الحديث، ولم يُرِد الحقيقة لأنَّ الفرار ليس بدينٍ، فالتَّقدير: الفرار من الفتن شعبةٌ من شعب الإيمان، كما دلَّ عليه أداة التَّبعيض.
١٩ - وبالسَّند المذكور أوَّل هذا الشَّرح إلى البخاريِّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميم واللَّام بينهما مُهمَلَةٌ ساكنةٌ، ابن قعنبٍ الحارثيُّ البصريُّ، ذو الدَّعوة المُجَابة، أحد رُوَاة «الموطَّأ»، المُتوفَّى سنة إحدى وعشرين ومئتين (عَنْ مَالِكٍ) هو ابن أنسٍ، إمام دار الهجرة (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ) الأنصاريِّ المازنيِّ المدنيِّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وثلاثين ومئةٍ (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سنان الخزرجيِّ الأنصاريِّ (الخُدْرِيِّ) بضمِّ المُعجمَة (١) وسكون المُهملَة؛ نسبةً إلى خُدْرةَ جدِّه الأعلى، أو بطنٍ، المُتوفَّى بالمدينة سنة أربعٍ وستِّين أو أربعٍ وسبعين، وله في «البخاريِّ» ستَّةٌ وستُّون حديثًا، زاد في رواية أبي ذَرٍّ: «﵁» (أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يُوشِكُ) بكسر المُعجَمَة،
стр. 492
وفتحُها لغةٌ رديئةٌ، وهي من أفعال المقاربة، أي: يقرب (أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمًا) -بالنَّصب- خبر «يكون»، وفي رواية غير الأَصيليِّ: بنصب «خيرَ» خبرًا مقدَّمًا، ورفعِ «غنمٌ» اسمًا مُؤخَّرًا، ولا يضرُّ كونه نكرةً؛ لأنَّه موصوفٌ بجملة «يتَّبِع»، وجوَّز ابن مالكٍ رفعهما على الابتداء والخبر، ويقدِّر في «يكون» ضمير الشَّأن، قال في «الفتح»: لكن لم تَجِئْ به الرِّواية، وذكره العينيُّ من غير تنبيهٍ على الرِّواية فأوهم، و «الغنم»: اسمٌ مؤنَّثٌ موضوعٌ للجنس (يَتَّبِعُ بِهَا) بتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة «افتعالٌ»؛ من: اتَّبع اتِّباعًا، ويجوز إسكانها من تَبِعَ -بكسر المُوحَّدة- يَتْبَع، بفتحها، أي: يتبع بالغنم (شَعَفَ) بمُعجَمَةٍ فمُهمَلَةٍ مفتوحتين، جمع: شَعَفَةٍ بالتَّحريك، وهو بالنَّصب مفعول «يتَّبع» أي: رؤوس (الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ) بكسر القاف، وهو بالنَّصب (١) عطفٌ على «شعفَ» أي: مواضع نزول (القَطْرِ) أي: المطر، أي: بطون الأودية والصَّحارى، حال كونه (يَفِرُّ بِدِينِهِ) أي: يهرب بسببه، أو مع دينه (مِنَ الفِتَنِ) طلبًا لسلامته، لا لقصدٍ دنيوِيٍّ، فالعزلة عند الفتنة ممدوحةٌ إلَّا لقادرٍ على إزالتها فتجب الخلطة، عينًا أو كفايةً، بحسب الحال والإمكان، واختُلِف فيها عند عدمها؛ فمذهب الشَّافعيِّ: تفضيل الصُّحبة لتعلُّمه وتعليمه، وعبادته، وأدبه، وتحسين خُلُقِه؛ بحِلْمٍ واحتمالٍ، وتواضعٍ، ومعرفة أحكامٍ لازمةٍ، وتكثير سواد المسلمين، وعيادة مريضهم، وتشييع جنائزهم، وحضور الجمعة
стр. 493
والجماعات، واختار آخرون: العزلة للسَّلامة المُحقَّقة، وليعمل بما علم، ويأنس بدوام ذكره، فبالصُّحبة والعزلة كمالُ المرء. نعم؛ تجب العُزلةُ لفقيهٍ لا يَسْلَم دينه بالصُّحبة، وتجب الصُّحبة لمن عرف الحقَّ فاتَّبعه، والباطلَ فاجْتَنَبَه، وتجب على من جهل ذلك لِيَعْلَمَه، فافهم.
ورجال إسناد هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون، وفيه صحابيٌّ ابن صحابيٍّ (١)، وهو من أفراد البخاريِّ عن مسلمٍ، وقد رواه المؤلِّف أيضًا في «الفتن» [خ¦٧٠٨٨] و «الرقاق» [خ¦٦٤٩٥] و «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٠٠]، وأخرجه أبو داودَ والنَّسائيُّ.
ولمَّا كان الفرار من الفتن لا يكون إلَّا على قدر قوَّة دين الرَّجل، وهي تدلُّ على قوَّة المعرفة شَرَعَ يذكر ذلك، فقال:
(١٣) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بالإضافة، وسقط لفظ «باب» عند الأَصيليِّ، ومقول قوله ﵊: (أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللهِ) لأنَّه كلَّما كان الرَّجل أقوى في دينه كَانَ أقوى في معرفة ربِّه، وذلك يدلُّ ظاهرًا على قبول الإيمان الزِّيادةَ والنُّقصان، وللأَصيلِّي في غير الفرع وأصله: «أَعْرَفَكم» بدل «أَعْلَمَكم»، والفرق بينهما: أنَّ المعرفةَ هي إدراكُ الجزئيِّ، والعلمَ: إدراكُ الكليِّ (وَ) باب بيان (أَنَّ المَعْرِفَةَ) بفتح الهمزة (فِعْلُ القَلْبِ) فالإيمان بالقول وحده لا يتمُّ إلَّا بانضمام الاعتقاد إليه؛ خلافًا للكرَّاميَّة، والاعتقاد فعل القلب (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولأبوي الوقت وذَرٍّ «لقوله »: (﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]) أي: عزمتْ عليه،
стр. 494
ومفهومه: المُؤاخَذة بما يستقرُّ من فعل القلب، وهو ما عليه المُعظَم، فإن قلت: يعارضه قوله ﷺ : «إنَّ الله تجاوز عن أمَّتي ما حدَّثت به أنفسها، ما لم تتكلَّم به أو تعمل» أُجِيب: بأنَّه محمولٌ على ما إذا لم يستقرَّ؛ لأنَّه يمكن الانفكاك عنه، بخلاف ما يستقرُّ.
٢٠ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) هو بالتَّخفيف والتَّشديد، كما في فرع «اليونينيَّة» كهي عنِ الأَصيليِّ، وصحَّح الحافظ ابن حجرٍ التَّخفيف، قال العينيُّ: وبه قطع الجمهور كالخطيب وابن ماكولا، وقول صاحب «المطالع»: إنَّ التَّشديد عليه الأكثر؛ حَمَلَه النَّوويُّ على أكثر المشايخ، فقال: وإنَّما الذي عليه أكثر العلماء التَّخفيفُ، قال: وقد رُوِيَ عنه ذلك نفسه، وهو أخبَرُ بأبيه، وهو يشير إلى ما رواه سهل بن المتوكِّل عنه أنَّه قال: أنا محمَّد بن سَلَامٍ بالتَّخفيف، وقد صنَّف المنذريُّ جزءًا في ترجيح التَّشديد، ولكنَّ المُعتَمَدَ خلافُه، حتَّى قال بعض الحفَّاظ فيما نقله العينيُّ: إنَّ التَّشديد لحنٌ. انتهى. واسم أبيه الفرج السُّلَميُّ
стр. 495
البخاريُّ، زاد في رواية كريمة ممَّا ليس في الفرع وأصله: «البِيْكَنْدِيُّ» بمُوحَّدةٍ مكسورةٍ ثمَّ مُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ساكنةٍ ثمَّ كافٍ مفتوحةٍ ثمَّ نونٍ ساكنةٍ؛ نسبةً إلى بِيْكَنْد؛ بلدة على مرحلةٍ من بُخَارى، وتُوفِّي محمَّد بن سلامٍ هذا سنة خمسٍ وعشرين ومئتين، وهو ممَّا انفرد به البخاريُّ عن الكتب السِّتَّة (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (عَبْدَةُ) بسكون المُوحَّدة، قِيلَ: هو لقبه، واسمه: عبد الرَّحمن بن سليمان بن حاجبٍ الكلابيُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى بها في جمادى أو رجبٍ، سنة سبعٍ أو ثمانٍ وثمانين ومئةٍ (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين ﵂ أنَّها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَرَهُمْ) أي: أمر النَّاس بعملٍ (أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا) وفي رواية أبي الوقت: «ما» (يُطِيقُونَ) أي: يطيقون الدَّوامَ عليه، فخيرُ العمل ما دام عليه صاحبه وإنْ قَلَّ، ولا يخفى أنَّ الكثرة تؤدِّي إلى القطع، والقاطع في صورة ناقض العهد، فـ «أمرهم» الثَّانية: جوابٌ أوَّل للشَّرط، والثَّاني قوله: (قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ) بفتح الهاء، قال الكِرمانيُّ: والهيئة: الحالة والصُّورة، وليس المُرَاد نفي تشبيه ذواتهم بحالته ﵊، فلا بدَّ من تأويلٍ في أحد الطَّرفين، فقِيلَ: المُرَاد من «هيئتك»: كمثلك، أي: كذاتك أو كنفسك، وزِيدَ لفظ «الهيئة» للتَّأكيد؛ نحو: مثلُك لا يبخل، أو من «لسنا» أي: ليس حالنا كحالك، فحُذِفَ الحال وأُقيم المُضَاف إليه مُقامه، فاتَّصل الفعل بالضَّمير، فقِيلَ: لسنا كهيئتك (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ) تعالى (قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) أي: منه (١)، والمعنى -والله أعلمُ-
стр. 496
أي (١): حالَ بينكَ وبين الذُّنوب فلا تأتيها؛ لأنَّ الغَفرَ السَّترُ، وهو إمَّا بين العبد والذَّنب، وإمَّا بين الذَّنب وبين (٢) عقوبته، فاللَّائقُ بالأنبياء: الأوَّلُ، وبأممهم: الثَّاني، قاله البِرماويُّ. وقال غيره: المُرَاد منه: ترك الأَوْلَى والأفضلِ بالعدول إلى الفاضل، وترك الأفضل كأنَّه ذنبٌ؛ لجلالة قدر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. (فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ) بلفظ المضارع، والمُرَاد منه: الحال، وفي بعض النُّسخ: «فَغَضِبَ حتَّى عُرِفَ» (الغَضَبُ) بالرَّفع (فِي وَجْهِهِ) الشَّريف (ثُمَّ يَقُولُ) بالرَّفع عطفًا على «يغضب»: (إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللهِ) (أَنَا) «أتقاكم»: اسم «إنَّ»، وتاليه: عطفٌ عليه، والأخير خبرُها، كأنَّهم قالوا: أنت مغفورٌ لك لا تحتاج إلى عملٍ، ومع ذلك تُواظِب على الأعمال، فكيف بنا مع كثرة ذنوبنا؟! فردَّ عليهم بقوله: أنا أَوْلَى بالعمل لأنِّي أتقاكم وأَعْلَمُكُمْ، وأشار بالأوَّل إلى كماله ﵊ بالقوَّة العمليَّة، وبالثَّاني: إلى القوَّة العلميَّة، وقال في «المصابيح»: فإن قلت: السِّياق يقتضي تفضيله على المُخاطَبِين فيما ذكر، وليس هو منهم قطعًا، فقد (٣) فُقِدَ شرط استعمال «أَفْعَل» التَّفضيل مُضَافًا، وأجاب: بأنَّه إنَّما قصد التَّفضيل
стр. 497
على كلِّ من سواه مُطلَقًا، لا على المُضَاف إليه وحده، والإضافة لمجرَّد التَّوضيح، فما ذكر من الشَّرط هنا لاغٍ؛ إذ يجوز في هذا المعنى أن تضيفه إلى جماعةٍ هو أحدُهم؛ نحو: نبيُّنا ﵊ أفضلُ قريشٍ، وأن تضيفه إلى جماعةٍ من جنسه ليس داخلًا فيهم؛ نحو: يوسفُ أحسنُ إخوتِهِ، وأن تضيفه إلى غير جماعةٍ؛ نحو: فلانٌ أعلمُ بغدادَ، أي: أعلم ممَّن سواه، وهو مُختَصٌّ ببغدادَ لأنَّها مسكنُهُ أو منشؤُه. انتهى.
وهذا الحديث -كما قاله الحافظ ابن حجرٍ-: من أفراد المصنِّف، وهو من غرائب الصَّحيح، لا أعرفه إلَّا من هذا الوجه، فهو مشهورٌ عن هشامٍ فردٌ مطلقٌ من حديثه عن أبيه عن عائشة، ورواته كلُّهم أَجِلَّاءُ؛ ما بين بخاريٍّ، وكوفيٍّ، ومدنيٍّ.
ولمَّا فرغ المصنِّف من هذا الحديث المتضمِّن لسؤال الصَّحابةِ الرَّسول ﵊ الإذنَ لهم في الازدياد من العبادات؛ استلذاذًا لوجدانهم حلاوةَ الطَّاعة شَرَعَ يذكر حديث: «ثلاثٌ مَنْ كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان» فقال:
(١٤) (بابُ) ذكر كراهة (مَنْ كَرِهَ أَنْ يَعُودَ) أي: العَوْد (فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى) أي: ككراهة الإلقاء (فِي النَّارِ مِنَ الإِيمَانِ) أي: من شُعَبه، ولفظ «باب» ساقطٌ عند الأَصيليِّ، ويجوز تنوين «بابٌ» وإضافته إلى تاليه، وعلى كلٍّ تقديرٌ، فـ «مَنْ»: مبتدأٌ، و «من الإيمان»: خبره، و «أن»: في الموضعين مصدريَّةٌ، وكذا «ما»، و «مَنْ»: موصولةٌ (١)، و «كره
стр. 498
أن يعود»: صلتها، وسقط لأبي الوقت «من الإيمان».
٢١ - وبالسَّند إلى البخاريِّ قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) بفتح المُهملَة وسكون الرَّاء آخرُه مُوحَّدةٌ، ابن بَجِيْلٍ: بفتح المُوحَّدة وكسر الجيم وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره لامٌ، الأزديُّ الواشِحِيُّ؛ بكسر الشِّين المُعجمَة والحاء المُهملَة؛ نسبةً إلى بطنٍ من الأزد، البصريُّ قاضي مكَّةَ، المُتوفَّى بالبصرة سنة أربعٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) ابن دِعامةَ (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ زيادة: «ابن مالكٍ»؛ كما في فرع «اليونينيَّة» كهي (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ): خصالٌ (ثَلَاثٌ) أو ثلاثُ خصالٍ، فعلى الأوَّل: «ثلاثٌ» صفةٌ لمحذوفٍ، وعلى الثَّاني: مبتدأٌ، وسَوَّغَ الابتداءَ به إضافتُه إلى «الخصال»، والجملةُ اللَّاحقة: خبرُه؛ وهي: (مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ) أي: أصاب (حَلَاوَةَ الإِيمَانِ) باستلذاذه الطَّاعات، فيتحمَّل (١) في أمر الدِّين المشقَّات، ويُؤثِر (٢) ذلك على أعراض (٣) الدُّنيا الفانية، وهل هذه الحلاوة محسوسةٌ أو معنويَّةٌ؟ قال بكلٍّ قومٌ، ويشهد للأوَّل قولُ بلالٍ: أَحَدٌ أَحَدٌ، حين عُذِّب في الله إكراهًا على الكفر، فمزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان، وعند موته أهلُه يقولون: وا كرباه! وهو يقول: وا طرباه! غدًا ألقى الأحبَّة؛ محمَّدًا وصحبه، فمزج مرارة الموت بحلاوة اللِّقاء، فهي حلاوة الإيمان، فالقلب السَّليم
стр. 499
من أمراض الغفلة والهوى يذوق طعم الإيمان ويتنعَّم به؛ كما يذوق الفم طعم العسل وغيره من ملذوذات الأطعمة ويتنعَّم بها، ولا يذوق ذلك ويتنعَّم به إلَّا (مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا) من نفسٍ وولدٍ ووالدٍ وأهلٍ ومالٍ، وكلِّ شيءٍ، ومن ثمَّ قال: «ممَّا» ولم يقل: ممَّن؛ ليعمَّ من يعقل وما (١) لا يعقل (وَ) كذلك يجد هذه الحلاوة (مَنْ أَحَبَّ عَبْدًا) وفي الرِّواية السَّابقة في «باب حلاوة الإيمان»: «أن يحبَّ المرءَ» [خ¦١٦] (لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ) زاد في رواية أبي ذَرٍّ: « » كما في فرع «اليونينيَّة» (وَ) كذا (مَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ) أي: خلَّصه الله (٢) ونجَّاه، زاد في رواية ابن عساكرَ: «منه» (كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ) وفي الرِّواية السَّابقة: «وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذَفَ في النَّار» [خ¦١٦] ومن علامات هذه المحبَّة: نصر دين الإسلام بالقول والفعل، والذَّبُّ عن الشَّريعة المُقدَّسة، والتَّخلُّقُ بأخلاق الرَّسول ﵊ في الجود والإيثار والحلم والصَّبر والتَّواضع، وغير ذلك ممَّا ذكرته في أخلاقه العظيمة في «كتاب المواهب اللَّدنيَّة بالمنح المحمَّديَّة»، فمن جاهد نفسه على ذلك وجد حلاوة الإيمان، ومن وجدها استلذَّ الطَّاعات، وتحمَّل في الدِّين المشقَّات، بل
стр. 500
ربَّما يلتذّ بكثيرٍ من المُؤلِمات، ولذلك تقريرٌ طويلٌ، فليُنظَر في «كتاب المواهب»، والله سبحانه يَهَبُ لمن يشاء ما يشاء.
وأنت إذا تأمَّلت الاختلاف بين رواة حديث هذا الباب والسَّابق؛ ظهر لك بما نبَّهت عليه هنا، مع النَّظر في الإسنادين والمتن (١) أنَّه لا تكريرَ في سياقه له هنا، لا سيَّما والحديثُ مشتملٌ على ثلاثة أشياءَ: حلاوةِ الإيمان المُبوَّبِ لها فيما سبق، والمحبَّةِ لله، وكراهة الكفر كما يكره أن يُلقَى في النار، وعليه بَوَّبَ، فللَّه دَرُّ المؤلِّف من إمامٍ.
ولمَّا فرغ رحمه الله تعالى من هذا الحديث المُتضمِّن للخصال الثَّلاث، والنَّاس يتفاوتون فيها، وبه يحصل التَّفاضل في العمل؛ شَرَعَ يذكر تفاضل الأعمال، فقال:
(١٥) (بابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِي الأَعْمَالِ) أي: التَّفاضل الحاصل بسبب الأعمال، ولفظ: «باب» ساقطٌ عند الأَصيليِّ.
٢٢ - وبالسَّند أوَّل هذا المجموع إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُوَيس بن عبد الله الأصبحيُّ المدنيُّ، ابن أخت إمام دار الهجرة مالكٍ، وتُكلِّم فيه كأبيه، لكن أثنى عليه ابن
стр. 501
معينٍ وأحمدُ، وقد وافقه على رواية هذا الحديث: عبدُ الله بن وهبٍ، ومعنُ بن عيسى عن مالكٍ، وليس هو في «المُوطَّأ»، قال الدَّارقطنيُّ: هو غريبٌ صحيحٌ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا عن غيره، فانجبر اللِّين الذي فيه، وتُوفِّي إسماعيل هذا في رجب سنة سبعٍ أو ستٍّ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام (عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى) بن عُمارة؛ بفتح عين «عمرٍو» (المَازِنِيِّ) المدنيِّ، المُتوفَّى سنة أربعين ومئةٍ (عَنْ أَبِيهِ) يحيى (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الخُدْرِيِّ) بالدَّال المُهمَلَة (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ) أي: فيها، وعبَّر بالمضارع العاري عن سين الاستقبال المتمحِّض للحال لتحقُّق وقوع الإدخال (وَ) يدخل (أَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ) بعد دخولهم فيها (يَقُولُ اللهُ تَعَالَى) وفي روايةٍ: « » للملائكة: (أَخْرِجُوا) بهمزة قطعٍ مفتوحةٍ أمرٌ من الإخراج، زاد في رواية الأَصيليِّ: «مِنَ النَّار» (مَنْ) أي: الذي (كَانَ فِي قَلْبِهِ) زيادةٌ على أصل التَّوحيد (مِثْقَالُ حَبَّةٍ) ويشهد لهذا قوله: «أخرجوا مِنَ النَّار مَنْ قال: لا إله إلَّا الله، وعمل من الخير ما يَزِنُ كذا» أي: مقدار حبَّةٍ حاصلةٍ (مِنْ خَرْدَلٍ) حاصلٍ (مِنْ إِيمَانٍ) بالتَّنكير ليفيد التَّقليل، والقلَّة هنا
стр. 502
باعتبار انتفاء الزِّيادة على ما يكفي، لا لأنَّ الإيمان ببعض ما يجب الإيمان به كافٍ؛ لأنَّه عَلِمَ مَنْ عَرَفَ الشَّرع أنَّ المُرَاد من الإيمان الحقيقة المعهودة، وفي رواية الأَصيليِّ (١) والحَمُّويي والمُستملي: «من الإيمان»؛ بالتَّعريف، ثمَّ إنَّ المراد بقوله: «حبَّةٍ من خردلٍ» التَّمثيلُ، فيكون عِيَارًا في المعرفة لا في الوزن حقيقةً؛ لأنَّ الإيمان ليس بجسمٍ فيحصره الوزن والكيل، لكن ما يُشْكِلُ من المعقول قد يُرَدُّ إلى عيارٍ محسوسٍ لِيُفْهَم، ويُشبَّه به لِيُعْلَم، والتَّحقيق فيه: أن يُجعَل عمل العبد -وهو عرضٌ في جسمٍ- على مقدار العمل عنده تعالى، ثمَّ يُوزَن؛ كما صرَّح به في قوله: «وكان في قلبه من الخير ما يَزِنُ بُرَّةً»، أو تُمثَّل الأعمال بجواهرَ، فتُجعَل في كفَّة الحسنات جواهرُ بيضٌ مشرقةٌ، وفي كفَّة السَّيِّئات جواهرُ سودٌ مظلمةٌ، أو الموزون الخواتيم، وقد استنبط الغزاليُّ من قوله: «أخرجوا مِنَ النَّار مَنْ كان في قلبه … » إلى آخره نجاةَ من أيقن بالإيمان، وحال بينه وبين النُّطق به الموت، قال: وأمَّا من قدر على النُّطق ولم يفعل حتَّى مات مع إيقانه بالإيمان بقلبه؛ فيحتمل أن يكون امتناعه منه بمنزلة امتناعه عن الصَّلاة فلا يُخلَّد في النَّار، ويحتمل خلافه، ورجَّح غيره الثَّاني، فيُحتَاج إلى تأويلِ قوله: «في قلبه»، فيُقدَّر فيه محذوفٌ، تقديره: مُنضمًّا إلى النُّطق به مع القدرة عليه، ومنشأ الاحتمالين الخلاف في أنَّ النُّطق (٢) بالإيمان شطرٌ، فلا يتمُّ الإيمان إلَّا به، وهو مذهب جماعةٍ من العلماء، واختاره الإمام شمس الأمَّة (٣) وفخر الإسلام، أو شرطٌ لإجراء الأحكام الدُّنيويَّة فقط، وهو مذهب
стр. 503
جمهور المحقِّقين، وهو اختيار الشَّيخ أبي منصورٍ، والنُّصوص معاضدةٌ لذلك، قاله المحقِّق التَّفتازانيُّ (فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا) أي: من النار حال كونهم (قَدِ اسْوَدُّوا) أي: صاروا سُودًا كالحُمَمِ من تأثير النَّار (فَيُلْقَوْنَ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة مبنيًّا للمفعول (فِي نَهَرِ الحَيَا) -بالقصر- لكريمةَ وغيرها، أي: المطر (أَوِ الحَيَاةِ) بالمُثنَّاة الفوقيَّة آخره؛ وهو النَّهر الذي مَنْ غُمِسَ فيه حَيِيَ (شَكَّ مَالِكٌ)، وفي رواية ابن عساكرَ: «يشكُّ» بالمُثنَّاة (١) التَّحتيَّة أوَّله، أي: في أيِّهما الرِّواية، ورواية الأَصيليِّ من غير الفرع (٢): «الحياء» بالمدِّ، ولا وجه له، والمعنى على الأولى؛ لأنَّ المُرَاد: كلُّ ما تحصل به الحياة، وبالمطر تحصل حياة الزَّرع؛ بخلاف الثَّالث فإنَّ معناه الخجل، ولا يخفى بُعْدُه عن المعنى المُرَاد هنا، وجملة «شكَّ» اعتراضٌ بين قوله: «فيُلقَون في نهر الحياة» السَّابق وبين لاحقه وهو قوله: (فَيَنْبُتُونَ) ثانيًا (كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ) بكسر المُهملَة وتشديد المُوحَّدة، أي: كنبات بزر العشب، فـ «ال» للجنس أو للعهد، والمُرَاد: البقلة الحمقاء؛ لأنَّها تنبت سريعًا (فِي جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَ) خطابٌ لكلِّ من
стр. 504
يتأتَّى منه الرُّؤية (أَنَّهَا تَخْرُجُ) حال كونها (صَفْرَاءَ) تسرُّ النَّاظرَ، وحال كونها (مُلْتَوِيَةً) أي: مُنعطِفةً مُنثنِيةً، وهذا ممَّا يزيد الرَّياحينَ حُسْنًا باهتزازه وتمايله، فالتَّشبيه من حيث الإسراع والحُسْن؛ والمعنى: من كان في قلبه مثقال حبَّةٍ من الإيمان يخرج من ذلك الماء نضرًا متبخترًا كخروج هذه الرَّيحانة من جانب السَّيل صفراءَ متمايلةً، وحينئذٍ فيتعيَّن كون «ال» في «الحبَّة» للجنس، فافهم، وسيأتي مزيدٌ لذلك -إن شاء الله تعالى- في «صفة الجنَّة والنَّار» حيث أخرج المؤلِّف هذا الحديث [خ¦٦٥٦٠]، وقد أخرجه مسلمٌ أيضًا في «الإيمان»، وهو من عوالي المؤلِّف على مسلمٍ بدرجةٍ، وأخرجه النَّسائيُّ أيضًا، وليس هو في «المُوطَّأ»، وهو هنا قطعةٌ من الحديث الآتي إن شاء الله تعالى بعون الله مع مباحثه.
وبه قال: (قَالَ وُهَيْبٌ) بضمِّ أوَّله وفتح ثانيه مُصغَّرًا آخره مُوحَّدةٌ، ابن خالد بن عجلان الباهليُّ البصريُّ: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) بفتح العين، ابن يحيى المازنيُّ السَّابق قريبًا: (الحَيَاةِ) بالجرِّ على الحكاية، وهو موافقٌ لمالكٍ في روايته لهذا الحديث عن عمرو بن يحيى بسنده، ولم يشكَّ كما شكَّ مالكٌ (وَقَالَ) وهيبٌ أيضًا في روايته: مثقال حبَّةٍ من (خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ) بدل «من إيمان» فخالف مالكًا أيضًا في هذه اللَّفظة، وهذا التَّعليق أخرجه المصنِّف مُسنَدًا في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٦٠] عن موسى بن إسماعيل عن وُهَيبٍ عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيدٍ به، وسياقه أتمُّ من سياق مالكٍ، لكنَّه قال: «من خردلٍ من إيمانٍ» كرواية مالك، وفي هذا الحديث: الرَّدُّ على المُرجِئة؛ لما تضمَّنه من بيان ضرر المعاصي مع الإيمان، وعلى المعتزلة القائلين بأنَّ المعاصي موجبةٌ للخلود في النَّار.
стр. 505
٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير، ابن محمَّد بن زيدٍ القرشيُّ الأمويُّ المدنيُّ، مولى عثمان بن عفَّان (قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم ابن عبد الرَّحمن بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة التَّابعيُّ الجليل المدنيُّ (١)، المُتوفَّى ببغداد سنة ثلاثٍ وثمانين ومئةٍ (عَنْ صَالِحٍ) أبي محمَّد بن كيسان الغفاريِّ المدنيِّ التَّابعيِّ، المُتوفَّى بعد أن بلغ من العمر مئة وستِّين سنةً، وابتدأ بالتَّعلُّم وهو ابن تسعين (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) بضمِّ الهمزة، أسعد، المُختلَف في صحبته، ولم يصحَّ له سماعٌ، المذكور في الصَّحابة لشرف الرُّؤية (بْنِ سَهْلٍ) وللأَصيليِّ وأبي الوقت زيادة: «ابن حُنيفٍ» بضمِّ المُهمَلَة، المُتوفَّى سنة مئةٍ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الخُدْرِيَّ) ﵁ حال كونه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : بَيْنَا) بغير ميمٍ (أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ) مِنَ الرُّؤيا الحُلْميَّة على الأظهر، أو: مِنَ الرُّؤية البصريَّة، فتنصب (٢) مفعولًا واحدًا وهو «النَّاس»، وحينئذٍ فيكون قوله: (يُعْرَضُونَ عَلَيَّ) جملة حاليَّة، أو عَلَميَّة؛ مِنَ الرَّأي، وحينئذٍ فتطلب مفعولين؛ وهما: «النَّاس يعرضون عليَّ» أي: يظهرون لي (وَعَلَيْهِمْ
стр. 506
قُمُصٌ) -بضمِّ الأَوَّلَين- جمع قميصٍ، والواو للحال (مِنْهَا) أي: من القُمُص (مَا) أي: الذي (يَبْلُغُ الثُّدِيَّ) بضمِّ المُثلَّثة وكسر المُهملَة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، جمع ثديٍ، يُذكَّر ويُؤنَّث، للمرأة والرَّجل، والحديث يَرِدُ على مَن خصَّه بها، وهو هنا نُصِبَ مفعولَ «يبلغ»، والجارُّ والمجرور خبر المبتدأ الذي هو «الموصول»، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «الثَّدْي» بفتح المُثلَّثة وإسكان الدَّال (وَمِنْهَا) أي: من القُمُص (مَا دُونَ ذَلِكَ) أي: لم يصل إلى الثَّدي لقِصَره (وَعُرِضَ عَلَيَّ) بضمِّ العين وكسر الرَّاء مَبنيًّا للمفعول (عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) بالرَّفع نائبٌ عن الفاعل، ﵁ (وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ) لطوله (قَالُوا) أي: الصَّحابة، ولابن عساكر في نسخةٍ «قال» أي: عمر بن الخطَّاب أو غيره، أو السَّائل أبو بكرٍ الصِّدِّيق، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في «التَّعبير» [خ¦٧٠٠٩] (فَمَا أَوَّلْتَ) فما عبَّرتَ (ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) ﷺ : أوَّلتُ (الدِّينَ) -بالنَّصب- معمول «أوَّلتُ»، ولا يلزم منه أفضليَّة الفاروق على الصِّدِّيق؛ إذِ القسمة غير حاصرةٍ؛ إذ يجوز رابعٌ، وعلى تقدير الحصر فلم يخصَّ الفاروق بالثَّالث ولم يقصره عليه، ولئن سلَّمنا التَّخصيص به فهو مُعارَضٌ بالأحاديث الكثيرة البالغة درجة التَّواتر المعنويِّ، الدَّالةِ على أفضليَّة الصِّدِّيق، فلا تُعارِضها الآحاد، ولئن سلَّمنا التَّساويَ بين الدَّليلين، لكن إجماع أهل السُّنَّة والجماعة
стр. 507
على أفضليَّته، وهو قطعيٌّ، فلا يعارضه ظنِّيٌّ. وفي هذا الحديث: التَّشبيه البليغ؛ وهو تشبيه الدِّين بالقميص لأنَّه يستر عورة الإنسان، وكذلك الدِّين يستره من النَّار. وفيه: الدَّلالةُ على التَّفاضل في الإيمان، كما هو مفهوم تأويل القميص بالدِّين، مع ما ذكره من أنَّ اللَّابسين يتفاضلون في لبسه.
ورجاله كلُّهم مدنيُّون كالسَّابق، ورواية ثلاثةٍ من التَّابعين، أو تابعيَّين وصحابيَّين، وأخرجه المصنِّف أيضًا في «التَّعبير» [خ¦٧٠٠٩] وفي «فضل عمر» [خ¦٣٦٩١]، ورواه مسلمٌ في «الفضائل»، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ.
ولمَّا فرغ المؤلِّف رحمه الله تعالى من بيان تفاضل أهل الإيمان في الأعمال شَرَعَ يذكر ما ينقص به الإيمان، فقال:
(١٦) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- فيه: (الحَيَاءُ) بالمدِّ والرَّفع مبتدأٌ، خبره: (مِنَ الإِيمَانِ) وحديثه سبق، وفائدة سياقه هنا: أنَّه ذَكَرَ «الحياءَ» هناك بالتَّبعيَّة، وهنا بالقصد، مع فائدة مغايرة الطَّريق.
٢٤ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ السَّابق (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وفي رواية الأَصيليِّ: «حدَّثنا» (مَالِكٌ) ولكريمة وأبي الوقت: «مالك بن أنسٍ» أي: إمام دار الهجرة ﵀ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب القرشيِّ
стр. 508
العدويِّ، التَّابعيِّ الجليل، أحد الفقهاء السَّبعة بالمدينة في أحد الأقوال، المُتوفَّى بالمدينة سنة ستٍّ أو خمسٍ أو ثمانٍ ومئةٍ (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر ﵄: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ) أي: اجتاز (عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَهُوَ) أي: حال كونه (يَعِظُ أَخَاهُ) من الدِّين أو النَّسَب، قال في «المقدِّمة»: ولم يُسمَّيا جميعًا (فِي) شأن (الحَيَاءِ) بالمدِّ؛ وهو تغيُّرٌ وانكسارٌ عند خوفِ ما يُعَاب أو يُذَمُّ، قال الرَّاغب: وهو من خصائص الإنسان ليرتدع عن ارتكاب كلِّ ما يشتهي، فلا يكون كالبهيمة، والوعظ: النُّصح والتَّخويف والتَّذكير، وقال الحافظ ابن حجرٍ: والأَوْلى أن يُشْرَح بما عند المؤلِّف في «الأدب المفرد» (١) بلفظ: «يعاتب أخاه في الحياء، يقول: إنك تستحيي حتَّى كأنَّه قد أضرَّ بك» [خ¦٦١١٨]. قال: ويحتمل أن يكون جمع له العتاب والوعظ، فذكر بعض الرُّواة ما لم يذكره الآخر، لكن المخرج متَّحِدٌ، فالظَّاهر: أنَّه من تصرُّفِ الرَّاوي؛ بحسب ما اعتقد أنَّ كلَّ لفظٍ يقوم مقام الآخر. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّه بعيدٌ من حيث اللُّغة؛ فإنَّ معنى الوعظِ: الزَّجرُ، ومعنى العتبِ: الوجدُ، يقال: عتب عليه إذا وَجِدَ؛ على أنَّ الرِّوايتين تدلَّان على معنَيين جليَّيَن، ليس في واحدٍ منهما خفاءٌ حتَّى يُفسَّر أحدهما بالآخر، وغايته: أنَّه وعظ أخاه في استعمال الحياء وعاتبه عليه، والرَّاوي حكى في إحدى روايتيه بلفظ: الوعظ، وفي الأخرى بلفظ: المعاتبة، وكلاهما صواب (٢)، وقال التَّيميُّ: معناه الزَّجر؛ يعني: يزجره ويقول له: لا تستحي، وذلك أنَّه كان كثير الحياء، وكان ذلك يمنعه من استيفاء (٣) حقوقه، فوعظه أخوه
стр. 509
على ذلك (فَقَالَ) له (رَسُولُ اللهِ ﷺ : دَعْهُ) أي: اتركه على حيائه (فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ) لأنَّه يمنع صاحبَه من ارتكاب المعاصي كما يمنع الإيمان، فسُمِّيَ إيمانًا كما يُسمَّى الشَّيء باسم ما قام مقامه، قاله ابن قتيبة، و «مِن»: تبعيضيَّةٌ كقوله في الحديث السَّابق: «الحياءُ شعبةٌ من الإيمان» [خ¦٩] لا يُقَال: إذا كان الحياء بعض الإيمان فينتفي الإيمان بانتفائه؛ لأنَّ الحياء من مكمِّلات الإيمان، ونفيُ الكمال لا يستلزم نفيَ الحقيقة، والظَّاهر: أنَّ الواعظ كان شاكًّا، بل كان مُنْكِرًا؛ ولذا وقع التَّأكيد بـ «إنَّ»، ويجوز أن يكون من جهة أنَّ القصَّة في نفسها ممَّا يجب أن يُهتمَّ به ويُؤكَّد عليه، وإن لم يكن ثَمَّةَ إنكارٌ أو شَكٌّ.
ورجال هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون إلَّا عبد الله (١)، وأخرجه البخاريُّ أيضًا في «البرِّ والصِّلة» [خ¦٦١١٨]، ومسلمٌ، وأبو داودَ، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ.
(١٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين والإضافة، كما في فرع «اليونينيَّة»، قال الحافظ ابن حجرٍ: والتَّقدير: بابٌ في تفسير قوله، وبابُ تفسيرِ قولِهِ، وعُورِضَ: بأنَّ المصنِّف لم يَضَعِ الباب لتفسير الآية، بل غرضُه بيانُ أمور الإيمان، وبيان أنَّ الأعمال من الإيمان، مستدلًّا على ذلك بالآية والحديث، فـ «باب» بمفرده لا يستحقُّ إعرابًا لأنَّه كتعديد الأسماء من غير تركيبٍ، والإعراب لا يكون إلَّا بعد العقد والتَّركيب (﴿فَإِن تَابُواْ﴾) أي: المشركون عن شركهم بالإيمان (﴿وَأَقَامُواْ﴾)
стр. 510
أي: أدَّوا (﴿الصَّلَاةَ﴾) في أوقاتها (﴿وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ﴾) أعطَوها تصديقًا لتوبتهم وإيمانهم (﴿فَخَلُّواْ﴾) أي: أَطْلِقُوا (﴿سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]) جواب الشَّرط في قوله: «فإن تابوا»، وفيه -كما قال القاضي البيضاويُّ- دليلٌ على أنَّ تارك الصَّلاة ومانع الزَّكاة لا يُخلَّى سبيلُه، ومُرَاد المؤلِّف بهذا: الرَّدُّ على المُرجِئة في قولهم: إنَّ الإيمان غيرُ محتاجٍ إلى الأعمال، مع التَّنبيه على أنَّ الأعمالَ من الإيمان.
٢٥ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي: ابن عبد الله، ولابن عساكرَ: «المُسنَدِيُّ» بضمِّ الميم وفتح النُّون، وسبق (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ) بفتح الرَّاء وسكون الواو، واسمه: (الحَرَمِيُّ) بفتح الحاء والرَّاء المُهمَلَتَين وكسر الميم وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، بلفظ النِّسبة، تثبت فيه «ال» وتُحذَف، وليس نسبةً إلى الحرَم كما تُوهِّم (بْنُ عُمَارَةَ) بضمِّ العين المُهمَلَة وتخفيف الميم، ابن أبي حفصة نابتٍ -بالنُّون- العتكيُّ البصريُّ، المُتوفَّى سنة إحدى وثمانين (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ) بالقاف، زاد الأَصيليُّ:
стр. 511
«يعني: ابن زيد بن عبد الله بن عمر»، كما في فرع «اليونينيَّة» كهي (١) (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) محمَّد بن زيد بن عبد الله (يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب عبد الله ﵄، فواقدٌ هنا روى عن أبيه عن جدِّ أبيه: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: أُمِرْتُ) بضمِّ الهمزة لِمَا لم يُسمَّ فاعلُه (أَنْ) أي: أمرني الله بأنْ (أُقَاتِلَ النَّاسَ) أي: بمقاتلة النَّاس، وهو من العامِّ الذي أُرِيدَ به الخاصُّ، فالمُرَاد بـ «النَّاس»: المشركون من غير أهل الكتاب، ويدلُّ له رواية النَّسائيِّ بلفظ: «أُمِرتُ أن أقاتلَ المشركين»، أو المراد: مقاتلة أهل الكتاب (حَتَّى) أي: إلى أن (يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَ) حتَّى (يُقِيمُوا الصَّلَاةَ) المفروضة بالمُداوَمَة على الإتيان بها بشروطها (وَ) حتَّى (يُؤْتُوا الزَّكَاةَ) المفروضة، أي: يعطوها لمستحقِّيها، والتَّصديق برسالته ﵊ يتضمَّن التَّصديق بكلِّ ما جاء به، وفي حديث أبي هريرة في «الجهاد» الاقتصار على قول: «لا إله إلَّا الله» [خ¦٢٩٤٦] فقال الطَّبريُّ: إنَّه ﵊ قاله في وقت قتاله للمشركين أهل الأوثان (٢) الذين لا يقرُّون بالتَّوحيد، وأمَّا حديث الباب ففي قتال (٣) أهل الكتاب المقرِّين بالتَّوحيد، الجاحدين لنبوَّته عمومًا وخصوصًا، وأمَّا حديث أنسٍ في أبواب «أهل (٤) القبلة»: «وصلَّوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا» [خ¦٣٩٢] فيمن دخل الإسلام ولم يعمل الصَّالحات (٥)؛ كترك الجمعة والجماعة فيُقاتَل حتَّى يذعن لذلك (فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ) أو أعطَوا الجزية، وأطلق على القول «فعلًا» لأنَّه فعل
стр. 512
اللِّسان أو هو (١) من باب تغليب الاثنين على الواحد (عَصَمُوا) أي: حفظوا ومنعوا (مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) فلا تُهدَرُ دماؤهم ولا تُستَباح أموالُهم بعد عصمتهم بالإسلام بسببٍ من الأسباب (إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ) من قتل نفسٍ، أو حدٍّ، أو غرامةٍ بمتلفٍ، أو ترك صلاةٍ (وَحِسَابُهُمْ) بعد ذلك (عَلَى اللهِ) في أمر سرائرهم، وأمَّا نحن فإنَّما نحكم بالظَّاهر، فنعاملهم بمُقتضَى ظواهر أقوالهم وأفعالهم، أو المعنى: هذا القتال وهذه العصمة إنَّما هما باعتبار أحكام الدُّنيا المتعلِّقة بنا، وأمَّا أمور الآخرة من الجنَّة والنَّار والثَّواب والعقاب فَمُفَوَّضَةٌ إلى الله تعالى، ولفظة: «على» مشعرةٌ بالإيجاب فظاهره غير مُرَادٍ، فإمَّا أن يكون المُرَاد: وحسابهم إلى الله، أو لله، أو أنَّه يجب أن يقع، لا أنَّه تعالى يجب عليه شيءٌ؛ خلافًا للمعتزلة القائلين بوجوب الحساب عقلًا، فهو من باب التَّشبيه له (٢) بالواجب على العباد في أنَّه لا بدَّ من وقوعه، واقتصر على الصَّلاة والزَّكاة لكونهما أُمًّا للعبادات البدنيَّة والماليَّة، ومن ثمَّ كانت الصَّلاة عماد الدِّين، والزَّكاة قنطرة الإسلام.
ويُؤخَذ من هذا الحديث: قبول الأعمال الظَّاهرة، والحكم بما يقتضيه الظَّاهر، والاكتفاء في قبول الإيمان بالاعتقاد الجازم؛ خلافًا لمن أوجب تعلُّم الأدلَّة، وترك تكفير أهل البدع المقرِّين بالتَّوحيد الملتزمين للشَّرائع، وقبول توبة الكافر من غير تفصيلٍ بين كفرٍ ظاهرٍ أو باطنٍ.
وفيه: رواية الأبناء عن الآباء، وفيه التَّحديث والعنعنة والسَّماع، وفيه الغرابة مع اتِّفاق الشَّيخين على تصحيحه؛ لأنَّه تفرَّد بروايته شعبةُ عن واقدٍ، قاله ابن حبَّان، وهو عن شعبةَ عزيزٌ، تفرَّد بروايته عنه حَرَمِيٌّ المذكور، وعبدُ الملك بن الصَّبَّاح، وهو عزيزٌ عن حَرَمِيٍّ، تفرَّد به عنه المُسْنَديُّ، وإبراهيمُ بن محمَّد بن عرعرةَ، ومن جهة إبراهيم أخرجه أبو عوانة وابن حبَّان والإسماعيليُّ وغيرهم، وهو غريبٌ عن عبد الملك، تفرَّد به عنه أبو غسَّان مالكُ بن عبد الواحد شيخُ مسلمٍ، وليس هو في «مُسنَد أحمد» على سعته، قاله الحافظ ابن حجرٍ،
стр. 513
وأخرجه البخاريُّ أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٥٢٣]، كما سيأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وقوَّته.
ولمَّا فرغ المؤلِّف من التَّنبيه على أنَّ الأعمال من الإيمان ردًّا على المرجئة شَرَعَ يذكر أنَّ الإيمان هو العمل؛ ردًّا على المرجئة حيث قالوا: إنَّ الإيمان قولٌ بلا عملٍ، فقال:
(١٨) (بابُ) بغير تنوينٍ لإضافته إلى قوله: (مَنْ قَالَ: إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ العَمَلُ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: « »: (﴿وَتِلْكَ﴾) مبتدأٌ، خبره: (﴿الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾) أي: صُيِّرَتْ لكم إرثًا، فأُطْلِق الإرث مجازًا عن (١) الإعطاء لتحقُّق الاستحقاق، أو المُورَّث الكافر وكان له نصيبٌ منه ولكن كفره منعه فانتقل منه إلى المؤمن، وقال البيضاويُّ: شبَّه جزاء العمل بالميراث لأنَّه يخلفه عليه العامل، والإشارة إلى الجنَّة المذكورة في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: ٧٠] والجملة (٢) صفةٌ لـ ﴿الْجَنَّةَ﴾ أو ﴿الْجَنَّةَ﴾ صفةٌ للمبتدأ الذي هو ﴿تِلْكَ﴾ و ﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾ صفةٌ أخرى، والخبر: (﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]) أي: تؤمنون، و «ما»: مصدريَّةٌ، أي: بعملِكم، أو موصولةٌ، أي: بالذي كنتم تعملونه، والباء للمُلابَسة، أي: أُورِثتموها مُلابِسةً
стр. 514
لأعمالكم، أي: لِثوابِ أعمالكم، أو للمقابلة؛ وهي التي تدخل على الأعواض كاشتريت بألفٍ، ولا تَنَافِيَ بين ما في (١) الآية وحديث: «لن يدخل أحدٌ الجنَّة بعمله» [خ¦٥٦٧٣] لأنَّ المُثبَت في الآية الدُّخولُ بالعمل المقبول، والمنفيَّ في الحديث دخولُها بالعمل المُجرَّد عنه، والقبول إنَّما هو برحمة (٢) الله تعالى، فآلَ ذلك إلى أنَّه لم يقع الدُّخول إلَّا برحمته، ويأتي مزيدٌ لذلك إن شاء الله تعالى في محلِّه بعون الله وقوَّته، وقد أشبعتُ الكلام عليه في «المواهب»، فليُرَاجَع.
(وقَالَ عِدَّةٌ) -بكسر العين وتشديد الدَّال- أي: عددٌ (مِنْ أَهْلِ العِلْمِ) كأنس بن مالكٍ فيما رواه التِّرمذيُّ مرفوعًا بإسنادٍ فيه ضعفٌ، وابن عمر فيما رواه الطَّبريُّ في «تفسيره»، والطَّبرانيُّ في «الدُّعاء» له، ومجاهدٌ فيما رواه عبد الرَّزَّاق في «تفسيره» (فِي قَوْلِهِ تَعَالَى)، وفي رواية الأَصيليِّ وأبي الوقت: « »: (﴿فَوَرَبِّكَ﴾) يا محمَّد (﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ﴾) أي: المقتسمين؛ جواب القسم مُؤكَّدًا باللَّام (﴿أَجْمَعِيْنَ﴾) تأكيدٌ للضَّمير في ﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ﴾ مع الشُّمول في أفراد المخصوصين (﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣] عَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وفي روايةٍ: «عن قول: لا إله إلَّا الله» وسقط لأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ لفظ «قول»، ولفظ رواية ابن عساكرَ: «قال: عن لا إله إلَّا الله» لكن قال النَّوويُّ: المعنى: لَنَسْأَلَنَّهُمْ عن أعمالهم كلِّها التي يتعلَّق بها التَّكليف، فقول من خصَّ بلفظ التَّوحيد دعوى تخصيصٍ بلا دليلٍ، فلا تُقبَل. انتهى. ومُرَاده -كما قاله صاحب «عمدة القاري» -: أنَّ دعوى التَّخصيص بلا دليلٍ خارجيٍّ لا تُقبَل لأنَّ الكلام عامٌّ في السُّؤال عن التَّوحيد وغيره، فدعوى التَّخصيص بالتَّوحيد تحتاج إلى دليلٍ خارجيٍّ، فإنِ استدلَّ بحديث التِّرمذيِّ فقد ضَعُفَ من جهة ليثٍ، وليس التَّعميم في قوله: ﴿أَجْمَعِيْنَ﴾ حتَّى يدخل فيه
стр. 515
المسلم والكافر لكونه مخاطبًا بالتَّوحيد قطعًا، وبباقي الأعمال على الخلاف، فالمانع من الثَّاني يقول: إنَّما يُسأَلون عن التَّوحيد فقط للاتِّفاق عليه، وإنَّما التَّعميم هنا في قوله: ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فتخصيص ذلك بالتَّوحيد تحكُّمٌ، ولا تَنَافِيَ بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] لأنَّ في القيامة مواقفَ مختلفة، وأزمنةً متطاولة، ففي موقفٍ أو زمانٍ يُسأَلون، وفي آخرَ لا يُسأَلُون، أو لا يُسأَلون سؤالَ استخبارٍ بل سؤالَ توبيخٍ لمستحقِّه.
(وَقَالَ) الله تعالى، وسقط لغير الأربعة لفظ «وقال»: (﴿لِمِثْلِ هَذَا﴾) أي: لِنَيْلِ مثل هذا الفوز العظيم (﴿فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١]) أي: فليؤمن المؤمنون، لا للحظوظ الدُّنيويَّة المَشُوبة بالآلام السَّريعةِ الانصرام، وهذا يدلُّ على أنَّ الإيمان هو العمل، كما ذهب إليه المصنِّف، لكنَّ اللَّفظَ عامٌّ، ودعوى التَّخصيص بلا برهانٍ لا تُقبَل، نعم؛ إطلاق العمل على الإيمان صحيحٌ من حيث إنَّ الإيمان هو عملُ القلب، لكن لا يلزم من ذلك أن يكون العمل من نفس الإيمان، وغرضُ البخاريِّ رحمه الله تعالى من هذا الباب وغيره: إثباتُ أنَّ العمل من أجزاء الإيمان؛ ردًّا على من يقول: إنَّ العمل لا دَخْلَ له في ماهيَّة الإيمان، فحينئذٍ لا يتمُّ مقصوده على ما لا يخفى، وإن كان مُرَاده جواز إطلاق العمل على الإيمان فلا نزاعَ فيه؛ لأنَّ الإيمان عملُ القلب؛ وهو التَّصديق، وقد سبق البحث في ذلك.
٢٦ - وبالسَّند السَّابق أوَّلَ هذا التَّعليق إلى المؤلِّف قال رحمه الله تعالى: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) نسبةً
стр. 516
إلى جدِّه لشهرته به، وإنما اسمُ أبيه: عبدُ الله اليربوعيُّ التَّميميُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى في ربيع الآخر سنة سبعٍ وعشرين ومئتين (وَ) كذا حدَّثنا (مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنقريُّ -بكسر الميم- السَّابق (قَالَا) بالتثنية: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ السَّابق (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بضمِّ الميم وكسر المثنَّاة التَّحتيَّة، والفتح فيها أشهر وكان يكرهه، ابن حَزْنٍ؛ بفتح المُهمَلَة وسكون الزَّاي، إمام التَّابعين في الشَّرع، وفقيه الفقهاء، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ أو أربعٍ أو خمسٍ وتسعين، وهو زوج بنت أبي هريرة، وأبوه وجدُّه صحابيَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عبد الرَّحمن (١) بن صخرٍ ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ) بالبناء للمفعول (٢) في محلِّ رفع خبر «أنَّ»، وأُبهِم السَّائل وهو أبو ذَرٍّ، وحديثه في «العتق» [خ¦٢٥١٨]: (أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟) أي: أكثر ثوابًا عند الله تعالى، وهو مبتدأٌ وخبرٌ (قَالَ) ولغير الأربعة وكريمة: «فقال» ﷺ : هو (إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ. قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟) أي: أيُّ شيء أفضلُ بعد الإيمان بالله ورسوله؟ (قَالَ) ﵊: هو (الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ) لإعلاء كلمة الله أفضلُ لبذله نفسَه (قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا) أفضلُ؟ (قَالَ) ﵊: هو (حَجٌّ مَبْرُورٌ) أي: مقبولٌ، أي: لا يخالطه إثمٌ، أو
стр. 517
لا رياءَ فيه، وعلامة القبول: أن يكون حاله بعد الرُّجوع خيرًا ممَّا قبله، وقد وقع هنا الجهاد بعد الإيمان، وفي حديث أبي ذّرِّ: لم يَذْكُرِ الحجَّ وذَكَرَ العتقَ [خ¦٢٥١٨] وفي حديث ابن مسعودٍ بدأ بالصَّلاة ثمَّ البرِّ ثم الجهادِ [خ¦٢٧٨٢] وفي الحديث السَّابق [خ¦١٠] ذكر السَّلامة من اليد واللِّسان، وكلُّها في «الصَّحيح»، وقد أُجِيب: بأنَّ اختلاف الأجوبة في ذلك لاختلاف الأحوال والأشخاص، ومن ثمَّ لم يذكر الصَّلاة والزَّكاة والصِّيام في حديث هذا الباب، وقد يُقَال: خير الأشياء كذا، ولا يُرَاد أنَّه خيرٌ من جميع الوجوه في جميع الأحوال والأشخاص، بل في حالٍ دون حالٍ، وإنَّما قدَّم «الجهادَ» على «الحجِّ» للاحتياج إليه أوَّل الإسلام، وتعريف «الجهاد» باللَّام دون «الإيمان» و «الحجِّ»: إمَّا لأنَّ المُعرَّف بلام الجنس كالنَّكرة في المعنى، على أنَّه وقع في «مُسنَد الحارث بن أبي (١) أسامة»: «ثمَّ جهادٌ» بالتَّنكير، هذا من جهة النَّحو، وأمَّا من جهة المعنى (٢) فلأنَّ «الإيمان» و «الحجَّ» لا يتكرَّر وجوبُهما فَنُوِّنا للإفراد، و «الجهاد» قد يتكرَّر فَعُرِّفَ، والتَّعريف للكمال.
وفي إسناد هذا الحديث أربعةٌ كلُّهم مدنيُّون، وفيه شيخان للمؤلِّف، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ والتِّرمذيُّ باختلافٍ بينهم في ألفاظه.
(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا لَمْ يَكُنِ) أي: إن لم يكن (الإِسْلَامُ عَلَى الحَقِيقَةِ) الشَّرعيَّة (وَكَانَ عَلَى الاِسْتِسْلَامِ) أي: الانقياد الظَّاهر فقط، والدُّخول في السِّلْم (أَوِ) كان على (الخَوْفِ مِنَ القَتْلِ) لا يُنتفَع به في الآخرة، فـ «إذا» متضمِّنةٌ معنى الشَّرط، والجزاء محذوفٌ، وتقديره نحو ما قدَّرته (لِقَوْلِهِ تَعَالَى) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ « »: (﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾) أهل البدو، ولا واحدَ له من لفظه، ومَقُول قولهم: (﴿آمَنَّا﴾) نزلت في نفرٍ من بني أَسْلَمَ، قَدِمُوا المدينة في سنةٍ جدبةٍ، وأظهروا الشَّهادتين، وكانوا يقولون لرسول الله ﷺ : أتيناك بالأثقال والعيال، ولم
стр. 518
نقاتلْك كما قاتلك بنو فلانٍ، يريدون الصَّدقة ويمنُّون، فقال الله تعالى لرسوله ﵊: (﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا﴾) إذِ الإيمانُ تصديقٌ مع ثقةٍ وطمأنينةِ قلبٍ (﴿وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]) فإنَّ الإسلام انقيادٌ، ودخولٌ في السِّلْم، وإظهارٌ للشَّهادة لا بالحقيقة، ومن ثمَّ قال تعالى: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا﴾ لأنَّ كلَّ ما يكون من الإقرار باللِّسان من غير مُواطَأة القلب فهو إسلامٌ، وما واطأ فيه القلب اللِّسان فهو إيمانٌ، وكان نظم الكلام أن يقول: لا تقولوا: آمنَّا، ولكن قولوا: أسلمنا؛ إذ لم تؤمنوا ولكنْ أسلمتم، فَعَدَلَ عنه إلى هذا النَّظم ليفيدَ تكذيبَ دعواهم، وفي هذه الآية -كما قال الإمام أبو بكر بن الطَّيِّب- حجَّةٌ على الكرَّاميَّة ومن وافقهم من المرجئة في قولهم: إنَّ الإيمان إقرارٌ باللِّسان فقط، ومثلُ هذه الآية في الدَّلالة لذلك قولُه تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢] ولم يقل: كتب في ألسنتهم، ومن أقوى ما يُرَدُّ به عليهم الإجماع على كفر المنافقين مع كونهم أظهروا الشَّهادتين.
(فَإِذَا كَانَ) أي: الإسلامُ (عَلَى الحَقِيقَةِ) الشَّرعية، وهو الذي يرادف الإيمان وينفع عند الله تعالى (فَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]) أي: لا دينَ مرضيَّ عنده تعالى سواه، وفتح الكسائيُّ همزة ﴿إِنَّ﴾ على أنَّه بدلٌ من ﴿أَنَّهُ﴾ [آل عمران: ١٨] بدل الكلِّ من الكلِّ (١) إن فُسِّر الإسلامُ بالإيمان، وبدل الاشتمال إن فُسِّر بالشَّريعة، وقد استدلَّ المؤلِّف بهذه الآية على أنَّ الإسلام الحقيقيَّ هو الدِّينُ، وعلى أنَّ الإسلام والإيمان مترادفان، وهو قول
стр. 519
جماعةٍ من المحدِّثين، وجمهور المعتزلة والمتكلِّمين، واستدلُّوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦] فاستثنى ﴿الْمُسْلِمِينَ﴾ من ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ والأصل في الاستثناء كون المُستثنَى من جنس المُستثنَى منه، فيكون الإسلام هو الإيمان، وَرُدَّ بقوله تعالى: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] فلو كانا شيئًا واحدًا لزم إثباتُ شيءٍ ونفيُه في حالةٍ واحدةٍ، وهو مُحَالٌ، وأُجِيب: بأنَّ الإسلام المُعتَبر في الشَّرع لا يوجد بدون الإيمان، وهو في الآية بمعنى: انقياد الظَّاهر من غير انقياد الباطن، كما تقدَّم قريبًا.
ثمَّ استدلَّ المؤلِّف أيضًا على مذهبه بقوله تعالى: (﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ﴾) أي: غير التَّوحيد والانقياد لحكم الله تعالى (﴿دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]): جواب الشَّرط، ووجه الدَّلالة على ترادفهما: أنَّ الإيمان لو كان غير الإسلام لمَا كان مقبولًا، فتعيَّن (١) أن يكون عينه لأنَّ الإيمانَ هو الدِّينُ، والدِّينُ هو الإسلامُ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] فينتج أنَّ الإيمانَ هو الإسلامُ، وسقط للكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي من قوله: «﴿وَمَن يَبْتَغِ﴾ … إلى آخره».
٢٧ - وبسندي الذي قدَّمته أوَّلَ هذا التَّعليق إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ الحمصيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الأمويُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ)
стр. 520
محمَّد بن مسلمٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) بتشديد القاف، و «سعْد»: بسكون العين، واسم أبي وقَّاص مالكٌ، القرشيُّ، المتوفَّى بالمدينة سنة ثلاثٍ أو أربعٍ ومئةٍ (عَنْ) أبيه (سَعْدٍ) المذكورِ، أحد العشرة المبشَّرة بالجنَّة، المُتوفَّى آخرهم بقصره بالعقيق؛ على عشرة أميالٍ من المدينة، سنة سبعٍ وخمسين، وحُمِل على رقاب الرِّجال إلى المدينة، ودُفِنَ بالبقيع، وله في البخاريِّ عشرون حديثًا (¬﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَى رَهْطًا) من المؤلَّفة شيئًا من الدُّنيا لمَّا سألوه -كما عند الإسماعيليِّ- ليتألَّفهم (١) لضعف إيمانهم، والرَّهط: العدد من الرِّجال لا امرأةَ فيهم، من ثلاثةٍ أو سبعةٍ إلى عشرةٍ، أو ما (٢) دون العشرة، ولا واحدَ له من لفظه، وجمعه: أرهُطٌ وأراهطُ وأرهاطٌ وأراهيطُ (وَسَعْدٌ جَالِسٌ) جملة ٌاسميَّةٌ وقعت حالًا، ولم يَقُلْ: وأنا جالسٌ -كما هو الأصل- بل جرَّد من نفسه شخصًا، وأخبر عنه بالجلوس، أو هو من باب الالتفات من التكلُّم -الذي هو مُقتضَى المقام- إلى الغَيبة، كما هو قول صاحب «المفتاح»، قال سعدٌ: (فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا) سأله أيضًا مع كونه أحبَّ إليه ممَّن أعطى، وهو جُعَيلُبن سراقةَ الضَّمريُّ المهاجريُّ (هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ) أي: أفضلُهم وأصلحُهم في اعتقادي،
стр. 521
والجملة نصب صفةٍ لـ «رجلًا»، وكان السِّياق يقتضي أن يقول: أعجبهم إليه؛ لأنَّه قال: «وسعدٌ جالسٌ»، بل قال: «إليَّ» على طريق الالتفات من الغِيبة إلى التَّكلُّم (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟) أي: أيُّ سبب لِعُدُولِكَ عنه إلى غيره؟! ولفظ «فلانٍ» كنايةٌ عن اسمٍ أُبْهِمَ بعد أن ذُكِرَ (فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا!) بفتح الهمزة، أي: أَعْلَمُهُ، وفي رواية أبي ذَرٍّ وغيره هنا كـ «الزَّكاة» [خ¦١٤٧٨]: «لأُراه» بضمِّها؛ بمعنى: أظنُّه، وبه جزم القرطبيُّ في «المُفْهِم»، وعبارته: الرِّواية بضمِّ الهمزة، وكذا رواه الإسماعيليُّ وغيره، ولم يجوِّزه النَّوويُّ محتجًّا بقوله الآتي: «ثمَّ غلبني ما أعلم منه»، ولأنَّه راجع النَّبيَّ ﷺ مرارًا، فلو لم يكن جازمًا باعتقاده لَمَا كرَّر المُراجَعة، وتُعقِّب: بأنَّه لا دلالةَ فيه على تعيُّن الفتح؛ لجواز إطلاق العلم على الظَّنِّ الغالب؛ نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] أي: العلم الذي يمكنكم تحصيله، وهو الظَّنُّ الغالب بالحلف وظهور الأمارات، وإنِّما سمَّاه علمًا إيذانًا بأنَّه كالعلم في وجوب العمل به، كما قاله البيضاوي، وأُجِيب: بأنَّ قَسَمَ سعدٍ وتأكيد كلامه بـ «إنَّ» و «اللَّام»، ومراجعته للنَّبيِّ ﷺ ، وتكرار نسبة العلم إليه يدلُّ على أنَّه كان جازمًا باعتقاده (فَقَالَ) ﷺ ، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: «قال»: (أَوْ مُسْلِمًا) بسكون الواو فقط؛ بمعنى الإضراب على قول سعدٍ، وليس الإضراب هنا بمعنى إنكار كون الرَّجل مؤمنًا، بل معناه: النَّهي عن القطع بإيمان من لم يختبر حاله الخبرة الباطنة؛ لأنَّ الباطن لا يطَّلع عليه إلَّا الله، فالأَوْلى: التَّعبير بالإسلام الظَّاهر، بل في الحديث إشارةٌ إلى إيمان المذكور؛ وهي قوله: «لَأعطي الرجلَ
стр. 522
وغيرُهُ أحبُّ إليَّ منه»، قال سعدٌ: (فَسَكَتُّ) سكوتًا (قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا) أي: الذي (أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ) أي: فرجعتُ (لِمَقَالَتِي) مصدرٌ ميميٌّ بمعنى القول، أي: لِقولي، وثبت لأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «فعدتُ» وسقط للأَصيليِّ وأبي الوقت لفظ «لمقالتي» (فَقُلْتُ): يا رسول الله (مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لأُرَاهُ) باللَّام وضمِّ الهمزة كذا رواه ابن عساكرَ، ورواه أبو ذَرٍّ: «أَراه» (مُؤْمِنًا! فَقَالَ) ﵊: (أَوْ مُسْلِمًا، فَسَكَتُّ) سكوتًا (قَلِيلًا) وسقط للحَمُّويي قوله «فسكتُّ قليلًا» (ثُمَّ غَلَبَنِي مَا) أي: الذي (أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) وليس في رواية الكُشْمِيهَنيِّ إعادة السُّؤال ثانيًا، ولا الجواب عنه، وإنَّما لم يقبل ﵊ قول سعد في جُعَيلٍ؛ لأنَّه لم يخرج مخرج الشَّهادة، وإنَّما هو مدحٌ له، وتوسُّلٌ في الطَّلب لأجله، ولهذا ناقشه في لفظه، نعم؛ في الحديث نفسِهِ ما يدلُّ على أنَّه ﵊ قَبِلَ قوله فيه، وهو قوله: (ثُمَّ قَالَ) ﷺ مرشدًا له إلى الحكمة في إعطاء أولئك وحرمان جُعَيْلٍ مع كونه أحبَّ إليه ممَّن أعطاه: (يَا سَعْدُ؛ إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ) الضَّعيف الإيمانِ العطاءَ أتألَّفُ قلبَه به (وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ) جملةٌ حاليَّةٌ، وفي رواية أبي ذَرٍّ (١) والحَمُّويي والمُستملي: «أعجبُ إليَّ منه» (خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وضمِّ الكاف ونصب الموحَّدة بـ «أن» أي: لأجل خشية كبِّ الله إيَّاه، أي: إلقائه منكوسًا (فِي النَّارِ) لكفره، إمَّا بارتداده إن لم يُعْطَ، أو لكونه ينسب الرَّسول ﵊ إلى البخل، وأمَّا من قَوِيَ إيمانه فهو أحبُّ إليَّ فأَكِلُهُ إلى إيمانه، ولا أخشى عليه رجوعًا عن دينه، ولا سوءًا في اعتقاده، وفيه الكناية؛ لأنَّ الكبَّ في النَّار مِنَ لازِمِ الكفر، فأطلق اللَّازم وأراد الملزوم.
وفي الحديث: دلالةٌ على جواز الحلف على الظَّنِّ عند من أجاز ضمَّ همزة «أُراه»، وجواز
стр. 523
الشَّفاعة إلى ولاة الأمور وغيرهم، ومُرَادَدة الشَّفيع إذا لم يؤدِّ إلى مفسدةٍ، وأنَّ المشفوع إليه لا عتبَ عليه إذا رَدَّ الشَّفاعة إذا كانت خلاف المصلحة، وأنَّ الإمام يصرف الأموال في مصالح المسلمين الأهمَّ فالأهمَّ، وأنَّه لا يقطع لأحدٍ على التَّعيين بالجنَّة إلَّا العشرة المبشَّرة، وأنَّ الإقرار باللِّسان لا ينفع إلَّا إذا قُرِنَ (١) به الاعتقاد بالقلب، وعليه الإجماعُ -كما مرَّ- واستدلَّ به عياضٌ لعدم ترادف الإيمان والإسلام، لكنَّه لا يكون مؤمنًا إلَّا مسلمًا، وقد يكون مسلمًا غير مؤمنٍ.
وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وفيه ثلاثة رواةٍ زُهريُّون مَدنيُّون، وثلاثةٌ تابعيُّون، يروي بعضهم عن بعضٍ، ورواية الأكابر عن الأصاغر، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الزَّكاة» [خ¦١٤٧٨]، ومسلمٌ في «الإيمان» و «الزَّكاة».
قال المؤلِّف: (وَرَوَاهُ) بواو العطف، وللأربعة: بإسقاطها، أي: هذا الحديث أيضًا (٢) (يُونُسُ) بن يزيد (٣) الأيليّ (وَصَالِحٌ) يعني: ابن كيسان المدنيَّ (وَمَعْمَرٌ) بفتح الميمين؛ يعني: ابن راشدٍ البصريَّ (وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن عبد الله بن مسلمٍ، المُتوفَّى -فيما جزم به النَّوويُّ- في سنة اثنتين وخمسين ومئةٍ، هؤلاء الأربعة: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ بإسناده، كما رواه شعيبٌ عنه، فحديث يونس موصولٌ في «كتاب الإيمان» لعبد الرَّحمن بن عمر الملقَّب رُسْتهْ، وهو قريبٌ من سياق الكُشْمِيهَنيِّ، ليس فيه إعادة السُّؤال ولا الجواب عنه، وحديث صالحٍ موصولٌ عند المؤلِّف في «الزَّكاة» [خ¦١٤٧٨] وحديث معمر عند أحمد ابن حنبل والحميديِّ
стр. 524
وغيرهما عن عبد الرَّزَّاق عنه، وقال فيه: إنَّه أعاد السُّؤال ثلاثًا، وحديث ابن أخي الزُّهريِّ عند مسلمٍ، وساق فيه السُّؤال والجواب ثلاثَ مرَّاتٍ، والله تعالى أعلم.
(٢٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (السَّلَامُ مِنَ الإِسْلَامِ) أي: هذا بابٌ في (١) بيان أنَّ السَّلام من شُعَبِ الإسلام، وفي رواية غير (٢) الأَصيليِّ وأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «إفشاء السَّلام من الإسلام» وهو بكسر الهمزة، أي: إذاعة السَّلام ونشره (وَقَالَ عَمَّارٌ) أبو اليقظان -بالمُعجَمَة- ابن ياسر بن عامرٍ، أحد السَّابقين الأوَّلين، المقتول بصِفِّين في صفر سنة سبعٍ وثلاثين مع عليٍّ، ومقول قوله: (ثَلَاثٌ) أي: ثلاث خصالٍ (مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ) أي: حاز كماله؛ أحدها: (الإِنْصَافُ) وهو العدل (مِنْ نَفْسِكَ) بأنْ لم تترك لمولاك حقًّا واجبًا عليك إلَّا أدَّيتَه، ولا شيئًا ممَّا نُهِيتَ عنه إلَّا اجتنبْتَه، وسقط لفظ «فقد» عند الأربعة (وَ) الثَّاني: (بَذْلُ السَّلَامِ) بالمُعجَمَة (لِلْعَالَمِ) بفتح اللَّام، أي: لكلِّ مؤمنٍ، عرفته أو لم تعرفه، وخرج (٣) الكافر بدليلٍ آخرَ، وفيه حضٌّ على مكارم الأخلاق، والتَّواضع، واستئلاف النُّفوس (وَ) الثَّالث: (الإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ) بكسر الهمزة، أي: في حالة الفقر، وفيه غاية الكرم؛ لأنَّه إذا أنفق وهو محتاجٌ كان مع التَّوسُّع أكثرَ إنفاقًا، والإنفاق شاملٌ للنَّفقة على العيال، وعلى الضَّيف والزَّائر.
стр. 525
وهذا الأثر أخرجه أحمد في «كتاب الإيمان»، والبزَّار في «مُسنَدِه»، وعبد الرَّزَّاق في «مصنَّفه»، والطَّبرانيُّ في «معجمه الكبير».
٢٨ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال رحمه الله تعالى: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) تصغير قِتْبة؛ بكسر القاف، واحدة الأقتاب؛ وهي الأمعاء، قال الصَّغانيُّ: وبها سُمِّيَ الرَّجلُ: قُتيبةَ، وكنيته أبو رجاء، واسمه -فيما قاله ابن منده-: عليُّ بن سعيد (١) بن جميلٍ البَغْلانيُّ؛ نسبةً إلى بَغلان -بفتح المُوحَّدة وسكون المُعجمَة- قرية من قرى بَلْخٍ، المُتوفَّى سنة أربعين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ) المصريِّ (عَنْ أَبِي الخَيْرِ) مَرْثَد بفتح الميم والمُثلَّثة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) يعني: ابن العاصِ ﵄: (أَنَّ رَجُلًا) هو أبو ذَرٍّ فيما قِيلَ (سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : أَيُّ) خصالِ (الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ) ﵊: (تُطْعِمُ) الخَلْقَ (الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ) بفتح التَّاء (السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ) من المسلمين.
وهذا الحديث تقدَّم في «باب إطعام الطَّعام» [خ¦١٢] وأعاده المؤلِّف هنا -كعادته في غيره-
стр. 526
لِمَا اشتمل عليه، وغاير بين شيخيه اللَّذين حدَّثاه عن اللَّيث؛ مراعاةً للفائدة الإسناديَّة وهي تكثير الطُّرق حيث يَحتَاج إلى إعادة المتن، فإنَّ عادته ألَّا يعيدَ الحديث في موضعين على صورةٍ واحدةٍ، وقد مرَّ أنَّ المؤلِّف أخرج هذا الحديث في ثلاثة مواضعَ [خ¦١٢] [خ¦٢٨] [خ¦٦٢٣٦]، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ.
(٢١) هذا (بابُ) بغير تنوينٍ لإضافته لقوله: (كُفْرَانِ العَشِيرِ) وهو الزَّوج، كما يدلُّ (١) عليه السِّياق، قِيلَ له: عشيرٌ بمعنى مُعاشِرٍ، والمُعَاشَرَةُ المُخَالَطَةُ أو الإلْفُ، واللَّامُ للجنس، والكفران من الكَفْر -بالفتح- وهو السَّتر، ومن ثمَّ سُمِّيَ ضدُّ الإيمان كفرًا؛ لأنَّه ستر على الحقِّ وهو التَّوحيد، وأُطْلِقَ أيضًا على جحد النِّعم، لكنِ الأكثرون على تسمية ما يقابل الإيمان كفرًا، وعلى جحد النِّعم كفرانًا، وكما أنَّ الطَّاعات تُسمَّى إيمانًا كذلك المعاصي تُسمَّى كفرًا، لكن حيث يُطلَق عليها الكفر لا يُرَاد به المخرِجُ عن (٢) الملَّة، ثمَّ إن هذا الكفر يتفاوت في معناه، كما أشار إليه المؤلِّف بقوله: (وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ) كذا للأربعة، أي: أقرب من كفرٍ، فأخذ أموال النَّاس بالباطل دون قتل النَّفس بغير حقٍّ، وفي بعض الأصول: «وكفرٍ بعد كفرٍ» ومعناه كالأوَّل، وهو الذي في فرع «اليونينيَّة» كهي، لكنَّه ضُبِّب عليه، وأثبت على
стр. 527
الهامش الأوَّل راقمًا عليه علامة أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكرَ وأصل السُّميساطيِّ، والجمهور على جرِّ «وكفرٍ» عطفًا على «كفرانِ» المجرور، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «وكفرٌ» بالرَّفع على القطع، وخصَّ المؤلِّف «كفران العشير» من بين أنواع الذُّنوب -كما قال ابن العربيِّ- لدقيقةٍ بديعةٍ؛ وهي قوله ﵊: «لو أَمرتُ أحدًا أن يسجد لأحدٍ لأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها» فقرن حقَّ الزَّوج على الزَّوجة بحقِّ الله تعالى، فإذا كَفَرَتِ المرأةُ حقَّ زوجها وقد بلغ من حقِّه عليها هذه الغاية كان ذلك دليلًا على تهاونها بحقِّ الله تعالى، وقال ابن بطَّالٍ: كفر نعمة الزَّوج هو كفر نعمة الله؛ لأنَّها من الله سبحانه أجراها على يده.
وقال المؤلِّف ﵀: (فِيهِ) أي: يدخل في الباب حديثٌ رواه (أَبُو سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) كما أخرجه المؤلِّف في «الحيض» [خ¦٣٠٤] وغيره [خ¦١٤٦٢] من طريق عياض بن عبد الله عنه، ولكريمةَ وغير الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «فيه عن أبي سعيدٍ» ولأبي الوقت زيادة: «الخدريِّ» أي: مرويٌّ عن أبي سعيدٍ، ونبَّه بذلك على أنَّ للحديث طريقًا غير هذه الطَّريق التي ساقها هنا، وزاد الأَصيليُّ بعد قوله: «وسلَّم»: «كثيرًا» (١).
٢٩ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ المدنيُّ (عَنْ مَالِكٍ)
стр. 528
يعني: ابن أنسٍ إمام الأئمَّة (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) مولى عمر ﵁ المُكنَّى بأبي أسامةَ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وثلاثين ومئةٍ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ومُهمَلَةٍ مُخفَّفةٍ، القاصِّ المدنيِّ الهلاليِّ، مولى أُمِّ المؤمنين ميمونة، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ أو أربعٍ ومئةٍ، وقِيلَ: أربعٍ وتسعين (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكرَ في نسخةٍ وأبي ذَرٍّ: «عن النَّبيِّ» (¬ ﷺ : أُرِيتُ النَّارَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول من الرُّؤية؛ بمعنى: أُبْصِرْتُ، وتاء المتكلِّم هو المفعول الأوَّل أُقِيمَ مقام الفاعل، و «النَّارَ» هو المفعول الثَّاني، أي: أراني الله النَّارَ، ولأبي ذَرٍّ: «ورَأَيت»؛ بالواو، ثمَّ راءٍ وهمزةٍ مفتوحتين، وللأَصيليِّ: «فرأيت» بالفاء (فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ) برفع «أكثرُ» و «النِّساء»: مبتدأٌ وخبرٌ، وفي روايةٍ: «رأيت النَّار، فرأيت أكثرَ أهلها النِّساءَ» بنصب «أكثرَ» و «النِّساءَ»: مفعولَي «رأيت» ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكرَ: «رأيت (١) النَّارَ» بالنَّصب «أكثرُ» بالرَّفع، وفي روايةٍ أخرى: «أُرِيتُ النَّارَ أكثرَ أهلها النِّساءَ» بحذف «فرأيتُ» وحينئذٍ فقوله: «أُرِيتُ» بمعنى: أُعْلِمْتُ، و «التَّاء» و «النَّارَ» و «النِّساءَ» مفاعيله الثَّلاثة، و «أكثرَ» بدلٌ من «النَّارَ» (يَكْفُرْنَ) بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مفتوحةٍ أوَّله، وهي جملةٌ مستأنَفَةٌ تدلُّ على السُّؤال والجواب، كأنَّه جواب سؤال سائلٍ: يا رسول الله، لِمَ؟ وللأربعة: «بكفرهنَّ؟» أي: بسبب كفرهنَّ (قِيلَ): يا رسول الله (أَيَكْفُرْنَ بِاللهِ؟ قَالَ) ﷺ : (يَكْفُرْنَ
стр. 529
العَشِيرَ) أي: الزَّوج، فـ «ال» للعهد كما سبق، أو المعاشِر مُطلَقًا، فتكون للجنس (وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ) ليس كفران العشير لذاته، بل كفران إحسانه (١)، فهذه الجملة كالبيان للسَّابقة، وتوعُّده على كفران العشير وكفران الإحسان بالنَّار، قال النَّوويُّ: يدلُّ على أنَّهما من الكبائر (لَوْ) وفي رواية الحَمُّويي والكُشْمِيهَنيِّ: «إن» (أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ) أي: مدَّةَ عمرك، أو الدَّهر مُطلَقًا على سبيل الفَرَض مبالغةً في كفرهنَّ، وهو نصبٌ على الظَّرفيَّة، والخطاب في «أحسنت» غير خاصٍّ، بل هو عامٌّ لكلِّ مَنْ يتأتَّى منه أن يكون مُخاطبًا، فهو على سبيل المجاز؛ لأنَّ الحقيقة أن يكون المُخاطَب خاصًّا، لكنَّه جاء على نحو: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] فإن قلت: «لو» لامتناع الشَّيء لامتناع غيره، فكيف صحَّ جعل «إنْ» في الرِّواية الثَّانية موضعها؟ أُجِيب: بأنَّ «لو» هنا بمعنى: «إنْ» في مجرَّد الشَّرطيَّة فقط، لا بمعناها الأصليِّ، ومِثْلُهُ كثيرٌ، أو هو من قبيل: «نِعْمَ العبدُ صُهَيْبٌ، لو لم يَخَف الله لم يَعْصِهِ» فالحكم ثابتٌ على النَّقيضين، والطَّرف المسكوت عنه أَوْلى من المذكور، ويسمِّيه البيانيُّون: ترك المعيَّن إلى غير المعيَّن لِيعمَّ كلَّ مُخاطَبٍ (ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا) قليلًا لا يوافق مزاجها أو شيئًا حقيرًا لا يعجبها (قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ) بفتح القاف وتشديد الطَّاء مضمومةً على الأشهر؛ ظرفُ زمانٍ لاستغراق ما مضى.
стр. 530
وفي هذا الحديث: وَعْظُ الرَّئيس المرؤوسَ، وتحريضه على الطَّاعة، ومراجعة المتعلِّمِ العالِمِ والتَّابعِ المتبوعَ فيما قاله إذا لم يظهر له معناه، وجواز إطلاق الكفر على كفر النِّعمة وجحد الحقِّ، وأنَّ المعاصيَ تَنْقص الإيمانَ لأنَّه جعله كفرًا، ولا تُخرِجُ (١) إلى الكفر الموجب للخلود في النَّار، وأنَّ إيمانهنَّ يزيد بشكر (٢) نعمة العشير، فثبت أنَّ الأعمال من الإيمان.
ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون إلَّا ابن عبَّاسٍ، مع أنَّه أقام بالمدينة، وفيه التَّحديث والعنعنة، وهو طرفٌ من حديثٍ ساقه في «صلاة الكسوف» [خ¦١٠٥٢] تامًّا، وكذا أخرجه في «باب من صلَّى وقُدَّامه نارٌ» [خ¦٤٣١] وفي «بدء الخلق» في «ذكر الشَّمس والقمر» [خ¦٣٢٠٢] وفي «عِشْرة النِّساء» [خ¦٥١٩٧] وفي «العلم» [خ¦٩٨]، وأخرجه مسلمٌ في «العيدين».
(٢٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، وهو ساقطٌ عند الأَصيليِّ (المَعَاصِي) كبائرها وصغائرها (مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ) وهي: زمان الفترة قبل الإسلام، وسمِّيَ بذلك لكثرة الجهالات فيه (وَلَا يَكْفُرُ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وسكون الكاف، وفي غير رواية أبي الوقت: «ولا يُكَفَّر» بضمِّها وفتح الكاف وتشديد الفاء المفتوحة (صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا) أي: لا يُنسَب إلى الكفر باكتساب المعاصي والإتيان بها (إِلَّا بِالشِّرْكِ) أي: بارتكابه؛ خلافًا للخوارج القائلين بتكفيره بالكبيرة، والمعتزلة القائلين بأنَّه لا مؤمنٌ ولا كافرٌ، واحتُرِز بالارتكاب عن الاعتقاد، فلو اعتقد حلَّ حرامٍ معلومٍ من الدِّين بالضَّرورة كَفَرَ قطعًا، ثمَّ استدلَّ المؤلِّف لِمَا ذكره، فقال: (لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ) أي: