٢١٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (أُمَّ المُؤْمِنِينَ) وفي رواية مسلمٍ: عن يحيى بن يحيى النَّيسابوريِّ عن مالكٍ عن نَافعٍ عن ابنِ عمرَ، عن عائشةَ، فصار من مُسْنَدِ عائشةَ، لكن يمكن أن تكون هنا «عن» لا يراد بها أداة الرِّواية، بل في السِّياق شيءٌ محذوفٌ تقديره: عن قصَّة عائشة في كونها (أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً) هي بَرِيْرَة (فَتُعْتِقَهَا) بالنَّصب عطفًا على المنصوب السَّابق (فَقَالَ أَهْلُهَا) مواليها: (نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا، فَذَكَرَتْ) عائشةُ (ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكِ) (١) بكسر الكاف، ولأبي ذرٍّ في «باب ما يجوز من شروط المكاتب» [خ¦٢٥٦٢]: «لا يمنعنَّك» بنون التَّأكيد، وهو كقوله: ابتاعي فأعتقي، وليس في ذلك شيءٌ من الإشكال الذي وقع في رواية هشامٍ السَّابقة (فَإِنَّمَا (٢) الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ).
(٧٤) (بابُ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ) بالمثنَّاة وسكون الميم فيهما.
٢١٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشامُ بنُ عبدِ الملكِ الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمامُ، ولأبي ذرٍّ: «ليث» بإسقاط أداة التَّعريف (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بنِ مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ) أنَّه (سَمِعَ (٣) عُمَرَ) بضمِّ العين (¬﵄¬) يقول: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: البُرُّ بِالبُرِّ) بضمِّ الموحَّدة، بيع القمح بالقمح (رِبًا إِلَّا هَاءَِْ وَهَاءَِْ) بالمدِّ
стр. 4692
وفتح الهمزة، وقيل: بالكسر، وقيل: بالسُّكون، والمعنى: خذ وهات، أي: يقول كلُّ واحدٍ من المُتَعاقِدَينِ لصاحبه: هاء، فيتقابضان في المجلس (وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ) بفتح الشِّين على المشهورِ، وحُكِيَ كسرها إتباعًا (رِبًا إِلَّا هَاءَِْ وَهَاءَِْ) واستُدلَّ به على أنَّ البرَّ والشَّعير صنفانِ عند الجمهور، خلافًا لمالك ﵀، فعندَه أنَّهما صنفٌ واحدٌ (وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَِْ وَهَاءَِْ) زاد مسلمٌ من رواية أبي سعيدٍ الخدريِّ: «والملح بالملح»، ويقاس على ذلك سائر الطَّعام، وهو ما قُصِدَ للطُّعم اقتياتًا أو تفكُّهًا أو تداويًا، فإنَّه نصَّ على البرِّ والشَّعير، والمقصود منهما: التَّقوُّت، فألحق بهما ما يشاركهما في ذلك كالأرزِّ والذُّرة، وعلى التَّمر والمقصود منه: التَّأدُّم والتَّفكُّه (١)، فألحق به ما يشاركه في ذلك كالزَّبيب والتِّين، وعلى الملح المرويِّ في «مسلمٍ» والمقصود منه: الإصلاح، فأُلحِقَ به ما يُشَارِكُه في ذلك كالمُصْطكى وغيرها من الأدوية، فيُشْتَرط في بيع ذلك -إذا كانا (٢) جنسًا واحدًا- ثلاثةُ أمورٍ: الحُلُولُ، والمُماثَلَةُ، والتَّقابضُ في المجلس قبل التَّفرُّقِ، وإن كانا جنسين كحنطةٍ وشعيرٍ جاز التَّفاضل، واشتُرِطَ الحُلُولُ والتَّقابض قبل التَّفرُّق (٣)، ويدلُّ له حديث الباب مع حديث مسلمٍ: «الذَّهبُ بالذَّهبِ، والفضَّةُ بالفضَّةِ، والبرُّ بالبرِّ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ، والتَّمرُ بالتَّمرِ، والمِلْحُ بالمِلْحِ، مِثلًا بِمِثْلٍ، سواءً بسواءٍ، يدًا بِيَدٍ، فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيدٍ» أي:
стр. 4693
مقابضةً، قال الرَّافعيُّ: ومن لازمه الحلول، ولا بدَّ من القبض الحقيقيِّ، فلا تكفي الحوالة وإن حصل القبض لها (١) في المجلس، ويكفي قبض الوكيل في القبض عن المتعاقدين (٢) أو أحدهما وهما في المجلس، وكذا قبض الوارث بعد موت مورِّثه.
(٧٥) (باب بَيْعِ الزَّبِيبِ بِالزَّبِيبِ وَالطَّعَامِ بِالطَّعَامِ) من عطف العامِّ على الخاصِّ.
٢١٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ، واسم أبي أويسٍ: عبد الله بن عبد الله بن أبي أويسٍ (٣) الأصبحيُّ، ابن أخت الإمام مالكٍ وصهره على ابنته قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (مَالِكٌ) إمام دار الهجرة، ابن أنسٍ الأصبحيُّ (عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى) نهيَ تحريمٍ (عَنِ المُزَابَنَةِ) بضمِّ الميم وفتح الزَّاي والموحَّدة والنُّون، مفاعلةٌ من الزَّبن، وهو الدَّفع الشَّديد، وسُمِّيَ به هذا البيعُ المخصوص؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من المتعاقدين يدفع صاحبه عن حقِّه، وفي «الجامع» للقزَّاز: المزابنة: كلُّ بيعٍ فيه غررٌ، وهو كلُّ جزافٍ لا يُعلَم كيله ولا وزنه ولا عدده، وأصله: أنَّ المغبون يريد أن يفسخ البيع، ويريد الغابن ألَّا يفسخه، فيتزابنان عليه، أي: يتدافعان. قال ابن عمرَ: (وَالمُزَابَنَةُ بَيْعُ الثَّمَرِ) بالمثلَّثة وفتح الميم: الرُّطب على النَّخل (بِالتَّمْرِ) بالمثنَّاة الفوقيَّة وسكون الميم: اليابس (كَيْلًا) نصبٌ على التَّمييز، أي: من حيث الكيل، وذكر الكيل ليس قيدًا في هذه الصُّورة، بل جرى على ما كان من عادتهم، فلا مفهوم له، أو له مفهوم، ولكنَّه مفهومُ موافقةٍ؛ لأنَّ المسكوت عنه أولى بالمنع من
стр. 4694
المنطوق (وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالكَرْمِ كَيْلًا) بفتح الكاف وسكون الرَّاء: شجر العنب، والمراد: العنب نفسه، وإدخال حرف الجرِّ على «الكرم» قال الكِرمانيُّ: من باب القلب، وكان الأصل إدخالها على «الزَّبيب».
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «البيوع» [خ¦٢١٨٥]، وكذا مسلمٌ والنسائيُّ.
٢١٧٢ - ٢١٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ): هو ابن درهم الجهضميُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ، قَالَ) ابن عمر: (وَالمُزَابَنَةُ أَنْ يَبِيعَ الثَّمَرَ) بالمثلَّثة وفتح الميم، وقوله: «أن يبيع» بيانٌ لقوله: «المزابنة»، وقال العينيُّ: كلمة: «أن» مصدريَّة في محلِّ رفعٍ على الخبريَّة، وتقديره: المزابنة بيع الثَّمر (بِكَيْلٍ) من التَّمر أو الزَّبيب قائلًا: (إِنْ زَادَ) التَّمر المخروص على ما يساوي الكيل (فَلِي، وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيَّ).
والمطابقة بين الحديث والتَّرجمة مفهومةٌ من النَّهي عن بيع الزَّبيب بالعنب، أي: فيجوز بيع الزَّبيب بالزَّبيب كالبرِّ بالبرِّ، ويقاس بيع الطَّعام بالطَّعام (١) عليه، قاله الكِرمانيُّ.
ومباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في بابه، وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «البيوع».
(قَالَ) عبد الله بن عمر، ممَّا وصله أيضًا في «البيوع» [خ¦٢١٨٤]: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريُّ ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ فِي العَرَايَا) وهي بيع الرُّطب أو العنب على الشَّجر (بِخَرْصِهَا) بقدره من اليابس في الأرض كَيْلًا، وهو مستثنًى من بيع المزابنة المنهيِّ عنه، والباء في «بخرصها» للسَّببيَّة، أي: بسبب خَرصها، وهو بفتح الخاء المعجمة: المصدر، وبالكسر: المخروص، قال النَّوويُّ: والفتح أشهر، وقال القرطبيُّ: الرِّواية بالكسر، كذا قاله (٢)
стр. 4695
البرماويُّ كالزركشيِّ، وكلامهما إنَّما هو على رواية مسلمٍ (١)، والَّذي في الفرع وغيره من الأصول الَّتي وقفتُ عليها من البخاريِّ الفتح، ولا ينبغي أن ينقل كلامٌ متعلِّقٌ برواية مسلمٍ إلى لفظ البخاريِّ إلَّا بعد التَّثبُّت، ويأتي الكلام على العرايا إن شاء الله تعالى بقوَّة الله وعونه (٢).
(٧٦) (باب بَيْعِ (٣) الشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ).
٢١٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ إمام الأئمة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزهريِّ (عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ) بفتح الهمزة وسكون الواو آخره مهملةٌ، ابن الحَدَثَان -بفتح المهملتين والمثلَّثة- المدنيِّ، له رؤيةٌ، أنَّه (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ التَمَسَ صَرْفًا) بفتح الصَّاد المهملة (٤) من الدَّراهم (بِمِئَةِ دِينَارٍ) ذهبًا كانت معه (فَدَعَانِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير أحد العشرة (فَتَرَاوَضْنَا) بضادٍ معجمةٍ ساكنةٍ، أي: تجارينا حديث البيع والشِّراء، وهو ما بين المتبايعين من الزِّيادة والنُّقصان؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يروض صاحبه، وقيل: هي المواصفة بالسِّلعة بأن يصف كلٌّ منهما سلعته للآخر (حَتَّى اصْطَرَفَ مِنِّي) ما كان معي (فَأَخَذَ الذَّهَبَ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ) ضَمَّنَ الذَّهب معنى العدد المذكور -وهو المئة- فأنَّثه لذلك (ثُمَّ قَالَ:
стр. 4696
حَتَّى يَأْتِيَ خَازِنِي) أي: اصبر حتَّى يأتي خازني (مِنَ الغَابَةِ) بالغين المعجمة وبعد الألف موحَّدة، وكان لطلحة بها مالٌ من نخلٍ وغيره، وإنَّما قال ذلك لظنِّه جوازه كسائر البيوع، وما كان بلغه حكم المسألة (وَعُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (يَسْمَعُ ذَلِكَ، فَقَالَ) أي: عمر لمالك بن أوسٍ: (وَاللهِ لَا تُفَارِقُهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ) عوض الذَّهب، وفي رواية اللَّيث: والله لتعطينَّه وَرِقَهُ (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ) ولأبي ذرٍّ في نسخةٍ وصُحِّح عليها في الفرع: «بالوَرِق» بفتح الواو وكسر الرَّاء: الفضَّة (١) (رِبًا) في جميع الأحوال (إِلَّا هَاءَِْ وَهَاءَِْ) بالفتح والمدِّ، أو بالكسر، أو بالسكون، أي: إلَّا حال الحضور والتَّقابض، فكنَّى عن التَّقابض بقوله: «هاء وهاء» لأنَّه لازمه، وقد ضُبِّب في الفرع على قوله: «بالذَّهب»، ورواية «الورق» مناسبة لسياق القصَّة (وَالبُرُّ بِالبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَِْ وَهَاءَِْ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَِْ وَهَاءَِْ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَِْ وَهَاءَِْ).
(٧٧) (باب بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ).
٢١٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ) هو أبو (٢) الفضل المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) بضمِّ العين وفتح اللَّام وتشديد التَّحتيَّة؛ اسم أمِّه، واسم أبيه إبراهيم (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي الوقت: «حدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ) مولى الحضارمة قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ) بفتح الموحَّدة وسكون الكاف آخره هاء تأنيثٍ (قَالَ: قَالَ
стр. 4697
أَبُو بَكْرَةَ) نُفَيع مُصغَّر نفعٌ، ابن الحارث الثقفيُّ (¬﵁: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ) مضروبًا كان أو غير مضروبٍ (إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ) أي: إلَّا متساويين كطعامٍ بطعامٍ مع باقي الشُّروط، وهما الحلول والتَّقابض قبل التَّفرُّق، وهذا قول أبي حنيفة والشافعيِّ، وعن مالكٍ: لا يجوز الصَّرف إلَّا عند الإيجاب بالكلام، ولو تنقَّلا من ذلك الموضع إلى آخر لم يصحَّ تقابضهما، فلا يجوز عنده تراخي القبض في الصَّرف، سواء كانا في المجلس أو تفرَّقا، ولا يصحُّ بيع مئتي دينارٍ جيِّدةٍ أو رديئةٍ أو وسط بمئةِ دينارٍ جيِّدةٍ (١)، ومئة دينار (٢) رديئةٍ أو وسطٍ، أو (٣) بمئةٍ رديئةٍ ومئة وسطٍ، وهذا من قاعدة مدِّ عجوةٍ ودرهم بمدِّ عجوةٍ ودرهم، وهو أن تشتمل الصَّفقة على ربويٍّ من الجانبين يعتبر فيه التَّماثل ومعه غيره ولو من غير نوعه (وَ) لا تبيعوا (الفِضَّةَ بِالفِضَّةِ) سواء كانت مضروبةً أو غير مضروبةٍ (إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ) متساويين مع الحلول والتَّقابض في المجلس (وَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالفِضَّةِ وَالفِضَّةَ بِالذَّهَبِ) وغير ذلك ممَّا يختلف فيه الجنس كحنطةٍ بشعيرٍ (كَيْفَ شِئْتُمْ) أي: متساويًا ومتفاضلًا بعد التَّقابض في المجلس، والحاصل: حِلُّ التَّفاضل فقط دون (٤) الحلول والتَّقابض، فلو اختلفت العلَّة في الرِّبويَّين كالذَّهب والحنطة، أو كان أحدُ العوضين أو كلاهما غيرَ ربويٍّ كذهبٍ وثوبٍ، وعبدٍ وثوبٍ (٥)، حَلَّ التَّفاضل والنَّسء والتَّفرُّق قبل القبض.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «البيوع» [خ¦٢١٨٢]، وكذا مسلمٌ والنَّسائيُّ.
(٧٨) (باب بَيْعِ الفِضَّةِ بِالفِضَّةِ).
стр. 4698
٢١٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعْدٍ) بضمِّ العين في الأوَّل مصغَّرًا، وسكونها في الثَّاني، ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ القرشيُّ الزهريُّ البغداديُّ، قاضي أصبهان قال: (حَدَّثَنَا عَمِّي) يعقوب بن إبراهيم المدنيُّ نزيل بغداد قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن عبد الله بن مسلمٍ (عَنْ عَمِّهِ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ) أبيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ) زاد أبو الوقت: «الخدريَّ ﵁» (حَدَّثَهُ): حدَّث عبد الله بن عمر (مِثْلَ ذَلِكَ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) قال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: أي: مثل حديث أبي بَكْرة السَّابق في الباب قبل هذا في وجوب المساواة، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: أي: مثل حديث عمر الماضي في «باب بيع الشَّعير بالشعير» في قصَّة طلحة بن عبيد الله في الصَّرف [خ¦٢١٧٤] مستدلًّا لذلك بما أخرجه الإسماعيليُّ من وجهين عن يعقوب بن إبراهيم (١) شيخ شيخ المصنِّف (٢) فيه بلفظ: أنَّ أبا سعيدٍ حدَّثه حديثًا مثل حديث عمر عن رسول الله ﷺ في الصَّرف، فقال أبو سعيد … ، فذكره. (فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) مَرَّةً أخرى غَيْرَ مرَّةِ تحديثهِ له (فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَا هَذَا الَّذِي تُحَدِّثُ) به (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟) إنَّما قال له ذلك؛ لأنَّه كان يعتقد قبل ذلك جواز المفاضلة (فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ فِي الصَّرْفِ) أي: في شأن الصَّرف، وهو بيع النَّقدين أحدهما بالآخر: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ) بالرَّفع في الفرع (٣)، أي: بيع الذَّهب، فحذف المضاف للعلم به، أو مبتدأ خبره محذوفٌ، أي: الذَّهبُ يباع بالذَّهب، أو بإسناد الفعل المبنيِّ للمفعول إليه، أي: يباع الذَّهب، ويجوز النَّصب، أي: بيعوا الذَّهبَ بالذَّهب (مِثْلًا بِمِثْلٍ) أي: حال كونهما متماثلين، أي: متساويين، وجوَّز أبو البقاء -فيما حكاه
стр. 4699
الزَّركشيُّ عنه- فيه وفي «وزنًا بوزنٍ» وجهين: أن يكون مصدرًا في موضع الحال، أي: الذَّهب يباع بالذَّهب موزونًا بموزونٍ، وأن يكون مصدرًا مؤكِّدًا، أي: يوزن وزنًا بوزن (١)، قال: وكذلك الحكم في «مثلًا بمثلٍ»، وتبعه في «فتح الباري»، وتعقَّبه العينيُّ فقال: قوله: «مصدرًا» ليس بصحيحٍ على ما لا يخفى، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «مثلٌ» بالرَّفع على إسناد الفعل المبنيِّ للمفعول إليه، أي: يباع مثلٌ بمثلٍ (وَ) يباع (الوَرِقُ بِالوَرِقِ) أي: الوَرِق يباع بالوَرِق (٢) حال كونهما (مِثْلًا بِمِثْلٍ) فإن قلت: كيف يكون هذا صرفًا والصَّرف بيع الذَّهب بالفضَّة وبالعكس؟ أجيب: بأنَّ مفهومه أنَّه (٣) إذا لم يكن بجنسه لا تشترط فيه المماثلة، وأمثال هذه المفاهيم إنَّما يساعد عليها السِّياق، ولأبي ذرٍّ وحده: «مثلٌ» وتوجيهها كالسَّابق.
٢١٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ الكَلَاعيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا
стр. 4700
مِثْلًا بِمِثْلٍ) أي: إلَّا (١) حال كونهما متماثلين، أي: متساويين، أي: مع الحلول والتَّقابض في المجلس (وَلَا تُشِفُّوا) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة وكسر الشِّين المعجمة وضمِّ الفاء المشدَّدة، من الإشفاف، أي: لا تُفضِّلوا (بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الوَرِقَ بِالوَرِقِ) بكسر الرَّاء فيهما: الفضَّة بالفضَّة (إِلَّا) حال كونهما (مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا) أي: لا تفضِّلوا (بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا) أي: مؤجَّلًا (بِنَاجِزٍ) بالنُّون والجيم والزَّاي، أي: بحاضرٍ، أي: فلا بدَّ من التَّقابض في المجلس.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «البيوع»، وكذا التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.
(٧٩) (باب بَيْعِ الدِّينَارِ بِالدِّينَارِ) حال كونه (نَسَاءً) بفتح النُّون والمهملة ممدودًا، أو بسكون السِّين (٢)، أي: مؤجَّلًا.
٢١٧٨ - ٢١٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم وسكون المعجمة، أبو عاصمٍ، وهو شيخ المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) بفتح العين (أَنَّ أَبَا صَالِحٍ) ذكوان (الزَّيَّاتَ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁ يَقُولُ: الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ) زاد مسلمٌ من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينارٍ: مثلًا بمثلٍ، من زاد أو ازداد فقد أربى. قال أبو صالح: (فَقُلْتُ لَهُ) أي: لأبي سعيد الخدريِّ: (فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (لَا يَقُولُهُ) أي: لا يقول بأن الرِّبا إنَّما هو فيما
стр. 4701
إذا كان أحد العوضين بالنَّسيئة، وأمَّا إذا كانا متفاضلين فلا ربًا فيه، أي: لا يشترط عنده المساواة في العوضين، بل يجوز بيع الدِّرهم بالدِّرهمين (فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَأَلْتُهُ) ولمسلمٍ: قد لقيت ابن عبَّاس (فَقُلْتُ) له: (سَمِعْتَهُ) بحذف همزة الاستفهام، أي: أسمعته (١) (مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللهِ) تعالى؟ (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (كُلُّ ذَلِكَ لَا أَقُولُ) برفع «كلُّ» كما في الفرع، أي: لم يكن السَّماع ولا الوجدان، وفي بعض الأصول بالنَّصب، قال في «الفتح» كـ «التَّنقيح»: على أنَّه مفعولٌ مقدَّمٌ، وهو في المعنى نظير قوله ﵊ في حديث ذي اليدين: «كلَّ ذلك لم يكن»، فالمنفيُّ هو المجموع. انتهى. وحينئذٍ فيكون لسلب الكلِّ، بخلاف وجه الرَّفع؛ فإنَّه لعموم السَّلب، وهو أبلغ وأعمُّ من سلب الكلِّ على ما لا يخفى، وهو مراد ابن عبَّاسٍ؛ لأنَّه ليس مراده نفيَ المجموع من حيث هو مجموعٌ حتَّى يكون البعض ثابتًا، وإذا نصبت «كلّ» كانت داخلةً في حيِّز النَّفي ضرورة أنَّ نصبها بـ «أقول» الواقع بعد حرف النَّفي، فيكون التَّركيب هكذا: لا أقول كلَّ ذلك، فيكون المعنى: بل أقول بعضه وليس هو المراد (٢)، فتعيَّن أنَّ مراده نفي كلِّ واحدٍ من الأمرين، أي: لم أسمعه من رسول الله ﷺ ، ولا وجدته في كتاب الله، ثمَّ كيف يكون التَّركيب مع نصب «كلَّ» نظير «كلَّ ذلك لم يكن» والمنفيُّ هنا في حيِّز «كلٍّ»، وفي النَّصب هي في حيِّز النَّفي؟ نعم إن رُفِعَ «كلُّ» من قوله: «كلُّ ذلك لا أقول» على أنَّه مبتدأ، و «لا أقول» خبره، والعائد محذوفٍ، أي: أقوله، على حدِّ قوله:
قد أصبحتْ أمُّ الخِيَار تدَّعي
عليَّ ذنبًا كلُّه لم أصنعِ
برفع «كلّ»، وحذف العائد، أي: لم أصنعه؛ فحينئذٍ (٣) يكون نظير «كلُّ ذلك لم يكن»،
стр. 4702
ويكون المنفيُّ (١) كلَّ فردٍ، لا المجموع من حيث هو مجموعٌ، قاله في «المصابيح»، والنَّصب هو الَّذي في الفرع (٢)، وفي روايةِ مسلمٍ: فقال: لم أسمعه من رسول الله ﷺ ولا وجدته في كتاب الله تعالى (وَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنِّي) أي: لأنَّكم كنتم بالغين كاملين عند ملازمة رسول الله ﷺ وأنا كنت صغيرًا (وَلَكِنَّنِي) بنونين، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «ولكنْ (٣)» (أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ) بن زيدٍ ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ) أي: لا في التَّفاضل، وقد أُجمِعَ على ترك العمل بظاهره، وقيل: إنَّه محمولٌ على الأجناس المختلفة، فإن التَّفاضل فيها لا ربًا فيه، ولكنَّه مجملٌ، فبيَّنه حديث أبي سعيدٍ، أو أنَّه منسوخٌ، وتُعُقِّبَ: بأنَّ النَّسخ لا يثبت بالاحتمال، وقال الخطابيُّ: يحتمل أنَّه سمع كلمةً من آخر الحديث، ولم يذكر أوَّله، كأن سُئِلَ عن التَّمر بالشَّعير أو الذَّهب بالفضَّة متفاضلًا، فقال (٤): إنَّما الرِّبا في النَّسيئة، وهو صحيحٌ لاختلاف الجنس، وقد رجع ابن عبَّاسٍ عن ذلك، فروى الحاكم من طريق حيَّان العدويِّ -وهو بالحاء المهملة والتَّحتيَّة- قال (٥): سألت أبا مِجْلَز عن الصَّرف، فقال: كان ابن عبَّاسٍ لا يرى به بأسًا زمانًا من عمره ما كان منه عينًا بعين يدًا بيدٍ، وكان يقول: إنَّما الرِّبا في النَّسيئة، فلقيه أبو سعيدٍ … ، فذكر القصَّة والحديث، وفيه: «التَّمر بالتَّمر، والحنطة بالحنطة، والشَّعير بالشَّعير، والذَّهب بالذَّهب، والفضَّة بالفضَّة، يدًا بيدٍ، مثلًا بمثلٍ، فمن زاد فهو ربًا»، فقال ابن عبَّاسٍ ﵄: أستغفر الله وأتوب إليه، فكان ينهى عنه أشدَّ النَّهي.
وفي حديث الباب ثلاثةٌ من الصَّحابة، وأخرجه مسلمٌ والنسائيُّ وابن ماجه في «البيوع».
(٨٠) (باب بَيْعِ الوَرِقِ) بفتح الواو وكسر الرَّاء، وقد تسكَّن الرَّاء، وقد تكسر الواو مع إسكان
стр. 4703
الرَّاء، فهي ثلاث لغاتٍ، أي: الدَّراهم المضروبة (بِالذَّهَبِ) حال كونه (نَسِيئَةً) على وزن كريمةٍ، ويجوز الإدغام، فتكون على وزن بَرِيَّة، وحذف الهمزة وكسر النُّون كـ «جِلْسةٍ».
٢١٨٠ - ٢١٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ) قيس، ويُقال: هند بن دينار، الأسديُّ مولى تيم الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا المِنْهَالِ) سيَّار بن سلامة الرِّياحيَّ -بالتَّحتيَّة والمهملة- البصريَّ (قَالَ: سَأَلْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ﵃ عَنِ الصَّرْفِ) وهو بيع أحد النَّقدين بالآخر (فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أي: من البراء وزيد (يَقُولُ: هَذَا خَيْرٌ مِنِّي، فَكِلَاهُمَا يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالوَرِقِ دَيْنًا) أي: غير حالٍّ حاضرٍ في المجلس، ولا يقال: لا مطابقة بين الحديث والتَّرجمة؛ لأنَّها بيع الورق بالذَّهب، والحديث عكسها؛ لأنَّ العوضين إذا كانا نقدين فعلى أيِّهما دخلت الباء فالمعنى سواءٌ، بخلاف ما إذا كان العوضان غيرَ النَّقدين اللَّذين هما للثمنيَّة، فإنَّها لا تدخل على المثمن.
стр. 4704
(٨١) (باب بَيْعِ الذَّهَبِ بِالوَرِقِ) حال كونه (يَدًا بِيَدٍ) وهذه التَّرجمة عكس السَّابقة.
٢١٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ) البصريُّ، يُقال له: صاحب الأديم قال: (حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ العَوَّامِ) بفتح العين المهملة وتشديد الموحَّدة، والعَوَّام: بفتح العين وتشديد الواو، ابن عمر الكلابيُّ الواسطيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ) الحضرميُّ مولاهم، البصريُّ النحويُّ، وثَّقه ابن معين، واحتجَّ به البخاريُّ وغيره، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ) بيع (١) (الفِضَّةِ بِالفِضَّةِ وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ) أي: متساويين، ويُسمَّى المراطلة (وَأَمَرَنَا) أمرَ إباحةٍ (أَنْ نَبْتَاعَ) بفتح النون، أي: نَشتريَ (الذَّهَبَ بِالفِضَّةِ) وللحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «في الفضَّة» (كَيْفَ شِئْنَا، وَالفِضَّةَ بِالذَّهَبِ) ولأبي ذرٍّ: «في الذَّهب» (كَيْفَ شِئْنَا) ولم يقل فيه: يدًا بيدٍ، ليطابق ما تُرْجِمَ له، وأجيب باحتمال أنَّه أشار به إلى ما وقع في بعض طرقه، فقد أخرجه مسلمٌ عن أبي الرَّبيع عن عبَّاد بن العوَّام الَّذي أخرجه المؤلِّف من طريقه، وفيه: فسأله رجلٌ فقال: يدًا بيد؟ فقال: هكذا سمعت، واشتراط القبض في الصَّرف متَّفقٌ عليه، وإنَّما وقع الاختلاف في التَّفاضل بين الجنس الواحد، وقد عدَّ ﵊ أصولًا، وصرَّح بأحكامها وشروطها المعتبرة في بيع بعضها ببعض جنسًا واحدًا أو أجناسًا، وبيَّن ما هو العلَّة في كلِّ واحدٍ منها ليتوصَّل المجتهد بالشَّاهد إلى الغائب، فإنَّه ﵊ ذكر النَّقدين والمطعومات إيذانًا بأن علَّة الرِّبا هي النَّقديَّة أو الطُّعم (٢)، وإشعارًا بأنَّ الرِّبا إنَّما يكون في النَّوعين المذكورين؛ وهما النَّقدان (٣) والمطعوم، واختُلِف في العلَّة الَّتي هي سبب التَّحريم في الرِّبا في السِّتَّة الَّتي هي: الذَّهب والفضَّة والبرُّ والشَّعير والتَّمر
стр. 4705
والملح؛ فقال الشَّافعيَّة: العلَّة في الذَّهب والفضَّة كونهما جنسًا للأثمان، فلا يتعدَّى الرِّبا منهما إلى غيرهما من الموزونات كالحديد والنُّحاس وغيرهما؛ لعدم المشاركة في المعنى، والعلَّة في الأربعة الباقية كونها مطعومةً، فيتعدَّى الرِّبا منها إلى كلِّ مطعومٍ، سواءً كان قوتًا (١) أو تفكُّهًا أو تداويًا، كما مرَّ [خ¦٢١٧٠]، وقال أبو حنيفة: العلَّة في الذَّهب والفضَّة الوزن، فيتعدَّى إلى كلِّ موزونٍ من نحاسٍ وحديدٍ وغيره.
(٨٢) (باب بَيْعِ المُزَابَنَةِ) مفاعلةٌ من الزَّبْن وهو الدَّفع، فإنَّ كلَّ واحدٍ من المتبايعين يَزْبِن صاحبه عن حقِّه، أو لأنَّ أحدهما إذا وقف على ما فيه من الغبن أراد دفع البيع عن نفسه، وأراد الآخر دفعه عن هذه الإرادة بإمضاء البيع (وَهْيَ) في الشَّرع: (بَيْعُ التَّمْرِ) بالمثنَّاة الفوقيَّة وسكون الميم: اليابس على الأرض (بِالثَّمَرِ) بالمثلَّثة وفتح الميم: الرُّطب في رؤوس النَّخل، وليس المراد كلَّ الثِّمار، فإنَّ سائر الثِّمار يجوز بيعها بالتَّمر، والَّذي في الفرع (٢): «الثَّمَر» بالمثلَّثة وفتح الميم «بالتَّمْر» بالمثنَّاة وسكون الميم (٣) (وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالكَرْمِ) بفتح الكاف وسكون الرَّاء، أي: العنب على الكرم (وَبَيْعُ العَرَايَا) جمع عريَّة، ويأتي تفسيرها إن شاء الله تعالى.
(قَالَ أَنَسٌ) ممَّا وصله في «بيع المخاضرة» [خ¦٢٢٠٧]: (نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ المُزَابَنَةِ وَالمُحَاقَلَةِ) بضمِّ الميم وفتح الحاء المهملة وبعد الألف قافٌ فلامٌ فهاء تأنيثٍ، مفاعلةٌ من الحقل؛ وهو الزَّرع وموضعه، وهي بيع الحنطة بسنبلها بحنطةٍ صافيةٍ من التِّبن، ووجه الفساد فيهما أنَّه يؤدِّي إلى ربا الفضل؛ لأنَّ الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة من حيث إنَّه لم يتحقَّق فيها المساواة المشروطة في الرِّبَويِّ بجنسه، وتزيد المحاقلة أنَّ المقصود من المبيع فيها مستورٌ بما ليس من صلاحه.
стр. 4706
٢١٨٣ - ٢١٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) نسبه إلى جدِّه لشهرته به، واسم أبيه: عبد الله المخزوميُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالد بن عَقيل -بفتح العين- الأَيْليِّ بفتح الهمزة وسكون التَّحتيَّة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ) أبيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ) بالمثلَّثة وفتح الميم (حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ) بغير ألفٍ بعد واو «يبدو» للنَّاصب، أي: يظهر، وبدوُّ الصَّلاح في كلِّ شيءٍ هو صيرورته إلى الصِّفة التي تُطلَب فيه غالبًا، ويأتي بيانه -إن شاء الله تعالى- في «باب بيع الثِّمار قبل أن يبدو صلاحها» [خ¦٢١٩٣] (وَلَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ) الأوَّل بالمثلَّثة، والثَّاني بالمثنَّاة. (قَالَ سَالِمٌ) بالإسناد السَّابق: (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ) أي: بعد النَّهي عن بيع الثَّمر بالتَّمر (فِي بَيْعِ العَرِيَّةِ) بكسر الرَّاء وتشديد التَّحتيَّة، واحد العرايا؛ وهي أن تخرص نخلاتٌ، فيكون رُطَبها إذا جفَّت ثلاثة أوسقٍ مثلًا (بِالرُّطَبِ) على الأرض (أَوْ بِالتَّمْرِ) بالمثنَّاة (وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِهِ) مقتضاه جواز بيع الرُّطب على النَّخل بالرُّطب على الأرض، وهو وجهٌ عند الشَّافعيَّة، فتكون «أو» للتَّخيير، والجمهور على المنع، فيتأوَّلون هذه الرِّواية بأنَّها من شكِّ الرَّاوي أيُّهما قال النَّبيُّ ﷺ ، وما في أكثر الروايات يدلُّ على أنَّه إنَّما قال: التَّمر، فلا يُعَوَّل على غيره، وقد وقع عند النَّسائيِّ والطَّبرانيِّ من طريق صالح بن كيسان، والبيهقيِّ من طريق الأوزاعيِّ عن الزُّهريِّ
стр. 4707
ما يؤيِّد أنَّ «أو» للتَّخيير لا للشَّكِّ، ولفظه: بالرُّطب وبالتَّمر، وقيس العنب بالرُّطب بجامع أنَّ كلًّا منهما زكويٌّ يمكن خرصه ويُدَّخَر يابسُه، وكالرُّطب البُسْر (١) بعد بدوِّ صلاحه؛ لأنَّ الحاجة إليه كهي إلى الرُّطب، ذكره الماورديُّ والرُّويانيُّ، وأمَّا غير الرُّطب والعنب من الثِّمار التي تُجَفَّف كالمشمش وغيره فلا يجوز؛ لأنَّها متفرِّقةٌ مستورةٌ بالأوراق، فلا يتأتَّى الخرص فيها، بخلاف ثمرة النَّخل والكرم فإنَّها متدلِّيةٌ ظاهرةٌ.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ.
٢١٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام الأعظم (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ) قال ابن عمر: (وَالمُزَابَنَةُ اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ) بالمثلَّثة وفتح الميم، وفي رواية مسلم: ثمر النَّخل، وهو المراد هنا (بِالتَّمْرِ) بالمثنَّاة وسكون الميم (كَيْلًا) بالنَّصب على التَّمييز وليس قيدًا (وَبَيْعُ الكَرْمِ) العنب (بِالزَّبِيبِ كَيْلًا) وفي رواية مسلمٌ: وبيع العنب بالزَّبيب كيلًا.
وفي الحديث: جواز تسمية العنب كَرْمًا، وحديث النَّهي عن تسميته به محمولٌ على التَّنزيه، وذكره هنا لبيان الجواز، وهذا على تقدير أنَّ تفسير المزابنة صادرٌ عن الشَّارع صلوات الله وسلامه عليه، أمَّا على القول بأنَّه من الصَّحابيِّ فلا حجَّة على الجواز، ويُحمَل النَّهي على الحقيقة.
وهذا الحديث سبق في «باب بيع الزَّبيب بالزَّبيب» (٢) [خ¦٢١٧١].
стр. 4708
٢١٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) المذكور فيما مرَّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام (عَنْ دَاوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتين، المدنيِّ مولى عمرو بن عثمان، المتوفَّى سنة خمسٍ وثلاثينَ ومئة (عَنْ أَبِي سُفْيَانَ) قيل: اسمه قُزْمان، بضمِّ القاف وسكون الزَّاي (مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ) هو عبد الله بن أبي أحمد بن جحشٍ الأسديُّ (١)، ابن أخي زينب بنت جحشٍ أمِّ المؤمنين (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ وَالمُحَاقَلَةِ، وَالمُزَابَنَةُ اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ) الأوَّل: بالمُثلَّثة (فِي رُؤُوْسِ النَّخْلِ) زاد ابن مهديٍّ عن مالكٍ عند الإسماعيليِّ: «كيلًا»، وهو موافقٌ لحديث ابن عمر السَّابق [خ¦٢١٧٢] وزاد مسلمٌ في آخر حديث أبي سعيدٍ: والمحاقلة: كِراء الأرض.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «البيوع»، وابن ماجه في «الأحكام».
٢١٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بالمهملة وتشديد الدَّال، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ الضَّرير (٢) (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) بفتح الشِّين المعجمة، سليمان (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ المُحَاقَلَةِ وَالمُزَابَنَةِ) والمزابنة في النَّخل، والمحاقلة في الزَّرع.
وهذا الحديث من أفراده.
стр. 4709
٢١٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميمينِ واللَّام، ابن قعنب القعنبيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵃: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَرْخَصَ لِصَاحِبِ العَرِيَّةِ) بفتح العين المهملة وتشديد التَّحتيَّة: الرُّطب أو العنب على الشَّجر (أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا) بفتح الخاء المعجمة وبعد الرَّاء السَّاكنة صادٌ مهملةٌ، بأن يُقدَّر ما فيها إذا صار تمرًا بتمرٍ. زاد الطَّبرانيُّ عن عليِّ بن عبد العزيز عن القعنبيِّ شيخ المؤلِّف فيه: «كيلًا»، ولمسلمٍ من رواية سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيدٍ بلفظ: رخَّص في العريَّة يأخذها أهل البيت بخرصها تمرًا يأكلونه رطبًا، ولا يجوز بيع ذلك بقدره من الرُّطب لانتفاء حاجة الرُّخصة إليه، ولا بيعه على الأرض بقدره من اليابس؛ لأنَّ من جملة معاني بيع العرايا أكله طريًّا على التَّدريج، وهو منتفٍ في ذلك، وأفهم قوله: «كيلًا» أنَّه يمتنع بيعه بقدره يابسًا خَرْصًا، وهو كذلك لئلَّا يعظم الغَرَر في البيع، وإنَّما يصحُّ بيع العرايا فيما دون خمسة أوسق بتقدير الجفاف بمثله، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- ويشترط فيه (١) التَّقابض قبل التَّفرُّق.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «البيوع» [خ¦٢١٧٣] [خ¦٢١٨٤] [خ¦٢١٩٢] وفي «الشُّرب» [خ¦٢٣٨٠]، ومسلمٌ في «البيوع» (٢)، وكذا التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «التِّجارات».
(٨٣) (بابُ بَيْعِ الثَّمَرِ) بفتح المثلَّثة والميم: الرُّطب حال كونه (عَلَى رُؤوسِ النَّخْلِ بِالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ) ولأبي ذرٍّ: «أو الفضَّة».
стр. 4710
٢١٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) أبو سعيدٍ الكوفيُّ سكن مصر، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «أخبرني» بالإفراد (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباح (وَأَبِي الزُّبَيْرِ) بضمِّ الزَّاي وفتح الموحَّدة، محمَّد بن مسلمٍ بن تَدْرُس-بفتح التَّاء وسكون الدَّال وضمِّ الرَّاء آخره سينٌ مهملةٌ- كلاهما (عَنْ جَابِرٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ) بفتح المثلَّثة والميم، وهو الرُّطب (حَتَّى يَطِيبَ) ولابن عيينة عند مسلمٍ: حتَّى يبدوَ صلاحه (وَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْهُ) أي: من الثَّمر (إِلَّا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ) وكذا يجوز بالعروض بشرطه (١)، واقتصر على الذَّهب والفضَّة؛ لأنَّهما جُلُّ ما يُتعامَل به، قاله ابن بطَّالٍ (إِلَّا العَرَايَا) زاد يحيى بن أيُّوب عند المؤلِّف: فإنَّ رسول الله ﷺ رخَّص فيها، أي: فيجوز بيع الرُّطب فيها بعد أن يُخرَص ويُعرَف قدره بقدر ذلك من التَّمر.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود في «البيوع»، وابن ماجه في «التِّجارات».
٢١٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) أبو محمَّد الحجبيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا) هو إمام دار الهجرة ابن أنس الأصبحيُّ (وَسَأَلَهُ عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين مُصَغَّرًا (بْنُ الرَّبِيعِ) بفتح الرَّاء، وكان الرَّبيع حاجب المنصور، وهو والد الفضل وزير هارون الرشيد، وفيه إطلاق السَّماع على ما قُرِئ على الشَّيخ وأقرَّ به، وقد استقرَّ الاصطلاح على أنَّ السَّماع مخصوصٌ بما حَدَّث به الشَّيخ لفظًا (أَحَدَّثَكَ دَاوُدُ) بن الحصين (عَنْ أَبِي سُفْيَانَ) مولى ابن أبي أحمد (عَنْ
стр. 4711
أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ (١) ﷺ رَخَّصَ) بتشديد الخاء المعجمة من التَّرخيص، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «أرخص» بهمزةٍ مفتوحةٍ قبل الرَّاء، من الإرخاص (فِي بَيْعِ) تمر (العَرَايَا) والعرايا: النَّخل (فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ) جمع وَسْق -بفتح الواو على الأفصح- وهو ستُّون صاعًا، والصَّاع: خمسة أرطالٍ وثلث، بتقدير الجفاف بمثله (أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ؟ قَالَ) مالكٌ: (نَعَمْ) حدَّثني داود (٢)، ووقع في «مسلمٍ» أنَّ الشَّك من داود بن الحصين، وللمؤلِّف في آخر «الشُّرب» [خ¦٢٣٨٢] من وجهٍ آخر عن مالكٍ مثله، وقد أخذ الشَّافعيُّ ﵀ بالأقلِّ؛ لأنَّ الأصل التَّحريم، وبيع العرايا رخصةٌ، فيُؤخَذ بما يُتحقَّق منه الجواز، ويُلغَى ما وقع فيه الشَّكُّ، وهو قول الحنابلة، فلا يجوز في الخمسة في صفقةٍ، ولا يُخرَّج على تفريق الصَّفقة؛ لأنَّه صار بالزِّيادة مزابنةً، فبطل في الجميع، والرَّاجح عند المالكيَّة الجواز في الخمسة فما دونها، وسبب الخلاف: أنَّ النَّهي عن المزابنة وقع مقرونًا بالرُّخصة في بيع العرايا، فعلى الأوَّل لا يجوز في الخمسة للشَّكِّ في رفع التَّحريم، وعلى الثاني يجوز للشَّكِّ في قدر التَّحريم (٣).
٢١٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (قَالَ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ: (سَمِعْتُ بُشَيْرًا) بضمِّ الموحَّدة وفتح المعجمة، ابن يسارٍ -ضدَّ اليمين- الأنصاريَّ المدنيَّ (قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ) بفتح الحاء المهملة وسكون
стр. 4712
المثلَّثة، وهو سهل بن عبد الله بن أبي حثمة، واسمه: عامر بن ساعدة الأنصاريُّ ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ) الرَّطب (بِالتَّمْرِ) اليابس (وَرَخَّصَ فِي العَرِيَّةِ) بتشديد التحتيَّة (أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا) المشترون الَّذين (١) صاروا ملَّاك الثَّمرة (رُطَبًا) بضمِّ الرَّاء وفتح الطَّاء، وليس التقييد بالأكل قيدًا بل لبيان الواقع. قال عليُّ بن المدينيِّ: (وَقَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة (مَرَّةً أُخْرَى: إِلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ فِي العَرِيَّةِ يَبِيعُهَا أَهْلُهَا) البائعون (بِخَرْصِهَا يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا (٢)) بضمِّ الرَّاء وفتح الطَّاء، و (قَالَ: هُوَ سَوَاءٌ) أي: مساوٍ للقول الأوَّل وإن اختلفا لفظًا؛ لأنَّهما في المعنى واحد. (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة بالإسناد المذكور: (فَقُلْتُ لِيَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريِّ لمَّا حدَّث به (وَأَنَا غُلَامٌ) جملةٌ حاليةٌ، والمراد: الإشارة إلى قِدَم طلبه، وأنَّه كان في زمن الصِّبا يناظر شيوخه ويباحثهم: (إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ (٣) فِي بَيْعِ العَرَايَا) أي: من غير قيدٍ (فَقَالَ) يحيى: (وَمَا يُدْرِي) بضمِّ أوله (أَهْلَ مَكَّةَ؟) نُصِبَ بـ «يدري». قال سفيان: (قُلْتُ: إِنَّهُمْ) أي: أهل مكَّة (يَرْوُونَهُ) أي: هذا الحديث (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريُّ (فَسَكَتَ) يحيى. (قَالَ سُفْيَانُ) بالإسناد المذكور: (إِنَّمَا أَرَدْتُ) أي: إنَّما كان الحامل لي على قولي ليحيى بن سعيدٍ: إنَّهم يَرْوونه عن جابرٍ: (أَنَّ جَابِرًا مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ) فرجع الحديث إلى أهل المدينة، ومحلُّ الخلاف بين رواية يحيى بن سعيدٍ ورواية أهل مكَّة: أنَّ يحيى بن سعيدٍ قيَّد الرُّخصة في بيع العرايا بالخَرْص، وأن يأكلها أهلها (٤) رُطَبًا، وأمَّا ابن عيينة في روايته عن أهل مكَّة فأطلق الرُّخصة في بيع العرايا ولم يقيِّدها بشيءٍ ممَّا ذكر أنَّهم يروونه عن جابرٍ، وكان ليحيى أن يقول لسفيان: وأهل المدينة روَوا فيه التقييد، فيحمل المطلق على المقيَّد، والتَّقييد بالخرص زيادةُ حافظٍ، فتعيَّن المصير إليها،
стр. 4713
وأما التَّقييد بالأكل فالَّذي يظهر أنَّه لبيان الواقع، لا أنَّه قيد. قال ابن المديني: (قِيلَ لِسُفْيَانَ) بن عيينةَ، قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على تسمية القائل: (ولَيْسَ فِيهِ) أي: في هذا الحديث (نَهْيٌ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ) بالمثلَّثة (حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ؟ قَالَ) سفيان: (لَا) أي: وإن كان هو صحيحًا من رواية غيره.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الشُّرب» [خ¦٢٣٨٠]، ومسلمٌ في «البيوع»، وكذا أبو داود والترمذيُّ والنَّسائيُّ.
(٨٤) (بابُ تَفْسِيرِ العَرَايَا) جمع عرَّية، وهي لغةً: النَّخلة، ووزنها: فَعِيْلة، قال الجمهور: بمعنى: فاعلة؛ لأنَّها عريت بإعراء مالكها، أي: إفراده لها من باقي النَّخل، فهي عارية، وقال آخرون: بمعنى: مفعولة، من عراه يعروه؛ إذا أتاه؛ لأنَّ مالكها يعروها، أي: يأتيها، فهي معروَّة، وأصلها: عريوة، فقُلِبت الواو ياءً وأُدغِمت، فتسمية العقد بذلك على القولين مجازٌ عن أصل ما عُقِدَ عليه. (وَقَالَ مَالِكٌ) الإمام الأعظم ابن أنس الأصبحيُّ ممَّا وصله ابن عبد البرِّ: (العَرِيَّةُ) بتشديد التَّحتيَّة: (أَنْ يُعْرِيَ) بضمِّ الياء، من الإعراء، أي: يهب (الرَّجُلُ الرَّجُلَ نَخْلَةً (١)) من نخلات بستانه فيملكها؛ لأنَّ عند الإمام مالك أن الهبة تلزم بنفس العقد، أي: يهبه ثمرها (ثُمَّ يَتَأَذَّى) الواهب (بِدُخُولِهِ) أي: بدخول الموهوب له (عَلَيْهِ) أي (٢): البستان؛ لأجل الثَّمرة الموهوبة والتقاطها (فَرُخِّصَ) بضمِّ الرَّاء مبنيًّا للمفعول (لَهُ) أي: للواهب (أَنْ
стр. 4714
يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ) أي: يشتري رُطَبها من الموهوب له (بِتَمْرٍ) يابسٍ، ولا يجوز لغيره ذلك، ومثله قول أبي حنيفة ﵀: العريَّة: أن يهبه نخلةً، ويشقَّ عليه تردُّد الموهوب له إلى بستانه، ويكره أن يرجع في هبته، وهذا بناءً على مذهبه في أنَّ الواهب الأجنبيَّ يرجع في هبته متى شاء، لكن يُكرَه، فيدفع إليه بدلها تمرًا، ويكون هذا في معنى البيع، لا أنَّه بيعٌ حقيقةً، وكلا القولين بعيدٌ عن لفظ الحديث؛ لأنَّ لفظ إرخاص العريَّة فيها عامٌّ، وهما يقيِّدانها بصورةٍ، وأيضًا فقد صرَّح بلفظ «البيع»، فنفيُ كونها (١) بيعًا مخالفٌ لظاهر اللَّفظ، وأيضًا الرُّخصة قُيِّدَت بخمسة أوسقٍ أو ما دونها، والهبة لا تتقيَّد. (وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ) الإمام أبو عبد الله محمَّد الشافعيُّ، وجزم به المِزِّيُّ (٢) في «التَّهذيب»، أو هو عبد الله بن إدريس الأوديُّ، ورجَّحه السَّفاقسيُّ، وتردَّد ابن بطَّالٍ ثمَّ السُّبكيُّ في «شرح المهذَّب»: (العَرِيَّةُ) بالتَّشديد (لَا تَكُونُ إِلَّا بِالكَيْلِ) أي: فيما دون خمسة أوسقٍ (مِنَ التَّمْرِ) لتُعلَم المساواة (يَدًا بِيَدٍ) قبل التَّفرُّق، لكن قبض الرُّطب على النَّخل بالتَّخلية، وقبض التَّمر بالنَّقل كغيره (لَا يَكُونُ بِالجِزَافِ) بكسر الجيم في الفرع وأصله (٣)، فيسلِّم المشتري التَّمر اليابس بالكيل، ويُخلِّي بينه وبين النَّخل، وعبارةُ الشَّافعيِّ في «الأمِّ» ونقلها عنه البيهقيُّ في «المعرفة» من طريق الرَّبيع عنه: العرايا أن يشتري الرَّجل ثمر النَّخلة وأكثر بخرصه من التَّمر بأن يَخْرِصَ الرُّطبَ، ثمَّ يُقدِّر كم ينقص إذا يبس؟ ثم يشتري
стр. 4715
بخرصه تمرًا، فإن تفرَّقا قبل أن يتقابضا فسد البيع. انتهى. قال في «الفتح»: وهذا وإن غاير ما علَّقه البخاريُّ لفظًا فهو يوافقه في المعنى؛ لأنَّ محصِّلهما ألَّا يكون جِزافًا ولا نسيئةً (وَمِمَّا يُقَوِّيهِ) أي: القول السَّابق بألَّا يكون جِزافًا: (قَوْلُ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ) عند الطبريِّ من طريق اللَّيث عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج عن سهل موقوفًا: (بِالأَوْسُقِ المُوَسَّقَةِ) وفائدة قوله: «الموسَّقة» التَّأكيد؛ كما في قوله: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤] وهو يعطي أنَّها المكيلة عند البيع. (وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ) هو محمَّد بن إسحاق بن يسار صاحب «المغازي»، ممَّا وصله الترمذيُّ (فِي حَدِيثِهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه قال: (كَانَتِ العَرَايَا أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ) الرَّجُلَ (فِي مَالِهِ النَّخْلَةَ وَالنَّخْلَتَيْنِ) وصله الترمذيُّ بدون تفسيرٍ، وأما التَّفسير فوصله أبو داود عنه بلفظ: «النَّخلات»، وزاد فيه: فيشقُّ عليه، فيبيعها بمثل خرصها. (وَقَالَ يَزِيدُ) هو (١) ابن هارون الواسطيُّ (عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ) الواسطيِّ من أتباع التابعين، ممَّا وصله من حديثه (٢) الإمام أحمد عن الزُّهريِّ عن سالمٍ عن أبيه عن زيد بن ثابتٍ مرفوعًا في العرايا: قال سفيان بن حسينٍ: (العَرَايَا: نَخْلٌ كَانَتْ تُوهَبُ لِلْمَسَاكِينِ، فَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَنْتَظِرُوا بِهَا) أي: إلى (٣) أن يصير رُطَبها تمرًا، ولا يحبُّون أكلها رُطَبًا لاحتياجهم إلى التَّمر، فـ (رُخِّصَ لَهُمْ) بضمِّ الرَّاء مبنيًّا للمفعول (أَنْ يَبِيعُوهَا) بعد خرصها (بِمَا شَاؤُوْا مِنَ التَّمْرِ) من الواهب أو من غيره يأخذونه (٤) معجَّلًا، وهذه إحدى صور العريَّة، وهي صحيحةٌ عند الشَّافعيَّة كغيرها، وقد حُكِيَ عن (٥) الشَّافعيِّ تقييدها بالمساكين على ما في هذا الحديث، وهو اختيار المُزَنيِّ، والصَّحيح أنَّه لا يختَصُّ بالفقراء (٦)، بل يجري في الأغنياء لإطلاق الأحاديث فيه، وما رواه الشَّافعيُّ عن زيد بن ثابتٍ: أنَّ رجالًا محتاجين من الأنصار شكَوا إلى رسول الله ﷺ أنَّ الرُّطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رُطَبًا يأكلونه مع النَّاس، وعندهم فضلُ قوتهم من التَّمر، فرخَّص
стр. 4716
لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التَّمر؛ أجيب عنه بأنَّه ضعيف، وبتقدير صحَّته فهو حكمة المشروعيَّة، ثمَّ قد يعمُّ الحكم -كما في الرَّمَلِ والاضْطِبَاعِ- على أنَّه ليس فيه أكثر من أنَّ قومًا بصفةٍ سألوا فرخَّص لهم، واحتمل أن يكون سبب الرُّخصة فقرهم أو سؤالهم، والرُّخصة عامَّةٌ، فلمَّا أُطلِقت في أحاديث أُخَرَ تبيَّن أنَّ سببها السُّؤال كما لو سأل غيرهم، وأن ما بهم من الفقر غير معتبرٍ إذ ليس في لفظ الشَّارع ﷺ ما يدلُّ لاعتباره، وعند الحنابلة: لا تجوز العريَّة إلَّا لحاجة صاحب الحائط إلى البيع أو المشتري إلى الرُّطب.
٢١٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) زاد أبو ذرٍّ: «هو ابن مقاتل» المروزيُّ المجاور بمكَّة، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بنُ المُبارك قال: (أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بضمِّ العين وسكون القاف، الأسديُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵃: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ فِي العَرَايَا أَنْ تُبَاعَ) ثمرتها الرُّطب والعنب (بِخَرْصِهَا) بقدره من اليابس (كَيْلًا) نصبٌ على التَّمييز، أي: من حيث الكيل.
(قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بالسَّند السَّابق: (وَالعَرَايَا نَخَلَاتٌ مَعْلُومَاتٌ تَأْتِيهَا فَتَشْتَرِيهَا) بتاء الخطاب فيهما -كما في الفرع وأصله (١) - وفي بعض الأصول بياء الغيبة وفي أُخَرَ بالنُّون، أي: تشتري ثمرتها بتمرٍ معلومٍ، قال في «الفتح»: وكأنَّه اختصره للعلم به، ولم أجده في شيءٍ من الطُّرق عنه إلَّا هكذا، ولعلَّه أراد أن يبيِّن أنَّها مشتقَّةٌ من عَرَوْتُ؛ إذا أتيتَ وتردَّدت إليه، لا من العُرْي الذي هو (٢) بمعنى: التَّجرُّد.
(٨٥) (بابُ) حكم (بَيْعِ الثِّمَارِ) بالمثلَّثة المكسورة، الشَّاملة للرُّطب وغيره (قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ) بغير
стр. 4717
همزٍ، أي: يظهر (صَلَاحُهَا) وبدوُّ الصَّلاح في الأشياء صيرورتها إلى الصِّفة التي تُطلَب فيها غالبًا، ففي الثِّمار ظهور أوَّل الحلاوة، ففي غير المتلوِّن بأن يتموَّه ويتليَّن، وفي المتلوِّن بانقلاب اللَّون؛ كأنِ احمرَّ أو اصفرَّ أو اسودَّ، وفي نحو القثَّاء بأن يُجْنَى مثله غالبًا للأكل، وفي الحبوب باشتدادها، وفي ورق التُّوت بتناهيه.
٢١٩٣ - (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان: (كَانَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام، ولأبي ذرٍّ: «عن عروة بن الزبير» (يُحَدِّثُ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ) بسكون هاء «سهل» والمثلَّثة من «حثمة» (الأَنْصَارِيِّ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ) بالحاء المهملة والمثلَّثة: (أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّاسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) في زمنه وأيامه (يَبْتاعُونَ) بتقديم الموحَّدة السَّاكنة على الفوقيَّة، والذي في «اليونينيَّة» (١): «يَتَبَايَعون» (الثِّمَارَ) بالمثلَّثة (فَإِذَا جَدَّ النَّاسُ) بفتح الجيم والدَّال المهملة في «اليونينيَّة» (٢) وفي غيرها (٣) من الأصول التي وقفتُ عليها، وقال الحافظ ابن حجرٍ والعينيُّ: بالمعجمة، أي: قطعوا ثمر النَّخل، وهذا قاله في «الصِّحاح» في باب «الذَّال المعجمة»، وقال في باب «الدَّال المهملة»:
стр. 4718
وجدَّ النَّخلَ يَجدُّه، أي: صَرَمَه، وأجدَّ النَّخلُ: حان له أن يُجَدَّ، وهذا زمن الجَدَاد (١) والجِداد مثل الصَّرام (٢) والصِّرام (٣)، وقال في باب «الميم»: صرمتُ الشيء صرمًا، إذا قطعتَه، وصَرَمَ النَّخلَ، أي (٤): جدَّه، وأصرم النَّخلُ، أي: حان له (٥) أن يُصرَم، وللحَمُّويي والمُستملي: «أجدَّ» بزيادة ألفٍ، قال السَّفاقسيُّ: أي: دخلوا (٦) في الجِداد، كأظلم إذا دخل في الظلام، قال: وهو أكثر الرِّوايات. (وَحَضَرَ تَقَاضِيهِمْ) بالضَّاد المعجمة، أي: طلبهم (٧) (قَالَ المُبْتَاعُ) أي (٨): المشتري: (إِنَّهُ أَصَابَ الثَّمَرَة (٩)) بالمثلَّثة والإفراد (١٠) (الدُّمَانُ) بضمِّ الدَّال وتخفيف الميم وبعد الألف نونٌ، كذا في الفرع وغيره، وهو رواية القابسيِّ فيما قاله القاضي (١١) عياضٌ، وهو موافقٌ لضبط الخطَّابيِّ، وفي رواية السَّرخسيِّ فيما قاله عياضٌ: «الدَّمان» بفتح الدَّال، وهو موافقٌ لضبط أبي عبيد والصَّغانيِّ والجوهريِّ وابن فارسٍ في «المجمل»، وقال ابن الأثير: وكأنَّ الضَّمَّ أشبه؛ لأنَّ ما كان من الأدواء والعاهات فهو بالضمِّ، كالسُّعال والزُّكام، وفسَّره أبو عبيد: بأنَّه فساد الطَّلع وتعفُّنه وسواده، وقال القزَّاز: فساد النَّخل قبل إدراكه، وإنَّما يقع ذلك في الطَّلع، يخرج قلب النَّخلة أسود معفونًا (أَصَابَهُ مُرَاضٌ) بضمِّ الميم وبعد الرَّاء المخفَّفة ألفٌ ثمَّ ضادٌ معجمةٌ، بوزن الصُّداع: اسمٌ لجميع الأمراض، وهو داءٌ يقع في الثَّمر فيهلك، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي كما في «الفتح»: «مِراض» بكسر الميم، وللحَمُّويي والمُستملي كما في «الفرع»: «مرض» (أَصَابَهُ قُشَامٌ) بضمِّ القاف وتخفيف الشِّين المعجمة، أي: انتفض قبل أن يصير ما عليه بُسرًا، أو شيءٌ يصيبه حتَّى لا يرطب، كما زاده الطَّحاويُّ في روايته، وقوله:
стр. 4719
«أصابه» بدلٌ من الثَّاني، وهو بدلٌ من الأوَّل، وهذه الأمور الثَّلاثة (عَاهَاتٌ) عيوبٌ وآفاتٌ تصيب الثَّمر (يَحْتَجُّونَ بِهَا) قال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: جمع الضَّمير باعتبار جنس المبتاع الَّذي هو مفسَّره، وقال العينيُّ: فيه نظرٌ لا يخفى، وإنَّما جمعه باعتبار المبتاع ومن معه من أهل الخصومات بقرينة «يبتاعون» (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَمَّا كَثُرَتْ عِنْدَهُ الخُصُومَةُ فِي ذَلِكَ: فإِمَّا لَا) بكسر الهمزة، وأصله: فإن لا تتركوا هذه المبايعة، فزيدت «ما» للتَّوكيد، وأُدغِمت النُّون في الميم، وحُذِف الفعل، أي: افعل هذا إن كنت لا تفعل غيره، وقد نطقت العرب بإمالة «لا» إمالةً صغرى لتضمُّنها الجملة، وإلَّا فالقياس ألَّا تمال الحروف، وقد كتبها الصَّغانيُّ: «فإمَّا لي» بلامٍ وياءٍ، لأجل إمالتها، ومنهم من يكتبها بالألف على الأصل -وهو الأكثر- ويجعل عليها فتحةً محرَّفةً علامةً للإمالة، والعامَّة تُشبِع إمالتها، وهو خطأٌ (فَلَا
стр. 4720
تَتَبَايَعُوا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُ الثَّمَرِ) بأن يصير على الصِّفة التي تُطلَب (كَالمَشُْوَْرَةِ) بفتح الميم وضمِّ الشِّين وإسكان الواو -كذا في الفرع وغيره ممَّا وقفتُ عليه- ويجوز سكون المعجمة وفتح الواو، بل قال ابنُ سِيْدَه: هي على وزن مَفْعَلة، لا على وزن (١) فَعولة، لأنَّها مصدرٌ، والمصادر لا تجيء على مثال: فَعول، وزعم صاحب «التَّثقيف» والعلَّامة الحريريُّ: أنَّ الإسكان من لحن العامَّة، وفي ذلك نظرٌ، فقد ذكرها الجوهريُّ وصاحب «المحكَم» وغيرهما، والمراد بهذه المشورة: ألَّا يشتروا شيئًا حتَّى يتكامل صلاح جميع هذه الثَّمرة، لئلَّا تقع المنازعة، قال في «الفتح»: وهذا التَّعليق لم أره موصولًا من طريق اللَّيث، وقد رواه سعيد بن منصور عن ابن (٢) أبي الزناد عن أبيه نحو حديث اللَّيث، ولكن بالإسناد الثَّاني دون الأوَّل، وأخرجه أبو داود والطَّحاويُّ من طريق يونس بن يزيد عن أبي الزِّناد بالإسناد الأوَّل دون الثَّاني، وأخرجه البيهقيُّ من طريق يونس بالإسنادين معًا (يُشِيرُ بِهَا) عليهم (لِكَثْرَةِ خُصُومَتِهِمْ). قال أبو الزِّناد: (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) أحد الفقهاء السَّبعة، والواو للعطف على سابقه: (أَنَّ) أباه (زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ لَمْ يَكُنْ يَبِيعُ ثِمَارَ أَرْضِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا) النَّجم المعروف، وهي تطلع مع الفجر أوَّل فصل الصَّيف عند اشتداد الحرِّ في بلاد الحجاز وابتداء نضج الثِّمار، والمعتبر في الحقيقة النُّضج، وطلوع النَّجم علامةٌ له، وقد بيَّنه بقوله: (فَيَتَبَيَّنَ الأَصْفَرُ مِنَ الأَحْمَرِ) وفي حديث أبي هريرة عند أبي داود مرفوعًا: «إذا طلع النَّجم صباحًا رُفِعت العاهة عن (٣) كل بلد»، وقوله: «كالمشورة يشير بها»: قال الداوديُّ الشَّارح: تأويل بعض نقلة الحديث، وعلى تقدير أن يكون من قول زيد بن ثابتٍ، فلعلَّ ذلك كان في أوَّل الأمر، ثم ورد الجزم بالنَّهي كما بيَّنه حديث ابن عمر وغيره، وقال ابن المنيِّر: أورد حديث زيدٍ معلَّقًا، وفيه إيماءٌ إلى أنَّ النَّهي لم يكن عزيمةً وإنَّما كان مشورةً، وذلك يقتضي الجواز، إلَّا أنه أعقبه بأنَّ زيدًا راوي الحديث كان لا يبيعها حتَّى يبدو صلاحها، وأحاديث النَّهي بعد هذا مبتوتةٌ
стр. 4721
بالمنع (١)، فكأنَّه قطع على الكوفيِّين احتجاجهم بحديث زيدٍ بأنَّ فعله يعارض روايته، ولا يَرِدُ عليهم؛ وذلك أنَّ فعل أحد الجائزين لا يدلُّ على منع الآخر، وحاصله أنَّ زيدًا امتنع من بيع ثماره قبل بدوِّ صلاحها، ولم يُفسِّر امتناعه هل كان لأنَّه حرامٌ أو كان لأنَّه غير مصلحةٍ في حقِّه؟ انتهى.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (رَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ) بفتح الموحَّدة وسكون الحاء المهملة آخره راءٌ، القطَّان الرَّازيُّ أحد شيوخ المصنِّف قال: (حَدَّثَنَا حَكَّامٌ) بفتح الحاء المهملة والكاف المشدَّدة وبعد الألف ميمٌ، ابن سلْم -بسكون اللام- أبو عبد الرحمن الرَّازيُّ الكنانيُّ بنونين، قال: (حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ) بفتح العين المهملة وسكون النُّون وفتح الموحَّدة والسِّين المهملة، ابن سعيد بن الضُّرَيْس -بضمِّ الضَّاد المعجمة مصغَّرًا- الكوفيُّ الرَّازيُّ (عَنْ زَكَرِيَّاءَ) بن خالد الرَّازيِّ (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ سَهْلٍ) هو ابن أبي حثمة الأنصاريُّ (عَنْ زَيْدٍ) هو ابن ثابت الأنصاريُّ (٢).
٢١٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ) منفردةً (٣) عن النَّخل نهيَ تحريمٍ (حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا) ومقتضاه جوازه وصحَّته بعد بدوِّه ولو بغير شرط القطع بأن يُطلِق أو يشترط إبقاءه أو قطعه، والمعنى الفارق بينهما أمنُ العاهة بعده غالبًا، وقبله تُسرع إليه لضعفه (نَهَى البَائِعَ) لئلَّا يأكل مال أخيه بالباطل (وَ) نهى (المُبْتَاعَ) أي: المشتري؛ لئلَّا يضيع ماله، وإلى الفرق بين ما قبل ظهور الصَّلاح وبعده ذهب الجمهور، وصحَّح أبو حنيفة ﵀ البيع حالة الإطلاق قبل بدوِّ الصَّلاح وبعده، وأبطله بشرط الإبقاء قبله وبعده، كذا صرَّح به أهل مذهبه خلافًا لما نقله عنه النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»، وبدوُّ الصَّلاح في شجرةٍ ولو في حبَّةٍ واحدةٍ يستتبع الكلَّ إذا اتَّحد البستان والعقد والجنس، فيتبع ما لم يبدُ صلاحُه ما بدا صلاحه إذا اتَّحد فيهما
стр. 4722
الثَّلاثة، واكتفى ببدوِّ صلاح بعضه؛ لأنَّ الله تعالى امتنَّ علينا فجعل الثِّمار لا تطيب دفعةً واحدةً؛ إطالةً لزمن التَّفكُّه، فلو اعتبرنا في البيع طيب الجميع لأدَّى إلى ألَّا يباع شيءٌ قبل كمال صلاحه، أو تُباع الحبَّة بعد الحبَّة، وفي كلٍّ منهما حرجٌ لا يخفى، ويجوز البيع قبل الصَّلاح بشرط القطع إذا كان المقطوع منتفَعًا به كالحِصْرِمِ إجماعًا.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ وأبو داود.
٢١٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ) محمَّد المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ) أبو عبيدة البصريُّ الثِّقة المدلِّس (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) وفي الباب اللَّاحق [خ¦٢١٩٧] من وجهٍ آخر عن حميدٍ قال: حدَّثنا أنسٌ: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى) نهيَ تحريمٍ (أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَةُ النَّخْلِ) بالمثلَّثة (١) (حَتَّى تَزْهُوَ) بالواو، وفي روايةٍ: «تُزْهِيَ» بالياء، وصوَّبها الخطَّابيُّ، قال ابن الأثير: ومنهم من أنكر «تُزْهِيَ»، ومنهم من أنكر: «تزهو» (٢)، والصَّواب الرِّوايتان على اللُّغتين: زها النَّخل يزهو إذا ظهرت ثمرته، وأزهى يُزهي إذا احمرَّ أو اصفرَّ، وذُكِر النَّخل في هذه الطَّريق لكونه الغالب عندهم، وأُطلِق في غيرها، فلا فرق بين النَّخل وغيره في الحكم.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ، في قوله: «حتى تزهو»: (يَعْنِي: حَتَّى تَحْمَرَّ) وهذا الحديث من أفراده.
стр. 4723
٢١٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ سَلِيمِ بْنِ حَيَّانَ) بفتح السِّين المهملة وكسر اللَّام وبعد التَّحتيَّة ميمٌ، وحَيَّان: بفتح المهملة وتشديد المثنَّاة التحتيَّة، الهذليِّ البصريِّ قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاء) بكسر العين، ومِيْناء: بكسر الميم وسكون التحتيَّة وبعد النُّون همزة ممدودةٌ (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى تُشَقِّحَ) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة وفتح الشِّين المعجمة وتشديد القاف المكسورة آخره حاءٌ مهملةٌ -كذا في الفرع وغيره- وضبطه العينيُّ كالبرماويِّ بسكون الشِّين المعجمة (١) وتخفيف القاف، قال في «الفتح»: من الرُّباعيِّ، يقال: أشقح ثمر النَّخلة يُشقِح إشقاحًا؛ إذا احمرَّ أو اصفرَّ، والاسم الشُّقْحة؛ بضمِّ المعجمة وسكون القاف، وقال الكِرمانيُّ: التَّشقيح بالمعجمة والقاف وبالمهملة: تغيُّر اللَّون إلى الصُّفرة أو الحمرة، فجعله في «الفتح» من باب الإفعال، والكِرمانيُّ من باب التَّفعيل، وقال في «التَّوضيح» و «اللَّامع»: وضبطه أبو ذرٍّ بفتح القاف، قال القاضي عياض: فإن كان هذا فيجب أن تكون القاف مشدَّدةً والتَّاء مفتوحةً، تفعُّلٌ منه (فَقِيلَ: ومَا تُشَقِّحُ؟) بضمِّ أوَّله وفتح ثانيه وبالمثنَّاة الفوقيَّة، وسقطت «الواو» لغير أبي ذرٍّ (قَالَ) سعيد أو (٢) جابر: (تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ) من باب الافعيلال من الثُّلاثيِّ الَّذي زيدت فيه الألف والتَّضعيف؛ لأنَّ أصلهما حمر وصفر، قال الجوهريُّ: احمرَّ الشَّيء واحمارَّ بمعنًى، وقال في «القاموس»: احمرَّ احمرارًا: صار أحمر كاحمارَّ، وفرَّق المحقِّقون بين اللَّون الثَّابت واللَّون العارض -كما نقله في «المصابيح» كـ «التَّنقيح» - فقالوا: احمرَّ: فيما ثبتت حمرته واستقرَّت، واحمارَّ: فيما تتحوَّل حمرته ولا تثبت. انتهى. وقال الخطَّابيُّ: أراد بالاحمرار والاصفرار ظهور أوائل الحمرة والصفرة قبل أن يشيعَ (٣)، وإنَّما يُقال: تفعال؛ من اللَّون الغير المتمكِّن، قال العينيُّ: وفيه نظرٌ؛ لأنَّهم إذا
стр. 4724
أرادوا في لفظ «حمر» مبالغةً يقولون: احمرَّ، فيزيدون على أصل الكلمة الألف والتَّضعيف، ثم إذا أرادوا المبالغة فيه يقولون: احمارَّ، فيزيدون فيه ألفين والتَّضعيف، واللَّون الغير المتمكِّن هو الثُّلاثيُّ المجرَّد؛ أعني (١): حمر، فإذا تمكَّن يقال: احمرَّ، وإذا ازداد في التَّمكُّن يقال: احمارَّ؛ لأنَّ الزِّيادة تدلُّ على التَّكثير والمبالغة (وَيُؤْكَلُ مِنْهَا) وهذا التَّفسير من قول سعيد بن ميناء كما بيَّن ذلك أحمد في روايته لهذا (٢) الحديث عن بَهْز بن أسدٍ عن سليم بن حيَّان: أنَّه هو الَّذي سأل سعيد بن ميناء عن ذلك فأجابه بذلك، ولفظ مسلمٍ: قال: قلت لسعيدٍ: ما تُشْقِح؟ قال: تحمارُّ وتصفارُّ ويُؤكَل منها، وعند الإسماعيليِّ: أنَّ السَّائل سعيدٌ، والمفسِّرَ جابرٌ، ولفظه: قلت لجابر: ما تُشَقِّح؟ … الحديث.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «البيوع» وكذا أبو داود، وقد أفاد حديث زيد بن ثابتٍ سبب النَّهي، وحديث ابن عمر التَّصريح بالنَّهي، وحديث أنسٍ وجابرٍ (٣) بيان الغاية التي ينتهي إليها النَّهي.
(٨٦) (بابُ بَيْعِ النَّخْلِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا) قال الحافظ ابن حجرٍ: هذه التَّرجمة معقودةٌ لحكم بيع الأصول، والتي قبلها لحكم بيع الثِّمار، وتعقَّبه العينيُّ فقال: هذا كلامٌ فاسدٌ غير صحيحٍ، بل كلٌّ من التَّرجمتين معقودٌ لبيع الثِّمار، أمَّا الأولى فهي قوله: باب بيع الثِّمار قبل أن يبدوَ صلاحُها، ولم يذكر فيه النَّخل ليشمل ثمار جميع الأشجار المثمرة، وههنا ذُكِرَ النَّخل والمراد: ثمرته، وليس المراد عين النَّخل لأنَّ بيع النَّخل لا يحتاج أن يقيَّد ببدوِّ الصَّلاح ولا بعدمه، ألا تراه قال في الحديث: «وعن النَّخل حتى تزهو»، والزَّهو صفة الثَّمرة، لا صفة عين النَّخل، والتَّقدير: وعن ثمر النَّخل، وأجاب الحافظ ابن حجر في «انتقاض الاعتراض»: بأنَّه قد فات العينيَّ أنَّه ينقسم إلى بيع النَّخل دون الثَّمرة، أو الثَّمرة دون النَّخل، أو هما معًا، ففي الأوَّل لا يتقيَّد بصلاح الثَّمرة دون الأخيرين.
стр. 4725
٢١٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَلِيُّ بْنُ الهَيْثَمِ) بفتح الهاء وبعد التحتيَّة السَّاكنة مثلَّثةٌ فميمٌ، البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعَلًّى) بضمِّ الميم وفتح العين المهملة وتشديد اللَّام المفتوحة، ولأبي ذرٍّ: «معلَّى بن منصور» الرازيُّ الحافظ، وهو من شيوخ البخاريِّ، وإنَّما يروي عنه في هذا «الجامع» بواسطةٍ، قال: (حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضمِّ الهاء وفتح المعجمة مُصَغَّرًا، ابن بشير الواسطيُّ قال: (أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ) بالمثلَّثة (حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَعَنِ النَّخْلِ) أي: عن ثمره (١) (حَتَّى يَزْهُوَ) وليس تكرارًا مع ما قبله لأنَّ المراد بالأوَّل غير (٢) ثمر النَّخل؛ بقرينة عطفه عليه، ولأنَّ الزَّهو مخصوصٌ بالرُّطب (قِيلَ: وَمَا) معنى (يَزْهُو؟) بالمثنَّاة التَّحتيَّة فيهما في الفرع (٣)، وفي بعض الأصول بالفوقيَّة (قَالَ: يَحْمَارُّ أَوْ يَصْفَارُّ) بألفٍ قبل الرَّاء (٤)، ولم يُسمَّ السَّائل ولا المسؤول في هذه الرِّواية، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- بعد خمسة أبوابٍ [خ¦٢٢٠٨] عن حميدٍ: فقلنا لأنسٍ: ما زهوها؟ قال: تحمرُّ، وفي رواية مسلمٍ من هذا الوجه: فقلت لأنس هذا.
(٨٧) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا بَاعَ) الشَّخص (الثِّمَارَ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، ثُمَّ أَصَابَتْهُ) أي: المبيع (عَاهَةٌ فَهُوَ مِنَ البَائِعِ) أي: من ضمانه، ومفهومه: القول بصحَّة البيع وإن لم يبدُ صلاحه لأنَّه إذا لم يفسد فالبيع صحيحٌ، وهو موافقٌ لقول الزُّهريِّ المذكور آخر الباب.
стр. 4726
٢١٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ) بالياء، من أزهى يُزهي، وصوَّبها الخطَّابيُّ، ونفى «تزهو» بالواو، وأثبت بعضهم ما نفاه فقال: زها إذا طال واكتمل، وأزهى إذا احمرَّ واصفرَّ (فَقِيلَ لَهُ: وَمَا تُزْهِي؟) زاد النَّسائيُّ والطَّحاويُّ: يا رسول الله، وهذا صريحٌ في الرَّفع، لكن رواه إسماعيل بن جعفر وغيره عن حميدٍ موقوفًا على أنسٍ كما سبق في الباب قبله (قَالَ) ﵊ أو أنسٌ: (حَتَّى تَحْمَرَّ) بتشديد الرَّاء بغير ألف (فَقَالَ: أَرَأَيْتَ) أي: أَخْبِرْني، وهو من باب الكناية، حيث استفهم وأراد الأمر، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فقال رسول الله ﷺ : أرأيت» (إِذَا مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ) بالمثلَّثة بأن تَلِفَتْ (بِمَ (١) يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟!) بحذف ألف «ما» الاستفهاميَّة عند دخول حرف الجرِّ؛ مثل قولهم: فيم؟ وعَلَامَ؟ وحَتَّامَ؟ ولمَّا كانت «ما» الاستفهاميَّة متضمِّنةً الهمزة ولها صدر الكلام فينبغي (٢) أن يُقدَّر: أبِمَ، والهمزة للإنكار، فالمعنى: لا ينبغي أن يأخذ أحدكم مال أخيه باطلًا؛ لأنَّه إذا تلفت الثَّمرة لا يبقى للمشتري في مقابلة ما دفعه شيءٌ، وفيه إجراء الحكم على الغالب؛ لأنَّ تطرُّق التَّلف إلى ما بدا صلاحه ممكنٌ، وعدم تطرُّقه إلى ما لم يبد صلاحه ممكنٌ، فأُنيط (٣) الحكم بالغالب في الحالين، واختلف في هذه الجملة هل هي مرفوعةٌ أو موقوفةٌ؟ فصرَّح مالكٌ بالرَّفع، وتابعه محمَّد بن عبَّادٍ عن الدَّراورديِّ عن حميدٍ، وقال الدَّارقُطنيُّ: خالف مالكًا (٤) جماعةٌ منهم ابن المبارك وهشيم ومروان بن معاوية ويزيد بن هارون، فقالوا فيه: قال أنس: أرأيت إن منع الله الثَّمرة؟ قال الحافظ ابن حجرٍ: وليس في جميع ما تقدَّم ما يمنع أن يكون التَّفسير مرفوعًا؛ لأنَّ مع الَّذي رفعه زيادةَ علمٍ على ما عند الَّذي وقفه، وليس في رواية الَّذي وقفه ما ينفي قول من رفعه، وقد روى مسلمٌ من طريق أبي الزُّبير عن جابرٍ ما يُقوِّي رواية الرَّفع من حديث أنسٍ، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : «لو بعت من أخيك ثمرًا فأصابته عاهةٌ فلا يحلُّ لك أن تأخذ منه شيئًا، بمَ تأخذ مال أخيك بغير حقٍّ؟!».
стр. 4727
٢١٩٩ - (قَالَ) ولأبي الوقت: «وقال» (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام، ممَّا وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات»: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ) أي: اشترى (ثَمَرًا) بالمثلَّثة (قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، ثُمَّ أَصَابَتْهُ عَاهَةٌ) آفةٌ (كَانَ مَا أَصَابَهُ عَلَى رَبِّهِ) أي: واقعًا على صاحبه الذي باعه محسوبًا عليه، قال الزهُّريُّ: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا تَتَبَايَعُوا) بإثبات التَّاءين (الثَّمَرَ) بالمثلَّثة وفتح الميم (حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا) فاستنبط الزُّهريُّ مقالته من عموم هذا النَّهي (وَلَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ) الرَّطب (بِالتَّمْرِ) (١) اليابس، وقد خُصَّ من عمومه العرايا، كما مرَّ.
(٨٨) (بابُ) حكم (شِرَاءِ الطَّعَامِ إِلَى أَجَلٍ).
٢٢٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا (٢) أَبِي) حفص بن غياث ابن طَلْق -بفتح الطَّاء وسكون اللَّام- القاضي قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران (قَالَ: ذَكَرْنَا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (الرَّهْنَ فِي السَّلَفِ) قال الكِرمانيُّ: أي: في السَّلَم، وقال في «اللَّامع»: وفيه نظرٌ، فالمراد أعمُّ من ذلك بدليل الحديث، فإنَّه ليس سَلَمًا (فَقَالَ) إبراهيم: (لَا بَأْسَ بِهِ) أي: بالرَّهن في السَّلَف (ثُمَّ حَدَّثَنَا) أي: إبراهيم (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد بن قيس النَّخعيِّ المخضرم (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولُ اللهِ) وفي الفرع (٣): «أنَّ النَّبيَّ» (¬ ﷺ اشْتَرَى
стр. 4728
طَعَامًا) عشرين صاعًا أو ثلاثين أو أربعين من شعيرٍ (مِنْ يَهُودِيٍّ) اسمه أبو الشَّحم (إِلَى أَجَلٍ، فَرَهَنَهُ) على ذلك (دِرْعَهُ) بكسر الدَّال المهملة وسكون الرَّاء، وهي ذات الفضول كما في «الجوهرة» للتِّلمسانيِّ.
وهذا الحديث قد سبق في «باب شراء النَّبيِّ ﷺ بالنَّسيئة» [خ¦٢٠٦٨] ويأتي (١) إن شاء الله تعالى في «البيوع» أيضًا [خ¦٢٠٩٦] وفي «الاستقراض» [خ¦٢٣٨٦] و «الجهاد» [خ¦٢٩١٦] و «الشَّركة» [خ¦٢٢٥١] [خ¦٢٢٥٢] و «المغازي» [خ¦٤٤٦٧] وفيه ثلاثةٌ من التابعين: الأعمش وإبراهيم والأسود، ورواية الرَّجل عن خاله؛ وهو إبراهيم عن الأسود.
(٨٩) هذا (بابٌ) بالتنوين (إِذَا أَرَادَ) الشخص (بَيْعَ تَمْرٍ بِتَمْرٍ) بالمثنَّاة الفوقيَّة (٢) فيهما، أي: يابسينِ (خَيْرٍ مِنْهُ) ماذا يصنع حتى يسلم من الرِّبا؟
٢٢٠١ - ٢٢٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيد بن جَميل -بفتح الجيم- الثَّقفيُّ البَغْلانيُّ، بفتح الموحَّدة وسكون المعجمة (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ عَبْدِ المَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بميمٍ مفتوحةٍ بعدها جيمٌ، وصحَّفها بعضهم: فقال عبد الحميد، بالحاء المهملة، وسُهَيْل: بضمِّ السِّين المهملة مُصَغَّرًا، ولأبي الوقت في نسخةٍ زيادة: «ابن عون» (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بفتح التَّحتيَّة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ) أمَّر (رَجُلًا) هو سوَاد بن غَزِيَّةَ، بمعجمتين بوزن عطيَّة، وتخفيف واو «سواد» كما سمَّاه أبو عَوانة والدَّارقُطنيُّ من طريق الدَّراورديِّ عن عبد المجيد (عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ
стр. 4729
جَنِيبٍ) بفتح الجيم وكسر النُّون وبعد التَّحتيَّة (١) السَّاكنة موحَّدةٌ بوزن عظيم: نوعٌ جيِّدٌ من أنواع التَّمر، وقيل: الصُّلب، وقيل غير ذلك (فَقَالَ) له (رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ قَالَ) الرَّجل: (لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا) أي: من الجنيب (بِالصَّاعَيْنِ) زاد سليمان بن بلال عن عبد المجيد عند (٢) المؤلِّف في «الاعتصام» [خ¦٧٣٥٠]: من الجَمْع -بفتح الجيم وسكون الميم- التَّمر الرَّديء (وَالصَّاعَيْنِ) (٣) من الجنيب (بِالثَّلَاثَةِ) من الجمع، و «الثَّلاثة»: بتاء التَّأنيث للقابسيِّ، وللأكثر: «بالثَّلاث»، وهما جائزان لأنَّ الصَّاع يُذَّكَر ويُؤَنَّث (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تَفْعَلْ، بِعِ الجَمْعَ) أي: التَّمر الرَّديء (بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ) اشترِ (بِالدَّرَاهِمِ) تمرًا (جَنِيبًا) ليكونا صفقتين فلا يدخله الرِّبا، وبه استدلَّ الشَّافعيَّة على جواز الحيلة في بيع الرِّبويِّ بجنسه متفاضلًا، كبيع ذهبٍ بذهبٍ متفاضلًا بأن يبيعه من صاحبه بدراهمَ أو عَرَضٍ، ويشتري منه بالدَّراهم أو بالعَرَض الذَّهب بعد التَّقابض، أو أن يُقْرض كلٌّ منهما صاحبه ويُبرئه، أو أن يتواهبا، أو يهب المالك فاضله (٤) لصاحبه بعد شرائه منه ما عداه بما يساويه، وكلُّ هذا جائزٌ إذا (٥) لم يشترط في بيعه وإقراضه وهبته ما يفعله الآخر، نعم هي مكروهة إذا نويا ذلك؛ لأنَّ كلَّ شرطٍ أفسد التَّصريحُ به العقدَ إذا نواه كُرِهَ، كما لو تزوَّجها بشرط أن يطلِّقها لم ينعقد، أو بقصد ذلك كُرِه، ثمَّ إنَّ هذه الطُّرق ليست حيلًا في بيع
стр. 4730
الرِّبويِّ بجنسه متفاضلًا لأنَّه حرامٌ، بل حيلٌ في تمليكه لتحصيل ذلك، ففي التَّعبير بذلك تسامحٌ، وقد زاد سليمان في روايته لهذا الحديث بعد قوله: «لا تفعل»: «ولكن مثلًا بمثل» أي: بِعِ المثل بالمثل، وزاد في آخره: «وكذلك الميزان» أي: في بيع ما يوزَن من المقتات بمثله، قال ابن عبد البرِّ: كلُّ مَنْ روى عن عبد المجيد هذا الحديث ذكر فيه «الميزان» سوى مالك، وهو أمرٌ مُجمَعٌ عليه، لا خلاف بين أهل العلم فيه، وقد أُجمِع على أنَّ التَّمر بالتَّمر لا يجوز بيع بعضه ببعضٍ إلَّا مثلًا بمثلٍ، وسواءٌ فيه الطَّيِّب والدُّون، وأنَّه كلَّه على اختلاف أنواعه واحدٌ، وأمَّا سكوت من سكت من الرُّواة عن فسخ البيع المذكور، فلا يدلُّ على عدم الوقوع، وقد ورد الفسخ من طريقٍ أخرى عند مسلمٍ بلفظ: فقال: «هذا الرِّبا، فردُّوه»، ويحتمل تعدُّد القصَّة وأنَّ الَّتي لم يقع فيها الرَّدُّ كانت قبل تحريم ربا الفضل. انتهى.
وقد احتجَّ بحديث الباب من أجاز بيع الطَّعام من رجلٍ نقدًا، و (١) يبتاع منه طعامًا قبل الافتراق وبعده لأنَّه ﷺ لم يخصَّ فيه بائع الطَّعام ولا مبتاعه من غيره، وهذا قول الشَّافعيِّ وأبي حنيفة، ومنعه المالكيَّة، وأجابوا عن الحديث: بأنَّ المطلق لا يشمل، ولكن يشيع، فإذا عُمِل به في صورةٍ فقد سقط الاحتجاج به (٢) فيما عداها بإجماعٍ من الأصوليين، وبأنَّه ﵊ لم يقل: وابتع ممَّن اشترى الجمع، بل خرج الكلام غير متعرِّضٍ لعين البائع من هو، فلا يدلُّ، والله أعلم.
وهذا الحديث أخرجه في «الوكالة» [خ¦٢٣٠٢] [خ¦٢٣٠٣] أيضًا و «المغازي» [خ¦٤٢٤٤] [خ¦٤٢٤٥] و «الاعتصام» [خ¦٧٣٥٠] [خ¦٧٣٥١]، ومسلمٌ في «البيوع» وكذا النَّسائيُّ.
(٩٠) (بابُ مَنْ) ولأبي ذرٍّ: «قَبْضِ مَنْ» (بَاعَ نَخْلًا) اسم جنسٍ يُذَكَّر ويُؤَنَّث، والجمع: نخيلٌ (قَدْ أُبِّرَتْ) بضمِّ الهمزة وتشديد الموحَّدة في الفرع، يُقال: أبَّرتُ الشَّيءَ أؤبِّرهُ تأبيرًا، كعلَّمته أُعلِّمه تعليمًا، وفي غيره: «أُبِرَت» بالتَّخفيف، يُقال: أبَرت النَّخل آبره أَبْرًا، بوزن أكلت الشَّيء آكله أكلًا، والجملة صفةٌ لقوله: نخلًا، والتَّأبير: التَّلقيح، وهو أن يُشَقَّ طلع الإناث، ويؤخَذَ