حيث السِّعرُ؛ فلذلك أمرهم بالنَّقل عند تلقِّي الرُّكبان؛ ليوسِّعوا على أهل الأسواق. (قَالَ) نافعٌ بالسَّند السَّابق: (وَحَدَّثَنَا ابْنُ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُبَاعَ الطَّعَامُ إِذَا اشْتَرَاهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ) أي: يقبضه، وفيه: أنَّه لا يجوز بيع المبيع قبل قبضه.
وحديث بيع الطَّعام قبل قبضه هذا أخرجه المؤلِّف [خ¦٢١٣٦]، ومسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ بأسانيد مختلفة، وألفاظٍ متباينة.
(٥٠) (باب كَرَاهِيَةِ السَّخَبِ) بفتح السِّين المهملة والخاء المعجمة آخره مُوحَّدةٌ، ويجوز إبدال السِّين بالصَّاد المهملة، لتقاربهما مخرجًا، وهو رفع الصَّوت بالخصام ونحوه (فِي السُّوقِ).
٢١٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السِّين المهملة وبنونين بينهما ألفٌ، العَوَقِيُّ -بفتح الواو وبالقاف- كان ينزل العَوَقَة، بطنٌ من عبد القيس فنُسِب إليهم، وهو باهليٌّ بصريٌّ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) هو ابن سليمان أبو يحيى الحرَّانيُّ، واسمه عبد الملك، وفُلَيحٌ لقبُه، قال: (حَدَّثَنَا هِلَالٌ) (١) هو ابن عليٍّ -على الأصحِّ- القرشيُّ المدنيُّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بفتح التَّحتيَّة والمهملة المُخفَّفة وبعد الألف راءٌ، أنَّه (قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄، قُلْتُ) له:
стр. 4622
(أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ) لأنَّه كان قد قرأها (١) (قَالَ) عبد الله: (أَجَلْ) بفتح الهمزة والجيم وباللَّام، حرف جوابٍ، مثل: نعم، فيكون تصديقًا للمخبر وإعلامًا للمستخبر ووعدًا للطَّالب، فيقع بعد نحو: قام زيدٌ، ونحو: أقام زيدٌ، ونحو: اضرب زيدًا، أي: فيكون بعد الخبر وبعد الاستفهام والطَّلب، وقيل: تختصُّ (٢) بالخبر، وهو قول الزَّمخشريِّ وابن مالكٍ، وقيَّد المالِقيُّ الخبر بالمثبت، والطَّلب بغير النَّهي، وقال في «القاموس»: هي (٣) جوابٌ كـ «نعم» إلَّا أنَّه أحسن منه في التَّصديق، و «نعم» أحسن منه في الاستفهام. انتهى. وهذا قاله الأخفش كما في «المغني» لابن هشامٍ، قال الطِّيبيُّ: وفي الحديث جاء جوابًا للأمر (٤) على تأويل (٥): قرأتَ التَّوراة، هل وجدت صفة رسول الله ﷺ فيها فأخبرني؟ قال: أجل (وَاللهِ، إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي القُرْآنِ) أكَّد كلامه بمؤكِّدات الحلف بالله، والجملة الاسميَّة ودخول «إنَّ» عليها، ودخول لام التَّأكيد على الخبر: (﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾) لأمَّتك المؤمنين بتصديقهم، وعلى الكافرين بتكذيبهم، وانتصاب ﴿شَاهِدًا﴾ على الحال المُقدَّرة من الكاف، أو من الفاعل، أي: مقدِّرًا أو مُقدِّرين شهادتك على من بُعِثت إليهم، وعلى تكذيبهم وتصديقهم، أي: مقبولًا قولك (٦) عند الله لهم وعليهم كما يُقبَل قول الشَّاهد العدل في الحكم، (﴿وَمُبَشِّرًا﴾) للمؤمنين (﴿وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]) للكافرين، أو مبشِّرًا للمطيعين بالجنَّة، والعصاة بالنَّار، أو شاهدًا للرُّسل قبله بالبلاغ، وهذا كلُّه في القرآن في سورة «الأحزاب»
стр. 4623
(وَحِرْزًا) بكسر الحاء المهملة وبعد الرَّاء السَّاكنة زايٌ، أي: حصنًا (لِلأُمِّيِّينَ) للعرب يتحصَّنون به من (١) غوائل الشَّيطان، أو من سطوة العجم وتغلُّبهم، وسُمُّوا أمِّيِّين؛ لأنَّ أغلبهم لا يقرؤون ولا يكتبون (أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ) أي: على الله، لقناعته باليسير من الرِّزق، واعتماده على الله في النَّصر، والصَّبر على انتظار الفرج، والأخذ بمحاسن الأخلاق، واليقين بتمام وعد الله، فتوكَّل عليه، فسمَّاه المتوكِّل (لَيْسَ بِفَظٍّ) سيِّئ الخلق جافيًا (وَلَا غَلِيظٍ) قاسي القلب، وهو (٢) موافقٌ لقوله تعالى (٣): ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ولا يعارض (٤) قوله تعالى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] لأنَّ النَّفيَ محمولٌ على طبعه الذي جُبِل عليه، والأمر محمولٌ على المعالجة، أو النَّفي بالنِّسبة للمؤمنين، والأمر بالنِّسبة للكفَّار والمنافقين، كما هو مُصرَّحٌ به في نفس الآية، ويحتمل أن تكون هذه آيةً أخرى في التَّوراة لبيان صفته، وأن تكون حالًا، إمَّا من «المتوكِّل» أو من (٥) الكاف في «سمَّيتك»، وعلى هذا يكون فيه التفاتٌ من الخطاب إلى الغيبة، ولو جرى على النَّسق الأوَّل، لقال: لست بفظٍّ (وَلَا سَخَّابٍ) بتشديد الخاء المعجمة بعد السِّين المهملة، وهي لغةٌ أثبتها الفرَّاء وغيره، والصَّخَّاب -بالصَّاد- أشهرُ، أي: لا يرفع صوته على النَّاس لسوء خلقه، ولا يكثر الصِّياح عليهم (فِي الأَسْوَاقِ) بل يليِّن جانبه لهم ويرفق بهم، وفيه ذمُّ أهل السُّوق الذين يكونون بالصِّفة المذمومة من الصَّخب واللَّغط، والزِّيادة في المدحة والذَّمِّ لما يتبايعونه والأيمان الحانثة؛ ولهذا قال ﵊: «شرُّ البقاع الأسواق»؛ لما يغلب على أهلها من هذه الأحوال المذمومة (وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ) هو كقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] (وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ) ما لم تُنتهَك حرمات الله تعالى (وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللهُ) يُميته (حَتَّى يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجَاءَ) ملَّة إبراهيم، فإنَّها قد اعوجَّت في أيَّام الفترة، فزِيدت ونقصت، وغُيِّرت عن استقامتها، وأُميلت بعد قوامها، وما زالت كذلك حتَّى قام الرَّسول ﷺ فأقامها بنفي ما كان عليه العرب من الشِّرك،
стр. 4624
وإثبات التَّوحيد (بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَيَفْتَحُ بِهَا) أي: بكلمة التَّوحيد (أَعْيُنًا عُمْيًا) بضمِّ العين وسكون الميم: صفةٌ لـ «أعينٍ»، ولا تَنافيَ بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ﴾ [النمل: ٨١] لأنَّه دلَّ إيلاء الفاعل (١) المعنويِّ حرفَ النَّفي على أنَّ الكلام في الفاعل، وذلك أنَّه تعالى نزَّله -لحرصه على إيمان القوم- منزلةَ من يدَّعي استقلاله بالهداية، فقال له: أنت لست بمستقلٍّ (٢) فيه، بل إنَّك لَتهدي إلى صراطٍ مستقيمٍ بإذن الله تعالى وتيسيره، وعلى هذا فـ «يفتحُ» معطوفٌ على قوله: «يقيم» أي: يقيم الله تعالى بواسطته الملَّة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلَّا الله، ويفتح بواسطة هذه الكلمة أعينًا عميًا (وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا) بضمِّ الغين وسكون اللَّام، صفةٌ لـ «قلوبًا»، و «صمًّا» لـ «آذانًا»، ولأبي ذرٍّ: «ويُفتَح» بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول «بها أعينٌ عميٌ، وآذانٌ صُمٌّ، وقلوبٌ غلفٌ» بالرَّفع على ما لا يخفى.
(تَابَعَهُ) أي: تابع فليحًا (عَبْدُ العَزِيزِ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ هِلَالٍ) هو ابن عليٍّ، وهذه المتابعة وصلها في «سورة الفتح» [خ¦٤٨٣٨] (وَقَالَ سَعِيدٌ) هو ابن أبي هلالٍ، ممَّا وصله الدَّارميُّ في «مسنده»، ويعقوب بن سفيان في «تاريخه»، والطَّبرانيُّ جميعًا بإسنادٍ واحدٍ (عَنْ هِلَالٍ) المذكور في سند الحديث (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن يسارٍ (عَنِ ابْنِ سَلَامٍ) -بتخفيف اللَّام- عبد الله الصَّحابيِّ، وقد خالف سعيدٌ هذا عبدَ العزيز وفليحًا في تعيين الصَّحابيِّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولا مانع أن يكون عطاء بن يسارٍ حمله عن كلٍّ منهما، فقد أخرجه ابن سعدٍ من طريق زيد بن أسلم قال: بلغنا أنَّ عبد الله بن سلامٍ كان يقول … فذكره، وسأذكر لرواية عبد الله بن سلامٍ متابعاتٍ في «تفسير سورة الفتح». انتهى. قلت: ولم أجد ما وعد به ﵀ من المتابعات في «سورة الفتح»، ولعلَّه سها عن ذكر ذلك كغيره في كثيرٍ من الحوالات، نعم وُجِد بخطِّه في «تفسير سورة الفتح» تُنظَر الفرجة، ولم توجد غير فرجةٍ ليس فيها كتابةٌ، فلعلَّه أراد أن يكتب فيها ما وعد به أو غيره. (غُلْفٌ) بضمِّ الغين وسكون اللَّام: (كُلُّ شَيْءٍ فِي غِلَافٍ)، ويُقال: (سَيْفٌ أَغْلَفُ) إذا كان في غلافٍ (وَ) كذا يُقال: (قَوْسٌ غَلْفَاءُ) إذا كانت في غلافٍ، كالجَعْبَة ونحوها (وَ) كذا (رَجُلٌ
стр. 4625
أَغْلَفُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَخْتُونًا، قَالَهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريّ، وهو كلام أبي عبيدة في «المجاز»، وهذا كلامٌ (١) وقع في رواية النَّسفيِّ والمُستملي كما قاله في «الفتح»، لكن قال: إنَّه قبل قوله: «تابعه»، والذي في الفرع تأخيره -كما ترى- وسقوطه في رواية ابن عساكر، وزيادة: «قال أبو عبد الله» لأبي ذرٍّ عن المُستملي بدون هاء الضَّمير في: «قال».
(٥١) (بابُ) مؤنةِ (الكَيْلِ) فيما يُكال، ومؤنة الوزن فيما يُوزن (عَلَى البَائِعِ وَ) كذا تكون على (المُعْطِي) بكسر الطَّاء، بائعًا كان أو موفيًا للدَّين أو غير ذلك، وهذا قول أبي حنيفة ومالكٍ والشَّافعيِّ (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بلام التَّعليل للتَّرجمة، ولأبي ذرٍّ: «وقولِ الله تعالى» بالجرِّ عطفًا على «الكيل» أي: بابٌ في بيان الكيل، وفي (٢) بيان معنى قوله تعالى: (﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]) وفي حديث ابن عبَّاسٍ عند النَّسائيِّ وابن ماجه: لمَّا قَدِمَ نبيُّ الله ﷺ المدينة كانوا من أخبث الناس كيلًا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] فحسنوا بعد ذلك (يَعْنِي: كَالُوا لَهُمْ أوْ وَزَنُوا لَهُمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَسْمَعُونَكُمْ﴾ [الشعراء: ٧٢]: يَسْمَعُونَ لَكُمْ) فحذف الجارَّ وأوصل الفعل، أو كالوا مكيلهم، فحُذِف المضاف وأُقيم المضاف إليه مُقامه (٣).
قال في «الكشَّاف»: ولا يصحُّ أن يكون ضميرًا مرفوعًا «للمطفِّفين»؛ لأنَّ الكلام يخرج به إلى نظمٍ فاسدٍ، وذلك أنَّ المعنى: إذا أخذوا من النَّاس استوفوا، وإذا أعطوهم أخسروا، وإن
стр. 4626
جعلت الضَّمير «للمطفِّفين» انقلب إلى قولك: إذا أخذوا من النَّاس استوفوا، وإذا تولَّوا الكيل أو الوزن هم على الخصوص أخسروا، وهو كلامٌ متنافرٌ؛ لأنَّ الحديث واقعٌ في الفعل لا في المباشر. انتهى. وتعقَّبه أبو حيَّان فقال: لا تنافر فيه بوجهٍ، ولا فرق بين أن يُؤكَّد الضَّمير أو لا يُؤكَّد، والحديث واقعٌ في الفعل، غاية ما في هذا أنَّ متعلِّق الاستيفاء، وهو ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ مذكورٌ وهو في ﴿كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ﴾ محذوفٌ للعلم به؛ لأنَّه معلومٌ أنَّهم لا يُخسرون الكيل والميزان إذا كان لأنفسهم، إنَّما يُخسرون ذلك لغيرهم، وسقط قوله «يعني: كالوا لهم … » إلى آخره في رواية ابن عساكر. (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) فيما وصله النَّسائيُّ وابن حبَّان في حديث: لمَّا اشترى من طارق بن عبد الله المحاربيِّ وأصحابه جملًا بصيعان من تمرٍ، وأرسل إليهم رجلًا بتمرٍ يأمرهم بالأكل من التَّمر، وقال: (اكْتَالُوا حَتَّى تَسْتَوْفُوا) ثمنَ جملكم.
ومطابقته للتَّرجمة من جهة أنَّ الاكتيال يُستعمَل لما يأخذه المرء لنفسه، كقوله: اكتسب إذا حصل الكسب. (وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (عَنْ عُثْمَانَ ﵁¬) فيما وصله الدَّارقطنيُّ وأحمد وابن ماجه والبزَّار: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا (١)) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «قال له: إذا» (بِعْتَ فَكِلْ) بكسر الكاف (وَإِذَا) بالواو، وللحَمُّويي والمُستملي: «فإذا» (ابْتَعْتَ) اشتريت (فَاكْتَلْ) يعني (٢): إذا بعت فكن كائلًا، وإذا اشتريت فكن مكيلًا عليك، أي: الكيل على البائع لا المشتري، قال ابن بطَّالٍ: فيه أنَّه يكيل له غيره إذا اشترى، ويكيل لغيره إذا باع.
٢١٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِيعُهُ) ولأبي ذرٍّ: «فلا يَبِعْه» بالجزم بـ «لا» النَّاهية (حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ) أي: يقبضه، وقد سبق هذا الحديث قريبًا [خ¦٢١٢٤].
стр. 4627
٢١٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله بن عثمان قال: (أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مُغِيرَةَ) بضمِّ الميم وكسر الغين المعجمة، ابن مِقسمٍ -بكسر الميم- أبي (١) هشامٍ الكوفيِّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنْ جَابِرٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: تُوُفِّي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ) بفتح العين وسكون الميم، و «حرامٍ»: بالرَّاء المهملة، وهو أبو جابرٍ هذا (وَعَلَيْهِ دَيْنٌ) الواو للحال (فَاسْتَعَنْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) من الاستعانة، وفي «باب الشَّفاعة في الدَّين» [خ¦٢٤٠٥]: فاستشفعت (عَلَى غُرَمَائِهِ أَنْ يَضَعُوا) أي: يتركوا (مِنْ دَيْنِهِ) شيئًا (فَطَلَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ فَلَمْ يَفْعَلُوا) أي: لم يتركوا شيئًا (فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : اذْهَبْ فَصَنِّفْ تَمْرَكَ أَصْنَافًا) أي: اعزل كلَّ صنفٍ على حدةٍ، اجعل (العَجْوَةَ) وهي ضربٌ من أجود التَّمر بالمدينة (عَلَى حِدَةٍ، وَعَذْقَ زَيْدٍ عَلَى حِدَةٍ) بفتح العين المهملة وسكون الذَّال المعجمة، منصوبٌ عطفًا على «العجوة» المنصوب بالمُقدَّر، مضافًا إلى شخصٍ يُسمَّى: زيدًا، وهو نوعٌ من التَّمر رديءٌ، ولأبي ذرٍّ: «عِذق زيدٍ» بكسر العين، قال الجوهريُّ: بالفتح: النَّخلة، وبالكسر: الكِباسة (٢)، وأصناف تمر المدينة كثيرةٌ جدًّا، فذكر أبو محمَّدٍ الجوينيُّ في «الفروق»: أنَّه كان بالمدينة فبلغه أنَّهم عدُّوا عند أميرها صنوف الأسود خاصَّةً، فزادت على السِّتِّين، قال: والتَّمر الأحمر أكثر عندهم من الأسود (ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَيَّ) بلفظ الأمر (٣)، قال جابرٌ: (فَفَعَلْتُ) ما أمرني به ﷺ (ثُمَّ
стр. 4628
أَرْسَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَجَلَسَ) ولابن عساكر وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فجاء فجلس» (عَلَى أَعْلَاهُ) أي: جلس ﵊ على أعلى التَّمر (أَوْ فِي وَسَطِهِ، ثُمَّ قَالَ) ﵊: (كِلْ لِلْقَوْمِ) أمرٌ من: كال يكيل (فَكِلْتُهُمْ حَتَّى أَوْفَيْتُهُمُ الَّذِي لَهُمْ، وَبَقِيَ تَمْرِي كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ) فيه معجزةٌ ظاهرةٌ له ﷺ .
ومطابقته للتَّرجمة من جهة أنَّ الكيل على المعطي، وأخرجه في «الاستقراض» [خ¦٢٤٠٥] و «الوصايا» [خ¦٢٧٨١] و «المغازي» [خ¦٤٠٥٣] و «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٨٠]، والنَّسائيُّ في «الوصايا».
(وَقَالَ فِرَاسٌ) بكسر الفاء وتخفيف الرَّاء وبعد الألف سينٌ مُهمَلةٌ، ابن يحيى المُكتَّب في حديث جابرٍ الموصول عند المؤلِّف في أواخر (١) أبواب «الوصايا» [خ¦٢٧٨١] (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَابِرٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ) أي: لغرماء أبيه (حَتَّى أَدَّى) دين أبيه، ولغير أبي ذرٍّ وابن عساكر: «حتَّى أدَّاه» بضمير النَّصب (وَقَالَ هِشَامٌ) هو ابن عروة، فيما وصله المؤلِّف في «الاستقراض» [خ¦٢٣٩٦] (عَنْ وَهْبٍ) هو ابن كيسان مولى عبد الله بن الزُّبير (عَنْ جَابِرٍ) أنَّه قال: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : جُذَّ لَهُ) بضمِّ الجيم وتشديد الذَّال المعجمة، أي: اقطع للغريم العراجين (فَأَوْفِ لَهُ) حقَّه.
(٥٢) (باب مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الكَيْلِ).
٢١٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد الرَّازي الصَّغير قال: (حَدَّثَنَا الوَلِيدُ) بن مسلمٍ
стр. 4629
القرشيُّ (عَنْ ثَوْرٍ) هو ابن يزيد، الحمصيِّ (عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ) الكَلَاعيِّ -بفتح الكاف وتخفيف اللَّام والعين مهملة (١) - الحمصيِّ (عَنِ المِقْدَامِ) بكسر الميم (بْنِ مَعْدِيكَرِبَ) غير مصروفٍ (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: كِيلُوا طَعَامَكُمْ) أي (٢): عند البيع (يُبَارَكْ لَكُمْ) أي: فيه، قال ابن الجوزيِّ: يُشبه أن تكون هذه البركة للتَّسمية عليه عند الكيل، وقال غيره: لِما وضع الله تعالى من البركة في مُدِّ أهل المدينة بدعوته ﷺ ، ولا معارضة بين هذا الحديث وحديث عائشة الآتي -إن شاء الله تعالى- في «الرِّقاق» [خ¦٦٤٥١] المتضمِّن أنَّها كانت تُخرج قُوتها، وهو شيءٌ يسيرٌ بغير كيلٍ، فبُورِك لها فيه، فلمَّا كالته فَنِي، وعند ابن ماجه: «فما زلنا نأكل منه حتَّى كالته الجارية، فلم يلبث أن فني، ولو لم تَكِلْه لرجوت أن يبقى أكثر»؛ لأنَّ حديث الباب: أن يُكال عند شرائه (٣) أو دخوله إلى المنزل، وحديثها عند الإنفاق منه، فالكيل الأوَّل ضروريٌّ يدفع الغرر في البيع ونحوه، والثَّاني لمُجرَّد القنوط (٤) والاستكثار لما خرج منه، وقوله: «يُبارَكْ» بالجزم جوابًا للأمر.
وهذا الحديث من أفراد البخاريِّ، وأكثر رجاله شامِيُّون، ورواه الوليد عن ثورٍ عن خالدٍ عن المقدام كما ترى، فتابعه يحيى بن حمزة عن ثورٍ، وهكذا رواه عبد الرَّحمن بن مهديٍّ عن ابن المبارك عن ثورٍ، (٥) أخرجه أحمد عنه، وتابعه بَحِير بن سعدٍ (٦) عن خالد بن معدان، وخالفهم أبو الرَّبيع الزَّهرانيُّ عن ابن المبارك فأدخل بين خالدٍ والمقدام جبيرَ بن نُفَيرٍ، وهكذا (٧) أخرجه
стр. 4630
الإسماعيليُّ أيضًا، وروايته من «المزيد في متَّصل الأسانيد»، ورواه ابن ماجه في روايته عن خالدٍ عن المقدام عن أبي أيُّوب الأنصاريِّ فذكره في (١) مسند أبي أيُّوب، ورجَّح الدَّارقُطنيُّ هذه الزِّيادة، قاله الحافظ ابن حجرٍ.
(٥٣) (باب بَرَكَةِ صَاعِ النَّبِيِّ ﷺ وَمُدِّهِ) ﵊، وللحَمُّويي والمُستملي والنَّسفيِّ: «ومُدِّهم» بصيغة الجمع، قال الحافظ ابن حجرٍ: الضَّمير يعود للمحذوف في «صاع النَّبيِّ ﷺ » أي: صاع أهل مدينة النَّبيِّ ﷺ ومُدِّهم، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه تعسُّفٌ لأجل عود الضَّمير، والتَّقدير بصاع أهل مدينة النَّبيِّ ﷺ غير مُوجَّهٍ ولا مقبولٍ؛ لأنَّ التَّرجمة في بيان بركة صاع النَّبيِّ ﷺ على الخصوص، لا في بيان صاع أهل المدينة، ولأهل المدينة صيعان مختلفةٌ. انتهى. وقال في «انتقاض الاعتراض»: المراد بصاعهم: ما قدَّروه على صاعه ﷺ خاصَّةً، وقد (٢) قال العينيُّ بعد قليلٍ: وأمَّا وجه الضَّمير في مُدِّهم فهو أن يعود إلى أهل المدينة وإن لم يمض ذكرهم؛ لأنَّ القرينة اللَّفظيَّة تدلُّ على ذلك، وهو لفظ «الصَّاع» و «المُدِّ»؛ لأنَّ أهل المدينة اصطلحوا على لفظ «الصَّاع» و «المُدِّ»، كما اصطلح أهل الشَّام على المكُّوك. انتهى. فوقع في التَّعسُّف الذي عابه (فِيهِ) أي: في صاعه الذي دعا له ﵊ بالبركة (عَائِشَةُ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فيما وصله المؤلِّف في آخر «كتاب الحجِّ» [خ¦١٨٨٩] في حديثٍ طويلٍ.
стр. 4631
٢١٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل المنقريُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) مُصغَّرٌ، ابن خالدٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بن عمارة الأنصاريُّ المدنيُّ (عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ) الأنصاريِّ النَّجَّاريِّ (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه قال: (إنَّ إِبْرَاهِيمَ) الخليل ﵊ (حَرَّمَ مَكَّةَ) بتحريم الله (وَدَعَا لَهَا، وَحَرَّمْتُ المَدِينَةَ) أن يُصاد فيها (كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَدَعَوْتُ لَهَا فِي مُدِّهَا وَصَاعِهَا) أن يُبارك فيما أُكيل (١) فيهما (٢) (مِثْلَ مَا دَعَا إِبْرَاهِيمُ) ﵊ (لِمَكَّةَ) وهذا الحديث قد (٣) سبق في «كتاب الحجِّ» [خ¦١٨٨٩].
٢١٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بن قعنبٍ القعنبيُّ المدنيُّ، سكن البصرة (عَنْ مَالِكٍ) ﵁ إمام دار الهجرة (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريِّ المدنيِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ) أي: أهل المدينة (فِي مِكْيَالِهِمْ) بكسر الميم: آلة الكيل، أي: فيما يُكال في مكيالهم (وَبَارِكْ لَهُمْ فِي) ما يُكال في (صَاعِهِمْ وَ) ما يُكال في (مُدِّهِمْ) وحذف المُقدَّر لفهم السَّامع، وهو من باب ذكر المحلِّ وإرادة الحالِّ، وقد استجاب الله دعاء رسوله، وكثر (٤) ما يكتال بهذا الكيل حتَّى يكفي منه ما لا يكفي من غيره في غير المدينة، ولقد شاهدت من ذلك ما يعجز عنه الوصف، علمٌ من أعلام نبوَّته ﵊، فينبغي أن يتَّخذ ذلك المكيال رجاء بركة دعوته ﵊، والاستنان بأهل البلد الذين دعا
стр. 4632
لهم ﵊ (يَعْنِي: أَهْلَ المَدِينَةِ) وهل يختصُّ بالمُدِّ المخصوص، أو بكلِّ مُدٍّ تعارفه أهل المدينة في سائر الأعصار زاد أو نقص، وهو الظَّاهر؛ لأنَّه أضافه إلى المدينة تارةً، وإلى أهلها أخرى، ولم يضفه ﵊ إلى نفسه الزَّكيَّة، فدلَّ على عموم الدَّعوة لا على (١) خصوصها بمُدِّه ﵊.
وهذا الحديث قد أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الاعتصام» [خ¦٧٣٣١] و «كفَّارات الأيمان» [خ¦٦٧١٤]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ في «المناسك».
(٥٤) (باب مَا يُذْكَرُ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ) قبل قبضه (وَ) ما يُذكَر في (الحُكْرَةِ) بضمِّ الحاء وسكون الكاف، وهي إمساك ما اشتراه في وقت الغلاء لا في وقت الرُّخص؛ ليبيعه (٢) بأكثر ممَّا اشتراه به عند اشتداد الحاجة، بخلاف إمساك ما اشتراه في وقت الرُّخص لا يحرم مطلقًا، ولا إمساك غلَّة ضيعته ولا إمساك ما اشتراه في (٣) وقت الغلاء لنفسه وعياله، أو ليبيعه بمثل ما اشتراه به (٤) أو أقلَّ، لكن في كراهة إمساك ما فضل عمَّا يكفيه وعياله سنةً وجهان، الظَّاهرُ منهما: المنعُ، لكنَّ الأَولى منعه كما صرَّح به في «الرَّوضة» (٥)، ويختصُّ تحريم الاحتكار بالأقوات، ومنها: التَّمر والزَّبيب والذُّرة والأرزُّ، فلا تعمُّ جميع الأطعمة.
стр. 4633
٢١٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو (١) ابن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) أبو العبَّاس الدِّمشقيُّ (عَنِ الأَوْزَاعِيِّ) عبد الرَّحمن بن عَمرٍو، بفتح العين (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب (رضي الله تعالى عنه) أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ) شراءً (مُجَازَفَةً) أو النَّصب على الحال، أي: حال كونهم مجازفين، أي: من غير كيلٍ ولا وزنٍ ولا تقديرٍ (يُضْرَبُونَ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) كراهة (أَنْ يَبِيعُوهُ) أو كلمة «لا» مُقدَّرةٌ، نحو: ﴿يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ [النساء: ١٧٦] (حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ) أي: يقبضوه، وفي «المجموع» عن الشَّافعيِّ: بيع الصُّبرة من الحنطة والتَّمر مجازفةً صحيحٌ وليس بحرامٍ، وهل هو مكروهٌ؟ فيه قولان، أصحُّهما: مكروهٌ كراهة تنزيهٍ؛ لأنَّه قد يوقع في النَّدم، وعن مالكٍ: لا يصحُّ البيع إذا كان بائع الصُّبرة جزافًا يعلم قدرها ولم يبيِّنه (٢)، وسقط في رواية ابن عساكر في نسخةٍ قوله «أن يبيعوه».
وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في «المحاربين» [خ¦٦٨٥٢]، ومسلمٌ في «البيوع»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ.
٢١٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) هو ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوس بن كيسان اليمانيِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ طَعَامًا حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ) يقبضه، قال طاوسٌ: (قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (كَيْفَ ذَاكَ؟) أي: ما سبب هذا النَّهي (قَالَ) ابن عبَّاسٍ: (ذَاكَ دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ) أي: إذا باع المشتري قبل القبض وتأخَّر المبيع في يد البائع؛ فكأنَّه باع دراهم بدراهم (وَالطَّعَامُ مُرْجَأٌ) بميمٍ مضمومةٍ فراءٍ ساكنةٍ فجيمٍ مفتوحةٍ مُخفَّفةٍ فهمزةٍ، وقد تُترَك
стр. 4634
الهمزة، أي: مُؤخَّرٌ، ولأبي ذرٍّ: «مُرْجًى» بالتَّنوين من غير همزٍ، وفي كتاب الخطَّابيِّ: «مُرجًّى» -بالتَّشديد- للمبالغة، ومعنى الحديث: أن يشتري من إنسانٍ طعامًا بدينارٍ إلى أجلٍ، ثمَّ يبيعه منه أو من غيره قبل أن يقبضه بدينارين مثلًا (١) فلا يجوز؛ لأنَّه في التَّقدير بيع ذهبٍ بذهبٍ والطَّعام غائبٌ، فكأنَّه قد باعه ديناره الذي اشترى به الطَّعام بدينارين، فهو ربًا، ولأنَّه بيع غائبٍ بناجزٍ، قال الزَّركشيُّ: فيكون و «الطَّعام مُرْجَأٌ (٢)» مبتدأ وخبرًا في موضع نصبٍ على الحال، وزاد هنا في رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي: «قال أبو عبد الله»، أي (٣): البخاريّ: معنى قوله تعالى: «﴿مُرْجَوْنَ﴾» [التوبة: ١٠٦] أي: «مُؤخَّرون»، وهو موافقٌ لتفسير أبي عبيدة (٤).
٢١٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِيعُهُ) ولأبي ذرٍّ: «فلا يَبِعْهُ» بالجزم بـ «لا» النَّاهية (حَتَّى يَقْبِضَهُ) وفي الرِّواية السَّابقة: «حتَّى يستوفيه» [خ¦٢١٣٢] وهما بمعنًى.
وهذا الحديث قد سبق في «باب الكيل على البائع» [خ¦٢١٢٦].
стр. 4635
٢١٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابن المدينيِّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ قال: (كَانَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ يُحَدِّثُهُ (١)، عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ) بهمزةٍ مفتوحةٍ وبعد الواو السَّاكنة سينٌ مُهمَلةٌ، التَّابعيِّ، وقيل: له صحبةٌ، ولا يصحُّ (أَنَّهُ قَالَ: مَنْ عِنْدَهُ) وفي روايةٍ: «من كان عنده» (صَرْفٌ) أي: دراهم يصرف بها دنانير؟ (فَقَالَ طَلْحَةُ) هو ابن عبيد الله أحد العشرة المُبشَّرة: (أَنَا) عندي الدَّراهم ولكن اصبر (حَتَّى يَجِيءَ خَازِنُنَا) لم يُسَمَّ هذا الخازن (مِنَ الغَابَةِ) بالغين المعجمة والمُوحَّدة، موضعٌ قريبٌ من المدينة من عواليها، به أموال أهل المدينة، ومنها عُمِل المنبر الشَّريف النَّبويُّ (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة بالسَّند السَّابق: (هُوَ) أي: الذي كان عمرو بن دينارٍ يُحدِّث عن الزُّهريِّ هو (٢) (الَّذِي حَفِظْنَاهُ من الزُّهْرِيِّ لَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ) وقد حفظ الزِّيادةَ مالكٌ وغيره عن الزُّهريِّ (فَقَالَ) بالفاء قبل القاف، أي: قال الزُّهريُّ، ولأبي الوقت: «قال»: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ) ولابن عساكر زيادة: «ابن الحَدَثان» بفتح المهملتين وبالمُثلَّثة «أنَّهُ» (سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁¬) حال كونه (يُخْبِرُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «بالوَرِق» بفتح الواو وكسر الرَّاء، وهو رواية أكثر أصحاب ابن عيينة عنه، وهي رواية أكثر أصحاب الزُّهريِّ، أي (٣): بيع الذَّهب بالذهب أو بالوَرِق (رِبًا) بالتَّنوين من غير همزٍ (٤) (إِلَّا هَاءَِْ وَهَاءَِْ) بالمدِّ وفتح الهمزة فيهما على الأفصح الأشهر، وهي اسم فعلٍ بمعنى: «خذ» تقول: هاء درهمًا، أي: خذ درهمًا، فـ «درهمًا» منصوبٌ باسم الفعل كما يُنصَب بالفعل، ويجوز كسر الهمزة، نحو: هاتِ (٥)، وسكونها -نحو: خفْ (٦) - والقصرُ، وأنكره الخطَّابيُّ، وأصلها: «هاك» بالكاف، فقُلِبت الكاف همزةً، حكاه الماورديُّ والنَّوويُّ، وليس المراد بكون الكاف هي الأصل أنَّها من نفس الكلمة، وإنَّما المراد: أصلها في الاستعمال، وهي
стр. 4636
حرف خطابٍ، قال ابن مالكٍ: وحقُّها ألَّا تقع بعد «إلَّا» كما لا يقع بعدها «خذ»، فإذا وقع يُقدَّر قولٌ قبله يكون به محْكِيًّا، أي: إلَّا مقولًا عنده من المتعاقدَين: هاءَ وهاءَ، قال الطِّيبيُّ: فإذًا محلُّه النَّصب على الحال والمستثنى منه مُقدَّرٌ، يعني: بيع الذَّهب بالذَّهب ربًا في جميع الحالات إلَّا حال الحضور والتَّقابض، فكُنِّي عن التَّقابض بقوله: «هاءَ وهاءَ»؛ لأنَّه لازمه. انتهى. وعبَّر بذلك لأنَّ المعطي قائلٌ: خذ، بلسان الحال، سواءٌ وُجِدَ معه بلسان المقال أو لا، فالاستثناءُ مفرَّغٌ من الخبر، وفيه حذف مضافٍ من المبتدأ (١)، وحذف مضافٍ ممَّا بعد «إلَّا». (وَالبُرُّ بِالبُرِّ) بضمِّ المُوحَّدة: القمح، وهو الحنطة، أي: بيع أحدهما بالآخر (رِبًا إِلَّا) مقولًا عنده من المتعاقدين (هَاءَِْ وَهَاءَِْ)، أي: خذ (وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ) أي (٢): بيع أحدهما بالآخر (رِبًا إِلَّا) مقولًا عنده من المتبايعين (٣) (هَاءَِْ وَهَاءَِْ، وَالشَِّعِيرُ بِالشَِّعِيرِ) بفتح الشِّين المعجمة على المشهور وقد تُكسَر،
стр. 4637
قال ابن مكِّيٍّ الصَّقلِّيُّ: كلُّ «فعيلٍ» وسطه حرف حلقٍ مكسورٍ يجوز كسر ما قبله في لغة تميمٍ، قال: وزعم اللَّيث أنَّ قومًا من العرب يقولون ذلك، وإن لم تكن عينه حرف حلقٍ، نحو: كِبيرٍ وجِليلٍ وكِريمٍ، أي: بيع الشَّعير بالشَّعير (رِبًا إِلَّا) مقولًا عنده من المتعاقدين (هَاءَ وَهَاءَ) أي: يقول كلُّ واحدٍ منهما للآخر: خُذْ، ويُؤخَذ منه أنَّ البُرَّ والشَّعير صنفان، وبه قال الشَّافعيُّ وأبو حنيفة وفقهاء المحدِّثين وغيرهم، وقال مالكٌ واللَّيث ومعظم علماء المدينة والشَّام وغيرهم (١) من المتقدِّمين: إنَّهما صنفٌ واحدٌ، واتَّفقوا على أنَّ الذُّرة صنفٌ، والأرزَّ صنفٌ، إلَّا اللَّيث بن سعدٍ وابن وهبٍ المالكيَّ، فقالا: إنَّ هذه الثَّلاثة صنفٌ واحدٌ، وبقيَّة مباحث الحديث تأتي -إن شاء الله تعالى- بعد تسعة عشر بابًا [خ¦٢١٧٠] حيث ذكره المؤلِّف، ولم يذكر في شيءٍ من هذه الأحاديث الحُكْرة المُترجم بها.
قال ابن حجرٍ: وكأنَّ المصنِّف استنبط ذلك من الأمر بنقل الطَّعام إلى الرِّحال، ومنع بيع الطَّعام قبل استيفائه، فلو كان الاحتكار حرامًا لم يأمر (٢) بما يؤول إليه، وكأنَّه لم يثبت عنده حديث معمر بن عبد الله مرفوعًا: «لا يحتكرإلَّا خاطئٌ» أخرجه مسلمٌ، لكنَّ مُجرَّد إيواء الطَّعام إلى الرِّحال لا يستلزم الاحتكار؛ لأنَّ الاحتكار الشَّرعيَّ إمساكُ الطَّعام عن البيع، وانتظار الغلاء مع الاستغناء عنه وحاجة النَّاس إليه، ويحتمل أن يكون البخاريُّ أراد بالتَّرجمة بيانَ تعريف الحُكْرة التي نُهِي عنها في غير هذا الحديث، وأنَّ المراد بها قدرٌ زائدٌ على ما يفسِّره أهل اللُّغة، فساق (٣) الأحاديث التي فيها تمكين النَّاس من شراء الطَّعام ونقله، ولو كان الاحتكار ممنوعًا لمُنِعوا من نقله، وقد ورد في ذمِّ الاحتكار أحاديث كحديث عمر مرفوعًا: «من احتكر على المسلمين طعامهم، ضَرَبه اللهُ بالجذام والإفلاس» أخرجه ابن ماجه بإسنادٍ حسنٍ، وعنده والحاكم بإسنادٍ ضعيفٍ عنه مرفوعًا: «الجالب مرزوقٌ، والمحتكر ملعونٌ».
(٥٥) (باب) حكم (بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ) أي: قبل قبضه، فـ «أن» مصدريَّةٌ (وَ) حكم (بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ).
стр. 4638
٢١٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ: الَّذِي) ولابن عساكر: «قال: أمَّا الذي» (حَفِظْنَاهُ مِنْ (١) عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) أنَّه (سَمِعَ طَاوُسًا) اليمانيَّ، ويشير إلى أنَّ في غير رواية (٢) عمرو بن دينارٍ عن طاوسٍ زيادةً على ما حدَّثهم به عمرٌو عنه، كسؤال طاوسٍ من (٣) ابن عبَّاسٍ عن سبب النَّهي وجوابه وغير ذلك، وقال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: لمَّا كان سفيان منسوبًا إلى التَّدليس أراد رفعه بالتَّصريح بالسَّماع، والحفظ من طاوسٍ حال كونه (يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄¬) حال كونه (يَقُولُ: أَمَّا الَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فَهْوَ الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ) من بائعه أو غيره (حَتَّى يُقْبَضَ) موضع «أن يُباع» رفع بدلًا من «الطَّعام»، وإنَّما أُبدِلت النَّكرة من المعرفة بلا نعتٍ؛ لأنَّ المضارع مع «أن» متوغِّلٌ في التَّعريف، قاله البرماويُّ كالكِرمانيِّ (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَا أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مِثْلَهُ) أي: إلَّا مثل الطَّعام، وفي رواية مسلمٍ من طريق مَعْمَرٍ عن ابن طاوسٍ عن أبيه: وأحسب كلَّ شيءٍ بمنزلة الطَّعام، وهذا من تفقُّه ابن عبَّاسٍ ﵄، وقد قال ﷺ لحكيم بن حزامٍ: «لا تبيعنَّ شيئًا حتَّى تقبضه» رواه البيهقيُّ، وقال: إسناده حسنٌ متَّصلٌ، وهو مذهب الشَّافعيَّة، سواءٌ كان طعامًا أو عقارًا أو منقولًا، وقال أبو حنيفة: لا يصحُّ إلَّا في العقار، وقال مالكٌ: لا يصحُّ في الطَّعام، وقال أحمد: لا يصحُّ في المكيل والموزون، وقال المازريُّ: وتمسَّك الشَّافعيُّ بنهيه ﷺ عن ربح ما لم يُضمَن، فعمَّ، وتمسَّك أبو حنيفة بقوله [خ¦٢١٢٤]: «حتَّى يستوفيه»، فاستثنى ما لا (٤) يُنقَل لتعذُّر الاستيفاء فيه، وتمسَّك من منع في كلِّ المكيلات والموزونات بقوله: «حتَّى يكتاله»،
стр. 4639
فجعل العلَّة الكيل والوزن (١)، وأجرى سائر المكيلات والموزونات مجرًى واحدًا، وتمسَّك مالكٌ رحمه الله تعالى بنهيه عن بيع الطَّعام، فدلَّ على أنَّ غير الطَّعام ممَّا فيه حقُّ توفيةٍ بخلاف الطَّعام؛ إذ لو منع من الجميع لم يكن لذكر الطَّعام فائدةٌ، ودليل الخطاب كالنَّصِّ عند الأصوليِّين، وفي صفة القبض عند الشَّافعيِّ تفصيلٌ فما يُتناوَل باليد كالثَّوب فقبضُه بالتَّناول، وما لا يُنقَل كالعقار فبالتَّخلية، وما يُنقَل في العادة كالحبوب فبالنَّقل إلى مكانٍ لا اختصاص للبائع به، والعلَّة في النَّهي ضعف الملك فإنَّه مُعرَّضٌ للسُّقوط بالتَّلف.
٢١٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِيعُهُ) ولأبي ذرٍّ: «فلا يَبِعْه» بالجزم (حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ، زَادَ إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ في روايته عن مالكٍ عن نافعٍ عن ابن عمر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: (مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِيْعُهُ) ولأبي ذرٍّ: «فلا يَبِعْه» بالجزم (حَتَّى يَقْبِضَهُ) وجَّه ابن حجرٍ الزِّيادة بأنَّ في قوله: «حتَّى يقبضه» زيادةً في المعنى على قوله: «حتَّى يستوفيه»؛ لأنَّه قد يستوفيه بالكيل بأن يَكيلَه البائع ولا يقبضَه للمشتري، بل يحبسه عنده لينقده الثَّمن مِثْلًا، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ الأمر بالعكس؛ لأنَّ لفظ الاستيفاء يُشعر بأنَّ له زيادةً في المعنى على لفظ الإقباض من حيث إنَّه إذا (٢) أقبض بعضه وحبس بعضه لأجل الثَّمن يُطلقُ عليه معنى
стр. 4640
الإقباض في الجملة، ولا يُقال له استوفاه حتَّى يقبض الكلَّ، وقال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: معناه: (١) زاد رواية أخرى، وهي: «يقبضه» إذ الرِّواية الأخرى: «يستوفيه»، وإلَّا فهو عين السَّابق، إذ معنى الاستيفاء (٢): القبضُ، والرِّجال أربعةٌ، وهذه الطَّريق قد وصلها البيهقيُّ، ولم يذكر في حديثي الباب بيع ما ليس عندك، وكأنَّه لم يثبت على شرطه، فاستُنبِط (٣) من النَّهي عن البيع قبل القبض، ووجه الاستدلال منه بطريق الأولى، وحديث النَّهي عن بيع ما ليس عندك أخرجه أصحاب السُّنن من حديث حكيم بن حزامٍ بلفظ: قلت: يا رسول الله، يأتيني الرَّجل فيسألني من المبيع (٤) ما ليس عندي، أبتاع له من السُّوق، ثمَّ أبيعه منه، فقال: «لا تبع ما ليس عندك».
(٥٦) (باب مَنْ رَأَى إِذَا اشْتَرَى طَعَامًا جَُِزَافًا) بتثليث الجيم، وهو البيع بلا كيلٍ ونحوه (أَلَّا يَبِيعَهُ حَتَّى يُؤْوِيَهُ) أي: ينقله (إِلَى رَحْلِهِ) منزله، وفي نسخةٍ: «رحاله» بلفظ الجمع (وَ) بيان (الأَدَبِ فِي ذَلِكَ).
٢١٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ) أباه (ابْنَ عُمَرَ) وفي نسخةٍ: «أنَّ عبد الله بن عمر» (¬﵄ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ (٥) يَبْتَاعُونَ) بمُوحَّدةٍ ساكنةٍ قبل المُثنَّاة الفوقيَّة، ولابن عساكر:
стр. 4641
«يتبايعون» بتأخير المُوحَّدة وبعد الألف تحتيَّة (جَُِزَافًا) بكسر الجيم وتُفتَح وتُضَمُّ (-يَعْنِي: الطَّعَامَ- يُضْرَبُونَ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (أَنْ يَبِيعُوهُ) أي: كراهية أن يبيعوه، أو فيه «لا» مُقدَّرةٌ، كما في قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ [النساء: ١٧٦] (فِي مَكَانِهِمْ حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ) منازلهم، وهذا قد خرج مخرج الغالب، والمراد: القبض، وفي بعض طرق مسلمٍ عن ابن عمر: كنَّا نبتاع الطَّعام فيبعث علينا رسول الله ﷺ مَن يأمرنا (١) بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكانٍ سواه قبل أن نبيعه، وفرَّق مالكٌ في المشهور عنه بين الجزاف والمكيل، فأجاز بيع الجزاف قبل قبضه؛ لأنَّه مرئيٌّ فيكفي فيه التَّخلية، والاستيفاء إنَّما يكون في مكيلٍ أو موزونٍ، وقد روى أحمد من حديث ابن عمر مرفوعًا: «من اشترى بكيلٍ أو وزنٍ فلا يبيعه حتَّى يقبضه».
وفي الحديث مشروعيَّة تأديب من يتعاطى العقود الفاسدة.
(٥٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا اشْتَرَى) شخصٌ (مَتَاعًا أَوْ دَابَّةً فَوَضَعَهُ) أي: ترك المبيع (عِنْدَ البَائِعِ) فتلف أو تعيَّب (أَوْ مَاتَ) الحيوان (قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، بآفةٍ سماويَّةٍ انفسخ البيع في التَّالف والميت، وسقط الثَّمن عن المشتري لتعذُّر القبض المستحقِّ سواءٌ عرضه البائع عليه فلم يقبله أم لا، قاله الشَّيخ أبو حامدٍ وغيره، قال السُّبكيُّ: وينبغي أن يكون مرادهم إذا كان مستمرًّا بيد البائع، فإن أحضره ووضعه بين يدي المشتري فلم يقبله، فالأصحُّ عند الرَّافعيِّ وغيره: أنَّه يحصل القبض ويخرج من ضمان البائع، وإذا أبرأه المشتري عن (٢) ضمان المبيع لو تلف أو أتلفه لم يبرأ؛ لأنَّه إبراءٌ عمَّا لا يجب، وانفساخه بتلف المبيع مُقدَّرٌ (٣) به انتقال الملك إلى البائع قبيل التَّلف، لا من العقد، كالفسخ بالعيب (٤)، فتجهيزه
стр. 4642
على البائع لانتقال الملك فيه إليه، وزوائده المنفصلة الحادثة عنده؛ كثمرةٍ ولبنٍ وبيضٍ وصوفٍ وكسبٍ للمشتري؛ لأنَّها حدثت في ملكه، وهي أمانةٌ في يد (١) البائع، وإتلاف المشتري للمبيع قبل قبضه ولو جاهلًا به قبضٌ له، ولا ينفسخ البيع بإتلاف الأجنبيِّ لقيام بدله مقامه، بل يتخيَّر المشتري بين الفسخ والرُّجوع عليه بالقيمة أو المثل، وإذا اختار الفسخ رجع البائع على الأجنبيِّ بالبدل، ولو تعيَّب المبيع قبل القبض بآفةٍ -كحمَّى وشللٍ- ثبت للمشتري الخيار من غير أرشٍ له؛ لقدرته على الفسخ، ومذهب الحنفيَّة كالشَّافعيَّة: في (٢) أنَّ المبيع قبل قبضه من ضمان البائع، وهو مذهب الحنابلة أيضًا، وعبارة المرداويِّ في «الإنصاف»: إذا تلف المبيع كلُّه بآفةٍ سماويَّةٍ انفسخ العقد، وكان من ضمان بائعه، وكذا إن تلف بعضه، لكن هل يُخيَّر المشتري في باقيه أو يُفسَخ؟ فيه روايتا تفريق الصَّفقة، إلَّا أن يُتلفه (٣) آدميٌّ، فيُخيَّر المشتري بين فسخ العقد وبين إمضائه ومطالبة متلفه بالقيمة، هذا المذهب مطلقًا نُصَّ عليه، وعليه جماهير الأصحاب وقطع به كثيرٌ منهم. (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄¬) ممَّا وصله الطَّحاويُّ والدَّارقُطنيُّ من طريق الأوزاعيِّ عن الزُّهريِّ عن حمزة بن عبد الله بن عمر، عن أبيه: (مَا أَدْرَكَتِ الصَّفْقَةُ حَيًّا) أي: ما كان عند العقد غير ميتٍ، أي (٤): أو موجودًا (مَجْمُوعًا) صفةٌ لـ «حيًّا» أي (٥): وغير منفصلٍ عن المبيع، فهلك بعد ذلك عند البائع (فَهُوَ مِنَ المُبْتَاعِ) أي: من ضمان المشتري، وليس عندهما لفظُ «مجموعًا»، وإسناد (٦) الإدراك إلى العقد مجازٌ، و «ما» شرطيَّةٌ، فلذا دخلت الفاء في جوابها، واستدلَّ به الطَّحاويُّ: على أنَّ ابن عمر كان يرى أنَّ البيع (٧) يتمُّ بالأقوال قبل التَّفرُّق بالأبدان، وليس ذلك بلازمٍ، وكيف (٨) يحتجُّ بأمرٍ محتملٍ في معارضة أمرٍ مُصرَّحٍ به، فقد تقدَّم عن ابن عمر التَّصريح (٩) بأنَّه كان
стр. 4643
يرى الفرقة بالأبدان، ونُقِل عنه (١) هنا ما يحتمل التَّفرُّق بالأبدان قبلُ وبعدُ، فحمله على ما بعده أَولى جمعًا بين حديثيه.
٢١٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي المَغْرَاءِ) «فَرْوة» بفتح الفاء وسكون الرَّاء، و «المَغْراء» بفتح الميم وسكون الغين المعجمة وبالرَّاء والمدِّ، واسمه (٢): مَعْدِيكَرِبَ قال: (أَخْبَرَنَا (٣) عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بضمِّ الميم وسكون السِّين المهملة وكسر الهاء، قاضي الموصل (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: لَقَلَّ يَوْمٌ كَانَ يَأْتِي) أي: والله، لَقلَّما ما يأتي يومٌ (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا يَأْتِي فِيهِ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (أَحَدَ طَرَفَيِ النَّهَارِ) فاللَّام جواب قَسَمٍ محذوفٍ، والاستثناء مُفرَّغٌ واقعٌ بعد نفيٍ مُؤوَّلٍ؛ لأنَّ «قلَّ» في معنى النَّفي، والجملة الواقعة بعد أداة الاستثناء في محلِّ نصبٍ على أنَّها خبر «كان»، و «بيتَ»: نُصِب على المفعوليَّة، و «أحدَ» ظرفٌ بتقدير: «في» (فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ) ﵊ بضمِّ الهمزة وكسر
стр. 4644
المعجمة (فِي الخُرُوجِ إِلَى المَدِينَةِ لَمْ يَرُعْنَا) بفتح التَّحتيَّة وضمِّ الرَّاء وسكون العين المهملة، من الرَّوع، وهو الفزع (إِلَّا وَقَدْ أَتَانَا ظُهْرًا) يعني: فاجأنا بغتةً في غير الوقت الذي اعتدنا مجيئه فيه، فأفزعنا ذلك وقت الظُّهر (فَخُبِّرَ) بضمِّ الخاء المعجمة وكسر المُوحَّدة المُشدَّدة (بِهِ) ﵊ (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (فَقَالَ: مَا جَاءَنَا النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ما جاء النَّبيُّ» (¬ ﷺ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا لأَمْرٍ حَدَثَ) بفتحاتٍ، ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «إلَّا من حدثٍ» أي: من (١) حادثةٍ حدثت له (٢) (فَلَمَّا دَخَلَ) ﵊ (عَلَيْهِ قَالَ لأَبِي بَكْرٍ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ) بفتح الهمزة وكسر الرَّاء، أمرٌ من الإخراج، و «مَنْ» -بفتح الميم- مفعول «أَخْرِج»، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ما عندك»، وقوله في «التَّنقيح»: والوجه «مَنْ»، أي: بالنُّون، تعقَّبه في «المصابيح» بأنَّ «ما» قد تقع ويُراد بها من يعقل، نحو: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] و «سبحان ما سخركنَّ لنا»، قال أبو حيَّان: هذا قول أبي عبيدة وابن درستويه وابن خروفٍ ومكِّيِّ بن أبي طالبٍ، ونسبه ابن خروفٍ لسيبويه، ومن أدلَّتهم أيضًا: «سبحان ما سبَّح الرَّعد بحمده» ﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] ﴿وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥] … الآيات.
стр. 4645
(قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ (١)، يعني: عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ) رضي الله تعالى عنهما (قَالَ: أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ) بضمِّ الهمزة وكسر المعجمة، أي: أَذِنَ اللهُ (لِي فِي الخُرُوجِ) إلى المدينة (قَالَ) أبو بكرٍ: أريد (الصُّحْبَةَُ) معك عند الخروج (يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ) ﷺ : أنا أريد أو ألتمس (الصُّحْبَةَُ) أيضًا أو نلتها، ويجوز الرَّفع فيهما خبر (٢) مبتدأٍ محذوفٍ يُقدَّر في كلٍّ ما يليق به، ففي الأوَّل: مرادي الصُّحبةُ، أو مسألتي الصُّحبةُ، وفي الثَّاني: مبذولةٌ أو حاصلةٌ لك ونحوه (قَالَ) أبو بكرٍ: (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ عِنْدِي نَاقَتَيْنِ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ) معك إلى المدينة، قال في «اللَّامع» و «المصابيح» وغيرهما: ويُروَى: «عددتهما» بغير همزةٍ، قال ابن التِّين: وصوابه بالهمزة؛ لأنَّه رباعيٌّ، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ قوله: «رباعيٌّ» إنَّما هو بالنِّسبة إلى عدد حروفه، ولا يُقال في مصطلح الصَّرفيِّين إلَّا ثلاثيٌّ مزيدٌ فيه (فَخُذْ) يا رسول الله (إِحْدَاهُمَا، قَالَ) ﵊: (قَدْ أَخَذْتُهَا) أي: آخذ إحدى النَّاقتين، قال ابن إسحاق في غير رواية ابن هشامٍ: هي الجدعاء (٣) (بِالثَّمَنِ) قال المُهلَّب: لم يكن آخذًا (٤) باليد ولا بالحيازة، بل بالابتياع بالثَّمن وإخراجها من (٥) ملك أبي بكرٍ؛ لأنَّ قوله: «قد أخذتها» يوجب أخذًا صحيحًا وقبضًا من الصِّدِّيق بالثَّمن الذي هو عوضٌ، وتعقَّبه في «فتح الباري» بأنَّ ما قاله ليس بواضحٍ؛ لأنَّ (٦) القصَّة ما سيقت لبيان ذلك؛ فلذلك اختصر فيها قدر الثَّمن وصفة العقد، فيُحمَل كلُّ ذلك على أنَّ الرَّاوي اختصره؛ لأنَّه ليس من غرضه، وكذلك اختصر صفة القبض فلا يكون فيه حجَّةٌ في عدم (٧) اشتراط القبض.
ووجه المطابقة بين الحديث والتَّرجمة من حيث إنَّ لها جزأين، فدلالته على الأوَّل ظاهرةٌ؛ لأنَّه لم يقبض النَّاقة بعد (٨) الأخذ بالثَّمن الذي هو كنايةٌ عن البيع وتركها عند أبي بكرٍ، وأمَّا
стр. 4646
الثَّاني -وهو قوله: «أو مات قبل أن يقبض» - إمَّا للإشعار بأنَّه لم يجد حديثًا على شرطه فيما يتعلَّق به، وإمَّا للإعلام بأنَّ حكم الموت قبل القبض حكم الوضع عنده قياسًا عليه، قاله الكِرمانيُّ وغيره. وأخذ ابن المُنَيِّر منه جواز بيع الغائب؛ لأنَّ قول أبي بكرٍ: - «إنَّ عندي ناقتين» بالتَّنكير- يدلُّ على غيبتهما وعلى عدم سبق العهد بهما، وهذا معارضٌ بقوله في هذا الحديث في رواية ابن شهابٍ عن عروة، قال أبو بكرٍ: فخذ -بأبي أنت يا رسول الله- إحدى راحلتيَّ هاتين.
وهذا الحديث من أفراده، وأخرجه أيضًا في أوَّل «الهجرة» [خ¦٣٩٠٥] مُطوَّلًا.
(٥٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يَبِيعُ) بإثبات الياء على أنَّ «لا» نافيةٌ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لا يَبِعْ» بالجزم على النَّهي (عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ) بأن يقول لمن اشترى سلعةً في زمن خيار المجلس أو خيار الشَّرط: افسخ لأبيعك خيرًا منه بمثل ثمنه أو مثله بأَنْقَصَ، فإنَّه حرامٌ، وكذا (١) الشِّراء على شرائه بأن يقول للبائع: افسخ لأشتري منك بأزيدَ (وَلَا يَسُومُ) الرَّجل، بالرَّفع على النَّفي، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ولا يَسُمْ» بالجزم على النَّهي (عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ) بأن يقول لمن اتَّفق مع غيره في بيعٍ ولم يعقداه: أنا أشتريه بأزيدَ، أو أنا أبيعك خيرًا منه بأرخص منه (٢)، فيحرم بعد استقرار الثَّمن بالتَّراضي صريحًا وقبل العقد، فلو لم يصرح له المالك بالإجابة بأن عَرَّضَ بها، أو سكت، أو كانت الزيادة قبل استقرار الثمن بأن كان المبيع إذ ذاك يُنادَى عليه لطلب الزِّيادة، لم يحرم (حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ) أخوه البائع (أَوْ يَتْرُكَ) اتِّفاقه مع المشتري فلا تحريم؛ لأنَّ الحقَّ لهما وقد أسقطاه، هذا إن كان الآذن مالكًا، فإن كان وليًّا أو وصيًّا أو وكيلًا أو نحوه فلا عبرة بإذنه إن كان فيه ضررٌ على المالك -ذكره الأذرعيُّ- وذكر الأخ ليس للتَّقييد، بل للرِّقَّة والعطف عليه، وإلَّا (٣) فالكافر كالمسلم في ذلك.
стр. 4647
٢١٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) ابن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا يَبِيعُ) بإثبات الياء على أنَّ «لا» نافيةٌ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لا يَبِعْ» بصيغة النَّهي (١) (بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ) زاد في «الشُّروط» [خ¦٢٧٢٧] من حديث أبي هريرة: «وأن يستام الرَّجل على سوم أخيه»، وبذلك تحصل المطابقة بين الحديث والتَّرجمة، ولعلَّه أشار إلى ذلك كما هو عادته، وظاهر التَّقييد بأخيه تخصيصُ الحكم بالمسلم، وبه قال الأوزاعيُّ وغيره. ولـ «مسلمٍ» عن أبي هريرة: «لا يسوم المسلم على المسلم»، وقال الجمهور: لا فرق بين المسلم وغيره، وذِكْرُ المسلم ليس للتَّقييد، بل لأنَّه أسرع امتثالًا، فذكرُ الأخِ أو المسلم لا مفهومَ له.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «البيوع» [خ¦٢١٦٠]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ، وأخرجه ابن ماجه في «التِّجارات».
٢١٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بفتح الياء المُشدَّدة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) نهيَ تحريمٍ (أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ) متاعًا يقدم به من البادية ليبيعه بسعر يومه بأن يقول له، أي: الحاضر: اتركه عندي لأبيعه لك على التَّدريج بأغلى (وَ) قال: (لَا تَنَاجَشُوا) مضارعٌ حُذِفت إحدى تاءيه، والأصل: تتناجشوا، من النَّجْش -بنونٍ مفتوحةٍ وجيمٍ ساكنةٍ وشينٍ معجمةٍ- وهو أن يزيد في الثَّمن بلا رغبةٍ، بل ليغرَّ غيره، والجملة معمولٌ لـ «قال» مُقدَّرة، أي: نهى وقال: لا تناجشوا (وَلَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ،
стр. 4648
وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ) بكسر الخاء، وصورته: أن يخطب الرَّجل المرأة فتركن هي (١) إليه، ويتَّفقا على صداقٍ معلومٍ ويتراضيا ولم يبق إلَّا العقد، فيجيء آخر ويخطب ويزيد في الصَّداق، والمعنى في ذلك: الإيذاء، وهو خبرٌ بمعنى النَّهي (وَلَا تَسْأَلُِ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا) «تسأل» رفع خبرٍ بمعنى: النَّهي، وبالكسر على النَّهي حقيقةً، أي: لا تسأل امرأةٌ زوج امرأةٍ أن يطلِّق زوجته ويتزوَّج بها ويكون لها من النَّفقة والمعاشرة ما كان لها، وهو معنى قوله: (لِتَكْفَأَ) بفتح الفوقيَّة والفاء وبينهما كافٌ ساكنةٌ آخره همزةٌ، أي: تقلب (مَا فِي إِنَائِهَا) ولأبي ذرٍّ: «لتكفِيَ» بكسر الفاء ثمَّ المُثنَّاة التَّحتيَّة، قال: وصوابه: بالفتح والهمز (٢).
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأحكام» [خ¦٢٧٢٣]، ومسلمٌ في «النِّكاح» و «البيوع»، وأخرجه أبو داود في «البيوع» ببعضه: «لا تناجشوا»، وفي «النِّكاح» ببعضه: «لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه»، والتِّرمذيُّ في «البيوع» ببعضه: «لا يبع حاضرٌ لبادٍ»، وفي موضعٍ آخر منه ببعضه: «لا تناجشوا»، وفي «النِّكاح» ببعضه: «لا يخطب الرَّجل على خطبة أخيه، ولا يبيع الرَّجل على بيع أخيه»، والنَّسائيُّ في «النِّكاح» بتمامه ولم يذكر: السَّوم، وابن ماجه في «النِّكاح» ببعضه: «لا يخطب الرَّجل على خطبة أخيه»، وفي «التِّجارات» ببعضه: «ولا تناجشوا»، ورواه فيه أيضًا ببعضه: «لا يبيع الرَّجل على بيع أخيه، ولا يسوم على سوم أخيه»، ورواه فيه (٣) أيضًا ببعضه: «لا يبيع (٤) حاضرٌ لبادٍ».
(٥٩) (باب بَيْعِ المُزَايَدَةِ، وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ، ممَّا وصله أبو بكر بن أبي شيبة: (أَدْرَكْتُ النَّاسَ لَا يَرَوْنَ بَأْسًا بِبَيْعِ المَغَانِمِ فِيمَنْ يَزِيدُ) ويلتحق بها غيرها للاشتراك في
стр. 4649
الحكم، وكأنَّه (١) خرج مخرج الغالب فيما يعتادون فيه البيع مزايدةً، وهي الغنائم والمواريث، وقد أخذ بظاهره الأوزاعيُّ وإسحاق فخصَّا الجواز ببيع المغانم والمواريث.
٢١٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بكسر المُوحَّدة وسكون الشِّين المعجمة، أبو محمَّدٍ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا الحُسَيْنُ) بن ذكوان المعلِّم (المُكْتِبُ) بسكون الكاف، من الإكتاب، ولأبي ذرٍّ: «المكَتَّب» بفتح الكاف وتشديد الفوقيَّة، من التَّكتيب، وهو المعروف (عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄: أَنَّ رَجُلًا) هو أبو مذكورٍ الأنصاريُّ كما في «مسلمٍ» (أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ) اسمه يعقوب كما في «مسلمٍ» و «النَّسائيِّ» (عَنْ دُبُرٍ) بضمِّ الدَّال المهملة والمُوحَّدة، أي: قال له: أنت حرٌّ بعد موتي (فَاحْتَاجَ) الرَّجل إلى ثمنه (فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟) فعرضه لزيادةٍ؛ ليستقصي فيه للمفلس الذي باعه عليه، وهذا يردُّ على الإسماعيليِّ حيث قال: ليس في قصَّة المُدبَّر بيعُ المزايدة، فإنَّ بيع المزايدة (٢) أن يعطي به واحدٌ ثمنًا ثمَّ يعطي به غيره زيادةً (فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ النُّون وفتح العين، النَّحَّام-بفتح النُّون والحاء المهملة (٣) المُشدَّدة- العدويُّ القرشيُّ، ووُصِف بالنَّحَّام؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «دخلتُ الجنَّة، فسمعتُ نَحْمَةَ نُعَيمٍ فيها» -والنَّحمة: السَّعلة- أسلم قديمًا وأقام
стр. 4650
بمكَّة إلى قبيل الفتح، وكان قومه يمنعونه من الهجرة لشرفه فيهم؛ لأنَّه كان ينفق عليهم فقالوا له: أقم عندنا على أيِّ دينٍ شئت، ولمَّا قدم على (١) النَّبيِّ ﷺ اعتنقه وقبَّله، واستُشهِد يوم اليرموك سنة خمس عشرة (بِكَذَا وَكَذَا) ثمان مئة درهمٍ (فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ) أي: دفع ﵊ الثَّمن الذي بِيع به المُدبَّر المذكور لمُدبِّره، أو دُفِع المُدبَّر لمشتريه نُعَيمٍ، وقول العينيِّ: -أي: دفع الثَّمن إلى الرَّجل وهو نُعيم بن عبد الله- سهوٌ لا يخفى، وقد وقع في رواية مسلمٍ وأبي داود والنَّسائيِّ من طريق أيُّوب عن أبي الزُّبير ما يعيِّن أنَّ الضَّمير للثَّمن، ولفظه: فاشتراه نُعَيم بن عبد الله بثمان مئة درهمٍ فدفعها إليه، وفي رواية مسلمٍ والنَّسائيِّ من طريق اللَّيث عن أبي الزُّبير: فدفعها إليه، ثمَّ قال: «ابدأ بنفسك فتصدَّق عليها»، وفي رواية النَّسائيِّ من وجهٍ آخر عن إسماعيل بن أبي خالدٍ: ودفع ثمنه إلى مولاه، وأمَّا ما وقع في رواية التِّرمذيِّ: فمات ولم يترك مالًا غيره، فهو ممَّا نُسِب فيه ابن عيينة إلى الخطأ، ولم يكن سيِّده مات كما وقع مُصرَّحًا به في الأحاديث الصَّحيحة، وفيه: جواز بيع المُدَبَّر، وهو قول الشَّافعيِّ وأحمد، وذهب أبو حنيفة ومالكٌ إلى المنع، وتأتي إن شاء الله تعالى مباحث ذلك في موضعه بحول (٢) الله وقوَّته.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف في «الاستقراض» [خ¦٢٤٠٣]، وكذا أخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(٦٠) (باب النَّجَْشِ) بفتح النُّون وسكون الجيم وفتحها، وهو في اللُّغة: تنفير الصَّيد واستثارته
стр. 4651
من مكانه ليُصاد (١)، يُقال: نَجَشْتُ الصَّيد أنجُشُه -بالضَّمِّ- نَجْشًا، وفي الشَّرع: أن يزيد في ثمن السِّلعة من غير رغبةٍ ليوقع غيره فيها، وقيَّد الإمام وغيره ذلك بالزِّيادة على ما يساويه المبيع، وقضيَّته: أنَّه لو زاد عند نقص (٢) القيمة ولا رغبة له جاز، وكلام الأصحاب يخالفه ولا خيار للمشتري لتفريطه، حيث لم يتأمَّل ولم يُراجع أهل الخبرة، ويقع النَّجش أيضًا بمواطأة النَّاجش البائع فيشتركان في الإثم، ويقع بغير علم البائع فيختصُّ بذلك النَّاجش، وقد يختصُّ به البائع؛ كأن يقول: أُعطِيتُ في المبيع كذا، والحال بخلافه، أو أنَّه اشتراه بأكثر ممَّا اشتراه ليوقع غيره، ولا خيار للمشتري.
(وَ) باب (مَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ البَيْعُ) الذي وقع بالنَّجش، وهو مشهورُ مذهب الحنابلة إذا كان بمواطأة البائع أو صنعه، والمشهور عند المالكيَّة في مثل ذلك: ثبوت الخيار، والأصحُّ عند الشَّافعيَّة وهو قول الحنفيَّة: صحَّة البيع مع الإثم، والتَّحريم في جميع المناهي شرطه العلم بها إلَّا في النَّجش؛ لأنَّه خديعةٌ، وتحريم الخديعة واضحٌ لكلِّ أحدٍ وإن لم يُعلَم هذا الحديث بخصوصه؛ بخلاف البيع على بيع أخيه إنَّما يُعرَف من الخبر الوارد فيه، فلا يعرفه من لا يعرف الخبر، قال الرَّافعيُّ: ولك أن تقول: هو إضرارٌ، وتحريم الإضرار معلومٌ من العمومات، والوجه تخصيص المعصية (٣) بمن عرف التَّحريم بعمومٍ أو خصوصٍ، وأقرَّه عليه النَّوويُّ، وهو ظاهرٌ، بل نقل البيهقيُّ عن الشَّافعيِّ: أنَّ النَّجش كغيره من المناهي. (وَقَالَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى) عبدُ الله في حديثٍ أورده المؤلِّف في «الشَّهادات» في «باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧]» [خ¦٢٦٧٥]: (النَّاجِشُ آكِلُ رِبًا) أي: كآكله، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «آكل الرِّبا» بالتَّعريف (خَائِنٌ) لكونه غاشًّا، وهو خبرٌ بعد خبرٍ، قال المؤلِّف: (وَهْوَ خِدَاعٌ) بكسر الخاء المعجمة، أي: مخادعةٌ (بَاطِلٌ) غير حقٍّ (لَا يَحِلُّ) فِعْله، وهذا قاله المؤلِّف تفقُّهًا، وليس من كلام عبد الله بن أبي أوفى (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :
стр. 4652
الخَدِيعَةُ) أي: صاحبها (فِي النَّارِ) رواه ابن (١) عديٍّ في «كامله»، وقال النَّبيُّ ﷺ فيما وصله المؤلِّف في «كتاب الصُّلح» [خ¦٢٦٩٧] من حديث عائشة ﵂: (وَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا) بكسر الميم في الأوَّل، وفتحها في الثَّاني (لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهْوَ رَدٌّ) أي: مردودٌ عليه فلا يُقبَل منه.
٢١٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (٢) قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (٣) (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ (٤) ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النَّجَْشِ) بسكون الجيم وفتحها.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «ترك الحيل» [خ¦٦٩٦٣]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ في «البيوع»، وابن ماجه في «التِّجارات».
(٦١) (باب بَيْعِ الغَرَرِ) بفتح الغين المعجمة وبراءين، كالمسك في الفأرة، والصُّوف على ظهر الغنم، وهو شاملٌ لبيع الآبق والمعدوم والمجهول وما لا يقدر على تسليمه، وكلُّها باطلةٌ إلَّا إذا دعت حاجةٌ؛ كأُسِّ الدَّار وحشو الجُبَّة فيجوز؛ لدخول الحشو في مُسمَّى الجُبَّة، والأُسِّ في مُسمَّى الجدار، فلا يضرُّ ذكرهما؛ لأنَّه تأكيدٌ؛ بخلاف نحو بيع الحامل وحملها أو ولبن ضرعها، فإنَّه لا يصحُّ، لجعله الحمل واللَّبن المجهول مبيعًا مع المعلوم؛ بخلاف بيعها بشرط كونها حاملًا أو لبونًا؛ لأنَّه جعل ذلك وصفًا تابعًا (وَ) بيع (حَبَلِ الحَبَلَةِ) بفتح المهملة والمُوحَّدة فيهما، وقيل: هو بسكون المُوحَّدة في الأوَّل، وهو من عطف الخاصِّ على العامِّ، ولشهرته في الجاهليَّة أُفرِد بالتَّنصيص عليه.
стр. 4653
٢١٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى) نهيَ تحريمٍ (عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الحَبَلَةِ) قال نافعٌ أو ابن عمر، كما جزم به ابن عبد البرِّ: (وَكَانَ) بيع حَبَل الحَبَلة (بَيْعًا يَتَبَايَعُهُ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ، كَانَ الرَّجُلُ) منهم (١) (يَبْتَاعُ الجَزُورَ) بفتح الجيم وضمِّ الزَّاي: هو البعير ذكرًا كان أو أنثى، وحكم الجزور كغيره (إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، من الأفعال التي لم تُسمَع إلَّا كذلك، نحو: جُنَّ، وزُهِي علينا، أي: تكبَّر، و «النَّاقةُ»: مرفوعٌ بإسناد «تُنتَج» إليها، أي: تضع ولدها، فولدها نِتاجٌ -بكسر النُّون- من تسمية المفعول بالمصدر، يُقال: نُتِجت النَّاقة -بالبناء للمفعول- نتاجًا، أي: ولدت (ثُمَّ تُنْتَجُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا) ثمَّ تعيش المولودة حتَّى تكبر ثمَّ تلد، وصفته -كما قاله الشَّافعيُّ ومالكٌ وغيرهما- أن يقول البائع: بعتك هذه السِّلعة بثمنٍ مُؤجَّلٍ إلى أن تُنتَج هذه النَّاقة ثمَّ تُنتَج التي في بطنها؛ لأنَّ الأجل فيه مجهولٌ، وقيل: هو
стр. 4654
بيع ولد ولد النَّاقة في الحال بأن يقول: إذا نُتِجت هذه النَّاقة ثمَّ نُتِجت التي في بطنها فقد بعتك ولدها؛ لأنَّه بيع ما ليس بمملوكٍ ولا معلومٍ (١) ولا مقدورٍ على تسليمه، فيدخل في بيع الغرر، وهذا الثَّاني تفسير أهل اللُّغة، وهو أقرب لفظًا، وبه قال أحمد، والأوَّل أقوى؛ لأنَّه تفسير الرَّاوي، وهو ابن عمر، وهو أعرف، وليس مخالفًا للظَّاهر، فإنَّ ذلك هو الذي كان في الجاهليَّة، والنَّهيُ واردٌ عليه، قال النَّوويُّ: ومذهب الشَّافعيِّ ومحقِّقي الأصوليِّين: أنَّ تفسير الرَّاوي مُقدَّمٌ إذا لم يخالف الظَّاهر، وقال الطِّيبيُّ: فإن قلت: تفسيره مخالفٌ لظاهر الحديث (٢)، فكيف يُقال: إذا لم يخالف الظَّاهر؟ وأجاب: باحتمال أن يكون المراد بالظَّاهر: الواقع، فإنَّ هذا البيع كان في الجاهليَّة بهذا الأجل، فليس التَّفسير حلًّا للَّفظ بل بيانٌ للواقع، ومُحصَّل الخلاف (٣) السَّابق -كما قاله (٤) ابن التِّين-: هل المراد البيع إلى أجلٍ أو بيع الجنين؟ وعلى الأوَّل، هل المراد بالأجل ولادة الأمِّ أو ولادة ولدها؟ وعلى الثَّاني، هل المراد بيع الجنين الأوَّل أو بيع جنين الجنين؟ فصارت أربعة أقوالٍ. انتهى. ولم يذكر في الباب بيع الغرر صريحًا، لكنَّه لمَّا كان حديث الباب في النَّهي عن بيع حبل الحبلة -وهو نوعٌ من أنواع بيع الغرر- ذكر الغرر الذي هو عامٌّ، ثمَّ عطف عليه حبل الحبلة، من عطف الخاصِّ على العامِّ -كما مرَّ- لينبِّه على أنَّ أنواعَ الغرر كثيرةٌ، وإن لم يذكر منها إلَّا حبل الحبلة، من باب: التَّنبيه بنوعٍ مخصوصٍ معلولٍ (٥) بعلَّةٍ على كلِّ نوعٍ توجد فيه تلك العلَّة، وقد وردت أحاديث كثيرةٌ في النَّهي عن بيع الغرر من حديث أبي هريرة، ومن حديث ابن عبَّاسٍ عند ابن ماجه، وسهل بن سعدٍ عند أحمد.
وحديث الباب أخرجه أبو داود والنَّسائيُّ في «البيوع».
(٦٢) (باب) حكم (بَيْعِ المُلَامَسَةِ) «مفاعلةٌ» من اللَّمس، ويأتي تفسيرها في حديث الباب إن
стр. 4655
شاء الله تعالى (وَقَالَ (١) أَنَسٌ) ممَّا (٢) وصله المؤلِّف في «بيع المخاضرة (٣)» [خ¦٢٢٠٧]: (نَهَى عَنْهُ) أي: عن بيع الملامسة (النَّبِيُّ ﷺ ¬) ولأبي ذرٍّ: «نهى النَّبيُّ ﷺ عنه».
٢١٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضمِّ العين وفتح الفاء وبعد المُثنَّاة التَّحتيَّة السَّاكنة راءٌ، ونسبه لجدِّه لشهرته به (٤)، واسم أبيه: كثيرٌ المصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالدٍ الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن أبي وقَّاصٍ: (أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الخدريَّ (¬﵁ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى) نهيَ تحريمٍ (عَنِ المُنَابَذَةِ) بضمِّ الميم وبالذَّال المعجمة، قال أبو سعيدٍ الخدريُّ: (وَ) المنابذة (هيَ طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ) لمن يريد شراءه (بِالبَيْعِ) أي: بسببه (إِلَى رَجُلٍ) آخر (قَبْلَ أَنْ يُقَلِّبَهُ) ظهرًا لبطنٍ (أَوْ) قبل أن (يَنْظُرَ إِلَيْهِ) ويتأمَّله (وَنَهَى) النَّبيُّ ﵊ (٥) (عَنِ المُلَامَسَةِ، وَالمُلَامَسَةُ) هي (لَمْسُ الثَّوْبِ لَا يَنْظُرُ) المستام (٦) (إِلَيْهِ). وعند المؤلِّف في «اللِّباس» [خ¦٥٨٢٠] من طريق يونس عن الزُّهريِّ: والملامسة: لَمْسُ الرَّجل ثوب الآخر بيده باللَّيل أو بالنَّهار ولا يقلِّبه إلَّا بذلك، والمنابذة: أن ينبذ الرَّجلُ إلى الرَّجل بثوبه وينبذ إليه (٧) الآخر بثوبه، ويكون ذلك بيعَهما من غير نظرٍ ولا تراضٍ. وللنَّسائيِّ من حديث أبي هريرة:
стр. 4656
والملامسة: أن يقول الرَّجل للرَّجل: أبيعك ثوبي بثوبك، ولا ينظر واحدٌ منهما إلى ثوب الآخر، ولكن يلمسه لمسًا، والمنابذة أن يقول: أنبذ ما معي وتنبذ ما معك؛ ليشتري كلُّ واحدٍ منهما من الآخر، ولا يدري كلُّ واحدٍ منهما كم مع الآخر ونحو ذلك، ولمسلمٍ من طريق عطاء بن ميناء عن أبي هريرة: أمَّا الملامسة فأن يلمس كلُّ واحدٍ منهما ثوب صاحبه بغير تأمُّلٍ، والمنابذة: أن ينبذ كلُّ واحدٍ منهما ثوبه إلى الآخر، لم ينظر كلُّ (١) واحدٍ منهما إلى ثوب صاحبه، وهذا التَّفسير الذي في حديث أبي هريرة أقعد بلفظ الملامسة والمنابذة؛ لأنَّهما -كما مرَّ- «مفاعلةٌ»، فتستدعي وجود الفعل من الجانبين، وظاهر الطُّرق كلِّها: أنَّ التَّفسير من الحديث المرفوع، لكن وقع في رواية النَّسائيِّ ما يُشعِر بأنَّه من كلامِ مَنْ دون النَّبيِّ ﷺ ، ولفظه: وزعم أنَّ الملامسة أن يقول … إلى آخره، فالأقرب أن يكون ذلك من كلام الصَّحابيِّ؛ لأنَّه يبعد أن يعبِّر الصَّحابيُّ عن النَّبيِّ ﷺ بهذا اللَّفظ، واختُلِف في تفسير الملامسة على ثلاث (٢) صورٍ، إحداها: أن يكتفي باللَّمس عن النَّظر ولا خيار له بعده، بأن يلمس ثوبًا لم يره، ثمَّ يشتريه على أن لا خيار له إذا (٣) رآه، الثَّاني: أن يجعل (٤) اللَّمس بيعًا بأن يقول: إذا لمسته (٥) فقد بعتكه؛ اكتفاءً بلمسه عن الصِّيغة، الثَّالثة: أن يبيعه شيئًا على أنَّه متى لمسه لزم البيع، وانقطع خيار المجلس وغيره؛ اكتفاءً بلمسه عن الإلزام بتفرُّقٍ أو تخايرٍ، وبطلان البيع المستفاد من النَّهي لعدم رؤية المبيع، واشتراط نفي الخيار في الأولى، ونفي الصِّيغة في عقد البيع في الثَّانية، وشرط نفي الخيار في الثَّالثة (٦).
стр. 4657
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٨٢٠]، ومسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ في «البيوع».
٢١٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نُهِيَ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، أي: نهى النَّبيُّ ﷺ (عَنْ لِبْسَتَيْنِ) بكسر اللَّام على الهيئة، لا بالفتح على المرَّة، إحداهما: (أَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ، ثُمَّ يَرْفَعَهُ عَلَى مَنْكِبِهِ) (١) كلمة «أن» مصدريَّةٌ، والتَّقدير: نهى عن احتباء الرَّجل في الثَّوب الواحد ليس على فرجه منه شيءٌ، ولم يذكر في حديث أبي هريرة ثاني اللِّبستين المنهيِّ عنهما -وهو اشتمال الصَّمَّاء- قال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: اختصارًا من الرَّاوي؛ كأنَّه لشهرته لم يذكره (٢)، وقال ابن حجرٍ: وقد وقع بيان الثَّانية عند أحمد من طريق هشامٍ عن ابن سيرين، ولفظه: أن يحتبي الرَّجل في ثوبٍ واحدٍ ليس على فرجه منه شيءٌ، وأن يرتدي في ثوبٍ يرفع طرفيه على عاتقيه (وَ) نهى ﷺ (عَنْ بَيْعَتَيْنِ) تثنية «بَِيعةٍ» -بفتح المُوحَّدة وكسرها- والفرق بينهما: أنَّ «الفَعلة» بالفتح: للمرَّة، وبالكسر للحالة والهيئة، قال البرماويُّ: والوجه الكسر؛ لأنَّ المراد الهيئة. انتهى. والذي في الفرع: الفتح، إحداهما (٣): (اللِّمَاسِ، وَ) الثَّانية (٤): (النِّبَاذِ) بكسر الأوَّل منهما، مصدر «لامس» و «نابذ».
وهذا الحديث مضى في «الصَّلاة» في «باب ما يَسْتُر من العورة» [خ¦٣٦٨].
(٦٣) (باب) حكم (بَيْعِ المُنَابَذَةِ، وَقَالَ أَنَسٌ) فيما وصله في «باب بيع المخاضرة (٥)» [خ¦٢٢٠٧]
стр. 4658
كما مرَّ في الباب السَّابق: (نَهَى عَنْهُ) أي: عن بيع المنابذة (النَّبِيُّ ﷺ ¬) ولأبي ذرٍّ تأخير قوله: «عنه» بعد قوله: «وسلَّم».
٢١٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) بفتح المهملة وتشديد المُوحَّدة (وَعَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان، كلاهما (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ المُلَامَسَةِ وَ) عن (المُنَابَذَةِ) ولم يذكر في شيءٍ من طرق حديث أبي هريرة تفسيرهما، والمنابذة: أن يجعلا النَّبذ بيعًا اكتفاءً به عن الصِّيغة، فيقول أحدهما: أنبذ إليك ثوبي بعشرةٍ، فيأخذه الآخر، أو يقول: بعتُكَه بكذا على أنِّي إذا نبذته إليك لزم البيع وانقطع الخيار.
٢١٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ) بفتح العين المهملة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة وبعد الألف شينٌ معجمةٌ، الرَّقَّام البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى البصريُّ السَّامي (١) قال: (حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين بينهما عينٌ ساكنةٌ، ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ) من الزِّيادة، اللَّيثيِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ (٢) ﷺ عَنْ لِبْسَتَيْنِ) بكسر اللَّام (وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ) بفتح المُوحَّدة (٣): (المُلَامَسَةِ وَالمُنَابَذَةِ) وسبق تفسيرهما (٤) [خ¦٢١٤٤]، وقيل: المنابذة: نبذُ الحصاة (٥)،
стр. 4659
والصَّحيح أنَّه (١) غيره، وتفسير اللِّبستين معلومٌ ممَّا سبق، واختصره الرَّاوي.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الاستئذان» [خ¦٦٢٨٤]، وأبو داود في «البيوع»، وأخرجه ابن ماجه في «التِّجارات»: بالنَّهي عن البيعتين، وفي «اللِّباس»: بالنَّهي عن اللِّبستين.
(٦٤) (باب النَّهْيِ لِلْبَائِعِ أَنْ لَا يُحَفِّلَ الإِبِلَ وَالبَقَرَ وَالغَنَمَ) بضمِّ المُثنَّاة (٢) التَّحتيَّة وفتح المهملة وتشديد الفاء المكسورة، من الحَفْل، وهو الجَمْع، ومنه المَحْفِل: لمجمع النَّاس، و «لا» يحتمل أن تكون زائدةً، وأن تكون تفسيريَّةً، و «لا يُحَفِّل» بيانًا (٣) للنَّهي، والتَّقييد بالبائع يخرج ما لو حفَّل المالكُ لجمع اللَّبن لولده أو عياله أو ضيفه (وَكُلَّ مُحَفَّلَةٍ) بفتح الفاء المُشدَّدة، ونصب «كلَّ» عطفًا على المفعول، من عطف العامِّ على الخاصِّ، أي: وكلَّ مُصرَّاةٍ (٤) من شأنها أن تُحفَّل، فالنُّصوص وإن وردت في النَّعم لكن أُلحِق بها غيرها من مأكول اللَّحم للجامع بينهما، وهو تغرير المشتري، نعم (٥) غير المأكول -كالجارية والأتان وإن شارك في النَّهي وثبوت الخيار- لكن الأصحُّ أنه لا يردُّ في اللَّبن صاعًا من تمرٍ؛ لعدم ثبوته،
стр. 4660
ولأنَّ لبن الآدميَّات لا يعتاض عنه غالبًا، ولبن (١) الأتان نجسٌ لا عوض له، وبه قال الحنابلة في الأتان دون الجارية. (وَالمُصَرَّاةُ) بضمِّ الميم وفتح الصَّاد المهملة وتشديد الرَّاء، مبتدأٌ، خبره قوله: هي (الَّتِي صُرِّيَ) بضمِّ المهملة وتشديد الرَّاء، أي: رُبِط (لَبَنُهَا) أي: ضرعها (وَحُقِنَ فِيهِ) أي: في الثَّدي، من باب العطف التَّفسيريِّ؛ لأنَّ التَّصرية والحقن بمعنًى واحدٍ (وَجُمِعَ) اللَّبن (فَلَمْ يُحْلَبْ أَيَّامًا) (٢) وهذا تفسير الشَّافعيِّ (وَ) قال أبو عبيدٍ وأكثر أهل اللُّغة: (أَصْلُ التَّصْرِيَةِ: حَبْسُ المَاءِ، يُقَالُ مِنْهُ: صَرَّيْتُ المَاءَ) بتشديد الرَّاء، وزاد أبو ذرٍّ: «إذا حبسته».
٢١٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الكاف، يحيى قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ) بن شُرَحبيل (٣) بن حسنة المصريِّ (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز، أنَّه قال: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : لَا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالغَنَمَ) بضمِّ التَّاء وفتح الصَّاد وتشديد الرَّاء، بوزن «تُزَكُّوا»، من صرَّى يصرِّي تصريةً، كزكَّى يزكِّي تزكيةً، وأصله: تُصَرِّيُوا، فاستُثقِلت الضَّمَّة على الياء، فسُكِّنت، فالتقى ساكنان، فحُذِف أوَّلهما وضُمَّ ما قبل الواو للمناسبة، و «الإبلَ» -على هذا- نُصِب على المفعوليَّة، وما بعده عُطِف