← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

٢١٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ) بالياء، من أزهى يُزهي، وصوَّبها الخطَّابيُّ، ونفى «تزهو» بالواو، وأثبت بعضهم ما نفاه فقال: زها إذا طال واكتمل، وأزهى إذا احمرَّ واصفرَّ (فَقِيلَ لَهُ: وَمَا تُزْهِي؟) زاد النَّسائيُّ والطَّحاويُّ: يا رسول الله، وهذا صريحٌ في الرَّفع، لكن رواه إسماعيل بن جعفر وغيره عن حميدٍ موقوفًا على أنسٍ كما سبق في الباب قبله (قَالَ) ﵊ أو أنسٌ: (حَتَّى تَحْمَرَّ) بتشديد الرَّاء بغير ألف (فَقَالَ: أَرَأَيْتَ) أي: أَخْبِرْني، وهو من باب الكناية، حيث استفهم وأراد الأمر، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فقال رسول الله ﷺ : أرأيت» (إِذَا مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ) بالمثلَّثة بأن تَلِفَتْ (بِمَ (١) يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟!) بحذف ألف «ما» الاستفهاميَّة عند دخول حرف الجرِّ؛ مثل قولهم: فيم؟ وعَلَامَ؟ وحَتَّامَ؟ ولمَّا كانت «ما» الاستفهاميَّة متضمِّنةً الهمزة ولها صدر الكلام فينبغي (٢) أن يُقدَّر: أبِمَ، والهمزة للإنكار، فالمعنى: لا ينبغي أن يأخذ أحدكم مال أخيه باطلًا؛ لأنَّه إذا تلفت الثَّمرة لا يبقى للمشتري في مقابلة ما دفعه شيءٌ، وفيه إجراء الحكم على الغالب؛ لأنَّ تطرُّق التَّلف إلى ما بدا صلاحه ممكنٌ، وعدم تطرُّقه إلى ما لم يبد صلاحه ممكنٌ، فأُنيط (٣) الحكم بالغالب في الحالين، واختلف في هذه الجملة هل هي مرفوعةٌ أو موقوفةٌ؟ فصرَّح مالكٌ بالرَّفع، وتابعه محمَّد بن عبَّادٍ عن الدَّراورديِّ عن حميدٍ، وقال الدَّارقُطنيُّ: خالف مالكًا (٤) جماعةٌ منهم ابن المبارك وهشيم ومروان بن معاوية ويزيد بن هارون، فقالوا فيه: قال أنس: أرأيت إن منع الله الثَّمرة؟ قال الحافظ ابن حجرٍ: وليس في جميع ما تقدَّم ما يمنع أن يكون التَّفسير مرفوعًا؛ لأنَّ مع الَّذي رفعه زيادةَ علمٍ على ما عند الَّذي وقفه، وليس في رواية الَّذي وقفه ما ينفي قول من رفعه، وقد روى مسلمٌ من طريق أبي الزُّبير عن جابرٍ ما يُقوِّي رواية الرَّفع من حديث أنسٍ، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : «لو بعت من أخيك ثمرًا فأصابته عاهةٌ فلا يحلُّ لك أن تأخذ منه شيئًا، بمَ تأخذ مال أخيك بغير حقٍّ؟!».

стр. 4727

٢١٩٩ - (قَالَ) ولأبي الوقت: «وقال» (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام، ممَّا وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات»: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ) أي: اشترى (ثَمَرًا) بالمثلَّثة (قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، ثُمَّ أَصَابَتْهُ عَاهَةٌ) آفةٌ (كَانَ مَا أَصَابَهُ عَلَى رَبِّهِ) أي: واقعًا على صاحبه الذي باعه محسوبًا عليه، قال الزهُّريُّ: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا تَتَبَايَعُوا) بإثبات التَّاءين (الثَّمَرَ) بالمثلَّثة وفتح الميم (حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا) فاستنبط الزُّهريُّ مقالته من عموم هذا النَّهي (وَلَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ) الرَّطب (بِالتَّمْرِ) (١) اليابس، وقد خُصَّ من عمومه العرايا، كما مرَّ. (٨٨) (بابُ) حكم (شِرَاءِ الطَّعَامِ إِلَى أَجَلٍ). ٢٢٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا (٢) أَبِي) حفص بن غياث ابن طَلْق -بفتح الطَّاء وسكون اللَّام- القاضي قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران (قَالَ: ذَكَرْنَا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (الرَّهْنَ فِي السَّلَفِ) قال الكِرمانيُّ: أي: في السَّلَم، وقال في «اللَّامع»: وفيه نظرٌ، فالمراد أعمُّ من ذلك بدليل الحديث، فإنَّه ليس سَلَمًا (فَقَالَ) إبراهيم: (لَا بَأْسَ بِهِ) أي: بالرَّهن في السَّلَف (ثُمَّ حَدَّثَنَا) أي: إبراهيم (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد بن قيس النَّخعيِّ المخضرم (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولُ اللهِ) وفي الفرع (٣): «أنَّ النَّبيَّ» (¬ ﷺ اشْتَرَى

стр. 4728

طَعَامًا) عشرين صاعًا أو ثلاثين أو أربعين من شعيرٍ (مِنْ يَهُودِيٍّ) اسمه أبو الشَّحم (إِلَى أَجَلٍ، فَرَهَنَهُ) على ذلك (دِرْعَهُ) بكسر الدَّال المهملة وسكون الرَّاء، وهي ذات الفضول كما في «الجوهرة» للتِّلمسانيِّ. وهذا الحديث قد سبق في «باب شراء النَّبيِّ ﷺ بالنَّسيئة» [خ¦٢٠٦٨] ويأتي (١) إن شاء الله تعالى في «البيوع» أيضًا [خ¦٢٠٩٦] وفي «الاستقراض» [خ¦٢٣٨٦] و «الجهاد» [خ¦٢٩١٦] و «الشَّركة» [خ¦٢٢٥١] [خ¦٢٢٥٢] و «المغازي» [خ¦٤٤٦٧] وفيه ثلاثةٌ من التابعين: الأعمش وإبراهيم والأسود، ورواية الرَّجل عن خاله؛ وهو إبراهيم عن الأسود. (٨٩) هذا (بابٌ) بالتنوين (إِذَا أَرَادَ) الشخص (بَيْعَ تَمْرٍ بِتَمْرٍ) بالمثنَّاة الفوقيَّة (٢) فيهما، أي: يابسينِ (خَيْرٍ مِنْهُ) ماذا يصنع حتى يسلم من الرِّبا؟ ٢٢٠١ - ٢٢٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيد بن جَميل -بفتح الجيم- الثَّقفيُّ البَغْلانيُّ، بفتح الموحَّدة وسكون المعجمة (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ عَبْدِ المَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بميمٍ مفتوحةٍ بعدها جيمٌ، وصحَّفها بعضهم: فقال عبد الحميد، بالحاء المهملة، وسُهَيْل: بضمِّ السِّين المهملة مُصَغَّرًا، ولأبي الوقت في نسخةٍ زيادة: «ابن عون» (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بفتح التَّحتيَّة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ) أمَّر (رَجُلًا) هو سوَاد بن غَزِيَّةَ، بمعجمتين بوزن عطيَّة، وتخفيف واو «سواد» كما سمَّاه أبو عَوانة والدَّارقُطنيُّ من طريق الدَّراورديِّ عن عبد المجيد (عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ

стр. 4729

جَنِيبٍ) بفتح الجيم وكسر النُّون وبعد التَّحتيَّة (١) السَّاكنة موحَّدةٌ بوزن عظيم: نوعٌ جيِّدٌ من أنواع التَّمر، وقيل: الصُّلب، وقيل غير ذلك (فَقَالَ) له (رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ قَالَ) الرَّجل: (لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا) أي: من الجنيب (بِالصَّاعَيْنِ) زاد سليمان بن بلال عن عبد المجيد عند (٢) المؤلِّف في «الاعتصام» [خ¦٧٣٥٠]: من الجَمْع -بفتح الجيم وسكون الميم- التَّمر الرَّديء (وَالصَّاعَيْنِ) (٣) من الجنيب (بِالثَّلَاثَةِ) من الجمع، و «الثَّلاثة»: بتاء التَّأنيث للقابسيِّ، وللأكثر: «بالثَّلاث»، وهما جائزان لأنَّ الصَّاع يُذَّكَر ويُؤَنَّث (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تَفْعَلْ، بِعِ الجَمْعَ) أي: التَّمر الرَّديء (بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ) اشترِ (بِالدَّرَاهِمِ) تمرًا (جَنِيبًا) ليكونا صفقتين فلا يدخله الرِّبا، وبه استدلَّ الشَّافعيَّة على جواز الحيلة في بيع الرِّبويِّ بجنسه متفاضلًا، كبيع ذهبٍ بذهبٍ متفاضلًا بأن يبيعه من صاحبه بدراهمَ أو عَرَضٍ، ويشتري منه بالدَّراهم أو بالعَرَض الذَّهب بعد التَّقابض، أو أن يُقْرض كلٌّ منهما صاحبه ويُبرئه، أو أن يتواهبا، أو يهب المالك فاضله (٤) لصاحبه بعد شرائه منه ما عداه بما يساويه، وكلُّ هذا جائزٌ إذا (٥) لم يشترط في بيعه وإقراضه وهبته ما يفعله الآخر، نعم هي مكروهة إذا نويا ذلك؛ لأنَّ كلَّ شرطٍ أفسد التَّصريحُ به العقدَ إذا نواه كُرِهَ، كما لو تزوَّجها بشرط أن يطلِّقها لم ينعقد، أو بقصد ذلك كُرِه، ثمَّ إنَّ هذه الطُّرق ليست حيلًا في بيع

стр. 4730

الرِّبويِّ بجنسه متفاضلًا لأنَّه حرامٌ، بل حيلٌ في تمليكه لتحصيل ذلك، ففي التَّعبير بذلك تسامحٌ، وقد زاد سليمان في روايته لهذا الحديث بعد قوله: «لا تفعل»: «ولكن مثلًا بمثل» أي: بِعِ المثل بالمثل، وزاد في آخره: «وكذلك الميزان» أي: في بيع ما يوزَن من المقتات بمثله، قال ابن عبد البرِّ: كلُّ مَنْ روى عن عبد المجيد هذا الحديث ذكر فيه «الميزان» سوى مالك، وهو أمرٌ مُجمَعٌ عليه، لا خلاف بين أهل العلم فيه، وقد أُجمِع على أنَّ التَّمر بالتَّمر لا يجوز بيع بعضه ببعضٍ إلَّا مثلًا بمثلٍ، وسواءٌ فيه الطَّيِّب والدُّون، وأنَّه كلَّه على اختلاف أنواعه واحدٌ، وأمَّا سكوت من سكت من الرُّواة عن فسخ البيع المذكور، فلا يدلُّ على عدم الوقوع، وقد ورد الفسخ من طريقٍ أخرى عند مسلمٍ بلفظ: فقال: «هذا الرِّبا، فردُّوه»، ويحتمل تعدُّد القصَّة وأنَّ الَّتي لم يقع فيها الرَّدُّ كانت قبل تحريم ربا الفضل. انتهى. وقد احتجَّ بحديث الباب من أجاز بيع الطَّعام من رجلٍ نقدًا، و (١) يبتاع منه طعامًا قبل الافتراق وبعده لأنَّه ﷺ لم يخصَّ فيه بائع الطَّعام ولا مبتاعه من غيره، وهذا قول الشَّافعيِّ وأبي حنيفة، ومنعه المالكيَّة، وأجابوا عن الحديث: بأنَّ المطلق لا يشمل، ولكن يشيع، فإذا عُمِل به في صورةٍ فقد سقط الاحتجاج به (٢) فيما عداها بإجماعٍ من الأصوليين، وبأنَّه ﵊ لم يقل: وابتع ممَّن اشترى الجمع، بل خرج الكلام غير متعرِّضٍ لعين البائع من هو، فلا يدلُّ، والله أعلم. وهذا الحديث أخرجه في «الوكالة» [خ¦٢٣٠٢] [خ¦٢٣٠٣] أيضًا و «المغازي» [خ¦٤٢٤٤] [خ¦٤٢٤٥] و «الاعتصام» [خ¦٧٣٥٠] [خ¦٧٣٥١]، ومسلمٌ في «البيوع» وكذا النَّسائيُّ. (٩٠) (بابُ مَنْ) ولأبي ذرٍّ: «قَبْضِ مَنْ» (بَاعَ نَخْلًا) اسم جنسٍ يُذَكَّر ويُؤَنَّث، والجمع: نخيلٌ (قَدْ أُبِّرَتْ) بضمِّ الهمزة وتشديد الموحَّدة في الفرع، يُقال: أبَّرتُ الشَّيءَ أؤبِّرهُ تأبيرًا، كعلَّمته أُعلِّمه تعليمًا، وفي غيره: «أُبِرَت» بالتَّخفيف، يُقال: أبَرت النَّخل آبره أَبْرًا، بوزن أكلت الشَّيء آكله أكلًا، والجملة صفةٌ لقوله: نخلًا، والتَّأبير: التَّلقيح، وهو أن يُشَقَّ طلع الإناث، ويؤخَذَ

стр. 4731

من طلع الفحول فيُذرَّ فيه؛ ليكون ذلك بإذن الله أجود ممَّا لم يؤبَّر، وألحق بالنَّخل سائر الثِّمار -وبتأبير كلِّها تأبير بعضها بتبعيَّة غير المؤبَّر للمؤبَّر- لِما في تتبُّع ذلك من العسر، والعادة الاكتفاء بتأبير البعض، والباقي يتشقَّق (١) بنفسه، وينبثُّ ريح الذُّكور إليه، وقد لا يؤبَّر شيءٌ ويتشقَّق الكلُّ، والحكم فيه كالمؤبَّر اعتبارًا بظهور المقصود، وطلع الذُّكور يتشقَّق بنفسه، ولا يُشقَّق غالبًا (أَوْ) باع (أَرْضًا مَزْرُوعَةً) زرعًا يُؤخَذ مرَّةً واحدةً كالبُرِّ والشَّعير (أَوْ) أُخِذ (بِإِجَارَةٍ) فثمرتها للبائع وإن قال بحقوقها؛ لأنَّه ليس للدَّوام، فأشبه منقولات (٢) الدَّار. ٢٢٠٣ - (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (وَقَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ) أي: على سبيل المذاكرة: (أَخْبَرَنَا (٣) هِشَامٌ) قال المِزِّيُّ: إبراهيم: هو ابن المنذر، وهشامٌ: هو ابن سليمان المخزوميُّ، قال: لأنَّ ابن المنذر لم يسمع من هشام بن يوسف، وقال الحافظ ابن حَجَرٍ في «المقدِّمة»: ويحتمل أن يكون إبراهيم هو ابنَ موسى الرَّازيَّ، وهشامٌ هو ابنَ يوسفَ الصَّنعانيَّ، وجزم به في «الشَّرح»، وقال البرماويُّ كالكِرمانيِّ وغيره: هو إبراهيم بن موسى الفرَّاء الرَّازيُّ الصَّغير، وهشامٌ هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضمِّ الميم وفتح اللَّام، هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة بن عبد الله بن جدعان، ويقال: اسم أبي مليكة: زهيرٌ التَّيميُّ (٤) المدنيُّ (يُخْبِرُ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ) بفتح الهمزة، وسقط لفظ «أنَّ» لأبي ذرٍّ، وزاد الأَصيليُّ بعد قوله: «مولى ابن عمر»: «أنَّه قال»: (أَيُّمَا نَخْلٍ بِيعَتْ) بكسر الموحَّدة من غير ألفٍ مبنيًّا للمفعول، حال كونها (قَدْ أُبِِّرَتْ) بتشديد الموحَّدة، وتُخفَّف كما مرَّ، مبنيًّا للمفعول، والجملة التي قبلها صفةٌ (لَمْ يُذْكَرِ الثَّمَرُ) بضمِّ التَّحتيَّة مبنيًّا للمفعول أيضًا، والثَّمر: رفع نائبٌ عن الفاعل، والجملة حاليَّةٌ أيضًا، أي: والحال أنَّهم لم يتعرَّضوا للثَّمر بأن أطلقوا إذ لو

стр. 4732

اشترطوه للمشتري كان له لا للبائع، وقوله: «أيُّما» للشَّرط، نحو: ﴿أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] أي: أيُّ نخلٍ من النَّخيل بِيعت فلذلك دخلت الفاء في جوابها في قوله: (فَالثَّمَرُ لِلَّذِي أَبَّرَهَا) لا للمشتري، وذِكْرُ النَّخل ليس بقيدٍ، وإنَّما ذُكِرَ لأنَّ سبب ورود الحديث كان في النَّخل، وفي معناه كلُّ ثمرٍ بارزٍ كالعنب والتُّفاح إذا بيع أصله (١) لم تدخل الثَّمرة إلَّا إن اشتُرطت. وهذا الحديث رواه ابن جريجٍ (٢) عن نافعٍ موقوفًا، لكن قال البيهقيُّ: ونافعٌ يروي حديث النَّخل عن ابن عمر عن النَّبيِّ ﷺ . (وَكَذَلِكَ العَبْدُ) إذا بِيْعَ وله مالٌ على مذهب من يقول: إنَّه يملك فمالُه للبائع إلَّا أن يشترطه المبتاع، أو إذا بيعت الأمة الحامل ولها ولدٌ رقيقٌ منفصلٌ فهو للبائع، وإن كان جنينًا لم يظهر بعدُ فهو للمشتري، وهذا هو المناسب لِمَا (٣) في الحديث من الثَّمرة، وهذا (٤) أيضًا موقوف على نافعٍ، وقال البيهقيُّ: وحديث العبد يرويه نافعٌ عن ابن عمر عن عمر (٥) موقوفًا (وَ) كذلك (الحَرْثُ) بسكون الرَّاء آخره مثلَّثةٌ، أي: الزَّرع، فإنَّه للبائع إذا باع الأرض المزروعة (سَمَّى لَهُ) أي: لابن جريجٍ (نَافِعٌ هَؤُلَاءِ (٦) الثَّلَاثَةَ) الثَّمر، والعبد، والحرث، وذلك موقوفٌ على نافعٍ كما ترى. ٢٢٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ) بضمِّ الهمزة وتشديد الموحَّدة (فَثَمَرُهَا (٧) لِلْبَائِعِ) لا للمشتري، وتُترَك في النَّخل إلى الجداد (٨)، وعلى البائع السَّقي

стр. 4733

لحاجة الثَّمرة؛ لأنَّها ملكه، ويُجبر عليه، ويمكَّن من الدُّخول للبستان لسقي ثمارها وتعهُّدها إن كان أمينًا، وإلَّا نصب الحاكم أمينًا للسَّقي، ومؤونته على البائع، وتُسقى بالماء المعدِّ لسقي تلك الأشجار وإن كان للمشتري فيه حقٌّ؛ كما نقله في «المطلب» عن ظاهر كلام الأصحاب، وقد جعل ﷺ الثَّمر -ما دام مستكنًّا في الطَّلع- كالولد في بطن الحامل إذا بيعت كان الحمل تابعًا لها، فإذا ظهر تميَّز حكمه، ومعنى ذلك: أنَّ كلَّ ثمرٍ بارزٍ يُرى في شجره إذا بيعت أصول الشَّجر لم تدخل هذه الثِّمار في البيع (إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ) أي: المشتري أنَّ الثَّمرة تكون له، ويوافقه البائع على ذلك فتكون للمشتري، فإن قلت: اللَّفظ مُطلَقٌ، فمن أين يُفهم أنَّ المشتري اشترط الثَّمرة لنفسه؟ أُجيب: بأنَّ تحقيق الاستثناء يبيِّن المراد، وبأنَّ لفظ الافتعال يدلُّ أيضًا عليه، يُقال: كسب لعياله، واكتسب لنفسه، واستُدلَّ بهذا الإطلاق على أنَّه يصحُّ اشتراط بعض الثَّمرة كما يصحُّ اشتراط كلِّها، وكأنَّه قال: إلَّا أن يشترط المبتاع شيئًا من (١) ذلك، وهذه هي النُّكتة في حذف المفعول، وقال ابن القاسم: لا يجوز له شرط بعضها، ومفهوم الحديث: أنَّها إذا لم تُؤبَّر تكون (٢) الثَّمرة للمشتري؛ إلَّا أن يشترطها البائع، وكونها في الأوَّل للبائع صادقٌ بأن يشترط له أو يسكت عن ذلك، وكونها في الثَّاني للمشتري صادقٌ بذلك، وقال أبو حنيفة ﵀: سواء أُبِّرت أم لم تُؤبَّر هي للبائع، وللمشتري أن يطالبه بقلعها (٣) عن النَّخل في الحال، ولا يلزمه أن يصبر إلى الجداد (٤)، فإذا (٥) اشترط البائع في البيع ترك الثَّمرة إلى الجداد فالبيع فاسدٌ؛ لأنَّه شرطٌ لا يقتضيه العقد، قال أبو حنيفة (٦): وتعليق الحكم بالإبار إمَّا للتَّنبيه به على ما لم يُؤبَّر أو لغير ذلك، ولم يقصد به نفي الحكم عمَّا سوى الحكم (٧) المذكور، ولو اشترط المشتري الثَّمرة فهي له، وقال مالكٌ: لا يجوز شرطها للبائع، والحاصل: أنَّ مالكًا والشَّافعيَّ استعملا الحديث لفظًا ودليلًا،

стр. 4734

وأبا (١) حنيفة استعمله لفظًا ومعقولًا، لكنَّ الشافعيَّ يستعمل دلالته من غير تخصيصٍ، ويستعملها مالكٌ مخصَّصةً، وبيان ذلك: أنَّ أبا حنيفة جعل (٢) الثَّمرة للبائع في الحالين، وكأنَّه رأى أنَّ ذكر الإبار تنبيهٌ على ما قبل الإبار، وهذا المعنى يسمَّى في الأصول معقول الخطاب، واستعمله مالكٌ والشافعيُّ على أنَّ المسكوت عنه حكمه حكم المنطوق، وهذا يسمِّيه أهل الأصول دليل الخطاب، قاله صاحب «عمدة القاري»، ودلالة الحديث على القبض المذكور في التَّرجمة عن أبي ذرٍّ من حيث إنَّ قبض المشتري للنَّخل (٣) صحيحٌ وإن كان ثمر البائع عليه، ومعناه: أنَّ للبائع أن يقبض ثمر النَّخل إذا كان مؤبَّرًا. وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في «الشُّروط» [خ¦٢٧١٦]، وكذا مسلمٌ وأبو داود، وأخرجه النَّسائيُّ في «الشُّروط»، وابن ماجه في «التِّجارات». (٩١) (بابُ) حكم (بَيْعِ الزَّرْعِ بِالطَّعَامِ كَيْلًا) بالنَّصب (٤) على التَّمييز، أي: من حيث الكيل. ٢٢٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ (٥) ﷺ عَنِ المُزَابَنَةِ) والمزابنة (٦) (أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ) بالمثلَّثة وفتح الميم: رُطَبَ بستانه (إِنْ كَانَ) الحائط (نَخْلًا بِتَمْرٍ) بالمثنَّاة: يابسٍ (كَيْلًا) وقوله: «أن يبيع» (٧) بدلٌ من «المزابنة»، والشُّروط تفصيلٌ له (وَإِنْ كَانَ) البستان (كَرْمًا) أي:

стр. 4735

عنبًا، نهى (أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلًا، أَوْ كَانَ) ولأبي ذرٍّ: «وإن (١) كان» (زَرْعًا) كحنطةٍ، نهى (أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ) بالخفض على الإضافة؛ لأنَّه بيع مجهولٍ بمعلومٍ، وفي نسخةٍ: «بكيلٍ طعامًا» بالنَّصب (٢)، وهذا يسمَّى بالمحاقلة، وأُطلِق عليه المزابنة تغليبًا أو تشبيهًا (وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ) المذكور (كُلِّهِ) وموضع التَّرجمة من الحديث قوله: «أو كان زرعًا … » إلى آخره، وأمَّا بيع رَطْب ذلك بيابسه بعد القطع وإمكان المماثلة فالجمهور لا يجيزون بيع شيءٍ من ذلك بجنسه، لا متفاضلًا ولا متماثلًا، خلافًا لأبي حنيفة ﵀. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «البيوع»، وابن ماجه في «التِّجارات». (٩٢) (بابُ) حكم (بَيْعِ) ثمر (النَّخْلِ بِأَصْلِهِ) أي: بأصل النَّخل. ٢٢٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيّ، أبو رجاءٍ البَغْلانيُّ؛ بفتح الموحَّدة وسكون المعجمة، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَيُّمَا امْرِئٍ) بكسر الرَّاء (أَبَّرَ نَخْلًا) بتشديد الموحَّدة في الفرع، وفي غيره: «أَبَر» بتخفيفها، أي: شَقَّق طلعه، وكذا لو تشقَّق بنفسه (ثُمَّ بَاعَ أَصْلَهَا) أي: أصل النَّخل، وليس المراد أرضها،

стр. 4736

فالإضافة بيانيَّة، والنَّخل قد يؤنَّث، قال تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ [ق: ١٠] فلذا (١) أُنِّثَ الضَّمير (فَلِلَّذِي أَبَّرَ) وهو البائع (ثَمَرُ النَّخْلِ) فلا يدخل في البيع، بل هو مستمرٌّ (٢) على ملك البائع (إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ) أي: الثَّمَرَ (المُبتَاعُ) المشتري لنفسه، ولأبي ذرٍّ: «إلَّا أن يشترط» بإسقاط الضَّمير، وموضع التَّرجمة قوله: «ثمَّ باع أصلها». وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ وابن ماجه. (٩٣) (بابُ) حكم (بَيْعِ المُخَاضَرَةِ) بالخاء والضَّاد المعجَمتين بينهما ألفٌ، مفاعلةٌ من الخضرة؛ لأنَّهما تبايعا شيئًا أخضرَ، وهو بيع الثِّمار والحبوب خضراءَ لم يبدُ صلاحها. ٢٢٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ وَهْبٍ) بفتح الواو، العلَّاف الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ) بن القاسم الحنفيُّ اليمانيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) يونسُ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (إِسْحَاقُ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ) هو إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، واسمه: زيد بن سهلٍ (الأَنْصَارِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أَنَّهُ (٣) (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ المُحَاقَلَةِ) بضمِّ الميم وفتح الحاء المهملة وبعد الألف قافٌ، من الحَقْل، جمع حَقْلة؛ وهي السَّاحة الطَّيِّبة التي لا بناءَ فيها ولا شجر، وهي بيع الحنطة في سنبلها بكيلٍ معلومٍ من الحنطة الخالصة، والمعنى فيه: عدم العلم بالمماثلة، وأنَّ المقصود من المبيع مستورٌ بما ليس من صلاحه (وَ) نهى ﵊ أيضًا عن (المُخَاضَرَةِ) بالخاء والضَّاد

стр. 4737

المعجمتين (١)، فلا يجوز (٢) بيع زرعٍ لم يشتدَّ حبُّه، ولا بَيْعُ بُقُولٍ وإن كانت تُجَذُّ (٣) مرارًا إلَّا بشرط القطع أو القلع أو مع الأرض؛ كالثَّمر مع الشَّجر، فإن اشتدَّ حَبُّ الزَّرع لم يشترط القطع ولا القلع؛ كالثمر بعد بدوِّ صلاحه، قال الزَّركشيُّ: وقياس ما مرَّ من الاكتفاء في التَّأبير بطلعٍ واحدٍ وفي بدوِّ الصَّلاح بحبَّةٍ واحدةٍ الاكتفاء هنا باشتداد سنبلةٍ واحدةٍ، وكلُّ ذلك مُشكِلٌ. انتهى. وكذا لا يصحُّ بيع الجزر والفجل والثُّوم والبصل في الأرض لاستتار مقصودها، ويجوز بيع ورقها الظَّاهر بشرط القطع كالبُقُول (وَ) نهى عن (المُلَامَسَةِ) بأن يلمس ثوبًا مطويًّا في ظلمةٍ ثمَّ يشتريه على أن لا خيار له إذا رآه، أو يقول: إذا لمستَه فقد بعتكه (وَالمُنَابَذَةِ) بالمعجمة: بأن يجعلا النَّبذ بيعًا (٤) (وَالمُزَابَنَةِ) بيع التَّمر (٥) اليابس بالرَّطب كيلًا، وبيع الزَّبيب بالعنب كيلًا. وهذا الحديث من أفراده. ٢٢٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) أي (٦): ابن أبي كثيرٍ، أبو إبراهيم الأنصاريُّ المدنيُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ ثَمَرِ التَّمْرِ) بالمثلَّثة وفتح الميم في الأولى، والمثنَّاة والسُّكون في الثَّانية، مع الإضافة، كذا في الفرع، لكنَّه ضبَّب على الأولى، قال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: والإضافة مجازيَّةٌ. انتهى. والظَّاهر أنَّه يريد بها إخراج غير ثمر النَّخل؛ لأنَّ الثَّمر هو حمل الشَّجر، والشَّجر من النَّبات: ما قام على ساقٍ، أو ما سما (٧) بنفسه، دقَّ أو جلَّ، قاوم الشِّتاء أو عجز عنه، قاله في «القاموس»،

стр. 4738

فيدخل فيه شجر البلح وغيره، فبيَّن أنَّ المراد: ثمر النَّخل الرَّطب الذي سيصير تمرًا، وفي بعض الأصول: «عن بيع الثَّمَر» بالمثلَّثة من غير إضافةٍ (حَتَّى يَزْهُوَ) بالواو، من زها النَّخل يزهو إذا ظهرت ثمرته، قال حميدٌ: (فَقُلْنَا) وفي روايةٍ: «قيل» (لأَنَسٍ: مَا زَهْوُهَا؟ قَالَ: تَحْمَرُّ وَتَصْفَرُّ) بتشديد الرَّاء فيهما من غير ألفٍ، قال أنسٌ: (أَرَأَيْتَ) أي: أَخْبِرني (إِنْ) بكسر الهمزة (مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ) بالمثلَّثة وفتح الميم والتَّأنيث، يعني: لم تخرج، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «الثَّمر» بالتَّذكير (بِمَ (١) تَسْتَحِلُّ) إذا تلف الثَّمر (مَالَ أَخِيكَ؟!) هو بمعنى الإنكار، وإنَّما اختصَّ ذلك بما قبل الزَّهو مع إمكان تلفه بعده؛ لأنَّ ذلك أكثر وأغلب وأسرع كما مرَّ، والظَّاهر أنَّ التَّفسير موقوفٌ على أنسٍ، ورواه معتمر بن سليمان وبشر بن المفضل عن حميدٍ قال (٢) فيه: أفرأيت (٣) … إلى آخره، قال: فلا أدري أنسٌ قال: بِمَ (٤) تستحلُّ؟! أو حدَّث به عن النَّبيِّ ﷺ ؟ أخرجه الخطيب في «المدرج»، وقد سبق مزيدٌ لذلك في «باب إذا باع الثِّمار (٥) قبل أن يبدو صلاحها ثمَّ أصابته عاهةٌ فهو من البائع» [خ¦٢١٩٨]. (٩٤) (بابُ) حكم (بَيْعِ الجُمَّارِ) بضمِّ الجيم وتشديد الميم: قلب النَّخل (٦) (وَ) حكم (أَكْلِهِ). ٢٢٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ) الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بموحَّدةٍ مكسورةٍ فمعجمةٍ ساكنةٍ آخره راءٌ، جعفر

стр. 4739

بن أبي وحشيَّة، واسمه: إياسٌ البصريُّ (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ الإمام المشهور (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ يَأْكُلُ جُمَّارًا) جملةٌ حاليةٌ (فَقَالَ) ﵊: (مِنَ الشَّجَرِ) من جنسه (شَجَرَةٌ كَالرَّجُلِ المُؤْمِنِ) في الصِّفة الحسنة، زاد في «كتاب العلم» [خ¦٦١] من طريق عبد الله بن دينارٍ عن ابن عمر: «فحدِّثوني (١) ما هي؟» فوقع النَّاس في شجر البوادي، قال عبد الله: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ) وسقط لأبوي ذرٍّ والوقت لفظ «هي»، فـ «النَّخلة» نصبٌ على المفعوليَّة أو رفعٌ بتقدير السَّاقط (فَإِذَا أَنَا أَحْدَثُهُمْ) زاد في «باب الفهم في (٢) العلم» [خ¦٧٢]: فسكتُّ، أي: تعظيمًا للأكابر، وفي «الأطعمة» [خ¦٥٤٤٤]: فإذا أنا عاشرُ عَشَرةٍ أنا أحدثهم، أي: أصغرهم سنًّا، و «إذا» للمفاجأة (قَالَ) ﵊: (هِيَ النَّخْلَةُ) وليس في الحديث ذكر بيع الجمَّار المترجَم به، لكنَّ الأكل منه يقتضي جواز بيعه، قاله ابن المُنيِّر. والحديث قد سبق في «كتاب العلم» [خ¦٦١]. (٩٥) (بابُ مَنْ أَجْرَى أَمْرَ) أهل (الأَمْصَارِ عَلَى مَا يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ فِي البُيُوعِ، وَالإِجَارَةِ، وَالمِكْيَالِ، وَالوَزْنِ، وَسُنَنِهِمْ) بضمِّ المهملة وفتح النُّون الأولى مخفَّفةً (عَلَى) حسب (نِيَّاتِهِمْ) مقاصدهم (وَمَذَاهِبِهِمِ) طرائقهم (المَشْهُورَةِ) فيما لم يأتِ فيه (٣) نصٌّ من الشَّارع، فلو وكَّل رجلٌ آخر في بيع شيءٍ، فباعه بغير النَّقد الذي هو عُرْف النَّاس، أو باع موزونًا أو مكيلًا بغير

стр. 4740

الكيل أو الوزن المعتاد لم يجز، وقد قال القاضي حسينٌ: إنَّ الرُّجوع إلى العُرْف أحد القواعد الخمس التي ينبني عليها الفقه. (وَقَالَ شُرَيْحٌ) بضمِّ الشِّين المعجَمة آخره حاءٌ مهملةٌ، ابن الحارث الكنديُّ القاضي، ممَّا وصله سعيد بن منصور (لِلْغَزَّالِينَ) بالغين المعجمة والزَّاي المشدَّدة: البيَّاعين للمغزولات، لَمَّا اختصموا إليه في شيءٍ كان بينهم، فقالوا: إنَّ سنَّتنا بيننا كذا وكذا، فقال: (سُنَّتُكُمْ) عادتكم (بَيْنَكُمْ) أي: جائزةٌ في معاملتكم، مبتدأٌ وخبرٌ، ويجوز النَّصب بتقدير: الزموا، ووقع في بعض النُّسخ هنا زيادةٌ في غير رواية أبي ذرٍّ: «رِبْحًا» بكسر الرَّاء وسكون الموحَّدة وبحاءٍ مهملةٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ وغيره: وهي زيادةٌ لا معنى لها هنا، وإنَّما محلُّها آخر الأثر الذي بعده (١) (وَقَالَ عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثَّقفيُّ، ممَّا وصله ابن أبي شيبة عنه (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين: (لَا بَأْسَ) أن تُباع (العَشَرَةُ بِأَحَدَ عَشَرَ) ويجوز نصب «عشرة» بتقدير: بِعْ، وظاهره: أنَّ ربح العشرة أحد عشر (٢)، فتكون الجملة أحدًا وعشرين، لكنَّ العرف فيه أنَّ للعشرة دنانير مثلًا (٣) دينارًا واحدًا، فيُقضى بالعُرْف على ظاهر اللَّفظ، وإذا ثبت الاعتماد على العُرْف مع مخالفته للظَّاهر فلا اعتماد عليه مطلقًا، قال ابن بطَّالٍ: أصل هذا الباب بيع الصُّبرة (٤) كلُّ قفيزٍ بدرهمٍ من غير أن يُعلَم مقدار الصُّبرة، أي: بأن يقول: بعتك هذه الصُّبرة كلَّ قفيزٍ بدرهمٍ (٥)، فيصحُّ البيع عند الشَّافعيَّة والمالكيَّة والحنابلة وأبي يوسف ومحمَّدٍ في الكلِّ؛ لأنَّ البيع (٦) معلومٌ بالإشارة إلى المشار إليه فلا يضرُّ الجهل، وقال أبو حنيفة: يصحُّ في واحدٍ فقط، ولو قال: اشتريت بمئةٍ وقد بعتك بمئتين وربح درهمٍ لكلِّ

стр. 4741

عشرةٍ جاز، وكأنَّه قال: بعتكه بمئتين وعشرين، ويسمَّى: بيع المرابحة (وَيَأْخُذُ) البائع (لِلنَّفَقَةِ) أي: لأجل النفقة على المبيع (رِبْحًا) فإن قال: بعت بما قام عليَّ، دَخَلَ فيه مع الثَّمن أجرةُ الكيَّال والحمَّال والدَّلَّال والقصَّار وسائر مؤن الاسترباح، كأجرة الحارس والصَّبَّاغ وقيمة الصَّبغ حتَّى المكس، وقال مالك: لا يأخذ إلَّا فيما له تأثيرٌ في السِّلعة كالصَّبغ والخياطة، وأمَّا أجرة الدَّلَّال والشَّدِّ والطَّيِّ فلا، لكن (١) إن أربحه المشتري على ما لا تأثير له جاز إذا رضي بذلك، ومناسبة هذا الأثر للتَّرجمة: الإشارة إلى أنَّه إذا كان في عُرْف البلد (٢) أنَّ المُشتَرى بعشرة دراهم يُباع بأحَدَ عَشَر، فباعه المشتري على ذلك العرف لم يكن به بأسٌ. (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) فيما وصله في الباب (لِهِنْدٍ) هي بنت عتبة زوج أبي سفيان والد معاوية: (خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ) وهو عادة النَّاس (وَقَالَ) الله (تَعَالَى: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]) أباح الله تعالى للوصيِّ الفقير أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف ما يسدُّ به جوعته، ويكتسي ما يستر (٣) عورته (وَاكْتَرَى الحَسَنُ) البصريُّ فيما (٤) وصله سعيد بن منصورٍ (مِنْ (٥) عَبْدِ اللهِ بْنِ مِرْدَاسٍ) بكسر الميم (حِمَارًا، فَقَالَ) له: (بِكَمْ؟ قَالَ) ابن مِرْدَاسٍ: (بِدَانَِقَيْنِ) بفتح النُّون والقاف: تثنية دانَِق -بكسر النُّون وفتحها- وصُحِّح في الفرع على الفتح (٦)، وهو سدس الدِّرهم، فرضي الحسن بالدَّانَقَيْن، ثمَّ أخذ الحمار (فَرَكِبَهُ، ثُمَّ جَاءَ مَرَّةً أُخْرَى) إلى ابن مِرْداسٍ (فَقَالَ) له: (الحِمَارَُ الحِمَارَُ) كرَّره مرَّتين، منصوبٌ بتقدير: أحضر الحمار أو اطلبه، ويجوز الرفع، أي: الحمارُ مطلوبٌ (فَرَكِبَهُ وَلَمْ يُشَارِطْهُ) على الأجرة اعتمادًا على العادة السَّابقة، فاستغنى بالعرف المعهود بينهما (فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ) فزاد على الدَّانَقَيْن دَانَِقًا آخر فضلًا وكَرَمًا.

стр. 4742

٢٢١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: حَجَمَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَبُو طَيْبَةَ) بفتح الطَّاء المهملة وسكون التَّحتيَّة ثمَّ موحَّدةٍ، واسمه: قيل: دينارٌ، وقيل: نافعٌ، وقيل: ميسرة مولى مُحَيْصة -بضمِّ الميم وفتح الحاء المهملة وسكون الياء وبالصَّاد المهملة - ابن مسعودٍ الأنصاريُّ، وكانت هذه الحجامة لسبع عشرة خلت (١) من رمضان كما في حديثٍ عند ابن الأثير، وفي «الطَّبرانيِّ»: أنَّ ذلك كان بعد العصر في رمضان (فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ (٢) وَأَمَرَ أَهْلَهُ) بني بياضة (أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ) بفتح الخاء المعجمة، وهو ما يقرِّره السَّيِّد على عبده أن يؤدِّيه إليه كلَّ يوم، وكان ثلاثة آصعٍ، فوُضِع عنه بهذه الشَّفاعة صاعٌ. ومطابقته للتَّرجمة من حيث إنه ﷺ لم يشارط (٣) الحجَّام المذكور على أجرته اعتمادًا على العرف في مثله. وهذا الحديث سبق في أوائل «كتاب البيوع» في «باب ذكر الحجَّام» [خ¦٢١٠٢] وأخرجه أبو داود في «البيوع».

стр. 4743

٢٢١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو الثَّوريُّ كما نصَّ عليه المِزِّيُّ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها قالت: (قَالَتْ هِنْدٌُ) بالصَّرف ودونه (أُمُّ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان ﵃ (لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ) بفتح الشِّين المعجمة وبالحاءين المهملتين بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ: بخيلٌ حريصٌ (فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ) بضمِّ الجيم: إثمٌ (أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ سِرًّا؟) نصبٌ على التَّمييز، أي: من حيثُ السِّرُّ، أو صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ تقديره: آخذ أخذًا سرًّا (١)، أي (٢): غير جهرٍ، و «أَنْ» مصدريَّةٌ (قَالَ) ﵊: (خُذِي أَنْتِ وَبَنُوكِ) بالرَّفع عطفًا على الضَّمير المرفوع في «خذي»، وإنَّما أُتِيَ بلفظ: «أنت» ليصحَّ العطف عليه، وفيه خلافٌ بين نُحاة البصرة والكوفة، ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «وبَنِيْكِ» بالنَّصب على المفعول معه (مَا يَكْفِيكِ) لنفسك ولبَنِيْكِ (بِالمَعْرُوفِ) واقتصر عليها لأنَّها الكافلة لأمورهم، وأحالها ﵊ على العُرف فيما ليس فيه تحديدٌ شرعيٌّ، وكان قوله ﵊ (٣) هذا فُتيا لا حكمًا؛ لأنَّ أبا سفيان كان بمكَّة، فلا يستدلُّ به على الحكم على الغائب، بل قال السُّهيليُّ: إنَّه كان حاضرًا سؤالها، فقال: أنتِ في حلٍّ ممَّا أخذتِ. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «النَّفقات» [خ¦٥٣٥٩] و «الأحكام» [خ¦٧١٨٠]. ٢٢١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو ابن منصورٍ كما جزم به خلفٌ وغيره في «الأطراف» قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ) بضمِّ النُّون وفتح الميم، عبد الله قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن عروة. قال المؤلِّف بالسَّند (٤): (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدٌ) زاد أبو ذرٍّ في روايته: «ابن سلَّام»

стр. 4744

-بتشديد اللَّام- البيكنديُّ، وهو يردُّ على من قال: إنَّه محمَّد بن المثنَّى الزَّمِن (قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ فَرْقَدٍ) بفتح الفاء والقاف بينهما راءٌ ساكنةٌ، آخره دالٌ مهملةٌ، هو العطَّار، وقد تُكلِّم فيه، لكن لم يخرِّج له المؤلِّف موصولًا سوى هذا الحديث وقرنه بابن نُمَيرٍ، وذكر له تعليقًا آخر في «المغازي» [خ¦٤١٤٥] (قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ) في قوله تعالى في سورة النساء: (﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا﴾) من الأوصياء (﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾) عن مال اليتيم ولا يأكل منه شيئًا قال في «الكشَّاف»: و «استعفَّ» أبلغ من «عفَّ» (١)، كأنَّه طلب زيادة العفَّة، قال ابن المنيِّر في «الانتصاف»: يشير إلى أنَّ «استفعل» بمعنى: الطَّلب، وهو بعيدٌ؛ فإنَّ تلك متعدِّية وهذه قاصرةٌ، والظَّاهر أنَّ هذا ممَّا جاء فيه فعل واستفعل بمعنًى (٢)، وردَّه التَّفتازانيُّ: بأنَّ كلًّا من بابيَ «فعل» و «استفعل» يكون لازمًا ومتعدِّيًا، وكلٌّ من «عفَّ» و «استعفَّ» لازمٌ (﴿وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] أُنْزِلَتْ فِي وَالِي اليَتِيمِ الَّذِي يُقِيمُ) نفسه (عَلَيْهِ) أي: يعتكف ويلازمه (وَيُصْلِحُ فِي مَالِهِ، إِنْ كَانَ فَقِيرًا أَكَلَ مِنْهُ بِالمَعْرُوفِ) بقدر قيامه، وهذا موضع التَّرجمة منه، وهذا الحديث قد ذكره المؤلِّف في «تفسير سورة النِّساء» [خ¦٤٥٧٥] عن إسحاق عن ابن نُميرٍ عن هشامٍ عن أبيه، عن عائشة بلفظ: أنَّها نزلت في مال اليتيم إذا كان فقيرًا أنَّه يأكل بالمعروف منه مكان (٣) قيامه عليه بمعروفٍ، فظهر أنَّ المسوق هنا لفظ رواية عثمان بن فرقدٍ، وفي النَّسائيِّ لفظ عبد الله بن نُميرٍ بلفظ: «في مال اليتيم»، بدل قوله هنا وفي «الوصايا» [خ¦٢٧٦٥] من طريق أبي أسامة عن هشام: «والي اليتيم»، لكنَّه سقط في الموضعين قوله في هذا الباب «الذي يقيم عليه»، وهي بالمثنَّاة التَّحتيَّة بعد القاف كما في الفرع وغيره، وأمَّا قول البَرماويِّ: و «يقوم» بالواو، وفي بعضها: «يقيم» فبدأ بالواويِّ؛ فلعلَّه رآها في بعض الأصول من البخاريِّ. نعم أخرجه أبو نُعيمٍ من وجهٍ آخر عن هشامٍ بالواو، وصوَّبها السَّفاقسيُّ، قال: لأنَّها من القيام،

стр. 4745

لا من الإقامة، وقد تقدَّم توجيهها، ولا يُقضَى بروايةٍ على أخرى فيما هذا سبيله. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٥٧٥]، وأخرجه مسلمٌ. (٩٦) (بابُ) حكم (بَيْعِ الشَّرِيكِ مِنْ شَرِيكِهِ). ٢٢١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مَحْمُودٌ) هو ابن غيلان -بالغين المعجمة- قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام، قال (١): (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ جَابِرٍ) الأنصاريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الشُّفْعَةَ) بضمِّ الشِّين المعجمة، من شفعتُ الشَّيء إذا ضممتَه، وسُمِّيَت شفعةً لضمِّ نصيبٍ إلى نصيبٍ (فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ) عامٌّ مخصوصٌ؛ لأنَّ المراد: العقار المحتمل للقسمة، وهذا كالإجماع، وشذَّ عطاءٌ فأجرى الشُّفعة في كلِّ شيءٍ حتَّى في الثَّوب، وأمَّا ما لا يحتمل القسمة كالحَمَّام ونحوه فلا شفعة فيه؛ لأنَّه بقسمته تبطل المنفعة، ولا شفعة إلَّا لشريكٍ لم يقاسم، فلا شفعة لجارٍ خلافًا للحنفيَّة، واحتُجَّ لهم بما رواه الطَّحاويُّ بإسنادٍ صحيحٍ من حديث أنسٍ مرفوعًا: «جار الدَّار أحقُّ بالدَّار» ومباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في بابه، وفي رواية المُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «في كلِّ ما لم يُقسَم» (فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ) أي: صارت مقسومةً (وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ) بضمِّ الصَّاد المهملة وتشديد الرَّاء المكسورة مبنيًّا للمجهول، وفي بعض الأصول: «وَصُرِفَت» بتخفيف الرَّاء، أي: بُيِّنَت مصارف الطُّرق وشوارعها (فَلَا شُفْعَةَ) حينئذٍ؛ لأنَّها بالقسمة تكون غير مشاعةٍ. قال ابن المُنَيِّر: أدخل في هذا الباب حديث الشُّفعة؛ لأنَّ الشَّريك يأخذ الشِّقص من المشتري قهرًا بالثَّمن، فأخذه له من شريكه مبايعةً جائزٌ قطعًا.

стр. 4746

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الباب الآتي (١) [خ¦٢٢١٤] وفي «الشَّركة» [خ¦٢٤٩٥] و «الشُّفعة» [خ¦٢٢٥٧] و «ترك الحيل» [خ¦٦٩٧٦]، وأبو داود في «البيوع» والتِّرمذيُّ في «الأحكام» وكذا ابن ماجه. (٩٧) (بابُ) حكم (بَيْعِ الأَرْضِ وَالدُّورِ) بالواو: جمع دار، قال الجوهريُّ: مؤنَّثةٌ، وأدنى العدد أدؤُر، فالهمزة فيه مبدلةٌ من واوٍ مضمومةٍ، ولك ألَّا تهمز، والكثير: ديار، مثل: جبل وأَجْبُلٍ وجِبال (وَ) بيع (العُرُوضِ) جمع عَرَضٍ، أي: المتاع حال كونه (مُشَاعًا غَيْرَ مَقْسُومٍ). ٢٢١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ) بميمٍ مفتوحةٍ فحاءٍ مهملةٍ ساكنةٍ فموحَّدةٍ مضمومةٍ وبعد الواو موحَّدةٌ أخرى، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ قال: (حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ) عامٌّ يدخل فيه العقار وغيره، لكنَّه مخصوصٌ بالعقار، وللمُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «ما لم يُقسَم» (فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وَصُرِِّفَتِ الطُّرُقُ) بتشديد الرَّاء، وتُخفَّف (٢) كما مرَّ [خ¦٢٢١٣] (فَلَا شُفْعَةَ) لأنَّها تكون غير مشاعةٍ. وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زياد (بِهَذَا) الحديث السَّابق (وَقَالَ) مسدَّدٌ في روايته: (فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ) وللحَمُّويي: «مالٍ لم يُقسَم» بلفظ العامِّ (تَابَعَهُ) أي: تابع عبد الواحد فيما وصله المؤلِّف في «ترك الحيل» [خ¦٦٩٧٦] (هِشَامٌ) هو ابن يوسف اليمانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابن راشدٍ في روايته: «في كلِّ ما لم يُقسَم» (قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام في روايته فيما وصله المؤلِّف في الباب السَّابق [خ¦٢٢١٣]: (فِي

стр. 4747

كُلِّ مَالٍ) وكذا (رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ) فيما وصله مسدَّدٌ في «مسنده» عن بشر بن (١) المفضَّل عنه (عَنِ الزُّهْرِيِّ) قال الكِرمانيُّ: الفرق بين الأساليب الثَّلاثة: أنَّ المتابعة أن يروي الرَّاوي الآخر الحديث بعينه، والرِّواية أعمُّ منها، والقول إنَّما يستعمل عند السَّماع على سبيل المذاكرة. (٩٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا اشْتَرَى) أحدٌ (شَيْئًا لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ) يعني: بطريق الفضول (فَرَضِيَ) ذلك الغير بذلك الشِّراء بعد وقوعه.

стр. 4748

٢٢١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن كثير الدَّورقيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلدٍ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيَّاش الأسديُّ المدنيُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (١) (قَالَ: خَرَجَ ثَلَاثَةٌ يَمْشُونَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ثلاثة نفرٍ يمشون» أي: حال كونهم يمشون (فَأَصَابَهُمُ المَطَرُ) عطفه بالفاء على «خرج ثلاثةٌ»، وفي «باب المزارعة» [خ¦٢٣٣٣]: «أصابهم» بإسقاط الفاء، لأنَّه جزاء (٢) «بينما» (٣) (فَدَخَلُوا فِي غَارٍ) كهفٍ، وهو بيتٌ منقورٌ كائنٌ (فِي جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ) على باب غارهم، وفي «باب (٤) المزارعة»: فانحطَّت على فم الغار صخرةٌ من الجبل (قَالَ) ﵊: (فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ادْعُوا اللهَ) (بِأَفْضَلِ عَمَلٍ عَمِلْتُمُوهُ) في «المزارعة» [خ¦٢٣٣٣]: فقال بعضهم لبعضٍ: انظروا أعمالًا عملتموها صالحةً لله تعالى، فادعوا الله بها لعلَّه يفرِّجها عنكم (فَقَالَ أَحَدُهُمُ: اللَّهُمَّ) هو كقوله لمن قال: أزيدٌ هنا؟ اللَّهمَّ نعم، أو اللَّهمَّ لا، كأنَّه ينادي الله تعالى مستشهدًا على ما قال من الجواب (إِنِّي كَانَ لِي أَبَوَانِ) أبٌ وأمٌّ، فغلَّب في التَّثنية، وفي «المزارعة»: اللَّهم إنَّه كان لي والدان (شَيْخَانِ كَبِيرَانِ) زاد في «المزارعة»: ولي صبيةٌ صغارٌ (فَكُنْتُ أَخْرُجُ) إلى المرعى (فَأَرْعَى) غنمي (ثُمَّ أَجِيءُ) من المرعى (فَأَحْلُبُ) ما يحلب من الغنم (فَأَجِيءُ بِالحِلَابِ) بكسر الحاء وتخفيف اللَّام: الإناء الذي يُحلَب فيه، ومراده هنا: اللَّبن المحلوب فيه (فَآتِي بِهِ) أي: بالحلاب (أَبَوَيَّ) أصله: أبوان لي، فلمَّا أضافه إلى ياء المتكلِّم وسقطت النُّون، وانتَصَب على المفعوليَّة؛ قُلِبت ألف التَّثنية ياءً، وأُدغمَت في الياء، فأناولُهما إيَّاه (فَيَشْرَبَانِ، ثُمَّ أَسْقِي الصِّبْيَةَ) بكسر الصَّاد المهمَلة وإسكان الموحَّدة: جمع صبيٍّ، وفي «المزارعة»: فبدأت بوالديَّ أسقيهما قبل بَنِيَّ (وَأَهْلِي وَامْرَأَتِي) والمراد بالأهل هنا: الأقارب كالأخ والأخت (٥)، فلا

стр. 4749

يكون (١) عطف «امرأتي» على «أهلي» من عطف الشَّيء على نفسه (فَاحْتَبَسْتُ) أي: تأخَّرتُ (لَيْلَةً) من اللَّيالي بسبب عارضٍ عرض لي (فَجِئْتُ) لهما (فَإِذَا هُمَا نَائِمَانِ) مبتدأٌ وخبرٌ، فإذا: للمفاجأة (قَالَ: فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا) وفي «المزارعة»: فقمت عند رؤوسهما أكره أن أوقظَهما، وأكره أن أسقي الصِّبية (وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ) بالضَّاد والغين المعجَمتين بوزن (٢) يتفاعلون، أي: يضجُّون بالبكاء من الجوع (عِنْدَ رِجْلَيَّ) بالتَّثنية، وفي «المزارعة»: عند قدميَّ (فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَُهُمَا) أي: شأني وشأنهما، مرفوع اسم «يزل»، و «ذلك» خبرٌ، أو منصوبٌ -وهو الذي في «اليونينيَّة» (٣) - على أنَّه الخبر، و «ذلك» الاسم كما في قوله تعالى: ﴿فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ [الأنبياء: ١٥] (حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ) واستُشكِل تقديم الأبوين على الأولاد مع أنَّ نفقة الأولاد مقدَّمةٌ؟ وأُجيب باحتمال أن يكون في شرعهم تقديم نفقة الأصول على غيرهم (اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ) أي: طلبًا لمرضاتك، وانتصاب «ابتغاء» على أنَّه مفعول له، أي: لأجل ابتغاء وجهك، أي: ذاتك (فَافْرُجْ) بضمِّ الرَّاء، فِعْلُ طلبٍ، ومعناه: الدُّعاء، من فَرَج يفرُج، من باب: نَصَر ينصُر (عَنَّا فُرْجَةً) بضمِّ الفاء وسكون الرَّاء (نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، قَالَ: فَفُرِجَ عَنْهُمْ) بقدر ما دعا فرجةٌ تُرى منها السَّماء، وقوله: «ففُرِج» بضمِّ الفاء الثَّانية وكسر الرَّاء (وَقَالَ) بالواو، ولأبي الوقت (٤): «فقال» (الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أُحِبُّ امْرَأَةً مِنْ بَنَاتِ عَمِّي كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرَّجُلُ (٥) النِّسَاءَ) الكاف زائدةٌ، أو أراد تشبيه محبَّته بأشدِّ المحبَّات، فراودتها (٦) على نفسها (فَقَالَتْ: لَا تَنَالُ ذَلِكَ) باللَّام قبل الكاف، ولأبي ذرٍّ: «ذاك» بالألف بدل اللَّام (مِنْهَا حَتَّى تُعْطِيَهَا مِئَةَ دِينَارٍ) كان مقتضى السِّياق أن يُقال: لا تنال ذلك منِّي حتَّى تعطيني، لكنَّه من باب الالتفات (فَسَعَيْتُ فِيهَا) أي: في المئة دينارٍ (حَتَّى جَمَعْتُهَا) وفي الفرع: «حتى جئتها» من

стр. 4750

المجيء، وعُزِيَ الأوَّل لأبي الوقت (فَلَمَّا) أعطيتها الدَّنانير وأمكنتْني من نفسها (قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا) لأطأها (قَالَتِ: اتَّقِ اللهَ) يا عبد الله (وَلَا تَفُضَِّ الخَاتَمَ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة وفتح الضَّاد المعجمة ويجوز كسرها، وهو كنايةٌ عن إزالة بكارتها (إِلَّا بِحَقِّهِ) أي: لا تُزِل البكارة إلَّا بالنِّكاح الصَّحيح (١) الحلال (فَقُمْتُ) من بين رجليها (وَتَرَكْتُهَا) من غير فعلٍ (فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ) التَّرك (ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ) أي: لأجل ذاتك (فَافْرُجْ عَنَّا) بضمِّ الرَّاء (فُرْجَةً، قَالَ) ولأبي الوقت: «فقال»: (فَفَرَجَ) بفتحاتٍ، أي: فَفَرَج الله (عَنْهُمُ الثُّلُثَيْنِ) من الموضع الذي عليه الصَّخرة (وَقَالَ الآخَرُ) وهو الثَّالث: (اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا) بلفظ الإفراد، أي: على عملٍ (بِفَرَقٍ) بفتح الفاء والرَّاء: مكيالٌ يَسَعُ ثلاثة آصعٍ (مِنْ ذُرَةٍ) بضمِّ الذَّال المعجَمة وفتح الرَّاء المخفَّفة: حبٌّ معروفٌ (فَأَعْطَيْتُهُ) الفَرَق من (٢) الذُّرة (وَأَبَى) أي: امتنع (ذَلكَ) الأجير (أَنْ يَأْخُذَ) الفَرَق، وفي «المزارعة» [خ¦٢٣٣٣]: فلمَّا قضى عمله قال: أعطني حقِّي، فعرضت عليه، فرغب عنه، وفي «باب الإجارة» [خ¦٢٢٧٢]: استأجرت أُجَراء فأعطيتهم أجرهم (٣) غير رجلٍ واحدٍ ترك الذي له وذهب (فَعَمَدْتُ) بفتح الميم، أي: قصدتُ (إِلَى ذَلِكَ الفَرَقِ فَزَرَعْتُهُ) وفي «المزارعة» [خ¦٢٣٣٣]: فلم أزل أزرعه (حَتَّى اشْتَرَيْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا) بالنَّصب عطفًا على المفعول السَّابق، ولغير أبي ذرٍّ: «وراعيْها» بالسُّكون (ثُمَّ جَاءَ) الأجير المذكور (فَقَالَ) لي: (يَا عَبْدَ اللهِ، أَعْطِنِي حَقِّي) بهمزة قطعٍ (فَقُلْتُ) له: (انْطَلِقْ إِلَى تِلْكَ البَقَرِ وَرَاعِيهَا فَإِنَّهَا لَكَ) وسقط لأبي ذرٍّ «فإنَّها لك» (فَقَالَ) لي: (أَتَسْتَهْزِئُ بِي (٤)؟! قَالَ: فَقُلْتُ) له، وفي بعض الأصول: «قلت»: (مَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، وَلَكِنَّهَا لَكَ) وفي «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٦٥]: فساقها، وفي «المزارعة»: فخُذْه فأخذه، وفي «الإجارة» [خ¦٢٢٧٢]: فأخذه كلَّه فاستاقه، فلم

стр. 4751

يترك منه شيئًا (اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ) الإعطاءَ (ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ) ذاتِك المقدَّسةِ (فَافْرُجْ عَنَّا) بضمِّ الرَّاء (فَكُشِفَ عَنْهُمْ) بضمِّ الكاف وكسر المعجَمة، أي: كَشَف الله عنهم باب الغار، زاد في «الإجارة» [خ¦٢٢٧٢]: فخرجوا يمشون. وموضع التَّرجمة من هذا الحديث قوله: «إنِّي استأجرت … » إلى آخره، فإنَّ فيه تصرُّفَ الرَّجل في مال الأجير بغير إذنه، فاستدلَّ به المؤلِّف رحمه الله تعالى على جواز بيع الفضوليِّ وشرائه، وطريق الاستدلال به ينبني على أنَّ شرع من قبلنا شرعٌ لنا، والجمهور على خلافه، لكن تقرَّر أنَّ النَّبيَّ ﷺ ساقه سياق المدح والثَّناء على فاعله، وأقرَّه على ذلك، ولو كان لا يجوز لبيَّنه، فبهذا التَّقرير يصحُّ الاستدلال به، لا بمجرد كونه شَرْعَ مَنْ قبلنا، والقول بصحَّة بيع الفضوليِّ هو مذهب المالكيَّة، وهو القول القديم للشَّافعيِّ (١)، فينعقد موقوفًا على إجازة المالك، إن أجازه نفذ (٢)، وإلَّا لغا، والقول الجديد: بطلانه؛ لأنَّه ليس بمالكٍ ولا وكيلٍ ولا وليٍّ، ويجري القولان فيما لو اشترى لغيره بلا إذنٍ بعينِ مالِهِ أو في ذمَّته، وفيما لو زوَّج أمة غيره أو ابنته، أو طلَّق منكوحته، أو أعتق عبده، أو آجر دابَّته بغير إذنه، وقد أجيب عمَّا وقع هنا بأنَّ الظَّاهر أنَّ الرَّجل الأجير لم يملك الفَرَق؛ لأنَّ المستأجر لم يستأجره بفَرَقٍ معيَّنٍ، وإنَّما استأجره بفَرَقٍ في الذِّمَّة، فلمَّا عرض عليه قبضه امتنع لرداءته، فلم يدخل في ملكه، بل بقي في (٣) حقِّه متعلِّقًا بذمَّة المستأجر؛ لأنَّ ما في الذِّمَّة لا يتعيَّن إلَّا بقبضٍ صحيحٍ، فالنِّتاج الذي حصل على ملك المستأجر تبرَّع به (٤) للأجير بتراضيهما، وغاية ذلك أنَّه أحسن القضاء، فأعطاه حقَّه وزياداتٍ كثيرةً، ولو كان الفَرَق تعيَّن للأجير؛ لكان تصرُّف المستأجر فيه تعدِّيًا، ولا يُتوسَّل إلى الله بالتَّعدِّي وإن كان مصلحةً في حقِّ (٥) صاحب الحقِّ (٦)، وليس أحدٌ في حجر غيره حتَّى يبيع أملاكه ويُطلِّق زوجاته ويزعم أنَّ ذلك أحظى (٧) لصاحب الحقِّ، وإن كان أحظى فكلُّ أحدٍ أحقُّ بنفسه وماله من النَّاس أجمعين.

стр. 4752

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الإجارة» [خ¦٢٢٧٢] و «المزارعة» [خ¦٢٣٣٣] و «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٦٥]، ومسلمٌ في «التَّوبة»، والنَّسائيُّ في «الرَّقائق»، والله أعلم (١). (٩٩) (باب) حكم (الشِّرَاءِ وَالبَيْعِ مَعَ المُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الحَرْبِ) من عطف الخاصِّ على العامِّ. ٢٢١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بن طَرْخان (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بن ملٍّ النَّهديِّ؛ بالنُّون (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) زاد في «باب قبول الهدية من المشركين» من «كتاب الهبة» [خ¦٢٦١٨] (٢): ثلاثين ومئة، فقال النَّبيُّ ﷺ : «هل مع أحدٍ منكم طعامٌ؟» فإذا مع رجلٍ صاعٌ من طعامٍ أو نحوه، فعُجِن (ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أعرف اسمه (مُشْعَانٌّ) بضمِّ الميم وسكون الشِّين المعجمة وبعد العين المهملة ألفٌ ثمَّ نونٌ مشدَّدةٌ، أي: طويل شَعر الرَّأس جدًّا، أو البعيد العهد بالدَّهن الشَّعِثُ، وقال القاضي: ثائر (٣) الرَّأس متفرِّقه (طَوِيلٌ بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَ) زاد في نسخةٍ: «له» (النَّبِيُّ ﷺ : بَيْعًا) نصبٌ على المصدريَّة، أي: أتبيع بيعًا؟ أو الحال؛ أي: أتدفعها بائعًا؟ ويجوز الرَّفع خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: أهذه (٤) بيعٌ (أَمْ عَطِيَّةًٌ؟ أَوْ قَالَ: أَمْ هِبَةًٌ؟) بالنَّصب عطفًا على السَّابق، ويجوز الرَّفع كما مرَّ، والشَّكُّ من الرَّاوي (قَالَ) المشرك: (لَا) ليس عطيَّةً، أو ليس هبةً (بَلْ) هو (بَيْعٌ) أي: مبيعٌ، وأطلق البيع عليه باعتبار ما يؤول (فَاشْتَرَى) ﵊ (مِنْهُ شَاةً) فيه جوازُ بيع الكافر، وإثباتُ ملكه على ما في يده، وجوازُ قبول الهديَّة منه، واختُلِف في مبايعة مَنْ غالبُ مالِه حرامٌ، واحتجَّ من رخَّص فيه بقوله ﷺ

стр. 4753

للمشرك: «بيعًا أم هبة؟» وكان الحسن بن أبي الحسن لا يرى بأسًا أن يأكل الرَّجل من طعام العشَّار والصَّرَّاف والعامل، ويقول: قد أحلَّ الله تعالى طعام اليهوديِّ والنَّصرانيِّ، وقد أخبر أنَّ اليهود أكَّالون للسُّحت، قال الحسن: ما لم يعرفوا شيئًا بعينه، وقال الشَّافعيُّ: لا أحبُّ مبايعة مَنْ أكثرُ مالِه ربًا أو كسبُه مِنْ حرامٍ، فإن بُويِع لا يفسخ البيع (١). وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الهبة» [خ¦٢٦١٨] و «الأطعمة» [خ¦٥٣٨٢]، وأخرجه مسلمٌ في «الأطعمة» أيضًا. (١٠٠) (بابُ) حكم (شِرَاءِ المَمْلُوكِ مِنَ الحَرْبِيِّ وَ) حكم (هِبَتِهِ وَعِتْقِهِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِسَلْمَانَ) الفارسيِّ: (كَاتِبْ) أي: اشْتَرِ نفسَك من مولاك بنجمين أو أكثر (وَ) الحال أنَّه (كَانَ حُرًّا) قبل أن يخرج من داره (فَظَلَمُوهُ وَبَاعُوهُ) ولم يكن إذ ذاك مؤمنًا، وإنَّما كان إيمانه إيمان مصدِّقٍ بالنَّبيِّ ﷺ إذا بُعِث مع إقامته على شريعة عيسى ﵊، فأقرَّه النَّبيُّ ﷺ مملوكًا لمن كان في يده؛ إذ كان في حكمه ﵊ أنَّ مَن أسلم من رقيق المشركين في دار الحرب ولم يخرج مراغمًا لسيِّده فهو لسيِّده، أو كان سيِّده من أهل صلح المسلمين فهو لمالكه، قاله (٢) الطَّبريُّ، وقصَّته: أنَّه هرب من أبيه لطلب الحقِّ وكان مجوسيًّا، فلحق براهبٍ ثمَّ براهبٍ ثمَّ بآخرَ، وكان يصحبهم إلى وفاتهم حتى دلَّه الأخير على الحجاز، وأخبروه بظهور رسول الله ﷺ ، فقصده مع بعض الأعراب فغدروا به، فباعوه في وادي القرى ليهوديٍّ، ثمَّ اشتراه منه يهوديٌّ آخرُ من بني قريظة فقدم به المدينة، فلمَّا قدمها رسول الله ﷺ

стр. 4754

ورأى علامات النُّبوَّة أسلم، فقال له رسول الله ﷺ : «كاتِبْ عن (١) نفسك»، وقد رُويَت قصَّته من طرقٍ كثيرةٍ، من أصحِّها ما أخرجه أحمد، وعلَّق البخاريُّ منها ما تراه، وفي سياق قصَّته في إسلامه اختلافٌ يتعسَّر الجمع فيه، وروى البخاريُّ في «صحيحه» [خ¦٣٩٤٦] عن سلمان أنَّه تداوله بضعة عشر سيِّدًا (وَسُبِيَ عَمَّارٌ): هو ابن ياسر العنسيُّ -بالعين والسِّين المهملتين بينهما نونٌ ساكنةٌ- ولم يكن عمَّارٌ سُبِيَ لأنَّه كان غريبًا، وإنَّما سكن أبوه مكَّة، وحالف بني مخزوم، فزوَّجوه سميَّة، وكانت من مواليهم، فولدت له عمَّارًا، فيحتمل أن يكون المشركون عاملوا عمَّارًا معاملة السَّبي؛ لكون أمِّه من مواليهم (وَ) سُبِيَ (صُهَيْبٌ): هو ابن سنان بن مالكٍ، وهو الرُّوميُّ، قيل له ذلك لأنَّ الرُّوم سَبَوه صغيرًا، ثمَّ اشتراه رجلٌ من كلبٍ فباعه بمكَّة، فاشتراه عبد الله بن جُدْعان التَّيميُّ فأعتقه، ويقال: بل هرب من الرُّوم، فقدم مكَّة فحالف ابن جُدْعان، وروى ابن سعدٍ: أنَّه أسلم هو وعمَّار ورسول الله ﷺ في دار الأرقم (وَبِلَالٌ): هو ابن رباحٍ الحبشيُّ المؤذِّن، وأمُّه حمامة، اشتراه أبو بكر الصِّدِّيق من المشركين لمَّا كانوا يعذِّبونه على التَّوحيد فأعتقه (وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ﴾) فمنكم غنيٌّ ومنكم فقيرٌ، ومنكم موالٍ يتولُّون رزقهم ورزق غيرهم، ومنكم مماليك حالهم على خلاف ذلك (﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ﴾) بمعطي رزقهم (﴿عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾) على مماليكهم، فإنَّما يردُّون عليهم رزقهم الَّذي جعله الله في أيديهم (﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَاء﴾) فالموالي والمماليك سواءٌ في أنَّ الله رزقهم، فالجملة لازمةٌ للجملة المنفيَّة أو مقرِّرة لها، ويجوز أن تكون واقعةً موقع الجواب، كأنَّه قيل: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ فيستووا في الرِّزق، على أنَّه ردٌّ وإنكارٌ على المشركين، فإنَّهم يشركون بالله بعض مخلوقاته في الألوهيَّة، ولا يرضون أن تشاركهم عبيدهم فيما أنعم الله عليهم فتساويهم فيه (﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١]) حيث يتَّخذون له شركاء، فإنَّه يقتضي أن يُضاف إليهم بعض ما أنعم الله عليهم، ويجحدوا أنَّه من عند الله، أو حيث أنكروا أمثال (٢) هذه الحجج بعدما أنعم الله عليهم بإيضاحها، قاله البيضاويُّ.

стр. 4755

وموضع التَّرجمة قوله: ﴿عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ فأثبت لهم ملك اليمين مع كون ملكهم غالبًا على غير الأوضاع الشرعيَّة، وفي رواية أبوي ذرٍّ والوقت: «﴿عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ … إلى قوله: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَجْحَدُونَ﴾». ٢٢١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الحمصيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرْمُزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ) الخليل ﵇ بِسَارَةَ) بتخفيف الرَّاء، وقيل: بتشديدها، أي: سافر بها (فَدَخَلَ بِهَا قَرْيَةً) هي مصر، وقال ابن قتيبة: الأردنّ (فِيهَا مَلِكٌ مِنَ المُلُوكِ) هو صاروق، وقيل: سفيان (١) بن علوان، وقيل: عمرو، وفي العينيِّ: سنان بن علوان بن امرئ

стр. 4756

القيس بن سبأ (١)، وكان على مصر (أَوْ جَبَّارٌ مِنَ الجَبَابِرَةِ) شكٌّ من الرَّاوي (فَقِيلَ) له: (دَخَلَ إِبْرَاهِيمُ بِامْرَأَةٍ هِيَ مِنْ أَحْسَنِ النِّسَاءِ) وقال ابن هشامٍ: وشى به حنَّاطٌ كان إبراهيم يمتار منه (فَأَرْسَلَ) الملك (إِلَيْهِ: أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ مَنْ هَذِهِ) المرأة (الَّتِي مَعَكَ؟ قَالَ: أُخْتِي) يعني: في الدِّين (ثُمَّ رَجَعَ) إبراهيم ﵊ (إِلَيْهَا، فَقَالَ: لَا تُكَذِّبِي حَدِيثِي، فَإِنِّي أَخْبَرْتُهُمْ أَنَّكِ أُخْتِي) اختُلف في السَّبب الَّذي حمل إبراهيم على هذه التَّوصية مع أنَّ ذلك الجبَّار كان يريد اغتصابها على نفسها أختًا كانت أو زوجةً، فقيل: كان من دين ذلك الجبَّار ألَّا يُتَعرَّض إلَّا لذوات الأزواج، أي: فيقتلهم (٢)، فأراد إبراهيم ﵊ دفع أعظم الضَّررين بارتكاب أخفِّهما، وذلك أنَّ اغتصابه إيَّاها واقعٌ لا محالة، لكن إنْ عَلِمَ أن لها زوجًا في الحياة حملته الغَيرة على قتله وإعدامه، أو حبسه وإضراره، بخلاف ما إذا علم أنَّ لها أخًا فإنَّ الغيرة حينئذٍ تكون من قِبَل الأخ خاصَّةً، لا من قبل الجبَّار فلا يبالي به، وقيل (٣): المراد: إن علم أنَّكِ امرأتي ألزمني بالطَّلاق (٤) (وَاللهِ إِنْ) بكسر الهمزة وسكون النُّون، نافيةٌ، أي: ما (عَلَى الأَرْضِ) هذه الَّتي نحن فيها (مُؤْمِنٌ) ولأبي ذرٍّ: «من مؤمنٍ» (غَيْرِي وَغَيْرُِكِ) بالرَّفع بدلًا عطفًا (٥) على محلِّ «غيري»، ويجوز الجرُّ عطفًا عليه، والَّذي في «اليونينيَّة»: الرَّفع والنَّصب، لا الجرُّ (٦)،

стр. 4757

واستُشكل بكون لوطٍ كان معه كما قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦] وأُجيب بأنَّ المراد بـ «الأرض» الَّتي وقع له فيها (١) ما وقع، كما قدَّرتُه بـ «هذه الَّتي نحن فيها»، ولم يكن معه لوطٌ إذ ذاك (فَأَرْسَلَ) الخليل ﵊ (بِهَا إِلَيْهِ) أي: بسارة إلى الجبَّار (فَقَامَ إِلَيْهَا) بعد أن دخلت عليه (فَقَامَتْ) سارة حال كونها (تَوَضَّأُ) أصله: تَتَوضَّأ، فحُذِفَت إحدى التَّاءين تخفيفًا، والهمزة مرفوعةٌ، ففيه: أنَّ الوضوء ليس من خصائص هذه الأمَّة (وَتُصَلِّي) عطفٌ على سابقه (فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ) إبراهيم، ولم تكن شاكَّةً في الإيمان بل كانت قاطعةً به، وإنَّما ذكرته على سبيل الفرض هضمًا لنفسها، وقال في «اللَّامع»: الأحسن أنَّ هذا ترحُّمٌ وتوسُّلٌ بإيمانها لقضاء سؤلها (وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلَّا عَلَى زَوْجِي) إبراهيم (فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ) هذا (الكَافِرَ (٢)، فَغُطَّ) بضمِّ الغين المعجَمة وتشديد الطَّاء المهمَلة، أي: أُخِذَ بمجاري نَفَسه حتى سُمِعَ له غطيطٌ (حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ) أي: حرَّكها وضرب بها الأرض، وفي رواية مسلمٍ: فقام إبراهيم إلى الصَّلاة فلمَّا دخلت عليه، أي: على الملك، لم يتمالك أن بسط يده إليها (٣)، فقبضت يده قبضةً شديدةً، وقد رُويَ: أنَّه كُشِفَ لإبراهيم ﵊ حتَّى رأى حالهما لئلَّا يخامر قلبه أمرٌ، وقيل: صار قصر الجبَّار لإبراهيم (٤) كالقارورة الصَّافية، فرأى الملك وسارة وسمع كلامهما. (قَالَ الأَعْرَجُ) عبد الرَّحمن بن هُرْمُزٍ بالسَّند المذكور: (قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ) ممَّا ظاهره أنَّه موقوفٌ عليه، ولعلَّ أبا الزِّناد روى السَّابق مرفوعًا، وهذه موقوفةً: (قَالَتِ: اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ) هذا الجبَّار (يُقَالُ) كذا للحَمُّويي والمُستملي بالألف، واستُشكِل: بأنَّ جواب الشَّرط يجب جزمُه، وأُجيب بأنَّ الجواب محذوفٌ، تقديره: أُعذَّبْ، ويقال: (هِيَ قَتَلَتْهُ) والجملة لا محلَّ لها من الإعراب، دالَّةٌ على المحذوف، وللكُشْمِيْهَنِيِّ:

стр. 4758

«يُقَلْ» بالجزم وحذف الألف على الأصل، أي: فقد يُقَال: قتلته، وذلك موجبٌ لتوقُّعها مساءة خاصَّة الملك وأهله (فَأُرْسِلَ) الجبَّار، أي: أُطلق ممَّا عرض له، والهمزة مضمومةٌ (ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا) ثانيًا (فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وتُصَلِّي (١)) بالواو، وهي مكشوطةٌ في الفرع مكتوبٌ مكانها همزة «توضَّأ»، وكذا هي ساقطةٌ في «اليونينيَّة» أيضًا (٢) (وَتَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ) إبراهيم (وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلَّا عَلَى زَوْجِي) إبراهيم (فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ هَذَا الكَافِرَ) بإثبات اسم الإشارة هنا وإسقاطه في السَّابقة (فَغُطَّ) الجبَّار، يعني: اختنق حتى صار كالمصروع (حَتَّى رَكَضَ) ضرب (بِرِجْلِهِ) الأرض (قَالَ) وفي نسخةٍ: «فقال» (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) أي: ابن هُرْمُزٍ الأعرج، وفي نسخةٍ: «قال الأعرج» (٣) ووقع في بعض الأصول: «قال أبو عبد الرَّحمن»، والَّذي يظهر لي أنَّ ذلك سهوٌ من النَّاسخ، فإنَّ كنية عبد الرَّحمن أبو داود (٤) لا أبو عبد الرَّحمن، والعلم عند الله تعالى (قَالَ أَبُو سَلَمَةَ) أي: ابن عبد الرَّحمن: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁: (فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ) هذا الجبَّار (فَيُقَالُ) بالفاء والألف فهو كالفاء المقدَّرة (٥) في قوله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨]

стр. 4759

على قراءة الرَّفع في ﴿يُدْرِككُّمُ﴾ أي: فيدركُكُم، وللمُستملي: «يُقال» بحذف (١) الفاء فهي مقدَّرةٌ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «يُقَلْ» بالجزم جوابًا للشَّرط (هِيَ قَتَلَتْهُ، فَأُرْسِلَ) بضمِّ الهمزة في جميع ما وقفتُ عليه من الأصول، أي: أُطلق الجبَّار (فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ) شكَّ (٢) الراوي، وفي نسخةٍ: «وفي الثَّالثة» بإسقاط الألف من غير شكٍّ (فَقَالَ) الجبَّار عقب إطلاقه في المرَّة الثَّانية أو الثَّالثة لجماعته: (وَاللهِ مَا أَرْسَلْتُمْ إِلَيَّ (٣) إِلَّا شَيْطَانًا) أي (٤): متمرِّدًا من الجنِّ، وكانوا قبل الإسلام يعظِّمون أمر الجنِّ جدًّا، ويَرَون كلَّ ما يقع من الخوارق من فعلهم وتصرُّفهم، وهذا يناسب ما وقع له من الخنق الشَّبيه بالصَّرَع (اِرْجِعُوهَا) بكسر الهمزة، أي: ردُّوها (إِلَى إِبْرَاهِيمَ ﵇ ورجع يأتي لازمًا ومتعدِّيًا، يقال: رجع زيدٌ رجوعًا، ورجعته أنا رَجْعًا، قال الله تعالى: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ﴾ (٥) [التوبة: ٨٣] وقال تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] (وَأَعْطُوهَا) بهمزة قطعٍ فِعْل أمرٍ، أي: أعطوا سارة (آجَرَ) بهمزةٍ ممدودةٍ بدل الهاء وجيمٍ مفتوحةٍ فراءٍ، وكان أبو آجر (٦) من ملوك القبط من حَفْن -بفتح الحاء المهملة وسكون القاف (٧) - قريةٍ بمصر (فَرَجَعَتْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ ﵇ زاد في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٥٨] فأتته -أي: إبراهيم- وهو قائمٌ يصلِّي، فأومأ بيده: مَهْيم؟ أي: ما الخبر؟ (فَقَالَتْ: أَشَعَرْتَ) أي: أعلمت (أَنَّ اللهَ كَبَتَ الكَافِرَ) بفتح الكاف

стр. 4760

والموحَّدة بعدها (١) مثنَّاةٌ فوقيَّةٌ، أي: صرعه لوجهه، أو أخزاه، أو ردَّه خائبًا، أو أغاظه وأذَّله (وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً؟) يحتمل أن يكون «وأخدم» معطوفًا على «كبت»، ويحتمل أن يكون فاعل «أخدم» هو الجبَّار فيكون استئنافًا، والوليدة: الجارية للخدمة، سواءٌ كانت كبيرةً أو صغيرةً، وفي الأصل: الوليد: الطِّفل، والأنثى: وليدة، والجمع: ولائد، وحَذَفت (٢) مَفعول «أخدم» الأوَّل لعدم تعلُّق الغرض بتعيينه، أو تأدُّبًا مع الخليل ﵊ أن تواجهه بأنَّ غيره أخدمها، و «وليدةً»: المفعول الثَّاني، والمراد بها: آجر المذكورة. وموضع التَّرجمة قوله: «وأعطوها آجر»، وقبول سارة منه، وإمضاء إبراهيم ذلك، ففيه صحَّة هبة الكافر، وقبول هديَّة السُّلطان الظَّالم، وابتلاء الصَّالحين لرفع درجاتهم، وفيه إباحة المعاريض، وأنَّها مندوحةٌ عن الكذب، وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الهبة» [خ¦٢٦٣٥] و «الإكراه» [خ¦٦٩٥٠] و «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٥٨]. ٢٢١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتِ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) أحد العشرة المبشَّرة بالجنَّة (وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ) أخو سودة أمِّ المؤمنين (فِي غُلَامٍ) هو عبد الرَّحمن ابن وليدة زمعة المذكور (فَقَالَ سَعْدٌ: هَذَا) الغلام (٣) (يَا رَسُولَ اللهِ ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) مات مشركًا، وكان قد كَسَر ثنيَّة النَّبيِّ ﷺ (عَهِدَ) أي: أوصى (إِلَيَّ أَنَّهُ) أي: الغلام (ابْنُهُ، انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ) بعتبة (وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ) أخو أمِّ المؤمنين سودة ﵂: (هَذَا)

стр. 4761

الغلام (أَخِي يَا رَسُولَ اللهِ (١)، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي) زمعة (مِنْ وَلِيدَتِهِ) أي: جاريته، ولم تُسمَّ (فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى شَبَهِهِ، فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ) لكنَّه لم يعتمده لوجود ما هو أقوى منه، وهو الفراش (فَقَالَ) ﵊: (هُوَ) أي: الغلام (لَكَ يَا عَبْدُ) ولأبي ذرٍّ: «يا عبدُ بنَ زمعة» بضمِّ «عبد» ونصب (٢) «ابن» (الوَلَدُ) تابعٌ (لِلْفِرَاشِ) أي: لصاحبه، زوجًا كان (٣) أو سيِّدًا، خلافًا للحنفيَّة حيث قالوا: إنَّ ولد الأَمَةِ المستفرشة لا يلحق سيِّدها ما لم يقرَّ به، فلا عموم عندهم له في الأَمَةِ، وفيه بحثٌ تقدَّم في «باب تفسير الشُّبهات» أوائل «البيع» [خ¦٢٠٥٣] (وَلِلْعَاهِرِ) أي: الزَّاني (الحَجَرُ) أي: الخيبة، ولا حقَّ له في الولد (٤) (وَاحْتَجِبِي مِنْهُ) أي: من الغلام (يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ) هي أمُّ المؤمنين، أي: ندبًا واحتياطًا، وإلَّا فقد ثبت نسبه وأُخوَّته

стр. 4762

لها في ظاهر الشَّرع؛ لِمَا رأى من الشَّبه البيِّن بعتبة (فَلَمْ تَرَهُ سَوْدَةُ قَطُّ) وفي «باب الشّبهات» (١) [خ¦٢٠٥٣] فما رآها -أي: الغلام- حتَّى لحق بالله. وموضع التَّرجمة منه: تقرير النَّبيِّ ﷺ مِلْكَ زمعةَ الوليدةَ، وإجراء أحكام الرِّقِّ عليها، فدلَّ على تنفيذ عهد المشرك والحكم به، وأنَّ تصرفه في ملكه يجوز كيف شاء، وهذا الحديث قد سبق في أوائل «البيع» [خ¦٢٠٥٣]. ٢٢١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجَمة المشدَّدة، العبديُّ البصريُّ، أبو بكرٍ بندارٌ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هو محمَّد بن جعفر البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَعْدٍ) هو ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِيهِ) أنَّه قال: (قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ لِصُهَيْبٍ: اتَّقِ اللهَ، وَلَا تَدَّعِ) بغير ياء، وفي بعض النُّسخ: «ولا تدَّعي» بإشباع كسرة العين ياءً، أي: لا تنتسب (إِلَى غَيْرِ أَبِيكَ) لأنَّه كان يدَّعي أنَّه عربيٌّ نمريٌّ ولسانه (٢) أعجميٌّ، وكان يسوق نسبه إلى النَّمر بن قاسط، ويقول: إنَّ أمَّه من بني تميمٍ (فَقَالَ صُهَيْبٌ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا وَأَنِّي قُلْتُ ذَلِكَ) الادِّعاء إلى غير الأب (وَلَكِنِّي سُرِقْتُ) بضمِّ السِّين المهملة مبنيًّا للمفعول (وَأَنَا صَبِيٌّ) وذلك أنَّ أباه كان عاملًا لكسرى على الأيلة (٣)، وكانت منازلهم بأرض الموصل، فأغارت عليهم الرُّوم، فَسَبَتْ صهيبًا صبيًّا (٤)، فنشأ عند الرُّوم فصار أَلْكَنَ، فابتاعه رجلٌ من كلبٍ منهم وقدم به مكَّة، فاشتراه ابن جدعان وأعتقه كما مرَّ [خ¦٦٧/ ١٠٤ - ٧٧٥٢] فلذا قال له عبد الرَّحمن ذلك، وموضع التَّرجمة منه كون ابن جدعان اشتراه وأعتقه.

стр. 4763

٢٢٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام: (أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ) بالحاء المهمَلة المكسورة والزَّاي (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ) أي: أَخْبِرني (أُمُورًا (١) كُنْتُ أَتَحَنَّثُ) بالحاء المهملة وتشديد النُّون والمثلَّثة آخر الكلمة (أَوْ أَتَحَنَّتُ) بالمثنَّاة بدل المثلَّثة بالشَّكِّ، وكأنَّ المصنِّف رواه عن أبي اليمان بالوجهين ولذا قال في «الأدب» [خ¦٥٩٩٢] ويُقال أيضًا عن أبي اليمان: أتحنَّت، أي: بالمثنَّاة، إشارةً إلى ما أورده هنا، والذي رواه الكافَّة بالمثلَّثة، وغُلِّط القول بالمثنَّاة، وقال السَّفاقسيُّ: لا أعلم له وجهًا، ولم يذكره أحدٌ من اللُّغوييِّن بالمثنَّاة، والوهم فيه من شيوخ البخاريِّ، بدليل قوله في «الأدب»: ويُقال كما مرَّ، وإنَّما هو بالمثلَّثة، وهو مأخوذٌ من الحنث، فكأنَّه قال: أتوقَّى ما يؤثِّم (٢)، ولكن ليس المرادُ توقِّيَ الإثم فقط بل أعلى منه، وهو تحصيل البِرِّ، فكأنَّه قال: أرأيت أمورًا كنت أتبرَّر (بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ مِنْ صِلَةٍ) إحسانٍ للأقارب (وَعَتَاقَةٍ) للأرقَّاء (وَصَدَقَةٍ) للفقراء (هَلْ لِي فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ حَكِيمٌ ﵁: قَالَ) لي (رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَسْلَمْتَ عَلَى مَا) أي: مع ما، أو مستعليًا على ما (٣) (سَلَفَ لَكَ مِنْ خَيْرٍ) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «لك» (٤). ومطابقة الحديث للتَّرجمة ممَّا تضمَّنه من الصَّدقة والعتاقة من المشرك، فإنَّه يتضمَّن صحَّة ملك المشتري لأنَّ صحَّة العتق متوقِّفةٌ على صحَّة الملك، فيطابق قوله في التَّرجمة: وهِبَتِهِ وعِتْقِهِ، وهذا الحديث قد سبق في «الزَّكاة» في «باب من تصدَّق في الشِّرك ثمَّ أسلم» [خ¦١٤٣٦]

стр. 4764

وأخرجه أيضًا في «الأدب» [خ¦٥٩٩٢] وغيره [خ¦٢٥٣٨]. (١٠١) (بابُ) حكم (جُلُودِ المَيْتَةِ قَبْلَ أَنْ تُدْبَغَ) هل يصحُّ بيعها أم لا؟ ٢٢٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النَّسائيُّ، والد أبي بكر بن أبي خيثمة قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريُّ المدنيُّ نزيل بغداد قال: (حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ (أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ) -بتصغير الأوَّل- ابن عتبة بن مسعودٍ أحد الفقهاء السَّبعة (أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَنجاسرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ، فَقَالَ: هَلَّا اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟) بكسر الهمزة وتخفيف الهاء: الجلد قبل أن يُدبَغ، أو (١) سواءٌ دبغ أو لم يدبغ، وزاد مسلمٌ من طريق ابن عيينة: «هلَّا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟» (قَالُوا: إِنَّهَا مَيِّتَةٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على تعيين القائل، والمعنى: كيف تأمرنا بالانتفاع بها وقد حُرِّمَت علينا؟ فبيَّن لهم وجه التَّحريم حيث (٢) (قَالَ: إِنَّمَا حَُرُِّمَ أَكْلُهَا) بفتح الهمزة وجزم الكاف، و «حَُرُِّم»: بفتح الحاء وضمِّ الرَّاء مخففَّةً، ويجوز الضَّمُّ وتشديد الرَّاء مكسورةً، وفيه: جواز تخصيص الكتاب بالسُّنَّة لأنَّ لفظ القرآن (٣): ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وهو شاملٌ لجميع أجزائها في كلِّ حالٍ، فخَصَّتِ السُّنَّة ذلك بالأكل، واستدلَّ به الزُّهريُّ على جواز الانتفاع بجلد الميتة مطلقًا، سواءٌ دبغ أو لم يدبغ، لكن صحَّ التَّقييد بالدِّباغ من طريقٍ أخرى، وهي حجَّة الجمهور، واستثنى الشَّافعيُّ من الميتات الكلب والخنزير وما تولَّد منهما لنجاسة

стр. 4765

عينهما عنده، وقد تمسَّك بعضهم بخصوص هذا السَّبب، فقصر الجواز على المأكول لورود الخبر في الشَّاة، ويتقوَّى ذلك من حيث النَّظر لأنَّ الدِّباغ لا يزيد في التَّطهير على الذَّكاة، وغير المأكول لو ذُكِّيَ لم يطهر بالذَّكاة عند الأكثر، فكذلك بالدِّباغ، وأجاب من عمَّم بالتَّمسُّك بعموم اللَّفظ -وهو أولى من خصوص السَّبب- وبعموم الإذن بالمنفعة. وموضع التَّرجمة قوله: «هلَّا انتفعتم بإهابها؟» والانتفاع يدلُّ على جواز البيع. وقد سبق الحديث في «الزَّكاة» [خ¦١٤٩٢] وأخرجه أيضًا في «الذَّبائح» [خ¦٥٥٣١]. (١٠٢) (بابُ قَتْلِ الخِنْزِيرِ) هل هو مشروعٌ؟ فإن قلت: ما المناسبة في سوق هذا الباب هنا؟ أجيب: بأنَّه أشار به إلى أنَّ ما أمر بقتله لا يجوز بيعه. (وَقَالَ جَابِرٌ) هو ابن عبد الله الأنصاريُّ ﵄ ممَّا وصله المؤلِّف في «باب بيع الميِّتة والأصنام» [خ¦٢٢٣٦] (حَرَّمَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْعَ الخِنْزِيرِ). ٢٢٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ البغلانيُّ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ) -بفتح الياء المشدَّدة- سعيدٌ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَ) الله (الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) قال العارف شمس الدِّين بن اللَّبَّان: نسبة الأيدي إليه تعالى استعارةٌ لحقائق أنوارٍ علويَّةٍ يظهر عنها تصرُّفه وبطشه بدءًا وإعادة، وتلك الأنوار متفاوتةٌ في روح القرب، وعلى حسب تفاوتها وسَعة دوائرها تكون رتب التَّخصيص لِمَا ظهر عنها (لَيُوشِكَنَّ) بلام التَّوكيد المفتوحة وكسر الشِّين المعجمة وتشديد النُّون (أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ) أي: في هذه الأمَّة (ابْنُ مَرْيَمَ) بفتح أوَّل «يَنْزِل» وكسر ثالثه، و «أَنْ»: مصدريَّة في محلِّ رفعٍ على الفاعليَّة، أي: لَيُسرعنَّ أو لَيقربنَّ نزول ابن مريم من السَّماء، ينزل
следующие страницы →