لأنَّ النَّبيَّ ﷺ (١) ندب النَّاس إلى الغزو في شدَّة القيظ، وكان وقت طيب الثَّمرة، فعَسُر ذلك وشقَّ عليهم، وكانت في سنة تسعٍ من الهجرة (فَكَانَ) الغزو (مِنْ أَوْثَقِ أَعْمَالِي فِي نَفْسِي، فَكَانَ لِي أَجِيرٌ) أي: يخدمني بأجرةٍ (فَقَاتَلَ) الأجير (إِنْسَانًا، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا إِصْبَعَ صَاحِبِهِ) وفي «مسلمٍ»: العاضُّ هو يَعْلَى بن أميَّة (٢) (فَانْتَزَعَ إِصْبَعَهُ فَأَنْدَرَ) بهمزةٍ مفتوحةٍ فنونٍ ساكنةٍ فدالٍ مهملةٍ مفتوحةٍ فراءٍ، أي: أسقط (ثَنِيَّتَهُ) بجذبه، والثَّنيَّة مُقدَّم الأسنان، والثَّنايا أربعٌ: ثنتان عليا، وثنتان سفلى (فَسَقَطَتْ) من فيه (فَانْطَلَقَ) الذي ندرت ثنيَّته (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَهْدَرَ) ﵊ (ثَنِيَّتَهُ) فلم يوجب له ديةً ولا قصاصًا (وَقَالَ) ﵊ له: (أَفَيَدَعُ) يترك (إِصْبَعَهُ فِي فِيكَ تَقْضَمُهَا) بفتح الضَّاد المعجمة على اللُّغة الفصيحة، وماضيه على ما قاله (٣) ثعلبٌ بكسرها، أي: تأكلها (٤) بأطراف أسنانك، والهمزة في «أفيدع» للاستفهام الإنكاريِّ (قَالَ) يَعْلَى: (أَحْسِبُهُ) ﵊ (قَالَ: كَمَا يَقْضَمُ الفَحْلُ) الذَّكر من الإبل، و «يقضم» بفتح الضَّاد المعجمة كما مرَّ. (قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بالإسناد السَّابق: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ) هو مؤذِّن ابن الزُّبير وقاضيه (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضمِّ الميم وفتح اللَّام مُصغَّرًا، زهير بن عبد الله بن جُدْعان القرشيُّ التَّيميُّ، ونسبه لجدِّه لشهرته به، واسم أبيه: عُبَيد الله -بالتَّصغير- فهو عبد الله بن عُبَيد الله بن زهيرٍ، المُكنَّى بأبي مُليكة، وهذا هو الذي اعتمده المزِّيُّ (٥) في «التَّهذيب»، وقيل: هو عبد الله بن عُبيد الله بن عبد الله (٦) أبي مليكة بن زهيرٍ، فالمُكنَّى هو عبد الله، وأبوه زهيرٌ، فيكون نسبه إلى جدِّه (٧)، وهذا -كما قال في «الإصابة» - المعتمد، وعزاه لابن سعدٍ وابن الكلبيِّ وغيرهما (عَنْ جَدِّهِ) الضَّمير على القول الأوَّل يعود إلى
стр. 4832
أبي مليكة زهيرٍ، وعلى الثَّاني يعود إلى عبد الله بن زهيرٍ، وقد أخرج الحديثَ الحاكمُ أبو أحمد في «الكنى» عن أبي عاصمٍ، عن ابن جُرَيجٍ، عن ابن أبي مُلَيكة، عن أبيه، عن جدِّه، عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁ (بِمِثْلِ هَذِهِ الصِّفَةِ) بكسر الصَّاد المهملة وتخفيف الفاء، وللأربعة: «القِصَّة» بالقاف المكسورة وتشديد الصَّاد المهملة: (أَنَّ رَجُلًا عَضَّ يَدَ رَجُلٍ فَأَنْدَرَ ثَنِيَّتَهُ) أي: أسقطها (فَأَهْدَرَهَا أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (¬﵁¬) وفي هذا دليلٌ للشَّافعيَّة والحنفيَّة حيث قالوا: إذا عضَّ رجلٌ يد غيره فنزع المعضوض يده، فسقطت أسنان العاضِّ أو فكَّ لحييه؛ لا ضمان عليه، وقال المالكيَّة: يضمن ديتها.
وحديث الباب أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجهاد» [خ¦٢٩٧٣] و «المغازي» [خ¦٤٤١٧] و «الدِّيات» [خ¦٦٨٩٣]، ومسلمٌ في «الحدود»، وأبو داود في «الدِّيات»، والنَّسائيُّ في «القصاص».
(٦) (بابُ مَنِ اسْتَأْجَرَ) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» -بالتَّنوين- «إذا استأجر» (أَجِيرًا فَبَيَّنَ لَهُ الأَجَلَ) أي: المدَّة (وَلَمْ يُبَيِّنِ) له (العَمَلَ) الذي يعمله له، هل يصحُّ ذلك أم لا؟ والذي مال إليه المصنِّف: الجواز (لِقَوْلِهِ) تعالى: (﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ﴾) أزوِّجك (﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ … ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَلَى﴾) ولأبي ذرٍّ: «﴿وَاللهُ عَلَى﴾» (﴿مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٧ - ٢٨]): شاهدٌ على ما عقدنا، واعترضه المُهلَّب بأنَّه ليس في الآية دليلٌ على جهالة العمل في الإجارة؛ لأنَّ ذلك كان معلومًا بينهم، وإنَّما حُذف ذكره للعلم به، وأجاب ابن المنيِّر: بأنَّ البخاريَّ لم يقصد جواز أن يكون العمل مجهولًا، وإنَّما أراد أنَّ التَّنصيص على العمل باللَّفظ ليس مشروطًا، وأنَّ المُتَّبَع المقاصد لا الألفاظ، وقد ذهب أكثر العلماء إلى أنَّ ما وقع في (١) النِّكاح على هذا الصَّداق خصوصيَّةٌ لموسى ﵊ لا يجوز لغيره؛ لظهور الغرر في طول المدَّة، ولأنَّه قال: ﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ ولم يعيِّنها، وهذا لا يجوز إلَّا بالتَّعيين، وأجاب في «الكشَّاف»: بأنَّ ذلك لم يكن عقدًا للنِّكاح (٢) ولكن مواعدة،
стр. 4833
ولو كان عقدًا لقال: قد أنكحتك، ولم يقل: إنِّي (١) أريد أن أنكحك، وقد اختُلِف فيما إذا تزوَّجها على أن يؤجرها نفسه سنة، فقال الشَّافعيُّ: النِّكاح جائزٌ على خدمته إذا كان وقتًا معلومًا، ويجب عليه عين الخدمة سنةً، وقال مالكٌ: يُفسَخ النِّكاح إن لم يكن دخل بها، فإن دخل ثبت النِّكاح بمهر المثل، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن كان حرًّا فلها مهر مثلها، وإن كان عبدًا فلها خدمة سنةٍ، وقال محمَّد بن الحسن (٢): تجب عليه قيمة الخدمة سنةً لأنَّها مُتقوَّمةٌ، ثمَّ أخذ البخاريُّ يفسِّر قوله في بقيَّة الآية: ﴿عَلَى أَن تَأْجُرَنِي﴾ فقال: (يَأْجُرُ فُلَانًا) بضمِّ الجيم (يُعْطِيهِ أَجْرًا وَمِنْهُ) أي: ومن هذا المعنى قولهم (فِي التَّعْزِيَةِ) بالميت: (آجَرَكَ اللهُ) بمدِّ الهمزة (٣)، أي: يعطيك أجرك، وهكذا فسَّره أبو عبيدة (٤) في «المجاز»، وزاد: يأجرك: يثيبك، ولم يذكر حديثًا لأنَّه إنَّما يقصد بتراجمه بيان المسائل الفقهيَّة، واكتفى بالآية على ما أراده هنا، فالله تعالى يثيبه، وثبت قوله: «يأجر فلانًا … » إلى آخره لأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (٥).
(٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا اسْتَأْجَرَ) أحدٌ (أَجِيرًا عَلَى أَنْ يُقِيمَ حَائِطًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ) أي: يسقط (جَازَ).
стр. 4834
٢٢٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد الفرَّاء الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) أبو عبد الرَّحمن قاضي اليمن (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ) أي: ابن هرمز (وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) المكِّيُّ، أبو محمَّدٍ الأثرم الجمحيُّ، كلاهما (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) الأسديِّ الكوفيِّ (-يَزِيدُ أَحَدُهُمَا) أي: يَعْلَى أو عَمْرٌو (عَلَى صَاحِبِهِ-) واستُشكِل قوله: «يزيد أحدهما على صاحبه» فإنَّه يلزم من زيادة أحدهما على صاحبه نوع محالٍ، وهو أن يكون الشَّيء مزيدًا ومزيدًا عليه، وأجاب الكِرمانيُّ: بأنَّه أراد بأحدهما واحدًا مُعيَّنًا منهما، وحينئذٍ فلا إشكال، وإن أراد كلُّ واحدٍ منهما، فمعناه: أنَّه يزيد شيئًا لم يزده الآخر، فهو مزيدٌ باعتبار شيءٍ، ومزيدٌ عليه باعتبار شيءٍ آخر (وَغَيْرُهُمَا) أي: قال ابن جريجٍ: وأخبرني أيضًا غير يَعْلَى وعَمرو: (قَالَ) ابن جريجٍ: (قَدْ سَمِعْتُهُ) أي: الغير (يُحَدِّثُهُ) أي: الحديث (عَنْ سَعِيدٍ) هو ابن جُبَيرٍ (قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) الأنصاريُّ الخزرجيُّ سيِّد القرَّاء ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) في حديث قصَّة موسى مع الخضر المسوق بتمامه في «التَّفسير» [خ¦٤٧٢٦] وسبق في «كتاب العلم» في «ذهاب موسى في البحر إلى الخضر» [خ¦٧٤]: (فَانْطَلَقَا) موسى والخضر (فَوَجَدَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ) تدانى أن يسقط، فاستُعِيرت الإرادة للمشارفة (قَالَ سَعِيدٌ) هو ابن جُبَيرٍ: أشار الخضر (بِيَدِهِ) إلى الجدار (هَكَذَا، وَرَفَعَ) أي: الخضر (يَدَيْهِ) (١) بالتَّثنية إلى الجدار ومسحه (فَاسْتَقَامَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «يده» بالإفراد (قَالَ يَعْلَى) بن مسلمٍ: (حَسِبْتُ أَنَّ (٢) سَعِيدًا قَالَ: فَمَسَحَهُ) أي: مسح الخضر الجدار (بِيَدِهِ فَاسْتَقَامَ) وهذا ما زاده يعلى على عمرٍو في ذلك (قَالَ) موسى للخضر: (﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ﴾) بتشديد الفوقيَّة وفتح الخاء المعجمة (﴿أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]) تحريضًا على أخذ الجعل ليتعشَّيا به، أو تعريضًا بأنَّه فضولٌ، لِمَا في «لو» من النَّفي، كأنَّه لمَّا رأى الحرمان ومساس (٣) الحاجة واشتغاله بما لا يعنيه لم يتمالك نفسه (قَالَ سَعِيدٌ) أي: ابن جبيرٍ (٤):
стр. 4835
(أَجْرًا نَأْكُلُهُ) ولأبي ذرٍّ: «أجرٌ» بالرَّفع بتقدير: «هو»، وإنَّما يتمُّ الاستدلال بهذه القصَّة لِمَا ترجم له إذا قلنا: إنَّ شرع من قبلنا شرعٌ لنا؛ لقول موسى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧] أي: لو شارطت على عمله بأجرةٍ مُعيَّنةٍ لنفعنا ذلك.
(٨) (بابُ) حكم (الإِجَارَةِ) من أوَّل النَّهار (إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ).
٢٢٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الأزديُّ الواشحيُّ -بمعجمةٍ فمهملةٍ- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابن زيد بن درهمٍ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَثَلُكُمْ) مع نبيِّكم (١) (وَمَثَلُ أَهْلِ الكِتَابَيْنِ) التَّوراة والإنجيل مع أنبيائهم (كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ) بضمِّ الهمزة وفتح الرَّاء على الجمع، فالمثل مضروبٌ للأمَّة مع نبيِّهم، والمُمثَّل به الأجراء (٢) مع من استأجرهم (فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غُدْوَةَ) بضمِّ الغين المعجمة (إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ؟) زاد في رواية عبد الله (٣) بن دينارٍ [خ¦٢٢٦٩]: «قيراطٍ قيراطٍ» وهو المراد هنا (فَعَمِلَتِ اليَهُودُ) زاد ابن دينارٍ: «على قيراطٍ قيراطٍ» (ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ العَصْرِ) أوَّل وقت دخولها، أو أوَّل الشُّروع فيها (عَلَى قِيرَاطٍ) قيراطٍ؟ (فَعَمِلَتِ النَّصَارَى) على قيراطٍ قيراطٍ (ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ
стр. 4836
لِي مِنَ (١) العَصْرِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ عَلَى قِيرَاطَيْنِ؟) قيراطين (فَأَنْتُمْ هُمْ، فَغَضِبَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى) أي: الكفَّار منهم (فَقَالُوا) وفي «التَّوحيد» [خ¦٧٤٦٧]: «فقال أهل التَّوراة»: (مَا لَنَا أَكْثَرَ عَمَلًا) ممَّن عمل من العصر إلى الغروب (٢) (وَأَقَلَّ عَطَاءً) منهم؛ لأنَّ الوقت من الصُّبح إلى الظُّهر أكبر (٣) وأكثر، و «أقلَّ» بالنَّصب على الحال كقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] أو خبر «كان» أي: ما لنا كنَّا (٤) أكثرَ، وما لنا كنَّا (٥) أقلَّ، وفي الفرع بالرَّفع فيهما خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: ما لنا نحن أكثرُ، وما لنا نحن (٦) أقلُّ، و «عملًا»: نُصِب على التَّمييز (قَالَ) الله تعالى: (هَلْ نَقَصْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ؟) زاد في الرِّواية الآتية [خ¦٢٢٦٩]: «شيئًا» (قَالُوا: لَا) لم تنقصنا (قَالَ: فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ) من عبادي، وأراد المصنِّف (٧) ﵀ بهذا إثبات صحَّة الإجارة بأجرٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ من جهة ضرب الشَّارع المثل بذلك.
(٩) (بابُ الإِجَارَةِ إِلَى صَلَاةِ العَصْرِ).
٢٢٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) واسمه: عبد الله بن عبد الله بن أويس بن أبي عامرٍ،
стр. 4837
الأصبحيُّ أبو عبد الله، ابن أخت الإمام مالكٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ) مولاه (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّمَا مَثَلُكُمْ) مع نبيِّكم (وَاليَهُودُِ وَالنَّصَارَى) مع أنبيائهم، بالخفض عطفًا على الضَّمير المخفوض في «مَثَلكم» بدون إعادة الجارِّ، وهو ممنوعٌ عند البصريِّين إلَّا يونس وقطربًا والأخفش، وجوَّزه الكوفيُّون قاطبةً، والحديث ممَّا يشهد لهم، ويجوز الرَّفع، وكلاهما في «اليونينيَّة» (١)، والتَّقدير: «ومَثَلُ اليهودِ» على حذف المضاف، وإعطاء المضاف إليه إعرابه، ونقل الحافظ ابن حجرٍ وجدانه مضبوطًا بالنَّصب في أصل أبي ذرٍّ، ووجهه على إرادة المعيَّة (كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا فَقَال: مَنْ يَعْمَلُ لِي) أي: من أوَّل النَّهار (٢) (إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ) مرَّتين؟ (فَعَمِلَتِ اليَهُودُ) أي: إلى نصف النَّهار (عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ) مرَّتين أيضًا، قال الطِّيبيُّ: هذه حالةٌ من حالات المُشبَّه أدخلها في حالات المُشبَّه به، وجُعِلت من حالاته اختصارًا، إذ الأصل: قال الرَّجل: من يعمل لي إلى نصف النَّهار على قيراطٍ قيراطٍ؟ فعمل قومٌ إلى نصف النَّهار إلى آخره، كذلك قال الله تعالى للأمم: من يعمل لي إلى نصف النَّهار على قيراطٍ؟ فعملت اليهود إلى آخره، ونظيره قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ إلى قوله: ﴿ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] فقوله: ﴿ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ﴾ وصفٌ للمنافقين وُضِع موضع وصف المستوقد اختصارًا. (ثُمَّ عَمِلَتِ النَّصَارَى) أي: ثمَّ قال: من يعمل لي إلى صلاة العصر على قيراطٍ قيراطٍ؟ فعملت النَّصارى (عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ثُمَّ أَنْتُمُ الَّذِينَ تَعْمَلُونَ مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ إِلَى مَغَارِبِ الشَّمْسِ) بلفظ الجمع كما في رواية مالكٍ، ولعلَّه باعتبار الأزمنة المتعدِّدة باعتبار الطَّوائف المختلفة الأزمنة (عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَغَضِبَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى وَقَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا) أي: باعتبار مجموع عمل الطَّائفتين (وَأَقَلُّ عَطَاءً، قَالَ) الله تعالى: (هَلْ ظَلَمْتُكُمْ) أي: نقصتكم، كما في رواية نافعٍ في الباب السَّابق [خ¦٢٢٦٨] وإنَّما لم يكن ظلمًا؛ لأنَّه تعالى شرط معهم شرطًا وقبلوا أن يعملوا به (مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا، فَقَالَ) تعالى، ولأبي ذرٍّ: «قال»: (فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ) قال الطِّيبيُّ (٣): وما ذكر من المقاولة والمكالمة لعلَّه تخييلٌ وتصويرٌ ولم يكن حقيقةً؛ لأنَّه
стр. 4838
لم يكن ثمَّةَ، اللَّهمَّ إلَّا أن يُحمَل ذلك على حصوله عند إخراج الذَّرِّ فيكون حقيقةً.
(١٠) (بابُ إِثْمِ مَنْ مَنَعَ أَجْرَ الأَجِيرِ).
وبه قال: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدٍ) العصفريُّ الخراسانيُّ نزيل البصرة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ) بضمِّ السِّين وفتح اللَّام، الطَّائفيُّ نزيل مكَّة، صدوقٌ سيِّئ الحفظ، ولم يخرِّج له المؤلِّف سوى هذا الحديث، وله أصلٌ عنده من غير هذا الوجه، واحتجَّ به الباقون (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ) بن عمرو بن سعيد بن العاصي الأمويِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) المقبُريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: ثَلَاثَةٌ) من النَّاس (أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي) أي: أعطى العهد باسمي (ثُمَّ غَدَرَ) أي: نقض العهد (وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا) عالمًا متعمِّدًا (فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ) العمل (وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ).
وهذا الحديث سبق في «كتاب البيع» في «باب إثم من باع حرًّا» [خ¦٢٢٢٧].
(١١) (بابُ الإِجَارَةِ مِنَ العَصْرِ) من أوَّل وقته (إِلَى) أوَّل دخول (اللَّيْلِ).
стр. 4839
٢٢٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) بفتح العين والمدِّ، أبو كُرَيبٍ الهَمْدانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ بُرَيْدٍ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الرَّاء وسكون التَّحتيَّة (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة وسكون الرَّاء، عامرٍ (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَثَلُ المُسْلِمِينَ وَاليَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا) هم اليهود، وهو (١) من باب القلب، أي: كمثل قومٍ استأجرهم رجلٌ، أو هو من باب تشبيه المُركَّب بالمُركَّب، لا تشبيه المُفرَد بالمُفرَد، فلا اعتبار إلَّا بالمجموعين إذ التَّقدير: مَثَلُ الشَّارع معكم كَمَثَلٍ رجلٍ مع أُجَراءَ (٢) (يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ عَلَى أَجْرٍ مَعْلُومٍ) أي: على قيراطين (فَعَمِلُوا لَهُ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ الَّذِي شَرَطْتَ لَنَا) إشارةً إلى أنَّهم كفروا وتولَّوا واستغنى الله عنهم، وهذا من إطلاق القول وإرادة لازمه؛ لأنَّ لازمَه تركُ العمل المُعبَّر به عن ترك الإيمان (وَمَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ) إشارةً إلى إحباط عملهم بكفرهم بعيسى؛ إذ لا ينفعهم الإيمان بموسى وحده بعد بعثة عيسى (فَقَالَ لَهُمْ: لَا تَفْعَلُوا) إبطال العمل وترك الأجر المشروط (أَكْمِلُوا) وللأبوين: «فقال: أكملوا» (٣) (بَقِيَّةَ عَمَلِكُمْ وَخُذُوا أَجْرَكُمْ كَامِلًا، فَأَبَوْا وَتَرَكُوا، وَاسْتَأْجَرَ آخرِيْنِ) بخاءٍ معجمةٍ فراءٍ مكسورةٍ، وهم النَّصارى (بَعْدَهُمْ، فَقَالَ) لهم: (أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَلَكُمُ الَّذِي شَرَطْتُ لَهُمْ) أي: لليهود (مِنَ الأَجْرِ) وهو القيراطان (فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا كَانَ حِينَُ صَلَاةِ العَصْرِ) بنصب «حينَ» على أنَّه خبر
стр. 4840
«كان» النَّاقصة، واسمها ضميرٌ مستترٌ فيها يعود على انتهاء عملهم المفهوم من السِّياق، وبالرَّفع على أنَّه فاعلُ «كان» التَّامَّة (قَالُوا: لَكَ مَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ، وَلَكَ الأَجْرُ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا فِيهِ) فكفروا وتولَّوا وحبط عملهم كاليهود (فَقَالَ لَهُمَ: أَكْمِلوا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمْ، فَإِنَّ مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ شَيْءٌ يَسِيرٌ) بالنِّسبة لِمَا مضى منه، والمراد: ما بقي من الدُّنيا (فَأَبَوا) أن يعملوا وتركوا أجرهم، وفي رواية غير أبوي ذرٍّ والوقت: «واستأجر أجِيرَين» بجيمٍ مكسورةٍ فمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ساكنةٍ فراءٍ مفتوحةٍ على التَّثنية «فقال لهما: أكملا بقيَّة يومكما هذا ولكما الذي شرطت لهم من الأجر، فعملا (١) حتَّى إذا كان حين صلاة العصر قالا: لك ما عملنا باطلٌ، ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه، فقال لهما: أكملا بقيَّة عملكما، فإنَّ ما بقي من النَّهار شيءٌ يسير، فأبيا»، وفي حديث ابن عمر السَّابق [خ¦٢٢٦٩]: أنَّه استأجر اليهود من أوَّل النَّهار إلى نصفه، والنَّصارى منه إلى العصر، فبين الحديثين مغايرةٌ، وأُجيب بأنَّ ذلك بالنِّسبة إلى من عجز عن الإيمان بالموت قبل ظهور دينٍ آخر، وهذا بالنِّسبة إلى من أدرك دين الإسلام ولم يؤمن به، والظَّاهر أنَّهما قضيَّتان، وقد قال ابن رشيدٍ ما حاصله: إنَّ حديث ابن عمر سيق مثالًا (٢) لأهل الأعذار؛ لقوله: «فعجزوا»، فأشار إلى أنَّ من عجز عن استيفاء العمل من غير أن يكون له صنيعٌ في ذلك أنَّ الأجر يحصل له تامًّا بفضل الله، قال: وذكر حديث أبي موسى مثالًا لمن أخَّر لغير عذرٍ، وإلى ذلك الإشارة بقوله عنهم: «لا حاجة لنا إلى أجرك»، فأشار بذلك إلى أنَّ من أخَّر عامدًا لا يحصل له ما حصل لأهل الأعذار. انتهى. ووقع في رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه الماضية في «باب من أدرك ركعةً من العصر» [خ¦٥٥٧] الآتية -إن شاء الله تعالى- في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٦٧] ما يوافق رواية أبي موسى، ولفظها: «فعملوا حتَّى إذا انتصف النَّهار عجزوا، فأُعْطُوا قيراطًا قيراطًا»، وقال في أهل الإنجيل: «فعملوا إلى صلاة العصر ثمَّ عجزوا فأُعْطُوا قيراطًا قيراطًا»، فهو يدلُّ على أن مبلغ الأجرة لليهود لعمل النَّهار كلِّه قيراطان، وأجر النَّصارى للنِّصف الباقي قيراطان، فلمَّا عجزوا عن العمل قبل تمامه لم يصيبوا إلَّا قدر عملهم، وهو قيراطٌ. (وَاسْتَأْجَرَ) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «فاستأجر» بالفاء (قَوْمًا) هم المسلمون (أَنْ يَعْمَلُوا لَهُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ، فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الفَرِيقَيْنِ)
стр. 4841
اليهود والنَّصارى (كِلَيْهِمَا) بإيمانهم بالأنبياء الثَّلاثة -محمَّدٍ (١) وموسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم- وحكى السَّفاقسيُّ: أنَّ في روايته: «كلاهما» بالألف، وهو على لغة من يجعل المُثنَّى في الأحوال الثَّلاثة بالألف (فَذَلِكَ مَثَلُهُمْ) أي: المسلمين (وَمَثَلُ مَا قَبِلُوا مِنْ هَذَا النُّورِ) المحمَّديِّ، وللإسماعيليِّ: «فذلك مثل المسلمين الذين قبلوا هدى الله، وما جاء به رسوله، ومثل اليهود والنَّصارى تركوا ما أمرهم الله به»، واستُدلَّ به: على أنَّ بقاء هذه الأمَّة يزيد على الألف؛ لأنَّه يقتضي أنَّ مدَّة اليهود نظير مُدَّتي النَّصارى والمسلمين، وقد اتَّفق أهل النَّقل على أنَّ مدَّة اليهود إلى البعثة المُحمَّديَّة كانت أكثر من ألفي سنةٍ، ومدَّة النَّصارى من ذلك ستُّ مئة سنةٍ، وقيل: أقلُّ، فتكون مدَّة المسلمين أكثر من ألف سنةٍ قطعًا، قاله في «الفتح».
(١٢) (بابُ مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَتَرَكَ أَجْرَهُ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فترك الأجير أجره» (فَعَمِلَ فِيهِ المُسْتَأْجِرُ) بالتِّجارة والزِّراعة (فَزَادَ) فيه، أي (٢): ربح (أَوْ مَنْ) وفي بعض النُّسخ: «ومن» (عَمِلَ فِي مَالِ غَيْرِهِ فَاسْتَفْضَلَ) بالضَّاد المعجمة، أي: أفضل، وليست السِّين للطَّلب، وهو من باب عطف العامِّ على الخاصِّ.
стр. 4842
٢٢٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (١) ابن شهابٍ أنَّه (٢) قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ)
стр. 4843
أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ) قال الجوهريُّ: والرَّهط: ما دون العشرة من الرِّجال لا يكون فيهم امرأةٌ، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨] فجمع، وليس لهم (١) واحدٌ من لفظهم (٢)، مثل: ذودٍ (مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى أَوَوُا المَبِيتَ) بقصر الهمزة: لزموا (٣)، والمبيت: موضع البيتوتة (إِلَى غَارٍ) كهفٍ في جبلٍ (فَدَخَلُوهُ فَانْحَدَرَتْ) هبطت (صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ) بضمِّ الياء، من الإنجاء، أي: لا يخلِّصكم (مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ) بسكون واو «تدعوْا»، وأصله: تَدْعُونَ، فسقطت النُّون لدخول «أن» (فَقَالَ) بالفاء، ولأبي الوقت: «قال» (رَجُلٌ مِنْهُمُ: اللَّهُمَّ، كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ) هو من باب التَّغليب؛ إذ المراد: الأب والأمُّ (وَكُنْتُ لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا) بفتح الهمزة وإسكان (٤) الغين المعجمة وكسر المُوحَّدة، آخره قافٌ من الثَّلاثيِّ، كذا في الفرع، وفي نسخةٍ: «أغبُق» بضمِّ المُوحَّدة وللأَصيليِّ -كما في «الفتح» -: «أُغْبِقُ» بضمِّ الهمزة من الرُّباعيِّ، وخطَّؤوه، والغَبوق: شرب العشيِّ، أي: ما كنت أقدِّم عليهما في شرب نصيبهما من اللَّبن (أَهْلًا) أقارب (وَلَا مَالًا) رقيقًا (فَنَأَى) كـ «سعى» أي: بَعُدَ (بِي) ولكريمة والأَصيليِّ -كما في «الفتح» -: «فناء» بمدٍّ بعد النُّون بوزن «جاء»، وهو بمعنى الأوَّل (فِي طَلَبِ شَيْءٍ) بَعُدَ (يَوْمًا، فَلَمْ أُرِحْ) بضمِّ الهمزة وكسر الرَّاء من «أراح» رباعيًّا (٥)،
стр. 4844
أي: لم أرجع (عَلَيْهِمَا) أي: على أبويَّ (حَتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ) وللحَمُّويي والمُستملي: «فحملت» بالميم (لَهُمَا غَبُوقَهُمَا، فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ وَكَرِهْتُ) بالواو، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فكرهت» (أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا، فَلَبِثْتُ وَالقَدَحُ) أي: والحال أنَّ القدح (عَلَى يَدَيَّ) بتشديد آخره على التَّثنية (أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الفَجْرُ) بفتح الرَّاء، أي: ظهر ضياؤه (فَاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ) بفاءين مفتوحتين فراءٍ مكسورةٍ مُشدَّدةٍ (فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ) منه. (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا) أي: بسبب نفسها أو من جهتها، وللحَمُّويي والمُستملي: «على نفسها»، أي: مستعليةً عليها، وهو كنايةٌ عن طلب الجماع (فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى أَلَمَّتْ) بتشديد الميم، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ألممت»، أي: نزلت (بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ) المقحطة فأحوجتها (١) (فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِئَةَ دِينَارٍ) وفي «البيوع» [خ¦٢٢١٥]: مئةَ دينارٍ، والتَّخصيص بالعدد لا ينافي الزِّيادة، أو المئة كانت بالتماسها، والعشرون (٢) تبرُّعًا (٣) منه كرامةً لها (عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ) ذلك (حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا) وفي الرِّواية السَّابقة [خ¦٢٢١٥]: «فلمَّا قعدت بين رجليها» (قَالَتْ: لَا أَحِلُّ لَكَ) بفتح الهمزة في «اليونينيَّة»، وفي غيرها: «أُحِلُّ» بضمِّها، من الإحلال (أَنْ تَفُضَّ الخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ) أي: لا يحلُّ لك إزالة البكارة إلَّا بالحلال، وهو النِّكاح الشَّرعيُّ المسوِّغ للوطء (فَتَحَرَّجْتُ) أي: تجنَّبت واحترزت من الإثم النَّاشئ (مِنَ الوُقُوعِ عَلَيْهَا) بغير حقٍّ (فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهْيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا) قال العينيُّ: وفي رواية أبي ذرٍّ: «التي أعطيتها»، و «الذَّهب» يُذكَّر ويُؤنَّث (اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ) بهمزة وصلٍ وضمِّ الرَّاء (عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ) أي: من هذه الصَّخرة، وقول الزَّركشيِّ: إنَّه في «البخاريِّ» بقطع الهمزة وكسر الرَّاء، أي: اكشف، وفي رواية غير البخاريِّ: بهمزة وصلٍ وضمِّ الرَّاء، لم أره فيما وقفت عليه من نسخ «البخاريِّ» المُعتَمدة كما قال: بل في (٤) كلِّها بهمزة الوصل، فالله أعلم (فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ مِنْهَا. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ)
стр. 4845
بضمِّ الهمزة وفتح الجيم والرَّاء، جمع أجيرٍ، وسقط لفظ «إنِّي» لأبي الوقت (فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ) بفتح الهمزة وسكون الجيم (غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ) منهم (تَرَكَ) أجره (١) (الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ فَثَمَّرْتُ) أي: كثَّرتُ (أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ أَدِّي إِلَيَّ أَجْرِي) بياءٍ ثابتةٍ بعد الدَّال، والصَّواب حذفها (فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ مَا تَرَى) برفع «كلُّ»، والخبر قوله: (مِنْ أَجْرِكَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «من أجلك» باللَّام بدل الرَّاء (مِنَ الإِبِلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ وَالرَّقِيقِ) بيانٌ لقوله: «ما ترى»، ولا منافاة بين قوله في السَّابقة: بقرًا وراعيها (٢) (فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ لَا تَسْتَهْزِئْ بِي) بسكون الهمزة مجزومًا على الأمر (فَقُلْتُ) له: (إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا، اللَّهُمَّ فَإِنْ) بالفاء قبل الهمزة (كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا) بالوصل وضمِّ الرَّاء (مَا نَحْنُ فِيهِ) أي: من هذه الصَّخرة (فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا) من الغار (يَمْشُونَ) وقد تعقَّب المُهلَّبُ المصنِّفَ: بأنَّه ليس في الحديث دليلٌ لِمَا ترجم له؛ فإنَّ الرَّجل إنَّما اتَّجر في أجر أجيره ثمَّ أعطاه له على سبيل التَّبرُّع، فإنَّه إنَّما كان يلزمه قدر العمل خاصَّةً.
وهذا الحديث قد (٣) سبق في «كتاب البيوع» [خ¦٢٢١٥] وتأتي بقيَّة مباحثه في أواخر «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٦٥] إن شاء الله تعالى بعون الله ومنَّته (٤).
(١٣) (بابُ مَنْ آجَرَ نَفْسَهُ) لغيره (لِيَحْمِلَ) له متاعه (عَلَى ظَهْرِهِ ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهِ) أي: بأجره، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ثمَّ تصدَّق منه» (وَ) باب (أُجْرَةِ الحَمَّالِ) بالحاء المهملة، ولأبي ذرٍّ: «وأجر» بغير هاءٍ.
стр. 4846
٢٢٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) أي: ابن أبان ابن سعيد بن العاص الأمويُّ (١) (القُرَشِيُّ) البغداديُّ، وسقط لغير أبي ذرٍّ «القرشيُّ» قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) يحيى بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (عَنْ شَقِيقٍ) أبي وائلٍ (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرٍو (٢) (الأَنْصَارِيِّ) البدريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ) ولأبي ذرٍّ: «إذا أمرنا بالصَّدقة» (انْطَلَقَ أَحَدُنَا) لِمَا يسمعه من الأجر الجزيل فيها (إِلَى السُّوقِ فَيُحَامِلُ) بضمِّ التَّحتيَّة وكسر الميم، من باب «المفاعلة» الكائنة من (٣) اثنين، أي: يعمل صنعة الحمَّالين (٤)، فيحمل ويأخذ الأجرة من الآخر ليكتسب ما يتصدَّق به (فَيُصِيبُ المُدَّ) من الطَّعام أجرةً عمَّا حمله، وعند النَّسائيِّ من طريق منصورٍ عن أبي وائلٍ: ينطلق أحدنا إلى السُّوق فيحمل على ظهره (وَإِنَّ لِبَعْضِهِمْ) أي: اليوم (لَمِئَةَ أَلْفٍ) من الدَّنانير أو الدَّراهم، واللَّام للتَّأكيد، وهي ابتدائيَّةٌ لدخولها على اسم «إنَّ (٥)» وتقدَّم الخبر، زاد النَّسائيُّ: وما كان (٦) له يومئذٍ درهمٌ، أي: في اليوم الذي كان يحمل فيه بالأجرة؛ لأنَّهم كانوا فقراء حينئذٍ، واليوم هم أغنياء.
(قَالَ) أبو وائلٍ: (مَا نَُرَاهُ) بفتح النُّون وضمِّها، أي: ما أظنُّ أبا مسعودٍ عقبة بن عمرو (٧) أراد بذلك البعض (إِلَّا نَفْسَهُ) وفي نسخةٍ بالفرع وأصله (٨): «ما نراه يعني إلَّا نفسه».
وهذا الحديث سبق في «باب اتَّقوا النَّار ولو بشقِّ تمرةٍ» من «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤١٦].
стр. 4847
(١٤) (بابُ) حكم (١) (أَجْرِ السَّمْسَرَةِ) بفتح السِّينين المهملتين بينهما ميمٌ ساكنةٌ، أي: الدَّلالة (وَلَمْ يَرَ ابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ (وَعَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ (وَإِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ، فيما وصله ابن أبي شيبة عنهم (٢) (وَالحَسَنُ) البصريُّ (بِأَجْرِ السِّمْسَارِ بَأْسًا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ممَّا وصله ابن أبي شيبة: (لَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ) للسِّمسار: (بِعْ هَذَا الثَّوْبَ، فَمَا زَادَ عَلَى كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لَكَ) وهذه أجرة سمسرةٍ أيضًا لكنَّها مجهولةٌ؛ ولذلك لم يجزها الجمهور، بل قالوا: إن باع على ذلك فله أجر مثله (وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ ممَّا وصله ابن أبي شيبة أيضًا: (إِذَا قَالَ: بِعْهُ بِكَذَا، فَمَا كَانَ مِنْ رِبْحٍ فَهْوَ لَكَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فلك» (أَوْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ) وهذا أشبه بصورة المقارض من السِّمسار (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : المُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ) أي: الجائزة شرعًا، وهذا رُوِي من حديث عمرو بن عوفٍ المزنيِّ عند إسحاق في «مُسنَده»، ومن حديث أبي هريرة عند أحمد وأبي داود والحاكم.
٢٢٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ قال: (حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ (٣) ﷺ أَنْ يُتَلَقَّى) بضمِّ التَّحتيَّة، وفي بعض النُّسخ فوقيَّةٌ مبنيًّا للمفعول
стр. 4848
(الرُّكْبَانُ) بالرَّفع نائبٌ عن الفاعل (وَلَا يَبِيعَ) بالنَّصب على أنَّ «لا» زائدةٌ (حَاضِرٌ لِبَادٍ) قال طاوسٌ: (قُلْتُ: يَا ابْنَ (١) عَبَّاسٍ مَا قَوْلُهُ) أي (٢): ما معنى قوله: (لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا) وهذا موضع التَّرجمة، فإنَّ مفهومه: جواز أن يكون سمسارًا في بيع الحاضر للحاضر، لكن شرط الجمهور أن تكون الأجرة معلومةً.
وهذا الحديث سبق في «باب النَّهي عن تلقِّي الرُّكبان» في «كتاب البيوع» [خ¦٢١٦٣].
(١٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يُؤَاجِرُ الرَّجُلُ) المسلم (نَفْسَهُ مِنْ مُشْرِكٍ فِي أَرْضِ الحَرْبِ) وهي دار الكفر.
٢٢٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياث بن طلقٍ النَّخعيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (عَنْ مُسْلِمٍ) هو ابن صُبَيحٍ -بضمِّ الصَّاد، مُصغَّرًا- أبي الضُّحى (٣) (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع قال: (حَدَّثَنَا خَبَّابٌ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد المُوحَّدة الأولى، ابن الأرتِّ التَّميميُّ (٤)، من السَّابقين إلى الإسلام ﵁ (قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَيْنًا) بفتح القاف وسكون التَّحتيَّة: حدَّادًا (فَعَمِلْتُ) أي: سيفًا (لِلْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ) السَّهميِّ، والد عمرو بن العاص الصَّحابيِّ المشهور، وكان له قدرٌ في الجاهليَّة، ولكنَّه لم يُوفَّق للإسلام، وكان عمله ذلك له بمكَّة، وهي إذ ذاك دار حربٍ، وخبَّابٌ مسلمٌ (فَاجْتَمَعَ لِي عِنْدَهُ) زاد الإمام
стр. 4849
أحمد: دراهم (فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ) أي: أطلب الدَّراهم أجرةَ عمل السَّيف (فَقَالَ) أي (١): العاص: (لَا وَاللهِ لَا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقُلْتُ: أَمَا) بتخفيف الميم، حرف تنبيهٍ (وَاللهِ) لا أكفر (حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ) مفهومه غير مرادٍ؛ لأنَّ الكفر لا يُتصوَّر بعد البعث، فكأنَّه قال: لا أكفر أبدًا (فَلَا) أي: فلا أكفر، والفاء لا تدخل في جواب القَسَم، فهو مُفسِّرٌ للمُقدَّر الذي حذفه، قال الكِرمانيُّ: ويُروَى: «أمَّا» بالتشديد، وتقديره: أمَّا أنا فلا أكفر والله، وأمَّا غيري فلا أعلم حاله (قَالَ) العاص: (وَإِنِّي) بحذف همزة الاستفهام، والتَّقدير: أوَ إنِّي (لَمَيِّتٌ ثُمَّ مَبْعُوثٌ؟) قال خبَّابٌ: (قُلْتُ) له: (نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّهُ سَيَكُونُ لِي ثَمَّ) بفتح المُثلَّثة، أي: هناك (مَالٌ وَوَلَدٌ فَأَقْضِيكَ) حقَّك (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]) وموضع التَّرجمة منه قوله: «فعملت» … إلى آخره، ووجه الدَّلالة: أنَّ العاص كان مشركًا، وكان خبَّابٌ إذ ذاك مسلمًا، ومكَّة حينئذٍ دار حربٍ، واطَّلع عليه النَّبيُّ ﷺ وأقرَّه، لكن يحتمل أن يكون الجواز مُقيَّدًا بالضَّرورة، وقبل الإذنِ بقتال المشركين والأمرِ بعدم إذلال المؤمن نفسه، قال ابن المُنيِّر: والذي استقرَّت عليه المذاهب: أنَّ الصُّنَّاع في حوانيتهم كالقين والخيَّاط ونحوهما يجوز أن تعمل لأهل الذِّمَّة ولا يُعدُّ ذلك ذلَّةً، بخلاف خدمته في منزله وبطريق التَّبعيَّة له، كالمكاري والبلَّان في الحمَّام ونحو ذلك.
وهذا الحديث سبق في «باب ذكر القَيْن والحَدَّاد» من «كتاب البيع» [خ¦٢٠٩١]، ويأتي إن شاء الله تعالى في «تفسير سورة مريم» [خ¦٤٧٣٢].
стр. 4850
(١٦) (بابُ) حكم (مَا يُعْطَى) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (فِي الرُّقْيَةِ) بضمِّ الرَّاء وسكون القاف، أي: العُوذة (عَلَى أَحْيَاءِ العَرَبِ) بفتح الهمزة: طائفةٌ مخصوصةٌ (بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ) وعُورِض المؤلِّف في قوله: «على أحياء العرب» لأنَّ الحكم لا يختلف باختلاف الأمكنة والأجناس، وأجاب في «فتح الباري»: بأنَّه ترجم بالواقع ولم يتعرَّض لنفي غيره، واعترضه في «عمدة القاري»: بأنَّ هذا الجواب غير مقنعٍ؛ لأنَّ القيد شرطٌ، إذا انتفى ينتفي المشروط. انتهى. وقد شطب عليه في الفرع وأصله (١) (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ممَّا وصله في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٣٧] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ) وبهذا تمسَّك الجمهور في جواز الأجرة على تعليم القرآن، ومنع ذلك الحنفيَّة في التَّعليم؛ لأنَّه عبادةٌ والأجر فيها على الله تعالى، وأجازوه في الرُّقى لهذا الخبر. وبقيَّة مبحث (٢) ذلك تأتي إن شاء الله تعالى بعون الله (٣) في «باب التَّزويج على تعليم القرآن» [خ¦٥١٤٩]. (وَقَالَ الشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل (٤) فيما وصله ابن أبي شيبة: (لَا يَشْتَرِطُ المُعَلِّمُ) على مَنْ يعلِّمه أجرةً (إِلَّا أَنْ يُعْطَى شَيْئًا فَلْيَقْبَلْهُ) بالجزم على الأمر وفتح همزة «أَنْ»، والاستثناء منقطعٌ، أي: لكنَّ الإعطاء بدون الاشتراط جائزٌ فيقبله، قال الكِرمانيُّ: وفي بعضها: «إِن» -بكسر الهمزة-، أي: لكن إن يُعَطْ شيئًا بدون الشَّرط فليقبله (وَقَالَ الحَكَمُ) بفتحتين، ابن عُتَيبة -بالمُثنَّاة (٥) والمُوحَّدة (٦) مُصغَّرًا- الكنديُّ
стр. 4851
الكوفيُّ، ممَّا وصله البغويُّ في «الجعديَّات»: (لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا) من الفقهاء (كَرِهَ أَجْرَ المُعَلِّمِ، وَأَعْطَى الحَسَنُ) البصريُّ (دَرَاهِمَ عَشَرَةً) أجرة المعلِّم، ممَّا وصله ابن سعدٍ في «الطَّبقات» (وَلَمْ يَرَ ابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ (بِأَجْرِ القَسَّامِ) بفتح القاف وتشديد المهملة، من القسم، وهو القاسم (بَأْسًا) أي: إذا كان بغير اشتراطٍ، أمَّا مع الاشتراط فكان يكرهه، كما أخرجه عنه موصولًا ابن سعدٍ، بل روى عنه الكراهة من غير تقييد عبد بن حُمَيدٍ من طريق يحيى بن عتيقٍ عن محمَّد بن سيرين، ولفظه: أنَّه (١) كان يكره أجور القسَّام ويقول: كان يُقال: السُّحت: الرَّشوة على الحكم، وأرى هذا حكمًا يُؤخَذ عليه الأجر (وَقَالَ) ابن سيرين: (كَانَ يُقَالُ: السُّحْتُ: الرِّشْوَةُ فِي (٢) الحُكْمِ) بكسر الرَّاء، أخرجه ابن جريرٍ بأسانيده عن عُمَرَ وعليٍّ وابن مسعودٍ وزيد بن ثابتٍ من قولهم، وأخرجه من وجهٍ آخر (٣) مرفوعًا برجالٍ ثقاتٍ، لكنَّه مُرسَلٌ، ولفظه: «كلُّ لحمٍ أنبته السُّحت فالنَّار أولى به»، قيل: يا رسول الله وما السُّحت؟ قال: «الرِّشوة في الحكم» (وَكَانُوا يُعْطَوْنَ) الأجرة -بفتح الطَّاء- (عَلَى الخَرْصِ) لخارص الثَّمرة، ومناسبة ذكر القسَّام والخارص: الاشتراكُ في أنَّ كلًّا منهما يفصل التَّنازع بين المتخاصمين.
стр. 4852
٢٢٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر المُوحَّدة وسكون الشِّين المعجمة، جعفر ابن أبي وحشيَّة، واسمه: إياسٌ (عَنْ أَبِي المُتَوَكِّلِ) عليِّ بن داود، ويُقال: ابن دُؤاد -بضمِّ الدَّال بعدها واوٌ بهمزةٍ- النَّاجي -بالنُّون والجيم- البصريِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الخدريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: انْطَلَقَ نَفَرٌ) هو ما بين الثَّلاثة إلى العشرة من الرِّجال، لكن عند ابن ماجه: أنَّهم كانوا ثلاثين، وكذا عند التِّرمذيِّ، ولم يُسَمَّ أحدٌ منهم، وفي رواية سليمان ابن قَيَّة (١) -بفتح القاف وتشديد التَّحتيَّة- عند الإمام أحمد: بعثنا رسول الله ﷺ ثلاثين رجلًا (مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا) أي: في سريَّةٍ عليها أبو سعيدٍ الخدريُّ كما عند الدَّارقُطنيِّ، ولم يعيِّنها أحدٌ من أهل المغازي فيما وقف عليه الحافظ ابن حجرٍ (حَتَّى نَزَلُوا) أي: ليلًا كما في «التِّرمذيِّ» (عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ) قال في «الفتح»: ولم أقف على تعيين الحيِّ الذي نزلوا بهم من أيِّ القبائل هم (فَاسْتَضَافُوهُمْ) أي: طلبوا منهم الضِّيافة (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ) بفتح الضَّاد المعجمة وتشديد التَّحتيَّة، ويروى: «يضِيفوهم» بكسر الضَّاد والتَّخفيف (فَلُدِغَ) بضمِّ اللَّام وكسر الدَّال المهملة لا المعجمة -وسها الزَّركشيُّ- وبالغين المعجمة مبنيًّا للمفعول، أي: لُسِع (سَيِّدُ ذَلِكَ الحَيِّ) أي: بعقربٍ كما في «التِّرمذيِّ»، ولم يُسَمَّ سيِّد الحيِّ (فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ) ممَّا جرت العادة أن يتداووا به من لدغة العقرب، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فشَفَوا» بفتح الشِّين المعجمة والفاء وسكون الواو، أي: طلبوا له الشِّفاء، أي: عالجوه بما يشفيه، وقد
стр. 4853
زعم السَّفاقسيُّ أنَّها تصحيفٌ (لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ) لبعضٍ: (لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ (١) الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا) عندكم (لَعَلَّهُ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لعلَّ» بإسقاط الهاء (أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ) يداويه (فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ وَسَعَيْنَا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «وشفينا» (لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ) في رواية معبد بن سيرين [خ¦٥٠٠٧]: أنَّ الذي جاءهم جاريةٌ منهم، فيُحمَل على أنَّه كان معها غيرها (فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟) زاد أبو داود من هذا الوجه: ينفع صاحبنا، وزاد البزَّار: فقالوا لهم: قد بلغنا أنَّ صاحبكم جاء بالنُّور والشِّفاء، قالوا: نعم (٢) (فَقَالَ بَعْضُهُمْ) هو أبو سعيدٍ الرَّاوي، كما في بعض روايات مسلمٍ: (نَعَمْ، وَاللهِ إِنِّي لأَرْقِي) بفتح الهمزة وكسر القاف (وَلَكِنْ) بالتَّخفيف (وَاللهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضِيِّفُونَا، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا) بضمِّ الجيم وسكون العين: ما يُعطَى على العمل (فَصَالَحُوهُمْ) أي: وافقوهم (عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الغَنَمِ) وفي رواية النَّسائيِّ: ثلاثون شاةً، وهو مناسبٌ لعدد السَّريَّة -كما مرَّ- فكأنَّهم اعتبروا عددهم، فجعلوا لكلِّ واحدٍ شاةً (فَانْطَلَقَ) الرَّاقي إلى الملدوغ، وجعل (يَتْفُِلُ عَلَيْهِ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وسكون الفوقيَّة وكسر الفاء وتُضَمُّ: ينفخ نفخًا معه أدنى بزاقٍ، قال العارف بالله عبد الله بن أبي جمرة في «بهجة النُّفوس»: محلُّ التَّفل في الرُّقية بعد القراءة، لتحصل بركة الرِّيق في الجوارح التي يمرُّ عليها، فتحصل البركة في الرِّيق الذي يَتْفُِلُه (وَيَقْرَأُ: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾) «الفاتحة» إلى آخرها، وفي
стр. 4854
رواية الأعمش عند [أحمد والتِّرمذيِّ] (١): سبع مرَّاتٍ، وفي حديث جابرٍ: ثلاث مرَّاتٍ، والحكم للزَّائد (فَكَأَنَّمَا نُشِطَ) بضمِّ النُّون وكسر الشِّين المعجمة من الثُّلاثيِّ المُجرَّد، أي: حُلَّ (مِنْ عِقَالٍ) بكسر العين المهملة وبعدها قافٌ: حبلٍ يُشَدُّ به ذراع البهيمة، لكن قال الخطَّابيُّ: إنَّ المشهور أن يُقال في الحَلِّ: «أُنشِط» -بالهمزة- وفي العَقْد: نُشِط، وقال ابن الأثير: وكثيرًا ما يجيء في الرِّواية: «كأنَّما نُشِط من عقالٍ»، وليس بصحيحٍ، يُقال: نشطت العقدة إذا عقدتها، وأنشطتها وانتشطتها إذا حللتها، وفي «القاموس» كـ «الصِّحاح»: والحبلَ كنَصَرَ: عَقَدَهُ كنشَّطه وأَنْشَطَه: حلَّه، ونقل في «المصابيح» عن الهرويِّ أنَّه رواه: «كأنَّما أُنشِط من عقالٍ»، وعن السَّفاقسيِّ: أنَّه كذلك في بعض الرِّوايات ههنا (فَانْطَلَقَ) الملدوغ، حال كونه (يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ) بحركاتٍ؛ أي: علَّةٌ، وسُمِّي بذلك لأنَّ الذي تصيبه يتقلَّب من جنبٍ إلى جنبٍ؛ ليعلم موضع الدَّاء منه، ونُقِل عن خطِّ الدِّمياطيِّ أنَّه داءٌ مأخوذٌ من القلاب يأخذ البعير، فيشتكي منه قلبه فيموت من يومه (قَالَ: فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ) وهو الثَّلاثون شاةً (فَقَالَ بَعْضُهُمُ: اقْسِمُوا، فَقَالَ الَّذِي رَقَى) بفتح الرَّاء والقاف: (لَا تَفْعَلُوا) ما ذكرتم من القسمة (حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَنَذْكُرَ لَهُ) بنصب «نذكرَ» عطفًا على «نأتيَ» المنصوب بـ «أن» المضمرة بعد «حتَّى» (الَّذِي كَانَ) من أمرنا هذا (فَنَنْظُرَ) نُصِب عطفًا على (٢) المنصوب (مَا يَأْمُرُنَا) به فنتَّبعه، وفي رواية الأعمش: فلمَّا قبضنا الغنم عرض في أنفسنا منها شيءٌ (فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) المدينةَ (فَذَكَرُوا لَهُ) القصَّة (فَقَالَ) ﵊ للرَّاقي: (وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا) أي: الفاتحة (رُقْيَةٌ؟) بضمِّ الرَّاء وإسكان القاف، قال الدَّاوديُّ: معناه: ما أدراك؟ قال: ولعلَّه المحفوظ؛ لأنَّ ابن عيينة قال: إذا قال (٣): «وما يدريك؟» فلم يدره، وما قيل فيه: «وما أدراك» فقد علمه، وأجاب ابن التِّين: بأنَّ ابن عيينة إنَّما قال ذلك فيما وقع في القرآن، وإلَّا فلا فرق بينهما في اللُّغة، وعند الدَّارقُطنيِّ: «وما علمك أنَّها رقيةٌ؟» قال: حقٌّ أُلقِي (٤) في
стр. 4855
رُوعي (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (قَدْ أَصَبْتُم) في الرُّقية، أو في توقُّفكم عن التَّصرُّف في الجُعْلِ حتَّى استأذنتموني، أو أعمُّ من ذلك (اقْسِمُوا) الجُعْلَ بينكم (وَاضْرِبُوا) اجعلوا (لِي مَعَكُمْ) منه (سَهْمًا) أي: نصيبًا والأمر بالقسمة من باب مكارم الأخلاق، وإلَّا فالجميع للرَّاقي، وإنَّما قال: «اضربوا» تطييبًا لقلوبهم، ومبالغةً في أنَّه حلالٌ لا شبهة فيه (فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (وَقَالَ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج فيما وصله التِّرمذيُّ والمؤلِّف في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٣٦] لكن بالعنعنة: (حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ) جعفر بن أبي وحشيَّة السَّابق قال: (سَمِعْتُ أَبَا المُتَوَكِّلِ) النَّاجي (بِهَذَا) الحديث السَّابق، وفائدة ذكره هذا: تصريح أبي بِشْرٍ بالسَّماع، ومتابعة شعبة لأبي عَوانة على الإسناد، وقد تابع أبا عَوانة أيضًا هُشَيمٌ كما في «مسلمٍ» و «النَّسائيِّ»، وخالفهم الأعمش فرواه عن جعفر بن (١) أبي وحشيَّة عن أبي نضرة عن أبي سعيدٍ، فجعل بدل «أبي المتوكِّل» «أبا نضرة»، أخرجه التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه، وليس الحديث مضطربًا، بل الطَّريقان محفوظان، قاله في «الفتح»، وقد سقط قوله «قال أبو عبد الله» إلى آخره في رواية الحَمُّويي، وثبت للمُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ.
ومباحث هذا الحديث (٢) وما يُستنبَط منه تأتي -إن شاء الله تعالى- في «كتاب الطِّبِّ» [خ¦٥٧٣٦] ومطابقته للتَّرجمة واضحةٌ، وفيه أنَّ رجاله كلَّهم مذكورون بالكنى، وهو غريبٌ جدًّا، وكلُّهم بصريُّون غير أبي عوانة فواسطيٌّ، وأخرجه المؤلِّف في «الطِّبِّ» أيضًا، وكذا مسلمٌ، وأخرجه أبو داود فيه وفي «البيوع»، والتِّرمذيُّ فيه، وكذا النَّسائيُّ، وابن ماجه في «التِّجارات».
(١٧) (بابُ) حكم (ضَرِيبَةِ العَبْدِ) بفتح الضَّاد المعجمة، «فعيلةٌ» بمعنى «مفعولة»: ما يقرِّره السَّيِّد على عبده في كلِّ يومٍ (وَ) بيان (تَعَاهُدِ ضَرَائِبِ الإِمَاءِ).
стр. 4856
٢٢٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) البِيكنديُّ -بكسر المُوحَّدة- البخاريُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ) أبي عبيدة البصريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ) اسمه: نافعٌ -على الصَّحيح- (النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ أَوْ صَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ) شكَّ الرَّاوي، وفي «باب ذكر الحجَّام» [خ¦٢١٠٢] من «كتاب البيوع» (١): فأَمَرَ له بصاعٍ من تمرٍ (وَكَلَّمَ مَوَالِيَهُ) هم بنو حارثة على الصَّحيح، ومولاه منهم مُحَيِّصة بن مسعودٍ، وإنَّما جمع الموالي مجازًا -كما مرَّ- (فَخَفَّفَ) بفتح الخاء المعجمة، وفي نسخةٍ: «فَخُفِّفَ» بضمِّها (٢) مبنيًّا للمفعول (عَنْ غَلَّتِهِ) بفتح الغين المعجمة وتشديد اللَّام (أَوْ) قال (٣): (ضَرِيبَتِهِ) وهما بمعنًى، والشَّكُّ من الرَّاوي.
ومناسبته للتَّرجمة واضحةٌ، وأمَّا ضرائب الإماء فبالقياس، واختصاصها بالتَّعاهد لكونها مظنَّةً لتطرُّق الفساد في الأغلب، وإلَّا فكما يُخشَى من اكتساب الأمة بفرجها يُخشَى من اكتساب العبد بالسَّرقة مثلًا (٤)، والحديث سبق في «البيع» [خ¦٢١٠٢].
(١٨) (بابُ خَرَاجِ الحَجَّامِ).
٢٢٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو، مُصغَّرًا، ابن خالدٍ الباهليُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَعْطَى الحَجَّامَ) أبا طيبة نافعًا (أَجْرَهُ) بفتح الهمزة، أي: صاعًا من تمرٍ، وزاد في «البيع» [خ¦٢١٠٣]: ولو كان حرامًا لم يعطه، ونحوه في الحديث اللَّاحق [خ¦٢٢٧٩] وهو نصٌّ في إباحتها، وإليه ذهب الجمهور،
стр. 4857
وحملوا ما ورد في الزَّجر عنه على التَّنزيه، وذهب الإمام أحمد وغيره إلى الفرق بين الحرِّ والعبد، فكرهوا للحرِّ الاحتراف بالحجامة، ومنعوه الإنفاق منها على نفسه، وأباحوا إنفاقها على عبده ودابَّته، وأباحوها للعبد مطلقًا لحديث مُحَيِّصة عند مالكٍ وأحمد وأصحاب «السُّنن»، ورجاله ثقاتٌ، أنَّه سأل النَّبيَّ ﷺ عن كسب الحجَّام فنهاه، فذكر له الحاجة، فقال له (١): «اعلفه نواضحك».
٢٢٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) (٢) بفتح السِّين وتشديد الدَّال الأولى المهملات، الأسديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ) بتقديم الزَّاي على الرَّاء مُصغَّرًا، البصريُّ (عَنْ خَالِدٍ) هو (٣) الحذَّاء (٤) (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَعْطَى الحَجَّامَ) أبا طيبة (أَجْرَهُ) صاعًا من تمرٍ (٥) (وَلَوْ عَلِمَ) ﵊ (كَرَاهِيَةً) في أجر الحجَّام (لَمْ يُعْطِهِ) أجره.
٢٢٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بكسر الميم وسكون السِّين وفتح العين المهملتين آخره راءٌ، ابن كدام (عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ) بفتح العين وسكون الميم، الأنصاريِّ، وليس له روايةٌ في «البخاريِّ» إلَّا
стр. 4858
عن أنسٍ، ولا له في «البخاريِّ» إلَّا حديثان (١)، هذا وآخَرُ سبق في «الطَّهارة» [خ¦٢١٤] أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) هو ابن مالكٍ (¬﵁ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحْتَجِمُ) التَّعبير بـ «كان» يشعر بالمواظبة على القول بأنَّ «كان» تقتضي التَّكرار (وَلَمْ يَكُنْ يَظْلِمُ أَحَدًا أَجْرَهُ) أي: لم يكن يُنقِص من أجر أحدٍ، ولا يردُّه بغير أجرٍ، وهو أعمُّ من أجر الحجَّام وغيره ممَّن يستعمله في عملٍ.
(١٩) (بابُ مَنْ كَلَّمَ مَوَالِيَ العَبْدِ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ) (٢).
٢٢٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: دَعَا النَّبِيُّ ﷺ غُلَامًا حَجَّامًا (٣) فَحَجَمَهُ) وسقط قوله «حجَّامًا» في رواية أبوي ذرٍّ والوقت، والظَّاهر أنه أبو طيبة وإن كان حجمه أبو هندٍ مولى بني بياضة كما عند ابن منده وأبي داود؛ لأنَّه ليس في حديثه عندهما ما في حديث أبي طيبة، قوله: (وَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ أَوْ صَاعَيْنِ، أَوْ مُدٍّ أَوْ مُدَّيْنِ) أي (٤): من تمرٍ، والشَّكُّ من شعبة (وَكَلَّمَ) ﵊؛ بالواو، وللحَمُّويي والمُستملي: «فكلَّم» (فِيهِ) مولاه مُحَيِّصة بن مسعودٍ، وإنَّما جُمِع في التَّرجمة -كالحديث (٥) السَّابق- على طريق المجاز، أو كان مشتركًا بين جماعةٍ من بني حارثة منهم مُحَيِّصة (فَخُفِّفَ) عنه (مِنْ ضَرِيبَتِهِ) بضمِّ الخاء المعجمة (٦) مبنيًّا للمفعول، وفي حديث ابن (٧) عمر عند ابن أبي شيبة: أنَّ خراجه كان ثلاثة آصعٍ، والله أعلم.
стр. 4859
(٢٠) (بابُ) حكم (كَسْبِ البَغِيِّ) بفتح المُوحَّدة وكسر الغين المعجمة وتشديد التَّحتيَّة، أي: الزَّانية (وَ) حكم كسب (الإِمَاءِ) البغايا، والممنوع كسب الأَمة بالفجور لا بالصَّنائع الجائزة (وَكَرِهَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ فيما وصله ابن أبي شيبة (أَجْرَ النَّائِحَةِ وَالمُغَنِّيَةِ) من حيث إنَّ كلًّا منهما معصيةٌ، وإجارته باطلةٌ كمهر البغيِّ (وَقَوْلُِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على «كسب» (١)، أو بالرَّفع على الاستئناف: (﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ﴾) أي: إماءكم (﴿عَلَى الْبِغَاء﴾) أي: الزِّنا، وكان أهل الجاهليَّة إذا كان لأحدهم أَمةٌ أرسلها تزني، وجعل عليها ضريبةً يأخذها منها كلَّ وقتٍ، فلمَّا جاء الإسلام نهى الله المؤمنين عن ذلك، وكان سبب نزول هذه (٢) الآية ما رواه الطَّبريُّ: أنَّ عبد الله بن أبيٍّ أمر أمةً له بالزِّنا، فجاءت ببردٍ، فقال: ارجعي فازْني على آخر، فقالت: ما أنا براجعةٍ، فنزلت، وهذا أخرجه مسلمٌ من طريق أبي سفيان عن جابرٍ مرفوعًا، وروى أبو داود والنَّسائيُّ من طريق أبي الزُّبير: سمع جابرًا قال: جاءت مُسَيْكة -أَمَةٌ لبعض الأنصار- فقالت: إنَّ سيِّدي يُكرِهني على البغاء، فنزلت، والظَّاهر أنَّها نزلت فيهما، وسمَّاها الزُّهريُّ: مُعاذة (﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾) قال في «الكشَّاف»: فإن قلت: لِمَ أقحم قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ قلت: لأنَّ الإكراه لا يتأتَّى إلَّا مع إرادة التَّحصُّن، وآمر المؤاتية (٣) للبغاء لا يُسمَّى مُكْرِهًا، ولا أَمْرُه (٤) إكراهًا، وكلمة «إن» وإيثارها على «إذا» إيذانًا بأنَّ الباغيات كنَّ يفعلن ذلك برغبةٍ وطواعيةٍ منهنَّ، وأنَّ ما وُجِد من مُعاذة ومُسَيْكة من حيِّز الشَّاذِّ النَّادر (﴿لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾) من خراجهنَّ وأولادهنَّ (﴿وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ﴾) لهنَّ (﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣]) وقال الزَّمخشريُّ: لهم، أو لهنَّ، أو لهم ولهنَّ إن تابوا وأصلحوا، وقال أبو حيَّان في «البحر»: ﴿فَإِنَّ اللهَ مِن
стр. 4860
بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ جواب الشَّرط، والصَّحيح أنَّ التَّقدير: غفورٌ لهم، ليكون جواب الشَّرط فيه ضميرٌ يعود على «من» الذي هو اسم الشَّرط، ويكون ذلك مشروطًا بالتَّوبة، ولمَّا غفل الزَّمخشريُّ وابن عطيَّة وأبو البقاء عن هذا الحكم قدَّروا: فإنَّ الله غفورٌ رحيمٌ لهنَّ، أي: للمُكرَهات، فعريت جملة جواب الشَّرط من ضميرٍ يعود على اسم الشَّرط، وقد ضعَّف ما قلناه أبو عبد الله الرَّازي، فقال: فيه وجهان، أحدهما: فإنَّ الله غفورٌ رحيمٌ لهنَّ؛ لأنَّ الإكراه يزيل الإثم والعقوبة عن المُكرَه فيما فعل، والثَّاني: فإنَّ الله غفورٌ رحيمٌ للمُكرِه؛ بشرط التَّوبة، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّه على التَّفسير الأوَّل لا حاجة لهذا الإضمار، وعلى الثَّاني يحتاج إليه. انتهى. وكلامهم كلام من لم يمعن في لسان العرب، فإن قلت: قوله: «من بعد (١) إكراههنَّ» مصدرٌ أُضيف إلى المفعول، وفاعل (٢) المصدر محذوفٌ، والمحذوف كالملفوظ به، والتَّقدير: من بعد إكراههم إيَّاهنَّ (٣)، والرَّبط يحصل بهذا المحذوف المُقدَّر، فلتجز (٤) هذه (٥) المسألة، قلت: لم يعدُّوا في الرَّابط الفاعل المحذوف، تقول: هندٌ عجبت من ضربها زيدًا،
стр. 4861
فتجوز المسألة، ولو قلت (١): هندٌ عجبت من (٢) ضرب زيدًا؛ لم تجز (٣)، ولمَّا قدَّر الزَّمخشريُّ في أحد تقديراته: «لهنَّ»؛ أورد سؤالًا فقال: فإن قلت: لا حاجة إلى تعليق المغفرة بهنَّ؛ لأنَّ المُكرَهة على الزِّنا بخلاف المُكرِه عليه في أنَّها غير آثمةٍ قلت: لعلَّ الإكراه كان دون ما اعتبرته الشَّريعة من إكراهٍ بقتلٍ، أو بما يخاف منه التَّلف، أو ذهاب العضو من ضربٍ عنيفٍ وغيره حتَّى تَسْلَم من الإثم، وربَّما قصَّرت عن الحدِّ الذي تُعذَر فيه، فتكون آثمةً. انتهى. وهذا السُّؤال والجواب مبنيَّان على تقدير «لهنَّ». انتهى. وقد حكى ابن كثيرٍ في «تفسيره» عن ابن عبَّاسٍ أنَّه قال: فإن فعلتم؛ فإنَّ الله لهنَّ غفورٌ رحيمٌ، وإثمهنَّ على مَنْ أكرههنَّ، قال: وكذا قال عطاءٌ الخراسانيُّ ومجاهدٌ والأعمش وقتادة، وعن الزُّهريِّ قال: غفر لهنَّ ما أُكرهن (٤) عليه، وعن زيد بن أسلم قال: «غفورٌ رحيمٌ للمُكرَهات» حكاهنَّ ابن المنذر في «تفسيره» قال: وعند ابن أبي حاتمٍ قال في قراءة عبد الله بن مسعودٍ: (فإنَّ الله من بعد إكراههنَّ لهنَّ غفورٌ رحيمٌ): وإثمهنَّ على من أكرههنَّ. انتهى. وهذا يرجِّح قول القائل: إنَّ الضَّمير يعود على المُكرَهات. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) في تفسير: (﴿فَتَيَاتِكُمْ﴾) أي: (إِمَاؤُكُمْ) أخرجه عبد بن حُمَيدٍ والطَّبريُّ من طريق ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ بلفظ: ولا تُكرِهوا فتياتكم على البغاء، قال: إماءكم على الزِّنا، وهذا ساقطٌ في رواية غير المُستملي، ثابتٌ في روايته، ولفظ رواية أبي ذرٍّ: «﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾».
стр. 4862
٢٢٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ) هو عقبة بن عمرٍو (١) (¬﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ) أكل (ثَمَنِ الكَلْبِ) مطلقًا (وَ) عن (مَهْرِ البَغِيِّ) بكسر الغين المعجمة وتشديد الياء، وفي الفرع بسكون الغين، والذي في «اليونينيَّة»: كسرها، وإطلاق المهر فيه مجازٌ، والمراد ما تأخذه (٢) على الزِّنا؛ لأنَّه حرامٌ بالإجماع، فالمعاوضة عليه لا تحلُّ؛ لأنَّه ثمنٌ عن (٣) مُحرَّمٍ (وَ) عن (حُلْوَانِ الكَاهِنِ) بضمِّ الحاء، وهو ما يُعطَاه على كهانته.
وهذا الحديث قد سبق في أواخر «البيوع» [خ¦٢٢٣٧].
٢٢٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ) بجيمٍ مضمومةٍ فحاءٍ مهملةٍ مفتوحةٍ وبعد الألف دالٌ مهملةٌ، الأَيَاميِّ-بفتح الهمزة وتخفيف التَّحتيَّة- الكوفيِّ (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي المعجمة المكسورة، سلمان (٤) الأشجعيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ (٥) ﷺ عَنْ كَسْبِ الإِمَاءِ) بالفجور، لا ما تكسبه (٦) بالصَّنعة والعمل.
стр. 4863
(٢١) (بابُ) النَّهي عن كسب (عَسْبِ الفَحْلِ) بفتح العين المهملة وسكون السِّين آخره مُوحَّدةٌ، و «الفحل»: الذَّكر من كلِّ حيوانٍ.
٢٢٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ (وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) أمُّه (١) عُليَّة (عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحَكَمِ) بفتحتين البُنانيِّ، بضمِّ الموحَّدة وتخفيف النُّونين (٢) (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ) كراء (عَسْبِ الفَحْلِ) حذف المضاف وأقام المضاف إليه مُقامه، والمشهور في كتب الفقه: أنَّ عسب الفحل ضرابه، وقيل: أجرة ضرابه، وقيل: ماؤه، فعلى الأوَّل والثَّالث تقديره: بدل عسب الفحل، وفي رواية الشَّافعيِّ ﵀: نهى عن ثمن عسب الفحل، والحاصل: أنَّ بذل المال عوضًا عن الضِّراب إن كان بيعًا فباطلٌ قطعًا؛ لأنَّ ماء الفحل غير مُتقوَّمٍ (٣) ولا معلومٍ ولا مقدورٍ على تسليمه، وكذا إن كان إجارةً على الأصحِّ، ويجوز أن يُعْطِيَ صاحبُ الأنثى صاحبَ الفحل شيئًا على سبيل الهديَّة، لِمَا روى التِّرمذيُّ -وقال: حسنٌ غريبٌ- من حديث أنسٍ: أنَّ رجلًا من كلابٍ سأل رسول الله ﷺ عن عسب الفحل فنهاه، فقال: يا رسول الله؛ إنَّا نُطْرِق الفحل فنُكْرَم، فرخَّص في الكرامة، وهذا مذهب الشَّافعيِّ، قال المالكيَّة: حمله أهل المذهب على الإجارة المجهولة، وهو أن يستأجر منه فَحْلَه ليضرب (٤) الأنثى حتَّى تحمل، ولا شكَّ في جهالة ذلك؛ لأنَّها قد تحمل من أوَّل مرَّةٍ فيُغبَن صاحب الأنثى، وقد لا تحمل من عشرين مرَّةً فيُغبَن صاحب الفحل، فإن استأجره (٥) على نزواتٍ معلومةٍ ومدَّةٍ معلومةٍ جاز.
стр. 4864
وهذا الحديث أخرجه أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «البيوع» (١).
(٢٢) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا اسْتَأْجَرَ) أحدٌ (٣) (أَرْضًا) من آخرَ (فَمَاتَ أَحَدُهُمَا) أي: أحد (٤) المتآجرين، هل تنفسخ الإجارة أم لا؟ (وَقَالَ) بالواو، ولأبي الوقت: «قال» (٥) (ابْنُ سِيرِينَ) محمد: (لَيْسَ لأَهْلِهِ) أي: أهل الميت (أَنْ يُخْرِجُوهُ) أي: المستأجر (إِلَى تَمَامِ الأَجَلِ) الذي وقع العقد عليه، وقول البرماويِّ كالكِرمانيِّ: لأهله، أي: لورثته أن يخرجوه من عقد الإجارة، ويتصرَّفوا في منافع المُسْتَأْجِر، قال العينيُّ: هو بيانٌ لعود الضَّمير المنصوب في «أن يخرجوه» إلى عقد الاستئجار، قال: وهذا لا معنى له، بل الضَّمير يعود على (٦) المستأجِر، ولكن لم يتقدَّم ذكرٌ للمستأجِر فكيف يعود إليه؟ وكذلك الضَّمير في «أهله» ليس مرجعه مذكورًا، ففيهما إضمارٌ قبل الذِّكر، ولا يجوز أن يُقال: مرجع الضَّميرين يُفهَم من لفظ التَّرجمة؛ لأنَّ التَّرجمة وُضِعت بلا ريبٍ قبل (٧) قول ابن سيرين، فالوجه أن يُقال: إنَّ مرجع الضَّميرين محذوفٌ، والقرينة تدلُّ عليه، فهو في حكم الملفوظ، وأصل الكلام في أصل الوضع هكذا: سُئِل محمَّد بن سيرين في رجلٍ استأجر من رجلٍ أرضًا فمات أحدهما، هل لورثة الميت أن
стр. 4865
يُخرِجوا يد المستأجِر من تلك الأرض أم لا؟ فأجاب بقوله: «ليس لأهله» أي: لأهل الميت أن يخرجوا (١) المستأجر (٢) إلى تمام الأجل، أي: أجل الإجارة.
(وَقَالَ الحَكَمُ) بن عتيبة، أحد فقهاء الكوفة (وَالحَسَنُ) البصريُّ (وَإِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) بن قُرَّة المزنيُّ: (تُمْضَى الإِجَارَةُ) بضمِّ الفوقيَّة وفتح الضَّاد، ولأبي ذرٍّ: بفتحها وكسر الضَّاد (٣) (إِلَى أَجَلِهَا) وصله ابن أبي شيبة من طريق حُمَيدٍ عن الحسن وإياس بن معاوية، ومن طريق أيُّوب عن ابن سيرين نحوه، والحاصل: أنَّ الإجارة لا تنفسخ عندهم بموت أحد المتآجرين، وهو (٤) مذهب الجمهور، وذهب الكوفيُّون واللَّيث إلى الفسخ، واحتجُّوا بأنَّ الوارث ملك الرَّقبة، والمنفعة تبعٌ لها، فارتفعت يد المستأجِر عنها بموت الذي آجره.
(وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ ممَّا أخرجه مسلمٌ: (أَعْطَى النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ بِالشَّطْرِ) أي (٥): بأن يكون النِّصف للزُّرَّاع (٦)، والنِّصف له ﷺ (فَكَانَ ذَلِكَ) مستمرًّا (عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «على عهد رسول الله» (¬ ﷺ وَ) عهد (أَبِي بَكْرٍ، وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ) ﵄ (وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ جَدَّدَا الإِجَارَةَ) ولأبي ذرٍّ: «ولم يُذكَر أنَّ أبا بكرٍ جدَّد الإجارة» (٧) (بَعْدَ مَا قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) فدلَّ على أنَّ عقد الإجارة لم ينفسخ بموت أحد المتآجرين.
٢٢٨٥ - ٢٢٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) قال: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ
стр. 4866
عَبْدِ اللهِ) أي: ابن عمر (¬﵁¬) وعن أبيه، أنَّه (قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ) زاد أبوا ذرٍّ والوقت: «اليهود» (أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا، وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ) عطفٌ على سابقه، أي: عن نافعٍ عن ابن عمر ﵄ (حَدَّثَهُ) أيضًا: (أَنَّ المَزَارِعَ) بفتح الميم (كَانَتْ تُكْرَى عَلَى شَيْءٍ) من حاصلها، قال جويرية (١): (سَمَّاهُ) أي: سمَّى (نَافِعٌ) مقدار ذلك الشَّيء (لَا أَحْفَظُهُ، وَأَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ) بفتح الخاء المعجمة (حَدَّثَ) بإثبات الضَّمير في الأوَّل [خ¦٢٢٨٥] وحذفه في هذا؛ لأنَّ ابن عمر ﵄ حدَّث نافعًا بخلاف رافعٍ؛ فإنَّه لم يحدِّث له خصوصًا: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ كِرَاءِ المَزَارِعِ) بفتح الميم (٢) (وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄: (حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ) ﵁، وهذا وصله مسلمٌ، ولفظه: أنَّ رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمرٍ أو زرعٍ، ورواه أيضًا من وجوهٍ أخرى [خ¦٢٣٣٨] وفي آخره: قال لهم رسول الله ﷺ : «نُقِرُّكم بها على ذلك (٣) ما شئنا»، فقَرُّوا بها، حتَّى أجلاهم عمر ﵁ إلى تيماء وأريحاء.
стр. 4867
((٣٨)) (بسم الله الرحمن الرحيم الحَِوَالَات) بالجمع وفتح الحاء، وقد تُكسَر، وهي نقل دَينٍ من ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ أخرى، وفي رواية أبي ذرٍّ عن (١) المُستملي كما في الفرع وأصله (٢): «كتاب الحوالات، بسم الله الرَّحمن الرَّحيم»، وقال الحافظ ابن حجرٍ: «بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، كتاب (٣) الحوالة (٤)» كذا للأكثر، وزاد النَّسفيُّ والمُستملي بعد البسملة: «كتاب الحوالة (٥)».
(١) هذا (٦) (بابٌ) بالتَّنوين (فِي الحَوَالَةِ، وَهَلْ يَرْجِعُ) المُحِيل (فِي الحَوَالَةِ) أم لا؟ فإن قلنا: إنَّها عقدٌ لازمٌ لا يرجع، ولها ستَّة أركانٍ: مُحيلٌ، ومحتالٌ، ومُحالٌ عليه، ودَينٌ للمحتال على المحيل، ودَينٌ للمُحيل على المحال عليه، وصيغةٌ، وهي بيع دينٍ بدينٍ جُوِّز للحاجة، ولهذا لم يُشترَط التَّقابض في المجلس، وإن كان الدَّينان رِبَويَّين فهي بيعٌ؛ لأنَّها إبدال مالٍ بمالٍ،
стр. 4868
فإنَّ كلًّا من المُحيل والمحتال يملك بها ما لم يملكه قبلها، لا استيفاءَ لحقٍّ (١) بأن يُقدَّر أنَّ المحتال استوفى ما كان له على المحيل وأقرضه المحال عليه. وشروطها: رضا المحيل والمحتال؛ لأنَّ للمحيل إيفاء الحقِّ من حيث شاء فلا يُلزَم بجهةٍ، وحقُّ المحتال في ذمَّة المحيل فلا ينتقل إلَّا برضاه، ومعرفة رضاهما بالصِّيغة، ولا يُشترَط رضا المحال عليه؛ لأنَّه محلُّ الحقِّ والتَّصرُّف كالعبد المبيع، ولأنَّ الحقَّ للمحيل فله أن يستوفيه بغيره كما لو وكَّل غيره بالاستيفاء، والإيجاب والقبول كما في البيع، وأن تكون الحوالة بدينٍ لازمٍ، فلو أحال على من لا دَين عليه لم تصحَّ الحوالة ولو رضي بها لعدم الاعتياض، إذ ليس عليه شيءٌ يجعله عوضًا عن حقِّ المحتال، فإن تطوَّع بأداء دينِ المحيل كان قاضيًا دين غيره، وهو جائزٌ، ويُشترَط أيضًا اتِّفاق الدَّينين جنسًا وقدرًا، وحلولًا وتأجيلًا، وصحَّةً وتكسيرًا، وجودةً ورداءةً، وقال المالكيَّة: ولا يُشترَط رضا المحال عليه على المشهور، خلافًا لابن شعبان، وعلى المشهور فيُشترَط في ذلك السَّلامة من العداوة، وهو قول مالكٍ، وحقيقتها أن تكون على أصل دينٍ، فإن لم تكن على أصل دينٍ (٢) انقلبت حمالَةً (٣) ولو كانت بلفظ الحوالة، واشترط الحنفيَّة رضا المحال عليه لتفاوت النَّاس في الاقتضاء، فلعلَّ المحال عليه أعسر وأفلس، فيُشترَط رضاه دفعًا للضَّرر عنه، وقال الحنابلة: ولا يُعتبَر رضا محتالٍ (٤) إن كان المحال عليه مليًّا ولو ميتًا (٥)، قاله في «الرِّعاية». (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ (وَقَتَادَةُ) ممَّا وصله ابن أبي شيبة والأثرم واللَّفظ له: وقد سُئِلا عن رجلٍ أحال على رجلٍ فأفلس، فقالا: (إِذَا كَانَ) المحال عليه (يَوْمَ أَحَالَ عَلَيْهِ مَلِيًّا) أصله: «مليئًا» بالهمزة بعد الياء السَّاكنة، فأُبدِلت الهمزة ياءً، وأُدغِمت الياء في الياء، أي: غنيًّا، وجواب «إذا» قوله: (جَازَ) أي: الفعل، وهو الحوالة، وليس له، أي: للمحتال أن يرجع على المحيل، ومفهومه: أنَّه إذا كان مفلسًا يوم الحوالة له الرُّجوع، ومذهب الشَّافعيِّ: أنَّ المحتال لا يرجع بحالٍ حتَّى لو أفلس المحال عليه، ومات أو لم يمت، أو جحد
стр. 4869
وحلف، لم يكن للمحتال الرُّجوع على المحيل، كما لو تعوَّض عن الدَّين ثمَّ تلف الدَّين في يده، وكذا لو بان المحال عليه عبدًا لغير المحيل، بل يطالبه بعد العتق. وقال الحنابلة: يرجع على المحيل إذا شرط ملاءةَ المحال عليه فتبيَّن مفلسًا. وقال المالكيَّة: يرجع عليه فيما إذا حصل منه غرورٌ بأن يكون إفلاس المحال عليه مقترنًا بالحوالة، وهو جاهلٌ به مع علم المحيل به، وقال الحنفيَّة: يرجع عليه إذا تَوِي حقُّه، والتَّوى عند أبي حنيفة: إمَّا أن يجحد الحوالة ويحلف ولا بيِّنة عليه، أو يموت مفلسًا، وقال محمَّدٌ وأبو يوسف: يحصل التَّوى بأمرٍ ثالثٍ، وهو أن يحكم الحاكم بإفلاسه في حال حياته. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄. ممَّا وصله ابن أبي شيبة بمعناه: (يَتَخَارَجُ الشَّرِيكَانِ) إذا كان لهما دينٌ على إنسانٍ، فأفلس أو مات أو جحد وحلف حيث لا بيِّنة يخرج هذا الشَّريك ممَّا وقع في نصيب صاحبه، وذلك الآخر كذلك في القسمة بالتَّراضي بغير قرعةٍ مع استواء الدَّين (وَ) كذا يتخارج (أَهْلُ المِيرَاثِ، فَيَأْخُذُ هَذَا عَيْنًا وَهَذَا دَيْنًا، فَإِنْ تَوِيَ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وكسر الواو، على وزن «قَوِي»، من تَوِي المال يَتْوَى، من باب: عَلِم يَعْلَم إذا هلك، أي: فإن هلك (لأَحَدِهِمَا) شيءٌ ممَّا أخذه (لَمْ يَرْجِعْ عَلَى (١) صَاحِبِهِ) لأنَّه رضي بالدَّين عوضًا، فتوي في ضمانه كما لو اشترى عينًا فتلفت في يده، وقد ألحق المؤلِّف الحوالة بذلك، وكذلك الحكم بين الورثة كما أشار إليه بقوله: «وأهل الميراث».
٢٢٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ)
стр. 4870
عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ (١) رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَطْلُ) المِدْيان (الغَنِيِّ) القادر على وفاء الدَّين ربَّه بعد استحقاقه (ظُلْمٌ) مُحرَّمٌ (٢) عليه، وخرج بالغنيِّ العاجزُ عن الوفاء، والمطل: أصله المدُّ، تقول: مطلت الحديدة أمطلها إذا مددتها لتطول، والمراد هنا: تأخير ما استحقَّ أداؤه بغير عذرٍ، ولفظ المطل يُشعِر بتقدُّم الطَّلب، فيُؤخَذ منه أنَّ الغنيَّ لو أخَّر الدَّفع مع عدم طلب صاحب الحقِّ له (٣) لم يكن ظالمًا (٤)، وقد حكى أصحابنا وجهين في وجوب الأداء مع القدرة من غير طلبٍ من ربِّ الدَّين، فقال إمام الحرمين في «الوكالة» من «النِّهاية» وأبو المُظفَّر السَّمعاني في «القواطع في أصول الفقه»، والشَّيخ عزُّ الدِّين بن عبد السَّلام في «القواعد الكبرى»: لا يجب الأداء إلَّا بعد الطَّلب، وهو مفهوم تقييد النَّوويِّ في «التَّفليس» بالطَّلب، والجمهور على أنَّ قوله: «مطل الغنيِّ ظلمٌ» من باب إضافة المصدر للفاعل كما سبق تقريره، وقيل: هو من إضافة المصدر للمفعول، والمعنى: أنَّه يجب وفاء الدَّين وإن كان (٥) مستحقُّه غنيًّا، ولا يكون سببًا لتأخيره عنه، وإذا كان كذلك في حقِّ الغنيِّ فهو في حقِّ الفقير أولى، قال الحافظ زين الدِّين العراقيُّ: وهذا فيه تعسُّفٌ وتكلُّفٌ، ولو لم يكن له مالٌ لكنَّه قادرٌ على التَّكسُّب، فهل يجب عليه ذلك لوفاء الدَّين؟ أطلق أكثر أصحابنا -ومنهم الرَّافعيُّ والنَّوويُّ-: أنَّه ليس عليه ذلك، وفصل الفراويُّ (٦) فيما حكاه ابن الصَّلاح في «فوائد الرِّحلة» بين أن يلزمه الدَّين بسببٍ هو به عاصٍ،