← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنِ ابْنِ أَفْلَحَ) هو مولى أبي أيُّوب الأنصاريِّ، ونسبه لجدِّه لشهرته به، وصرَّح أبو ذرٍّ باسمه فقال: «عن عمر بن كثيرٍ» بالمثلَّثة (عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ) نافع بن عيَّاشٍ -بالمثنَّاة التَّحتيَّة والمعجَمة- الأقرع (مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) الحارث بن رِبعيٍّ الأنصاريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ حُنَيْنٍ) وادٍ بين مكَّة والطَّائف وراء عرفات، لا ينصرف (١)، وكان ذلك في السَّنة الثَّامنة من الهجرة (فَأَعْطَاهُ) ﵊ (يَعْنِي: دِرْعًا) كان السِّياق يقتضي أن يقول: فأعطاني (٢)، لكنَّه من باب الالتفات، وأسقط المصنِّف بين قوله: «حنين» وقوله: «فأعطاه» ما ثبت عنده (٣) في غزوة حنينٍ من «المغازي» [خ¦٤٣٢١] لِما قصده من بيان جواز بيع الدِّرع، فذكر ما يحتاج إليه من الحديث، وحذف ما بينهما على عادته، ولفظه: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنينٍ، فلمَّا التقينا كان للمسلمين جولةٌ، فرأيت رجلًا من المشركين قد علا رجلًا من المسلمين، فضربته من ورائه على حبل عاتقه بالسَّيف فقطعت الدِّرع، وأقبل عليَّ فضمَّني ضمَّةً وجدت منها ريح الموت، ثمَّ أدركه الموت، فأرسلني، فلحقت عمر ﵁، فقلت: ما بال الناس؟ قال: أَمْرُ الله ، ثم رجعوا وجلس النَّبيُّ ﷺ ، فقال: «من قتل قتيلًا له عليه بيِّنةٌ فله سَلَبهُ»، فقلت: من يشهد لي؟ فجلست، قال (٤): ثم قال النَّبيُّ ﷺ

стр. 4587

مثله، فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، قال: ثم قال النَّبيُّ ﷺ مثله، فقمت فقال: «ما لك يا أبا قتادة؟» فأخبرته، فقال رجلٌ: صدق وسَلَبهُ عندي، فأرضِه منِّي، فقال أبو بكرٍ (١) ﵁: لا ها الله إذًا لا يعمد إلى أسدٍ من أُسْدِ الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه، فقال النَّبيُّ ﷺ (٢): «صدق (٣)، فأعطِه» فأعطانيه (فَبِعْتُ الدِّرْعَ) المذكور (فَابْتَعْتُ) فاشتريت (بِهِ) أي: بثمنه، قال الواقديُّ: باعه من حاطب بن أبي بلتعة بسبع أواقيَّ (مَخْرَفًا) بفتح الميم والرَّاء بينهما خاءٌ معجَمةٌ ساكنةٌ، وبعد الرَّاء فاءٌ: بُستانًا (فِي بَنِي سَلِمَةَ) بكسر اللام، بطنٌ من الأنصار، وهم قوم أبي قتادة (فَإِنَّهُ) أي: المَخْرَفُ (لَأَوَّلُ) بلام مفتوحةٍ قبل الهمزة للتَّأكيد، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أوَّل» (مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ) بالمثلَّثة قبل اللام وبعد الهمزة المفتوحة، من باب التَّفعُّل الذي فيه معنى (٤) التَّكلُّف، أي: اتَّخذته أصلًا لمالي (فِي الإِسْلَامِ) وسقط لأبي ذرٍّ وابن عساكر قوله «فأعطاه، يعني: درعًا». ومطابقة الحديث (٥) لِما ترجم به في الجزء الثاني منها (٦)، فإنَّ بيع أبي قتادة درعه كان في غير أيَّام الفتنة. وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الخمس» [خ¦٣١٤٢] و «المغازي» [خ¦٤٣٢١] و «الأحكام» [خ¦٧١٧٠]، ومسلمٌ في «المغازي»، وأبو داود في «الجهاد»، والتِّرمذيُّ في «السِّيَر»، وابن ماجه في «الجهاد».

стр. 4588

(٣٨) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (فِي العَطَّارِ) الذي يبيع العطر (وَبَيْعِ المِسْكِ) أراد الردَّ على من كره بيع المسك، وهو منقولٌ عن الحسن البصريِّ وعطاءٍ وغيرهما، وقد استقرَّ الإجماع بعد الخلاف على طهارة المسك وجواز بيعه. ٢١٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة، هو بُريد (بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ أَبِي مُوسَى) بضمِّ الموحَّدة أيضًا، واسمه: عامرٌ، وهو جدُّ أبي بردة بن عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ (¬﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ) على وزن فَعيلٍ، يُقال: جالستُه فهو جَليسي (وَ) مَثَل (الجَلِيسِ السَّوْءِ) الأوَّل (كَمَثَلِ صَاحِبِ المِسْكِ) في رواية أبي أسامة عن يزيد كما سيأتي -إن شاء الله تعالى بعونه وقوّته- في «الذَّبائح» [خ¦٥٥٣٤]: كحامل المسك، وهو أعمُّ من أن يكون صاحبه أم لا (وَ) الثاني: كَمَثل (كِيرِ الحَدَّادِ) بسكون المثنَّاة التَّحتيَّة بعد الكاف المكسورة: البناء الذي يركَّب عليه الزِّقُّ الذي ينفخ فيه، وأطلق على الزِّقِّ اسم الكير مجازًا؛ لمجاورته له، وقيل: الكير هو الزِّقُّ نفسه، وأمَّا البناء فاسمُه: الكور، وظاهر الكلام: أنَّ المشبَّه به الكير، والمناسب للتشبيه أن يكون صاحبه، وفي رواية أبي أسامة: «كحامل المسك ونافخ الكير» (لَا يَعْدَمُكَ) بفتح أوَّله وثالثه، من العدم، أي: لا يعدوك (مِنْ صَاحِبِ المِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ) فاعل «يعدَم» مستترٌ يدلُّ عليه «إمَّا» أي: لا يعدم (٢) أحد الأمرين، أو

стр. 4589

كلمة «إمَّا» زائدة، و «تشتريه» فاعله بتأويله بمصدرٍ وإن لم يكن فيه حرفٌ مصدريٌّ، كما في قوله: وقالوا: ما تشاء؟ فقلتُ: أَلْهُو (١) ........................... قاله الكِرمانيُّ، وتعقَّبه البرماويُّ فقال: في الجوابين نظرٌ، والظاهر أنَّ الفاعل موصوف «تشتري» أي: إمَّا شيءٌ تشتريه، كقوله: لو قُلْتَ (٢) ما في قومها لم تِيثَمِ (٣)

стр. 4590

يَفْضُلُها في حَسَبٍ ومِيسَمِ ولأبي ذرٍّ: «لا يُعدِمك» بضمِّ أوَّله وكسر ثالثه، من الإعدام (وَكِيرُ الحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ) بضمِّ الياء، من أحرق، ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «بيتك» (أَوْ ثَوْبَكَ) وفي رواية أبي أسامة [خ¦٥٥٣٤]: «ونافخ الكير إمَّا أن يحرق ثيابك»، ولم يذكر «بيتك»، وهو أوضح (أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً) وفيه النَّهي عن مجالسة من يُتأذَّى بمجالسته في الدِّين والدُّنيا، ولم يترجِم المؤلِّف للحدَّاد، لأنَّه سبق ذكرُه. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الذبائح» (١) [خ¦٥٥٣٤]، ومسلمٌ (٢) في «الأدب». (٣٩) (باب ذِكْرِ الحَجَّامِ). ٢١٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ) بفتح الطَّاء المهملة وسكون التَّحتيَّة وفتح المُوحَّدة، واسمه: نافعٌ على الصَّحيح، فعند أحمد وابن السَّكن والطَّبرانيِّ من حديث مُحَيِّصة بن مسعودٍ: أنَّه كان له غلامٌ حجَّامٌ يُقال له: نافعٌ أبو طيبة، فانطلق إلى النَّبيِّ (٣) ﷺ يسأله عن خراجه … الحديث، وحكى ابن عبد البرِّ: أنَّ اسمَ أبي طيبة دينارٌ، ووهَّموه في ذلك؛ لأنَّ دينارًا الحجَّام تابعيٌّ، فعند ابن منده من طريق بسَّامٍ الحجَّام عن دينارٍ الحجَّام

стр. 4591

عن أبي طيبة الحجَّام (١) قال: حجمت النَّبيَّ ﷺ … الحديث، وبذلك جزم أبو أحمد الحاكم في «الكنى»: أنَّ دينارًا (٢) الحجَّام يروي عن أبي طيبة لا أنَّه أبو طيبة نفسه، وذكر البغويُّ في «الصَّحابة» بإسنادٍ ضعيفٍ أنَّ اسمَ أبي طيبة: ميسرة، وقال العسكريُّ: الصَّحيح أنَّه لا يُعرَف اسمه (رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ وَأَمَرَ أَهْلَهُ) وفي «باب ضريبة العبد» [خ¦٢٢٧٧] من «الإجارة»: وكلَّم مواليه. وهم بنو حارثة على الصَّحيح، ومولاه منهم مُحَيِّصة بن مسعودٍ، وإنَّما جُمِع على طريق المجاز؛ كما يُقال: بنو فلانٍ قتلوا رجلًا ويكون القاتل واحدًا، وأمَّا ما وقع في حديث جابرٍ: أنَّه مولى بني بَيَاضَة، فهو وهمٌ، فإنَّ مولى بني بَيَاضَة آخرُ يُقال له: أبو هندٍ (٣) (أَنْ يُخَفِّفُوا مِنْ خَرَاجِهِ) بفتح الخاء المعجمة، ما يقرِّره السَّيِّد على عبده أن يؤدِّيه إليه كلَّ يومٍ أو شهرٍ أو نحو ذلك، وكان خراجه ثلاثة آصُعٍ فوضع عنه صاعًا، كما في حديثٍ رواه الطَّحاويُّ وغيره، وفيه: جواز الحجامة وأخذ الأجرة عليها، وحديث النَّهي عن كسب الحجَّام محمولٌ على التَّنزيه والكراهة، إنَّما هي على الحجَّام لا على المستعمل له؛ لضرورته إلى الحجامة وعدم ضرورة الحجَّام؛ لكثرة غير الحجامة من الصَّنائع، ولا يلزم من كونها من المكاسب الدَّنيئة ألَّا تُشرَع، فالكسَّاح أسوأ حالًا من الحجَّام، ولو تواطأ النَّاس على تركه لأضرَّ بهم. وهذا الحديث أخرجه أبو داود في «البيوع».

стр. 4592

٢١٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ-) الطَّحَّان الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو ابن مهران الحذَّاء البصريُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَعْطَى الَّذِي حَجَمَهُ) أي: صاعًا من تمرٍ، كما في السَّابق [خ¦٢١٠٢] وحذفه (وَلَوْ كَانَ) أي: الذي أعطاه من الأجرة (حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ) وهو نصٌّ في إباحة أجر الحجَّام (١)، وفيه استعمال الأجير من غير تسمية أجرةٍ وإعطاؤه قدرها وأكثر، أو كان (٢) قدرها معلومًا فوقع العمل على العادة. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الإجارة» [خ¦٢٢٧٩]، وأبو داود في «البيوع». (٤٠) (باب التِّجَارَةِ فِيمَا يُكْرَهُ لُبْسُهُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) إذا كان ممَّا ينتفع به غير من كُرِه له لبسه، أمَّا ما لا منفعة فيه (٣) شرعيَّةً، فلا يجوز بيعه أصلًا على الرَّاجح. ٢١٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ) هو عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقَّاصٍ، الزُّهريُّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله أنَّه (قَالَ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى عُمَرَ ﵁ بِحُلَّةٍ حَرِيرٍ) بضمِّ الحاء المهملة، واحدة الحُلَل، وهي بُرُود اليمن ولا تكون الحُلَّة إلَّا من ثوبين من جنسٍ واحدٍ، ويجوز إضافة «حُلَّة» لـ «حريرٍ» فيسقط التَّنوين، وهو أحد الوجهين في

стр. 4593

الفرع (أَوْ سِيَراءَ) بكسر السِّين وفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة ممدودًا: بُرْدٌ فيه خطوطٌ صفرٌ أو حريرٌ محضٌ، وهو صفةٌ للحُلَّة أو عطف بيانٍ، لكن قال بعضهم: إنَّما هو حُلَّةِ سِيَراءَ، بالإضافة؛ لأنَّ سيبويه قال: لم يأت «فُعَلَاءُ» صفةً لكن اسمًا، وقال عياضٌ: إنَّه ضبطه بالإضافة عن متقني شيوخه، وقال النَّوويُّ: إنَّه قول المحقِّقين ومتقني العربيَّة، وإنَّه من إضافة الشَّيء لصفته كما قالوا: ثوبُ خزٍّ. انتهى. والأكثرون على تنوين «حُلَّةٍ»، وجزم القرطبيُّ: بأنَّه الرِّواية (فَرَآهَا) ﵊ (عَلَيْهِ) أي: على عمر (فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أُرْسِلْ بِهَا) بالحُلَّة (١) (إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا، إِنَّمَا يَلْبَسُهَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ) أي: من الرِّجال في الآخرة، أو هو عامٌّ فيدخل فيه الرِّجال (٢) والنِّساء، فيطابق التَّرجمة، لكنَّ النَّهيَ عن الحرير خاصٌّ بالرِّجال، فيدلُّ للجزء الأوَّل من التَّرجمة (إِنَّمَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ) بها (لِتَسْتَمْتِعَ) ولابن عساكر: «تستمتع» (بِهَا، يعني: تَبِيعُهَا (٣)) وفي «اللِّباس» [خ¦٥٨٤١] من وجهٍ آخر بلفظ (٤): «إنَّما بعثتُ بها إليك لتبيعها أو لتكسوها»، قال في «الفتح»: وهو واضحٌ (٥) فيما ترجم له هنا من جواز بيع ما يُكرَه لبسه للرِّجال، والتِّجارة وإن كانت أخصَّ من البيع لكنَّها جزؤه المستلزِمةُ (٦) له، وأمَّا ما يُكرَه لبسه للنِّساء فبالقياس عليه. وهذا الحديث قد سبق بأطول من هذا من وجهٍ آخر في «كتاب الجمعة» [خ¦٨٨٦] ويأتي في «اللِّباس» [خ¦٥٨٤١]-إن شاء الله تعالى- وأخرجه مسلمٌ أيضًا.

стр. 4594

٢١٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أي: ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رضي الله تعالى عنها: أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُِمْرُِقَةً) بضمِّ النُّون والرَّاء وبكسرهما، بينهما ميمٌ ساكنةٌ وبالقاف المفتوحة، وحُكِي: تثليث النُّون: وسادةٌ صغيرةٌ (فِيهَا تَصَاوِيرُ) حيوانٍ (فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَامَ عَلَى البَابِ فَلَمْ يَدْخُلْهُ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فلم يدخل» بحذف الضَّمير (فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ) ﵊ (الكَرَاهِيَةَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُوبُ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ مَاذَا أَذْنَبْتُ؟) فيه: جواز التَّوبة من الذُّنوب كلِّها إجمالًا وإن لم يستحضر التَّائبُ خصوصَ الذَّنب الذي حصلتْ به مؤاخذتُه (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟ قُلْتُ: اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا) بالنَّصب عطفًا على سابقه، وحذف التَّاء للتَّخفيف، وأصله: وتتوسَّدها (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ) المصوِّرين ما له روحٌ، وفي نسخةٍ بالفرع وأصله (١): «الصُّورة» بالإفراد (يَوْمَ القِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ) على سبيل التَّهكُّم والتَّعجيز: (أَحْيُوا) بفتح الهمزة (مَا خَلَقْتُمْ) صوَّرتم كصورة الحيوان (وَقَالَ) ﵊: (إِنَّ البَيْتَ الَّذِي فِيهِ) زاد المُستملي: «هذه» (الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ المَلَائِكَةُ) عامٌّ مخصوصٌ، فالمرادُ غيرُ الحفظة، أمَّا الحفظة فلا يفارقون الإنسان إلَّا عند الجماع وعند الخلاء، كما عند ابن عديٍّ وضعَّفه، والمراد بالصُّورة صورةُ الحيوان، فلا بأس بصورة الأشجار والجبال ونحو ذلك ممَّا لا روح له، ويدلُّ له قولُ ابن عبَّاسٍ المرويُّ في «مسلمٍ» لرجلٍ: «إن كنتَ ولا بدَّ فاعلًا فاصنع الشَّجر وما لا نفسَ له»، وأمَّا الصُّورة التي تُمتهَن في البساط والوسادة وغيرهما فلا يمتنع دخول الملائكة بسببها، لكن قال الخطَّابيُّ: إنَّه عامٌّ في كلِّ صورةٍ. انتهى. وإذا حصل الوعيد لصانعها فهو حاصلٌ لمستعملها؛ لأنَّها لا تُصنَع إلَّا لتُستعمَل، فالصَّانع سببٌ والمستعمِل

стр. 4595

مباشرٌ، فيكون أَوْلى بالوعيد، ويُستفَاد منه أنَّه لا فرق في تحريم التَّصوير بين أن تكون صورةً لها ظلٌّ أو لا، ولا بين أن تكون مدهونةً أو منقوشةً أو منقورةً أو منسوجةً؛ خلافًا لمن استثنى النَّسج وادَّعى أنَّه ليس بتصويرٍ. ووجه المطابقة بين الحديث والتَّرجمة من جهة أنَّ الثَّوب الذي فيه الصُّورة يشترك في المنع منه الرِّجال والنِّساء، فحديث ابن عمر [خ¦٢١٠٤] يدلُّ على بعض التَّرجمة، وحديث عائشة على جميعها، وقال الكِرمانيُّ: الاشتراء أعمُّ من التِّجارة، فكيف يدلُّ على الخاصِّ الذي هو التِّجارة التي عقد عليها الباب؟ وأجاب: بأنَّ حرمة الجزء مستلزمةٌ لحرمة الكلِّ، فهو من باب إطلاق الكلِّ وإرادة الجزء، وقال ابن المُنَيِّر: الظَّاهر أنَّ البخاريَّ أراد الاستشهاد على صحَّة التِّجارة في النَّمارق المُصوَّرة وإن كان استعمالها مكروهًا لأنَّه ﵊ إنَّما أنكر على عائشة استعمالها ولم يأمرها بفسخ البيع. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «النِّكاح» [خ¦٥١٨١] و «اللِّباس» [خ¦٥٩٦١] و «بدء الخلق» [خ¦٣٢٢٤]، ومسلمٌ في «اللِّباس». (٤١) (بَابٌ) بالتَّنوين (صَاحِبُ السِّلْعَةِ أَحَقُّ بِالسَّوْمِ) بفتح السِّين وسكون الواو، وبذكر قدرٍ مُعيَّنٍ للثَّمن. ٢١٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنْقَريُّ -بكسر الميم وفتح القاف بينهما نونٌ ساكنةٌ- قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ (عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وتشديد التَّحتيَّة وبعد الألف حاءٌ مُهمَلةٌ، يزيد بن حُمَيدٍ (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) لمَّا أراد بناء مسجده: (يَا بَنِي النَّجَّارِ) وهم قبيلةٌ من الأنصار (ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ) بالمُثلَّثة، أمرٌ لهم بذكر الثَّمن مُعيَّنًا باختيارهم على سبيل السَّوم؛ ليذكر لهم ﵊ ثمنًا

стр. 4596

معيَّنًا يختاره، ثمَّ يقع التَّراضي بعد ذلك، وبهذا تحصل المطابقة بين الحديث والتَّرجمة، وقال المازريُّ: إنَّما فيه دليلٌ على أنَّ المشتري يبدأ بذكر الثَّمن، وتعقَّبه القاضي عياضٌ بأنَّه ﵊ لم ينصَّ لهم على ثمنٍ مُقدَّرٍ بذله لهم في الحائط، وإنَّما ذكر الثَّمن مجملًا، فإن أراد أنَّ فيه التَّبدئة بذكر الثَّمن مُقدَّرًا فليس كذلك، وأجاب في «المصابيح»: بأنَّ ابن بطَّالٍ وغيره نقل الإجماع على أنَّ صاحب السِّلعة أحقُّ النَّاس بالسَّوم في سلعته وأولى بطلب الثَّمن فيها، لكنَّ الكلام في أخذ هذا الحكم من الحديث المذكور، فالظَّاهر أن (١) لا دليلَ فيه على ذلك، كما أشار إليه المازريُّ، والحائط: البستان (وَفِيهِ خِرَبٌ) بكسر الخاء المعجمة وفتح الرَّاء، جمع خِرْبَةٍ؛ كنِعْمَةٍ ونِعَمٍ، وقيل: الرِّواية المعروفة: بفتح الخاء وكسر الرَّاء، جمع خَرِبةٍ؛ ككَلِمَةٍ وكَلِمٍ (وَنَخْلٌ). وهذا الحديث قد سبق في «الصَّلاة» في «باب هل تُنبَش قبور مشركي الجاهليَّة ويُتَّخَذ (٢) مكانها المساجد؟» [خ¦٤٢٨] ويأتي -إن شاء الله تعالى بعونه وقوَّته (٣) - في «الهجرة» [خ¦٣٩٣٢]. (٤٢) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين (كَمْ يَجُوزُ الخِيَارُ؟) بكسر الخاء المعجمة: اسمٌ (٤) من الاختيار، وهو طلب خير الأمرين من إمضاء البيع أو فسخه، وهو أنواعٌ (٥)، منها: خيار المجلس وخيار الشَّرط وهو خيار الثَّلاث فأقلَّ، فإن زاد عليها بطل العقد بلا تفريقٍ؛ لأنَّه صار شرطًا فاسدًا، وخيار الرُّؤية؛ وهو شراء ما لم يره على أنَّه بالخيار إذا رآه، وفيه قولان، قاله في القديم (٦)، والصَّواب (٧) من الجديد يصحُّ، وأفتى به البغويُّ والرُّويانيُّ، وقال في «الأمِّ» و «البويطيِّ»: لا يصحُّ، واختاره المزنيُّ وهو الأظهر للجهل بالمبيع، وخيار العيب للمشتري عند اطِّلاعه

стр. 4597

على عيبٍ كان عند البائع ولو قبل القبض، وخيار تلقِّي الرُّكبان إذا وجدوا السِّعر أغلى ممَّا ذكره المتلقِّي، وخيار تفريق الصَّفقة، وتفريقها بتعدُّدها في الابتداء، كبيع حلٍّ وحرامٍ، أو الدَّوام، كتلف أحد العينين (١) قبل القبض، وخيار العجز عن الثَّمن بأن عجز عنه المشتري والمبيع باقٍ عنده لحديث الشَّيخين مرفوعًا [خ¦٢٤٠٢]: «إذا أفلس الرَّجل ووجد البائع سلعته بعينها فهو أحقُّ بها من الغرماء»، وخيار فقدِ الوصف المشروط في المبيع (٢)، كأن ابتاع عبدًا بشرط كونه كاتبًا، فبان غيرَ كاتبٍ، فيثبت له الخيار لفوات الشَّرط، والخيار فيما رآه قبل العقد إذا تغيَّر عن صفته، وليس المراد بالتَّغيُّر: التَّعيُّب (٣)، والخيار لجهل الغصب مع (٤) القدرة على انتزاع المبيع من الغاصب، ولطريان العجز عن الانتزاع مع العلم به، ولجهل كون المبيع مُستأجَرًا أو مزروعًا، والمراد هنا: بيع الشَّرط، والتَّرجمة هنا (٥) معقودةٌ لبيان مقداره. ٢١٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ) هو ابن الفضل المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثَّقفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى) هو الأنصاريُّ، زاد أبو ذرٍّ: «ابن سعيدٍ» (قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّ المُتَبَايِعَيْنِ بِالخِيَارِ فِي بَيْعِهِمَا) بنصب المتبايعين بالياء: اسم «إنَّ»، ولابن عساكر: «إنَّ المتبايعان» بالألف، وعزاها ابن التِّين للقابسيِّ، وهي (٦) على لغة من أجرى المُثنَّى بالألف مطلقًا، وسقط لفظ «قال» لأبي ذرٍّ (مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا) بالأبدان عن مكانهما الذي تبايعا فيه، فيثبت لهما خيار المجلس، و «ما»: مصدريَّةٌ، يعني: أنَّ الخيار ممتدٌّ زمن عدم تفرُّقهما، وقيل: المراد التَّفرُّق

стр. 4598

بالأقوال، وهو الفراغ من العقد (١)، فإذا تعاقدا صحَّ البيع ولا خيار لهما إلَّا أن يشترطا، وتسميتهما بالمتبايعين يصحُّ أن يكون بمعنى: المتساومين، من باب: تسمية الشَّيء بما يؤول إليه أو يقرب منه، وفيه بحثٌ يأتي -إن شاء الله تعالى- في «باب البيِّعان بالخيار» [خ¦٢١١١] وفي رواية النَّسائيِّ: «ما لم (٢) يفترقا» بتقديم الفاء، ونقل ثعلبٌ عن المُفضَّل بن سلمة (٣): افترقا بالكلام وتفرَّقا بالأبدان، وردَّه ابن العربيِّ بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البينة: ٤] فإنَّه ظاهرٌ في التَّفرُّق بالكلام لأنَّه بالاعتقاد، وأُجيب بأنَّه من لازمه في الغالب؛ لأنَّ من خالف آخر في عقيدته، كان مستدعيًا لمفارقته إيَّاه ببدنه، قال في «الفتح»: ولا يخفى ضعف هذا الجواب، والحقُّ حمل كلام المُفضَّل على الاستعمال بالحقيقة، وإنَّما استُعمل أحدهما في موضع الآخر اتِّساعًا (أَوْ يَكُونَُ البَيْعُ خِيَارًا) برفع «يكونُ» كما في الفرع، وفي (٤) غيره: بالنَّصب، فتكون كلمة «أو» بمعنى «إلَّا» أي: إلَّا أن يكون البيع بخيارٍ بأن يخيِّر البائع المشتري بعد تمام العقد، فليس له خيارٌ في الفسخ وإن لم يتفرَّقا. (وَقَالَ نَافِعٌ) مولى ابن عمر بالإسناد السَّابق: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ فَارَقَ صَاحِبَهُ) الذي اشتراه (٥) منه ليلزم العقد. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «البيوع».

стр. 4599

٢١٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث الأزديُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابن يحيى الأزديُّ البصريُّ العَوْذِيُّ، بفتح المهملة وسكون الواو وبالمعجمة (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَبِي الخَلِيلِ) صالح بن أبي مريم (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ) بن نوفلٍ الهاشميِّ (عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) بالزَّاي (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: البَيِّعَانِ) بفتح المُوحَّدة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة (بِالخِيَارِ) في المجلس (مَا لَمْ يَفْتَرِقَا) بتقديم الفاء على المُثنَّاة الفوقيَّة، وفي نسخةٍ: «يتفرَّقا» بتأخيرها، أي: بأبدانهما، كما مرَّ [خ¦٢١٠٧]. (وَزَادَ أَحْمَدُ) بن سعيدٍ (١) الدَّارميُّ، ممَّا وصله أبو عَوانة في «صحيحه» فقال: (حَدَّثَنَا بَهْزٌ) بفتح المُوحَّدة وبعد الهاء السَّاكنة زايٌ مُعجَمةٌ، ابن راشدٍ (قَالَ: قَالَ هَمَّامٌ) هو ابن يحيى المذكور: (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لأَبِي التَّيَّاحِ) بالفوقيَّة والتَّحتيَّة المُشدَّدة وبعد الألف حاءٌ مُهمَلةٌ، واسمه: يزيد كما مرَّ قريبًا [خ¦٢١٠٦] (فَقَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي الخَلِيلِ) صالح (لَمَّا حَدَّثَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الحَارِثِ بِهَذَا الحَدِيثِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «هذا الحديث» بإسقاط حرف الجرِّ، فـ «الحديث» نُصِب على المفعوليَّة، وزعم بعضهم: أنَّ أحمد هذا هو أحمد ابن حنبلٍ، قال الزَّركشيُّ: وهذا أحد الموضعين اللذين ذكره البخاريُّ فيهما، وقال ابن حجرٍ: لم أرَ هذا الطَّريق في «مسند أحمد ابن حنبلٍ» قال: وفائدة صنيع همَّامٍ طلب علوِّ الإسناد؛ لأنَّ بينه وبين أبي الخليل في إسناده الأوَّل رجلين، وفي الثَّاني رجلًا واحدًا، وليس في هذين الحديثين ذكر ما ترجم له، وهو بيان مقدار مدَّة الخيار، قال في «الفتح»: يحتمل أن يكون مراده بقوله: «كم يجوز الخيار» أي: كم يخيِّر أحد المتبايعين الآخر مرَّةً، وأشار إلى ما في الطَّريق الآتية بعد ثلاثة أبوابٍ من زيادة همَّامٍ [خ¦٢١١٤]: «ويختار ثلاث مرارٍ»، لكن لمَّا لم تكن الزِّيادة ثابتةً أبقى التَّرجمة على الاستفهام كعادته، وتعقَّبه

стр. 4600

في «عمدة القاري» فقال: هذا الاحتمال الذي ذكره لا يساعد البخاريَّ في ذكره لفظة «كم»؛ لأنَّ موضوعها للعدد، والعدد في مدَّة الخيار لا في تخيير أحد المتبايعين الآخر، وليس في حديث الباب ما يدلُّ على هذا، وقوله: «أشار (١) إلى زيادة همَّامٍ» لا يفيد؛ لأنَّه يعقد ترجمةً ثمَّ يشير إلى ما تتضمَّنه التَّرجمة في بابٍ آخر هذا ممَّا لا يفيده، وفي حديث ابن عمر مرفوعًا عند البيهقيِّ: «الخيار ثلاثة أيَّامٍ»، وبه احتجَّ الحنفيَّة والشَّافعيَّة، وأنكر مالكٌ التَّوقيت في خيار الشَّرط ثلاثة أيَّامٍ بغير زيادةٍ، فلو كانت المدَّة مجهولةً أو زائدةً على ثلاثة أيَّامٍ بطل العقد، وتُحسَب المدَّة المُشترَطة من الثَّلاثة فما دونها من العقد الواقع فيه الشَّرط. وهذا الحديث الأخير سبق في «باب إذا بيَّن البائعان» [خ¦٢٠٧٩]. (٤٣) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا لَمْ يُوَقِّتْ) أي: البائع أو المشتري زمنًا (فِي الخِيَارِ) وأطلقا، ولأبي ذرٍّ: «إذا لم يوقِّت الخيار» بإسقاط حرف الجرِّ (هَلْ يَجُوزُ البَيْعُ) أي: هل يكون لازمًا أو جائزًا فسخه؟ ٢١٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) وفي نسخةٍ:

стр. 4601

«رسول الله» (¬ ﷺ : البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ) في مجلس العقد (مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا) بالأبدان، أي: فيمتدُّ زمن عدم تفرُّقهما (أَوْ يَقُولُ) برفع اللَّام وبإثبات الواو بعد القاف في جميع الطُّرق، قال في «الفتح»: وفي إثباتها نظرٌ؛ لأنَّه مجزومٌ عطفًا على قوله: «ما لم يتفرَّقا»، فلعلَّ الضَّمَّة أُشبِعت كما أُشبِعت الكسرة (١) في قراءة من قرأ: (إنَّه من يتَّقي ويصبر) [يوسف: ٩٠]. انتهى. وهذا كما قال (٢) في «العمدة»: ظنٌّ منه أنَّ «أو» للعطف، وليس كذلك بل هي بمعنى: إلَّا، كما ذكره هو احتمالًا، وبه جزم النَّوويُّ وعبارته في «شرح المُهذَّب»: و «يقولَ»: منصوبٌ بـ «أو» بتقدير: «إلَّا أن»، أو «إلى أن»، ولو كان معطوفًا لكان مجزومًا ولقال: «أو يقُلْ» (أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اخْتَرْ) إمضاءَ البيع أو فسخَه، فإن اختار إمضاءه انقطع خيارهما وإن لم يتفرَّقا، وبه قال الشَّافعيُّ وآخرون، وإن سكت انقطع خيار الأوَّل دونه على الصَّحيح؛ لأنَّ قوله: «اختر» رضًا باللُّزوم، ولو اختار أحدُهما لزومَ العقد والآخرُ فسخَه قُدِّم الفسخ، وظاهر قوله: «ما لم يتفرَّقا أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر» حصر لزوم البيع بهذين الأمرين، وفيه نظرٌ (٣) (وَرُبَّمَا قَالَ: أَوْ يَكُونُ) البيع (بَيْعَ خِيَارٍ) بأن شرط فيه، فلا يبطل بالتَّفرُّق (٤).

стр. 4602

(٤٤) (بابٌ) بالتَّنوين (البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ) في المجلس (مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَبِهِ) أي: بخيار المجلس (قَالَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب، وورد من فعله -كما مرَّ-[خ¦٢١٠٧]: أنَّه كان إذا اشترى شيئًا يعجبه فارق صاحبه، وعند التِّرمذيِّ: أنَّه كان إذا ابتاع بيعًا وهو قاعدٌ قام؛ ليجب له، وعند ابن أبي شيبة: إذا باع انصرف؛ ليجب البيع (وَ) به قال (شُرَيْحٌ) أيضًا -بضمِّ الشِّين (١) المعجمة وفتح الرَّاء وسكون التَّحتيَّة آخره حاءٌ مهملةٌ- ابن الحارث، الكنديُّ الكوفيُّ، أدرك النَّبيَّ ﷺ ولم يلقه، وأقام قاضيًا على الكوفة ستِّين سنةً، فيما وصله سعيد بن منصورٍ (وَ) به قال (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل، ممَّا وصله ابن أبي شيبة (وَ) كذا (طَاوُسٌ) هو ابن كيسان، ممَّا وصله الشَّافعيُّ في «الأمِّ» (وَ) كذا (عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ، المكِّيُّ (وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله، ممَّا وصله عنهما ابن أبي شيبة بلفظ: «البيِّعان بالخيار حتَّى يتفرَّقا عن رضًا». ٢١١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (إِسْحَاقُ) غير منسوبٍ، قال أبو عليٍّ الجيَّانيُّ: لم أجده منسوبًا عن أحدٍ من رواة الكتاب ولعلَّه ابن منصورٍ، فإنَّ مسلمًا قد روى في «صحيحه»: عن إسحاق بن منصورٍ عن حَبَّان بن هلالٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وقد رأيته في رواية أبي عليٍّ الشَّبُّوي في هذا الباب ولفظه: حدَّثنا إسحاق بن منصورٍ: حدَّثنا حَبَّان، فهذه قرينةٌ تقوِّي ما ظنَّه الجيَّانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا حَبَّانُ) بفتح الحاء (٢) المهملة وتشديد المُوحَّدة، زاد أبو ذرٍّ: «هو ابن هلالٍ» قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ قَتَادَةُ) بن دعامة:

стр. 4603

(أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَنْ صَالِحٍ أَبِي الخَلِيلِ) بن أبي مريم (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ) بن نوفلٍ الهاشميِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ﵁¬) يقول (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ) في المجلس (مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا) ببدنهما عن مكان التَّعاقد، فلو أقاما فيه مدَّةً أو تماشيا مراحل، فهما على خيارهما وإن زادت المدَّة على ثلاثة أيَّامٍ، فلو اختلفا في التَّفرُّق، فالقول قول منكره بيمينه وإن طال الزَّمن لموافقته الأصل (فَإِنْ صَدَقَا) البائع في صفة المبيع والمشتري فيما يعطي في عوض المبيع (وَبَيَّنَا) ما بالمبيع والثَّمن من عيبٍ ونقصٍ (بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا) في وصف المبيع (١) والثَّمن (وَكَتَمَا) ما فيهما من عيبٍ ونقصٍ (٢) (مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا) التي كانت تحصل على تقدير خلوِّه من الكذب والكتمان لوجودهما فيه، وليس المراد أنَّ البركة كانت فيه ثمَّ مُحِقت، أو المراد: أنَّ هذا البيع وإن حصل فيه ربحٌ (٣) فإنَّه يمحق بركة ربحه، ويؤيِّده الحديث الآتي -إن شاء الله تعالى- بلفظ (٤) [خ¦٢١١٤]: «وإن كذبا وكتما فعسى أن يربحا ربحًا، ويُمحَقا بركة بيعهما». ٢١١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام الأعظم (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: المُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ) «بالخيار» خبرٌ لـ «كلّ واحدٍ» أي: كلُّ واحدٍ (٥) محكومٌ له بالخيار، والجملة خبرٌ لقوله: «المتبايعان» (مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا) ببدنهما فيثبت لهما خيار المجلس، والمعنى: أنَّ الخيار

стр. 4604

ممتدٌّ زمن عدم تفرُّقهما، وذلك لأنَّ «ما» مصدريَّةٌ ظرفيَّةٌ، وفي حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه عبد الله بن عمرو بن العاص عند البيهقيِّ والدَّارقُطنيِّ: «ما لم يتفرَّقا عن مكانهما» وذلك صريحٌ في المقصود، وسمَّاهما المتبايعين -وهما المتعاقدان- لأنَّ البيع من الأسماء المشتقَّة من أفعال الفاعلين، وهي لا تقع في الحقيقة إلَّا بعد حصول الفعل وليس بعد العقد تفرُّقٌ إلَّا بالأبدان، وقيل: المراد: التَّفرُّق (١) بالأقوال وهو الفراغ من العقد، فإذا تعاقدا صحَّ البيع ولا خيار لهما إلَّا أن يشترطا، وتسميتهما بالمتبايعين يصحُّ أن يكون بمعنى: المتساومين، من باب: تسمية الشَّيء بما يؤول إليه أو يقرب منه، وتعقَّبه ابن حزمٍ بأنَّ خيار المجلس ثابتٌ بهذا الحديث سواءٌ قلنا: التَّفرُّق بالكلام أو بالأبدان، أمَّا حيث قلنا: «بالأبدان» فواضحٌ، وحيث قلنا: «بالكلام» فواضحٌ أيضًا لأنَّ قول أحد (٢) المتبايعين مثلًا: بعتُكَهُ بعشرةٍ، وقول المشتري: بل بعشرين مثلًا افتراق في الكلام بلا شكٍّ، بخلاف ما لو قال: اشتريته بعشرةٍ، فإنَّهما حينئذٍ متوافقان، فيتعيَّن ثبوت الخيار لهما حين يتَّفقان لا حين يفترقان (٣) وهو المُدَّعى، وأمَّا قوله: المراد بالمتبايعين: المتساومان، فمردودٌ؛ لأنَّه مجازٌ، والحمل على الحقيقة أو ما يقرب منها أَولى، قال البيضاويُّ: ومن نفى خيار المجلس ارتكب مجازين؛ بحمله التَّفرُّق على الأقوال، وحمله المتبايعين على المتساومين (إِلَّا بَيْعَ الخِيَارِ) استثناءٌ من أصل الحكم،

стр. 4605

أي: إلَّا في بيع إسقاط الخيار، فإنَّ العقد يلزم وإن لم يتفرَّقا بعدُ، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وقد ذكر النَّوويُّ اتِّفاق الأصحاب على ترجيح هذا التَّأويل، وأنَّ كثيرًا منهم أبطل ما سواه وغلَّطوا قائله. انتهى. وهو قول الجمهور وبه جزم الشَّافعيُّ، وممَّن رجَّحه من المحدِّثين البيهقيُّ والتِّرمذيُّ، وعبارته: معناه: أن (١) يخيِّر البائعُ المشتريَ بعد إيجاب البيع، فإذا خيَّره فاختار البيع فليس له بعد ذلك خيارٌ في فسخ البيع وإن لم يتفرَّقا. انتهى. وقيل: الاستثناء من مفهوم الغاية، أي: إلَّا بيعًا شرط فيه خيار مدَّةٍ، فإنَّ الخيار بعد التَّفرُّق يبقى إلى مضيِّ المدَّة المشروطة، ورُجِّح الأوَّل: بأنَّه أقلُّ في الإضمار، وقيل: هو استثناءٌ من إثبات خيار المجلس، أي: إلَّا البيع الذي فيه أَنْ لا خيار لهما في المجلس، فيلزم البيع بنفس العقد، ولا يكون فيه خيارٌ أصلًا، وهذا أضعف هذه الاحتمالات. (٤٥) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا خَيَّرَ أَحَدُهُمَا) أي: أحدُ المتبايعين (صَاحِبَهُ بَعْدَ البَيْعِ) وقبل التَّفرُّقِ (فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ) أي: لزم وإن لم يتفرَّقا. ٢١١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) محكومٌ له

стр. 4606

(بِالخِيَارِ) في المجلس (مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا) فإذا تفرَّقا انقطع الخيار (وَكَانَا جَمِيعًا) تأكيد لسابقه، والجملة حاليَّةٌ من الضَّمير في «يتفرَّقا» أي: وقد كانا جميعًا، وهذا كما قال الخطَّابيُّ: أوضح شيءٍ في ثبوت خيار المجلس، وهو (١) مبطلٌ لكلِّ تأويلٍ مخالفٍ لظاهر الحديث، وكذلك (٢) قوله في آخره: «وإن تفرَّقا بعد أن يتبايعا» فيه البيان الواضح أنَّ التَّفرُّق بالبدن هو القاطع للخيار، ولو كان معناه التَّفرُّق بالقول لخلا الحديث عن فائدةٍ. انتهى. وقد حمله ابن عمر راوي الحديث على التَّفرُّق بالأبدان -كما مرَّ [خ¦٢١٠٧]-، وكذا أبو برزة الأسلميُّ، ولا يُعرَف لهما مخالفٌ بين الصَّحابة، نعم خالف في ذلك إبراهيم النَّخعيُّ، فروى سعيد بن منصورٍ عنه: إذا وجبت الصَّفقة فلا خيار، وبذلك قال المالكيَّة إلَّا ابن حبيبٍ، والحنفيَّة كلّهم. (أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ) فينقطع الخيار أيضًا، وقوله: «أو يُخيِّر» بكسر ما قبل آخره مرفوعٌ كما في الفرع وغيره، وقال في «الفتح» و «جمع العدَّة»: بالجزم عطفًا على المجزوم السَّابق، وهو «ما لم يتفرَّقا»، وتُعقِّب: بأنَّ «أو» فيه ليست للعطف، بل بمعنى: «إلَّا» أي: إلَّا أن، أو بمعنى: «إلى» أي: إلى أن يخيِّر، فهو نصبٌ بـ «أن» مضمرةً، وفي بعض الأصول: «وخيَّر» بإسقاط الألف والفعل بلفظ الماضي (فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ) قيل: إنَّه من عطف المجمل على المُفصَّل، فلا تغاير بينه وبين ما قبله إلَّا بالإجمال والتَّفصيل (فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ) الفاء للسَّببيَّة والتَّرتيب على سابقه، أي: فإذا كان التَّبايع على ذلك فقد لزم البيع وانبرم وبطل الخيار (وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ يَتَبَايَعَا) بلفظ المضارع (وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا البَيْعَ) أي: لم يفسخه (فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ) بعد التَّفرُّق، وهو ظاهرٌ جدًّا في انفساخ البيع بفسخ أحدهما. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «البيوع»، والنَّسائيُّ فيه وفي «الشُّروط»، وأخرجه ابن ماجه في «التِّجارات». (٤٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا كَانَ البَائِعُ بِالخِيَارِ هَلْ يَجُوزُ البَيْعُ؟) أي: هل يكون العقد جائزًا

стр. 4607

أم لازمًا؟ وكأنَّه قصد الرَّدَّ على من حصر (١) الخيار في المشتري دون البائع، فإنَّ في الحديث التَّسويةَ بينهما في ذلك. ٢١١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: كُلُّ بَيِّعَيْنِ) بتشديد التَّحتيَّة بعد المُوحَّدة (لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا) لازمٌ (حَتَّى يَتَفَرَّقَا) من مجلس العقد بينهما، فيلزم البيع حينئذٍ بالتَّفرُّق (إِلَّا بَيْعَ الخِيَارِ) فيلزم باشتراطه. وهذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ في «البيوع» و «الشُّروط». ٢١١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولابن عساكر: «حدَّثنا» (إِسْحَاقُ) هو ابن منصورٍ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (حَبَّانُ) بفتح المهملة وتشديد المُوحَّدة، هو ابن هلالٍ قال:

стр. 4608

(حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابن يحيى الأزديُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة السَّدوسيُّ (عَنْ أَبِي الخَلِيلِ) بالخاء المعجمة المفتوحة، صالح بن أبي مريم (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ) بن نوفلٍ الهاشميِّ (عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) بالحاء المهملة والزَّاي (¬﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: البَيِّعَانِ) بتشديد التَّحتيَّة (بِالخِيَارِ) في المجلس (مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا) ببدنهما، فإذا تفرَّقا سقط الخيار ولزم العقد، وللحَمُّويي والمُستملي «حتَّى يتفرَّقا» (قَالَ هَمَّامٌ) المذكور: المحفوظ هو الذي رويته، لكن (وَجَدْتُ فِي كِتَابِي: يَخْتَارُ (١) ثَلَاثَ مِرَارٍ) بالجرِّ على الإضافة، و «يختار» بلفظ الفعل، ووقع عند أحمد عن عفَّان عن همَّامٍ قال: وجدت في كتابي الخيار ثلاث مرارٍ (فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا فَعَسَى أَنْ يَرْبَحَا رِبْحًا، وَيُمْحَقَا بَرَكَةَ بَيْعِهِمَا) يحتمل أن يكون داخلًا تحت الموجود في الكتاب، أو يُروَى من حفظه، والظَّاهر الثَّاني -قاله الكِرمانيُّ- فيكون من جملة الحديث. (قَالَ) حبَّان بن هلالٍ: (وَحَدَّثَنَا هَمَّامٌ) المذكور قال: (حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ) يزيد: (أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ الحَارِثِ) بن نوفلٍ (يُحَدِّثُ بِهَذَا الحَدِيثِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وقد سبق حديث حكيم بن حزامٍ هذا في «باب إذا بيَّن البيِّعان» [خ¦٢٠٧٩]. (٤٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا اشْتَرَى) شخصٌ (شَيْئًا فَوَهَبَ) ذلك الشَّيء (مِنْ سَاعَتِهِ) أي: على الفور (قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا، وَلَمْ يُنْكِرِ البَائِعُ) أي: والحال أنَّ البائع لم ينكر (عَلَى المُشْتَرِي) هل (٢) ينقطع خياره بذلك؟ (أَوِ اشْتَرَى) شخصٌ (عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ) من ساعته قبل أن يتفرَّقا (وَقَالَ طَاوُسٌ) هو ابن كيسان اليمانيُّ الحِمْيريُّ، فيما وصله سعيد بن منصور وعبد الرَّزَّاق من طريق ابن (٣) طاوسٍ عن

стр. 4609

أبيه نحوه (فِيمَنْ يَشْتَرِي السِّلْعَةَ عَلَى الرِّضَا) أي: على شرط أنَّه لو رضي به أجاز العقد (ثُمَّ بَاعَهَا: وَجَبَتْ لَهُ) المبايعة أو السِّلعة، قاله البرماويُّ كالكِرمانيِّ، قال العينيُّ: رجوع الضَّمير الذي في «وجبت» إلى «السِّلعة» ظاهرٌ، وأمَّا إلى «المبايعة» فبالقرينة الدَّالَّة عليه (١)، وفي نسخة الصَّاغانيِّ: «وجب له (٢) البيع» (وَالرِّبْحُ لَهُ) أيضًا، وسقط «والرِّبح له» لغير (٣) ابن عساكر. ٢١١٥ - (وَقَالَ الحُمَيْدِيُّ) بضمِّ الحاء (٤) المهملة وفتح الميم، عبد الله بن الزُّبير، ولابن عساكر: «وقال لنا الحميديُّ» فأسنده إلى (٥) المؤلِّف، وقد جزم الإسماعيليُّ وأبو نُعيمٍ بأنَّه علَّقه، ووصله المؤلِّف من وجهٍ آخر في «الهبة» [خ¦٢٦١٠] عن سفيان، وكذا هو موصولٌ أيضًا (٦) في «مسند الحميديِّ» قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ قال: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) بفتح العين، ابن دينارٍ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على تعيينه (فَكُنْتُ عَلَى بَكْرٍ) بفتح المُوحَّدة وسكون الكاف: ولد النَّاقة أوَّل ما يُركَب

стр. 4610

(صَعْبٍ) صفةٌ لـ «بكرٍ» أي: نفورٍ؛ لكونه لم يُذلَّل، وكان (لِعُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ (فَكَانَ يَغْلِبُنِي فَيَتَقَدَّمُ أَمَامَ القَوْمِ، فَيَزْجُرُهُ عُمَرُ وَيَرُدُّهُ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فَيَزْجُرُهُ عُمَرُ وَيَرُدُّهُ) ذكر ذلك بيانًا لصعوبة هذا البَكْر، فلذا (١) ذكره بالفاء (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: بِعْنِيهِ، قَالَ) عمر ﵁: (هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: بِعْنِيهِ) ولأبي ذرٍّ: «قال رسول الله ﷺ : بِعْنِيه» (فَبَاعَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) زاد في «الهبة» [خ¦٥١/ ١٩ - ٤٠٦٥]: فاشتراه النَّبيُّ ﷺ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هُوَ) أي: الجمل (لَكَ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ تَصْنَعُ بِهِ مَا شِئْتَ) من أنواع التَّصرُّفات. وهذا موضع التَّرجمة، فإنَّه ﷺ وهب ما ابتاعه من ساعته، ولم ينكر البائع، فكان قاطعًا لخياره؛ لأنَّ سكوته منزلة قوله: أمضيت البيع (٢)، وقول ابن التِّين: -هذا تعسُّفٌ من البخاريِّ ولا يُظَنُّ أنَّه ﷺ وهب ما فيه لأحدٍ خيارٌ ولا إنكارٌ؛ لأنَّه إنَّما بُعِث مبيِّنًا- أُجيب عنه: بأنَّه ﷺ قد بيَّن ذلك بالأحاديث السَّابقة المصرِّحة بخيار المجلس، والجمع بين الحديثين ممكنٌ بأن يكون بعد العقد فارَقَ عمرَ بأن تقدَّمه أو تأخَّر عنه مثلًا ثمَّ وهب، وليس في الحديث ما يثبت ذلك ولا ينفيه، فلا معنى للاحتجاج بهذه الواقعة العينيَّة في إبطال ما دلَّت عليه الأحاديث الصَّريحة من إثبات خيار المجلس، فإنَّها إن كانت متقدِّمةً على حديث «البيِّعان بالخيار» [خ¦٢٠٧٩] فحديث «البيِّعان» قاضٍ عليها، وإن كانت متأخِّرة عنه حُمِل على أنَّه ﷺ اكتفى بالبيان السَّابق، قاله في «الفتح». وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الهبة» [خ¦٢٦١١]. ٢١١٦ - (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ رحمه الله تعالى: (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام، فيما وصله الإسماعيليُّ،

стр. 4611

وسقط قوله: «قال أبو عبد الله» لابن عساكر (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) هو ابن مسافرٍ الفهميُّ المصريُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ) أبيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: بِعْتُ مِنْ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ) ﵁، ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن عفَّان» ﵁ (مَالًا) أرضًا أو عقارًا (بِالوَادِي) وادٍ معهود عندهم، أو وادي القرى وهو من أعمال المدينة (بِمَالٍ) بأرضٍ أو عقارٍ (لَهُ بِخَيْبَرَ) حصنٌ بلغة (١) اليهود على نحو ستِّ مراحل من المدينة من جهة الشَّمال والشَّرق (فَلَمَّا تَبَايَعْنَا رَجَعْتُ عَلَى عَقِبِي) بكسر الموحَّدة، بلفظ الإفراد (حَتَّى خَرَجْتُ مِنْ بَيْتِهِ خَشْيَةَ أَنْ يُرَادَّنِي) بضمِّ الياء وتشديد الدَّال المفتوحة، «يفاعلني»، وأصله: يرادِدَني (البَيْعَ) أي: يطلب استرداده منِّي، و «خشيةَ»: منصوبٌ على أنَّه مفعولٌ له (وَكَانَتِ السُّنَّةُ) أي: طريقة الشَّرع (أَنَّ المُتَبَايِعَيْنِ بِالخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا) أي: أنَّ هذا هو السَّبب في خروجه من بيت عثمان، وأنَّه فعل ذلك ليجب البيع ولا يبقى لعثمان ﵁ خيارٌ في فسخه (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر ﵄: (فَلَمَّا وَجَبَ بَيْعِي وَبَيْعُهُ) أي: لزم من الجانبين بالتَّفرُّق بالبدن (رَأَيْتُ أَنِّي قَدْ غَبَنْتُهُ) خدعته (بِأَنِّي سُقْتُهُ إِلَى أَرْضِ ثَمُودٍ) يُصرَف ولا يُصرَف، وهم قوم صالحٍ وأرضهم قرب تبوك (بِثَلَاثِ لَيَالٍ) أي: زدت المسافة التي بينه وبين أرضه التي صارت إليه على المسافة التي كانت بينه وبين أرضه التي باعها ثلاث ليالٍ (وَسَاقَنِي إِلَى المَدِينَةِ بِثَلَاثِ لَيَالٍ) يعني: أنَّه نقص المسافة التي بيني وبين أرضي التي أخذتها عن المسافة التي كانت بيني وبين (٢) أرضي التي بعتها ثلاث ليالٍ، وإنَّما قال: «إلى المدينة» لأنَّهما جميعًا كانا بها، فرأى ابن عمر الغبطة في القرب من المدينة؛ فلذا قال: «رأيت أنِّي قد غبنته». وفيه: أنَّ الغبن لا يُرَدُّ به البيع، وجواز بيع الأرض بالأرض، وبيع العين الغائبة على الصِّفة، ومطابقته للتَّرجمة من جهة أنَّ للمتبايعين التَّفرُّقَ (٣) على حسب إرادتهما إجازةً وفسخًا، قاله الكِرمانيُّ، والله أعلم (٤).

стр. 4612

(٤٨) (باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الخِدَاعِ فِي البَيْعِ). ٢١١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة، ابن أنسٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَجُلًا) هو حَبَّان بن منقِذٍ كما رواه ابن الجارود والحاكم وغيرهما، وجزم به النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»، وهو بفتح الحاء المهملة وتشديد المُوحَّدة، و «منقِذٍ» بالمعجمة وكسر القاف قبلها، الصَّحابيُّ ابن الصَّحابيِّ، الأنصاريُّ، وقيل: هو منقذ بن عمرٍو؛ كما وقع في «ابن ماجه» و «تاريخ البخاريِّ»، وصحَّحه النَّوويُّ في «مبهماته»، وكان حبَّان قد شهد أحدًا وما بعدها، وتُوفِّي في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه (ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي البُيُوعِ) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون الخاء المعجمة وفتح الدَّال المهملة، وعند الشَّافعيِّ وأحمد وابن خزيمة والدَّارقُطنيِّ: أنَّ حَبَّان بن منقذٍ كان ضعيفًا، وكان قد شُجَّ في رأسه مأمومةً، وقد ثَقُلَ لسانه، وزاد الدَّارقُطنيُّ من طريق ابن إسحاق فقال: حدَّثني محمَّد بن يحيى بن حبَّان قال: هو جدِّي منقذُ بن عمرٍو، وكانت في رأسه آمَّةٌ (١) (فَقَالَ) له النَّبيُّ (٢) ﷺ : (إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللَّام، أي: لا خديعة في الدِّين؛ لأنَّ الدِّينَ النَّصيحةُ، فـ «لا» لنفي الجنس، وخبرها (٣) محذوفٌ، وقال التُّوربشتيُّ: لقَّنه النَّبيُّ ﷺ هذا القول؛ ليتلفَّظ به عند البيع؛ ليطَّلع (٤) به صاحبه على أنَّه ليس من ذوي البصائر من معرفة السِّلع ومقادير القيمة فيها، ليرى له كما يرى لنفسه، وكان النَّاس في ذلك أحقَّاءَ لا يغبنون (٥) أخاهم (٦) المسلم،

стр. 4613

وكانوا (١) ينظرون له كما ينظرون (٢) لأنفسهم. انتهى. واستعماله في الشَّرع عبارةٌ عن اشتراط خيار الثَّلاث، وقد زاد البيهقيُّ في هذا الحديث بإسنادٍ حسنٍ: «ثمَّ أنت بالخيار في كلِّ سلعةٍ ابتعتها ثلاث ليالٍ»، وفي رواية الدَّارقُطنيِّ عن عمر: فجعل له رسول الله ﷺ عهدةَ ثلاثةِ أيَّامٍ، زاد ابن إسحاق في رواية يونس بن بكيرٍ: «فإن رضيت (٣) فأمسك، وإن سخطت (٤) فاردد»، فبقي حتَّى أدرك زمن (٥) عثمان وهو ابن مئةٍ وثلاثين سنةً، فكثر النَّاس في زمن عثمان، فكان إذا اشترى شيئًا، فقيل له: إنَّك (٦) غُبِنت فيه، رجع به فيشهد له الرَّجل من الصَّحابة بأنَّ النَّبيَّ ﷺ قد جعله بالخيار ثلاثًا، فردَّ له دراهمه، واستدلَّ به أحمد (٧)؛ لأنَّه يردُّ بالغبن الفاحش لمن لم يعرف قيمة السِّلعة، وحدَّه بعض الحنابلة: بثلث القيمة، وقيل: بسدسها، وأجاب الشَّافعيَّة والحنفيَّة والجمهور: بأنَّها واقعةُ عينٍ وحكاية حالٍ، فلا يصحُّ دعوى العموم فيها عند أحدٍ (٨)، وقال البيضاويُّ: حديث ابن عمر هذا يدلُّ على أنَّ الغبن لا يفسد البيع ولا يثبت الخيار؛ لأنَّه لو أفسد البيع أو أثبت الخيار؛ لَبيَّنه رسول الله (٩) ﷺ ، ولم يأمره بالشَّرط. انتهى. وفيه: اشتراط الخيار من المشتري فقط وقِيسَ به البائعُ، ويصدق ذلك باشتراطهما معًا، وخرج بالثَّلاثة ما فوقها وشرط (١٠) الخيار مطلقًا؛ لأنَّ ثبوت الخيار على خلاف القياس؛ لأنَّه غررٌ، فيقتصر فيه على مورد النَّصِّ، وجاز أقلُّ منها بالأَولى. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «ترك الحيل» [خ¦٦٩٦٤]، وأبو داود والنَّسائيُّ في «البيوع».

стр. 4614

(٤٩) (باب مَا ذُكِرَ فِي الأَسْوَاقِ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) فيما سبق موصولًا في أوَّل «كتاب البيوع» [خ¦٢٠٤٨]: (لَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ قُلْتُ: هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ؟) وسقط قوله (١) «قلت» لأبي ذرٍّ (قَالَ) سعد بن الرَّبيع، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فقال»: (سُوقُ قَيْنُقَاعٍَ) بضمِّ النُّون، منصرفٌ وغير منصرفٍ (وَقَالَ أَنَسٌ) ممَّا وصله في الباب المذكور أيضًا: (قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ: (دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ، وَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب، فيما وصله في أثناء حديث أبي موسى في «باب الخروج في التِّجارة» [خ¦٢٠٦٢] من «كتاب البيوع»: (أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ). ٢١١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) بفتح الصَّاد المهملة وتشديد المُوحَّدة، ابن سفيان الدَّولابيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) أبو زيادٍ الأسديُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ) بضمِّ السِّين المهملة وسكون الواو وبالقاف، أبي بكرٍ الغَنَويِّ الكوفيِّ، من صغار التَّابعين (عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) أنَّه (قَالَ: حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ رضي الله تعالى عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَغْزُو) بالغين والزَّاي المعجمتين، أي: يقصد (جَيْشٌ الكَعْبَةَ) لتخريبها (فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ) ولمسلمٍ عن أبي جعفرٍ الباقر: هي بيداء المدينة

стр. 4615

(يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ) وزاد التِّرمذيُّ في حديث صفيَّة: «ولم ينجُ أوسطهم» ولمسلمٍ في حديث حفصة: «فلا يبقى إلَّا الشَّريد (١) الذي يُخبِر عنهم». (قَالَتْ) عائشة: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟) جمع سوقٍ، وعليه ترجم المؤلِّف، والتَّقدير: أهل أسواقهم الذين يبيعون ويشترون كما في المدن، وفي «مستخرج أبي نُعيمٍ»: «وفيهم أشرافهم» بالمعجمة والرَّاء والفاء، وفي رواية محمَّد بن بكَّارٍ عند الإسماعيليِّ: «وفيهم سواهم» بدل «أسواقهم»، وقال: رواه البخاريُّ: أسواقهم، أي: بالقاف، وأظنُّه تصحيفًا، فإنَّ الكلام في الخسف بالنَّاس لا بالأسواق، وتعقَّبه في «فتح الباري» بأنَّ لفظ: «سواهم» تصحيفٌ، فإنَّه بمعنى قوله: ومن ليس منهم، فيلزم منه التَّكرار بخلاف رواية البخاريِّ، ويحتمل أن يكون المراد بالأسواق هنا: الرَّعايا، قال ابن الأثير: السُّوقة من النَّاس الرَّعيَّة ومَنْ دون المَلِك، وكثيرٌ من النَّاس يظنُّون السُّوقة أهل الأسواق. انتهى (٢). قال في «اللَّامع» كـ «التَّنقيح»: لكن هذا يتوقَّف على أنَّ السُّوقة (٣) يُجمَع على «أسواقٍ»، وذكر صاحب «الجامع»: أنَّها تُجمَع على «سُوَقٍ» كـ «قُثَمٍ»، قال في «المصابيح»: لكنَّ البخاريَّ إنَّما فهم منه أنَّه جمع سوقٍ الذي هو محلُّ البيع والشِّراء، فينبغي أن يُحرَّر النَّظر فيه. انتهى. ونبَّه به على أنَّ حديث: «أبغض البلاد إلى الله أسواقها» المرويَّ في مسلمٍ ليس من شرطه، وفي رواية مسلمٍ: فقلنا: إنَّ الطَّريق تجمع النَّاس؟ قال: «نعم، فيهم المستبصر» أي: المستبين لذلك، القاصد للمقاتلة (٤) «والمجبور» -بالجيم والمُوحَّدة- أي: المُكرَه «وابن السَّبيل»، أي: سالك الطَّريق معهم وليس منهم، والغرض أنَّها استشكلت وقوع العذاب على من لا إرادة له في القتال الذي هو سبب العقوبة (قَالَ) ﵊ مجيبًا لها: (يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ) لشؤم الأشرار (ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ) فيُعامَل كلُّ أحدٍ (٥) عند الحساب بحسب قصده، وفيه: التَّحذير من مصاحبة أهل الظُّلم ومجالستهم. وأخرجه مسلمٌ من وجهٍ آخر عن عائشة ﵂.

стр. 4616

٢١١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم وكسر الرَّاء الأولى، ابن عبد الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (١) ﷺ : صَلَاةُ أَحَدِكُمْ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ) في «باب فضل الجماعة» [خ¦٦٤٧] من «كتاب الصَّلاة»: «صلاة الرَّجل في الجماعة تضعف» (عَلَى صَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ وَبَيْتِهِ بِضْعًا) بكسر المُوحَّدة: ما بين الثَّلاث إلى التِّسع على المشهور، وقيل: إلى عشرٍ، وقيل غير ذلك (وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) وفي «الصَّلاة» [خ¦٦٤٦] بلفظ: خمسةً وعشرين (وَذَلِكَ) إشارةٌ إلى الزِّيادة (بِأَنَّهُ) أي: بسبب أنَّه (إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى المَسْجِدَ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ، لَا يَنْهَزُهُ) بفتح التَّحتيَّة والهاء بينهما نونٌ ساكنةٌ، وبعد الزَّاي هاءٌ: لا يدفعه، ولأبي ذرٍّ: «لا يُنهِزه» بضمِّ أوله وكسر ثالثه، أي: لا ينهضه (إِلَّا الصَّلَاةُ) أي: قصدها في جماعةٍ (لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً) بفتح الخاء (إِلَّا رُفِعَ بِهَا دَرَجَةً) بالنَّصب (أَوْ حُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ) بالرَّفع نائبٌ عن الفاعل، أي: مُحِيت من صحيفته، والجملة كالبيان لسابقتها (وَالمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ) أي: مدَّة دوامه (فِي مُصَلَّاهُ) بضمِّ الميم: المكان (الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ) والمراد: كونه في المسجد مستمرًّا على انتظار الصَّلاة، تقول: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ) بيانٌ لقوله:

стр. 4617

«تصلِّي عليه» (مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ) يُخرِج ريحًا من دبره (مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ) المَلَك بنتن الحدث، أو المسلم بالفعل أو القول، بيانٌ لما لم يُحْدِث فيه (وَقَالَ) ﵊: (أَحَدُكُمْ فِي) ثواب (صَلَاةٍ مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ). وهذا الحديث قد مرَّ في «باب فضل صلاة الجماعة» [خ¦٦٤٧]. ٢١٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف التَّحتيَّة، قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي السُّوقِ، فَقَالَ رَجُلٌ) لم يُسَمَّ: (يَا أَبَا القَاسِمِ، فَالتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ) الرَّجل: (إِنَّمَا دَعَوْتُ هَذَا) أي: شخصًا آخر غيرك (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : سَمُّوا) بفتح السِّين وضمِّ الميم، وفي نسخةٍ: «تسمُّوا» (بِاسْمِي) محمَّدٍ وأحمد (وَلَا تَكَنَّوْا) بفتح التَّاء والنُّون المُشدَّدة على حذف إحدى التَّاءين (بِكُنْيَتِي) أبي القاسم، وقوله: «سمُّوا (١)» جملةٌ من الفعل والفاعل، و «باسمي» صلةٌ له، وكذا قوله: «ولا تكنَّوا بكنيتي»، وهو من باب عطف المنفيِّ على المثبت، والأمر والنَّهي هنا ليسا للوجوب والتَّحريم، فقد جوَّزه مالكٌ مطلقًا؛ لأنَّه إنَّما كان في زمنه للالتباس، ثمَّ نُسِخ فلم يبق التباسٌ، وقال جمعٌ من السَّلف: النَّهيُ مختصٌّ بمن اسمه محمَّدٌ أو أحمد؛ لحديث النَّهي أن يجمع بين اسمه وكنيته، والغرض من الحديث هنا قوله: «كان النَّبيُّ ﷺ في السُّوق».

стр. 4618

وقد أخرجه أيضًا في «كتاب الاستئذان» [خ¦٣٥٣٧]. ٢١٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بن زيادٍ، أبو غسَّان النَّهديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بضمِّ الزَّاي وفتح الهاء، ابن معاوية (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: دَعَا رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (بِالبَقِيعِ) بالسُّوق الذي كان به: (يَا أَبَا القَاسِمِ، فَالتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ) له الرَّجل: (لَمْ أَعْنِكَ) بفتح الهمزة وسكون العين المهملة وكسر النُّون، أي: لم أقصدك (قَالَ) ﵊: (سَمُّوا) بضمِّ الميم (بِاسْمِي، وَلَا تَكْتَنُوا) بفتح التَّاءين وسكون الكاف بينهما وضمِّ النُّون (بِكُنْيَتِي) (١) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «ولا تَكَنَّوا» بفتح التَّاء والكاف والنُّون المُشدَّدة على حذف إحدى التَّاءين، وقد عُورِض المصنِّف في إيراد هذه الطَّريق الثَّانية بأنَّه ليس فيها ذكر السُّوق وما تقدّم من كون السُّوق كان بالبقيع، قال العينيُّ: يحتاج إلى دليلٍ. ٢١٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، مُصغَّرًا (بْنِ أَبِي يَزِيدَ) من الزِّيادة، وسقط قوله «ابن أبي يزيد» لابن عساكر (عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيِّ) بفتح الدَّال المهملة وسكون الواو وبالسِّين المهملة، نسبةً إلى دَوْسٍ، قبيلةٌ من الأزد (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَائِفَةِ النَّهَارِ)

стр. 4619

في قطعةٍ منه، وقال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: وفي بعضها: «صائفة النَّهار» أي: حرِّ النَّهار، يُقال: يومٌ صائفٌ، أي: حارٌّ، قال العينيُّ: وهو الأوجه، كذا قاله، والمدار على المرويِّ، لكنَّ الحافظ ابن حجرٍ حكاه عن الكِرمانيِّ ولم ينكره، فالله أعلم (لَا يُكَلِّمُنِي) لعلَّه كان مشغولًا بوحيٍ أو غيره (وَلَا أُكَلِّمُهُ) توقيرًا له وهيبةً منه (حَتَّى أَتَى سُوقَ بَنِي (١) قَيْنَُِقَاعَ) بتثليث النُّون (٢)، أي: ثمَّ انصرف منه (فَجَلَسَ بِفِنَاءِ بَيْتِ فَاطِمَةَ) ابنته ﵂ -بكسر الفاء ممدودًا- اسمٌ للموضع المتَّسع الذي أمام البيت (فَقَالَ) ﵊: (أَثَمَّ لُكَعُ؟ أَثَمَّ لُكَعُ؟) بهمزة الاستفهام وفتح المُثلَّثة وتشديد الميم، اسمٌ يُشار به للمكان البعيد، وهو ظرفٌ لا يتصرَّف (٣)؛ فلذا غلط من أعربه مفعولًا لقوله: ﴿رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ﴾ [الإنسان: ٢٠] و «لُكَعُ»: بضمِّ اللَّام وفتح الكاف وبالعين المهملة غير مُنوَّنٍ؛ لشبهه بالمعدول، أو أنَّه منادًى مُفرَدٌ معرفةٌ، وتقديره: أثمَّةَ أنت يا لُكَعُ؟ ومعناه: الصَّغير بلغة تميم، قال الهرويُّ: وإلى هذا ذهب الحسن، إذا قال الإنسان: يا لكع، يريد: يا صغير، ومراده ﵊: الحَسن -بفتح الحاء- ابن ابنته ﵄ (فَحَبَسَتْهُ) أي: منعت فاطمةُ الحسنَ من المبادرة إلى الخروج إليه ﵊ (شَيْئًا) (٤) قال أبو هريرة: (فَظَنَنْتُ أَنَّهَا تُلْبِسُهُ) أي: أنَّ فاطمة تُلبِس الحسن (سِخَابًا) بكسر السِّين المهملة وخاءٍ معجمةٍ خفيفةٍ وبعد الألف مُوحَّدة: قلادةً من طيبٍ ليس فيها ذهبٌ ولا فضَّةٌ، أو هي من قرنفلٍ أو خرزٍ (أَوْ تُغَسِّلُهُ) بالتَّشديد (٥)، ولأبي ذرٍّ: «تغسِله» بالتَّخفيف (فَجَاءَ) الحسن (يَشْتَدُّ) يسرع (حَتَّى عَانَقَهُ) النَّبيُّ ﷺ (وَقَبَّلَهُ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَحْبِبْهُ) بسكون الحاء المهملة والمُوحَّدة وبينهما باءٌ أخرى مكسورةٌ، وللحَمُّويي والمُستملي: «أحِبَّه» بكسر الحاء وإدغام الموحَّدة في الأخرى، وزاد مسلمٌ: فقال: «اللَّهمَّ إنِّي أحبُّه فأحبَّه» (وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ) بفتح الهمزة وكسر الحاء. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٨٨٤]، ومسلمٌ في «الفضائل»، والنَّسائيُّ في «المناقب»، وابن ماجه في «السُّنة».

стр. 4620

(قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة بالإسناد السَّابق: (قَالَ عُبَيْدُ اللهِ) بن أبي يزيد: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد، وفيه: تقديم الرَّاوي على الإخبار، وهو جائزٌ (أَنَّهُ رَأَى نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ) قال في «فتح الباري»: وأراد البخاريُّ بهذه الزِّيادة بيان لقيِّ عبيد الله (١) لنافع بن جُبَيرٍ، فلا تضرُّ العنعنة في الطَّريق الموصولة؛ لأنَّ من ليس بمدلِّسٍ إذا ثبت لقاؤه لمن حدَّث عنه حُمِلت عنعنته على السَّماع اتِّفاقًا، وإنَّما الخلاف في المدلِّس، أو فيمن لم يثبت لقيُّه لمن روى عنه، وأبعد الكِرمانيُّ فقال: إنَّما ذكر الوتر هنا؛ لأنَّه لمَّا روى الحديث الموصول عن نافع بن جُبَيرٍ انتهز الفرصة لبيان ما ثبت في الوتر ممَّا اختُلِف في جوازه. انتهى. ٢١٢٣ - ٢١٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزاميُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ) بفتح الضَّاد المعجمة وسكون الميم وبالرَّاء، أنس بن عياضٍ قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «موسى بن عُقْبة» بضمِّ العين وسكون القاف، ابن أبي عيَّاشٍ المدنيُّ مولى الزُّبير ابن العوَّام (٢) (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر: أنَّه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب: (أَنَّهُمْ كَانُوا يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ) وفي روايةٍ: «طعامًا» (مِنَ الرُّكْبَانِ) جمع راكبٍ، والمراد به: جماعة أصحاب الإبل في السَّفر (عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَيَبْعَثُ) النَّبيُّ ﷺ (عَلَيْهِمْ مَنْ يَمْنَعُهُمْ) في محلِّ نصبٍ مفعولُ «يبعث» (أَنْ يَبِيعُوهُ حَيْثُ) أي: من البيع في مكانٍ (اشْتَرَوْهُ حَتَّى يَنْقُلُوهُ حَيْثُ يُبَاعُ الطَّعَامُ) في الأسواق؛ لأنَّ القبض شرطٌ، وبالنَّقل المذكور يحصل القبض، ووجهُ نهيِهِ عن بيع ما يُشترَى من الرُّكبان إلَّا بعد التَّحويل وفي موضعٍ يريد أن يبيع فيه الرِّفقُ بالنَّاس، ولذلك ورد النَّهي عن تلقِّي الرُّكبان؛ لأنَّ فيه ضررًا لغيره (٣) من

стр. 4621

حيث السِّعرُ؛ فلذلك أمرهم بالنَّقل عند تلقِّي الرُّكبان؛ ليوسِّعوا على أهل الأسواق. (قَالَ) نافعٌ بالسَّند السَّابق: (وَحَدَّثَنَا ابْنُ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُبَاعَ الطَّعَامُ إِذَا اشْتَرَاهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ) أي: يقبضه، وفيه: أنَّه لا يجوز بيع المبيع قبل قبضه. وحديث بيع الطَّعام قبل قبضه هذا أخرجه المؤلِّف [خ¦٢١٣٦]، ومسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ بأسانيد مختلفة، وألفاظٍ متباينة. (٥٠) (باب كَرَاهِيَةِ السَّخَبِ) بفتح السِّين المهملة والخاء المعجمة آخره مُوحَّدةٌ، ويجوز إبدال السِّين بالصَّاد المهملة، لتقاربهما مخرجًا، وهو رفع الصَّوت بالخصام ونحوه (فِي السُّوقِ). ٢١٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السِّين المهملة وبنونين بينهما ألفٌ، العَوَقِيُّ -بفتح الواو وبالقاف- كان ينزل العَوَقَة، بطنٌ من عبد القيس فنُسِب إليهم، وهو باهليٌّ بصريٌّ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) هو ابن سليمان أبو يحيى الحرَّانيُّ، واسمه عبد الملك، وفُلَيحٌ لقبُه، قال: (حَدَّثَنَا هِلَالٌ) (١) هو ابن عليٍّ -على الأصحِّ- القرشيُّ المدنيُّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بفتح التَّحتيَّة والمهملة المُخفَّفة وبعد الألف راءٌ، أنَّه (قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄، قُلْتُ) له:

стр. 4622

(أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ) لأنَّه كان قد قرأها (١) (قَالَ) عبد الله: (أَجَلْ) بفتح الهمزة والجيم وباللَّام، حرف جوابٍ، مثل: نعم، فيكون تصديقًا للمخبر وإعلامًا للمستخبر ووعدًا للطَّالب، فيقع بعد نحو: قام زيدٌ، ونحو: أقام زيدٌ، ونحو: اضرب زيدًا، أي: فيكون بعد الخبر وبعد الاستفهام والطَّلب، وقيل: تختصُّ (٢) بالخبر، وهو قول الزَّمخشريِّ وابن مالكٍ، وقيَّد المالِقيُّ الخبر بالمثبت، والطَّلب بغير النَّهي، وقال في «القاموس»: هي (٣) جوابٌ كـ «نعم» إلَّا أنَّه أحسن منه في التَّصديق، و «نعم» أحسن منه في الاستفهام. انتهى. وهذا قاله الأخفش كما في «المغني» لابن هشامٍ، قال الطِّيبيُّ: وفي الحديث جاء جوابًا للأمر (٤) على تأويل (٥): قرأتَ التَّوراة، هل وجدت صفة رسول الله ﷺ فيها فأخبرني؟ قال: أجل (وَاللهِ، إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي القُرْآنِ) أكَّد كلامه بمؤكِّدات الحلف بالله، والجملة الاسميَّة ودخول «إنَّ» عليها، ودخول لام التَّأكيد على الخبر: (﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾) لأمَّتك المؤمنين بتصديقهم، وعلى الكافرين بتكذيبهم، وانتصاب ﴿شَاهِدًا﴾ على الحال المُقدَّرة من الكاف، أو من الفاعل، أي: مقدِّرًا أو مُقدِّرين شهادتك على من بُعِثت إليهم، وعلى تكذيبهم وتصديقهم، أي: مقبولًا قولك (٦) عند الله لهم وعليهم كما يُقبَل قول الشَّاهد العدل في الحكم، (﴿وَمُبَشِّرًا﴾) للمؤمنين (﴿وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]) للكافرين، أو مبشِّرًا للمطيعين بالجنَّة، والعصاة بالنَّار، أو شاهدًا للرُّسل قبله بالبلاغ، وهذا كلُّه في القرآن في سورة «الأحزاب»

стр. 4623

(وَحِرْزًا) بكسر الحاء المهملة وبعد الرَّاء السَّاكنة زايٌ، أي: حصنًا (لِلأُمِّيِّينَ) للعرب يتحصَّنون به من (١) غوائل الشَّيطان، أو من سطوة العجم وتغلُّبهم، وسُمُّوا أمِّيِّين؛ لأنَّ أغلبهم لا يقرؤون ولا يكتبون (أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ) أي: على الله، لقناعته باليسير من الرِّزق، واعتماده على الله في النَّصر، والصَّبر على انتظار الفرج، والأخذ بمحاسن الأخلاق، واليقين بتمام وعد الله، فتوكَّل عليه، فسمَّاه المتوكِّل (لَيْسَ بِفَظٍّ) سيِّئ الخلق جافيًا (وَلَا غَلِيظٍ) قاسي القلب، وهو (٢) موافقٌ لقوله تعالى (٣): ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ولا يعارض (٤) قوله تعالى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] لأنَّ النَّفيَ محمولٌ على طبعه الذي جُبِل عليه، والأمر محمولٌ على المعالجة، أو النَّفي بالنِّسبة للمؤمنين، والأمر بالنِّسبة للكفَّار والمنافقين، كما هو مُصرَّحٌ به في نفس الآية، ويحتمل أن تكون هذه آيةً أخرى في التَّوراة لبيان صفته، وأن تكون حالًا، إمَّا من «المتوكِّل» أو من (٥) الكاف في «سمَّيتك»، وعلى هذا يكون فيه التفاتٌ من الخطاب إلى الغيبة، ولو جرى على النَّسق الأوَّل، لقال: لست بفظٍّ (وَلَا سَخَّابٍ) بتشديد الخاء المعجمة بعد السِّين المهملة، وهي لغةٌ أثبتها الفرَّاء وغيره، والصَّخَّاب -بالصَّاد- أشهرُ، أي: لا يرفع صوته على النَّاس لسوء خلقه، ولا يكثر الصِّياح عليهم (فِي الأَسْوَاقِ) بل يليِّن جانبه لهم ويرفق بهم، وفيه ذمُّ أهل السُّوق الذين يكونون بالصِّفة المذمومة من الصَّخب واللَّغط، والزِّيادة في المدحة والذَّمِّ لما يتبايعونه والأيمان الحانثة؛ ولهذا قال ﵊: «شرُّ البقاع الأسواق»؛ لما يغلب على أهلها من هذه الأحوال المذمومة (وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ) هو كقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] (وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ) ما لم تُنتهَك حرمات الله تعالى (وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللهُ) يُميته (حَتَّى يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجَاءَ) ملَّة إبراهيم، فإنَّها قد اعوجَّت في أيَّام الفترة، فزِيدت ونقصت، وغُيِّرت عن استقامتها، وأُميلت بعد قوامها، وما زالت كذلك حتَّى قام الرَّسول ﷺ فأقامها بنفي ما كان عليه العرب من الشِّرك،

стр. 4624

وإثبات التَّوحيد (بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَيَفْتَحُ بِهَا) أي: بكلمة التَّوحيد (أَعْيُنًا عُمْيًا) بضمِّ العين وسكون الميم: صفةٌ لـ «أعينٍ»، ولا تَنافيَ بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ﴾ [النمل: ٨١] لأنَّه دلَّ إيلاء الفاعل (١) المعنويِّ حرفَ النَّفي على أنَّ الكلام في الفاعل، وذلك أنَّه تعالى نزَّله -لحرصه على إيمان القوم- منزلةَ من يدَّعي استقلاله بالهداية، فقال له: أنت لست بمستقلٍّ (٢) فيه، بل إنَّك لَتهدي إلى صراطٍ مستقيمٍ بإذن الله تعالى وتيسيره، وعلى هذا فـ «يفتحُ» معطوفٌ على قوله: «يقيم» أي: يقيم الله تعالى بواسطته الملَّة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلَّا الله، ويفتح بواسطة هذه الكلمة أعينًا عميًا (وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا) بضمِّ الغين وسكون اللَّام، صفةٌ لـ «قلوبًا»، و «صمًّا» لـ «آذانًا»، ولأبي ذرٍّ: «ويُفتَح» بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول «بها أعينٌ عميٌ، وآذانٌ صُمٌّ، وقلوبٌ غلفٌ» بالرَّفع على ما لا يخفى. (تَابَعَهُ) أي: تابع فليحًا (عَبْدُ العَزِيزِ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ هِلَالٍ) هو ابن عليٍّ، وهذه المتابعة وصلها في «سورة الفتح» [خ¦٤٨٣٨] (وَقَالَ سَعِيدٌ) هو ابن أبي هلالٍ، ممَّا وصله الدَّارميُّ في «مسنده»، ويعقوب بن سفيان في «تاريخه»، والطَّبرانيُّ جميعًا بإسنادٍ واحدٍ (عَنْ هِلَالٍ) المذكور في سند الحديث (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن يسارٍ (عَنِ ابْنِ سَلَامٍ) -بتخفيف اللَّام- عبد الله الصَّحابيِّ، وقد خالف سعيدٌ هذا عبدَ العزيز وفليحًا في تعيين الصَّحابيِّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولا مانع أن يكون عطاء بن يسارٍ حمله عن كلٍّ منهما، فقد أخرجه ابن سعدٍ من طريق زيد بن أسلم قال: بلغنا أنَّ عبد الله بن سلامٍ كان يقول … فذكره، وسأذكر لرواية عبد الله بن سلامٍ متابعاتٍ في «تفسير سورة الفتح». انتهى. قلت: ولم أجد ما وعد به ﵀ من المتابعات في «سورة الفتح»، ولعلَّه سها عن ذكر ذلك كغيره في كثيرٍ من الحوالات، نعم وُجِد بخطِّه في «تفسير سورة الفتح» تُنظَر الفرجة، ولم توجد غير فرجةٍ ليس فيها كتابةٌ، فلعلَّه أراد أن يكتب فيها ما وعد به أو غيره. (غُلْفٌ) بضمِّ الغين وسكون اللَّام: (كُلُّ شَيْءٍ فِي غِلَافٍ)، ويُقال: (سَيْفٌ أَغْلَفُ) إذا كان في غلافٍ (وَ) كذا يُقال: (قَوْسٌ غَلْفَاءُ) إذا كانت في غلافٍ، كالجَعْبَة ونحوها (وَ) كذا (رَجُلٌ

стр. 4625

أَغْلَفُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَخْتُونًا، قَالَهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريّ، وهو كلام أبي عبيدة في «المجاز»، وهذا كلامٌ (١) وقع في رواية النَّسفيِّ والمُستملي كما قاله في «الفتح»، لكن قال: إنَّه قبل قوله: «تابعه»، والذي في الفرع تأخيره -كما ترى- وسقوطه في رواية ابن عساكر، وزيادة: «قال أبو عبد الله» لأبي ذرٍّ عن المُستملي بدون هاء الضَّمير في: «قال». (٥١) (بابُ) مؤنةِ (الكَيْلِ) فيما يُكال، ومؤنة الوزن فيما يُوزن (عَلَى البَائِعِ وَ) كذا تكون على (المُعْطِي) بكسر الطَّاء، بائعًا كان أو موفيًا للدَّين أو غير ذلك، وهذا قول أبي حنيفة ومالكٍ والشَّافعيِّ (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بلام التَّعليل للتَّرجمة، ولأبي ذرٍّ: «وقولِ الله تعالى» بالجرِّ عطفًا على «الكيل» أي: بابٌ في بيان الكيل، وفي (٢) بيان معنى قوله تعالى: (﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]) وفي حديث ابن عبَّاسٍ عند النَّسائيِّ وابن ماجه: لمَّا قَدِمَ نبيُّ الله ﷺ المدينة كانوا من أخبث الناس كيلًا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] فحسنوا بعد ذلك (يَعْنِي: كَالُوا لَهُمْ أوْ وَزَنُوا لَهُمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَسْمَعُونَكُمْ﴾ [الشعراء: ٧٢]: يَسْمَعُونَ لَكُمْ) فحذف الجارَّ وأوصل الفعل، أو كالوا مكيلهم، فحُذِف المضاف وأُقيم المضاف إليه مُقامه (٣). قال في «الكشَّاف»: ولا يصحُّ أن يكون ضميرًا مرفوعًا «للمطفِّفين»؛ لأنَّ الكلام يخرج به إلى نظمٍ فاسدٍ، وذلك أنَّ المعنى: إذا أخذوا من النَّاس استوفوا، وإذا أعطوهم أخسروا، وإن
следующие страницы →