الغلام (أَخِي يَا رَسُولَ اللهِ (١)، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي) زمعة (مِنْ وَلِيدَتِهِ) أي: جاريته، ولم تُسمَّ (فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى شَبَهِهِ، فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ) لكنَّه لم يعتمده لوجود ما هو أقوى منه، وهو الفراش (فَقَالَ) ﵊: (هُوَ) أي: الغلام (لَكَ يَا عَبْدُ) ولأبي ذرٍّ: «يا عبدُ بنَ زمعة» بضمِّ «عبد» ونصب (٢) «ابن» (الوَلَدُ) تابعٌ (لِلْفِرَاشِ) أي: لصاحبه، زوجًا كان (٣) أو سيِّدًا، خلافًا للحنفيَّة حيث قالوا: إنَّ ولد الأَمَةِ المستفرشة لا يلحق سيِّدها ما لم يقرَّ به، فلا عموم عندهم له في الأَمَةِ، وفيه بحثٌ تقدَّم في «باب تفسير الشُّبهات» أوائل «البيع» [خ¦٢٠٥٣] (وَلِلْعَاهِرِ) أي: الزَّاني (الحَجَرُ) أي: الخيبة، ولا حقَّ له في الولد (٤) (وَاحْتَجِبِي مِنْهُ) أي: من الغلام (يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ) هي أمُّ المؤمنين، أي: ندبًا واحتياطًا، وإلَّا فقد ثبت نسبه وأُخوَّته
стр. 4762
لها في ظاهر الشَّرع؛ لِمَا رأى من الشَّبه البيِّن بعتبة (فَلَمْ تَرَهُ سَوْدَةُ قَطُّ) وفي «باب الشّبهات» (١) [خ¦٢٠٥٣] فما رآها -أي: الغلام- حتَّى لحق بالله.
وموضع التَّرجمة منه: تقرير النَّبيِّ ﷺ مِلْكَ زمعةَ الوليدةَ، وإجراء أحكام الرِّقِّ عليها، فدلَّ على تنفيذ عهد المشرك والحكم به، وأنَّ تصرفه في ملكه يجوز كيف شاء، وهذا الحديث قد سبق في أوائل «البيع» [خ¦٢٠٥٣].
٢٢١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجَمة المشدَّدة، العبديُّ البصريُّ، أبو بكرٍ بندارٌ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هو محمَّد بن جعفر البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَعْدٍ) هو ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِيهِ) أنَّه قال: (قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ لِصُهَيْبٍ: اتَّقِ اللهَ، وَلَا تَدَّعِ) بغير ياء، وفي بعض النُّسخ: «ولا تدَّعي» بإشباع كسرة العين ياءً، أي: لا تنتسب (إِلَى غَيْرِ أَبِيكَ) لأنَّه كان يدَّعي أنَّه عربيٌّ نمريٌّ ولسانه (٢) أعجميٌّ، وكان يسوق نسبه إلى النَّمر بن قاسط، ويقول: إنَّ أمَّه من بني تميمٍ (فَقَالَ صُهَيْبٌ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا وَأَنِّي قُلْتُ ذَلِكَ) الادِّعاء إلى غير الأب (وَلَكِنِّي سُرِقْتُ) بضمِّ السِّين المهملة مبنيًّا للمفعول (وَأَنَا صَبِيٌّ) وذلك أنَّ أباه كان عاملًا لكسرى على الأيلة (٣)، وكانت منازلهم بأرض الموصل، فأغارت عليهم الرُّوم، فَسَبَتْ صهيبًا صبيًّا (٤)، فنشأ عند الرُّوم فصار أَلْكَنَ، فابتاعه رجلٌ من كلبٍ منهم وقدم به مكَّة، فاشتراه ابن جدعان وأعتقه كما مرَّ [خ¦٦٧/ ١٠٤ - ٧٧٥٢] فلذا قال له عبد الرَّحمن ذلك، وموضع التَّرجمة منه كون ابن جدعان اشتراه وأعتقه.
стр. 4763
٢٢٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام: (أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ) بالحاء المهمَلة المكسورة والزَّاي (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ) أي: أَخْبِرني (أُمُورًا (١) كُنْتُ أَتَحَنَّثُ) بالحاء المهملة وتشديد النُّون والمثلَّثة آخر الكلمة (أَوْ أَتَحَنَّتُ) بالمثنَّاة بدل المثلَّثة بالشَّكِّ، وكأنَّ المصنِّف رواه عن أبي اليمان بالوجهين ولذا قال في «الأدب» [خ¦٥٩٩٢] ويُقال أيضًا عن أبي اليمان: أتحنَّت، أي: بالمثنَّاة، إشارةً إلى ما أورده هنا، والذي رواه الكافَّة بالمثلَّثة، وغُلِّط القول بالمثنَّاة، وقال السَّفاقسيُّ: لا أعلم له وجهًا، ولم يذكره أحدٌ من اللُّغوييِّن بالمثنَّاة، والوهم فيه من شيوخ البخاريِّ، بدليل قوله في «الأدب»: ويُقال كما مرَّ، وإنَّما هو بالمثلَّثة، وهو مأخوذٌ من الحنث، فكأنَّه قال: أتوقَّى ما يؤثِّم (٢)، ولكن ليس المرادُ توقِّيَ الإثم فقط بل أعلى منه، وهو تحصيل البِرِّ، فكأنَّه قال: أرأيت أمورًا كنت أتبرَّر (بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ مِنْ صِلَةٍ) إحسانٍ للأقارب (وَعَتَاقَةٍ) للأرقَّاء (وَصَدَقَةٍ) للفقراء (هَلْ لِي فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ حَكِيمٌ ﵁: قَالَ) لي (رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَسْلَمْتَ عَلَى مَا) أي: مع ما، أو مستعليًا على ما (٣) (سَلَفَ لَكَ مِنْ خَيْرٍ) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «لك» (٤).
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ممَّا تضمَّنه من الصَّدقة والعتاقة من المشرك، فإنَّه يتضمَّن صحَّة ملك المشتري لأنَّ صحَّة العتق متوقِّفةٌ على صحَّة الملك، فيطابق قوله في التَّرجمة: وهِبَتِهِ وعِتْقِهِ، وهذا الحديث قد سبق في «الزَّكاة» في «باب من تصدَّق في الشِّرك ثمَّ أسلم» [خ¦١٤٣٦]
стр. 4764
وأخرجه أيضًا في «الأدب» [خ¦٥٩٩٢] وغيره [خ¦٢٥٣٨].
(١٠١) (بابُ) حكم (جُلُودِ المَيْتَةِ قَبْلَ أَنْ تُدْبَغَ) هل يصحُّ بيعها أم لا؟
٢٢٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النَّسائيُّ، والد أبي بكر بن أبي خيثمة قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريُّ المدنيُّ نزيل بغداد قال: (حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ (أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ) -بتصغير الأوَّل- ابن عتبة بن مسعودٍ أحد الفقهاء السَّبعة (أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَنجاسرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ، فَقَالَ: هَلَّا اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟) بكسر الهمزة وتخفيف الهاء: الجلد قبل أن يُدبَغ، أو (١) سواءٌ دبغ أو لم يدبغ، وزاد مسلمٌ من طريق ابن عيينة: «هلَّا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟» (قَالُوا: إِنَّهَا مَيِّتَةٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على تعيين القائل، والمعنى: كيف تأمرنا بالانتفاع بها وقد حُرِّمَت علينا؟ فبيَّن لهم وجه التَّحريم حيث (٢) (قَالَ: إِنَّمَا حَُرُِّمَ أَكْلُهَا) بفتح الهمزة وجزم الكاف، و «حَُرُِّم»: بفتح الحاء وضمِّ الرَّاء مخففَّةً، ويجوز الضَّمُّ وتشديد الرَّاء مكسورةً، وفيه: جواز تخصيص الكتاب بالسُّنَّة لأنَّ لفظ القرآن (٣): ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وهو شاملٌ لجميع أجزائها في كلِّ حالٍ، فخَصَّتِ السُّنَّة ذلك بالأكل، واستدلَّ به الزُّهريُّ على جواز الانتفاع بجلد الميتة مطلقًا، سواءٌ دبغ أو لم يدبغ، لكن صحَّ التَّقييد بالدِّباغ من طريقٍ أخرى، وهي حجَّة الجمهور، واستثنى الشَّافعيُّ من الميتات الكلب والخنزير وما تولَّد منهما لنجاسة
стр. 4765
عينهما عنده، وقد تمسَّك بعضهم بخصوص هذا السَّبب، فقصر الجواز على المأكول لورود الخبر في الشَّاة، ويتقوَّى ذلك من حيث النَّظر لأنَّ الدِّباغ لا يزيد في التَّطهير على الذَّكاة، وغير المأكول لو ذُكِّيَ لم يطهر بالذَّكاة عند الأكثر، فكذلك بالدِّباغ، وأجاب من عمَّم بالتَّمسُّك بعموم اللَّفظ -وهو أولى من خصوص السَّبب- وبعموم الإذن بالمنفعة.
وموضع التَّرجمة قوله: «هلَّا انتفعتم بإهابها؟» والانتفاع يدلُّ على جواز البيع.
وقد سبق الحديث في «الزَّكاة» [خ¦١٤٩٢] وأخرجه أيضًا في «الذَّبائح» [خ¦٥٥٣١].
(١٠٢) (بابُ قَتْلِ الخِنْزِيرِ) هل هو مشروعٌ؟ فإن قلت: ما المناسبة في سوق هذا الباب هنا؟ أجيب: بأنَّه أشار به إلى أنَّ ما أمر بقتله لا يجوز بيعه.
(وَقَالَ جَابِرٌ) هو ابن عبد الله الأنصاريُّ ﵄ ممَّا وصله المؤلِّف في «باب بيع الميِّتة والأصنام» [خ¦٢٢٣٦] (حَرَّمَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْعَ الخِنْزِيرِ).
٢٢٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ البغلانيُّ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ) -بفتح الياء المشدَّدة- سعيدٌ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَ) الله (الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) قال العارف شمس الدِّين بن اللَّبَّان: نسبة الأيدي إليه تعالى استعارةٌ لحقائق أنوارٍ علويَّةٍ يظهر عنها تصرُّفه وبطشه بدءًا وإعادة، وتلك الأنوار متفاوتةٌ في روح القرب، وعلى حسب تفاوتها وسَعة دوائرها تكون رتب التَّخصيص لِمَا ظهر عنها (لَيُوشِكَنَّ) بلام التَّوكيد المفتوحة وكسر الشِّين المعجمة وتشديد النُّون (أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ) أي: في هذه الأمَّة (ابْنُ مَرْيَمَ) بفتح أوَّل «يَنْزِل» وكسر ثالثه، و «أَنْ»: مصدريَّة في محلِّ رفعٍ على الفاعليَّة، أي: لَيُسرعنَّ أو لَيقربنَّ نزول ابن مريم من السَّماء، ينزل
стр. 4766
عند المنارة البيضاء شرقيَّ دمشق، واضعًا كفَّيه على أجنحة مَلَكين (حَكَمًا) بفتحتين، أي: حاكمًا (مُقْسِطًا) عادلًا، يُقال: أقسط إذا عدل، وقسط إذا جار، أي: حاكمًا من حكَّام هذه الأمَّة بهذه الشَّريعة المحمَّديَّة، لا نبيًّا برسالةٍ مستقلَّةٍ وشريعةٍ ناسخةٍ (فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ) الَّذي تُعظِّمه النَّصارى، والأصل فيه ما روي: أنَّ رَهطًا من اليهود سبُّوا عيسى وأمَّه عليهما الصلاة والسلام، فدعا عليهم، فمسخهم الله قردةً وخنازيرَ، فأجمعت اليهود على قتله، فأخبره الله بأنَّه يرفعه إلى السَّماء، فقال لأصحابه: أيُّكم يرضى أن يُلقى عليه شبهي (١) فيُقتَل ويُصلَب ويدخلَ الجنَّة؟ فقام رجلٌ منهم، فألقى الله عليه شبهه، فقُتِل وصُلِب، وقيل: كان رجلًا ينافقه، فخرج ليدلَّ عليه، فدخل بيت عيسى، ورُفِع عيسى، وأُلقِي شبهه على المنافق، فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنُّون أنَّه عيسى، ثمَّ اختلفوا، فقال بعضهم: إنَّه إلهٌ لا يصحُّ قتله، وقال بعضهم: إنَّه قد (٢) قُتِل وصُلِب، وقال بعضهم: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان صاحبنا فأين عيسى؟ وقال بعضهم: رُفِعَ إلى السَّماء، وقال بعضهم: الوجه وجه عيسى، والبدن بدن صاحبنا، ثمَّ تسلَّطوا على أصحاب عيسى ﵇ بالقتل والصَّلب والحبس حتَّى بلغ أمرهم إلى صاحب الرُّوم، فقيل له (٣): إنَّ اليهود قد تسلَّطوا على أصحاب رجلٍ كان يُذكَر لهم أنَّه رسول الله، وأنَّه (٤) كان يُحيي الموتى، ويُبرِئ الأكمه والأبرص، ويفعل العجائب، فعَدَوْا عليه فقتلوه وصلبوه، فأرسل إلى المصلوب فوُضِع عن جذعه، وجيء بالجذع الَّذي صُلِبَ عليه فعظَّمه صاحب الرُّوم، وجعلوا منه صلبانًا، فمن ثَمَّ عظَّم النَّصارى الصُّلبان، فكَسْرُ عيسى ﵊ الصَّليبَ إذا نزل فيه تكذيبُهم، وإبطالٌ لِمَا يدَّعونه من تعظيمه، وإبطالُ دين النَّصارى، والفاء في «فيكسر» تفصيليَّة لقوله: «حكمًا مقسطًا» (٥)، والرَّاء نصبٌ عطفًا على الفعل المنصوب قبله، وكذا قوله: (وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ) أي: يأمر بإعدامه مبالغة في تحريم أكله، وفيه بيانٌ أنَّه نجسٌ؛ لأنَّ عيسى ﵇ إنَّما يقتله بحكم هذه الشَّريعة المحمَّديَّة،
стр. 4767
والشيء الطَّاهر المنتفَع به لا يُباح إتلافه، وهذا موضع التَّرجمة على ما لا يخفى (وَيَضَعَ الجِزْيَةَ) عن ذمَّتهم، أي: يرفعها، وذلك بأن (١) يحمل النَّاس على دين الإسلام، فيسلمون وتسقط عنهم الجزية، وقيل: يضعها: يضربها عليهم ويلزمهم (٢) إيَّاها من غير محاباةٍ، وهذا قاله عياضٌ احتمالًا (٣)، وتعقَّبه النَّوويُّ بأنَّ الصَّواب أنَّ عيسى ﵇ لا يقبل إلَّا الإسلام، والجزية وإن كانت مشروعةً في هذه الشَّريعة لكنَّ (٤) مشروعيَّتها تنقطع بزمن عيسى (٥) ﵇، وليس عيسى بناسخٍ حكمها، بل نبيُّنا هو المبيِّن للنَّسخ بقوله هذا، والفعل بالنَّصب عطفًا على المنصوب السَّابق، وكذا قوله: (وَيَفِيضَ) بفتح التَّحتيَّة وكسر الفاء وبالضَّاد المعجمة، أي: يكثر (المَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ) لكثرته واستغناء كلِّ أحدٍ بما في يديه (٦) بسبب نزول البركات، وتوالي الخيرات بسبب العدل وعدم الظُّلم، وتُخرج الأرض كنوزها، وتقلُّ الرَّغبات في اقتناء المال لعلمهم بقرب السَّاعة، وقوله: «ويفيضَُ» ضبطه الدِّمياطيُّ بالنَّصب كما مرَّ، وضبطه ابن التِّين السَّفاقسيُّ بالرَّفع على الاستئناف، قال: لأنَّه ليس من فعل عيسى ﵊.
وهذا الحديث أخرجه في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٤٨]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «الفتن» وقال: حسنٌ صحيحٌ.
(١٠٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يُذَابُ شَحْمُ المَيْتَةِ وَلَا يُبَاعُ وَدَكُهُ) بفتح الواو والمهمَلة: دسم
стр. 4768
اللَّحم ودهنه الَّذي يخرج منه (رَوَاهُ) بمعناه (جَابِرٌ) فيما رواه المؤلِّف في «باب بيع الميتة والأصنام» [خ¦٢٢٣٦] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬).
٢٢٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير المكِّيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (طَاوُسٌ) اليمانيُّ: (أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: بَلَغَ عُمَرَ) زاد أبو ذرٍّ: «بن الخطَّاب ﵁» (أَنَّ فُلَانًا) في مسلمٍ وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن ابن عيينة بهذا الإسناد: أنَّ (١) سَمُرة … ، وزاد البيهقيُّ من طريق الزَّعفرانيِّ عن سفيان: ابن جندب (بَاعَ خَمْرًا) أخذها من أهل الكتاب عن قيمة الجزية، فباعها منهم معتقدًا جواز ذلك، أو باع العصير ممَّن يتَّخذه خمرًا، والعصير يسمَّى خمرًا باعتبار ما يؤول إليه، أو يكون خلَّل الخمر ثمَّ باعها، ولا يُظَنُّ بسَمُرة أنَّه باع الخمر بعد أن شاع تحريمها؛ قاله القرطبيُّ، وقال الإسماعيليُّ: يحتمل أنَّ سَمُرة علم تحريمها ولم يعلم تحريم بيعها؛ ولذلك اقتصر عمر ﵁ على ذمِّه دون عقوبته (فَقَالَ: قَاتَلَ اللهُ فُلَانًا) يحتمل أنَّه لم يرد به الدُّعاء، وإنَّما هي كلمةٌ تقولها (٢) العرب عند إرادة الزَّجر؛ فقالها عمر تغليظًا، والظَّاهر أنَّ الرَّاوي لم يصرِّح بسمرة تأدُّبًا من أن ينسب لأحدٍ من الصَّحابة ما في ظاهره بشاعةٌ (٣)، ومن ثَمَّ لم يفسِّره صاحب «المصابيح» الشَّيخ بدر الدِّين الدَّمامينيُّ، وقال: رأيت الكفَّ عن ذلك وآثرت السُّكوت عنه -جزاه الله خيرًا- لكن لمَّا كان ذلك مُصرَّحًا به في كتب الحديث التي بأيدي النَّاس كان الأَولى التَّنبيه على المعنى، والله تعالى يهدينا سواء السَّبيل بمنِّه وكرمه (أَلَمْ يَعْلَمْ) أي: فلانٌ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ) والأصل في «فَاعَلَ» أن يكون من اثنين؛ فلعلَّه عبَّر عنه بما هو مُسَبَّبٌ عنه، فإنَّهم بما اخترعوا من الحيل انتصبوا فيها لمحاربة الله ومقاتلته ومن قاتله قتله، وفسَّره البخاريُّ من رواية أبي ذرٍّ:
стр. 4769
«فاللَّعنة»، وهو قول ابن عبَّاس، وقال الهرويُّ: معناه: قتلهم الله، وقال البيضاويُّ في سورة التوبة: ﴿قَاتَلَهُمُ اللّهُ﴾ [التوبة: ٣٠] دعاء عليهم بالهلاك فإنَّ من قاتله الله هلك (١)، وهو معنى ما سبق (حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ) وجُمِعَ الشَّحم لاختلاف أنواعه، وإلَّا فهو اسم جنسٍ حقُّه الإفراد، أي: حرَّم عليهم أكلها مطلقًا من الميتة وغيرها، وإلَّا فلو حرَّم عليهم بيعها لم يكن لهم حيلةٌ فيما صنعوه من إذابتها المذكورة بقوله: (فَجَمَلُوهَا) بفتح الجيم والميم، أي: أذابوها (فَبَاعُوهَا؟!) يعني: فبيعُ فلانٍ الخمرَ مثل بيع اليهود الشَّحم المُذاب، وكلُّ ما حُرِّم تناوله حُرِّم بيعه، نعم المذاب للاستصباح ليس بحرامٍ؛ لأنَّ الدُّعاء عليهم إنَّما هو مُرتَّبٌ على المجموع، وفيه استعمال القياس في الأشباه والنَّظائر، وتحريم بيع الخمر.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «ذكر بني إسرائيل» [خ¦٣٤٦٠]، ومسلمٌ في «البيوع»، والنَّسائيُّ في «الذَّبائح» و «التَّفسير»، وابن ماجه في «الأشربة».
٢٢٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله بن عثمان المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيدَ الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه قال: (سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: قَاتَلَ اللهُ يَهُودَ) بغير تنوينٍ لأنَّه لا ينصرف للعلميَّة والتَّأنيث؛ لأنَّه عَلَمٌ للقبيلة، ويُروَى: «يهودًا» بالتَّنوين على إرادة الحيِّ (٢) فيصير بعلَّةٍ واحدةٍ، فينصرف (٣)، وفي بعض الأصول: «قاتل الله اليهود» بالألف واللَّام (حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا) جمع ثَمَنٍ، ولم يقل في هذه الطَّريق: «فجمَلوها»، وزاد هنا في بعض الأصول في رواية المُستملي: «قال أبو عبد الله» البخاريُّ: «قاتلهم الله: لعنهم» الله؛ وهو تفسيرٌ «لقاتلَ» في اليهود، لا «لقاتل» الواقع من عمر ﵁ في حقِّ فلانٍ، واستشهد المؤلِّف على ذلك بقوله تعالى: «﴿قُتِلَ﴾» أي: «لُعِن (٤) ﴿الْخَرَّاصُونَ﴾» [الذاريات: ١٠] أي: «الكذابون» وهو تفسير ابن عبَّاسٍ، رواه الطَّبريُّ عنه في «تفسيره».
(١٠٤) (بابُ بَيْعِ التَّصَاوِيرِ) أي: المصوَّرات (الَّتِي لَيْسَ فِيهَا رُوحٌ) كالأشجار ونحوها (وَ) بيان (مَا يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ) اتِّخاذًا وبيعًا وعملًا ونحوها.
٢٢٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) الحجبيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) -مصغَّرًا- قال: (أَخْبَرَنَا عَوْفٌ) بفتح العين آخره فاءٌ، ابن أبي حميدٍ المعروف بالأعرابيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الحَسَنِ) هو أخو الحسن البصريّ، وأسنُّ منه، ومات قبله، وليس له في «البخاريِّ» موصولًا سوى هذا الحديث، أنَّه (قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (فَقَالَ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ) هي كنية عبد الله بن عبَّاسٍ، وفي بعض الأصول:
مَا سَمِعْتُ (١) رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ (٢)، سَمِعْتُهُ (٣) يَقُولُ: مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فَإِنَّ اللهَ مُعَذِّبُهُ) بها (حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا) أي: في الصُّورة (الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا (٤)) الرُّوح (أَبَدًا) فهو يُعذَّب أبدًا (فَرَبَا الرَّجُلُ) أصابه الرَّبو، وهو مرضٌ يعلو منه النَّفَس ويضيق الصَّدر، أو ذُعِرَ وامتلأ خوفًا، أو انتفخ (رَُِبْوَةً شَدِيدَةً) بتثليث الرَّاء (وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ) بسبب ما عرض له (فَقَالَ) له ابن عبَّاسٍ: (وَيْحَكَ) كلمة ترحُّمٍ كما أنَّ «ويلك» كلمة عذابٍ (إِنْ أَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ) ما ذكرت من التَّصاوير (فَعَلَيْكَ بِهَذَا الشَّجَرِ) ونحوه (كُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ) لا بأس بتصويره، و «كلِّ» بالجرِّ، بدل كلٍّ من بعضٍ، كقوله:
نضَّر الله أعظمًا دفنوها … بسِجِسْتَانَ طلحةَ الطَّلَحَاتِ
أو (٥) مضافٍ محذوفٍ، أي: عليك بمثل الشَّجر، أو واو العطف مُقدَّرةٌ، أي: وكلِّ شيءٍ، كما في «التَّحيات الصَّلوات» إذ معناه: والصَّلوات، وكذا في «صحيح مسلمٍ»: فاصنع الشَّجر وما لا نفس له، ولأبي نُعيمٍ: فعليك بهذا الشَّجر وكلِّ شيءٍ ليس فيه روحٌ، بإثبات واو العطف، بل وجدتها كذلك في أصلٍ من «البخاريِّ» مسموعٍ على الشَّرف الميدوميِّ عن الزَّكيِّ المنذريِّ، وهذا مذهب الجمهور، واستنبطه ابن عبَّاسٍ من قوله ﷺ : «فإنَّ الله معذِّبه حتَّى ينفخ»، فدلَّ على أنَّ المصوِّر إنَّما يستحقُّ هذا العذاب؛ لكونه قد باشر تصوير حيوانٍ يختصُّ بالله ، وتصوير جمادٍ ليس في معنى ذلك لا بأس به، وقوله: «فعليك بهذا الشَّجر كلِّ (٦)» كذا في الفرع من غير واو، وفي غيره: بإثباتها. (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (سَمِعَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ مِنَ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ) بالضَّاد المعجمة (هَذَا) الحديثَ (الوَاحِدَ) أشار بـ «هذا» إلى
стр. 4772
ما رواه في «اللِّباس» [خ¦٥٩٦٣] من طريق عبد الأعلى عن سعيدٍ عن النَّضر عن قتادة (١) عن ابن عبَّاسٍ بمعناه، ويأتي ما بين الطَّريقين من التَّغاير هناك إن شاء الله تعالى.
(١٠٥) (بابُ تَحْرِيمِ التِّجَارَةِ فِي الخَمْرِ) سبقت هذه التَّرجمة في «أبواب المساجد» [خ¦٨/ ٧٣ - ٧٥٨] لكن بقيد «المسجد» (وَقَالَ جَابِرٌ) الأنصاريُّ ممَّا هو موصولٌ في «باب بيع الميتة والأصنام» [خ¦٢٢٣٦]: (حَرَّمَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْعَ الخَمْرِ).
٢٢٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابن إبراهيم الأزديُّ القصَّاب البصريُّ (٢) قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مِهْران (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلم بن صبيحٍ الكوفيِّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع الهَمْدانيُّ الكوفيُّ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها قالت: (لَمَّا نَزَلَتْ آيَاتُ سُورَةِ البَقَرَةِ عَنْ آخِرِهَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «من آخرها» بالميم، أي: من أوَّل آية الرِّبا إلى آخر السُّورة (خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) من حجرته إلى المسجد (فَقَالَ: حُرِّمَتِ التِّجَارَةُ فِي الخَمْرِ) وهذا الحديث سبق في «باب تحريم تجارة الخمر في المسجد» [خ¦٤٥٩].
(١٠٦) (بابُ إِثْمِ مَنْ بَاعَ حُرًّا) عالمًا متعمِّدًا.
стр. 4773
٢٢٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي بعض الأصول: «حدَّثنا» (بِشْرُ ابْنُ مَرْحُومٍ) بكسر الموحَّدة وسكون الشِّين المعجمة، ومَرْحُوم: بفتح الميم وسكون الرَّاء وضمِّ الحاء المهملة، وهو بشر بن عُبَيسٍ -بضمِّ العين وفتح الموحَّدة وآخره سينٌ مهملةٌ- ابن مرحوم بن عبد العزيز بن مهران العطَّار البصريُّ، مولى آل (١) معاوية بن أبي سفيان قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ) بضمِّ السِّين وفتح اللَّام، القرشيُّ الطَّائفيُّ، وتُكُلِّم فيه، والتَّحقيق أنَّ الكلام فيه إنَّما هو في روايته عن عبيد (٢) الله بن عمر خاصَّةً، وليس له في البخاريِّ موصولًا إلَّا هذا الحديث، وقد ذكره في «الإجارة» [خ¦٢٢٧٠] من وجهٍ آخر (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ) بن عمرو بن سعيد بن العاصي الأمويِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) المقبريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ اللَّهُ) : (ثَلَاثَةٌ) أي: من النَّاس (أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي) أي: أعطى العهد باسمي واليمين بي، وذِكْرُ الثَّلاثةِ ليس للتَّخصيص؛ لأنَّه خصمٌ لجميع الظَّالمين، ولكنَّه أراد التَّشديد على هؤلاء الثَّلاثة، والخصم يقع على الواحد فما فوقه والمذكَّر والمؤنَّث بلفظٍ واحدٍ (ثُمَّ غَدَرَ) نقض العهد الَّذي عليه ولم يفِ به (وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا) عالمًا متعمِّدًا (فَأَكَلَ ثَمَنَهُ) وخصَّ الأكل بالذِّكر؛ لأنَّه أعظم مقصودٍ، وفي حديث عبد الله بن عمر عند أبي داود مرفوعًا: «ورجلٌ اعتبد محرّرًا»، وهو أعمُّ من الأوَّل في الفعل، وأخصُّ منه في المفعول به، واعتباد الحرِّ -كما قاله الخطابيُّ- يقع بأمرين: إمَّا بأن يعتقه ثمَّ يكتم ذلك أو يجحده، وإمَّا بأن يستخدمه كرهًا بعد العتق، والأوَّل أشدُّهما، قال ابن الجوزيِّ: الحرُّ عبد الله، فمن جنى عليه فخصمه (٣) سيِّده (وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ) العمل (وَلَمْ يُعْطِ (٤) أَجْرَهُ) بفتح الهمزة، وهذا كاستخدام الحرِّ؛ لأنَّه استخدمه بغير عوضٍ، فهو عين الظُّلم.
وهذا الحديث من أفراد المؤلِّف رحمه الله تعالى.
стр. 4774
(١٠٧) (بابُ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ اليَهُودَ بِبَيْعِ أَرَضِيهِمْ) قال الحافظ ابن حجرٍ: كذا في رواية أبي ذرٍّ: بفتح الرَّاء وكسر الضَّاد المعجَمة، جمع أَرْضٍ، وهو جمعٌ شاذٌّ؛ لأنَّه جَمْعُ جَمْعِ (١) سلامةٍ، ولم يَبْقَ مفردُه سالمًا؛ لأنَّ الرَّاء في المفرد ساكنةٌ، وفي الجمع محرَّكةٌ، وفي نسخةٍ: «أرْضِهم» بسكون الرَّاء على الإفراد (وَ) بيع (دِمَنِهِمْ) وهذه اللَّفظة «دِمَنِهِم» (٢) ساقطةٌ في بعض الأصول (حِينَ (٣) أَجْلَاهُمْ) بالجيم السَّاكنة بعد الهمزة المفتوحة، أي: أخرجهم من المدينة (فِيهِ المَقْبُرِيُّ) أي: حديثه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) المرويُّ في «باب إخراج اليهود من جزيرة العرب» من «كتاب الجهاد» [خ¦٣١٦٧] ولفظه: بينما نحن في المسجد خرج النَّبيُّ ﷺ فقال: «انطلقوا إلى يَهُودَ» فخرجنا حتى جئنا بيت المِدراس، فقال: «أسلِموا تَسْلَموا، واعلموا أنَّ الأرضَ لله ورسوله، وإنِّي أريد أن أجليكم من هذه الأرض، فمن يجد (٤) منكم بماله شيئًا فَلْيَبِعْه، وإلَّا فاعلموا أنَّ الأرض لله ورسوله». قال الزَّركشيُّ وغيره: إنَّ اليهود هم بنو النَّضير، والظَّاهر أنَّهم بقايا من اليهود تخلَّفوا بالمدينة بعد إجلاء بني قينقاع وقريظة والنَّضير والفراغ من أمرهم؛ لأنَّ هذا كان قبل إسلام أبي هريرة؛ لأنَّه إنَّما جاء بعد فتح خيبر كما هو مقرَّرٌ معروفٌ، وقد أقرَّ النَّبيُّ (٥) ﷺ يهود خيبر على أن يعملوا في الأرض، واستمرُّوا إلى أن أجلاهم عمر ﵁، قال ابن المُنيِّر: والعجب أنَّ ترجمة البخاريِّ هنا على بيع اليهود أرَضيهم (٦)، ولم يذكر فيه إلَّا حديث أبي هريرة، وليس فيه للأرض ذكرٌ إلَّا أن يكون أخذ ذلك بطريق العموم من قوله: «فمن
стр. 4775
وجد (١) بماله شيئًا فليبعه»، والمال أعمُّ من الأرض، فتدخل فيه الأرضون، وهذا بابٌ ساقطٌ من (٢) بعض النُّسخ، وهو ثابتٌ في فرعٍ من الفروع المقابَلة بـ «اليونينيَّة»، لكنَّه رُقِم عليه علامة السُّقوط.
(١٠٨) (بابُ) حكم (بَيْعِ العَبِيدِ) أي: بالعبيد نسيئة، وفي نُسَخٍ: «بيع العبد» بالإفراد (وَ) بيع (الحَيَوَانِ بِالحَيَوَانِ نَسِيئَةً) من عطف العامِّ على الخاصِّ. (وَاشْتَرَى ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ -فيما رواه مالكٌ في «الموطأ» والشَّافعيُّ عنه عن نافعٍ، وابن أبي شيبة من طريق أبي بشرٍ عن نافعٍ عن ابن عمر- (رَاحِلَةً) هي ما أمكن ركوبُه من الإبل ذكرًا كان (٣) أو أنثى (بِأَرْبَعَةِ أَبْعِرَةٍ مَضْمُونَةٍ) تلك الرَّاحلة (عَلَيْهِ) أي: على البائع (يُوفِيهَا صَاحِبَهَا) أي: يسلِّمها البائع إلى صاحبها الَّذي اشتراها منه (بِالرَّبَذَةِ) بفتح الرَّاء والموحَّدة والذَّال المعجمة: موضعٌ بين مكَّة والمدينة (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما وصله إمامنا الشَّافعيُّ ﵀ من طريق طاوسٍ عنه: (قَدْ يَكُونُ البَعِيرُ خَيْرًا مِنَ البَعِيرَيْنِ، وَاشْتَرَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الدَّال المهملة آخره جيمٌ، الأنصاريُّ الحارثيُّ، ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق (بَعِيرًا بِبَعِيرَيْنِ فَأَعْطَاهُ) أي: فأعطى رافعٌ الَّذي باع (٤) (أَحَدَهُمَا) أحدَ البعيرين (وَقَالَ): أنا (آتِيكَ بـ) البعير (الآخَرِ غَدًا)
стр. 4776
إتيانًا (رَهْوًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ) براءٍ مفتوحةٍ وهاءٍ ساكنةٍ فواوٍ: سهلًا بلا شدَّةٍ ولا مماطلةٍ، أو المراد: أنَّ المأتيَّ به يكون سهل السَّير غير خشنٍ، وحينئذٍ فيكون نصب «رهوًا» على الحال. (وَقَالَ ابْنُ المُسَيَّبِ) سعيدٌ التابعيُّ الجليل: (لَا رِبَا فِي الحَيَوَانِ) هذا وصله مالكٌ عن ابن شهابٍ عنه في «الموطَّأ»، وزاد: أنَّ رسول الله ﷺ إنَّما نهى في بيع الحيوان عن ثلاثةٍ: المضامين والملاقيح وحَبَل الحَبَلة، ووصل ابن أبي شيبة من طريقٍ أخرى عن الزُّهريِّ عنه قال (١): (البَعِيرُ بِالبَعِيرَيْنِ) وسقط «بالبعيرين» لغير أبي ذرٍّ (٢) (وَالشَّاةُ بِالشَّاتَيْنِ إِلَى أَجَلٍ) ولفظ ابن أبي شيبة: «نسيئةً»، والمعنى واحدٌ (وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ التابعيُّ الكبير فيما وصله عبد الرَّزَّاق: (لَا بَأْسَ بَعِيرٌ) ولأبي ذرٍّ: «لا بأس ببعيرٍ» (بِبَعِيرَيْنِ نَسِيئَةً) زاد في غير الفرع وأصله (٣) بعد قوله «ببعيرين»: «ودرهمٌ بدرهمٍ» والأوَّل رفعٌ على رواية غير أبي ذرٍّ، وعليها جرٌّ، وفي بعض الرِّوايات: «ودرهمٌ بدرهمين» بالتَّثنية وهو خطأٌ، والصَّواب الإفراد كما هو في رواية أبي ذرٍّ، وكذا هو بالإفراد عند عبد الرَّزَّاق، وزاد: فإن كان أحد البعيرين نسيئةً فهو مكروهٌ، وروى سعيد بن منصورٍ من طريق يونس عنه: أنَّه كان لا يرى بأسًا بالحيوان يدًا بيدٍ والدَّراهم (٤) نسيئةً، ويُكرَه أن تكونَ الدَّراهم نقدًا والحيوان نسيئةً، ومذهب الشَّافعيَّة: أنَّه لا ربًا في الحيوان مطلقًا كما قال ابن المسيَّب، لأنَّه لا يعدُّ للأكل على هيئته، فيجوز بيع العبد بالعبد نسيئةً، وبيع العبد بعبدين أو أكثر نسيئةً، وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وقال مالكٌ: إنَّما يجوز إذا اختلف الجنس.
٢٢٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ البصريُّ قاضي مكَّة قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
стр. 4777
زَيْدٍ) أي: ابن درهم الجهضميُّ (عَنْ ثَابِتٍ) البنانيِّ (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالكٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ فِي السَّبْيِ) أي: سبي خيبر (صَفِيَّةُ) بنت حُيَيِّ بن أخطب (فَصَارَتْ إِلَى دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ) في رواية عبد العزيز بن صهيبٍ عن أنسٍ [خ¦٣٧١]: فجاء دحية، فقال: أعطني يا رسول الله جاريةً من السَّبي، فقال: «اذهب فخذ جاريةً»، فأخذ صفيَّة، فجاء رجلٌ فقال: يا نبيَّ الله أعطيت دحية صفيَّة سيِّدة قريظة والنَّضير، لا تصلح إلَّا لك، قال: «ادعوه بها»، فلمَّا نظر إليها النَّبيُّ ﷺ قال: «خذ جاريةً من السَّبي غيرها» (ثُمَّ صَارَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) ولمسلمٍ: أنَّه ﷺ اشترى صفيَّة منه بسبعة أرؤسٍ، وليس في قوله: «بسبعة أرؤس» ما يُنافي قوله في رواية عبد العزيز: «خذ جاريةً من السَّبي غيرها» إذ ليس فيه دلالةٌ على نفي الزِّيادة، وقد أورد المؤلِّف هذا الحديث مختصرًا وليس فيه ما ترجم له، ولعلَّه أشار إلى نحو روايتَي مسلمٍ وعبد العزيز السَّابقتين، وقال ابن بطَّال: يُنزَّل تبديلها بجاريةٍ غير معينةٍ يختارها منزلةَ بيع جاريةٍ بجاريةٍ نسيئةً.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «البيع» [خ¦٢٢٣٥] قريبًا و «النِّكاح» [خ¦٥١٦٩] و «غزوة خيبر» [خ¦٤٢٠٠]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ في «النِّكاح».
(١٠٩) (بابُ بَيْعِ الرَّقِيقِ).
٢٢٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ الحمصيُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ): هو ابن أبي حمزة الحمصيُّ أيضًا (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ مُحَيْرِيزٍ) بضمِّ الميم وفتح الحاء المهمَلة وبعد الياء السَّاكنة راءٌ، آخره زايٌ مصغَّرًا، عبد الله الجمحيُّ: (أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ بَيْنَمَا) بالميم (هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ
стр. 4778
قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ) وفي بعض الأصول: «قال رجلٌ: يا رسول الله»، وفسَّره الحافظ ابن حجرٍ في «المقدِّمة»: بأنَّه مجدي (١) بن عمرو الضَّمريُّ كما سيأتي في «القدر» [خ¦٦٦٠٣] إن شاء الله تعالى (إِنَّا نُصِيبُ سَبْيًا) أي: نُجامِعُ الإماء المَسْبِيَّاتِ (فَنُحِبُّ الأَثْمَانَ) فنعزل الذَّكر عن الفرج وقت الإنزال حتى لا نُنزِل فيه؛ دفعًا لحصول الولد المانع من البيع (فَكَيْفَ تَرَى فِي العَزْلِ) أهو جائزٌ أم لا؟ (فَقَالَ) ﵊: (أَوَإِنَّكُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟) بفتح الواو وكسر همزة «إنَّ»، والهمزة الدَّاخلة على الواو للاستفهام، وهذا الاستفهام فيه إشعارٌ بأنَّه ﷺ ما كان اطَّلع على فعلهم ذلك، وقد كانت دواعيهم متوفِّرةً على سؤاله عن أمور الدِّين، فإذا فعلوا شيئًا وعلموا أنَّه لم يطَّلع عليه بادروا إلى سؤاله عن الحكم فيه (لَا) حرج (عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذَلِكُمْ) بميم الجمع، أي: ليس عدمُ الفعل واجبًا عليكم، وقال الفرَّاء: «لا» زائدةٌ، أي: لا بأس عليكم في فعله، وقد صرَّح بجواز العزل (٢) في حديث جابرٍ المرويِّ في «مسلمٍ»، حيث قال: «اعزِل عنها إن شئت»، وعند الشافعيَّة خلافٌ مشهورٌ في جواز العزل عن الحرَّة بغير إذنها، قال الغزاليُّ وغيره (٣): يجوز، وهو الصَّحيح عند المتأخِّرين، والوجه الآخر الجزم بالمنع إذا امتنعت، وفيما إذا رضيت وجهان، أصحُّهما الجواز وهذا كلُّه في الحرَّة، وأمَّا الأمة فإن كانت زوجةً فهي مترتِّبةٌ على الحرَّة، إن جاز فيها ففي الأمة أَولى، وإن امتنع فوجهان أصحُّهما الجواز؛ تحرُّزًا من إرقاق الولد، وإن كانت سُرِّيَّةً جاز بلا خلاف عندهم إلَّا في وجهٍ حكاه الرُّويانيُّ في المنع مطلقًا، واتَّفقت المذاهب الثَّلاثة على أن الحرَّة لا يُعزَل عنها إلَّا بإذنها، وأنَّ الأمة يُعزَل عنها بغير إذنها، واختلفوا في المزوَّجة (٤) فعند المالكيَّة: يحتاج إلى إذن سيِّدها، وهو قول أبي حنيفة والرَّاجح عند أحمد، وقال أبو يوسف ومحمد: الإذن لها، وقال المانعون: قوله في هذا الحديث: «لا عليكم أن لا تفعلوا» نفى الحرج عن عدم الفعل، فأفهم ثبوت الحرج في فعل العزل، ولو كان المراد نفي الحرج عن الفعل لقال: لا عليكم أن تفعلوا، وما ادُّعي من أنَّ «لا» زائدةٌ الأصلُ عدمه، ووقع في رواية مجاهدٍ في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٠٩] تعليقًا -ووصلها مسلمٌ
стр. 4779
وغيره- ذُكِرَ العزل عند رسول الله ﷺ ، فقال: «ولمَ يفعل ذلك أحدكم؟» ولم يقل (١): لا يفعل ذلك، فلم يصرِّح بالنَّهي، وإنَّما أشار إلى أنَّ الأَولى تركُ ذلك؛ لأنَّ العزل إن كان خشيةَ حصول الولد فلا فائدة في ذلك (فَإِنَّهَا لَيْسَتْ نَسَمَةٌ) بفتح النُّون والسِّين المهملة: نَفْسٌ أو إنسانٌ (كَتَبَ اللهُ أَنْ تَخْرُجَ) من العدم إلى الوجود (إِلَّا هِيَ خَارِجَةٌ) وفي بعض الأصول: «إلَّا وهي خارجةٌ» بثبوت الواو.
وبقيَّة مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في محلِّها، وقد أخرجه في «النِّكاح» [خ¦٥٢١٠] و «القدر» [خ¦٦٦٠٣] و «المغازي» [خ¦٤١٣٨] و «العتق» [خ¦٢٥٤٢] و «التَّوحيد» [خ¦٧٤٠٩] ومسلمٌ وأبو داود في «النِّكاح» والنَّسائيُّ في «العتق» و «عشرة النِّساء».
(١١٠) (بابُ بَيْعِ المُدَبَّرِ) وهو المعلَّق عتقُه بموت سيِّده، كأن يقول لعبده: إذا متُّ فأنت حرٌّ.
٢٢٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ) محمَّد بن عبد الله قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) هو ابن الجرَّاح الرُّؤاسيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي خالدٍ (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ) بضمِّ الكاف مصغَّرًا، الحضرميِّ (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريُّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: بَاعَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) يعقوب (المُدَبَّرَ) الذي أعتقه سيِّده أبو مذكورٍ -عن دبرٍ، وكان عليه دَينٌ، ولم يكن له مالٌ غيره من نعيمٍ النَّحَّام- بثمانِ مئةِ درهمٍ، وعند أبي داود من طريق هشيمٍ عن إسماعيل: بسبع مئةٍ أو تسع مئةٍ، على الشكِّ، فدفعها إليه، وقال له -كما في مسلمٍ وغيره (٢) -: «ابدأ بنفسك فتصدَّق عليها»، وعند النَّسائيِّ من طريق الأعمش عن سلمة بن كهيلٍ: فأعطاه وقال:
стр. 4780
«اقضِ دَينك»، وقد اتَّفقت الرِّواياتُ كلُّها على أنَّ بيعه كان في حياة الذي دبَّره، إلَّا ما رواه شريكٌ عن سلمة بن كُهَيلٍ: أنَّ رجلًا مات وترك مدبَّرًا ودَينًا، فأمرهم النَّبيُّ ﷺ أن يبيعوه في دينه (١)، فباعه (٢) في دَينه بثمان مئة درهمٍ، أخرجه الدارقُطنيُّ، ونقل عن شيخه أبي بكر النَّيسابوريِّ: أنَّ شريكًا أخطأ فيه، والصَّحيح ما رواه الأعمش وغيره عن سلمة، وفيه: ودفع ثمنه إليه، وللنَّسائيِّ من وجهٍ آخر عن إسماعيل بن أبي خالدٍ: ودفع ثمنه إلى مولاه، وقد كان شريكٌ تغيَّر حفظه لمَّا ولي القضاء، والتَّدبير: تعليق عتقٍ بصفةٍ، وفي قولٍ: وصيَّةٌ للعبد بعتقه، فلو باعه السَّيِّد ثمَّ ملكه لم يعد التَّدبير، ولو رجع عنه بقولٍ كأبطلته أو فسخته أو رجعت فيه صحَّ إن قلنا: إنَّه وصيةٌ، وإلَّا فلا يصحُّ، وهل التَّدبير عقدٌ جائزٌ أم لازمٌ؟ فمن قال: لازمٌ منع التَّصرُّف فيه إلَّا بالعتق فلا يصحُّ بيعه، ومن قال: جائزٌ أجاز بيعه، وبالأوَّل: قال مالكٌ والكوفيُّون، وبالثَّاني: قال الشَّافعيُّ وأهل الحديث لحديث الباب، ولأنَّ من أوصى بعتق شخصٍ جاز بيعه بالاتِّفاق، فيلحق به بيع المدبَّر؛ لأنَّه في معنى الوصيِّ، وأجاب الأوَّل: بأنَّها واقعة عينٍ لا عموم لها، فتحمل (٣) على بعض الصُّور، وهو اختصاص الجواز بما إذا كان عليه دينٌ، وهو مشهور قول أحمد.
وهذا الحديث قد سبق في «بيع المزايدة» [خ¦٢١٤١] وفي إسناده ثلاثةٌ من التَّابعين: إسماعيل وسلمة وعطاء، وأخرجه أبو داود في «العتق»، والنَّسائيُّ فيه وفي «البيوع» و «القضاء»، وابن ماجه في «الأحكام».
٢٢٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ، وفي «مسند الحميديِّ»: حدَّثنا عمرو بن دينارٍ أنَّه (سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ يَقُولُ: بَاعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) زاد ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» يعني: المدبَّر.
стр. 4781
٢٢٣٢ - ٢٢٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بضمِّ الزَّاي مُصغَّرًا، و «حربٍ»: بفتح الحاء المهملة وبعد الرَّاء السَّاكنة موحَّدةٌ، قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، القرشيُّ الزُّهريُّ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان أنَّه (قَالَ: حَدَّثَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ، و «حدَّث» فعلٌ ماضٍ بدون ضمير المفعول، و «ابنُ» فاعلٌ، وفي النُّسخة المقروءة على الميدوميِّ: «حدَّثتُ ابنَ شهابٍ» بتاء الفاعل وصُحِّح عليها وضبِّب، و «ابنَ»: نُصِب على المفعوليَّة، ولم يظهر لي توجيهها، وفي الهامش: «حدَّثنا» بنون الجمع: (أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ) -مُصغَّرًا- ابن عبد الله بن عتبة بن مسعودٍ، أحد الفقهاء السَّبعة (أَخْبَرَهُ: أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ) الجهنيَّ (وَأَبَا هُرَيْرَةَ ﵄ أَخْبَرَاهُ: أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يُسْأَلُ) بتحتيَّةٍ مضمومةٍ فسينٍ ساكنةٍ ثمَّ همزةٍ مفتوحةٍ، وللحَمُّويي والمُستملي: «سُئِل» بسينٍ مضمومةٍ فهمزةٍ مكسورةٍ مبنيًّا للمفعول فيهما (عَنِ الأَمَةِ تَزْنِي وَلَمْ تُحْصَِنْ) بالتَّزويج، و «تُحصَِنْ»: بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه بإسناد الإحصان إلى غيرها، ويجوز كسر الصَّاد على إسناد الإحصان إليها (قَالَ ﵊: اجْلِدُوهَا) أي: نصف ما على الحرائر من الحدِّ، قال تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] والرَّجم لا يتنصَّف (١)، فدَّل على عدم رجم الأمَة (ثُمَّ إِنْ زَنَتْ) أي: في الثَّانية (فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا) بعد الجلد إذا زنت (بَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوِ) قال: بعد (الرَّابِعَةِ) شكٌّ من الرَّاوي.
وهذا الحديث قد سبق في «باب بيع العبد الزَّاني» [خ¦٢١٥٣] [خ¦٢١٥٤] واستُشكِل إدخاله في بيع المُدبَّر، وأجاب الحافظ ابن حجرٍ: بأنَّ وجهَ دخوله هنا عمومُ الأمر ببيع الأَمة إذا زنت، فيشمل ما إذا كانت مُدبَّرةً أو غيرَ مدبَّرةٍ، فيُؤخذ منه جواز بيع المُدبَّر في الجملة، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه
стр. 4782
أخذ بعض كلامه هذا من الكِرمانيِّ، وزاد عليه من (١) عنده، وهو كلُّه ليس بمُوجَّهٍ؛ لأنَّ الأَمة المذكورة في الحديث إنَّما أمرهم (٢) ﵊ ببيعها لأجل تكرُّر زناها، والأمة المُدبَّرة يجوز بيعها عندهم سواءٌ تكرَّر الزِّنا منها أم لم (٣) يتكرَّر أم لم تزنِ، قال: وقوله: و «يُؤخَذ منه جواز بيع المُدبَّر في الجملة» كلامٌ واهٍ؛ لأنَّ الأخذ الذي ذكره لا يكون إلَّا بدلالةٍ من اللَّفظ من (٤) أقسام الدَّلالة (٥) الثَّلاثة، ولا يصحُّ أيضًا على رأي أهل الأصول، فإنَّ الذي يدلُّ لا يخلو إمَّا أن يكون بعبارة النَّصِّ، أو بإشارته، أو بدلالته، فأيَّ ذلك أراد هذا القائل؟ انتهى.
٢٢٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ) أبي سعيدٍ، كيسان المقبريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ) أي (٦): ظهر (زِنَاهَا) بالبيِّنة أو الحمل أو الإقرار (فَلْيَجْلِدْهَا) سيِّدُها (الحَدَّ) نصف حدِّ الحرَّة، وقوله: «فلْيجلِدها» بسكون اللَّام الأولى وكسر الثَّانية (وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا) بالمُثلَّثة المفتوحة وبعد الرَّاء المُشدَّدة المكسورة (٧) مُوحَّدةٌ، أي: لا يوبِّخها ولا يقرِّعها بالزِّنا بعد الجلد، أو المعنى: لا يقتصر على التَّثريب، بل يُقام عليها الحدُّ (ثُمَّ إِنْ زَنَتْ) أي: الثَّانية (فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ) زاد أبو ذرٍّ هنا: «عليها» وهي
стр. 4783
ثابتةٌ في الأولى اتِّفاقًا (ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا) بعد الجلد (وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ) وفي «باب بيع (١) العبد (٢) الزَّاني» [خ¦٢١٥٣] [خ¦٢١٥٤]: «ولو بضفيرٍ»، وهذا مبالغةٌ في التَّحريض على بيعها، وليس من باب إضاعة المال.
(١١١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يُسَافِرُ) الشَّخص (بِالجَارِيَةِ) التي اشتراها (قَبْلَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا؟ وَلَمْ يَرَ الحَسَنُ) البصريُّ فيما وصله ابن أبي شيبة (بَأْسًا أَنْ يُقَبِّلَهَا) أي: الجارية (أَوْ يُبَاشِرَهَا) يعني: فيما دون الفرج، وفي بعض الأصول: «ويباشرها» بحذف الألف (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: إِذَا وُهِبَتِ الوَلِيدَةُ) بضمِّ الواو وكسر الهاء، و «الوَلِيدةُ»: بفتح الواو وبعد اللَّام المكسورة مُثنَّاةٌ تحتيَّةٌ (٣) ساكنةٌ ثمَّ دالٌ مُهمَلةٌ: الجارية (الَّتِي تُوطَأُ) مبنيًّا للمفعول (أَوْ بِيعَتْ) بكسر المُوحَّدة مبنيًّا للمفعول أيضًا (أَوْ عَتَقَتْ) بفتح العين (فَلْيُسْتَبْرَأْ) بضمِّ التَّحتيَّة مبنيًّا للمفعول أيضًا (٤)، مجزومٌ بلام الأمر (رَحِمُهَا) بالرَّفع نائبٌ عن الفاعل (بِحَيْضَةٍ) وهذا وصله ابن أبي شيبة من طريق عبيد الله عن نافعٍ عن ابن عمر، وأمَّا قوله: (وَلَا تُسْتَبْرَأُ العَذْرَاءُ) بضمِّ الفوقيَّة وفتح الرَّاء مبنيًّا للمفعول أيضًا، و «لا» نافيةٌ، و «العذراءُ» بفتح العين المهملة وسكون المعجمة (٥) ممدودًا: البِكْر؛ فوصله عبد الرَّزَّاق من طريق أيُّوب عن نافعٍ عنه، وكأنَّه كان يرى أنَّ البكارة مانعةٌ من
стр. 4784
الحمل، أو تدلُّ على عدمه أو عدم الوطء، وفيه نظرٌ، وعلى تقديره ففي الاستبراء شائبةُ تعبُّدٍ، ولهذا تُستبرَأ التي أيست من الحيض، وفي بعض الأصول: «فليستبرئ» مبنيًّا للفاعل، وكذا قوله: «ولا تستبرئِ العذراء» بكسر همزة «تستبرئ» على أنَّ «لا» ناهيةٌ، فهو مجزومٌ كُسِر لالتقاء السَّاكنين (وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ: (لَا بَأْسَ أَنْ يُصِيبَ) الرَّجل (مِنْ جَارِيَتِهِ الحَامِلِ) من غيره (مَا دُونَ الفَرْجِ، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى) في كتابه العزيز: (﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]) من السَّراري، ووجه الاستدلال بهذه الآية دلالتها على جواز الاستمتاع بجميع وجوهه، فخرج الوطء بدليلٍ، فبقي الباقي على الأصل.
٢٢٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الغَفَّارِ بْنُ دَاوُدَ) بن مهران، أبو صالحٍ الحرَّانيُّ نزيل مصر قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) القاريّ -بتشديد الياء- نسبةً إلى القارة (عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين وسكون الميم فيهما، مولى المطَّلب، المدنيِّ أبي (١) عثمان، واسم أبيه: ميسرة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ) مدينةً كبيرةً ذات حصونٍ ومَزَارِعَ على ثمانية بُرُدٍ من المدينة، قال ابن إسحاق: خرج النَّبيُّ (٢) ﷺ في بقيَّة المُحرَّم سنة سبعٍ، فأقام يحاصرها بضع عشرة ليلةً (فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ (٣) الحِصْنَ) وهو القَموص، بالقاف المفتوحة والصَّاد المهملة (ذُكِرَ لَهُ) بضمِّ الذَّال وكسر الكاف مبنيًّا للمفعول (جَمَالُ صَفِيَّةَ بِنْتِ
стр. 4785
حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ) بالخاء المعجمة، وكان سباها من هذا الحصن (وَقَدْ قُتِلَ زَوْجُهَا) كنانة بن الرَّبيع بن أبي الحُقَيق (وَكَانَتْ عَرُوسًا) يستوي فيه (١) المُذكَّر والمُؤنَّث (فَاصْطَفَاهَا) اختارها (٢) (رَسُولُ اللهِ ﷺ لِنَفْسِهِ) صفيًّا من مغنم خيبر، والصَّفيُّ ما يختار (٣) من سلاحٍ أو دابَّةٍ أو جاريةٍ أو غير ذلك قبل القسمة (فَخَرَجَ بِهَا) ﵊ (حَتَّى بَلَغْنَا سَدَّ الرَّوْحَاءِ) بفتح الرَّاء وسكون الواو ممدودًا، موضعٌ قريبٌ من المدينة، وقال في «المصابيح» كـ «التَّنقيح»: جبلها (حَلَّتْ) أي: طهرت من حيضها، وقد روى البيهقيُّ بإسنادٍ ليِّنٍ: أنَّه ﷺ استبرأ صفيَّة بحيضةٍ (فَبَنَى) أي: دخل (بِهَا) ﵊ (ثُمَّ صَنَعَ) ﵊ (حَيْسًا) بفتح الحاء (٤) وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة سينٌ مهملتين (٥)، من تمرٍ وسمنٍ وأقطٍ (فِي نِطَعٍ صَغِيرٍ) بكسر النُّون وفتح الطَّاء المهملة على المشهور (٦) (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) لأنسٍ: (آذِنْ) بهمزةٍ ممدودةٍ وكسر المعجمة، أي: أَعْلِمْ (مَنْ حَوْلَكَ) من النَّاس لإشهار (٧) النِّكاح، قال أنسٌ: (فَكَانَتْ تِلْكَ) الأخلاط التي من التَّمر والسَّمن والأقط (وَلِيمَةَُ) عرس (رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى صَفِيَّةَ) بنصب «وليمة» ورفعها (ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى المَدِينَةِ قَالَ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُحَوِّي لَهَا) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح المهملة وتشديد الواو المكسورة (وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ) بعينٍ مهملةٍ مفتوحةٍ وهمزةٍ بعد الألف: كساءٍ صغيرٍ، أي: يدير العباءة على سنام البعير يحجبها بذلك؛ لكونها صارت من أمَّهات المؤمنين، أو يهيِّئ لها من ورائه بالعباءة مركبًا وطيئًا، ويُسمَّى ذلك المركب حَوِيَّةً (ثُمَّ يَجْلِسُ) ﵊ (عِنْدَ بَعِيرِهِ فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ) الشَّريفة (فَتَضَعُ صَفِيَّةُ رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ حَتَّى تَرْكَبَ) وقد وَلَدَ صفيَّةَ مئةُ نبيٍّ ومئةُ مَلِكٍ، ثمَّ صيَّرها الله تعالى أَمَةً لسيِّد الرُّسل صلوات الله وسلامه عليه، وكانت من سبط هارون، قاله الجاحظ (٨) في «كتاب الموالي».
стр. 4786
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٢١١] عن عبد الغفَّار وعن غيره في «الجهاد» [خ¦٢٨٩٣] وفي (١) «الأطعمة» [خ¦٥٣٨٧] و «الدَّعوات» [خ¦٦٣٦٣]، وأخرجه أبو داود في «الخراج».
(١١٢) (بابُ) تحريم (بَيْعِ المَيْتَةِ) بفتح الميم: ما زالت عنه الحياة لا بذكاةٍ شرعيَّةٍ (وَ) تحريم بيع (الأَصْنَامِ) جمع صنمٍ، قال (٢) الجوهريُّ: هو الوثن، وفرَّق بينهما في «النِّهاية» فقال: الوثن: كلُّ ما له جُثَّةٌ معمولةٌ من جواهر الأرض أو من الخشب أو من الحجارة؛ كصورة الآدميِّ يُعمَل ويُنصَب فُيعبَد (٣)، والصَّنم الصُّورة بلا جثَّةٍ، قال: وقد يُطلَق الوثن على غير الصُّورة.
٢٢٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا (٤) اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ) البصريِّ، أبي رجاءٍ، واسم أبيه: سُوَيدٌ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ) بفتح الرَّاء والمُوحَّدة، واسمه: أسلمُ، القرشيُّ، وعطاءٌ هذا كثير الإرسال، وقد بيَّن المؤلِّف في الرِّواية المُعلَّقة اللَّاحقة لهذه الرِّواية المتَّصلة أنَّ يزيد بن أبي حبيبٍ لم يسمعه من عطاءٍ، وإنَّما كتب به إليه (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ الفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ) سنة ثمانٍ من الهجرة، والواو في: «وهو» للحال، ومقول قوله: (إِنَّ اللهَ
стр. 4787
وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ) بإفراد الفعل، وكذا هو في «مسلمٍ» وكان الأصل «حرَّما» ولكنَّه أفرد للحذف في أحدهما، أو لأنَّهما في التَّحريم واحدٌ، ولأبي داود: «إنَّ الله حرَّم» ليس فيها (١) ذكر الرَّسول ﵊ (وَ) حرَّم بيع (المَيْتَةِ وَالخِنْزِيرِ) لنجاستهما، فيتعدَّى إلى كلِّ نجاسةٍ (وَ) حرَّم بيع (الأَصْنَامِ) لعدم المنفعة المباحة فيها، فيتعدَّى إلى معدوم الانتفاع شرعًا، فبيعها حرامٌ ما دامت على صورتها، فلو كُسِرت وأمكن الانتفاع برضاضها جاز بيعها عند الشَّافعيَّة وبعض الحنفيَّة، نعم في بيع الأصنام والصُّور المتَّخَذَة من جوهرٍ نفيسٍ وجهٌ عند الشَّافعيَّة بالصِّحَّة، والمذهب المنع مطلقًا (٢)، وبه أجاب عامَّة الأصحاب (فَقِيلَ) لم يُسَمَّ القائل، وفي رواية عبد الحميد الآتية -إن شاء الله تعالى-: فقال رجلٌ: (يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ) أَخْبِرْني (شُحُومَ المَيْتَةِ فَإِنَّهَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «فإنَّه» بالتَّذكير (يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الجُلُودُ) بضمِّ أوَّل «يُطلَى» وفتح ثالثه كـ «يُدهَن» مبنيّان (٣) للمفعول (وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ) أي: يجعلونها في سرجهم ومصابيحهم يستضيئون بها، فهل (٤) يحلُّ بيعها لِمَا ذُكِر من المنافع؟ فإنَّها مقتضيةٌ لصحَّة البيع كالحمر الأهليَّة، فإنَّها وإن حرم أكلها يجوز بيعها لِمَا فيها من المنافع (فَقَالَ) ﵊: (لَا) تبيعوها (هُوَ) أي: بيعها (حَرَامٌ) لا الانتفاع بها، نعم يجوز نقل الدُّهن النَّجس إلى الغير بالوصيَّة كالكلب، وأمَّا هبته والصَّدقة به فعن القاضي أبي الطَّيِّب منعهما، لكن قال في «الرَّوضة»: ينبغي أن يقطع بصحَّة الصَّدقة به للاستصباح ونحوه، وقد جزم المتولِّي بأنَّه يجوز نقل اليد فيه بالوصيَّة وغيرها. انتهى. ومنهم من حمل قوله: «هو حرامٌ» على الانتفاع، فلا ينتفع من الميتة بشيءٍ عندهم إلَّا ما خصَّ بالدَّليل؛ وهو الجلد المدبوغ، وأمَّا المتنجِّس الذي يمكن تطهيره كالثَّوب والخشبة (٥) فيجوز بيعه؛ لأنَّ جوهره طاهرٌ. (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ) أي: عند قوله: «حرامٌ» (قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ) أي:
стр. 4788
لعنهم (إِنَّ اللهَ لَمَّا حَرَّمَ) عليهم (شُحُومَهَا) أي: أكل شحوم الميتة (جَمَلُوهُ) أي: المذكور، وعند الصَّغانيِّ (١): «أجملوه» بالألف، والأُوْلَى أفصح (٢)، أي: أذابوه واستخرجوا دهنه (ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ).
وهذا الحديث قد سبق قريبًا [خ¦٢٢٢٣] وأخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٢٩٦]، وأبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه. (قَالَ أَبُو عَاصِمٍ) الضحاك بن مخلدٍ، أحد شيوخ البخاريِّ فيما وصله الإمام أحمد: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الحَمِيدِ) بن جعفر بن عبد الله بن أبي الحكم الأنصاريُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ) من الزِّيادة، ابن أبي حبيبٍ قال: (كَتَبَ إِلَيَّ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ قال: (سَمِعْتُ جَابِرًا ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) واختُلِف في الاحتجاج بالكتابة فاحتجَّ بها الشَّيخان، وقال ابن الصَّلاح: إنَّه الصَّحيح المشهور، وقال أبو بكر بن السَّمعاني: إنَّها أقوى من الإجازة، ومن قال بالمنع علَّل بأنَّ الخطوط تشتبه.
(١١٣) (بابُ ثَمَنِ الكَلْبِ).
٢٢٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام ابن أنسٍ الأصبحيُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن الحارث بن هشامٍ (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرٍو (الأَنْصَارِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى) نهيَ تحريمٍ (عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ) المُعلَّم وغيره ممَّا يجوز اقتناؤه أو لا، وهذا مذهب الشَّافعيِّ وأحمد وغيرهما، وعلَّة المنع عند الشَّافعيِّ نجاسته مطلقًا، وعند غيره ممَّن لا يرى نجاسته النَّهي عن اتِّخاذه والأمر بقتله، وما لا ثمن له لا قيمة له إذا قُتِل، فلو قتل كلب صيدٍ أو ماشيةٍ لا يلزمه قيمته، وقال أبو حنيفة وصاحباه وسحنون من المالكيَّة: الكلاب التي ينتفع بها يجوز بيعها
стр. 4789
وأثمانها لأنَّه حيوانٌ مُنتفَعٌ به حراسةً واصطيادًا، ولحديث جابرٍ عند النَّسائيِّ قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب إلَّا كلب صيدٍ، لكنَّ (١) الحديث ضعيفٌ (٢) باتِّفاق أئمَّة الحديث كما بيَّنه النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب» كغيره؛ نحو حديث: «إلَّا كلبًا ضاريًا»، وحديث: إنَّ عثمان غرَّم إنسانًا ثمنَ كلبٍ قتله عشرين بعيرًا، وقال المالكيَّة: لا يجوز بيع الكلب المنهيِّ عن اتِّخاذه باتِّفاقٍ؛ لورود النَّهي عن بيعه وعن اتِّخاذه، وأمَّا المأذون في اتِّخاذه ككلب الصَّيد ونحوه فلا يجوز بيعه على المشهور؛ لورود النَّهي عن بيعه، وشهَّر بعضهم جواز بيعه، ولم يقوَ هذا التَّشهير عند الشَّيخ خليلٍ فلم يذكره، وقال القرطبيُّ: مشهور مذهبِ مالكٍ جواز اتِّخاذ الكلب وكراهة بيعه، ولا يُفسَخ إن وقع، وكأنَّه لمَّا لم يكن عنده نجسًا وأذن في اتِّخاذه لمنافعه الجائزة، كان حكمه حكم جميع المبيعات، لكنَّ الشَّرع نهى عن بيعه تنزيهًا؛ لأنَّه ليس من مكارم الأخلاق. (وَ) نهى ﵊ عن (مَهْرِ البَغِيِّ) بفتح المُوحَّدة وكسر المُعجَمة وتشديد التَّحتيَّة «فعيلٌ» بمعنى «فاعلةٍ» يستوي فيه المُذكَّر والمُؤنَّث: ما تأخذه الزَّانية على الزِّنا وسمَّاه مهرًا لكونه على صورته، وهو حرامٌ بالإجماع (وَ) عن (حُلْوَانِ الكَاهِنِ) بضمِّ الحاء المهملة وسكون اللَّام، مصدر حَلَوتُهُ حُلْوَانًا إذا أعطيته، وأصله: من الحلاوة، وشُبِّه بالشَّيء الحلو من حيثُ أَخْذُه حلوًا سهلًا بلا كلفةٍ ولا مشقَّةٍ، يُقال: حلوته إذا أطعمته الحلو، والمراد هنا: ما يأخذه الذي يدَّعي مطالعة علم الغيب ويخبر النَّاس عن الكوائن، وكان في العرب كهنةٌ يدَّعون أنَّهم يعرفون كثيرًا من الأمور، فمنهم من كان يزعم أنَّ له رَئِيًّا من الجنِّ وتابعةً تلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يدَّعي أنَّه يستدرك الأمور بفهمٍ أُعطِيه، ومنهم من كان يُسمَّى عرَّافًا، وهو الذي يزعم أنَّه يعرف الأمور بمقدِّماتٍ يستدلُّ بها على مواقعها كالشَّيء يُسرَق، فيعرف المظنون به (٣) السَّرقة، وتُتَّهَم المرأة فيعرف مَنْ صاحِبُها، ومنهم من يسمِّي المنجِّمَ كاهنًا، فالحديث شاملٌ لهؤلاء كلِّهم، قال (٤) الخطَّابيُّ: وأخذ العوض على
стр. 4790
مثل هذا وإن لم يكن منهيًّا عنه، فهو من أكل المال بالباطل، ولأنَّ الكاهن يقول ما لا ينتفع به ويُعان بما يُعطاه على ما لا يحلُّ، قال القرطبيُّ: وأمَّا التَّسوية في النَّهي بين الكلب وبين (١) مهر البغيِّ وحلوان الكاهن فمحمولٌ على الكلب الذي لم (٢) يُؤذَن في اتِّخاذه، وعلى تقدير العموم في كلِّ كلبٍ، فالنَّهي في هذه الثَّلاثة للقدر المشترك من الكراهة، وهو أعمُّ من التَّحريم والتَّنزيه؛ إذ كلُّ واحدٍ منهما منهيٌّ عنه، ثمَّ يُؤخَذ خصوص كلِّ واحدٍ منهما من دليلٍ آخر، فإنَّا عرفنا تحريم مهر البغيِّ وحلوان الكاهن من الإجماع لا من مُجرَّد النَّهي، ولا يلزم من الاشتراك في العطف الاشتراك في جميع الوجوه؛ إذ قد يُعطَف الأمرُ على النَّهي، والإيجابُ على النَّفي. انتهى. وهذا بناء على ما قاله من أنَّ المشهور جواز اتِّخاذه مطلقًا، أمَّا على ما شهَّره الشَّيخ خليلٌ فلا.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الإجارة» [خ¦٢٢٨٢] و «الطَّلاق» [خ¦٥٣٤٦] و «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٦١]، ومسلمٌ في «البيوع»، وكذا أبو داود، وأخرجه التِّرمذيُّ فيه وفي «النِّكاح»، والنَّسائيُّ فيه وفي «الصَّيد»، وابن ماجه في «التِّجارات».
٢٢٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم، السُّلميُّ الأنماطيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَوْنُ (٣) بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ) بجيمٍ مضمومةٍ وبعد الحاء المهملة المفتوحة تحتيَّةٌ ساكنةٌ ففاءٌ، و «عَوْن»: بفتح العين وسكون الواو، السُّوائيُّ (قَالَ: رَأَيْتُ أَبِي) أي (٤): أبا جحيفة (٥) وهب بن عبد الله (اشْتَرَى حَجَّامًا) زاد هنا في
стр. 4791
رواية أبوي ذرٍّ والوقت عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (١): «فَأَمَرَ بمَحاجمه فَكُسِرَتْ» بفتح الميم جمع مِحجمٍ، بكسرها الآلة التي يَحْجِمُ بها الحجَّامُ (فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ) أي: سألت أبي عن سبب (٢) كسر المحاجم (قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ) أي: عن أجرة الحجامة، وأطلق عليه الثَّمن تجوُّزًا (وَ) عن (ثَمَنِ الكَلْبِ) مطلقًا لنجاستهما، أو عن غير كلب الصَّيد والماشية (وَ) عن (كَسْبِ الأَمَةِ) إذا كان من وجهٍ لا يحلُّ كالزِّنا، لا كنحو الخياطة من الكسب المباح، وفي حديث رفاعة بن رافعٍ (٣) عند أبي داود مرفوعًا: «نهى عن كسب الأَمة إلَّا ما عملت بيدها، وقال هكذا بأصبعه، نحو: الغزل والنَّفش»، وهو بالفاء، أي: نفش الصُّوف، وقيل المراد: جميع كسبها، قال في «الفتح»: وهو من باب سدِّ الذَّرائع؛ لأنَّها لا تُؤمَن (٤) إذا التزمت بالكسب أن تكتسب بفرجها، فالمعنى: أنَّه لا يُجْعَلُ عليها خراجٌ معلومٌ تؤدِّيه كلَّ يومٍ. (وَلَعَنَ) ﵊ (الوَاشِمَةَ) التي تغرز الجلد بالإبر، ثمَّ يُحشَى (٥) بالكحل (وَالمُسْتَوْشِمَةَ) وفي «باب مُوكِل الرِّبا» [خ¦٢٠٨٦]: «والموشومة» أي (٦): المفعول بها ذلك؛ لأنَّ ذلك (٧) من عمل الجاهليَّة وفيه تغييرٌ لخلق الله تعالى (وَ) لعن ﵊ أيضًا (آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ) لأنَّه يعين على أكل الحرام، فهو شريكٌ في الإثم كما أنَّه شريكٌ في الفعل (وَلَعَنَ المُصَوِّرَ) للحيوان.
وهذا الحديث قد سبق في «باب مُوكِل الرِّبا» [خ¦٢٠٨٦].
стр. 4792
((٣٥)) (بسم الله الرحمن الرحيم كِتَابُ السَّلَمِ) بفتح السِّين واللَّام: السَّلَف. وقال النَّوويُّ: وذكروا في حدِّ السَّلم عباراتٍ أحسنُها أنَّه عقدٌ على موصوفٍ في الذِّمَّة ببدلٍ يُعطَى عاجلًا بمجلس البيع، سُمِّي (١) سَلَمًا لتسليم رأس المال في المجلس، وسَلَفًا لتقديم رأس المال (٢)، وأورد عليه أنَّ اعتبار التَّعجيل شرطٌ لصحَّة السَّلم لا ركنٌ فيه، وأُجيب بأنَّ ذلك رسمٌ لا يقدح فيه ما ذكر، وأجمع المسلمون على جواز السَّلم. انتهى. وفي «التَّلويح»: وكرهت طائفةٌ السَّلم، ورُوِي عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعودٍ: أنَّه كان يكرهه، والأصل في جوازه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] قال ابن عبَّاسٍ: أشهد أنَّ السَّلف المضمون إلى أجلٍ مُسمًّى قد أحلَّه الله في كتابه، ثمَّ تلا الآية، وفيه ما يدلُّ على ذلك وهو قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وهذا في البيع النَّاجز، فدلَّ على أنَّ ما قبله في الموصوف غير النَّاجز، واختُلِف في بعض شروطه مع الاتِّفاق على أنَّه يُشترَط له ما يُشترَط للبيع، وعلى تسليم رأس المال في المجلس، قاله في «فتح الباري»، وهذا فيه نظرٌ، فإنَّ مذهب المالكيَّة يجوز (٣)
стр. 4793
تأخيره (١) كلّه أو بعضه إلى ثلاثة أيَّامٍ على المشهور لخفَّة الأمر في ذلك، وقيل: لا يجوز للدَّين بالدَّين، وعلى القول باشتراط تسليم رأس المال في المجلس لو تفرَّقا بعد قبض البعض صحَّ فيه بقسطه، ويُشترَط أيضًا في السَّلم كون المُسلَم فيه دينًا؛ لأنَّه الذي وضع له لفظ السَّلم، فإن قال: أسلمت إليك ألفًا في هذا العبد مثلًا، أو أسلمت إليك هذا العبد في هذا الثَّوب فليس بسلمٍ لانتفاء شرطه، ولا بيعًا لاختلال لفظه؛ لأنَّ لفظ السَّلم يقتضي الدَّينيَّة، ويُشترَط أيضًا القدرة على التَّسليم للمُسلَم إليه وقت الوجوب، فإن أسلم فيما يعدم وقت الحلول كالرطب في الشِّتاء، أو فيما يعزُّ (٢) وجوده لقلَّته كاللآلئ الكبار فلا يصحُّ (٣)، وكذا يُشترَط بيان محلِّ تسليم المُسلَم فيه المُؤجَّل، وإنَّما يُشترَط بيانه فيما لحمله مؤنةٌ، وأن يُقدَّر بالكيل أو الوزن أو الذَّرع أو العدِّ كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، وأن يصفه بما ينضبط به على وجهٍ لا يعزُّ وجوده، فلا يصحُّ في المختلطات المقصودة الأركان التي لا تنضبط قدرًا وصفةً كالهريسة والحلوى والمعجونات، فهذه ستَّة (٤) شروطٍ للسَّلم زائدةٍ على البيع.
(١) (بابُ السَّلَمِ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ) أي: فيما يُكال.
وقد وقعت البسملة متوسِّطةً بين «كتاب» و «باب» في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ (٥)، وقدَّمها على الكتاب في رواية المُستملي، وأخَّرها النَّسفيُّ عن الباب، وحذف «كتاب السَّلم» كذا قاله الحافظ ابن حجرٍ.
стр. 4794
٢٢٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) وبالإفراد لأبي ذرٍّ (١) (عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ) بفتح العين، و «زُرارة»: بضمِّ الزَّاي وتخفيف الرَّاءين بينهما ألفٌ، أبو محمَّد بن واقدٍ قال: (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) بضمِّ العين وفتح اللَّام وتشديد التَّحتيَّة: اسم أمِّه، واسم أبيه إبراهيم بن سهمٍ الأسديُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ) بفتح النُّون وكسر الجيم وبعد التَّحتية السَّاكنة حاءٌ مهملةٌ (٢)، اسمه: عبد الله، واسم أبيه: يسارٌ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة، أحد القرَّاء السَّبعة المشهور فيما جزم به المزِّيُّ والقابسيُّ وعبد الغنيِّ، أو هو ابن كثير بن المطَّلب بن أبي وداعة السَّهميُّ فيما جزم به ابن طاهرٍ والكلاباذيُّ والدِّمياطيُّ، وكلاهما ثقةٌ (عَنْ أَبِي المِنْهَالِ) عبد الرَّحمن بن مطعمٍ الكوفيِّ، وليس هو بأبي المنهال سيَّارٍ البصريِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ، وَالنَّاسُ) أي: والحال أنَّ النَّاس (يُسْلِفُونَ) بضمِّ أوَّله، من أسلف (فِي الثَّمَرِ) بالمُثلَّثة وفتح الميم (العَامَ وَالعَامَيْنِ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة (أَوْ قَالَ: عَامَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، شَكَّ إِسْمَاعِيلُ) أي: ابن عُلَيَّة، ولم يشكَّ سفيانُ [خ¦٢٢٤٠] فقال: وهم يسلفون في الثَّمر السَّنتين والثَّلاثة (فَقَالَ) ﷺ : (مَنْ سَلَّفَ) بتشديد اللَّام (فِي تَمْرٍ) بالمُثنَّاة وسكون الميم، وفي رواية ابن عُيَيْنة: «من أسلف في شيءٍ» [خ¦٢٢٤٠] وهو أشمل، وقال البرماويُّ والعينيُّ كالكِرمانيِّ: وفي بعضها -أي: نسخ البخاريِّ أو رواياته-: «ثمرٍ» بالمُثلَّثة، والظَّاهر أنَّهم تبعوا في ذلك قول النَّوويِّ في «شرح مسلمٍ»، وفي بعضها بالمُثلَّثة، وهو أعمُّ، لكنَّ الكلام في رواية
стр. 4795
البخاريِّ هل فيها بالمُثلَّثة، فالله أعلم، ولغير أبي ذرٍّ زيادة: «كيل» (فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ) قال في «المصابيح»: انظر قوله ﵊ في جواب هذا: «فليسلف (١) في كيلٍ معلومٍ ووزنٍ معلومٍ» مع أنَّ المعيارَ الشَّرعيَّ في التَّمر -بالمُثنَّاة-: الكيلُ لا الوزنُ. انتهى. وهذا قد أجابوا عنه: بأنَّ الواو بمعنى «أو»، والمراد: اعتبار الكيل فيما يُكال، والوزن فيما يُوزَن (٢)، وقال النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»: معناه: إنْ أَسْلَمَ كيلًا أو وزنًا فليكن معلومًا، وفيه دليلٌ لجواز السَّلم في المكيل وزنًا، وهو جائزٌ بلا خلافٍ، وفي جواز السَّلم في الموزون كيلًا وجهان لأصحابنا، أصحُّهما جوازُه كعكسه. انتهى. وهذا بخلاف الرِّبويَّات؛ لأنَّ المقصود هنا معرفة القدر، وهناك المماثلة بعادة عهده ﷺ ، وحمل الإمام إطلاق الأصحاب جواز كيل الموزون على ما يُعَدُّ الكيل في مثله ضابطًا حتَّى لو أسلم في فتات المسك والعنبر ونحوهما (٣) كيلًا لم يصحَّ؛ لأنَّ للقدر اليسير منه ماليَّةً كثيرةً، والكيل لا يُعَدُّ ضابطًا فيه.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «السَّلم» [خ¦٢٢٤٠]، ومسلمٌ في «البيوع»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ، وأخرجه النَّسائيُّ فيه وفي «الشُّروط»، وابن ماجه في «التِّجارات».
وبه قال: (حَدَّثَنَا) وبالإفراد لأبي ذرٍّ (مُحَمَّدٌ) غير منسوبٍ، قال الجيَّانيُّ: هو ابن سلامٍ، وبه جزم الكلاباذيُّ قال: (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ) ابن عُلَيَّة (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) عبد الله بن يسارٍ (بِهَذَا) الحديث المذكور: (فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ) الواو بمعنى «أو» لأنَّا لو أخذناها على ظاهرها من معنى الجمع لزم أن يجمع في الشَّيء الواحد بين المُسلَم فيه كيلًا ووزنًا، وذلك يفضي إلى عزَّة الوجود، وهو مانعٌ من صحَّة السَّلم، فتعيَّن الحمل على التَّفصيل.
стр. 4796
(٢) (بابُ السَّلَمِ) حال كونه (فِي وَزْنٍ مَعْلُومٍ) فيما يُوزَن.
٢٢٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ) بن الفضل المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ) عبد الله (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَثِيرٍ) المقرئ، أو ابن المطَّلب بن أبي وداعة، وصحَّح هذا الأخير الجيَّانيُّ (عَنْ أَبِي المِنْهَالِ) عبد الرَّحمن (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنه (١) (قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ بالثَّمَرِ (٢)) بالمُثلَّثة وفتح الميم، والذي في «اليونينيَّة» بالفوقيَّة وسكون الميم (٣)، وفي أوَّله مُوحَّدةٌ بدل «في» في الرِّواية السَّابقة [خ¦٢٢٣٩] (السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ) من غير شكٍّ -كما مرَّ- (فَقَالَ) ﵊: (مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ) شاملٍ للحيوان فيصحُّ السَّلم فيه -خلافًا للحنفيَّة- لنا بأنَّه ثبت في الذِّمَّة قرضًا في حديث مسلمٍ: أنَّه ﷺ اقترض بَكْرًا وقيس عليه السَّلم، وعلى البَكْر غيره من سائر الحيوانات، وحديث النَّهي عن السَّلف في الحيوان (٤)، قال ابن السَّمعاني: غير ثابتٍ وإن خرَّجه الحاكم (فَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ) فيما يُكال كالقمح والشَّعير (وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ) فيما يُوزَن، وكذا عدٍّ فيما يُعَدُّ كالحيوان، وذرعٍ فيما يُذرَع كالثَّوب، ويصحُّ المكيل وزنًا وعكسه كما مرَّ، ولو أسلم في مئة صاعٍ حنطةً على أنَّ وزنها كذا لم يصحَّ؛ لأنَّ ذلك يعزُّ وجوده، ويُشترَط الوزن في البِطِّيخ والباذنجان والقثَّاء والسَّفرجل والرُّمَّان، فلا يكفي فيها
стр. 4797
الكيل؛ لأنَّها تتجافى في المكيال، ولا العدُّ (١) لكثرة التَّفاوت فيها، والجمع فيها بين العدِّ والوزن مفسدٌ لِمَا تقدَّم، ويصحُّ السَّلم في الجوز واللَّوز بالوزن في نوعٍ يقلُّ اختلافه بغلظ قشوره ورقَّتها بخلاف ما يكثر اختلافه (٢) بذلك فلا يصحُّ، ويجمع في اللَّبِن -بكسر المُوحَّدة- بين العدِّ والوزن بأن يقول: مئة لبنةٍ، وزن كلِّ لبنةٍ واحدةٍ رطلٌ (٣) (إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ) قال النَّوويُّ: وليس ذكر الأجل في الحديث لاشتراط الأجل، بل معناه: إن كان أجلٌ فليكن معلومًا. وبقيَّة مباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في «باب السَّلم إلى أجلٍ معلومٍ» [خ¦٢٢٥٣] والله الموفِّق.
وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابن عبد الله المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ) عبد الله (وَقَالَ) بعد أن روى الحديث عن عبد الله بن كثيرٍ عن أبي المنهال عن ابن عبَّاسٍ كما مرَّ (٤): (فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ) فيما يُكال (إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ) إن كان مُؤجَّلًا كما مرَّ.
٢٢٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) عبد الله بن يسارٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَثِيرٍ) بن المطَّلب، أو المقرئ كما مرَّ قريبًا (عَنْ أَبِي المِنْهَالِ) عبد الرَّحمن بن مطعمٍ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: المدينة كما في السَّابقة [خ¦٢٢٤٠] الحديث. (وَقَالَ: فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ) أثبت الوزن في هذه، وأسقطه من سابقتها، وقال في الثَّلاث: «إلى أجلٍ معلومٍ»، وصرَّح في الطَّريق الأولى بالإخبار بين ابن عيينة وابن أبي نَجِيحٍ.
стр. 4798
٢٢٤٢ - ٢٢٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ ابْنِ أَبِي المُجَالِدِ) بضمِّ الميم وفتح الجيم وبعد الألف لامٌ مكسورةٌ فدالٌ مُهمَلةٌ، بالإبهام، قال المؤلِّف بالسَّند إليه:
«ح» (١): (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابن موسى السَّختيانيُّ البلخيُّ المعروف بختٍّ، أحد مشايخ المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) هو ابن الجرَّاح (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي المُجَالِدِ) فسمَّاه هنا محمَّدًا، وأبهمه في الأولى كما مرَّ، وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحوضيُّ النَّمريُّ قال: (حَدَّثَنَا (٢) شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدٌ أَوْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي المُجَالِدِ) بالشَّكِّ، وجزم أبو داود بأنَّ اسمه عبد الله، وأورده المؤلِّف في الباب التَّالي (٣) [خ¦٢٢٤٤] من رواية عبد الواحد بن زيادٍ وجماعة عن أبي إسحاق الشَّيبانيِّ فقالوا: عن محمَّد بن أبي المجالد، ولم يشكَّ في اسمه، وكذا ذكره المؤلِّف في «تاريخه» في «المحمَّدين».
(قَالَ) أي: ابن أبي المجالد: (اخْتَلَفَ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادِ بْنِ الهَادِ) أصله: «الهادي» بالياء (وَأَبُو بُرْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة، عامر بن أبي موسى الأشعريُّ، قاضي الكوفة (فِي السَّلَفِ) أي: في السَّلم، أي: هل يجوز السَّلم إلى من ليس عنده المُسلَم فيه في تلك الحالة أم لا؟ (فَبَعَثُونِي إِلَى ابْنِ أَبِي أَوْفَى) عبد الله، وجمع الضَّمير إمَّا باعتبار أنَّ أقلَّ الجمع اثنان، أو باعتبارهما ومن معهما (¬﵁ فَسَأَلْتُهُ) عن ذلك (فَقَالَ: إِنَّا كُنَّا نُسْلِفُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) في زمنه وأيَّام حياته (وَ) على عهد (أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) الخليفتين من بعده ﷺ ورضي اللهُ عنهما (فِي الحِنْطَةِ
стр. 4799
وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ) بالمُثنَّاة وسكون الميم، وذكر أربعة أشياء من المكيلات، ويُقاس عليها (١) سائرها ممَّا يدخل تحت الكيل (وَسَأَلْتُ ابْنَ أَبْزَى) بفتح الهمزة والزَّاي بينهما مُوحَّدةٌ ساكنةٌ، عبد الرَّحمن، أحد صغار الصَّحابة (فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ) أي: الذي قاله عبد الله بن أبي أوفى.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود في «البيوع» وكذا النَّسائيُّ، وابن ماجه في «التِّجارات».
(٣) (بابُ) حكم (السَّلَمِ إِلَى مَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ) ممَّا أسلف فيه (أَصْلٌ).
٢٢٤٤ - ٢٢٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ قال: (حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ) -بفتح الشِّين المعجمة- أبو إسحاق سليمان قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي المُجَالِدِ) ولأبي ذرٍّ: «مجالدٍ» (٢) (قَالَ: بَعَثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ) هو ابن الهادِ (وَأَبُو بُرْدَةَ) عامر ابن أبي موسى الأشعريُّ (إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵄ فَقَالَا: سَلْهُ) بسينٍ مهملةٍ مفتوحةٍ فلامٍ ساكنةٍ (هَلْ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) في زمنه وأيَّام حياته (يُسْلِفُونَ) بضمِّ الياء
стр. 4800
وسكون السِّين، من الإسلاف (فِي الحِنْطَةِ؟) فسألته عن ذلك (قَالَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فقال» (عَبْدُ اللهِ) بن أبي أوفى: (كُنَّا نُسْلِفُ نَبِيطَ أَهْلِ الشَّأْمِ (١)) بفتح النُّون وكسر الموحَّدة وسكون المثنَّاة التَّحتية، وآخره طاءٌ مهملةٌ: أهل الزِّراعة، وقيل: قومٌ ينزلون البطائح، وسُمُّوا به لاهتدائهم إلى استخراج المياه من الينابيع؛ لكثرة معالجتهم الفلاحة، وقيل: نصارى الشَّام الذين عمروها (فِي الحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ) ممَّا يُكال (وَالزَّيْتِ) (٢) ممَّا يُوزَن، وهذا بدل قوله في السَّابقة [خ¦٢٢٤٢] [خ¦٢٢٤٣]: الزَّبيب، ويُقاس عليه الشَّيرج والسَّمن ونحوهما (فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ) أي: ووزنٍ معلومٍ فيما يُكال أو يُوزَن، ويلحق بهما الذَّرع والعدد (٣) للجامع بينهما، وهو عدم الجهالة بالمقدار، وأجمعوا على أنَّه لا بدَّ من معرفة صفة الشَّيء المُسلَم فيه صفةً تميِّزه عن غيره، وإنَّما لم يُذكَر في الحديث لأنَّهم كانوا يعملون به، وإنَّما تعرَّض لذكر ما كانوا يهملونه (إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ) قال ابن أبي المجالد: (قُلْتُ) لابن أبي أوفى: هل كان السَّلم (إِلَى مَنْ كَانَ أَصْلُهُ عِنْدَهُ؟) أي: المُسلَم فيه (قَالَ: مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ بَعَثَانِي إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى فَسَأَلْتُهُ) عن ذلك (فَقَالَ: كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ يُسْلِفُونَ عَلَى) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «في» (عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَمْ نَسْأَلْهُمْ: أَلَهُمْ حَرْثٌ) أي: زرعٌ (أَمْ لَا) حَرْثَ لهم؟
وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بن شاهين الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرَّحمن الطَّحَّان الواسطيُّ (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) سليمان (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُجَالِدٍ بِهَذَا) الحديث (وَقَالَ) فيه: (فَنُسْلِفُهُمْ فِي الحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الوَلِيدِ) العدنيُّ نزيل مكَّة (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ، ممَّا هو موصولٌ في «جامع سفيان» قال: (حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ) هو سليمان (٤) (وَقَالَ: وَالزَّيْتِ) آخره مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ، وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) سليمان (وَقَالَ: فِي الحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ) بالمُوحَّدتين بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ بدل «الزَّيت» في السَّابقة.