمسةٍ، لعلمه أنَّه ﵊ سيتبعه من أصحابه غيره، ويحتمل أنَّ أبا شعيبٍ حين رأى النَّبيَّ ﷺ وعرف في وجهه الجوع رأى معه أربعةً جالسين (٢). انتهى. (فَإِنِّي قَدْ عَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ) ﷺ (الجُوعَ، فَدَعَاهُمْ) بعد أن صنع الطَّعام، وفي رواية أبي معاوية عن الأعمش عند مسلمٍ والتِّرمذيِّ: فدعاه وجلساءَه الذين معه، وكأنَّهم كانوا أربعةً وهو ﵊ خامسهم (فَجَاءَ مَعَهُمْ رَجُلٌ) سادسٌ لم يُسمَّ أيضًا (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لأبي شعيبٍ الأنصاريِّ: (إِنَّ هَذَا) الرَّجل (قَدْ تَبِعَنَا) بفتح الفوقيَّة وكسر الموحَّدة، وفي رواية أبي عَوانة وجريرٍ: «اتَّبعنا» بالتَّشديد، وفي رواية أبي معاوية: «لم يكن معنا حين دعوتَنا» (فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ) في الدُّخول (فَائْذَنْ لَهُ) وسقط قوله «فَائْذَنْ له» في رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر (وَإِنْ شِئْتَ أَنْ يَرْجِعَ رَجَعَ، فَقَالَ) ولأبي الوقت: «قال»: (لَا) يرجع (بَلْ قَدْ أَذِنْتُ لَهُ) زاد في رواية جريرٍ: «يا رسول الله»، ولفظ رواية أبي معاوية: فقد أذنَّا له، فليدخل، وإنَّما توقَّف ﵊ عن إذنه لهذا الرَّجل السَّادس بخلاف طعام أبي طلحة؛ لأنَّ الدَّاعيَ في هذه القصَّة حَصَر العدد بقصده أوَّلًا حيث قال: طعام خمسة، مع أنَّ له ﵊ التَّصرُّف (٣) في مال كلٍّ من الأمَّة بغير حضوره بغير رضاه، لكنَّه لم يفعل ذلك إلَّا بالإذن، تطييبًا لقلوبهم، وتشريعًا لأمَّته، وفيه: أنَّ (٤) من تطفَّل في الدَّعوة كان لصاحب الدَّعوة الاختيار في حرمانه، فإن دخل بغير إذنه كان له إخراجه، وأنَّ من قصد التَّطفُّل لم يُمنع ابتداءً؛ لأنَّ الرَّجل تبع النَّبيَّ ﷺ فلم يردَّه؛ لاحتمال أن تطيبَ نفس صاحب الدَّعوة بالإذن له، وأنَّ الطُّفيليَّ يأكل حرامًا، وقد روى أبو داود الطَّيالسيُّ
стр. 4552
من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من مشى إلى طعامٍ لم يُدْعَ إليه مشى فاسقًا، وأكل حرامًا، ودخل سارقًا، وخرج مُغيرًا»، وللخطيب البغداديِّ في «أخبار الطُّفيليِّين» جزءٌ فيه فوائد يأتي منها في «كتاب الأطعمة» -إن شاء الله تعالى- طائفةٌ مع بقيَّة المباحث. وفي حديث الباب عَلَمٌ من أعلام النُّبوَّة؛ فإنَّ الأنصاريَّ لم يقل لغلامه: «طعام خمسة» بحضرة الرَّسول ﷺ ، فأطلع الله تعالى نبيَّه على أنَّه حَجَر الدَّعوة ولم يطلقها.
وقد أخرج الحديثَ أيضًا في «المظالم» [خ¦٢٤٥٦] و «الأطعمة» [خ¦٥٤٦١]، ومسلمٌ في «الأطعمة»، والتِّرمذيُّ في «النِّكاح»، والنَّسائيُّ في «الوليمة».
(٢٢) (باب) بيان (مَا يَمْحَقُ الكَذِبُ) من البائع في مدح سلعته، ومن المشتري في التَّقصير في وفاء الثَّمن (وَالكِتْمَانُ) من البائع عن عيب سلعته، ومن المشتري عن وصف الثَّمن، من البركة (فِي البَيْعِ).
٢٠٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بَدَلُ بْنُ المُحَبَّرِ) بفتح الموحَّدة والمهملة، آخره لامٌ، ابن المُحَبَّر -بضمِّ الميم وفتح المهملة وتشديد الموحَّدة المفتوحة آخره راءٌ- ابن مُنَبِّهٍ، اليربوعيُّ البصريُّ الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الخَلِيلِ) صالح بن أبي مريم الضُّبَعيَّ (يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ) بن نوفلٍ الهاشميِّ (عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) بالزَّاي (¬﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا) بأبدانهما عن مكانهما الذي تبايعا فيه (أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا) بالشَّكِّ من الرَّاوي (فَإِنْ صَدَقَا) البائعُ في السَّوم،
стр. 4553
والمشتري في الوفاء (وَبَيَّنَا) ما في الثَّمن والمُثْمَن من عيبٍ (بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا) مبيعهما (وَإِنْ كَتَمَا) عيب السِّلعة والثَّمن (وَكَذَبَا) في وصفهما (مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا) مبيعهما.
وهذا الحديث قد سبق قريبًا [خ¦٢٠٧٩].
(٢٣) (باب قَوْلِ اللهِ تعالى) وفي نسخةٍ: « »: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً﴾) نهى عباده المؤمنين عن تعاطي الرِّبا وأكله أضعافًا مضاعفةً، كما كانوا يقولون في الجاهلية إذا حلَّ أَجَل الدَّين: إمَّا أن تقضيَ وإمَّا أن تربيَ، فإن قضاه، وإلَّا زاده في المدَّة، وزاده الآخر في القدر، وهكذا كلُّ عامٍ، فربَّما تضاعف القليل حتَّى يصير كثيرًا مضاعفًا، ثم أمر تعالى عباده بالتَّقوى، فقال: (﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ﴾) فيما نُهيتُم عنه من الرِّبا (﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠]): راجين الفلاح في الأولى والآخرة.
٢٠٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ) بضمِّ الموحَّدة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي المَرْءُ بِمَا أَخَذَ (١) المَالَ) بإثبات ألف «ما» الاستفهاميَّة الدَّاخل عليها حرف الجرِّ، والقياس حذفها، لكنَّه وُجِدَ في كلام العرب على قلَّةٍ (٢)، وقد (٣) سبق في «باب من لم يبالِ من حيث كسب المال» بهذا السند [خ¦٢٠٥٩]: «لا يبالي المرء ما أخذ منه» (أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ) وفي الباب السَّابق [خ¦٢٠٥٩] بالتَّعريف فيهما، ولأبي ذرٍّ: «أَمِنَ الحلال» بالتَّعريف فيه فقط.
стр. 4554
وهذا الحديث ساقطٌ في رواية النَّسفيِّ، وليس عنده سوى الآية، وقول الحافظ ابن حجر: ولعلَّ المصنِّف أشار بالتَّرجمة إلى ما أخرجه النَّسائيُّ من وجهٍ آخرَ عن أبي هريرةَ مرفوعًا: «يأتي على النَّاس زمانٌ يأكلون الرِّبا، فمن لم يأكله أصابه من غباره» تعقَّبه العينيُّ بأنَّ الآية هي التَّرجمة، فكيف يشير بها إلى حديث أبي هريرة؟! والآية في النَّهي عن أكل الرِّبا والأمر بالتَّقوى، وحديث أبي هريرة يخبر عن فساد الزَّمان الذي يؤكل فيه الرِّبا.
(٢٤) (باب) حكم (آكِلِ الرِّبَا) بمدِّ الهمزة وكسر الكاف، والرِّبا (١): بالقصر، ومدُّه لغةٌ شاذَّةٌ، وأَلِفه بدلٌ من واوٍ، ويُكتب بها (٢) وبالواو، ويقال: الرِّماء، بالميم والمدِّ (وَ) حكمِ (شَاهِدِهِ) بالإفراد، وللإسماعيليِّ: «وشاهديه» بالتَّثنية (وَ) حكم (كَاتِبِهِ) الذين يواطئون صاحب الرِّبا على كتمان الرِّبا وإظهار الجائز، وفيه ما يدلُّ على أنَّ الكاتبَ غيرُ الشَّاهدِ، وأنَّهما وظيفتان، وعلى ذلك العمل بتونس وبعض بلاد المغرب (وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه، وسقطت «الواو» لأبي ذرٍّ، و «القول» (٣) عنده مرفوعٌ، ولابن عساكر: «قول الله تعالى»: (﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾) أي: الآخذون له، وإنَّما عبَّر عنه بالأكل؛ لأنَّ الأكل أعظم المنافع، ولأنَّ الرِّبا شائعٌ في المطعومات، وهو في اللُّغة: الزِّيادة، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥] أي: زادت وعلت، وفي الشَّرع: عقدٌ على عوضٍ مخصوصٍ غير معلومِ التَّماثل في معيار الشَّرع حالة العقد، أو مع تأخيرٍ في (٤) البدلين أو أحدهما، وهو ثلاثة أنواعٍ: ربا الفضل، وهو البيع مع زيادة أحد العوضين على الآخر، وربا اليد، وهو
стр. 4555
البيع مع تأخير قبضهما أو قبض أحدهما، وربا النَّساء، وهو البيع لأجلٍ، وكلٌّ منها حرامٌ (﴿لَا يَقُومُونَ﴾) من قبورهم (﴿إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ﴾) أي: إلَّا قيامًا كقيام المصروع (﴿مِنَ الْمَسِّ﴾) أي: الجنون، وقال في «البحر»: ﴿مِنَ الْمَسِّ﴾: متعلِّقٌ بقوله: ﴿يَتَخَبَّطُهُ﴾ وهو على سبيل التَّأكيد ورفع ما يحتمله ﴿يَتَخَبَّطُهُ﴾ من المجاز، إذ هو ظاهرٌ في أنَّه لا يكون إلَّا من المسِّ، ويحتمل أن يكون المراد بالتَّخبُّط: الإغواء (١) وتزيين المعاصي، فأزال قوله (٢): ﴿مِنَ الْمَسِّ﴾ هذا الاحتمال، وقول الزَّمخشريِّ: «إنَّ (٣) قوله: ﴿مِنَ الْمَسِّ﴾ متعلِّقٌ بـ ﴿لَا يَقُومُونَ﴾ أي: لا يقومون من المسِّ الذي بهم إلَّا كما يقوم المصروع (٤)» ضعيفٌ؛ لأنَّ ما بعد «إلَّا» لا يتعلَّق بما قبلها إلَّا إن كان في حيِّز الاستثناء؛ ولذلك منعوا أن يتعلَّق ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً﴾ [النحل: ٤٣] وأنَّ التَّقدير: وما أرسلنا بالبيِّنات والزُّبر إلَّا رجالًا يوحى إليهم. انتهى. وقيل: إنَّ النَّاس يخرجون من الأجداث سِراعًا، لكنَّ آكل الرِّبا يربو الرِّبا في بطنه، فيريد الإسراع فيسقط، فيصير بمنزلة المتخبِّط من الجنون لاختلال عقله. (﴿ذَلِكَ﴾) أي: العقاب (﴿بِأَنَّهُمْ﴾) بسبب أنَّهم (﴿قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾) نظموا الرِّبا والبيع (٥) في سلكٍ واحدٍ؛ لإفضائهما إلى الرِّبح، فاستحلُّوه استحلاله، قال الزَّمخشريُّ: فإن قلت: هلَّا قيل: إنَّما الرِّبا مثل البيع لأنَّ الكلام في الرِّبا لا في البيع، فوجب أن يُقال: إنَّهم شبَّهوا الرِّبا بالبيع فاستحلُّوه، وكانت شبهتهم أنَّهم قالوا: لو اشترى الرجل ما لا يساوي إلَّا درهمًا بدرهمين جاز، فكيف إذا باع (٦) درهمًا بدرهمين؟ وأجاب: بأنَّه جيء به على طريق المبالغة، وهو أنَّه قد بلغ من اعتقادهم في حلِّ الرِّبا أنَّهم جعلوه أصلًا وقانونًا في الحلِّ حتى شبَّهوا به البيع. انتهى. وتعقَّبه ابن المُنَيِّر بأنَّه لا يجب حمله على المبالغة؛ إذ يمكن أن يُقال: الرِّبا كالبيع، والبيع حلالٌ، فالرِّبا مثله، ويمكن أن يعكس فيُقال: البيع كالرِّبا، فلو كان الرِّبا حرامًا كان
стр. 4556
البيع حرامًا، فالأوَّل قياس الطَّرد، والثَّاني قياس العكس. انتهى. والفرق بين الرِّبا والبيع بَيِّنٌ، فإنَّ من أعطى درهمين بدرهم ضيَّع درهمًا، ومن اشترى سلعةً تساوي درهمًا بدرهمين فلعلَّ مسيس الحاجة إليها أو توقُّع رواجها يَجبر هذا الغبن. (﴿وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾) إنكارٌ لتسويتهم، وإبطالٌ للقياس لمعارضته النَّصَّ (﴿فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ (١)﴾) بلغه وعظٌ من الله (﴿فَانتَهَىَ﴾) فاتَّعظ وتبع النَّهي حال وصول الشَّرع إليه (﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾) من المعاملة، أي: له ما كان أَكَلَ من الرِّبا زمن الجاهليَّة (﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ﴾) يحكم يوم القيامة بينهم، وليس من أمره إليكم شيءٌ (﴿وَمَنْ عَادَ﴾) إلى تحليل الرِّبا وأكله (﴿فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]) لأنَّهم كفروا به، ولفظ رواية أبوي ذرٍّ والوقت: «﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾» إلى قوله: «﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾».
٢٠٨٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة وتشديد المعجمة، قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هو لقب محمَّد بن جعفر البصريُّ (٢): (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (٣) عَنْ مَنْصُورٍ) أي: ابن المعتمر (٤) (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلم بن صبيحٍ الكوفيِّ (٥) (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ) أي: الآيات (آخِرُ) سورة (البَقَرَةِ): ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ إلى قوله: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥ - ٢٧٩] (قَرَأَهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمْ فِي المَسْجِدِ، ثُمَّ حَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الخَمْرِ) أي: بيعه وشراءه.
وهذا الحديث قد مرَّ في أبواب «المساجد» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٤٥٩].
стр. 4557
٢٠٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) عمران العطارديُّ (عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَُبٍ) بضمِّ الجيم وفتح الدَّال، ابن هلال الفزاريِّ حليف الأنصار (¬﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : رَأَيْتُ) من الرؤيا، ولابن عساكر: «أُرِيتُ» بهمزةٍ مضمومةٍ قبل الرَّاء مبنيًّا للمفعول (اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ) جبريل وميكائيل (أَتَيَانِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ) بالتَّنكير للتَّعظيم (فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَْرٍ مِنْ دَمٍ) بفتح الهاء وسكونها (فِيهِ) أي: في (١) النهر (رَجُلٌ قَائِمٌ وَ) هو (عَلَى وَسَطِ النَّهَْرِ) الجملة حاليَّة، وحذف المبتدأ المقدَّر بـ «هو»، ولا يجوز أن يكون خبرًا مقدَّمًا على المبتدأ، وهو قوله: (رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ) لمخالفة ذلك سائر الرِّوايات؛ لأنَّ الرَّجل الذي بين يديه حجارةٌ هو على شطِّ النَّهر لا على وسطه، كما مرَّ (٢) في آخر «الجنائز» [خ¦١٣٨٦] بلفظ: «وعلى شطِّ النهر رجلٌ بين يديه حجارةٌ»، لا سيَّما وفي بعض الأصول: «ورجلٌ بين يديه حجارةٌ» بالواو، ولا يُفصَل بين المبتدأ والخبر، وفي رواية: «على (٣) وسط النَّهر» بغير واوٍ، وحينئذٍ فتكون متعلِّقة بـ «قائم»، وقوله: «رجلٌ» مبتدأٌ حُذِف خبره تقديره: على الشَّطِّ أو هناك، والجملة حاليَّة، سواءٌ كانت بالواو أو بدونها، وعند ابن السَّكن: «على شطِّ النَّهر» بدل قوله: «وسط النَّهر»، وصوَّبه القاضي عياضٌ (فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي (٤) فِي النَّهَْرِ، فَإِذَا أَرَادَ (٥)
стр. 4558
أَنْ يَخْرُجَ) من النَّهر، وفي رواية غير ابن عساكر وأبي الوقت: «فإذا أراد الرَّجل أن يخرج» (رَمَى الرَّجُلُ) الَّذي في شطِّ النَّهر (بِحَجَرٍ) من الحجارة الَّتي بين يديه (فِي فِيهِ) أي: في فم الذي في النَّهر (فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ) من النَّهر (فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ) من النَّهر (رَمَى) الرَّجل الذي على الشَّطِّ (فِي فِيهِ بِحَجَرٍ) من تلك الأحجار، قال ابن مالكٍ: تضمَّن وقوع خبر «جعل» الإنشائيَّة جملةً فعليَّةً مصدَّرةً بـ «كلما»، وحقُّه أن يكون فعلًا مضارعًا، وقد جاء هنا ماضيًا (فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ) ولا يمكنه من الخروج منه، قال ﵊: (فَقُلْتُ) لجبريل وميكائيل: (مَا هَذَا) الذي رأيتُ؟ (فَقَالَ) أحدهما: (الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُ الرِّبَا) وهذا موضع التَّرجمة، لكن ليس فيه ولا في سابقه ذكرٌ لكاتب الرِّبا وشاهده، فقيل: لأنَّهما لمَّا كانا معاونين لآكله نُزِّلا منزلة الآكل، فترجم المؤلِّف بالثَّلاثة، أو أنَّهما رضيا به، والرَّاضي بالشَّيء كفاعله، أو أنَّهما بفعلهما كأنَّهما قائلان: إنَّما البيع مثل الرِّبا، أو عقد التَّرجمة لهما ولم يجد فيهما حديثًا على شرطه، قال في «الفتح»: ولعلَّه أشار إلى ما ورد في الكاتب والشَّاهد صريحًا، فعند مسلمٍ وغيره من حديث جابرٍ: لعن رسول الله ﷺ آكل الرِّبا، وموكِله، وكاتبه، وشاهده، وقال: «هم في الإثم سواءٌ»، ولأصحاب «السُّنن» وصحَّحه ابن خزيمة من طريق عبد الرَّحمن بن عبد الله بن مسعودٍ عن أبيه: لعن رسول الله ﷺ آكل الرِّبا، وموكِله، وشاهده، وكاتبه، وفي رواية التِّرمذيِّ بالتَّثنية، وهذا إنَّما يقع على من واطأ صاحب الرِّبا عليه، أمَّا من كتبه أو شاهد (١) القصَّة ليشهد بها على ما هي عليه ليعمل فيها بالحقِّ فهو جميل القصد، لا يدخل في الوعيد (٢) المذكور.
(٢٥) (باب) بيان إثم (مُوكِلِ الرِّبَا) بضمِّ الميم وكسر الكاف، اسم فاعلٍ، أي: مُطعِمه (لِقَوْلِهِ) ولأبي الوقت: «لقول الله» (تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ﴾) واتركوا (﴿مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا
стр. 4559
إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾) بقلوبكم، فإنَّ دليله امتثال ما أُمرتم به (١)، ورُوِيَ: أنَّه كان لثقيفٍ مالٌ على بعض قريش، فطالبوهم عند المحلِّ بالمال والرِّبا، فنزلت: (﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ﴾) أي: فاعلموا بها (﴿وَإِن تُبْتُمْ﴾) من الارتباء واعتقاد حلِّه (﴿فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾) بالزِّيادة (﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾) بالمطل والنُّقصان (﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾) وإن وقع غريمٌ ذو عسرةٍ (﴿فَنَظِرَةٌ﴾) فالحكم نَظِرَةٌ، أو (٢) فعليكم نَظِرَةٌ، أو فلتكن نَظِرَةٌ، وهي الإنظار (﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾) يسارٍ (﴿وَأَن تَصَدَّقُواْ﴾) بالإبراء (﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾) أكثر ثوابًا من الإنظار، أو خيرٌ مما تأخذون؛ لمضاعفة ثوابه (﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾) ما فيه من الذِّكر الجميل، والأجر الجزيل (﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ﴾) يوم القيامة، أو يوم الموت، فتأهَّبوا لمصيركم إليه (﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾) أي: جزاء ما عملت من خيرٍ أو شرٍّ (﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٨١]) بنقص ثوابٍ و (٣) تضعيف عقابٍ، ولفظ رواية ابن عساكر بعد قوله: ﴿وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾: «إلى قوله: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾» ولأبوي ذرٍّ والوقت: «إلى ﴿مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾» (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله المؤلِّف (٤) في «التفسير» [خ¦٤٥٤٤] من طريق الشَّعبيِّ عنه: (هَذِهِ) الآية من ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ﴾ (آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬).
٢٠٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ) بضمِّ الجيم وفتح الحاء مصغَّرًا، وفي آخر أبواب «الطَّلاق» [خ¦٥٣٤٧] من رواية آدم عن شعبة: حدَّثنا عونٌ (قَالَ: رَأَيْتُ أَبِي) أبا جُحيفة وهب بن عبد الله (اشْتَرَى عَبْدًا حَجَّامًا) لم يُسمَّ، زاد المؤلِّف في آخر «البيع» [خ¦٢٢٣٨] من وجهٍ آخرَ عن شعبة: «فأمر بمحاجمه فكُسِرت» زاد في نسخة الصَّغاني: «فأمر بمحاجمه فكُسِرَت» كما في «البيع»
стр. 4560
[خ¦٢٢٣٨] (١) (فَسَأَلْتُهُ) عن ذلك، أي: عن كسر المحاجم، وهي الآلة التي يُحجَم بها (فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ) ولو معلَّمًا لنجاسته، فلا يصحُّ بيعه، كخنزيرٍ وميتةٍ ونحوهما، وجوَّز أبو حنيفة بيعَ الكلاب وأكلَ ثمنها، وأنَّها تُضمَن بالقيمة عند الإتلاف، وعن مالكٍ روايتان، وقال الحنابلة: لا يجوز بيعه مطلقًا (وَ) عن (٢) (ثَمَنِ الدَّمِ) أي: أجرة الحجامة، وأطلق عليه الثَّمن تجوُّزًا، وقد احتجم ﷺ وأعطى الحجَّام أجره (٣)، ولو كان حرامًا لم يعطه، كما ثبت في «الصَّحيحين» [خ¦٢١٠٢] فالنَّهي عنه للتَّنزيه؛ لخبثه من جهة كونه عوضًا في مقابلة مخامرة النَّجاسة، ويطَّرد ذلك في كلِّ ما يشبهه من كنَّاسٍ (٤) وغيره (وَنَهَى) ﵊ نهيَ تحريمٍ (عَنِ الوَاشِمَةِ) الفاعِلة للوشَمْ (وَالمَوْشُومَةِ) أي: عن فعلهما، والوشم: أن يُغرَز الجلد بإبرةٍ، ثم يُحشى بكحلٍ أو نيلٍ، فيزرقَّ أثره أو يخضرَّ، ولفظ «نهى» ساقطٌ لابن عساكر، وإنَّما نهى عن الوشم لما فيه من تغيير خلق الله تعالى، قال في «الرَّوضة»: لو شقَّ موضعًا في بدنه وجعل فيه دمًا أو وشم يده أو غيرها فإنَّه ينجس عند الغرز، وفي «تعليق الفرَّاء»: أنَّه يُزال الوشم بالعلاج، فإن (٥) كان لا يمكن إلَّا بالجرح جَرَحَ (٦)، ولا إثم عليه بعدُ (وَ) نهى ﵊ أيضًا (٧) عن فعل (آكِلِ الرِّبَا وَ) عن فعل (مُوكِلِهِ) لأنَّهما شريكان في الفعل (وَلَعَنَ المُصَوِّرَ) للحيوان لا للشَّجر، فإنَّ الفتنة فيه أعظم، وهو حرامٌ بالإجماع.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «البيوع» [خ¦٢٢٣٨] و «الطَّلاق» [خ¦٥٣٤٧] و «اللِّباس» [خ¦٥٩٤٥] وهو من أفراده.
(٢٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكر فيه قوله تعالى: (﴿يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا﴾) يُذْهِبُ بركته ويُهْلِكُ المال
стр. 4561
الذي يدخل فيه (﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾) يضاعِف ثوابها ويبارك فيما أخرجت منه (﴿وَاللّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ﴾) مُصِرٍّ على تحليل المحرَّمات (﴿أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦]) منهمكٍ في ارتكابه (١)، وفي رواية: «﴿يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية».
٢٠٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بُكيرٍ المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه قال: (قَالَ ابْنُ المُسَيَّبِ) هو سعيدٌ، وكان خَتَن أبي هريرة على ابنته وأعلم النَّاس بحديثه: (إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: الحَلِفُ) بفتح الحاء المهملة وكسر اللَّام: اليمين الكاذبة (مَنْفَقَةٌ) بفتح الأوَّل والثَّالث وسكون الثَّاني، من نفق البيع إذا راج، ضدُّ كَسَدَ، أي: مَزْيَدَةٌ (لِلسِّلْعَةِ) بكسر السِّين: المتاع وما يُتَّجَر فيه (٢) (مَمْحَقَةٌ) بفتح الميم والمهملة بينهما ميمٌ ساكنةٌ، كذا لأبي ذرٍّ فيهما، من المحق، أي: مَذْهَبَةٌ (لِلْبَرَكَةِ) وفي روايةٍ لغير أبي ذرٍّ: «مُنَفِّقَةٌ» بضمِّ الميم وفتح النُّون وتشديد الفاء مكسورةً، «مُمْحِقَةٌ» بضمٍّ وسكونٍ وكسر الحاء (٣)، كما في الفرع وأصله، وفي رواية: «مُنْفِقَة، مُمْحِقَة» بضمِّ الميم فيهما، بصيغة اسم الفاعل، وأُسنِد الفعل إلى الحلف إسنادًا مجازيًّا؛ لأنَّه سببٌ في رواج السِّلعة ونفاقها، وقوله: «الحلف» مبتدأٌ، والخبر «منفقة»، و «ممحقة» خبرٌ بعد خبرٍ، وصحَّ الإخبار بهما -مع أنَّه مذَّكرٌ وهما مؤنَّثان- بالهاء إمَّا على تأويل الحلف باليمين، أو على أنَّها ليست للتَّأنيث، بل هي للمبالغة، وهما في الأصل: مصدران مزيدان محددان (٤) بمعنى: النَّفاق والمَحْق.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ (٥) في «البيوع»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ (٦).
стр. 4562
(٢٧) (باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الحَلِفِ فِي البَيْعِ) سواءٌ كان صادقًا أو كاذبًا، لكنَّ الكراهة في الصِّدق للتَّنزيه، وفي الأخرى للتَّحريم.
٢٠٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ) بفتح العين، النَّاقد البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضمِّ الهاء وفتح المعجمة، ابن بُشيرٍ -بضمِّ الموحَّدة- الواسطيُّ قال: (أَخْبَرَنَا العَوَّامُ) بفتح المهملة وتشديد الواو، ابن حوشَبٍ الشَّيبانيُّ الواسطيُّ (١) (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) السَّكْسكيِّ الكوفيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى) الأسلميِّ (¬﵁: أَنَّ رَجُلًا) لم يسمَّ (أَقَامَ سِلْعَةً) أي: روَّجها، من قولهم: قامت السُّوق، أي: راجت ونَفَقت (وَهوَ فِي السُّوقِ) الواو للحال (فَحَلَفَ بِاللهِ) يحتمل أن يكون «بالله» هو اليمين، وقوله: (لَقَدْ) جوابه، وأن يكون صلةً للحلف، و «لقد»: جواب القَسَم المحذوف، أي: فقال: والله (أَعْطَى) بفتح الهمزة والطاء (بِهَا) أي: بدل السلعة (مَا لَمْ يُعْطِ) بضمِّ التحتيَّة وكسر الطاء مبنيًّا للفاعل كالسَّابق، والمعنى: أنه يحلف لقد دفع فيها من ماله ما لم يكن دفعه، ولأبي ذرٍّ: «أُعطِيَ بها ما لم يُعْطَ» بضمِّ الهمزة وكسر الطَّاء في الأوَّل، وفتح الطَّاء في الثَّاني مبنيًّا للمفعول فيهما، يعني: لقد دُفِعَ له فيها من قِبَلِ المستامين ما لم يكن
стр. 4563
أحدٌ دفعه، فهو كاذبٌ في الوجهين (لِيُوقِعَ فِيهَا) أي: في (١) سلعته (رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ) ممَّن يريد الشِّراء (فَنَزَلَتْ) هذه الآية: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾) أي: يستبدلون (﴿بِعَهْدِ اللّهِ﴾) بما عاهدوا الله (٢) عليه من الإيمان بالرَّسول والوفاء بالأمانات (﴿وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧]) متاع الدُّنيا، زاد أبو ذرٍّ: «الآية» إلى آخرها: ﴿أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ﴾ أي: كلامَ لطفٍ بهم ﴿وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٣)﴾ بعين الرَّحمة ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ من الذُّنوب والأدناس، وفي حديث أبي ذرٍّ عند الإمام أحمد رفعه: «ثلاثةٌ لا يكلِّمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكِّيهم ولهم عذابٌ أليمٌ» قلتُ: يا رسول الله، من هم؟ خسروا وخابوا، قال: وأعاد رسول الله ﷺ ثلاث مرات، قال: «المسبِل إزاره، والمنفِّق سلعته بالحلف الكاذب، والمنَّان»، ورواه مسلمٌ وأصحاب السُّنن من طريقه، وقيل: نزلت في ترافعٍ كان بين أشعث بن قيسٍ ويهوديٍّ في بئرٍ أو أرضٍ، وتوجَّه الحلف على اليهوديِّ (٤)، رواه أحمد، وروى الإمام أحمد أيضًا -وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ- عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «ثلاثةٌ لا يكلِّمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكِّيهم، ولهم عذابٌ أليمٌ: رجلٌ منع ابن السبيل فضل ماءٍ عنده، ورجلٌ حلف على سلعةٍ (٥) بعد العصر، يعني: كاذبًا، ورجلٌ بايع إمامًا فإن أعطاه وفى له، وإن لم يعطه لم يَفِ (٦)»، وقيل: نزلت في أحبارٍ حرَّفوا التَّوراة، وبدَّلوا نعت محمَّدٍ ﷺ وحكمَ الأمانات وغيرهما، وأخذوا على ذلك رشوةً.
стр. 4564
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٥٥١] و «الشَّهادات» [خ¦٢٦٧٥] وهو من أفراده.
(٢٨) (باب مَا قِيلَ فِي الصَّوَّاغِ) بفتح المهملة وتشديد الواو وبعد الألف غينٌ معجَمةٌ. (وَقَالَ طَاوُسٌ) فيما وصله المؤلِّف في «باب لا ينفَّر صيد الحرم» من «كتاب الحجِّ» [خ¦١٨٣٣]: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه قال: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) عن مكَّة: (لَا يُخْتَلَى) بضمِّ أوَّله وسكون المعجَمة، أي: لا يُقطَع (خَلَاهَا) بفتح الخاء المعجَمة مقصورًا: حشيشها الرَّطب (وَقَالَ العَبَّاسُ: إِلَّا الإِذْخِرَ) بهمزةٍ مكسورةٍ فمعجمةٍ ساكنةٍ فمعجمةٍ مكسورةٍ: حشيشةٌ معروفةٌ طيِّبة الرِّيح تنبت بالحجاز (فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ) بفتح القاف وسكون المثنَّاة التَّحتيَّة وبالنُّون، وهو يُطلَق على الحدَّاد والصَّائغ، كما قاله ابن الأثير وغيره (وَبُيُوتِهِمْ، فَقَالَ) ﵊: (إِلَّا الإِذْخِرَ).
٢٠٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقب عبد الله بن عثمان الأزديِّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ) بغير ألفٍ ولامٍ، ولابن عساكر: «الحسين»: (أَنَّ) أباه (حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ ﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّ) أباه (عَلِيًّا) هو ابن أبي طالبٍ (قَالَ: كَانَتْ لِي شَارِفٌ) بشينٍ معجمةٍ وبعد الألف راءٌ ثم فاءٌ، أي: مُسِنَّةٌ من الإبل (مِنْ نَصِيبِي مِنَ المَغْنَمِ) من بدرٍ (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَعْطَانِي) قبل يوم بدرٍ (شَارِفًا مِنَ الخُمُسِ) بضمِّ الخاء المعجَمة والسين المهمَلة، من غنيمة عبد الله بن جحشٍ لمَّا
стр. 4565
بعثه ﵊ إلى نخلة في رجبٍ، وقتل عمرو بن الحضرميَّ، واستاق العير، وكانت أوَّل غنيمةٍ في الإسلام، فقسمها ابن جحشٍ، وعزل الخمس قبل أن يُفرَض، وقيل: بل قدم بالغنيمة كلِّها، فقال النبيُّ ﷺ : «ما أمرتكم بالقتال في الشَّهر الحرام»، فأخَّر الغنيمة حتى رجع من بدرٍ، فقسمها مع غنائمها، قال عليٌّ: (فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَبْتَنِيَ بِفَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أي: أَدخُلَ بها، وهو يردُّ على الجوهريِّ حيث قال: بنى فلان بيتًا، وبنى على أهله، أي: زفَّها، والعامَّة تقول: بنى بأهله، وهو خطأٌ، وكان الأصل فيه أنَّ الداخل بأهله كان يضرب عليها قُبَّةً ليلة دخوله بها، فقيل لكل داخلٍ بأهله: بانٍ (وَاعَدْتُ رَجُلًا) لم يسمَّ (صَوَّاغًا مِنْ بَنِي قَيْنَُِقَاعَ) بتثليث النُّون آخره عينٌ مهملةٌ، غير منصرفٍ (١) على إرادة القبيلة، أو منصرفٌ على إرادة الحيِّ، وهم (٢) رهطٌ من اليهود، والصَّوَّاغ: صائغ الحلي (أَنْ يَرْتَحِلَ مَعِي فَنَأْتِيَ) بنون بعد الفاء، وفي روايةٍ: «فآتيَ» (بِإِذْخِرٍ) بالذَّال المعجَمة (أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ مِنَ الصَّوَّاغِينَ، وَأَسْتَعِينَ بِهِ) منصوبٌ عطفًا على «أبيعه»، وفي بعض الأصول: «فأستعين» بالفاء بدل الواو، أي: أستعين بثمنه (فِي وَلِيمَةِ عُرُسِي) بضمِّ العين والرَّاء في «اليونينيَّة» أي: في طعامه.
ففيه: أنَّ طعام العرس على النَّاكح، وجواز معاملة الصَّائغ ولو كان غير مسلمٍ، وموضع التَّرجمة منه قوله: «واعدتُ رجلًا صوَّاغًا»، وفائدتُها -كما قال ابن المُنَيِّر-: التنبيه على أنَّ ذلك كان في زمنه ﵊، وأقرَّه مع العلم به (٣)، فيكون كالنصِّ على جوازه، وما عداه يؤخَذ بالقياس، ويؤخَذ منه أيضًا: أنَّه لا يلزم من دخول الفساد في صنعةٍ أن تُتْرَكَ معاملة صاحبها ولو تعاطاها أراذل النَّاس مثلًا، ولعلَّ المصنِّف أشار إلى حديث: «أكذب الناس الصبَّاغون و (٤) الصوَّاغون (٥)»، وهو حديثٌ مضطرب الإسناد، أخرجه أحمد وغيره، قاله في «الفتح».
стр. 4566
وفي حديث الباب التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٠٠٣] و «اللِّباس» [خ¦٥٧٩٣]، ومسلمٌ في «الأشربة»، وأبو داود في «الخراج».
٢٠٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، وفي بعض الأصول: «حدَّثني» بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو ابن شاهين الواسطيُّ كما نصَّ عليه ابن ماكولا وغيره، قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الطحَّان (عَنْ خَالِدٍ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ) ابتداءً من غير سببٍ ينسب لأحدٍ، ولم يحرِّمها النَّاس (وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا) تَحِلُّ (لأَحَدٍ بَعْدِي) بفتح التَّاء من «تَحِلَّ» وكسر الحاء (وَإِنَّمَا حَلَّتْ) بفتح الحاء، ولأبي ذرٍّ: «أُحِلَّت» بهمزةٍ مضمومةٍ وكسر الحاء (لِي سَاعَةً) (١) أي: مقدارًا من الزَّمان في يوم الفتح، وهي من الغداة إلى العصر كما في كتاب «الأموال» لأبي عُبيدٍ (لَا يُخْتَلَى) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون المعجَمة: لا يُقطَع (خَلَاهَا) بفتح المعجَمة مقصورًا: حشيشها الرَّطب (وَلَا يُعْضَدُ) بضمِّ أوَّله وفتح الضَّاد المعجَمة، بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، أي: لا يُقطَع (شَجَرُهَا) الرَّطب غير (٢) المؤذي (وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا) أي: لا يجوز لمحرمٍ ولا حلالٍ (وَلَا يُلْتَقَطُ) بضمِّ المثنَّاة التَّحتيَّة وسكون اللَّام وفتح التَّاء والقاف، ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر (٣): «ولا تُلْتَقَطُ» بالمثنَّاة الفوقيَّة (لُقَطَتُهَا) بفتح القاف، قال النَّوويُّ: وهو اللُّغة المشهورة، أي: لا يجوز التقاطُها (إِلَّا لِمُعَرِّفٍ) يعرِّفها ثم يحفظها لمالكها، ولا يتملَّكها كسائر لقطات غيرها من سائر البلاد. (وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: إِلَّا الإِذْخِرَ) حَلْفاء مكة، فإنَّه (لِصَاغَتِنَا) جمع صائغٍ (وَلِسُقُفِ بُيُوتِنَا،
стр. 4567
فَقَالَ) ﵊: (إِلَّا الإِذْخِرَ) بالنَّصب على الاستثناء، وسبق ما في الاستثناء الأوَّل من البحث في «الحجِّ» [خ¦١٨٣٣] (فَقَالَ عِكْرِمَةُ) لخالدٍ: (هَلْ تَدْرِي مَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا؟) بالرَّفع نائبٌ عن الفاعل (هُوَ أَنْ تُنَحِّيَهُ مِنَ الظِّلِّ) بالمثنَّاة الفوقيَّة (وَتَنْزِلَ مَكَانَهُ) بتاء الخطاب كالأوَّل (قَالَ عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثَّقفيُّ، ممَّا وصله المؤلِّف في «الحجِّ» [خ¦١٨٣٣] (عَنْ خَالِدٍ: لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا) بدل قوله: «ولسقف بيوتنا».
(٢٩) (باب ذِكْرِ القَيْنِ) بفتح القاف وسكون التَّحتيَّة (وَالحَدَّادِ) لمَّا كان القَين (١) يُطلَق على العبد والحدَّاد والجارية -قينةً مغنِّيةً أم لا- والماشطة، عطف المؤلِّف «الحدَّاد» على «القين» عطف تفسيرٍ؛ ليُعلَم أنَّ مراده من «القين»: الحدَّاد لا غيره، وفي «النِّهاية» لابن الأثير: فإنَّه لقيوننا -جمع قينٍ- وهو الحدَّاد والصَّائغ. انتهى. لكن لم أرَ في «الصِّحاح» كـ «القاموس» إطلاقه على الصَّائغ، فالله أعلم. نعم قال ابن دريدٍ فيما نقلوه عنه: أصل القين: الحدَّاد، ثم صار كلُّ صائغٍ قينًا عند العرب، وسقط في بعض الأصول ذكر (٢) «الحداد»، وكذا سقط لفظ «ذِكْر» لابن عساكر.
٢٠٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بموحَّدةٍ فمعجَمةٍ مشدَّدةٍ، الملقَّب ببندارٍ، البصريُّ (٣) قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) بفتح العين وكسر الدَّال المهملتين، آخره تحتيَّةٌ مشدَّدةٌ، هو محمَّد بن أبي عديٍّ، واسمه: إبراهيم (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مِهْران الأعمش (عَنْ أَبِي الضُّحَى) بضمِّ الضَّاد المعجَمة وفتح
стр. 4568
الحاء المهملة، مسلم بن صبيحٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن عبد الرَّحمن الأجدع (عَنْ خَبَّابٍ) بفتح المعجَمة وتشديد الموحَّدة، وبعد الألف موحَّدةٌ أخرى، ابن الأرتِّ، أنَّه (قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا) حدَّادًا (فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ لِي عَلَى العَاصِ بْنِ وَائِلٍ) بالهمزة، السَّهميِّ، هو والد عمرو بن العاص الصحابيِّ المشهور (دَيْنٌ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ) أي: فأتيت العاص أطلب منه ديني، وبيَّن في روايةٍ بسورة مريم من «التفسير» [خ¦٤٧٣٣]: أنَّه أجرة سيفٍ عَمِله له (قَالَ: لَا أُعْطِيكَ) حقَّك (حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ¬) قال خبَّابٌ: (فَقُلْتُ) له (١): (لَا أَكْفُرُ) بمحمَّد ﷺ (حَتَّى يُمِيتَكَ اللهُ ثُمَّ تُبْعَثَ (٢)) زاد في رواية التِّرمذيِّ قال: وإنِّي لَميِّتٌ ثم مبعوثٌ؟! فقلت: نعم. واستُشكِل كون خبَّابٍ علَّق على (٣) الكفر، ومن علَّق على الكفر كَفَر، وأجيب بأنَّ الكفر لا يُتصوَّر حينئذٍ بعد البعث؛ لمعاينة الآيات الباهرة المُلجِئة إلى الإيمان إذ ذاك، فكأنَّه قال: لا أكفر أبدًا، أو أنَّه خاطب العاص بما يعتقد من كونه لا يقرُّ بالبعث، فكأنَّه علَّق على مُحالٍ (قَالَ) العاص: (دَعْنِي حَتَّى أَمُوتَ وَأُبْعَثَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، منصوبٌ عطفًا على «أموت» (٤) (فَسَأُوتَى) بضمِّ الهمزة وفتح المثنَّاة الفوقيَّة (مَالًا وَوَلَدًا فَأَقْضِيَكَ) بالنَّصب عند أبي ذرٍّ على الجواب، ولغيره: «فأقضيْكَ» بالسُّكون (فَنَزَلَتْ) هذه الآية: (﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾) استعمل «أرأيت» بمعنى: الإخبار، والفاء على أصلها (٥)
стр. 4569
(﴿أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾) أقد بلغ من شأنه إلى أن ارتقى إلى علم (١) الغيب الذي تَوَحَّد به الواحد القهَّار حتى ادَّعى أن يؤتى في الآخرة مالًا وولدًا؟ (﴿أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾؟ [مريم: ٧٧ - ٧٨]) أم اتَّخذ من عالِم الغيوب عهدًا بذلك؟ فإنَّه لا يتوصَّل إلى العلم به إلَّا بأحد هذين الطريقين، وقيل: العهد: كلمة الشَّهادة والعمل الصالح، فإنَّ وعد الله بالثَّواب عليهما كالعهد عليه، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله «﴿أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾» إلى آخر الآية.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «المظالم» [خ¦٢٤٢٥] و «التفسير» [خ¦٤٧٣٢] و «الإجارة» [خ¦٢٢٧٥]، وأخرجه مسلمٌ في «ذكر المنافقين»، والتِّرمذيُّ في «التفسير»، وكذا النسائيُّ.
(٣٠) (بابُ ذِكْرِ الخَيَّاطِ) بفتح الخاء المعجَمة وتشديد المثنَّاة التحتيَّة، وسقط لفظ «ذِكْر» لأبي ذرٍّ.
٢٠٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام الأعظم (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) زيدٍ الأنصاريِّ، وسقط لفظ (٢) «ابن أبي طلحة» لأبي ذرٍّ (أَنَّهُ سَمِعَ) عمَّه (أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: إِنَّ خَيَّاطًا) لم يُسَمَّ (دَعَا رَسُولَ اللهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ، فَقَرَّبَ) الخيَّاط (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ خُبْزًا) قال الإسماعيليُّ: كان من شعيرٍ (وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءٌ) بضمِّ الدَّال وتشديد الموحَّدة ممدودًا منوَّنًا، الواحد: دُبَّاءة، فهمزته منقلبةٌ عن حرف علَّةٍ، وخطَّأ صاحب «القاموس» الجوهريَّ
стр. 4570
حيث ذكره في المقصور، أي: فيه قَرْعٌ (وَقَدِيدٌ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيِ القَصْعَةِ) بفتح القاف (قَالَ) أنسٌ: (فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ).
قال الخطَّابيُّ: فيه جواز الإجارة على الخياطة ردًّا على من أبطلها بعِلَّة أنَّها ليست بأعيانٍ مرئيَّةٍ، ولا صفات معلومة، وفي صنعة (١) الخياطة معنًى ليس في سائر ما ذكره البخاريُّ من ذكر القين والصَّائغ والنجَّار؛ لأنَّ هؤلاء الصُّنَّاع إنَّما تكون منهم الصَّنعة المحضة فيما يستصنعه صاحب الحديد والخشب والفضَّة والذَّهب، وهي أمورٌ من صنعةٍ يوقف على حدِّها، فلا يُخلَط بها غيرها، والخيَّاط إنَّما يخيط الثوب في الأغلب بخيوطٍ من عنده، فيجتمع إلى الصَّنعة الآلة، وإحداهما معناها: التجارة، والأخرى: الإجارة، وحصَّة إحداهما لا تتميَّز من الأخرى، وكذلك هذا في الخرَّاز (٢) والصَّبَّاغ إذا كان بخيوطه، ويصبغ هذا بصبغه على العادة المعتادة فيما بين الصُّنَّاع (٣)، وجميع ذلك فاسدٌ في القياس (٤)، إلَّا أنَّ النَّبيَّ ﷺ وجدهم على هذه العادة أوَّل زمن (٥) الشَّريعة فلم يغيِّرها، إذ لو طُولبوا بغيره لشقَّ عليهم، فصار بمعزلٍ من موضع القياس، والعمل به ماضٍ صحيحٌ لما فيه من الإرفاق. انتهى.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأطعمة» [خ¦٥٤٣٥]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ وقال: حسنٌ صحيحٌ.
стр. 4571
(٣١) (بَابُ ذِكْرِ النَّسَّاجِ) بفتح النُّون وتشديد المهمَلة وبعد الألف جيمٌ، وسقط لابن عساكر لفظ «ذكر».
٢٠٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) نسبه لجدِّه، واسم أبيه: عبد الله، المخزوميُّ مولاهم، المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن محمَّد بن عبد (١) الله بن عبد القاريِّ -بتشديد الياء- المدنيُّ نزيل الإسكندريَّة (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، سَلَمة بن دينارٍ الأعرج القاصّ (قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ) بسكون العين، الأنصاريَّ السَّاعديَّ الصَّحابيَّ ابن الصَّحابيِّ (¬﵁¬) وعن أبيه (قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ) لم تُسَمَّ (بِبُرْدَةٍ) بضمِّ الموحَّدة: كساءٌ مربَّعٌ يلبسها الأعراب (قَالَ) ولابن عساكر: «فقال»: (أَتَدْرُونَ مَا البُرْدَةُ؟ فَقِيلَ لَهُ: نَعَمْ، هِيَ الشَّمْلَةُ) هو (مَنْسُوجٌ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «منسوجةٌ» بالتأنيث والرفع فيهما خبر مبتدأ محذوفٍ (فِي حَاشِيَتِهَا) أي: منسوجة فيها حاشيتُها، فهو من باب القلب كما قاله في «الكواكب» (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَسَجْتُ هَذِهِ) البُرْدةَ (بِيَدِي أَكْسُوكَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ ¬) حال كونه (مُحْتَاجًا إِلَيْهَا) (٢) وللحَمُّويي والمُستملي: «محتاجٌ» بالرفع خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: وهو محتاجٌ إليها، والجملة الاسميَّة في موضع نصبٍ على الحال (فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا) أي: البُردة (إِزَارُهُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ) هو عبد الرَّحمن بن عوفٍ: (يَا رَسُولَ اللهِ، اكْسُنِيهَا) بضمِّ السِّين، أي: البُردةَ (فَقَالَ) ﵊: (نَعَمْ) أكسوكها (فَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ فِي المَجْلِسِ، ثُمَّ رَجَعَ) إلى منزله (فَطَوَاهَا، ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ القَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ) أي: لم تحسن، فـ «ما» نافية (سَأَلْتَهَا إِيَّاهُ؟! لَقَدْ عَلِمْتَ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «عرفت» (أَنَّهُ) ﵊ (لَا يَرُدُّ سَائِلًا، فَقَالَ الرَّجُلُ) عبد الرَّحمن: (وَاللهِ مَا سَأَلْتُهُ) إيَّاها (إِلَّا لِتَكُونَ كَفَنِي يَوْمَ أَمُوتُ، قَالَ سَهْلٌ) ﵁: (فَكَانَتْ) أي: البردة (كَفَنَهُ).
стр. 4572
وهذا الحديث سبق في «باب من استعدَّ الكفن» (١) في «كتاب الجنائز» [خ¦١٢٧٧].
(٣٢) (باب النَّجَّارِ) بالنُّون المشدَّدة والجيم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «النِّجارة» بكسر النُّون وتخفيف الجيم وفي آخره هاءٌ، قال الحافظ ابن حجرٍ: والأوَّل أشبه بسياق بقيَّة التَّراجم.
٢٠٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين، ابن جَميلٍ -بفتح الجيم (٢) - ابن طريفٍ الثقفيِّ البَغْلانيِّ -بفتح الموحَّدة وسكون المعجَمة- قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ) بن أبي حازمٍ (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينارٍ: أنَّه (قَالَ: أَتَى رِجَالٌ إِلَى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون العين، الساعديِّ ﵁، وسقط لفظ (٣) «إلى» عند ابن عساكر وأبي ذرٍّ (يَسْأَلُونَهُ عَنِ المِنْبَرِ) النبويِّ (فَقَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى فُلَانَةَ امْرَأَةٍ) من الأنصار (قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ) ﵁، ولم نعرف من هي (٤): (أَنْ مُرِي) بضمِّ الميم وكسر الرَّاء من غير همزٍ (غُلَامَكِ النَّجَّارَ) هو باقوم -بموحَّدةٍ وبعد الألف قافٌ آخره ميمٌ، وقيل: آخره لامٌ- وهي رواية عبد الرَّزَّاق، وقيل: قَبيصة، وقيل: ميمون، وقيل: مينا، وقيل: إبراهيم، وقيل: كلاب، وقيل: إنَّ الذي عمله تميمٌ الدَّاريُّ، لكن روى الواقديُّ من حديث أبي هريرة: أنَّ تميمًا أشار به، فعمله كلابٌ مولى العبَّاس، وجزم البلاذُريُّ: بأنَّ الذي عمله أبو رافعٍ مولى النبيِّ ﷺ ، و «أنْ»: تفسيريَّة (يَعْمَلُ لِي أَعْوَادًا
стр. 4573
أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ) برفع «يعمل» و «أجلس»، ولأبي ذرٍّ: «يعملْ وأجلسْ» بالجزم فيهما جوابًا للأمر (فَأَمَرَتْهُ) الأنصاريَّة، ولابن عساكر: «فأمره» (يَعْمَلُهَا) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة والميم، بينهما عينٌ ساكنةٌ، أي: الأعواد، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فأمره بِعَمَلِها» بموحَّدة مكسورةٍ بدل التَّحتيَّة وفتح العين، و «أمره» بالتذكير كرواية ابن عساكر، أي: فأرسلته إليه ﷺ ، فأمره بعملها (مِنْ طَرْفَاءِ الغَابَةِ) موضعٍ من عوالي المدينة من جهة الشَّام (ثُمَّ) لمَّا فرغ (١) منها (جَاءَ بِهَا) للأنصاريَّة (فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِهَا (٢)، فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ) مكانها من المسجد (فَجَلَسَ عَلَيْهِ) أي: على المنبر المعمول من الأعواد المذكورة.
وهذا الحديث قد مرَّ في «الجمعة» [خ¦٩١٧].
٢٠٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى) بن صفوان السُّلميُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ) المخزوميُّ المكِّيُّ (عَنْ أَبِيهِ) أيمن (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄: أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ) إذا خطبتَ؟ (فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا، قَالَ) ﵊: (إِنْ شِئْتِ) وفي السابقة: أنَّه ﵊ بعث إليها «أن مُري غلامك (٣)» [خ¦٢٠٩٤] فيحتمل أنَّه بلغها أنَّه ﵊ يريد عمل المنبر، فلمَّا بعث إليها بدأته بقولها: ألا أجعل لك شيئًا تقعد عليه؟ فقال لها: «مُري غلامك» (فَعَمِلَتْ لَهُ المِنْبَرَ) أي: فأمرت غلامها بعمله (فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ) بالرفع اسم «كان»، ولأبي ذرٍّ: «يومَ الجمعة» بالنصب على الظَّرفيَّة (قَعَدَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ الَّذِي صُنِعَ) له (فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ الَّتِي كَانَ) ولابن
стр. 4574
عساكر: «كانت» (يَخْطُبُ عِنْدَهَا) والمراد بالنَّخلة: الجذع (حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَنْشَقَّ) ولغير أبي ذرٍّ: «حتى كادت تنشقُّ» بالرفع وإسقاط «أن» (فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَخَذَهَا) أي: الشَّجرة (فَضَمَّهَا إِلَيْهِ، فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّتُ (١)) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، من التَّسكيت (حَتَّى اسْتَقَرَّتْ، قَالَ) ﵊: (بَكَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ) وهذا الحديث تقدَّم في «باب الخطبة على المنبر» من «كتاب الجمعة» [خ¦٩١٧].
(٣٣) (بابُ شِرَاءِ الإِمَامِ الحَوَائِجَ بِنَفْسِهِ) بنصب «الحوائج» على المفعوليَّة، وسقط لغير أبي ذرٍّ لفظ «الإمام»، فهو أعمُّ، و «الحوائجِ» جرٌّ بالإضافة، وقال الحافظ ابن حجرٍ: لأبي ذرٍّ عن غير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «باب شراء الإمام الحوائجَ بنفسه»، وسقطت التَّرجمة للباقين، ولبعضهم: «شراءُ الحوائجِ بنفسِه» أي: الرَّجل، وفائدة الترجمة: رفع وَهَم من يتوهَّم أنَّ تعاطيَ ذلك يقدح في المروءة. (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄¬) ممَّا وصله المؤلِّف في «الهبة» [خ¦٢٦١٠]: (اشْتَرَى النَّبِيُّ ﷺ جَمَلًا مِنْ عُمَرَ) ﵁، وزاد الكُشْمِيْهَنِيِّ: «واشترى ابن عمر بنفسه»، وهذا وصله المؤلِّف في «باب شراء الإبل الهيم» [خ¦٢٠٩٩]. (وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) الصديق (¬﵄¬) ممَّا وصله في آخر «البيوع» [خ¦٢٢١٦] (جَاءَ مُشْرِكٌ) لم يُسَمَّ (بِغَنَمٍ، فَاشْتَرَى النَّبِيُّ ﷺ مِنْهُ شَاةً، وَاشْتَرَى) ﵊ (مِنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريُّ (بَعِيرًا) كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في الباب الذي يلي هذا [خ¦٢٠٩٧] وفي ذلك: جواز مباشرة الكبير لشراء الحوائج بنفسه وإن كان له من يكفيه؛ لإظهار التَّواضع والمسكنة واقتداءً بالشارع ﷺ .
٢٠٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى) المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ
стр. 4575
-بالخاء والزَّاي المعجَمتين- الضَّرير قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتِ: اشْتَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ يَهُودِيٍّ) هو أبو الشَّحم (طَعَامًا) كان ثلاثين، وفي رواية: «عشرين»، وجمع بينهما في «مقدِّمة الفتح»: بأنَّه كان فوق العشرين ودون الثلاثين، فجبرت عائشة الكسر تارةً وألغته أخرى (بِنَسِيئَةٍ) وفي «باب شراء النَّبيِّ ﷺ بالنَّسيئة»: [خ¦٢٠٦٨] إلى أجلٍ (وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ) ذات الفضول، بالضَّاد المعجَمة.
(٣٤) (بابُ شِرَاءِ الدَّوَابِّ وَالحَمِيرِ) من عطف الخاصِّ على العامِّ؛ لأنَّ الدَّوابَّ في الأصل
стр. 4576
موضوعٌ لكلِّ ما يدبُّ على الأرض، ثم استُعمِل عُرفًا لكلِّ ما يمشي على أربعٍ، وهو يتناول الحمير وغيرها، قال في «الفتح»: ووقع في رواية أبي ذرٍّ: «والحُمُر» بضمَّتين، وكلاهما جمعٌ؛ لأنَّ الحمار يجمع على حمير وحُمْر وحُمُر وحُمْران وأَحْمِرَة (وَإِذَا اشْتَرَى دَابَّةً أَوْ جَمَلًا وَهوَ) أي: والحالُ أنَّ البائع (عَلَيْهِ) أي: راكبٌ على الجمل (هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ) أي: الشِّراء المذكور (قَبْضًا) للمشتري (قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ) البائع عن العين المبيعة؟ فيه خلافٌ (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄¬) فيما وصله في «كتاب الهبة» [خ¦٢٦١١] (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁: (بِعْنِيهِ، يعني: جَمَلًا صَعْبًا).
стр. 4577
٢٠٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجَمة المشدَّدة، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ (١)) بن عبد المجيد الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين مصغَّرًا، ابن عُمرَ (عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ) بفتح الكاف، الأسديِّ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزَاةٍ) قيل: هي ذات الرِّقاع، كما في «طبقات ابن سعدٍ» و «سيرة ابن هشامٍ» و «ابن سيِّد النَّاس»، وفي «البخاريِّ» [خ¦٢٧١٨]: كانت في غزوة تبوك، وفي «مسلمٍ» من حديث جابرٍ قال: أقبلنا من مكَّة إلى المدينة، فيكون في الحديبية، أو عمرة القضيَّة، أو في الفتح، أو حجَّة الوداع، لكنَّ حجَّة الوداع لا تسمَّى غزوةً، بل ولا عمرة القضيَّة ولا الحديبية على الرَّاجح (٢)، فتعيَّن الفتح، وبه قال البلقينيُّ (فَأَبْطَأَ بِي جَمَلِي وَأَعْيَا) أي: تعِب وَكَلَّ، يقال: أعيا الرَّجل أو البعير في المشي، ويستعمل لازمًا ومتعدِّيًا، تقول: أعيا الرَّجل وأعياه الله (فَأَتَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: جَابِرٌ) بالتَّنوين خبر مبتدأ محذوفٍ، أو بدونه (٣) منادًى سقط منه حرف النِّداء، أي: يا جابرُ (فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: مَا شَأْنُكَ؟) أي: ما حالك؟ وما جرى لك حتَّى تأخَّرت عن النَّاس؟ (قُلْتُ: أَبْطَأَ عَلَيَّ جَمَلِي وَأَعْيَا فَتَخَلَّفْتُ) عنهم (فَنَزَلَ) ﷺ حال كونه (يَحْجُنُهُ) مضارع «حجن» بالحاء المهمَلة والجيم والنُّون، أي: يجذبه (بِمِحْجَنِهِ) بكسر الميم، بعصاه المعوجَّة من رأسها كالصولجان، معدٍّ لأنَّ يلتقط به الرَّاكب ما يسقط منه (ثُمَّ قَالَ: ارْكَبْ، فَرَكِبْتُ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ) أي: الجمل، ولابن عساكر: «فلقد رأيت» (أَكُفُّهُ) أمنعُه (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) حتى لا يتجاوزَه (قَالَ: تَزَوَّجْتَ؟) بحذف همزة الاستفهام، وهي مقدَّرةٌ (قُلْتُ: نَعَمْ) تزوَّجتُ (قَالَ): تزوَّجتَ (بِكْرًا أَمْ) تزوَّجتَ (ثَيِّبًا؟) بالمثلَّثة، وقد يطلق على البالغة وإن كانت بكرًا مجازًا
стр. 4578
واتِّساعًا، والمراد هنا: العذراء، ولأبي ذرٍّ: «أبكرًا» بهمزة الاستفهام المقدَّرة في السَّابق، وفي بعض الأصول: «أبكرٌ أم ثيِّبٌ» بالرَّفع فيهما خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: أزوجتُك بكرٌ أم ثيِّبٌ؟ (قُلْتُ: بَلْ) تزوَّجت (ثَيِّبًا) هي سهيلة بنت مسعودٍ الأوسيَّة (قَالَ) ﵊: (أَفَلَا) تزوَّجت (جَارِيَةً) بكرًا (تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ؟) وفي روايةٍ: قال: «أين أنت من العذراء ولِعابها؟» وفي أخرى: «فهلَّا تزوَّجت بكرًا تضاحكك وتضاحكها (١) وتلاعبك وتلاعبها؟» وقوله: «ولِعابها» بكسر اللَّام، وضبطه بعضُ رواة البخاريِّ بضمِّها، وقد فسَّر الجمهور قوله: «تلاعبها وتلاعبك» على اللعب (٢) المعروف، ويؤيِّده رواية: «تضاحكها وتضاحكك» وجعله بعضُهم من اللُّعاب، وهو الرِّيق، وفيه حضٌّ على تزويج البكر، وفضيلة تزويج الأبكار، وملاعبة الرَّجل أهله (قُلْتُ: إِنَّ لِي أَخَوَاتٍ) ولمسلمٍ: إنَّ عبد الله هلك وترك تسع (٣) بنات، وإنِّي كرهت أن آتيهنَّ أو أجيئهنَّ بمثلهنَّ (فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً تَجْمَعُهُنَّ وَتَمْشُطُهُنَّ) بضمِّ الشِّين المعجَمة، أي: تسرِّح شعرهنَّ (وَتَقُومُ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فتقوم» بالفاء (عَلَيْهِنَّ) زاد في رواية مسلمٍ (٤): وتُصلحهنَّ (قَالَ) ﵊: (أَمَا) بفتح الهمزة وتخفيف الميم، حرف تنبيهٍ (إِنَّكَ) بكسر الهمزة، والذي في «اليونينيَّة»: بفتح الهمزة وكسرها وتشديد الميم (٥) (قَادِمٌ) على أهلك (فَإِذَا قَدِمْتَ) عليهم (فَالكَيْسَ الكَيْسَ) بفتح الكاف والنَّصب على الإغراء، والكيس: الجماع، قال ابن الأعرابيِّ: فيكون قد حضَّه عليه (٦) لما فيه وفي الاغتسال منه من الأجر، لكن فسَّره المؤلِّف في
стр. 4579
موضعٍ آخر من «جامعه» [خ¦٥٢٤٥] هذا بأنَّه الولد، واستُشكِل، وأُجيب بأنه إما أن يكون قد حضَّه على طلب الولد واستعمال الكيس والرِّفق فيه إذ كان جابرٌ لا ولد له إذ ذاك، أو يكون قد أمره بالتحفُّظ والتوقِّي عند إصابة الأهل مخافة أن تكون حائضًا، فيقدم عليها لطول الغَيبة وامتداد الغُربة، والكيس شدَّة المحافظة على الشيء، قاله الخطَّابيُّ، وقيل: الولد العقل؛ لما فيه من تكثير جماعة المسلمين، ومن الفوائد الكثيرة التي يحافظ على طلبها ذوو العقل. (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (أَتَبِيعُ جَمَلَكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَاشْتَرَاهُ مِنِّي بِأُوقِيَّةٍ) بضمِّ الهمزة وتشديد التَّحتيَّة، وكانت في القديم أربعين درهمًا، ووزنها أُفعولة، والألف زائدةٌ، والجمع: الأواقيُّ، مشدَّدًا وقد يخفَّف، ويجوز فيها «وقيَّة» بغير ألفٍ، وهي لغةٌ عامريَّةٌ، وفي رواية: «بخمس أواقيَّ وزادني أوقيَّةً» وفي أخرى: «بأُوقيَّتين ودرهمٍ أو درهمين» وفي أخرى: «بأوقيَّة (١) ذهبٍ» وفي أخرى: «بأربعة دنانير» وفي أخرى: «بعشرين دينارًا»، قال المؤلِّف [خ¦٢٧١٨]: وقول الشَّعبيِّ: «بوقيَّة» أكثر، قال القاضي عياضٌ: سبب اختلاف الرِّوايات أنَّهم رَوَوه بالمعنى، فالمراد: أوقيَّة ذهبٍ، كما فسَّره سالم بن أبي الجعد عن جابرٍ، ويُحمَل عليها رواية من روى: «أوقيَّةً» وأطلق، ومن روى: خمسة أواقيَّ، فالمراد: من الفضَّة، فهي قيمة وقيَّة ذهبٍ ذلك الوقت، فالإخبار عن وقيَّة الذَّهب هو إخبارٌ عمَّا وقع به العقد، وبالأواقيِّ (٢) الفضَّة إخبارٌ عمَّا حصل به الوفاء، ويحتمل أن يكون هذا كلُّه زيادةً على الأوقيَّة، كما جاء (٣) في رواية: «فما زال يزيدني» وأما «أربعة دنانير» فيحتمل أنَّها كانت يومئذٍ أوقيَّةً ورواية: «أوقيَّتين» يحتمل أنَّ إحداهما ثمنٌ، والأخرى زيادةٌ، كما قال: «وزادني أوقيَّة» وقوله: «ودرهمًا أو درهمين» موافقٌ لقوله في بعض الرِّوايات: «وزادني قيراطًا» (٤)، ورواية [خ¦٢٧١٨]: «عشرين دينارًا» محمولةٌ على دنانير صغارٍ كانت لهم، على أنَّ الجمع بهذا
стр. 4580
الطريق فيه بُعْدٌ، ففي بعض الرِّوايات ما لا يقبل شيئًا من هذا التَّأويل، قال السُّهيليُّ: ورويَ من وجهٍ صحيحٍ أنَّه كان يزيده درهمًا درهمًا، وكلَّما زاده درهمًا يقول: «قد أخذته بكذا والله يغفر لك»، فكأنَّ جابرًا قصد بذلك كثرة استغفار النَّبيِّ ﷺ له (١)، وفي رواية [خ¦٢٧١٨] قال: «بِعْنيه بأوقيَّةٍ، فبعته، واستثنيت حُملانه إلى أهلي»، وفي أخرى: «أفقرني رسول الله ﷺ ظهره إلى المدينة» وفي أخرى [خ¦٢٧١٨]: «لك ظهره إلى المدينة»، قال البخاريُّ [خ¦٢٧١٨]: الاشتراط أكثر وأصحُّ عندي، واحتجَّ به الإمام أحمد على جواز بيع دابَّةٍ يشترط البائع لنفسه ركوبها إلى موضعٍ معلومٍ، قال المرداويُّ: وعليه الأصحابُ، وهو المعمول به في المذهب، وهو من المفردات، وعنه: لا يصحُّ، وقال مالكٌ: يجوز إذا كانت المسافة قريبةً، وقال الشَّافعيَّة والحنفيَّة: لا يصحُّ، سواءٌ بعُدت المسافة أو قربت؛ لحديث النَّهي عن بيعٍ وشرطٍ، وأجابوا عن حديث جابرٍ: بأنَّه واقعة عينٍ يتطرَّق إليها الاحتمالات؛ لأنَّه ﵊ أراد أن يُعطيه الثَّمن هبةً، ولم يُرِد حقيقة البيع بدليل آخر القصَّة، أو أنَّ الشرط لم يكن في نفس العقد بل سابقًا فلم يؤثِّر، وفي رواية النَّسائيِّ: «أخذته بكذا، وأعرتُك ظهره إلى المدينة»، فزال الإشكال. (ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) المدينة (قَبْلِي، وَقَدِمْتُ بِالغَدَاةِ، فَجِئْنَا) أي: هو وغيره من الصَّحابة (إِلَى المَسْجِدِ، فَوَجَدْتُهُ) ﷺ (عَلَى بَابِ المَسْجِدِ، قَالَ) ولابن عساكر: «فقال»: (الآنَ قَدِمْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَعْ) أي: اترُك (جَمَلَكَ فَادْخُلْ) أي: المسجد، ولأبي ذرٍّ: «وادخل» بالواو بدل الفاء (فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ) فيه (فَدَخَلْتُ) المسجد (فَصَلَّيْتُ) فيه ركعتين، وفيه: استحبابهما عند القدوم من سفرٍ (فَأَمَرَ) ﷺ (بِلَالًا أَنْ يَزِنَ لَهُ أُوقِيَّةً) بهمزةٍ مضمومةٍ وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة، ولابن عساكر: «وقيَّة»، وعبَّر بضمير الغائب في قوله: «له» على طريق الالتفات (فَوَزَنَ لِي بِلَالٌ فَأَرْجَحَ) زاد أبو الوقت وأبو ذرٍّ (٢) -عن الكُشْمِيْهَنِيِّ-: «لي» (فِي المِيزَانِ) وهو محمولٌ على
стр. 4581
إذنه (١) ﵊ له في الإرجاح له؛ لأنَّ الوكيل لا يرجح إلَّا بالإذن (فَانْطَلَقْتُ حَتَّى وَلَّيْتُ) أي: أدبرت (فَقَالَ: ادْعُ لِي جَابِرًا) بصيغة المفرد، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «ادعوا» بصيغة الجمع (قُلْتُ: الآنَ يَرُدُّ عَلَيَّ الجَمَلَ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْهُ) أي: من ردِّ الجمل (قَالَ) ﵊، ولابن عساكر: «فقال»: (خُذْ جَمَلَكَ وَلَكَ ثَمَنُهُ).
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف في نحو عشرين موضعًا [خ¦٢٣٠٩] [خ¦٢٧١٨] [خ¦٢٨٦١] تأتي -إن شاء الله تعالى، بعون الله وقوَّته وبركة نبيِّه محمَّدٍ ﷺ مع مباحثها، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ بألفاظٍ مختلفةٍ وأسانيدَ متغايرةٍ.
(٣٥) (باب) جواز التَّبايع في (الأَسْوَاقِ الَّتِي كَانَتْ فِي الجَاهِلِيَّةِ) قبل الإسلام (فَتَبَايَعَ بِهَا النَّاسُ فِي الإِسْلَامِ) لأنَّ أفعالَ الجاهليَّة ومواضعَ المعاصي لا يمتنع أن يُفعَل فيها الطَّاعات، قاله ابن بطَّالٍ.
٢٠٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ، وسقط لابن عساكر «بن عبد الله» قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنْ عَمْرٍو) ولأبي ذرٍّ زيادة: «بن دينار» (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَتْ عُكَاظُ) بضمِّ المهمَلة وتخفيف الكاف، وبعد الألف ظاءٌ معجَمةٌ (وَمَِجَنَّةُ) بكسر الميم وفتحها وفتح الجيم وتشديد النُّون، غير منصرفين (٢)، ولغير أبي ذرٍّ (٣): بالصَّرف فيهما (وَذُو المَجَازِ)
стр. 4582
بفتح الميم والجيم وبعد الألف زايٌ (أَسْوَاقًا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ الإِسْلَامُ تَأَثَّمُوا مِنَ التِّجَارَةِ فِيهَا) أي: تحرَّجوا من الإثم وكفُّوا، والجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بالإثم وهو حالٌ، أي: حاصلًا من التِّجارة، أو بيانٌ (١)، أي: الإثم الذي هو التِّجارة، أو المعنى: احترزوا عن الإثم من جهة التِّجارة (فَأَنْزَلَ اللَّهُ) : ((لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِي مَوَاسِمِ الحَجِّ)) زاد ابن عساكر: «﴿أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]» (قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَذَا) أي: بزيادة: «(في مواسم الحجِّ)» قال الحافظ العماد ابن كثيرٍ: وهكذا فسَّره مجاهدٌ، وسعيد بن جُبيرٍ، وعِكْرِمةُ، ومنصور بن المعتمِر، وقَتادة، وإبراهيم النَّخَعيُّ، والرَّبيع بن أنسٍ، وغيرهم.
وهذا الحديث قد سبق في «كتاب الحجِّ» [خ¦١٧٧٠].
(٣٦) (باب شِرَاءِ الإِبِلِ الهِيمِ) بكسر الهاء وسكون التَّحتيَّة: جمع أَهْيَم وهَيماء، قال ذو الرُّمَّة:
فأصبحت كالهيماء لا الماء مُبرِدٌ … صداها ولا يقضي عليها هُيامُها
وهي الإبل التي بها الهُِيام، وهو داءٌ يشبه الاستسقاء تشرب منه (٢) فلا تروى، وقال في «القاموس»: والهيم بالكسر: الإبل العِطاش، والهُيَّام العُشَّاق الموسوسون (٣)، وكسَحَاب: ما لا يتمالك من الرَّمل فهو يَنْهال أبدًا، أو هو من الرَّمل ما كان تُرابًا دُقاقًا يابسًا، ويضمُّ، ورجل هائمٌ وهَيومٌ: متحيِّرٌ، وهيمان: عطشان، والهُيام بالضم: كالجنون من العِشق، والهَيْماء: المفازة بلا ماءٍ، وداءٌ يصيب الإبل من ماءٍ تشربه مستنقعًا، فهي هيماء، الجمع ككِتاب (أَوِ
стр. 4583
الأَجْرَبِ) بالجرِّ عطفًا على سابقه، أي: وشراء الأجرب من الإبل، واستُشكِل التَّعبير بالأجرب؛ لأنَّ المعتبر إمَّا معنى الجمع فلا يوصف بالأجرب، وإمَّا المفرد فلا يوصف بالهيم؟ وأُجيب بأنَّه اسم جنسٍ يحتمل الأمرين، واستُشكِل أيضًا: بأنَّ تأنيثه لازمٌ، والصَّحيح أن يُقال: الجرباء أو الجُرب، بلفظ الجمع، وأُجيب بأنَّه على تقدير تسليم لزوم التأنيث، فهو عطفٌ على نفسها، لا على صفتها، وهو الهيم، قاله الكِرمانيُّ والبرماويُّ (١)، وللنَّسفيِّ: «والأجرب» من غير همزة. قال المؤلِّف مفسِّرًا لقوله: الهيم: (الهَائِمُ: المُخَالِفُ لِلْقَصْدِ فِي كُلِّ شَيْءٍ) كأنَّه يريد أنَّ بها (٢) داء الجنون، واعترضه ابن المُنيِّر كابن التِّين: بأنَّ الهيم ليس جمعًا لهائمٍ، وأجاب في «المصابيح»: بأنَّه لمَ لا يجوز أن يكون كبازل وبُزل، ثم قُلِبت ضمَّة «هُيم» كسرة (٣) لتصحَّ الياء، كما فعل بجمع «أبيض»؟
٢٠٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ، وسقط لغير أبوي ذرٍّ والوقت «بن عبد الله» قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قَالَ: (قال عَمْرٌو) هو ابن دينارٍ: (كَانَ هَهُنَا رَجُلٌ اسْمُهُ: نَوَّاسٌ) بفتح النُّون وتشديد الواو وبعد الألف سينٌ مهمَلةٌ، وللقابسيِّ كما في «الفتح»: «نِوَاسٌ» بكسر النُّون والتَّخفيف، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «نَوَّاسيٌّ» كالرواية الأولى لكنَّه بزيادة ياء النَّسب المشدَّدة (وَكَانَتْ عِنْدَهُ إِبِلٌ هِيمٌ، فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ فَاشْتَرَى تِلْكَ الإِبِلَ) الهيم (مِنْ شَرِيكٍ لَهُ) لم يُسَمَّ
стр. 4584
(فَجَاءَ إِلَيْهِ) أي: إلى نوَّاسٍ (شَرِيكُهُ، فَقَالَ: بِعْنَا تِلْكَ الإِبِلَ) الهيم (فَقَالَ) نوَّاسٌ: (مِمَّنْ بِعْتَهَا؟ قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (مِنْ شَيْخٍ) صفته (كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ) نوَّاسٌ: (وَيْحَكَ!) كلمة توبيخٍ تُقال لمن وقع في هلكةٍ لا يستحقُّها (ذَاكَ وَاللهِ ابْنُ عُمَرَ، فَجَاءَهُ) أي: فجاء نوَّاسٌ ابنَ عمر (فَقَالَ: إِنَّ شَرِيكِي بَاعَكَ إِبِلًا هِيمًا، وَلَمْ يَعْرِفْكَ) بفتح التَّحتيَّة وسكون المهمَلة، وللحَمُّويي والمُستملي: «ولم يُعَرِّفْك» بضمِّ التَّحتيَّة وفتح المهمَلة وتشديد الرَّاء، من التَّعريف، أي: لم يُعْلِمْك أنَّها هيمٌ (قَالَ) ابن عمر لنوَّاسٍ: (فَاسْتَقْهَا) فعل أمرٍ من الاستياق، وفي رواية ابن أبي عمر: قال: فاسْتَقها إذًا، أي: إن كان الأمر كما تقول فارتجِعْها (قَالَ: فَلَمَّا ذَهَبَ) نوَّاسٌ (يَسْتَاقُهَا) ليرتجعها استدرك عليه (١) ابن عمر (فَقَالَ) ولأبي الوقت: «قال»: (دَعْهَا) أي: اتركها (رَضِينَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أي: بحكمه (لَا عَدْوَى) قال الخطَّابيُّ: المعنى: رضيت بقضاء رسول الله ﷺ ، وأرضى بالبيع مع ما اشتمل عليه من التَّدليس والعيب، فلا أُعدي عليكما حاكمًا، ولا أرفعكما إليه، وقال غيره: هو اسمٌ من الإعداء، يقال: أعداه الدَّاء يُعديه إعداءً؛ وهو أن يصيبه مثل ما بصاحب الدَّاء، وذلك بأن يكون ببعيرٍ جربٌ مثلًا فَتُتَّقى مخالطته بإبلٍ أخرى؛ حذرًا أن يتعدَّى ما به من الجرب إليها، فيصيبها ما أصابه، وقال أبو عليٍّ الهجريُّ في «النَّوادر» (٢): الهيام: داءٌ يعرض للإبل، ومن علامة حدوثه: إقبال البعير على الشمس حيث دارت، واستمراره على أكله وشربه، وبدنُه ينقص كالذَّائب (٣)، فإذا أراد صاحبه استبانة أمره استباله، فإن وجد ريحه مثل ريح الخمرة فهو أهيم، فمن شمَّ بوله أو بعره أصابه الهيام. انتهى. وبهذا يتَّضح عطف المؤلِّف «الأجرب» على «الهيم» لاشتراكهما في دَعْوى العَدْوى، وممَّا يقوِّيه أنَّ الحديث على هذا التَّأويل يصير في حكم المرفوع، ويكون قول ابن
стр. 4585
عمر: «لا عدوى» تفسيرًا للقضاء الذي تضمَّنه قوله: رضينا بقضاء رسول الله ﷺ ، أي: رضيت بحكمه حيث حكم أَنْ لا عدوى ولا طيرة، وعلى التَّأويل الأوَّل يصير موقوفًا من كلام ابن عمر ﵄. قال عليٌّ المدينيُّ شيخ المؤلِّف: (سَمِعَ سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَمْرًا) أي (١): ابن دينارٍ، وسقط قوله «سمع سفيان عمرًا» لابن عساكر.
(٣٧) (باب بَيْعِ السِّلَاحِ فِي) أيام (الفِتْنَةِ) وهي ما يقع بين المسلمين من الحروب، هل هو مكروه أم لا؟ نعم يُكره عند اشتباه الحال؛ لأنَّه من باب التَّعاون على الإثم والعدوان، وذلك مكروهٌ منهيٌّ عنه، أمَّا إذا تحقَّق الباغي فالبيع لمن كان على الحقِّ لا بأس به (وَغَيْرِهَا) أي: وغير أيَّام الفتنة لا يُمنَع منه (وَكَرِهَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ) فيما وصله ابن عديٍّ في «كامله» من طريق أبي الأشهب عن أبي رجاءٍ عن عمران، ورواه الطبرانيُّ في «الكبير» من وجهٍ آخر عن أبي رجاءٍ عن عمران مرفوعًا وإسناده ضعيفٌ (بَيْعَهُ) أي: السِّلاح (فِي الفِتْنَةِ) لمن يقتل به ظلمًا كبيع العنب لمن يتَّخذه خمرًا، والشبكة ممَّن يصطاد بها في الحَرَم، والخشب ممَّن (٢) يتَّخذ منه الملاهي، وبيع المماليك المُرْد لمن يُعرَف بالفجور فيهم، وهذا كلُّه حرامٌ عند التَّحقيق أو الظَّنِّ، أمَّا عند التوهُّم فمكروهٌ، والعقد في كلِّها صحيحٌ؛ لأنَّ النَّهي عنه (٣) لأمرٍ خارجٍ عنه.
٢١٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) إمام دار الهجرة (عَنْ يَحْيَى بْنِ
стр. 4586
سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنِ ابْنِ أَفْلَحَ) هو مولى أبي أيُّوب الأنصاريِّ، ونسبه لجدِّه لشهرته به، وصرَّح أبو ذرٍّ باسمه فقال: «عن عمر بن كثيرٍ» بالمثلَّثة (عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ) نافع بن عيَّاشٍ -بالمثنَّاة التَّحتيَّة والمعجَمة- الأقرع (مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) الحارث بن رِبعيٍّ الأنصاريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ حُنَيْنٍ) وادٍ بين مكَّة والطَّائف وراء عرفات، لا ينصرف (١)، وكان ذلك في السَّنة الثَّامنة من الهجرة (فَأَعْطَاهُ) ﵊ (يَعْنِي: دِرْعًا) كان السِّياق يقتضي أن يقول: فأعطاني (٢)، لكنَّه من باب الالتفات، وأسقط المصنِّف بين قوله: «حنين» وقوله: «فأعطاه» ما ثبت عنده (٣) في غزوة حنينٍ من «المغازي» [خ¦٤٣٢١] لِما قصده من بيان جواز بيع الدِّرع، فذكر ما يحتاج إليه من الحديث، وحذف ما بينهما على عادته، ولفظه: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنينٍ، فلمَّا التقينا كان للمسلمين جولةٌ، فرأيت رجلًا من المشركين قد علا رجلًا من المسلمين، فضربته من ورائه على حبل عاتقه بالسَّيف فقطعت الدِّرع، وأقبل عليَّ فضمَّني ضمَّةً وجدت منها ريح الموت، ثمَّ أدركه الموت، فأرسلني، فلحقت عمر ﵁، فقلت: ما بال الناس؟ قال: أَمْرُ الله ، ثم رجعوا وجلس النَّبيُّ ﷺ ، فقال: «من قتل قتيلًا له عليه بيِّنةٌ فله سَلَبهُ»، فقلت: من يشهد لي؟ فجلست، قال (٤): ثم قال النَّبيُّ ﷺ
стр. 4587
مثله، فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، قال: ثم قال النَّبيُّ ﷺ مثله، فقمت فقال: «ما لك يا أبا قتادة؟» فأخبرته، فقال رجلٌ: صدق وسَلَبهُ عندي، فأرضِه منِّي، فقال أبو بكرٍ (١) ﵁: لا ها الله إذًا لا يعمد إلى أسدٍ من أُسْدِ الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه، فقال النَّبيُّ ﷺ (٢): «صدق (٣)، فأعطِه» فأعطانيه (فَبِعْتُ الدِّرْعَ) المذكور (فَابْتَعْتُ) فاشتريت (بِهِ) أي: بثمنه، قال الواقديُّ: باعه من حاطب بن أبي بلتعة بسبع أواقيَّ (مَخْرَفًا) بفتح الميم والرَّاء بينهما خاءٌ معجَمةٌ ساكنةٌ، وبعد الرَّاء فاءٌ: بُستانًا (فِي بَنِي سَلِمَةَ) بكسر اللام، بطنٌ من الأنصار، وهم قوم أبي قتادة (فَإِنَّهُ) أي: المَخْرَفُ (لَأَوَّلُ) بلام مفتوحةٍ قبل الهمزة للتَّأكيد، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أوَّل» (مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ) بالمثلَّثة قبل اللام وبعد الهمزة المفتوحة، من باب التَّفعُّل الذي فيه معنى (٤) التَّكلُّف، أي: اتَّخذته أصلًا لمالي (فِي الإِسْلَامِ) وسقط لأبي ذرٍّ وابن عساكر قوله «فأعطاه، يعني: درعًا».
ومطابقة الحديث (٥) لِما ترجم به في الجزء الثاني منها (٦)، فإنَّ بيع أبي قتادة درعه كان في غير أيَّام الفتنة.
وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الخمس» [خ¦٣١٤٢] و «المغازي» [خ¦٤٣٢١] و «الأحكام» [خ¦٧١٧٠]، ومسلمٌ في «المغازي»، وأبو داود في «الجهاد»، والتِّرمذيُّ في «السِّيَر»، وابن ماجه في «الجهاد».
стр. 4588
(٣٨) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (فِي العَطَّارِ) الذي يبيع العطر (وَبَيْعِ المِسْكِ) أراد الردَّ على من كره بيع المسك، وهو منقولٌ عن الحسن البصريِّ وعطاءٍ وغيرهما، وقد استقرَّ الإجماع بعد الخلاف على طهارة المسك وجواز بيعه.
٢١٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة، هو بُريد (بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ أَبِي مُوسَى) بضمِّ الموحَّدة أيضًا، واسمه: عامرٌ، وهو جدُّ أبي بردة بن عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ (¬﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ) على وزن فَعيلٍ، يُقال: جالستُه فهو جَليسي (وَ) مَثَل (الجَلِيسِ السَّوْءِ) الأوَّل (كَمَثَلِ صَاحِبِ المِسْكِ) في رواية أبي أسامة عن يزيد كما سيأتي -إن شاء الله تعالى بعونه وقوّته- في «الذَّبائح» [خ¦٥٥٣٤]: كحامل المسك، وهو أعمُّ من أن يكون صاحبه أم لا (وَ) الثاني: كَمَثل (كِيرِ الحَدَّادِ) بسكون المثنَّاة التَّحتيَّة بعد الكاف المكسورة: البناء الذي يركَّب عليه الزِّقُّ الذي ينفخ فيه، وأطلق على الزِّقِّ اسم الكير مجازًا؛ لمجاورته له، وقيل: الكير هو الزِّقُّ نفسه، وأمَّا البناء فاسمُه: الكور، وظاهر الكلام: أنَّ المشبَّه به الكير، والمناسب للتشبيه أن يكون صاحبه، وفي رواية أبي أسامة: «كحامل المسك ونافخ الكير» (لَا يَعْدَمُكَ) بفتح أوَّله وثالثه، من العدم، أي: لا يعدوك (مِنْ صَاحِبِ المِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ) فاعل «يعدَم» مستترٌ يدلُّ عليه «إمَّا» أي: لا يعدم (٢) أحد الأمرين، أو
стр. 4589
كلمة «إمَّا» زائدة، و «تشتريه» فاعله بتأويله بمصدرٍ وإن لم يكن فيه حرفٌ مصدريٌّ، كما في قوله:
وقالوا: ما تشاء؟ فقلتُ: أَلْهُو (١) ...........................
قاله الكِرمانيُّ، وتعقَّبه البرماويُّ فقال: في الجوابين نظرٌ، والظاهر أنَّ الفاعل موصوف «تشتري» أي: إمَّا شيءٌ تشتريه، كقوله:
لو قُلْتَ (٢) ما في قومها لم تِيثَمِ (٣)
стр. 4590
يَفْضُلُها في حَسَبٍ ومِيسَمِ
ولأبي ذرٍّ: «لا يُعدِمك» بضمِّ أوَّله وكسر ثالثه، من الإعدام (وَكِيرُ الحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ) بضمِّ الياء، من أحرق، ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «بيتك» (أَوْ ثَوْبَكَ) وفي رواية أبي أسامة [خ¦٥٥٣٤]: «ونافخ الكير إمَّا أن يحرق ثيابك»، ولم يذكر «بيتك»، وهو أوضح (أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً) وفيه النَّهي عن مجالسة من يُتأذَّى بمجالسته في الدِّين والدُّنيا، ولم يترجِم المؤلِّف للحدَّاد، لأنَّه سبق ذكرُه.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الذبائح» (١) [خ¦٥٥٣٤]، ومسلمٌ (٢) في «الأدب».
(٣٩) (باب ذِكْرِ الحَجَّامِ).
٢١٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ) بفتح الطَّاء المهملة وسكون التَّحتيَّة وفتح المُوحَّدة، واسمه: نافعٌ على الصَّحيح، فعند أحمد وابن السَّكن والطَّبرانيِّ من حديث مُحَيِّصة بن مسعودٍ: أنَّه كان له غلامٌ حجَّامٌ يُقال له: نافعٌ أبو طيبة، فانطلق إلى النَّبيِّ (٣) ﷺ يسأله عن خراجه … الحديث، وحكى ابن عبد البرِّ: أنَّ اسمَ أبي طيبة دينارٌ، ووهَّموه في ذلك؛ لأنَّ دينارًا الحجَّام تابعيٌّ، فعند ابن منده من طريق بسَّامٍ الحجَّام عن دينارٍ الحجَّام