عَبْدِ اللهِ) أي: ابن عمر (¬﵁¬) وعن أبيه، أنَّه (قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ) زاد أبوا ذرٍّ والوقت: «اليهود» (أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا، وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ) عطفٌ على سابقه، أي: عن نافعٍ عن ابن عمر ﵄ (حَدَّثَهُ) أيضًا: (أَنَّ المَزَارِعَ) بفتح الميم (كَانَتْ تُكْرَى عَلَى شَيْءٍ) من حاصلها، قال جويرية (١): (سَمَّاهُ) أي: سمَّى (نَافِعٌ) مقدار ذلك الشَّيء (لَا أَحْفَظُهُ، وَأَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ) بفتح الخاء المعجمة (حَدَّثَ) بإثبات الضَّمير في الأوَّل [خ¦٢٢٨٥] وحذفه في هذا؛ لأنَّ ابن عمر ﵄ حدَّث نافعًا بخلاف رافعٍ؛ فإنَّه لم يحدِّث له خصوصًا: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ كِرَاءِ المَزَارِعِ) بفتح الميم (٢) (وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄: (حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ) ﵁، وهذا وصله مسلمٌ، ولفظه: أنَّ رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمرٍ أو زرعٍ، ورواه أيضًا من وجوهٍ أخرى [خ¦٢٣٣٨] وفي آخره: قال لهم رسول الله ﷺ : «نُقِرُّكم بها على ذلك (٣) ما شئنا»، فقَرُّوا بها، حتَّى أجلاهم عمر ﵁ إلى تيماء وأريحاء.
стр. 4867
((٣٨)) (بسم الله الرحمن الرحيم الحَِوَالَات) بالجمع وفتح الحاء، وقد تُكسَر، وهي نقل دَينٍ من ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ أخرى، وفي رواية أبي ذرٍّ عن (١) المُستملي كما في الفرع وأصله (٢): «كتاب الحوالات، بسم الله الرَّحمن الرَّحيم»، وقال الحافظ ابن حجرٍ: «بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، كتاب (٣) الحوالة (٤)» كذا للأكثر، وزاد النَّسفيُّ والمُستملي بعد البسملة: «كتاب الحوالة (٥)».
(١) هذا (٦) (بابٌ) بالتَّنوين (فِي الحَوَالَةِ، وَهَلْ يَرْجِعُ) المُحِيل (فِي الحَوَالَةِ) أم لا؟ فإن قلنا: إنَّها عقدٌ لازمٌ لا يرجع، ولها ستَّة أركانٍ: مُحيلٌ، ومحتالٌ، ومُحالٌ عليه، ودَينٌ للمحتال على المحيل، ودَينٌ للمُحيل على المحال عليه، وصيغةٌ، وهي بيع دينٍ بدينٍ جُوِّز للحاجة، ولهذا لم يُشترَط التَّقابض في المجلس، وإن كان الدَّينان رِبَويَّين فهي بيعٌ؛ لأنَّها إبدال مالٍ بمالٍ،
стр. 4868
فإنَّ كلًّا من المُحيل والمحتال يملك بها ما لم يملكه قبلها، لا استيفاءَ لحقٍّ (١) بأن يُقدَّر أنَّ المحتال استوفى ما كان له على المحيل وأقرضه المحال عليه. وشروطها: رضا المحيل والمحتال؛ لأنَّ للمحيل إيفاء الحقِّ من حيث شاء فلا يُلزَم بجهةٍ، وحقُّ المحتال في ذمَّة المحيل فلا ينتقل إلَّا برضاه، ومعرفة رضاهما بالصِّيغة، ولا يُشترَط رضا المحال عليه؛ لأنَّه محلُّ الحقِّ والتَّصرُّف كالعبد المبيع، ولأنَّ الحقَّ للمحيل فله أن يستوفيه بغيره كما لو وكَّل غيره بالاستيفاء، والإيجاب والقبول كما في البيع، وأن تكون الحوالة بدينٍ لازمٍ، فلو أحال على من لا دَين عليه لم تصحَّ الحوالة ولو رضي بها لعدم الاعتياض، إذ ليس عليه شيءٌ يجعله عوضًا عن حقِّ المحتال، فإن تطوَّع بأداء دينِ المحيل كان قاضيًا دين غيره، وهو جائزٌ، ويُشترَط أيضًا اتِّفاق الدَّينين جنسًا وقدرًا، وحلولًا وتأجيلًا، وصحَّةً وتكسيرًا، وجودةً ورداءةً، وقال المالكيَّة: ولا يُشترَط رضا المحال عليه على المشهور، خلافًا لابن شعبان، وعلى المشهور فيُشترَط في ذلك السَّلامة من العداوة، وهو قول مالكٍ، وحقيقتها أن تكون على أصل دينٍ، فإن لم تكن على أصل دينٍ (٢) انقلبت حمالَةً (٣) ولو كانت بلفظ الحوالة، واشترط الحنفيَّة رضا المحال عليه لتفاوت النَّاس في الاقتضاء، فلعلَّ المحال عليه أعسر وأفلس، فيُشترَط رضاه دفعًا للضَّرر عنه، وقال الحنابلة: ولا يُعتبَر رضا محتالٍ (٤) إن كان المحال عليه مليًّا ولو ميتًا (٥)، قاله في «الرِّعاية». (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ (وَقَتَادَةُ) ممَّا وصله ابن أبي شيبة والأثرم واللَّفظ له: وقد سُئِلا عن رجلٍ أحال على رجلٍ فأفلس، فقالا: (إِذَا كَانَ) المحال عليه (يَوْمَ أَحَالَ عَلَيْهِ مَلِيًّا) أصله: «مليئًا» بالهمزة بعد الياء السَّاكنة، فأُبدِلت الهمزة ياءً، وأُدغِمت الياء في الياء، أي: غنيًّا، وجواب «إذا» قوله: (جَازَ) أي: الفعل، وهو الحوالة، وليس له، أي: للمحتال أن يرجع على المحيل، ومفهومه: أنَّه إذا كان مفلسًا يوم الحوالة له الرُّجوع، ومذهب الشَّافعيِّ: أنَّ المحتال لا يرجع بحالٍ حتَّى لو أفلس المحال عليه، ومات أو لم يمت، أو جحد
стр. 4869
وحلف، لم يكن للمحتال الرُّجوع على المحيل، كما لو تعوَّض عن الدَّين ثمَّ تلف الدَّين في يده، وكذا لو بان المحال عليه عبدًا لغير المحيل، بل يطالبه بعد العتق. وقال الحنابلة: يرجع على المحيل إذا شرط ملاءةَ المحال عليه فتبيَّن مفلسًا. وقال المالكيَّة: يرجع عليه فيما إذا حصل منه غرورٌ بأن يكون إفلاس المحال عليه مقترنًا بالحوالة، وهو جاهلٌ به مع علم المحيل به، وقال الحنفيَّة: يرجع عليه إذا تَوِي حقُّه، والتَّوى عند أبي حنيفة: إمَّا أن يجحد الحوالة ويحلف ولا بيِّنة عليه، أو يموت مفلسًا، وقال محمَّدٌ وأبو يوسف: يحصل التَّوى بأمرٍ ثالثٍ، وهو أن يحكم الحاكم بإفلاسه في حال حياته. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄. ممَّا وصله ابن أبي شيبة بمعناه: (يَتَخَارَجُ الشَّرِيكَانِ) إذا كان لهما دينٌ على إنسانٍ، فأفلس أو مات أو جحد وحلف حيث لا بيِّنة يخرج هذا الشَّريك ممَّا وقع في نصيب صاحبه، وذلك الآخر كذلك في القسمة بالتَّراضي بغير قرعةٍ مع استواء الدَّين (وَ) كذا يتخارج (أَهْلُ المِيرَاثِ، فَيَأْخُذُ هَذَا عَيْنًا وَهَذَا دَيْنًا، فَإِنْ تَوِيَ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وكسر الواو، على وزن «قَوِي»، من تَوِي المال يَتْوَى، من باب: عَلِم يَعْلَم إذا هلك، أي: فإن هلك (لأَحَدِهِمَا) شيءٌ ممَّا أخذه (لَمْ يَرْجِعْ عَلَى (١) صَاحِبِهِ) لأنَّه رضي بالدَّين عوضًا، فتوي في ضمانه كما لو اشترى عينًا فتلفت في يده، وقد ألحق المؤلِّف الحوالة بذلك، وكذلك الحكم بين الورثة كما أشار إليه بقوله: «وأهل الميراث».
٢٢٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ)
стр. 4870
عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ (١) رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَطْلُ) المِدْيان (الغَنِيِّ) القادر على وفاء الدَّين ربَّه بعد استحقاقه (ظُلْمٌ) مُحرَّمٌ (٢) عليه، وخرج بالغنيِّ العاجزُ عن الوفاء، والمطل: أصله المدُّ، تقول: مطلت الحديدة أمطلها إذا مددتها لتطول، والمراد هنا: تأخير ما استحقَّ أداؤه بغير عذرٍ، ولفظ المطل يُشعِر بتقدُّم الطَّلب، فيُؤخَذ منه أنَّ الغنيَّ لو أخَّر الدَّفع مع عدم طلب صاحب الحقِّ له (٣) لم يكن ظالمًا (٤)، وقد حكى أصحابنا وجهين في وجوب الأداء مع القدرة من غير طلبٍ من ربِّ الدَّين، فقال إمام الحرمين في «الوكالة» من «النِّهاية» وأبو المُظفَّر السَّمعاني في «القواطع في أصول الفقه»، والشَّيخ عزُّ الدِّين بن عبد السَّلام في «القواعد الكبرى»: لا يجب الأداء إلَّا بعد الطَّلب، وهو مفهوم تقييد النَّوويِّ في «التَّفليس» بالطَّلب، والجمهور على أنَّ قوله: «مطل الغنيِّ ظلمٌ» من باب إضافة المصدر للفاعل كما سبق تقريره، وقيل: هو من إضافة المصدر للمفعول، والمعنى: أنَّه يجب وفاء الدَّين وإن كان (٥) مستحقُّه غنيًّا، ولا يكون سببًا لتأخيره عنه، وإذا كان كذلك في حقِّ الغنيِّ فهو في حقِّ الفقير أولى، قال الحافظ زين الدِّين العراقيُّ: وهذا فيه تعسُّفٌ وتكلُّفٌ، ولو لم يكن له مالٌ لكنَّه قادرٌ على التَّكسُّب، فهل يجب عليه ذلك لوفاء الدَّين؟ أطلق أكثر أصحابنا -ومنهم الرَّافعيُّ والنَّوويُّ-: أنَّه ليس عليه ذلك، وفصل الفراويُّ (٦) فيما حكاه ابن الصَّلاح في «فوائد الرِّحلة» بين أن يلزمه الدَّين بسببٍ هو به عاصٍ،
стр. 4871
فيجب عليه الاكتساب لوفائه، أو غير عاصٍ فلا، قال الإسنويُّ: وهو واضحٌ (١)؛ لأنَّ التَّوبة ممَّا فعله واجبةٌ، وهي متوقِّفةٌ في حقوق الآدميِّين على الرَّدِّ. انتهى. قال ابن العراقيِّ: ولو قيل بوجوب التَّكسُّب مطلقًا لم يبعد، كالتَّكسُّب لنفقة الزَّوجة، وكما أنَّ القدرة على الكسب كالمال في منع أخذ الزَّكاة يبقى النَّظر في أنَّ لفظ هذا الحديث هل يتناوله؟ إن فسَّرنا الغنى بالمال فلا، وإن فسَّرناه بالقدرة على وفاء الدَّين فنعم، وكلامهم فيمن ماله غائبٌ يوافق الثَّاني، وفي رواية ابن عيينة عن أبي الزِّناد عند النَّسائيِّ وابن ماجه: المطل ظلمُ الغنيِّ (٢)، والمعنى: أنَّه من الظُّلم، وأطلق ذلك للمبالغة في التَّنفير عن المطل. (فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ) بضمِّ الهمزة وسكون المُثنَّاة الفوقيَّة وكسر المُوحَّدة مبنيًّا للمفعول (عَلَى مَلِيٍّ) بتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، وضبطها الزَّركشيُّ بالهمزة، وقال: الغنيُّ (٣) من المَلَاءة، وقال في «المصابيح»: وظاهره أنَّ الرِّواية كذلك فينبغي تحريرها، ولم أظفر بشيءٍ منها. انتهى. والذي في الفرع وجميع ما وقفت عليه من الأصول المعتمدة: بدون الهمزة، وهو الذي رويناه، وذِكْرُ هذه الجملة عقب ما قبلها يُشعِر بأنَّ الأمر بقبول الحوالة مُعلَّلٌ بكون مطل (٤) الغنيِّ ظلمًا، قال ابن دقيق العيد: ولعلَّ السَّبب فيه أنَّه إذا تقرَّر كونه ظلمًا -والظَّاهر من حال المسلم الاحتراز عنه- فيكون ذلك سببًا للأمر بقبول الحوالة عليه؛ لأنَّ به يحصل المقصود من غير ضرر المطل، ويُحتمل أن يكون ذلك لأنَّ المليَّ لا يتعذَّر استيفاء الحقِّ منه عند الامتناع، بل يأخذه الحاكم قهرًا ويوفيه، ففي قبول الحوالة عليه يحصل الغرض من غير مفسدةٍ في الحقِّ، قال: والمعنى الأوَّل أرجح لِمَا فيه من بقاء معنى التَّعليل بكون المطل ظلمًا، وعلى هذا المعنى الثَّاني تكون العلَّة عدم وفاء الحقِّ لا الظُّلم. انتهى. والمعنى الأوَّل هو الذي اقتصر عليه الرَّافعيُّ، وقال ابن الرِّفعة في «المطلب»: وهذا إذا كان الوصف بالغنى يعود إلى من عليه الدَّين، وقد قيل: إنَّه يعود إلى من له الدَّين، وعلى هذا
стр. 4872
لا يحتاج أن يذكر في التَّقديرين الغنيَّ. انتهى. قال البرماويُّ: وقد يُدَّعى أنَّ في كلٍّ منهما بقاء التَّعليل (١) بكون المطل ظلمًا لأنَّه لا بدَّ في كلٍّ منهما من حذفٍ بذكره يحصل الارتباط، فيُقدَّر في الأوَّل: مطل الغنيِّ ظلمٌ، والمسلم في الظَّاهر يجتنبه، فمن أُتبع على مليٍّ فينبغي أن يتبعه، وفي الثَّاني: مطل الغنيِّ ظلمٌ، والظُّلم تزيله (٢) الحكَّام ولا تقرُّه، فمن أُتبِع على مليٍّ فليتبع ولا يَخْشَ من المطل، ويشبه كما قال الأذرعيُّ: إنَّه يُعتبَر في استحباب قبولها على مليٍّ كونه وفيًّا، وكون ماله طيِّبًا؛ ليخرج المماطل ومن في ماله شبهةٌ. (فَلْيَتْبَعْ) بفتح التَّحتيَّة وسكون الفوقيَّة، أي: إذا أُحيل بالدَّين الذي له على موسرٍ فليحتل ندبًا، وقوله: «ظلمٌ» يشعر بكونه كبيرةً، والجمهور: على أنَّ فاعله يفسق، لكن هل يثبت فسقه بمرَّةٍ واحدةٍ أم لا؟ قال النَّوويُّ: مقتضى مذهبنا التَّكرار، وردَّه السُّبكيُّ في «شرح المنهاج» بأنَّ مقتضى مذهبنا عدمه، واستدلَّ بأنَّ منع الحقِّ بعد طلبه وانتفاء العذر عن أدائه كالغصب، والغصب كبيرةٌ، والكبيرة لا يُشترَط فيها التَّكرار، لكن لا يُحكَم عليه بذلك إلَّا بعد أن يظهر عدم عذره. انتهى. ويدخل في المطل كلُّ من لزمه حقٌّ كالزَّوج لزوجته، والسَّيِّد لعبده، والحاكم لرعيَّته، والعكس (٣)، واستدلَّ به على اعتبار رضا المحيل والمحتال دون المحال عليه لكونه لم يُذكَر في الحديث، وبه قال الجمهور كما مرَّ.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الحوالة» [خ¦٢٢٨٨]، ومسلمٌ في «البيوع» وكذا النَّسائيُّ والتِّرمذيُّ وابن ماجه.
(٢) هذا (٤) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أَحَالَ) من عليه دينٌ ربَّ الدَّين بدينه (عَلَى مَلِيٍّ فَلَيْسَ لَهُ رَدٌّ).
стр. 4873
٢٢٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) البيكنديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ) عبد الله (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَمَنْ أُتْبِعَ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتَّبِعْ) بتشديد التَّاء، كما في «الفرع»، وقال النَّوويُّ: المشهور في الرِّواية واللُّغة التَّخفيف، وقال الخطَّابيُّ: أكثر المحدِّثين يقولونه بالتَّشديد، والصَّواب التَّخفيف، والمعنى: جُعِل تابعًا له بدَينه، وهو معنى «أُحيل» في الرِّواية الأخرى في «مُسند» الإمام أحمد بلفظ: «وإذا أُحيل أحدكم على مليء فَلْيَحْتَلْ» (١) ولهذا عدَّى أتبع بـ «على» لأنَّه ضُمِّن معنى «أُحيل»، وعند ابن ماجه من حديث ابن عمر: «فإذا أُحِلْتَ على مليء فاتَّبعه» بتشديد التَّاء بلا خلافٍ، وجمهور العلماء على أنَّ هذا الأمر للنَّدب، وقال أهل الظَّاهر وجماعةٌ من الحنابلة بالوجوب، فأوجبوا قبولها على المليِّ كما حكيناه في الباب السَّابق عن «الرِّعاية» من كتبهم، وإليه مال البخاريُّ حيث قال: فليس له ردٌّ، وهو ظاهر الحديث، وعلى الأوَّل فالصَّارف للأمر عن حقيقته، وهي الوجوب إلى النَّدب أنَّه راجعٌ لمصلحةٍ دنيويَّةٍ، فيكون أمر إرشادٍ، أشار إليه ابن دقيق العيد بقوله: لِمَا فيه من الإحسان إلى المحيل بتحصيل مقصوده من تحويل الحقِّ عنه، وترك تكليفه التَّحصيل بالطَّلِبة (٢). انتهى. وقد يُقال: الإحسان قد يكون واجبًا كإنظار المعسر، والدُّنيويُّ إنَّما هو في جانب المحيل، أمَّا قبول المحتال الحوالة فلأمرٍ أخرويٍّ، وقيل: الصَّارف كونه أمرًا بعد حظرٍ، وهو بيع الكالئ بالكالئ، فيكون للإباحة أو النَّدب (٣) على المُرجَّح في الأصول، «ومن أُتبِع» بالواو، وحينئذٍ فلا تعلُّق للجملة الثَّانية بالأولى بخلاف الحديث السَّابق حيث عبَّر بالفاء بقوله: «فإذا أُتبِع»، وقد مرَّ ما في ذلك، وهذا الباب ثابتٌ في نسخة الفَِربريِّ، ساقطٌ من نسخ الباقين.
стр. 4874
(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا (١) أَحَالَ) رجلٌ (دَيْنَ المَيِّتِ عَلَى رَجُلٍ جَازَ) هذا الفعل.
٢٢٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن بشير (٢) بن فرقدٍ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) -بالتَّصغير- مولى سلمة ابن الأكوع (عَنْ سَلَمَةَ ابْنِ الأَكْوَعِ) واسمه سنانٌ، المدنيُّ، شهد بيعة الرِّضوان (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أُتِيَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (بِجَنَازَةٍ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا) يا رسول الله، ولم يُسَمَّ صاحب الجنازة ولا الذي قال: «صلِّ عليها»، وفي حديث جابرٍ عند الحاكم: مات رجلٌ فغسَّلناه وكفَّناه وحنَّطناه ووضعناه حيث تُوضَع الجنازة عند مقام جبريل، ثمَّ آذنَّا رسول الله ﷺ به (فَقَالَ: هَلْ عَلَيْهِ) أي: الميت (دَيْنٌ؟) لأنَّه ﵇ كان قبل أن تُفتَح عليه الفتوح إذا أُتي بمَدينٍ لا وفاء لدينه قال لأصحابه: «صلُّوا عليه»، ولا يصلِّي هو عليه تحذيرًا عن الدَّين، وزجرًا عن المماطلة (قَالُوا: لَا) دَينَ عليه (قَالَ: فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا) لم يترك شيئًا (فَصَلَّى عَلَيْهِ) زاده الله شرفًا لديه (ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ صَلِّ عَلَيْهَا، قَالَ) ﵊: (هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قِيلَ: نَعَمْ) عليه دينٌ، (قَالَ: فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا) لِدَينه؟ (قَالُوا): ترك (ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ) وللحاكم من حديث جابرٍ: ديناران، وعند الطَّبرانيِّ من حديث أسماء بنت يزيد: كانا دينارين وشطرًا، وجمع الحافظ ابن حجرٍ بين هذا بأنَّ من قال:
стр. 4875
«ثلاثة» جبر الكسر، ومن قال: «دينارين» ألغاه، أو كان أصلهما ثلاثةً، فوفى قبل موته دينارًا وبقي عليه ديناران، فمن قال: «ثلاثة» فباعتبار الأصل، ومن قال: «ديناران» فباعتبار ما بقي (فَصَلَّى عَلَيْهَا) ولعلَّه ﵊ علم أنَّ هذه الثَّلاثة دنانير (١) تفي بدَينه بقرائن الحال أو بغيرها (ثُمَّ أُتِيَ بِـ) الجنازة (الثَّالِثَةِ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا) يا رسول الله (قَالَ: هَلْ تَرَكَ) الميت (شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قَالُوا): نعم عليه (ثَلَاثَةُ (٢) دَنَانِيرَ، قَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ) الحارث بن ربعيٍّ الأنصاريُّ: (صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللهِ، وَعَلَيَّ دَيْنُهُ، فَصَلَّى عَلَيْهِ) ﷺ ، وفي رواية ابن ماجه من حديث أبي قتادة نفسه، فقال أبو قتادة: أنا أتكفَّل به، زاد الحاكم في حديث جابرٍ فقال: «هما عليك وفي مالِكَ، والميتُ منهما بريءٌ»، قال: نعم، فصلَّى عليه، فجعل رسول الله ﷺ إذا لقي أبا قتادة يقول: «ما صنعت الدِّيناران؟» حتَّى كان آخر ذلك أن قال: قد (٣) قضيتهما يا رسول الله، قال: «الآن حين بردت عليه جلده»، وقد ذكر في هذا الحديث ثلاثة أحوالٍ وترك الرَّابع، وهو من لا دَينَ عليه وله مالٌ، وحكم هذا أنَّه كان يصلِّي عليه، ولعلَّه إنَّما لم يُذكَر لكونه كان كثيرًا، لا لكونه لم يقع، ولم يُسَمَّ أحدٌ من الموتى الثَّلاثة.
ومطابقته للتَّرجمة ظاهرةٌ من قول أبي قتادة: «عليَّ دَينه»، وفي الرِّواية الأخرى: «أنا أتكفَّل به»، وقوله ﵊: «هما عليك وفي مَالِك والميت منهما بريءٌ»، وإلى هذا ذهب الجمهور، فصحَّحوا هذه الكفالة من غير رجوعٍ في مال الميت، وعن مالكٍ: له أن يرجع إن قال: ضمنت لأرجع، فإن لم يكن للميت مالٌ وعلم الضَّامن بذلك فلا رجوع له، وعن أبي حنيفة: إن ترك الميت وفاءً جاز الضَّمان بقدر ما ترك، وإن لم يترك وفاءً لم يصحَّ، وصلاته ﵊ عليه وإن كان الدَّين باقيًا في ذمَّة الميت، لكنَّ صاحب الحقِّ عاد إلى الرَّجاء بعد اليأس، واطمأنَّ بأنَّ دَينه صار في مأمنٍ، فخفَّ سخطه وقَرُب من الرِّضاء.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الكفالة» [خ¦٢٢٩٥] وهو سابع ثلاثيَّاته، وأخرجه النَّسائيُّ أيضًا في «الجنائز».
стр. 4876
((٣٩)) (بسم الله الرحمن الرحيم باب: الكَفَالَةِ فِي القَرْضِ وَالدُّيُونِ) من عطف العامِّ على الخاصِّ، والكفالة في العُرْف -كما قاله الماورديُّ- تكون في النُّفوس، والضَّمان في الأموال، والحمالة في الدِّيات، والزَّعامة في الأموال العظام، قال ابن حبَّان في «صحيحه»: والزَّعيم لغة أهل المدينة، والحميل لغة أهل مصر، والكفيل لغة أهل العراق، وهي التزام حقٍّ ثابتٍ في ذمَّة الغير، أو إحضار من هو عليه، أو عينٍ مضمونةٍ (بِالأَبْدَانِ وَغَيْرِهَا) أي: الكفالة بالأموال، والجارُّ والمجرور يتعلَّق بـ «الكفالة»، وسقطت «البسملة» لأبي ذرٍّ.
٢٢٩٠ - (وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي (بْنِ عَمْرٍو) بفتح العين (الأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) حمزة: (أَنَّ عُمَرَ ﵁ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا) بتشديد الدَّال المكسورة، أي: آخذًا للصَّدقة عاملًا عليها (فَوَقَعَ رَجُلٌ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ) لم يُسَمَّ أحدٌ منهم، وهذا مختصرٌ من قصَّةٍ أخرجها الطَّحاويُّ، ولفظه -كما رأيته في «شرح معاني الآثار» له-: أنَّ عمر بن الخطَّاب بعثه (١) مصدِّقًا على سعد بن هُذَيمٍ، فأُتي حمزة بمالٍ ليصدِّقه، فإذا رجلٌ
стр. 4877
يقول لامرأته: أدِّي صدقة مال مولاك، وإذا المرأة تقول له: بل أنت فأدِّ صدقة مال ابنك، فسأل حمزةُ عن أمرهما وقولهما، فأُخبِر أنَّ ذلك الرَّجل زوج تلك (١) المرأة، وأنَّه وقع على جاريةٍ لها فولدت ولدًا، فأعتقته المرأة، ثمَّ ورث من أمِّه مالًا (٢)، فقالوا: هذا (٣) المال لابنه من جاريته، قال حمزة للرَّجل: لأرجمنَّك بأحجارك، فقيل له: إنَّ أمره رُفِع إلى عمر فجلده مئةً ولم يَرَ عليه رجمًا، قال: (فَأَخَذَ حَمْزَةُ) ﵁ (مِنَ الرَّجُلِ كَفِيلًا) ولأبي ذرٍّ: «كفلاء» بالجمع (حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ، وَكَانَ عُمَرُ) ﵁ (قَدْ جَلَدَهُ مِئَةَ جَلْدَةٍ) كما سبق، وسقط قوله «جلدةٍ» لأبوي ذرٍّ والوقت (فَصَدَّقَهُمْ) بالتَّشديد في الفرع وغيره من الأصول المعتمدة، أي: صدَّق القائلين بما قالوا (وَ) إنَّما درأ عمر عنه الرَّجم لأنَّه (عَذَرَهُ بِالجَهَالَةِ) وفي بعض الأصول: «فَصَدَقهم» بالتَّخفيف، أي: صَدَقَ الرَّجلُ القومَ واعترف بما وقع منه (٤)، لكن اعتذر بأنَّه لم يكن عالمًا بحرمة وطء جارية امرأته أو بأنَّها جاريتها؛ لأنَّها التبست واشتبهت بجارية نفسه أو بزوجته، ولعلَّ اجتهاد عمر اقتضى أن يجلد الجاهل بالحرمة، وإلَّا فالواجب الرَّجم، فإذا سقط بالعذر لم يُجلَد، واستُنبِط من هذه القصَّة (٥) مشروعيَّة الكفالة بالأبدان، فإنَّ حمزة صحابيٌّ وقد فعله ولم ينكره عليه عمر مع كثرة الصَّحابة حينئذٍ. (وَقَالَ جَرِيرٌ) بفتح الجيم وكسر الرَّاء، ابن عبد الله البجليُّ (وَالأَشْعَثُ) بن قيسٍ الكنديُّ الصَّحابيُّ (لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي المُرْتَدِّينَ) وهذا أيضًا مختصرٌ من قصَّةٍ أخرجها البيهقيُّ بطولها من طريق أبي إسحاق عن حارثة بن مُضَرِّبٍ، قال: صلَّيت الغداة مع عبد الله بن مسعودٍ، فلمَّا سلَّم قام رجلٌ فأخبره أنَّه انتهى إلى مسجد بني (٦) حنيفة، فسمع مؤذِّن عبدِ الله ابن النَّوَّاحة يشهد أنَّ مسيلمة رسول الله، فقال عبد الله: عليَّ بابن النَّوَّاحة وأصحابِه، فجِيء بهم، فأَمَرَ
стр. 4878
قَرَظَةَ بن كعبٍ فضرب عنق ابن النَّوَّاحة، ثمَّ استشار النَّاس في أولئك النَّفر، فأشار عليه عديُّ بن حاتمٍ بقتلهم، فقام جريرٌ والأشعث فقالا: لا (١)، بل (اسْتَتِبْهُمْ وَكَفِّلْهُمْ) أي: ضمِّنهم، وكانوا مئةً وسبعين (٢) رجلًا كما رواه ابن أبي شيبة (فَتَابُوا، وَكَفَلَهُمْ) ضمنهم (عَشَائِرُهُمْ) قال البيهقيُّ في «المعرفة»: والذي رُوِي عن ابن مسعودٍ وجريرٍ والأشعث في قصَّة أصحاب ابن النَّوَّاحة في استتابتهم، وتكفيلهم عشائرهم كفالةً بالبدن في (٣) غير مالٍ، وقال ابن المُنيِّر: أخذ البخاريُّ الكفالة بالأبدان في الدُّيون من الكفالة بالأبدان في الحدود بطريق الأولى، والكفالة بالنَّفس قال بها الجمهور، ولم يختلف من قال بها أنَّ المكفول بحدٍّ أو قصاصٍ إذا غاب أو مات أن لا حدَّ على الكفيل بخلاف الدَّين، والفرق بينهما: أنَّ الكفيل إذا أدَّى المال وجب له على صاحب المال مثله، وفرَّق الشَّافعيَّة والحنفيَّة بين كفالة من عليه عقوبةٌ لآدميٍّ كقصاصٍ وحدِّ قذفٍ، ومن عليه عقوبة لله، فصحَّحوها في الأولى لأنَّها حقٌّ لازمٌ كالمال، ولأنَّ الحضور مستحقٌّ عليه دون الثَّانية؛ لأنَّ حقَّه تعالى مبنيٌّ على الدَّرء، قال الأذرعيُّ: ويشبه أن يكون محلُّ المنع حيث لا يتحتَّم استيفاء العقوبة، فإن تحتَّم وقلنا: لا يسقط بالتَّوبة فيشبه أن يُحكَم بالصِّحَّة. (وَقَالَ حَمَّادٌ) هو ابن أبي سليمان، واسمه: مسلمٌ، الأشعريُّ الكوفيُّ الفقيه أحد مشايخ الإمام أبي حنيفة: (إِذَا تَكَفَّلَ بِنَفْسٍ فَمَاتَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) سواءٌ كان المتعلِّق بتلك النَّفس حدًّا أو قصاصًا أو مالًا من دينٍ وغيره، قال في «عيون المذاهب»: وتبطل، -أي: الكفالة- بموته إلَّا عند مالكٍ وبعض الشَّافعيَّة يلزمه ما عليه، وبموت الكفيل لا الطَّالب (٤) بالإجماع. انتهى. والذي رأيته في «شرح مُختصَر الشَّيخ خليلٍ» للشَّيخ بهرام عند قوله: «ولا يسقط بإحضاره»: إن حكم (٥) لا إن
стр. 4879
أثبت (١) موته أو عدمه في غيبته ولو بغير بلده، ورجع به، مرادُه: أن يشير إلى ما وقع من الخلاف والتَّفصيل في هذه المسألة، ونصُّها عند ابن زرقون: ولو مات الغريم سقطت الحمالة بالوجه، وقاله في «المدوَّنة» قال: وهذا إذا مات ببلده قبل أن يلتزم الغريم قبل الأجل (٢) أو بعده، وأمَّا إن مات بغير البلد فقال أشهب: لا أبالي مات غائبًا أو في البلد، أي (٣): يبرأ الحميل (٤)، وهو مذهب المدوَّنة، وقال ابن القاسم: يغرم الحميل إن كان الدَّين حالًّا، قربت غيبته أو بعدت، وإن كان مُؤجَّلًا فمات قبله بمدَّةٍ طويلةٍ لو خرج (٥) إليها لجاء قبل الأجل فلا شيء عليه، وإن كان على مسافةٍ لا يمكنه أن يجيء إلَّا بعد مضيِّ الأجل ضمن (وَقَالَ الحَكَمُ) بن عُتيبة: (يَضْمَنُ) أي: ما يقبل ترتُّبه في الذِّمَّة، وهو المال، وهذا وصله الأثرم من طريق شعبة عن حمَّادٍ والحكم.
стр. 4880
٢٢٩١ - (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ، وسبق في «باب التِّجارة في البحر» [خ¦٢٠٦٣]: أنَّ أبا ذرٍّ عن المُستملي وصله، فقال: «حدَّثني عبد الله بن صالحٍ قال: حدَّثني اللَّيث»، وعبد الله هذا هو كاتب اللَّيث، وكذا وصله أبو الوقت فيما قاله في «الفتح» كذلك، وسقط في رواية أبي ذرٍّ قوله «قال أبو عبد الله»، وكذا في رواية أبي الوقت واقتصرا على قوله: «وقال اللَّيث»: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن شرحبيل ابن حسنة، القرشيُّ المصريُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ) الأعرج (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ) على ذلك (فَقَالَ: كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا، قَالَ: فَأْتِنِي بِالكَفِيلِ، قَالَ: كَفَى بِاللهِ كَفِيلًا، قَالَ: صَدَقْتَ) وفي رواية أبي سلمة فقال: سبحان الله، نعم (فَدَفَعَهَا) أي: الألفَ دينارٍ (إِلَيْهِ) وفي رواية أبي سلمة: فعدَّ له ستَّ مئةِ دينارٍ، قال ابن حجرٍ ﵀: والأوَّل أرجح لموافقته حديث عبد الله بن عمرٍو (إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَخَرَجَ) الذي استلف (فِي البَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ) وفي رواية أبي سلمة: فركب الرَّجلُ (١) البحرَ بالمال يتَّجر فيه (ثُمَّ التَمَسَ مَرْكَبًا) بفتح الكاف، أي: سفينةً (يَرْكَبُهَا) حال كونه (يَقْدَمُ عَلَيْهِ) أي: على الذي أسلفه، ودال «يقدَم» مفتوحةٌ (لِلأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا) زاد في رواية أبي سلمة: وغدا ربُّ المال إلى السَّاحل يسأل عنه، ويقول: اللَّهمَّ اخلفني، وإنَّما أعطيت لك (فَأَخَذَ) الذي استلف (خَشَبَةً فَنَقَرَهَا) أي: حفرها (فَأَدْخَلَ فِيهَا) أي (٢): في الخشبة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فيه» أي: في المكان المنقور من الخشبة (أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ) الذي استلف منه، ولأبي الوقت: «وصحيفةً فيه»، وفي رواية أبي سلمة: وكتب إليه صحيفةً: من فلانٍ إلى فلانٍ، إنِّي دفعت مَالَكَ إلى وكيلٍ توكَّل بي (ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا)
стр. 4881
-بزايٍ وجيمين- قال القاضي عياضٌ: سمَّرها بمسامير كالزُّجِّ (١)، أو حشا شقوق لصاقها بشيءٍ ورقعه بالزُّجِّ، وقال الخطَّابيُّ: سوَّى موضع النَّقر وأصلحه، وهو من تزجيج الحواجب، وهو حذف زوائد الشَّعر، ويحتمل أن يكون مأخوذًا من الزُّجِّ، وهو النَّصل (٢)، كأن يكون النَّقر في طرف الخشبة، فشدَّ عليه زُجًّا يمسكه ويحفظ ما فيه، وقال السَّفاقسيُّ: أصلح موضع النَّقر. (ثُمَّ أَتَى بِهَا) أي: بالخشبة (إِلَى البَحْرِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلَانًا أَلْفَ دِينَارٍ) قال ابن حجرٍ كالزَّركشيِّ: كذا وقع فيه هنا «تسلَّفت فلانًا»، والمعروف تعديته بحرف الجرِّ، وزاد ابن حجرٍ كما وقع في رواية الإسماعيليِّ: «استسلفت (٣) من فلانٍ»، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ تنظيره بـ «استسلفت» غير مُوجَّهٍ، لأنَّ «تسلَّفت» من باب «التَّفعُّل»، و «استسلفت» (٤) من باب «الاستفعال»، و «تفعَّل» يأتي للمتعدِّي بلا حرف الجرِّ كتوسَّدت التُّراب، واستسلفت (٥) معناه: طلبت منه السَّلف ولا بدَّ من حرف الجرِّ (٦). انتهى. وسقط قوله «كنت» في رواية أبي ذرٍّ (فَسَأَلَنِي كَفِيلًا، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللهِ كَفِيلًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَسَأَلَنِي شَهِيدًا، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا، فَرَضِيَ بِكَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فرضي بذلك»، وقال العينيُّ كالحافظ ابن حجرٍ: قوله: «فرضي بذلك» للكُشْمِيْهَنِيِّ، ولغيره: «فرضي به» أي: بالهاء، وفي رواية الإسماعيليِّ: «فرضي بك» أي: بالكاف. انتهى. والذي في الفرع وغيره من الأصول المعتمدة التي وقفت عليها: «بك» لغير الكُشْمِيْهَنِيِّ، و «بذلك» له، على أنَّ في المتن الذي ساقه العينيُّ «بك» -بالكاف- في الموضعين، فالله أعلم.
(وَأَنِّي جَهَدْتُ) بفتح الجيم والهاء (أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ) في ذمَّتي (فَلَمْ أَقْدِرْ) على تحصيلها (وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا) بكسر الدَّال وضمِّ العين، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «استودَعْتكها» بفتح الدَّال وسكون العين وبعدها مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ (فَرَمَى بِهَا فِي البَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ) بتخفيف
стр. 4882
اللَّام، أي: دخلت في البحر (ثُمَّ انْصَرَفَ، وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ) أي: يطلب (مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ) أي: إلى بلد الذي أسلفه (فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ) حال كونه (يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ) الذي أسلفه للرَّجل (فَإِذَا بِالخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا المَالُ، فَأَخَذَهَا لأَهْلِهِ) يجعلها (حَطَبًا) للإيقاد (فَلَمَّا نَشَرَهَا) أي: قطعها بالمنشار (وَجَدَ المَالَ) الذي له (وَالصَّحِيفَةَ) التي كتبها الرَّجل إليه بذلك (ثُمَّ قَدِمَ) الرَّجل (الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، فَأَتَى بِالأَلْفِ دِينَارٍ) ذكر ابن مالكٍ فيه ثلاثة أوجهٍ، أحدها: أن يكون أراد بالألف ألف دينارٍ على البدل، وحذف المضاف وأبقى المضاف إليه على حاله من الجرِّ، قال ابن (١) الدَّمامينيِّ: المضاف هنا مجرورٌ، فلمَ (٢) لم يقل: إنَّ المضاف إليه أُقيم مقام المضاف، الثَّاني: أن يكون أصله: بالألف الدِّينار، ثمَّ حُذِف من الخطِّ لصيرورتها بالإدغام دالًا (٣)، فكُتبِت على اللَّفظ، قال في «مصابيح الجامع»: لكنَّ الرِّواية بتنوين «دينارٍ»، ولو ثبت عدم تنوينه بروايةٍ معتبرةٍ تعيَّن هذا الوجه، وكثيرًا ما يعتمد هو وغيره التَّوجيه باعتبار الخطِّ، ويلغون تحقيق الرِّواية. الثَّالث: أن يكون «الألف» مضافًا إلى «دينارٍ»، والألف واللَّام زائدتان، فلم يمنعا الإضافة، ذكره أبو عليٍّ الفارسيُّ. (فَقَالَ) بالفاء، ولأبي الوقت: «وقال» للذي أسلفه (وَاللهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ، فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ (٤) فِيهِ، قَالَ) الذي أسلف (٥): (هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟) وللحَمُّويي والمُستملي: «إليَّ شيئًا» (قَالَ: أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ) وللحَمُّويي والمُستملي: «جئت به» (قَالَ: فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ) المال (الَّذِي) وللحَمُّويي والمُستملي: «التي» أي: الألْفَ التي (بَعَثْتَ) بها أو به (فِي الخَشَبَةِ) ولأبوي الوقت وذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «بعثتَ والخشبةَ» نُصِب على المفعوليَّة
стр. 4883
(فَانْصَرِفْ) بكسر الرَّاء والجزم على الأمر (بِالأَلْفِ الدِّينَارِ (١)) التي أتيتَ بها صحبَتك حال كونك (رَاشِدًا) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسم هذا الرَّجل، لكن رأيت في «مُسنَد الصَّحابة الذين نزلوا (٢) مصر» لمحمَّد بن الرَّبيع الجيزيِّ بإسنادٍ له فيه مجهولٌ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص يرفعه: أنَّ رجلًا جاء إلى النَّجاشيِّ فقال: أسلفني ألف دينارٍ إلى أجلٍ، فقال: مَن الحميل (٣) بك؟ قال: الله، فأعطاه الألف دينارٍ (٤)، فضرب بها الرَّجل -أي: سافر بها- في (٥) تجارةٍ، فلمَّا بلغ الأجل أراد الخروج إليه، فحبسته (٦) الرِّيح، فعمل تابوتًا، فذكر الحديث نحو حديث أبي هريرة، واستفدنا منه أنَّ الذي أقرض هو النَّجاشيُّ، فيجوز أن تكون نسبته (٧) إلى بني إسرائيل بطريق الاتِّباع لهم (٨) لا أنَّه من نسلهم. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ فقال: هذا الكلام في البعد إلى حدِّ السُّقوط لأنَّ السَّائل والمسؤول منه (٩) كلاهما من بني إسرائيل على ما صرَّح به ظاهر الكلام، وبين الحبشة وبين (١٠) بني إسرائيل بُعْدٌ عظيمٌ في النِّسبة وفي الأرض، ويبعد أن يكون (١١) ذلك الانتساب إلى بني إسرائيل بطريق الاتِّباع، وهذا يأباه من له نظرٌ تامٌّ في تصرُّفه في وجوه معاني الكلام على أنَّ الحديث المذكور ضعيفٌ لا يُعمَل به. انتهى. وأجاب في «انتقاض
стр. 4884
الاعتراض» بأنَّ المراد بالاتِّباع الاتِّباعُ (١) في الدِّين، فيستوي بعيد الأرض وقريبها وبعيد النَّسب وقريبه، وكان جمعٌ من أهل اليمن دخلوا في دين بني إسرائيل -وهي اليهوديَّة- ثمَّ دخل مَن يقابل أهل اليمن من الحبشة في دين بني إسرائيل أيضًا -وهي النَّصرانيَّة- وكان النَّجاشيُّ ممَّن تحقَّق ذلك الدِّين ودان به قبل التَّبديل، والمَلِك لمَّا بلغه دعوة الإسلام بادر إلى الإجابة لِمَا عنده من العلم حتَّى قال لمَّا سمع قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ (٢)﴾ الاية [النساء: ١٧١]: لا يزيد عيسى على هذا.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا مختصرًا (٣) في «الاستقراض» [خ¦٢٤٠٤] و «اللُّقطة» [خ¦٢٤٣٠] و «الاستئذان» [خ¦٦٢٦١] و «الشُّروط» [خ¦٢٧٣٤] وسبق في «البيوع (٤)» [خ¦٢٠٦٣] و «الزَّكاة» [خ¦١٤٩٨].
(٢) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾) مبتدأٌ ضُمِّن معنى الشَّرط فوقع خبره مع الفاء، وهو قوله: (﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣]) ويجوز أن يكون منصوبًا على حدِّ قولك (٥): زيدًا فاضربه، ويجوز أن يُعطَف على ﴿الْوَالِدَانِ﴾ (٦) ويكون المضمر (٧) في ﴿فَآتُوهُمْ﴾ للموالي، والمراد بـ ﴿الَّذِينَ عَقَدَتً أَيْمَانُكُمْ﴾: موالي الموالاة، كان الرَّجلُ يعاقد الرَّجلَ فيقول: دمي دمك، وثأري ثأرك، وحربي حربك، وسلمي سلمك، وترثني وأرثك، وتُطلَب بي وأُطلَب بك، وتعقل عنِّي وأعقل عنك، فيكون للحليف السُّدس من ميراث الحليف، فنُسِخ بقوله
стр. 4885
تعالى: ﴿وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأحزاب: ٦] ووجه دخول هذا الباب هنا -كما قاله ابن المُنيِّر- أنَّ الحلف كان في أوَّل الإسلام يقتضي استحقاق الميراث، فهو مالٌ أوجبه عقد التزامٍ (١) على وجه التَّبرُّع فلزم، وكذلك الكفالة إنَّما هي التزام مالٍ بغير عوضٍ تطوُّعًا فلزم.
٢٢٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بفتح الصاد المهملة وسكون اللَّام آخره مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ، ابن عبد الرَّحمن الخاركيُّ-بخاءٍ معجمةٍ- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ إِدْرِيسَ) بن يزيد -من الزِّيادة- ابن عبد الرَّحمن، الأَوْديِّ بفتح الهمزة وسكون الواو وبالدَّال المهملة (عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ) بكسر الرَّاء المُشدَّدة، ابن عمرو بن كعبٍ الياميِّ -بالتَّحتيَّة- الكوفيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه قال في قوله تعالى: (﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ [النساء: ٣٣] قَالَ): تفسير «موالي» (وَرَثَةً) وبه قال مجاهدٌ وقتادة وزيد بن أسلم والسُّدِّيُّ والضَّحَّاك ومقاتل بن حيَّان (٢) (﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾) أي: عاقدت ذوو أيمانكم ذوي أيمانهم، وقرأ عاصمٌ وحمزة والكسائيُّ: ﴿عَقَدَتْ﴾ بغير ألفٍ، أُسنِد الفعل إلى الأيمان، وحُذِف المفعول، أي: عقدت أيمانكم عهودهم، فحُذِف العهود وأُقيم الضَّمير المضاف إليه مقامه، كما حُذِف في الأولى. (قَالَ) أي: ابن عبَّاسٍ: (كَانَ المُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا) زاد أبو ذرٍّ: «على النَّبيِّ ﷺ » (المَدِينَةَ يَرِثُ) فعلٌ مضارعٌ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ورث» (المُهَاجِرُ الأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ) أقربائه (لِلأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ) بين المهاجرين والأنصار (فَلَمَّا نَزَلَتْ:
стр. 4886
﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نَسَخَتْ) أي: آيةُ «الموالي» آيةَ «المُعاقَدة» (ثُمَّ قَالَ) ابن عبَّاسٍ في قوله تعالى: (﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: إِلَّا النَّصْرَ وَالرِّفَادَةَ) بكسر الرَّاء، أي (١): المعاونة (وَالنَّصِيحَةَ) مستثنًى من الأحكام المُقدَّرة في الآية المنسوخة، أي: نسخت تلك الآيةُ حكمَ نصيب الإرث لا (٢) «النَّصر» وما بعده، أو الاستثناء (٣) منقطعٌ، أي: لكنَّ النَّصر باقٍ (٤) ثابتٌ (وَقَدْ ذَهَبَ المِيرَاثُ) بين المتعاقدين (وَيُوصَى (٥) لَهُ) بفتح الصَّاد مبنيًّا للمفعول، والضَّمير للذي كان يرث بالأخوَّة.
وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ (٦) في «التَّفسير» [خ¦٤٥٨٠] و «الفرائض» [خ¦٦٧٤٧]، وأبو داود والنَّسائيُّ جميعًا في «الفرائض».
٢٢٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ الزُّرقيُّ، أبو إسحاق القاريُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) الزُّهريُّ أحد العشرة ﵁ (فَآخَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ) الأنصاريِّ الخزرجيِّ أحد نقباء الأنصار.
وهذا حديثٌ (٧) مُختصَرٌ من حديثٍ طويلٍ سبق في «البيوع» [خ¦٢٠٤٩] والغرض منه إثبات الحلف في الإسلام.
стр. 4887
٢٢٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) بالمهملة والمُوحَّدة المُشدَّدة وبعد الألف حاءٌ مهملةٌ، الدَّولابيُّ البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) الخُلْقانيُّ -بالخاء المعجمة المضمومة واللَّام السَّاكنة، بعدها قافٌ، وبعد الألف نونٌ- الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمٌ) هو ابن سليمان، المعروف بالأحول (قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن مالكٍ» (¬﵁: أَبَلَغَكَ) بهمزة الاستفهام الاستخباريِّ (١) (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا حِلْفَ) بكسر الحاء المهملة وسكون اللَّام آخره فاءٌ، أي: لا عهد (فِي الإِسْلَامِ) على الأشياء التي كانوا يتعاهدون عليها في الجاهليَّة؟ (فَقَالَ) أنسٌ له: (قَدْ حَالَفَ) آخى (النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ فِي دَارِي) أي: بالمدينة على الحقِّ، والنُّصرة، والأخذ على يد الظَّالم، كما قال ابن عبَّاسٍ ﵄ [خ¦٢٢٩٢]: إلَّا النَّصر والنَّصيحة والرِّفادة ويُوصَى له وقد ذهب الميراث.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الاعتصام» [خ¦٧٣٤٠]، ومسلمٌ في «الفضائل»، وأبو داود في «الفرائض».
(٣) (بابٌ: مَنْ تَكَفَّلَ عَنْ مَيِّتٍ دَيْنًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ) عن الكفالة لأنَّها لازمةٌ له، واستقرَّ الحقُّ في (٢) ذمَّته (وَبِهِ) أي: بعدم الرُّجوع (قَالَ الحَسَنُ) البصريُّ، وهو قول الجمهور.
٢٢٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك النَّبيل الشَّيبانيُّ البصريُّ (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) بضمِّ العين، مُصغَّرًا، من غير إضافةٍ، الأسلميِّ مولى سلمة ابن الأكوع (عَنْ سَلَمَةَ ابْنِ الأَكْوَعِ)
стр. 4888
هو ابن عمرو بن الأكوع (¬﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ) بضمِّ الهمزة (لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: هَلْ عَلَيْهِ) أي: الميِّت (مِنْ دَيْنٍ؟ قَالُوا: لَا، فَصَلَّى عَلَيْهِ) زاد في «باب إن أحال دين الميِّت على رجلٍ جاز» [خ¦٢٢٨٩]: قال: «فهل ترك شيئًا؟» قالوا: لا (ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى، فَقَالَ: هَلْ عَلَيْهِ مَنْ دَيْنٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ) عليه دَينٌ (١)، زاد في الرِّواية السَّابقة: ثلاثة دنانير (قَالَ: صَلُّوا) ولأبي ذرٍّ: «فصلُّوا» (عَلَى صَاحِبِكُمْ، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ) الحارث بن ربعيٍّ الأنصاريُّ: (عَلَيَّ دَيْنُهُ) ولابن ماجه: أنا أتكفَّل به (يَا رَسُولَ اللهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ) صلوات الله وسلامه عليه، واقتصر في هذه الطَّريق على اثنين من الأموات الثَّلاثة المذكورة في الرِّواية السَّابقة، ووجه المطابقة هنا: أنَّه لو كان لأبي قتادة أن يرجع لَمَا صلَّى عليه النَّبيُّ ﷺ حتَّى يوفي أبو قتادة الدَّين لاحتمال أن يرجع فيكون قد صلَّى على مديانٍ، دَينُه باقٍ عليه (٢)، فدلَّ على أنَّه ليس له أن يرجع.
٢٢٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ قال: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) هو ابن دينارٍ، أنَّه (سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ) أي: ابن الحسين بن عليِّ بن أبي طالبٍ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵃¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ البَحْرَيْنِ) موضعٌ بين البصرة وعُمَان (٣)، أي: لو تحقَّق المجيء (قَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا)
стр. 4889
زاد في غير (١) رواية أبي الوقت: «وهكذا»، زاد في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٨٣]: فبسط يديه ثلاث مرَّاتٍ، فيه اقتران الماضي الواقع جوابًا لـ «لو» بـ «قد»، قال ابن هشامٍ: وهو غريبٌ كقول جريرٍ:
لو شِئْتِ قد نَقعَ (٢) الفؤادُ بشَرْبةٍ … تَدَع الصَّوادي لا يَجِدْنَ غليلا
يُقال: نَقَعَ الماءُ العطشَ: سَكَّنه، والذي وقع هنا يؤيِّده كحديث ابن عبَّاسٍ عند البخاريِّ في «باب رجم الحبلى من الزِّنا» [خ¦٦٨٣٠] الذي فيه ذكر البيعة بعد وفاة النَّبيِّ ﷺ ، قال عبد الرَّحمن بن عوفٍ: لو رأيتَ رجلًا أتى أمير المؤمنين اليومَ فقال: يا أمير المؤمنين، هل لك في فلانٍ؟ يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلانًا، ففيه كالذي قبله ورود جواب «لو» وشرطها جميعًا مقترنين بـ «قد»، و «فلانٍ» المشار إليه بالبيعة هو طلحة بن عبيد الله (٣) كما في «فوائد البغويِّ». (فَلَمْ يَجِئْ مَالُ البَحْرَيْنِ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا جَاءَ مَالُ البَحْرَيْنِ أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ رجلًا (فَنَادَى: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ عِدَةٌ) أي: وعدٌ (أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا) قال جابرٌ: (فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ) له: (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِي كَذَا وَكَذَا، فَحَثَا لِي) أبو بكرٍ ﵁ (حَثْيَةً) بفتح الحاء المهملة وبالثَّاء المُثلَّثة فيهما (٤)، قال ابن قتيبة: هي الحفنة، وقال ابن فارسٍ: ملء الكفَّين (فَعَدَدْتُهَا، فَإِذَا هِيَ خَمْسُ مِئَةٍ، وَقَالَ: خُذْ مِثْلَيْهَا) أي: مِثْلَي خمس مئةٍ، فالجملة ألفٌ وخمس مئةٍ، وذلك لأنَّ جابرًا لمَّا قال: إنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: لي كذا وكذا وكذا ثلاث مرَّاتٍ، حثا له أبو بكرٍ حثيةً، فجاءت خمس مئةٍ فقال: خذ مِثْلَيها لتصير ثلاث مرَّاتٍ، كما وعده النَّبيُّ ﷺ ، وكان من خُلُقه الوفاءُ بالوعد، فنفَّذه أبو بكرٍ بعد وفاته ﵊، ومطابقته للتَّرجمة من جهة أنَّ أبا بكرٍ ﵁ لمَّا قام مقام النَّبيِّ ﷺ تكفَّل بما كان عليه من واجبٍ أو تطوَّعٍ، فلمَّا التزم ذلك لزمه أن يوفي جميع ما عليه من دَينٍ أو عِدَةٍ.
стр. 4890
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الخمس» [خ¦٣١٣٧] و «المغازي» [خ¦٤٣٨٣] و «الشَّهادات» [خ¦٢٦٨٣]، ومسلمٌ في «فضائل النَّبيِّ ﷺ ».
(٤) (بابُ جُِوَارِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁، أي: أمانه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة: ٦] أي: أمِّنه، وجيم «جِوار» بالكسر، ويجوز الضَّمُّ (فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أي: في زمنه (وَعَقْدِهِ) أي: وعقد أبي بكر.
стр. 4891
٢٢٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) نسبه لجدِّه لشهرته به، وأبوه عبد الله المخزوميُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالدٍ، أنَّه قال: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ: (فَأَخْبَرَنِي) الفاء عاطفةٌ على محذوفٍ، تقديره: أخبرني فلانٌ بكذا فأخبرني (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام: (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ) بكسر القاف، أي: لم أعرف (أَبَوَيَّ) أبا بكرٍ وأمَّ رومان، وزاد أبو ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ هنا: «قطُّ» -بتشديد الطَّاء المهملة المضمومة- للنَّفي في الماضي (إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ) بكسر الدَّال المهملة (١)، والنَّصب على نزع الخافض، أي: يدينان بدين الإسلام (٢) (وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ) سليمان بن صالحٍ المروزيُّ، وفي نسخةٍ بالفرع وأصله (٣): «سَلَمُوْيَه» -بفتح المهملة واللَّام وضمِّ الميم وسكون الواو وفتح التَّحتيَّة، آخره تاء تأنيثٍ- قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذا التَّعليق قد سقط من رواية أبي ذرٍّ، وساق الحديث عن عُقَيلٍ وحده: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ) بن المبارك (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد (عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ قَطُّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ طَرَفَيِ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً) تفسيرٌ لقوله: «طرفي النَّهار» وهو منصوبٌ على الظَّرف (فَلَمَّا ابْتُلِيَ المُسْلِمُونَ) بإيذاء (٤)
стр. 4892
المشركين، وأذن ﷺ لأصحابه في الهجرة إلى الحبشة (خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁ حال كونه (مُهَاجِرًا قِبَلَ الحَبَشَةِ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: إلى جهة الحبشة ليلحق بمن سبقه من المسلمين، فسار (حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الغِمَادِ) بفتح المُوحَّدة وسكون الرَّاء بعدها كافٌ، و «الغِماد» بكسر الغين المعجمة وتخفيف الميم، ولأبي ذرٍّ: «بِرك» بكسر المُوحَّدة. قال في «المطالع»: وبكسر المُوحَّدة وقع للأَصيليِّ والمُستملي والحَمُّويي، قال: وهو موضعٌ بأقاصي (١) هجر، وقيل: اسم موضعٍ باليمن، وقيل: وراء مكَّة بخمس ليالٍ (لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ) بفتح الدَّال المهملة وكسر الغين المعجمة وفتح النُّون المُخفَّفة، ولأبي ذرٍّ: «الدُّغُنَّة» بضمِّ الدَّال والغين وتشديد النُّون، كذا في الفرع وأصله لأبي ذرٍّ (٢)، وعند المروزيِّ: «الدَّغَنَة» بفتح الدَّال والغين والنُّون المُخفَّفة، قال الأَصيليُّ: وكذا رواه لنا المروزيُّ، وقيل: إنَّ ذلك كان لاسترخاءٍ في لسانه، والصَّواب فيه الكسر، وهو اسم أمِّه، واسمه: الحارث بن يزيد، كما عند البَلاذُريِّ، وحكى السُّهيليُّ: مالكٌ، وعند الكِرمانيِّ أنَّ ابن إسحاق سمَّاه ربيعة بن رُفيعٍ، وهو وَهْمٌ من الكِرمانيِّ لأنَّ ربيعةَ المذكور آخرُ يُقال له: ابن الدُّغنة أيضًا، لكنَّه سُلَمِيٌّ (٣)، والذي هنا من القارة فافترقا (وَهْوَ سَيِّدُ القَارَةِ) بالقاف وتخفيف الرَّاء، قبيلةٌ مشهورةٌ من بني الهُون -بضمِّ الهاء وسكون الواو- ويُوصفون بجودة الرَّمي، واسم ابن الدَّغنة، قال مغلطاي: اسمه مالكٌ، وعند البلاذُريِّ في حديث «الهجرة»: أنَّه الحارث بن يزيد، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو أولى، ووَهِم من زعم أنَّه ربيعة بن رفيعٍ. (فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁: (أَخْرَجَنِي قَوْمِي) أي: تسبَّبوا في إخراجي (فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ) بفتح الهمزة وسينٍ مهملةٍ
стр. 4893
مكسورةٍ وبعد التَّحتيَّة حاءٌ مهملةٌ، أي: أسير (فِي الأَرْضِ) فإن قلت: حقيقة السِّياحة ألَّا يقصد موضعًا بعينه، ومعلومٌ أنَّه قصد التَّوجُّه إلى أرض الحبشة؟ أجيب بأنَّه عمَّى عن (١) ابن الدَّغنة جهة مقصده؛ لكونه كان (٢) كافرًا، ومن المعلوم أنَّه لا يصل إليها من الطَّريق التي قصدها حتَّى يسير في الأرض وحده زمانًا فيكون سائحًا (فَأَعْبُدَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وأعبد» (رَبِّي، قَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: إِنَّ مِثْلَكَ لَا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ) بفتح أوَّل الأوَّل، وضمِّ أوَّل الثَّاني، مبنيًّا للفاعل، والثَّاني للمفعول (فَإِنَّكَ تَكْسِبُ المَعْدُومَ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة، أي: تعطي النَّاس ما لا يجدونه عند غيرك، قيل: والصَّواب: «المُعدَم» بدون الواو، أي: الفقير؛ لأنَّ المعدوم لا يكسب، وأجيب بأنَّه لا يمتنع أن (٣) يُطلَق على المُعدَم المعدومُ؛ لأنَّه كالمُعدَم الميت الذي لا تصرُّف له، وقال الزَّركشيُّ: وتكسب العديم، أي: الفقير، «فعيلٌ» بمعنى «فاعلٍ»، وهذا أحسن من الرِّواية السَّابقة أوَّل الكتاب في حديث خديجة [خ¦٣]: «تكسب المعدوم». انتهى. ولم أقف على شيءٍ من النُّسخ كما ادَّعاه، ولعلَّه وقف عليها في نسخةٍ كذلك (وَتَصِلُ الرَّحِمَ) أي: القرابة (وَتَحْمِلُ الكَلَّ) بفتح الكاف وتشديد اللَّام: الذي لا يستقلُّ بأمره، أو الثِّقْل -بكسر المُثلَّثة وسكون القاف- (وَتَقْرِي الضَّيْفَ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة من الثُّلاثيِّ، أي: تهيِّئ له طعامه ونُزله (وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ) أي: حوادثه، وإنَّما قال: «نوائب الحقِّ» لأنَّها تكون في الحقِّ والباطل، وهذا (٤) كقول خديجة ﵂ للنَّبيِّ ﷺ لمَّا أخبرها بأوَّل مجيء المَلَك له (وَأَنَا (٥) لَكَ جَارٌ) أي: مجيرٌ لك، مؤمِّنك ممَّن أخافك منهم (فَارْجِعْ فَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبِلَادِكَ فَارْتَحَلَ ابْنُ الدَّغِنَةِ، فَرَجَعَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ) استُشكِل بأنَّ القياس أن يُقال: «رجع أبو بكرٍ معه» عكس المذكور كما لا يخفى، وأُجيب بأنَّه من باب إطلاق الرُّجوع، وإرادة لازمه (٦) الذي هو المجيء، أو هو من قبيل المشاكلة؛ لأنَّ أبا بكرٍ كان راجعًا، أو أطلق الرُّجوع باعتبار ما كان قبله بمكَّة، وفي «باب الهجرة» [خ¦٣٩٠٥]:
стр. 4894
فرجع، أي: أبو بكرٍ وارتحل معه ابن الدَّغنة، وهو الأصل، والمراد في الرِّوايتين -كما قال ابن حجرٍ-: مُطلَق المصاحبة. (فَطَافَ) أي: ابن الدَّغنة (فِي أَشْرَافِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ) أي: ساداتهم (فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ مِثْلُهُ) بفتح أوَّله وضمِّ ثالثه مبنيًّا للفاعل، ولأبي ذرٍّ: «لا يُخرَج» بضمِّ أوَّله وفتح (١) ثالثه، مبنيًّا للمفعول (وَلَا يُخْرَجُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه، ولأبي ذرٍّ (٢) -بفتح أوَّله وضمِّ ثالثه- (٣) (أَتُخْرِجُونَ رَجُلًا) بضمِّ التَّاء وكسر الرَّاء، والهمزة للاستفهام الإنكاريِّ (يَُكْسِبُ المَعْدُومَ) بفتح الياء (٤) وضمِّها كما في الفرع وأصله (٥)، والجملة في محلِّ نصبٍ صفةٌ لـ «رجلًا»، وما بعده عطفٌ عليه (وَيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَحْمِلُ الكَلَّ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ، وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ؟ فَأَنْفَذَتْ قُرَيْشٌ) بالذَّال المعجمة بعد الفاء، أي: أمضَوا (جِوَارَ ابْنِ الدَّغِنَةِ) ورضُوا به (وَآمَنُوا) بمدِّ الهمزة وفتح الميم المُخفَّفة، أي: جعلوا (أَبَا بَكْرٍ) في أمنٍ ضدَّ الخوف (وَقَالُوا لِابْنِ الدَّغِنَةِ: مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ فِي دَارِهِ) دخلت الفاء على شيءٍ محذوفٍ، قال الكِرمانيُّ: تقديره: ليعبد ربَّه (٦)، فليعبد ربَّه، قال العينيُّ: لا معنى لِمَا ذكره؛ لأنَّه لا يفيد زيادة (٧) شيءٍ، بل تصلح الفاء أن تكون جزاء شرطٍ تقديره: مُرْ أبا بكرٍ إذا قَبِلَ ما يُشتَرط عليه فليعبد ربَّه في داره (فَلْيُصَلِّ) بالفاء، وفي نسخةٍ بالفرع وأصله (٨): «وليصلِّ» (وَلْيَقْرَأْ مَا شَاءَ، وَلَا يُؤْذِينَا بِذَلِكَ) إشارةٌ إلى ما ذكر من الصَّلاة والقراءة (وَلَا يَسْتَعْلِنْ) لا يجهر (بِهِ، فَإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ) بفتح التَّحتيَّة وكسر الفوقيَّة، أي: يُخرِج (أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا) من دينهم إلى دينه (قَالَ ذَلِكَ) الذي شرطه كفَّار قريشٍ (ابْنُ الدَّغِنَةِ لأَبِي بَكْرٍ، فَطَفِقَ) بكسر الفاء، أي: جعل، وفي «الهجرة» [خ¦٣٩٠٥]: فلبث (أَبُو بَكْرٍ) ﵁
стр. 4895
(يَعْبُدُ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، وَلَا يَسْتَعْلِنُ بِالصَّلَاةِ، وَلَا القِرَاءَةِ فِي غَيْرِ دَارِهِ، ثُمَّ بَدَا) أي: ظهر (لأَبِي بَكْرٍ) ﵁ رأيٌ في أمره بخلاف (١) ما كان يفعله (فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ) بكسر الفاء ممدودًا: ما امتدَّ من جوانبها، وهو أوَّل مسجدٍ بُنِي في الإسلام (وَبَرَزَ) ظهر أبو بكرٍ (فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ، وَيَقْرَأُ القُرْآنَ، فَيَتَقَصَّفُ) بالمُثنَّاة الفوقيَّة بعد التَّحتيَّة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فينْقصف» بالنُّون السَّاكنة بدل الفوقيَّة (٢) وتخفيف الصَّاد (عَلَيْهِ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ) أي: يزدحمون عليه حتَّى يسقط بعضهم على بعضٍ فيكاد ينكسر، وأطلق «يتقصَّف» مبالغةً (يَعْجَبُونَ) زاد الكُشْمِيْهَنِيِّ: «منه» (وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً) بتشديد الكاف، أي: كثير البكاء (لَا يَمْلِكُ دَمْعَهُ) وفي «الهجرة» [خ¦٣٩٠٥]: لا يملك عينيه، أي: لا يملك إسكانهما عن البكاء من رقَّة قلبه (حِينَ يَقْرَأُ القُرْآنَ، فَأَفْزَعَ) بالفاء السَّاكنة وبعدها زايٌ، أي: أخافَ (ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ) لِمَا يعلمون من رقَّة قلوب النِّساء والشَّباب أن يميلوا إلى دين الإسلام (فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الدَّغِنَةِ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّا كُنَّا أَجَرْنَا) بالرَّاء السَّاكنة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أجزنا» بالزَّاي بدل الرَّاء (أَبَا بَكْرٍ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، وَإِنَّهُ جَاوَزَ ذَلِكَ، فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، وَأَعْلَنَ الصَّلَاةَ وَالقِرَاءَةَ، وَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ) بفتح أوَّله وكسر ثالثه (أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أن يُفتَن» بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه، مبنيًّا للمفعول، «أبناؤُنا ونساؤُنا» بالرَّفع نائبًا عن الفاعل (فَأْتِهِ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَعَلَ، وَإِنْ أَبَى) امتنع (إِلَّا أَنْ يُعْلِنَ ذَلِكَ) المذكور من الصَّلاة والقراءة، أي: يجهر (فَسَلْهُ) بسكون اللَّام من غير (٣) همزٍ، فعل أمرٍ (أَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ ذِمَّتَكَ) عهدك له (فَإِنَّا كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ) بضمِّ النُّون وسكون الخاء المعجمة وكسر الفاء وفتح الرَّاء، أي: ننقض عهدك (وَلَسْنَا مُقِرِّينَ لأَبِي بَكْرٍ الِاسْتِعْلَانَ) أي: لا نسكت على الإنكار عليه خَوْفَ نسائنا وأبنائنا. (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (فَأَتَى ابْنُ الدَّغِنَةِ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ) له: (قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ) مع أشراف قريشٍ (فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ) الذي شرطوه (وَإِمَّا أَنْ تَرُدَّ إِلَيَّ (٤) ذِمَّتِي) عهدي (فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ العَرَبُ أَنِّي أُخْفِرْتُ) مبنيًّا
стр. 4896
للمفعول، أي: غُدِرْتُ (فِي رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ، قَالَ أبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (١) ﵁: (إِنِّي) ولأبي ذرٍّ (٢): «فإنِّي» (أَرُدُّ إليْكَ جِوارَكَ، وأرْضَى بِجِوَارِ اللهِ) أي: بأمانة الله وحمايته، وفيه قوَّة يقين الصِّدِّيق ﵁ (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : قَدْ أُرِيتُ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (دَارَ هِجْرَتِكُمْ، رَأَيْتُ سَبْخَةً) بفتح السِّين المهملة والخاء المعجمة بينهما مُوحَّدةٌ ساكنةٌ، ولأبي ذرٍّ: «سبَخة» بفتح المُوحَّدة: أرضًا تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلَّا بعض الشَّجر، قال في «المصابيح» كـ «التَّنقيح»: وإذا وُصِفت به الأرض؛ كُسِرت الباء (ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ) بمُوحَّدةٍ مُخفَّفةٍ، تثنية لابةٍ (وَهُمَا الحَرَّتَانِ) بتشديد الرَّاء بعد الحاء المفتوحة المهملة، والحَرَّة: أرضٌ بها حجارةٌ سودٌ، وهذا مُدرَجٌ من تفسير الزُّهريِّ (فَهَاجَرَ) بالفاء، ولأبي الوقت: «وهاجر» (مَنْ هَاجَرَ) من المسلمين (قِبَلَ المَدِينَةِ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة (حِينَ ذَكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَرَجَعَ إِلَى المَدِينَةِ بَعْضُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الحَبَشَةِ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁ حال كونه (مُهَاجِرًا) أي: طالبًا للهجرة من مكَّة (فَقَالَ لَهُ (٣) رَسُولُ اللهِ ﷺ : عَلَى رِسْلِكَ) بكسر الرَّاء وسكون السِّين المهملة، أي: على مهلك من غير عجلةٍ (فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي) -بضمِّ الياء مبنيًّا للمفعول- في الهجرة (قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ تَرْجُو ذَلِكَ -بأبِي أَنْتَ-؟) مبتدأٌ خبره: «بأبي (٤)» أي: مُفدًّى بأبي، أو «أنت» تأكيدٌ لفاعل «ترجو»، و «بأبي» قَسَمٌ (قَالَ) ﵊: (نَعَمْ) أرجو ذلك. (فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ) أي: منعها من الهجرة (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيَصْحَبَهُ، وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ) بفتح السِّين المهملة وضمِّ الميم، زاد في «الهجرة» [خ¦٣٩٠٥]: وهو الخبط، وهو مُدرَجٌ فيه من تفسير الزُّهريِّ (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) ومطابقة الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّ المجير ملتزمٌ للمُجار ألَّا يُؤذَى من جهة من أجار منه، وكأنَّه ضمن ألَّا يُؤذَى وأن تكون العهدة عليه في ذلك، وقد ساق المؤلِّف الحديث هنا على لفظ يونس عن
стр. 4897
الزُّهريِّ، وساقه في «الهجرة» [خ¦٣٩٠٥] على لفظ عُقَيلٍ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقد سبق صدر (١) هذا الحديث في أبواب «المساجد» في «باب المسجد يكون في الطَّريق» [خ¦٤٧٦]، والله أعلم.
(٥) (بابُ) بيان حكم (الدَّيْنِ) سقط الباب وترجمته لأبوي ذرٍّ والوقت، والحديث الآتي إن شاء الله تعالى من رواية المُستملي (٢)، وعند النَّسفيِّ وابن شبُّويه: «بابٌ» بغير ترجمةٍ.
٢٢٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) المخزوميُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ المُتَوَفَّى) بفتح الفاء المُشدَّدة، أي: الميت حال كونه (عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيَسْأَلُ) ﵊: (هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلًا؟) أي: قدرًا زائدًا على مؤونة تجهيزه، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «قضاءً» بدل «فضلًا»، وكذا هو عند مسلمٍ وأصحاب «السُّنن»، وهو أَولى؛ بدليل قوله: (فَإِنْ حُدِّثَ) بضمِّ الحاء مبنيًّا للمفعول (أَنَّهُ تَرَكَ لِدَيْنِهِ وَفَاءً) أي: ما يوفي به دَينه (صَلَّى) عليه (وَإِلَّا) بأن لم يترك وفاءً (قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ الفُتُوحَ) من الغنائم وغيرها (قَالَ: أَنَا أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّي مِنَ المُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا) وزاد مسلمٌ: «أو ضيعةً» (فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ) ممَّا أفاء الله عليَّ (وَمَنْ
стр. 4898
تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ) واستُنبِط منه: التَّحريض على قضاء دَين الإنسان في حياته، والتَّوصُّل إلى البراءة منه، ولو لم يكن أمر الدَّين شديدًا لمَا ترك ﵇ الصَّلاةَ على المديون، وهل كانت صلاته على المديون حرامًا أو جائزةً؟ وجهان، قال النَّوويُّ: الصَّواب: الجزم بجوازها مع وجود الضَّامن كما في حديث مسلمٍ، وفي حديث ابن عبَّاسٍ عند الحازميِّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا امتنع من الصَّلاة على من عليه دَينٌ جاءه (١) جبريل فقال: إنَّما الظَّالم في الدُّيون التي حُمِلت في البغي والإسراف، فأمَّا المتعفِّف ذو العيال فأنا ضامنٌ له أؤدِّي عنه، فصلَّى عليه النَّبيُّ ﷺ ، وقال بعد ذلك: «من ترك ضياعًا … » الحديث، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو حديثٌ ضعيفٌ، وقال الحازميُّ: لا بأس به في المتابعات، ففيه أنَّه السَّبب في قوله ﵊: «من ترك دَينًا فعليَّ» فهو ناسخٌ لتركه الصَّلاة على من مات وعليه دَينٌ.
وحديث الباب أخرجه أيضًا (٢) في «النَّفقات» [خ¦٥٣٧١]، ومسلمٌ في «الفرائض»، والتِّرمذيُّ في «الجنائز».
стр. 4899
((٤٠)) (بسم الله الرحمن الرحيم كِتَابُ الوَكَالَةِ) بفتح الواو ويجوز (١) كسرها، وهي في اللُّغة: التَّفويض، وفي الشَّرع (٢): تفويض شخصٍ أَمْرَهُ إلى آخرَ فيما يقبل النِّيابة، والأصل فيها قبل الإجماع قولُه تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾ [الكهف: ١٩] وقوله تعالى: ﴿اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا﴾ [يوسف: ٩٣] وهو (٣) شرعُ مَنْ قَبْلَنا، وورد في شرعنا ما يُقرِّره كقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ﴾ … الآية [النساء: ٣٥]، وفي رواية أبي ذرٍّ: تقديم «كتاب» على البسملة.
(١) هذا (٤) (بابٌ) بالتَّنوين (فِي وَكَالَةِ الشَّرِيكِ) ولأبي ذرٍّ سقوط الباب وحرف الجرِّ، ولفظه: «كتاب الوكالة (٥)، وكالة الشَّريك» قال الحافظ ابن حجرٍ: وللنَّسفيِّ: «كتاب الوكالة، ووكالة الشَّريك» بواو العطف، ولغيره: «بابٌ» بدل الواو (الشَّرِيكَ فِي القِسْمَةِ) بدلٌ من «الشَّريك» الأوَّل، وفي نسخةٍ: «الشريكُ» بالرَّفع على الاستئناف، وفي أخرى: «الشَّريكَ» بالنَّصب (وَغَيْرِهَا)
стр. 4900
أي: والشَّريك في غير القسمة (وَقَدْ أَشْرَكَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا) هو ابن أبي طالبٍ (فِي هَدْيِهِ) وهذا وصله المؤلِّف في «الشَّركة» [خ¦٢٥٠٥] [خ¦٢٥٠٦] من حديث جابرٍ بلفظ (١): أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر عليًّا أن يقيم على إحرامه، وأشركه في الهدي (ثُمَّ أَمَرَهُ بِقِسْمَتِهَا) أي: الهدايا، وهذا وصله أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٧١٧] من حديث عليٍّ بلفظ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمره أن يقوم على بُدْنِه، وأن يَقْسِم بُدْنَهُ كلَّها.
٢٢٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بن عقبة العامريُّ الكوفيُّ السُّوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا (٢) سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) عبد الله (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ الإمام في التَّفسير (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريِّ المدنيِّ (عَنْ عَلِيٍّ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِجِلَالِ البُدْنِ) بسكون الدَّال المهملة بعد المُوحَّدة المضمومة، جمع بدنةٍ، و «الجِلال» بكسر الجيم: جمع جُلٍّ: ما تلبسه الدَّابَّة (الَّتِي نَُحَِرَْتُْ وَبِجُلُودِهَا) بضمِّ النُّون وكسر الحاء وفتح الرَّاء وسكون التَّاء على البناء للمفعول، والتَّاء للتَّأنيث، ويجوز فتح النُّون والحاء وسكون الرَّاء وضمِّ التَّاء مبنيًّا للفاعل، والضَّمير للفاعل، والمراد به: عليٌّ ﵁، ومطابقته للتَّرجمة من كونه ﵊ أشركه.
وهذا الحديث قد سبق في «الحجِّ» [خ¦١٧١٦] وذكر هنا طرفًا منه.
٢٣٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) بفتح العين، ابن فروخٍ، الحرَّانيُّ الجزري نزيل مصر قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ يَزِيدَ) بن أبي حبيبٍ (عَنْ أَبِي الخَيْرِ) مَرْثَد بن عبد الله بفتح
стр. 4901
الميم والمُثلَّثة بينهما راءٌ ساكنةٌ وآخره دالٌ مهملة (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ غَنَمًا) للضَّحايا (يَقْسِمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ) بعد أن وهب جملتها لهم (فَبَقِيَ عَتُودٌ) بفتح العين المهملة وضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وبعد الواو السَّاكنة دالٌ مهملةٌ: الصَّغير من المعز إذا قوي، أو إذا أتى عليه حولٌ (فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ضَحِّ أَنْتَ) ولأبي ذرٍّ: «ضحِّ به أنت» وعُلِم منه أنَّه كان من جملة من كان له نصيبٌ من هذه القسمة، فكأنَّه كان شريكًا لهم، وهو الذي تولى القسمة بينهم، لكن استشكله ابن المنيِّر: باحتمال أن يكون ﷺ وهب لكلِّ واحدٍ من المقسوم فيهم ما صار إليه، فلا تتَّجه الشَّركة، وأجاب: بأنَّه سيأتي الحديث في «الأضاحي» [خ¦٥٥٤٧] من طريقٍ أخرى بلفظ: «أنَّه قَسَمَ بينهم ضحايا»، قال: فدلَّ على أنَّه عيَّن تلك الغنم للضَّحايا، فوهب لهم جملتها، ثمَّ أمر عقبة بقسمتها، فيصحُّ الاستدلال به لما ترجم له، قال في «المصابيح»: ينبغي أن يُضاف إلى ذلك: أنَّ عقبة كان وكيلًا على القسم بتوكيل شركائه في تلك الضَّحايا التي قسمها، حتَّى يتوجَّه إدخال حديثه في ترجمة وكالة الشَّريك لشريكه في القسم.
وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في «الضَّحايا» [خ¦٥٥٥٥] و «الشَّركة» [خ¦٢٥٠٠]، ومسلمٌ في «الضَّحايا»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه فيها (١) أيضًا.
(٢) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا وَكَّلَ المُسْلِمُ حَرْبِيًّا فِي دَارِ الحَرْبِ، أَوْ) وكَّل المسلمُ حربيًّا كائنًا (فِي دَارِ الإِسْلَامِ) بأمانٍ (جَازَ).
стр. 4902
٢٣٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى القرشيُّ العامريُّ الأويسيُّ المدنيُّ الأعرج (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (١) (يُوسُفُ بْنُ المَاجَِشُونِ) بكسر الجيم وتُفتَح (٢)، وبضمِّ الشِّين المعجمة وبعد الواو السَّاكنة نونٌ مكسورةٌ، ومعناه: المُورَّد، واسمه: يعقوب بن عبد الله ابن أبي سلمة المدنيُّ (عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) القرشيِّ (عَنْ أَبِيهِ) إبراهيم (عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) أحد العشرة المُبشَّرة بالجنَّة (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَاتَبْتُ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ) بضمِّ الهمزة وتخفيف الميم المفتوحة وتشديد التَّحتيَّة، أي: كتبتُ إليه (كِتَابًا بِأَنْ يَحْفَظَنِي فِي صَاغِيَتِي بِمَكَّةَ) بصادٍ مهملةٍ وغينٍ معجمةٍ: مالي، أو حاشيتي، أو أهلي، ومن يصغي إليه، أي: يميل إليه (وَأَحْفَظَهُ فِي صَاغِيَتِهِ بِالمَدِينَةِ، فَلَمَّا ذَكَرْتُ الرَّحْمَنَ قَالَ: لَا أَعْرِفُ الرَّحْمَنَ) قال ابن حجر:، أي: لا أعترف بتوحيده، وتعقَّبه العينيُّ فقال: هذا لا يقتضيه قوله: «لا أعرف الرَّحمن»، وإنَّما معناه: أنَّه (٣) لمَّا كتب إليه (٤) ذكر اسمه بعبد الرَّحمن فقال: ما أعرف الرَّحمن (٥) الذي جعلتَ نفسَك عبدًا له، ألا ترى أنَّه قال: (كَاتِبْنِي بِاسْمِكَ الَّذِي كَانَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَكَاتَبْتُهُ عَبْدُ عَمْرٍو) بفتح العين ورفع «عبد» كذا في الفرع، وفي غيره: «عبدَ»
стр. 4903
بالنَّصب على المفعوليَّة (فَلَمَّا كَانَ فِي يَوْمِ) غزوة (بَدْرٍ) في رمضان في السَّنة الثَّانية من الهجرة، وسقط الجارُّ (١) لأبي ذرٍّ (خَرَجْتُ إِلَى جَبَلٍ لأُحْرِزَهُ) بضمِّ الهمزة، أي: لأحفظه، والضَّمير المنصوب لأميَّة، وفي نسخةٍ: «لأحذره» (٢) (حِينَ نَامَ النَّاسُ) أي: حين غفلتهم بالنَّوم لأصون دمه (فَأَبْصَرَهُ) أي: أميَّة بن خلفٍ (بِلَالٌ) المؤذِّن، وكان أميَّة يعذِّب بلالًا بمكَّة -لأجل إسلامه- عذابًا شديدًا (فَخَرَجَ) بلالٌ (حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَجْلِسٍ مِنَ الأَنْصَارِ) ولأبي ذرٍّ: «على مجلس الأنصار»، فأسقط حرف الجرِّ (فَقَالَ): دونكم، أو (٣) الزموا (أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ) وفي الفرع وأصله: تضبيبٌ على «أميَّة» (٤)، ولأبي ذرٍّ: «أميَّةُ بن خلفٍ» بالرَّفع،، أي: هذا أميَّةُ ابن خلفٍ (لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا أُمَيَّةُ، فَخَرَجَ مَعَهُ فَرِيقٌ مِنَ الأَنْصَارِ فِي آثَارِنَا، فَلَمَّا خَشِيتُ أَنْ يَلْحَقُونَا خَلَّفْتُ لَهُمُ ابْنَهُ) عليًّا (لأَشْغَلَهُمْ) بفتح الهمزة، وقيل بضمِّها، من الإشغال، ولأبي ذرٍّ: «لنشغلهم» بنون الجمع، وفي نسخة الميدوميِّ: «يشغلهم» بإسقاط اللَّام وبالياء بدل النُّون أو الهمزة، عن أميَّة بابنه (فَقَتَلُوهُ) أي: الابن، والذي قتله قيل: هو عمَّار بن ياسرٍ (ثُمَّ أَبَوْا) بالمُوحَّدة، أي: امتنعوا، وفي نسخةٍ: «أتوا» (٥) بالمُثنَّاة الفوقيَّة، من الإتيان (حَتَّى يَتْبَعُونَا وَكَانَ) أميَّة (رَجُلًا ثَقِيلًا) ضخم الجثَّة (فَلَمَّا أَدْرَكُونَا قُلْتُ لَهُ) لأميَّة: (ابْرُكْ فَبَرَكَ، فَأَلْقَيْتُ عَلَيْهِ نَفْسِي لأَمْنَعَهُ) منهم، وإنَّما فعل عبد الرَّحمن ذلك؛ لأنَّه كان بينه وبين أميَّة بمكَّة صداقةٌ وعهدٌ، فقصد (٦) أن يفي بالعهد (فَتَخَلَّلُوهُ) بالخاء المعجمة (بِالسُّيُوفِ) أي: أدخلوا أسيافهم خلاله حتَّى وصلوا إليه وطعنوا بها (مِنْ تَحْتِي) من قولهم: خلَّلته بالرُّمح وأخللته: إذا طعنته
стр. 4904
به، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي: «فتحلَّلوه» بالحاء المهملة؛ كما في الفرع وأصله، وفي روايةٍ: «فتجلَّلوه» (١) بالجيم، أي: غَشَوْه بالسُّيوف، ونسب هذه في «فتح الباري» للأَصيليِّ وأبي ذرٍّ، قال: ولغيرهما بالخاء المعجمة، قال: ووقع في رواية المُستملي: «فَتَخَلَّوه» بلامٍ واحدةٍ مُشدَّدةٍ. انتهى. والأُوْلَى أظهر من جهة المعنى؛ لقول عبد الرَّحمن بن عوفٍ: فألقيت عليه نفسي، فكأنَّهم أدخلوا سيوفهم من تحته، كما مرَّ. (حَتَّى قَتَلُوهُ) والذي قتله رجلٌ من الأنصار من بني مازنٍ، وقال ابن هشامٍ: ويُقال: قتله معاذ بن عفراء وخارجة بن زيدٍ وخُبَيب بن إسافٍ اشتركوا في قتله، وفي «مُستخرَج الحاكم» ما يدلُّ على أنَّ رفاعة بن رافعٍ الزُّرقيَّ من جملة المشاركين في قتله (٢)، وفي «مُختصَر الاستيعاب»: أنَّ قاتله بلالٌ (وَأَصَابَ أَحَدُهُمْ) أي: الذين باشروا قتل أميَّة (رِجْلِي بِسَيْفِهِ) وكان الذي أصاب رِجله الحُبَاب بنَ المنذر، كما عند البلاذريِّ (وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يُرِينَا ذَلِكَ الأَثَرَ فِي ظَهْرِ قَدَمِهِ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (سَمِعَ يُوسُفُ) بن الماجَِشُون (صَالِحًا) هو ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (وَ) سمع (إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ) وفائدة ذلك: تحقيق السَّماع، وسقط قوله «قال أبو عبد الله … » إلى آخره في رواية غير المُستملي.
ورجال هذا الحديث مدنيون، وأخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٣٩٧١] مختصرًا.
(٣) (بابُ) حكم (الوَكَالَةِ فِي الصَّرْفِ) يعني: في بيع النَّقد بالنَّقد (وَ) الوكالة في (المِيزَانِ) أي: في الموزون (وَقَدْ وَكَّلَ عُمَرُ) بن الخطَّاب (وَابْنُ عُمَرَ) فيما وصله سعيد بن منصورٍ عنهما (فِي الصَّرْفِ).
стр. 4905
٢٣٠٢ - ٢٣٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ المَجِيدِ) بميمٍ مفتوحةٍ قبل الجيم (بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الزُّهريِّ المدنيِّ، و «سُهيلٌ» مُصغَّرًا (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا) قيل: هو سَواد بن غَزِيَّة -بفتح السِّين المهملة والواو المُخفَّفة (١) - و «غَزِيَّة» بغينٍ مفتوحةٍ وزايٍ مكسورةٍ معجمتين، وتحتيَّةٍ مُشدَّدةٍ، وقيل: مالك ابن صعصعة (عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُمْ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ) بفتح الجيم وكسر النُّون وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة مُوحَّدةٌ: الكَبِيس، أو الطَّيِّب أو الصُّلب (٢) أو الذي أُخرِج منه حَشَفُه ورديئه (فَقَالَ) له (٣) ﵊، ولأبي الوقت: «قال»: (أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ فَقَالَ) الرَّجل: (إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ) سقط في رواية أبي ذرٍّ «من هذا»، وفي نسخةٍ: «بصاعين» مُنكَّرًا (وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ) ﵊ له: (لَا تَفْعَلْ، بِعِ الجَمْعَ) أي: التَّمر الذي يُقال له: الجمع، وهو تمرٌ غير مرغوبٍ فيه لرداءته (بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ) أي: اشترِ (بِالدَّرَاهِمِ) تمرًا (جَنِيبًا، وَقَالَ) ﵊: (فِي المِيزَانِ) أي: الموزون (مِثْلَ ذَلِكَ) أي: لا يُباع رطلٌ برطلين، بل بِعْ بالدَّراهم، ثمَّ ابتع بالدَّراهم، ومطابقته للتَّرجمة من قوله ﵊ لعامل خيبر: «بع الجمع بالدَّراهم … » إلى آخره (٤)؛ لأنَّه فوَّض أمر ما يَكال ويُوزن إلى غيره، فهو في معنى الوكيل عنه ويلتحق (٥) به الصَّرف.
وهذا الحديث قد سبق في «باب إذا أراد بيع تمرٍ بتمرٍ خيرٍ منه» من «كتاب البيوع» [خ¦٢٢٠١] [خ¦٢٢٠٢]، ويأتي إن شاء الله تعالى في «المغازي» [خ¦٤٢٤٤] [خ¦٤٢٤٥] و «الاعتصام» [خ¦٧٣٥٠] [خ¦٧٣٥١].