الميم والمُثلَّثة بينهما راءٌ ساكنةٌ وآخره دالٌ مهملة (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ غَنَمًا) للضَّحايا (يَقْسِمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ) بعد أن وهب جملتها لهم (فَبَقِيَ عَتُودٌ) بفتح العين المهملة وضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وبعد الواو السَّاكنة دالٌ مهملةٌ: الصَّغير من المعز إذا قوي، أو إذا أتى عليه حولٌ (فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ضَحِّ أَنْتَ) ولأبي ذرٍّ: «ضحِّ به أنت» وعُلِم منه أنَّه كان من جملة من كان له نصيبٌ من هذه القسمة، فكأنَّه كان شريكًا لهم، وهو الذي تولى القسمة بينهم، لكن استشكله ابن المنيِّر: باحتمال أن يكون ﷺ وهب لكلِّ واحدٍ من المقسوم فيهم ما صار إليه، فلا تتَّجه الشَّركة، وأجاب: بأنَّه سيأتي الحديث في «الأضاحي» [خ¦٥٥٤٧] من طريقٍ أخرى بلفظ: «أنَّه قَسَمَ بينهم ضحايا»، قال: فدلَّ على أنَّه عيَّن تلك الغنم للضَّحايا، فوهب لهم جملتها، ثمَّ أمر عقبة بقسمتها، فيصحُّ الاستدلال به لما ترجم له، قال في «المصابيح»: ينبغي أن يُضاف إلى ذلك: أنَّ عقبة كان وكيلًا على القسم بتوكيل شركائه في تلك الضَّحايا التي قسمها، حتَّى يتوجَّه إدخال حديثه في ترجمة وكالة الشَّريك لشريكه في القسم.
وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في «الضَّحايا» [خ¦٥٥٥٥] و «الشَّركة» [خ¦٢٥٠٠]، ومسلمٌ في «الضَّحايا»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه فيها (١) أيضًا.
(٢) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا وَكَّلَ المُسْلِمُ حَرْبِيًّا فِي دَارِ الحَرْبِ، أَوْ) وكَّل المسلمُ حربيًّا كائنًا (فِي دَارِ الإِسْلَامِ) بأمانٍ (جَازَ).
стр. 4902
٢٣٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى القرشيُّ العامريُّ الأويسيُّ المدنيُّ الأعرج (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (١) (يُوسُفُ بْنُ المَاجَِشُونِ) بكسر الجيم وتُفتَح (٢)، وبضمِّ الشِّين المعجمة وبعد الواو السَّاكنة نونٌ مكسورةٌ، ومعناه: المُورَّد، واسمه: يعقوب بن عبد الله ابن أبي سلمة المدنيُّ (عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) القرشيِّ (عَنْ أَبِيهِ) إبراهيم (عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) أحد العشرة المُبشَّرة بالجنَّة (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَاتَبْتُ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ) بضمِّ الهمزة وتخفيف الميم المفتوحة وتشديد التَّحتيَّة، أي: كتبتُ إليه (كِتَابًا بِأَنْ يَحْفَظَنِي فِي صَاغِيَتِي بِمَكَّةَ) بصادٍ مهملةٍ وغينٍ معجمةٍ: مالي، أو حاشيتي، أو أهلي، ومن يصغي إليه، أي: يميل إليه (وَأَحْفَظَهُ فِي صَاغِيَتِهِ بِالمَدِينَةِ، فَلَمَّا ذَكَرْتُ الرَّحْمَنَ قَالَ: لَا أَعْرِفُ الرَّحْمَنَ) قال ابن حجر:، أي: لا أعترف بتوحيده، وتعقَّبه العينيُّ فقال: هذا لا يقتضيه قوله: «لا أعرف الرَّحمن»، وإنَّما معناه: أنَّه (٣) لمَّا كتب إليه (٤) ذكر اسمه بعبد الرَّحمن فقال: ما أعرف الرَّحمن (٥) الذي جعلتَ نفسَك عبدًا له، ألا ترى أنَّه قال: (كَاتِبْنِي بِاسْمِكَ الَّذِي كَانَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَكَاتَبْتُهُ عَبْدُ عَمْرٍو) بفتح العين ورفع «عبد» كذا في الفرع، وفي غيره: «عبدَ»
стр. 4903
بالنَّصب على المفعوليَّة (فَلَمَّا كَانَ فِي يَوْمِ) غزوة (بَدْرٍ) في رمضان في السَّنة الثَّانية من الهجرة، وسقط الجارُّ (١) لأبي ذرٍّ (خَرَجْتُ إِلَى جَبَلٍ لأُحْرِزَهُ) بضمِّ الهمزة، أي: لأحفظه، والضَّمير المنصوب لأميَّة، وفي نسخةٍ: «لأحذره» (٢) (حِينَ نَامَ النَّاسُ) أي: حين غفلتهم بالنَّوم لأصون دمه (فَأَبْصَرَهُ) أي: أميَّة بن خلفٍ (بِلَالٌ) المؤذِّن، وكان أميَّة يعذِّب بلالًا بمكَّة -لأجل إسلامه- عذابًا شديدًا (فَخَرَجَ) بلالٌ (حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَجْلِسٍ مِنَ الأَنْصَارِ) ولأبي ذرٍّ: «على مجلس الأنصار»، فأسقط حرف الجرِّ (فَقَالَ): دونكم، أو (٣) الزموا (أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ) وفي الفرع وأصله: تضبيبٌ على «أميَّة» (٤)، ولأبي ذرٍّ: «أميَّةُ بن خلفٍ» بالرَّفع،، أي: هذا أميَّةُ ابن خلفٍ (لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا أُمَيَّةُ، فَخَرَجَ مَعَهُ فَرِيقٌ مِنَ الأَنْصَارِ فِي آثَارِنَا، فَلَمَّا خَشِيتُ أَنْ يَلْحَقُونَا خَلَّفْتُ لَهُمُ ابْنَهُ) عليًّا (لأَشْغَلَهُمْ) بفتح الهمزة، وقيل بضمِّها، من الإشغال، ولأبي ذرٍّ: «لنشغلهم» بنون الجمع، وفي نسخة الميدوميِّ: «يشغلهم» بإسقاط اللَّام وبالياء بدل النُّون أو الهمزة، عن أميَّة بابنه (فَقَتَلُوهُ) أي: الابن، والذي قتله قيل: هو عمَّار بن ياسرٍ (ثُمَّ أَبَوْا) بالمُوحَّدة، أي: امتنعوا، وفي نسخةٍ: «أتوا» (٥) بالمُثنَّاة الفوقيَّة، من الإتيان (حَتَّى يَتْبَعُونَا وَكَانَ) أميَّة (رَجُلًا ثَقِيلًا) ضخم الجثَّة (فَلَمَّا أَدْرَكُونَا قُلْتُ لَهُ) لأميَّة: (ابْرُكْ فَبَرَكَ، فَأَلْقَيْتُ عَلَيْهِ نَفْسِي لأَمْنَعَهُ) منهم، وإنَّما فعل عبد الرَّحمن ذلك؛ لأنَّه كان بينه وبين أميَّة بمكَّة صداقةٌ وعهدٌ، فقصد (٦) أن يفي بالعهد (فَتَخَلَّلُوهُ) بالخاء المعجمة (بِالسُّيُوفِ) أي: أدخلوا أسيافهم خلاله حتَّى وصلوا إليه وطعنوا بها (مِنْ تَحْتِي) من قولهم: خلَّلته بالرُّمح وأخللته: إذا طعنته
стр. 4904
به، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي: «فتحلَّلوه» بالحاء المهملة؛ كما في الفرع وأصله، وفي روايةٍ: «فتجلَّلوه» (١) بالجيم، أي: غَشَوْه بالسُّيوف، ونسب هذه في «فتح الباري» للأَصيليِّ وأبي ذرٍّ، قال: ولغيرهما بالخاء المعجمة، قال: ووقع في رواية المُستملي: «فَتَخَلَّوه» بلامٍ واحدةٍ مُشدَّدةٍ. انتهى. والأُوْلَى أظهر من جهة المعنى؛ لقول عبد الرَّحمن بن عوفٍ: فألقيت عليه نفسي، فكأنَّهم أدخلوا سيوفهم من تحته، كما مرَّ. (حَتَّى قَتَلُوهُ) والذي قتله رجلٌ من الأنصار من بني مازنٍ، وقال ابن هشامٍ: ويُقال: قتله معاذ بن عفراء وخارجة بن زيدٍ وخُبَيب بن إسافٍ اشتركوا في قتله، وفي «مُستخرَج الحاكم» ما يدلُّ على أنَّ رفاعة بن رافعٍ الزُّرقيَّ من جملة المشاركين في قتله (٢)، وفي «مُختصَر الاستيعاب»: أنَّ قاتله بلالٌ (وَأَصَابَ أَحَدُهُمْ) أي: الذين باشروا قتل أميَّة (رِجْلِي بِسَيْفِهِ) وكان الذي أصاب رِجله الحُبَاب بنَ المنذر، كما عند البلاذريِّ (وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يُرِينَا ذَلِكَ الأَثَرَ فِي ظَهْرِ قَدَمِهِ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (سَمِعَ يُوسُفُ) بن الماجَِشُون (صَالِحًا) هو ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (وَ) سمع (إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ) وفائدة ذلك: تحقيق السَّماع، وسقط قوله «قال أبو عبد الله … » إلى آخره في رواية غير المُستملي.
ورجال هذا الحديث مدنيون، وأخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٣٩٧١] مختصرًا.
(٣) (بابُ) حكم (الوَكَالَةِ فِي الصَّرْفِ) يعني: في بيع النَّقد بالنَّقد (وَ) الوكالة في (المِيزَانِ) أي: في الموزون (وَقَدْ وَكَّلَ عُمَرُ) بن الخطَّاب (وَابْنُ عُمَرَ) فيما وصله سعيد بن منصورٍ عنهما (فِي الصَّرْفِ).
стр. 4905
٢٣٠٢ - ٢٣٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ المَجِيدِ) بميمٍ مفتوحةٍ قبل الجيم (بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الزُّهريِّ المدنيِّ، و «سُهيلٌ» مُصغَّرًا (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا) قيل: هو سَواد بن غَزِيَّة -بفتح السِّين المهملة والواو المُخفَّفة (١) - و «غَزِيَّة» بغينٍ مفتوحةٍ وزايٍ مكسورةٍ معجمتين، وتحتيَّةٍ مُشدَّدةٍ، وقيل: مالك ابن صعصعة (عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُمْ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ) بفتح الجيم وكسر النُّون وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة مُوحَّدةٌ: الكَبِيس، أو الطَّيِّب أو الصُّلب (٢) أو الذي أُخرِج منه حَشَفُه ورديئه (فَقَالَ) له (٣) ﵊، ولأبي الوقت: «قال»: (أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ فَقَالَ) الرَّجل: (إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ) سقط في رواية أبي ذرٍّ «من هذا»، وفي نسخةٍ: «بصاعين» مُنكَّرًا (وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ) ﵊ له: (لَا تَفْعَلْ، بِعِ الجَمْعَ) أي: التَّمر الذي يُقال له: الجمع، وهو تمرٌ غير مرغوبٍ فيه لرداءته (بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ) أي: اشترِ (بِالدَّرَاهِمِ) تمرًا (جَنِيبًا، وَقَالَ) ﵊: (فِي المِيزَانِ) أي: الموزون (مِثْلَ ذَلِكَ) أي: لا يُباع رطلٌ برطلين، بل بِعْ بالدَّراهم، ثمَّ ابتع بالدَّراهم، ومطابقته للتَّرجمة من قوله ﵊ لعامل خيبر: «بع الجمع بالدَّراهم … » إلى آخره (٤)؛ لأنَّه فوَّض أمر ما يَكال ويُوزن إلى غيره، فهو في معنى الوكيل عنه ويلتحق (٥) به الصَّرف.
وهذا الحديث قد سبق في «باب إذا أراد بيع تمرٍ بتمرٍ خيرٍ منه» من «كتاب البيوع» [خ¦٢٢٠١] [خ¦٢٢٠٢]، ويأتي إن شاء الله تعالى في «المغازي» [خ¦٤٢٤٤] [خ¦٤٢٤٥] و «الاعتصام» [خ¦٧٣٥٠] [خ¦٧٣٥١].
стр. 4906
(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أَبْصَرَ الرَّاعِي) للغنم (أَوِ الوَكِيلُ) أي: أبصر الوكيل (شَاةً) من الغنم (تَمُوتُ) أي: أشرفت على الموت (أَوْ) أبصر الوكيل (شَيْئًا يَفْسُدُ) أي: أشرف على الفساد (ذَبَحَ) الرَّاعي الشَّاة لئلَّا تذهب مجَّانًا (وَأَصْلَحَ (١)) الوكيل (مَا يَخَافُ عَلَيْهِ الفَسَادَ) بإبقائه كما إذا كان تحت يده فاكهةٌ مثلًا أو غيرها ممَّا يخاف عليه الفساد، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «أو أصلح ما يخافُ (٢) الفساد» وعزاها العينيُّ -كابن حجرٍ- لأبي ذرٍّ والنَّسفيِّ، قال في «الفتح»: وعليه جرى الإسماعيليُّ، ولابن شبُّويه: «فأصلح» بدل «أو أصلح»، والفاء عاطفةٌ على «أبصر»، وجواب الشَّرط محذوفٌ تقديره: جاز، ونحو ذلك، قال: وفي «شرح ابن التِّين»: بحذف «أو»، فصار الجواب «أصلَح ما يخافُ الفساد»، وأمَّا الأَصيليُّ فعنده: «أو شيئًا يفسد ذَبَحَ أو أصلح». انتهى.
٢٣٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه، أنَّه (٣) (سَمِعَ المُعْتَمِرَ) بن سليمان يقول: (أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللهِ) -بالتَّصغير- ابن عمر العمريُّ، واستعمل الإنباء بصيغة الجمع، ولا فرق عنده -كآخرين- بين لفظ: «أنبأنا» و «أخبرنا» و «حدَّثنا»، وخصَّ المتأخِّرون الأوَّل بالإجازة كما مرَّ تفصيله في أوائل الكتاب [خ¦٣/ ٤ - ١١٠] (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) عبد الله كما جزم به المزِّيُّ، أو هو أخوه عبد الرَّحمن، قال ابن حجرٍ كالكِرمانيِّ: إنَّه الظَّاهر؛ لأنَّه روى طرفًا من هذا الحديث
стр. 4907
كما عند (١) ابن وهبٍ عن أسامة بن زيدٍ عن ابن شهابٍ عن عبد الرَّحمن بن كعب بن مالكٍ (يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ) كعب بن مالكٍ (٢) الأنصاريِّ، أحد الثَّلاثة الذين تيب عليهم (أَنَّهُ) أي: أنَّ الشَّأن (كَانَتْ لَهُمْ) بضمير الجمع، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «له» بضمير الإفراد (غَنَمٌ) شاملٌ للضَّأن والمعز (تَرْعَى بِسَلْعٍ) بفتح السِّين المهملة وبعد اللَّام السَّاكنة عينٌ مُهمَلةٌ: جبلٍ بطيبة (فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ لَنَا) لم يُعرَف اسمها (بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا مَوْتًا) بنون الجمع، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «من غنمها» أي: غنم الجارية التي ترعاها، فالإضافة ليست للملك (فَكَسَرَتْ حَجَرًا) يجرح كالسِّكِّين (فَذَبَحَتْهَا بِهِ) فيه جواز ذبيحة الحرَّة والأَمَة، والذَّبح بكلِّ جارحٍ إلَّا السِّنَّ والظُّفر، فورد استثناؤهما كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في بابهما [خ¦٢٤٨٨] [خ¦٥٥٠٦] (فَقَالَ لَهُمْ) كعبٌ: (لَا تَأْكُلُوا) منها شيئًا (حَتَّى أَسْأَلَ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ أَوْ) قال: حتَّى (أُرْسِلَ إِلَى (٣) النَّبِيِّ ﷺ مَنْ يَسْأَلُهُ) عن ذلك، شكَّ الرَّاوي (وَأَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَاكَ) (٤) أي: عن (٥) ذبح الشَّاة، وفي نسخةٍ: «عن ذلك» باللَّام (أَوْ أَرْسَلَ) إلى النَّبيِّ ﷺ من يسأله، فسأله (فَأَمَرَهُ) ﵊ (بِأَكْلِهَا. قَالَ عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر العمريُّ راوي الحديث بالإسناد المذكور إليه: (فَيُعْجِبُنِي أَنَّهَا أَمَةٌ وَأَنَّهَا ذَبَحَتْ، تَابَعَهُ) أي: تابع المعتمر بن سليمان (عَبْدَةُ) بفتح العين المهملة وسكون المُوحَّدة، ابن سليمان الكوفيُّ في روايته (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) المذكور، وهذه المتابعة وصلها المؤلِّف ﵀ في «كتاب الذَّبائح» [خ¦٥٥٠٤].
وفي هذا الحديث تصديق الرَّاعي والوكيل فيما ائتُمِن عليه حتَّى يظهر عليه دليل الخيانة والكذب، قال في «عمدة القاري»: وهو قول مالكٍ وجماعةٍ، وقال ابن القاسم: إذا خاف الموت على شاةٍ فذبحها لم يضمن، ويُصدَّق إن جاء بها مذبوحةً، وقال غيره: يضمن حتَّى يبين ما قال،
стр. 4908
وقال ابن القاسم: إذا أنزى على إناث الماشية بغير إذن مالكها فهلكت فلا ضمان عليه؛ لأنَّه من صلاح المال ونمائه، وقال أشهب: عليه الضَّمان، وأمَّا مطابقة التَّرجمة من الحديث (١) في مسألة الرَّاعي فظاهره (٢)؛ لأنَّ الجارية كانت راعيةً للغنم، فلمَّا رأت شاةً منها تموت ذبحتها، ولمَّا رُفِع أمرها إلى النَّبيِّ ﷺ أمر بأكلها، ولم ينكر على من ذبحها، وأمَّا مسألة الوكيل فمُلحَقةٌ بها؛ لأنَّ يد كلٍّ من الرَّاعي والوكيل يد أمانةٍ، فلا يعملان إلَّا بما فيه مصلحةٌ ظاهرةٌ، ولا يمنع من (٣) ذلك كون الجارية كانت ملكًا لصاحب الغنم؛ لأنَّ الكلام في جواز الذَّبح الذي تضمَّنته التَّرجمة لا في الضَّمان.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الذَّبائح» [خ¦٥٥٠١] وكذا ابن ماجه.
(٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (وَكَالَةُ الشَّاهِدِ) أي: الحاضر (وَالغَائِبِ جَائِزَةٌ، وَكَتَبَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) هو ابن العاص (إِلَى قَهْرَمَانِهِ) بفتح القاف والرَّاء بينهما هاءٌ ساكنةٌ: خازنه القائم بقضاء حوائجه، ولم يُعرَف اسمه (وَهُوَ) أي (٤): والحال أنَّه (٥) (غَائِبٌ عَنْهُ) أي: عن عبد الله (أَنْ يُزَكِّيَ) بالزَّاي (٦) (عَنْ أَهْلِهِ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ) زكاة الفطر.
٢٣٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ سَلَمَةَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت زيادة: «ابن كُهَيلٍ» -بضمِّ الكاف وفتح الهاء- (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (٧) (قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) جملٌ له (سِنٌّ) مُعيَّنٌ (مِنَ الإِبِلِ، فَجَاءَهُ) أي: جاء الرَّجلُ النَّبيَّ ﷺ (يَتَقَاضَاهُ) أي: يطلب أن يقضيه الجمل المذكور (فَقَالَ) ﵊: (أَعْطُوهُ) بفتح الهمزة، زاد في الباب اللَّاحق [خ¦٢٣٠٦]: «سِنًّا مثل سِنِّه»، وفيه: جواز توكيل الحاضر بالبلد بغير عذرٍ، وهو مذهب الجمهور، ومنعه أبو حنيفة إلَّا بعذر مرضٍ أو سفرٍ، أو برضا الخصم، واستثنى مالكٌ مَنْ بينه وبين الخصم عداوةٌ، وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّ هذا توكيلٌ منه ﵊ لمن أمره بالقضاء عنه، ولم يكن ﵊ مريضًا ولا غائبًا، وأمَّا قول الحافظ ابن حجرٍ: وموضع التَّرجمة منه لوكالة الحاضر واضحٌ، وأمَّا الغائب فيُستفاد منه بطريق الأولى فتعقَّبه العينيُّ بأنَّه ليس فيه شيءٌ يدلُّ على حكم الغائب فضلًا على (٨) الأولويَّة، وأجاب في «انتقاض الاعتراض»: بأنَّ وجه الأولويَّة أنَّ وكالة الحاضر إذا جازت (٩) مع إمكان مباشرة الموكِّل بنفسه، فجوازها للغائب مع الاحتياج إليه أَوْلى، فمن لا يدرك هذا القدر كيف يتصدَّى للاعتراض؟ (فَطَلَبُوا سِنَّهُ، فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ إِلَّا
стр. 4909
سِنًّا فَوْقَهَا) والمخاطب بذلك أبو رافعٍ مولى رسول الله ﷺ كما أخرجه مسلمٌ من (١) حديثه (فَقَالَ) ﵊: (أَعْطُوهُ، فَقَالَ) الرَّجل له ﵊: (أَوْفَيْتَنِي) أي:
стр. 4910
أعطيتني وافيًا (أَوْفَى اللهُ بِكَ) وحرف الجرِّ في المفعول زائدٌ للتَّوكيد، لأنَّ الأصل أن يقول: أوفاك الله (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً) نُصِب على التَّمييز، و «أحسنُكم» خبرٌ لقوله: «خيارَكم» لكن استُشكِل كون المبتدأ بلفظ الجمع، والخبر بالإفراد، والأصل التَّطابق بين المبتدأ والخبر في الإفراد وغيره، وأُجيب باحتمال أن يكون مفردًا بمعنى: المختار، وحينئذٍ فالمطابقة حاصلةٌ، أو أنَّ «أفعل» التَّفضيل المضاف لمقصودٍ به الزِّيادة يجوز فيه الإفراد، والمطابقة لمن هو له، والمراد: الخيريَّة في المعاملات، أو أنَّ «من» مُقدَّرةٌ، كما في الرِّواية الأخرى [خ¦٢٣٠٦].
وفي هذا الحديث رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وأخرجه أيضًا في «الاستقراض» [خ¦٢٣٩٣] و «الوكالة» [خ¦٢٣٠٦] و «الهبة» [خ¦٢٦٠٦]، ومسلمٌ في «البيوع» وكذا التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، وأخرجه ابن ماجه في «الأحكام».
(٦) (بابُ) حكم (الوَكَالَةِ فِي قَضَاءِ الدُّيُونِ).
٢٣٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ) الحضرميِّ الكوفيِّ، أنَّه قالَ: (سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ) عبد الله، أو إسماعيل (بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ الزُّهريَّ المدنيَّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ¬) حال كونه (يَتَقَاضَاهُ) أي: يطلب منه قضاء دَينٍ، وهو بعيرٌ له سنٌّ مُعيَّنٌ كما مرَّ قريبًا [خ¦٢٣٠٥]
стр. 4911
(فَأَغْلَظَ) للنَّبيِّ ﷺ لكونه كان يهوديًّا، أو كان مسلمًا وشدَّد في المطالبة من غير قدرٍ زائدٍ يقتضي كفرًا، بل جرى (١) على عادة الأعراب من الجفاء في المخاطبة، وهذا أَولى، ويدلُّ له ما رواه الإمام أحمد عن عبد الرَّزَّاق عن سفيان: جاء أعرابيٌّ يتقاضى النَّبيَّ ﷺ بعيرًا، ووقع في ترجمة بكر بن سهلٍ (٢) من «المعجم الأوسط» للطَّبرانيِّ عن العرباض بن سارية ما يُفهَم أنَّه هو، لكن روى النَّسائيُّ والحاكم الحديث المذكور وفيه ما يقتضي أنَّه غيره، وكأنَّ القصَّة وقعت للأعرابيِّ، ووقع للعرباض نحوها. (فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ) ﵊ و ﵃، أي: أرادوا أن يؤذوا الرَّجل المذكور بالقول أو الفعل (٣) لكنَّهم لم يفعلوا ذلك أدبًا معه ﵊ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : دَعُوهُ) أي: اتركوه ولا تتعرَّضوا له، وهذا من حُسن خُلُقه ﵊ وكرمه، وقوَّة صبره على الجفاة مع قدرته على الانتقام منهم (فَإِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا) أي: صولة الطَّلب وقوَّة الحجَّة، لكنَّه على من يمطله أو يسيء المعاملة لكن مع مراعاة (٤) الأدب المشروع (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ لَا نَجِدُ) سنًّا (إِلَّا أَمْثَلَ) أي: أفضل (مِنْ سِنِّهِ) وسقط في الفرع وأصله: «لا نجد»، فصار لفظه: «قالوا: يا رسول اللَّه إلَّا أمثل من سنِّه» (٥) (فَقَالَ) ﵊، ولأبي الوقت: «قال»: (أَعْطُوهُ، فَإِنَّ خَيْرَكُمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (٦): «فإنَّ من خيركم» (أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً) ومطابقته للتَّرجمة ظاهرةٌ.
(٧) هذا (٧) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا وَهَبَ) أحدٌ (شَيْئًا لِوَكِيلٍ) بالتَّنوين، أي: لوكيل قومٍ (أَوْ) وهب شيئًا لـ (شَفِيعِ قَوْمٍ) وجواب الشَّرط قولُه: (جَازَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِوَفْدِ هَوَازِنَ) قبيلةٌ من
стр. 4912
قيسٍ، والوفد: قومٌ يجتمعون ويردون البلاد (حِينَ سَأَلُوهُ) أن يردَّ إليهم (المَغَانِمَ) التي أصابها منهم (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : نَصِيبِي) منها (لَكُمْ) وهذا طرفٌ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أخرجه ابن إسحاق في «المغازي»، وظاهره كما قال (١) ابن المنيِّر: يوهم أنَّ الموهِبة وقعت للوسائط الذين جاؤوا شفعاء في قومهم، وليس كذلك، بل المقصود هبة الكلِّ، من غاب منهم ومن حضر، فيدلُّ على أنَّ الألفاظ تُنزَّل على المقاصد لا على الصُّور، وأنَّ من شفع لغيره في هبةٍ فقال المشفوع عنده للشَّفيع: قد وهبتك ذلك فليس للشَّفيع أن يتعلَّق بظاهر اللَّفظ ويخصَّ بذلك نفسه، بل الهبة للمشفوع له.
٢٣٠٧ - ٢٣٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضمِّ العين المهملة وفتح الفاء اسم جدِّه (٢)، واسم (٣) أبيه (٤)
стр. 4913
كثيرٌ، ونسبه لجدِّه لشهرته به (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: وَزَعَمَ عُرْوَةُ) بن الزُّبير بن العوَّام، والواو عطفٌ على محذوفٍ، وقول الحافظ ابن حجرٍ: -إنَّه معطوفٌ على قصَّة الحديبية- لم أعرف له وجهًا فليُنظَر، والزَّعم هنا بمعنى: القول المُحقَّق كما قاله الكِرمانيُّ، وفي «كتاب الأحكام» [خ¦٧١٧٦] [خ¦٧١٧٧]: عن موسى ابن عقبة قال (١) ابن شهابٍ: حدَّثني عروة بن الزُّبير: (أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ) بن أبي العاص، الأمويَّ، ابن عمِّ عثمان بن عفَّان ﵁، وُلِد بعد الهجرة بسنتين أو بأربعٍ (٢)، قال ابن أبي داود (٣): لا ندري أسمع من النَّبيِّ ﷺ شيئًا أم لا، قال في «الإصابة»: ولم أرَ من جزم بصحبته، فكأنَّه لم يكن حينئذٍ مميِّزًا، ولم يثبت له أَزْيَد من الرُّؤية، وأرسل عن النَّبيِّ ﷺ (وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ) بكسر الميم وسكون السِّين المهملة وفتح الواو، و «مَخْرَمة»: بفتح الميم والرَّاء بينهما خاءٌ معجمةٌ ساكنةٌ، ابن نوفلٍ الزُّهريَّ، وكان مولده بعد الهجرة بسنتين فيما قاله يحيى ابن بُكَيرٍ، وقدم المدينة في ذي الحجَّة بعد الفتح سنة ثمانٍ وهو ابن ستِّ سنين، وقال البغويُّ: حفظ عن النَّبيِّ ﷺ أحاديث، وحديثه عن النَّبيِّ ﷺ في خطبة عليٍّ لابنة أبي جهل في
стр. 4914
«الصَّحيحين» [خ¦٣١١٠] وغيرهما (أَخْبَرَاهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) ظاهره: أنَّ مروان بن الحكم والمِسور بن مَخرمة حضرا ذلك، لكنَّ مروان لا يصحُّ له سماعٌ من النَّبيِّ ﷺ ولا صحبة، وأمَّا المِسور فصحَّ (١) سماعه منه، لكنَّه إنَّما قدم مع أبيه وهو صغيرٌ بعد الفتح، وكانت هذه القصَّة بعده، لكنَّه كان في غزوة حنينٍ مميِّزًا، فقد ضبط في ذلك الأوان قصَّة (٢) خطبة عليٍّ لابنة أبي جهلٍ (قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ) حال كونهم (مُسْلِمِينَ) وكان فيهم تسعة نفرٍ من أشرافهم (فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ) وعند الواقديِّ: كان فيهم أبو برقان السَّعديُّ، فقال: يا رسول الله، إن في هذه الحظائر إلَّا أمَّهاتك وخالاتك وحواضنك ومرضعاتك، فامنن علينا منَّ الله عليك (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَحَبُّ الحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ) رُفِعَ خبرُ قوله (٣): «أَحَبُّ» (فَاخْتَارُوا) أن أردَّ إليكم (إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا المَالَ، وَقَدْ) بالواو، ولأبوي (٤) ذرٍّ والوقت: «فقد» (كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ) بهمزةٍ ساكنةٍ، لكنَّ موضع الهمزة في الفرع سكونٌ فقط من غير همزٍ (٥)، أي: انتظرت (بِكمْ) ولأبي ذرٍّ: «بهم» (وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ انْتَظَرَهُمْ) ليحضروا (بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً) لم يقسم السَّبي (٦) وتركه بالجِعْرَانة (حِينَ قَفَلَ) بفتح القاف والفاء، أي: رجع (مِنَ الطَّائِفِ) إلى الجِعْرَانة، فقسم الغنائم بها، وكان توجَّه إلى الطَّائف فحاصرها، ثمَّ رجع عنها فجاءه وفد هوازن بعد ذلك، فبيَّن لهم أنَّه أخَّر القسم ليحضروا فأبطأوا (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ) ظهر لوفد هوازن (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ) المالَ أو السَّبيَ (قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا) وفي «مغازي» ابن عقبة: قالوا:
стр. 4915
خيَّرتنا يا رسول الله بين المال والحسب، فالحسب أحبُّ إلينا، ولا نتكلَّم في شاةٍ ولا بعيرٍ (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي المُسْلِمِينَ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلَاءِ) وفد هوازن (قَدْ جَاؤوْنَا) حال كونهم (تَائِبِينَ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ) هذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّ الوفد كانوا وكلاء شفعاء في ردِّ سبيهم (فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ بِذَلِكَ) بضمِّ أوَّله وفتح الطَّاء وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة المكسورة، مضارع «طيَّب يطيِّب تطييبًا»، من باب «التَّفعيل»، ولأبي ذرٍّ: «يَطِيب» بفتح أوَّله وكسر ثانيه وسكون ثالثه، من الثُّلاثيِّ، من طاب يطيب، والمعنى: من أحبَّ أن يُطيِّب بدفع السَّبي إلى هوازن نفسَه مجَّانًا من غير عوضٍ (فَلْيَفْعَلْ) جواب «مَن» المتضمِّنة معنى الشَّرط فلذا دخلت الفاء فيه (وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ (١) أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ) أي: نصيبه من السَّبي (حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ) أي: عوضه (مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ) بضمِّ حرف المضارعة من أفاء يفيء، والفيء: ما يحصل للمسلمين من أموال الكفَّار من غير حربٍ ولا جهادٍ، وأصل الفيء: الرُّجوع، كأنَّه كان في الأصل لهم فرجع إليهم، ومنه قيل للظِّلِّ الذي بعد الزَّوال: فيءٌ؛ لأنَّه يرجع من جانب الغرب إلى جانب الشَّرق (٢) (فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ) بتشديد التَّحتيَّة، أي: جعلناه طيِّبًا من حيث كونهم رضوا بذلك
стр. 4916
وطابت أنفسهم (١) به (لِرَسُولِ اللهِ) أي: لأجله (¬ ﷺ لَهُمْ) ولأبي الوقت: «قد طيَّبنا ذلك يا رسول الله لهم»، وسقط لأبي ذرٍّ لفظة «لهم» (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعُوا) بالواو على لغة: «أكلوني البراغيث»، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «حتَّى يرفع» (إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ) جمع عريفٍ؛ وهو الذي يعرف أمور القوم، وهو النَّقيب ودون الرَّئيس، وأراد ﵊ بذلك التَّقصِّي عن أمرهم استطابةً لنفوسهم (فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ) في ذلك، فطابت نفوسهم به (ثُمَّ رَجَعُوا) أي: العرفاء (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ) أي: القوم (٢) (قَدْ (٣) طَيَّبُوا) ذلك (وَأَذِنُوا) لرسول الله ﷺ أن يردَّ السَّبي إليهم، وفيه أنَّ إقرار الوكيل عن موكِّله مقبولٌ؛ لأنَّ العرفاء بمنزلة الوكلاء فيما أُقيموا له من أمرهم، وبهذا قال أبو يوسف، وقيَّده أبو حنيفة ومحمَّدٌ بالحاكم، وقال الشَّافعيَّة: لا يصحُّ إقرار الوكيل عن (٤) الموكِّل (٥) بأن يقول: وكَّلتك لتُقِرَّ عنِّي لفلانٍ بكذا، فيقول الوكيل: أقررت عنه بكذا، أو جعلته مقرًّا بكذا؛ لأنَّه إخبارٌ عن حقٍّ، فلا يقبل التَّوكيل كالشَّهادة، لكنَّ التَّوكيل فيه إقرارٌ من الموكِّل لإشعاره بثبوت الحقِّ عليه، وقيل: ليس بإقرارٍ، كما أنَّ التَّوكيل بالإبراء ليس بإبراءٍ، ومحلُّ الخلاف إذا قال: وكَّلتك لتقرَّ عنِّي لفلانٍ بكذا، فلو قال: أَقِرَّ عنِّي لفلانٍ بألفٍ له عليَّ، كان إقرارًا مطلقًا (٦)، ولو قال: أَقِرَّ له عليَّ بألفٍ، لم يكن إقرارًا قطعًا، صرَّح به صاحب التَّعجيز، وليس في الحديث حجَّةٌ لجواز الإقرار من الوكيل؛ لأنَّ العرفاء (٧) ليسوا وكلاء، وإنَّما هم كالأمراء عليهم، فقبول قولهم في حقِّهم بمنزلة قبول قول الحاكم في حقِّ من هو حاكمٌ عليه.
стр. 4917
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الخمس» [خ¦٣١٣١] [خ¦٣١٣٢] و «المغازي» [خ¦٤٣١٨] [خ¦٤٣١٩] و «العتق» [خ¦٢٥٣٩] [خ¦٢٥٤٠] و «الهبة» [خ¦٢٦٠٧] [خ¦٢٦٠٨] و «الأحكام» [خ¦٧١٧٦] [خ¦٧١٧٧]، وأخرجه أبو داود في «الجهاد»، والنَّسائيُّ في «السِّير» بـ «قصَّة العرفاء» مختصرًا.
(٨) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- يُذكَر فيه: (إِذَا وَكَّلَ رَجُلٌ) زاد أبو ذرٍّ (١): «رجلًا» (أَنْ يُعْطِيَ) شخصًا (شَيْئًا وَلَمْ يُبَيِّنْ) الموكِّل (كَمْ يُعْطِي، فَأَعْطَى) أي: الوكيلُ ذلك الشَّخصَ (عَلَى مَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ) أي: في هذه الصُّورة فهو جائزٌ.
٢٣٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن بشيرٍ (٢) التَّميميُّ البلخيُّ أبو السَّكن قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ) بفتح الرَّاء والمُوحَّدة وبعد الألف حاءٌ مهملةٌ (وَغَيْرِهِ) بالجرِّ عطفًا على سابقه، حال كون الغير (يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) أي: ليس
стр. 4918
جميع الحديث عند واحدٍ منهم بعينه، بل عند بعضهم ما ليس عند الآخر (وَ) الحال أنَّه (لَمْ يُبَلِّغْهُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثانيه وكسر ثالثه مُشدَّدًا، أي: لم يبلِّغ الحديثَ (كُلُّهُمْ) بل بلَّغه (رَجُلٌ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄¬) قال في «الفتح»: وقد وقفتُ من تسمية من روى ابن جريجٍ عنه هذا الحديث عن جابرٍ على أبي الزُّبير، وقد تقدَّم في «الحجِّ» [خ¦٢٥/ ٨٢ - ٢٥٩٦] شيءٌ من ذلك، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه ليس في «الحجِّ» شيءٌ من ذلك، وإنَّما الذي تقدَّم في «كتاب البيوع» في «باب شراء الدَّوابِّ والحمير» [خ¦٢٠٩٧] وأجاب في «انتقاض الاعتراض»: بأنَّ العينيَّ ظنَّ أنَّ المراد قصَّةُ جمل جابرٍ، وليس كذلك، وإنَّما المرادُ اللَّفظُ الواقع في السَّند الذي وقع الاختلاف فيه، فإنَّه قد (١) تقدَّم في «الحجِّ» بمتنٍ (٢) آخر يتعلَّق (٣) بالحجِّ قال: ولكنَّ هذا المعترض يهجم بالإنكار قبل أن يتأمَّل. انتهى. وكذا قال في المقدِّمة في «كتاب الوكالة»: إنَّه أبو الزُّبير، وإنَّه تقدَّم في «الحجِّ»، وقد استوعبت ما ذكره في المقدِّمة في «الحجِّ» فلم أجد لذلك ذكرًا، فالله أعلم. (قَالَ) أي (٤): جابرٌ: (كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ) في غزوة الفتح، كما مرَّ في «البيع» [خ¦٢٠٩٧] (فَكُنْتُ) راكبًا (عَلَى جَمَلٍ ثَفَالٍ) بمُثلَّثةٍ مفتوحةٍ -وكسرها هنا خطأٌ- ففاءٍ خفيفةٍ فألفٍ فلامٍ، صفة لـ «جملٍ (٥)» أي: بطيء السَّير (إِنَّمَا هُوَ فِي آخِرِ القَوْمِ، فَمَرَّ بِي النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟) المتأخِّر عن النَّاس (قُلْتُ (٦): جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ) ﵊: (مَا لَكَ) تأخَّرت؟ (قُلْتُ: إِنِّي عَلَى جَمَلٍ ثَفَالٍ، قَالَ) ﵊: (أَمَعَكَ قَضِيبٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَعْطِنِيهِ، فَأَعْطَيْتُهُ فَضَرَبَهُ)
стр. 4919
به (فَزَجَرَهُ، فَكَانَ) الجمل (مِنْ ذَلِكَ المَكَانِ) الذي ضربه ﵊ فيه (١) (مِنْ أَوَّلِ القَوْمِ) ببركته ﵊، حيث تبدَّل ضعفه بالقوَّة (قَالَ) ﷺ : (بِعْنِيهِ) أي: الجملَ (فَقُلْتُ) ولأبي ذرٍّ (٢): «قال» بدل «فقلت»: (بَلْ هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ) عطيَّةً من غير ثمنٍ (قَالَ: بِعْنِيهِ) بالثَّمن، ولأبي ذرٍّ: «قال: بل بعنيه» (قَدْ أَخَذْتُهُ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «قال: قد أخذته» (بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ) وفي «البيع» [خ¦٢٠٩٧]: فاشتراه منِّي بأوقيَّةٍ، فتُحمَل الأربعة دنانير (٣) على (٤) أنَّها كانت يومئذٍ أوقيَّةً، وقد اختلفت الرِّوايات في قدر الثَّمن الذي وقع به البيع، واضطربت في ذلك اضطرابًا لا يقبل التَّلفيق، وتكلُّف الجمعِ بينها بعيدٌ عن (٥) التَّحقيق، وقد تقدَّم شيءٌ من مباحث ذلك في «البيع» [خ¦٢٠٩٧] قال العينيُّ: و «بل» للإضراب عن قول جابرٍ: خذه بلا ثمنٍ (وَلَكَ ظَهْرُهُ) أي: ركوبه (إِلَى المَدِينَةِ) إعارةً (فَلَمَّا دَنَوْنَا) قَرُبنا (مِنَ المَدِينَةِ أَخَذْتُ أَرْتَحِلُ، قَالَ) ﵊: (أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً) اسمها: سهيلة (قَدْ خَلَا مِنْهَا) أي: ذهب (٦) منها بعض شبابها، ومضى من عمرها ما جرَّبت به الأمور، قال القاضي عياضٌ: ورواه بعضهم بالمدِّ فصحَّف، قاله في «المصابيح» كـ «التَّنقيح»، وفي نسخةٍ: «قد خلا منها زوجها» أي: مات، وعليها شرح العينيُّ كالكِرمانيِّ (قَالَ) ﵊: (فَهَلَّا) تزوَّجت (جَارِيَةً) بِكرًا (تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ)، وفي روايةٍ: «فهلَّا تزوَّجت بكرًا تضاحكك وتضاحكها، وتلاعبك وتلاعبها»؟ (قُلْتُ: إِنَّ أَبِي) عبد الله (تُوُفِّيَ وَتَرَكَ بَنَاتٍ) كنَّ تسعًا -كما في «مسلمٍ» - ولم يُسمَّين (فَأَرَدْتُ أَنْ (٧) أَنْكِحَ امْرَأَةً) بفتح الهمزة (قَدْ جَرَّبَتْ) حوادث الدَّهر، وصارت ذات تجربةٍ تقدر على تعهُّد أخواتي، وتفقُّد أحوالهنَّ قد (خَلَا مِنْهَا) بعض شبابها، أو مات زوجها -كما مرَّ- (قَالَ) ﵊: (فَذَلِكَ) مبتدأٌ حُذِف خبره، تقديره: مباركٌ ونحوه (فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ قَالَ) ﷺ : (يَا بِلَالُ اقْضِهِ)
стр. 4920
ثمن جمله (وَزِدْهُ) على ثمنه (فَأَعْطَاهُ) أي: أعطى بلالٌ جابرًا (أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ) ثمن الجمل (١) (وَزَادَهُ قِيرَاطًا) وهذا موضع التَّرجمة؛ فإنَّه لم يذكر قدر ما يعطيه عند أمره بإعطاء الزِّيادة، فاعتمد بلالٌ على العُرْف في ذلك، فزاده قيراطًا (قَالَ جَابِرٌ: لَا تُفَارِقُنِي زِيَادَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) قال عطاءٌ: (فَلَمْ يَكُنِ القِيرَاطُ يُفَارِقُ جِرَابَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بكسر الجيم من «جِرابٍ»، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ -وعزاها في «فتح الباري» لأبي ذرٍّ والنَّسفيِّ-: «قِراب» بكسر القاف، أي: قراب سيفه، وقد زاد مسلمٌ في آخر هذا الحديث من وجهٍ آخر: فأخذه أهل الشَّأم يوم الحرَّة.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الشُّروط» [خ¦٢٧١٨]، ومسلمٌ في «البيوع».
(٩) (بابُ وَكَالَةِ الإِمْرَأَةِ) بهمزةٍ مكسورةٍ بعد اللَّام السَّاكنة فميمٍ ساكنةٍ فراءٍ مفتوحةٍ، ولأبي ذرٍّ: «المرأة» أي: حكم توكيل المرأة (الإِمَامَ) بالنَّصب على المفعوليَّة (فِي) عقد (النِّكَاحِ).
٢٣١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، سلمة بن دينارٍ الأعرج (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون الهاء في الأوَّل، والعين في الثَّاني، ابن مالكٍ الأنصاريِّ السَّاعديِّ، أنَّه (قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ) لم تُسَمَّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: ووهم من زعم أنَّها أمُّ شريكٍ (إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ¬) وهو في المسجد (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ لَكَ مِنْ نَفْسِي) بزيادة «من» للتَّوكيد، واستُشكِل: بأنَّهم اشترطوا لزيادتها ثلاثة شروطٍ، أحدها: تقدُّم نفيٍ أو نهيٍ أو استفهامٍ بـ «هل» نحو: ﴿وَمَا
стр. 4921
تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام: ٥٩] ونحو: لا يقم من أحدٍ، ونحو (١): ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] الثَّاني: تنكير مجرورها، الثَّالث: كونه فاعلًا أو مفعولًا به أو مبتدأً، والشَّرطان الأوَّلان مفقودان هنا (٢)، وأجيب بأنَّ الأخفش لم يشترطهما مستدلًّا بنحو: ﴿وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤] ﴿يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٤] ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ (٣)﴾ [الكهف: ٣١] وكذا لم يشترط الكوفيُّون الأوَّل، وقال العينيُّ كالكِرمانيِّ: ويُروَى: «وهبت لك نفسي» بدون كلمة «من». انتهى. وفي «الفرع» علامة السُّقوط لأبوي ذرٍّ والوقت على قولها (٤): «لك» فالله أعلم، وفي قولها: «قد وهبت لك نفسي» حذف مضافٍ تقديره: أمر نفسي أو نحوه، وإلَّا فالحقيقة غير مرادةٍ؛ لأنَّ رقبة الحرِّ لا تُملَك، فكأنَّها قالت: أتزوَّجك من غير عوضٍ (فَقَالَ رَجُلٌ) لم يُسَمَّ، نعم في رواية مَعْمَرٍ والثَّوريِّ عند الطَّبرانيِّ: فقام رجلٌ أحسبه من الأنصار، وفي روايةِ زائدةَ عنده: فقال رجلٌ من الأنصار: (زَوِّجْنِيهَا) زاد في «باب السُّلطان وليٌّ» من «كتاب النِّكاح» [خ¦٥١٣٥]: إن لم يكن لك بها حاجةٌ، قال: «هل عندك من شيءٍ تُصْدِقُها؟» قال: ما عندي إلَّا إزاري، فقال: «إن أعطيتَها إيَّاه جلستَ لا إزار لك»، قال: «فالتمس شيئًا» فقال (٥): ما أجد شيئًا، فقال: «التمس ولو خاتمًا من حديدٍ»، فلم يجد، قال: «أمعك من القرآن شيءٌ؟» قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا، لسُّورٍ سمَّاها (قَالَ) ﵊: (قَدْ زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ) الباء للتَّعويض كهي في نحو: بعتك العبد بألفٍ، فظاهره: جواز كون الصَّداق تعليمَ القرآن، وليست هي للسَّبب، أي: لأجل ما معك من القرآن، وفي رواية مسلمٍ: «اذهب فعلِّمها من القرآن»، وفي روايةٍ أخرى له: «علِّمها عشرين آيةً»، ويحتجُّ به من يجيز في الصَّداق أن يكون منافع، ومنعه أبو حنيفة في الحرِّ، وأجازه في العبد، وذهب الطَّحاويُّ وغيره إلى (٦) أنَّ الباء
стр. 4922
للسَّبب وأنَّ ذلك جائزٌ له دون غيره؛ لأنَّه لمَّا جازت له الموهوبة جاز له أن يهبها؛ ولذلك ملَّكها له ولم يشاورها، وهذا يحتاج إلى دليلٍ، ولئن سلَّمنا أنَّها للسَّبب فقد يكون الصَّداق مسكوتًا عنه؛ لأنَّه أصدق عنه كما كفَّر عن الذي وطئ في رمضان إذ لم يكن عنده شيءٌ، أو أنكحه إيَّاها نكاح تفويضٍ وأبقى الصَّداق في ذمَّته حتَّى يكتسبه، ويكون قوله: «بما معك من القرآن» حضًّا له على تعلُّمه وتكرمةً لأهله، وقد تعقَّب الدَّاوديُّ المصنِّفَ بأنَّه (١) ليس في الحديث ما ترجم له فإنَّه لم يذكر فيه أنَّه ﷺ استأذنها ولا أنَّها وكَّلته، وإنَّما زوَّجها للرَّجل بقول الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. انتهى. قال في «فتح الباري»: وكأنَّ المصنِّف أخذ ذلك من قولها: «قد وهبت نفسي لك» ففوَّضت أمرها إليه، وقال الذي خطبها: زوِّجنيها إن لم يكن لك بها حاجةٌ، فلم تُنكر هي ذلك، بل استمرَّت على الرِّضا، فكأنَّها فوَّضت أمرها إليه يتزوَّجها أو يزوِّجها لمن رأى، وفي حديث أبي هريرة عند النَّسائيِّ وأبي داود: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال للمرأة: «إنِّي أُريد أن أزوِّجك هذا إن رضيت»، فقالت: ما رضيتَ لي فقد رضيتُ، ولم يرد أنَّ الرَّجل قال بعد قوله ﵊: «زوَّجتكها»: قبلت نكاحها، وأجاب المُهلَّب: بأنَّ بساط الكلام في هذه القصَّة أغنى عن القبول لِمَا تَقدَّم من الطَّلب والمعاودة في ذلك، فمن كان في مثل حال هذا الرَّجل الرَّاغب لم يحتج إلى تصريحٍ منه بالقبول لسبق العلم برغبته؛ بخلاف غيره ممَّن لم تقم القرائن على رضاه. انتهى. فليُتأمَّل، ومباحث هذا الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في محالِّها بعون الله وقوَّته.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٤١٧] و «النِّكاح» [خ¦٥١٣٥]، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ في «النِّكاح»، وابن ماجه فيه وفي «فضائل القرآن».
(١٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا وَكَّلَ) رجلٌ (رَجُلًا) بحذف الفاعل، وفي نسخةٍ: «إذا وكَّل رجلٌ» بحذف المفعول (فَتَرَكَ الوَكِيلُ شَيْئًا) ممَّا وُكِّل فيه (٢) (فَأَجَازَهُ) وفي نسخةٍ: «فأجابه» (المُوَكِّلُ
стр. 4923
فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ أَقْرَضَهُ) أي: وإن أقرض الوكيل شيئًا ممَّا وُكِّل فيه (١) (إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى جَازَ) أي: إذا أجازه الموكِّل.
٢٣١١ - (وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الهَيْثَمِ) بفتح الهاء والمُثلَّثة، بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ، آخره ميمٌ (أَبُو عَمْرٍو) المؤذِّن، وقد ساقه المؤلِّف من غير أن يصرِّح بالتَّحديث، وكذا ذكره في «قصَّة إبليس» [خ¦٣٢٧٥]
стр. 4924
و «فضائل القرآن» [خ¦٥٠١٠] لكن مختصرًا، ووصله النَّسائيُّ والإسماعيليُّ وأبو نُعيمٍ من طرقٍ إلى عثمان هذا قال: (حَدَّثَنَا عَوْفٌ) بالفاء، ابن أبي جَميلة -بالجيم المفتوحة- الأعرابيُّ العبديُّ البصريُّ، رُمِي بالقدر والتَّشيُّع، لكن احتجَّ به الجماعة، وهو من صغار التَّابعين (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ) الفطر من (رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ) كـ «قاضٍ» (فَجَعَلَ يَحْثُو) بحاءٍ مهملةٍ ومُثلَّثةٍ، أي: يأخذ بكفَّيه (مِنَ الطَّعَامِ) وفي رواية أبي المتوكِّل عن أبي هريرة عند النَّسائيِّ: أنَّه كان على تمر الصَّدقة، فوجد أثر كفٍّ كأنَّه قد أخذ منه، ولابن الضُّرَيس (١) من هذا الوجه: فإذا التَّمر قد أُخِذ منه ملء كفٍّ (فَأَخَذْتُهُ) أي: الذي حثا من الطَّعام، وزاد في رواية أبي المتوكِّل: أنَّ أبا هريرة شكا إلى رسول الله ﷺ أوَّلًا، فقال له: «إن أردت أن تأخذه فقل: سبحان من سخَّرك لمحمَّدٍ»، قال: فقلتها، فإذا أنا (٢) به قائمٌ بين يديَّ فأخذته (وَقُلْتُ: وَاللهِ لأَرْفَعَنَّكَ) من رفع الخصم إلى الحاكم، أي: لأذهبنَّ بك (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) ليحكم عليك بقطع اليد لأنَّك سارقٌ، وسقط قوله «والله» في رواية أبي ذرٍّ (قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ) لِمَا آخذه (وَعَلَيَّ عِيَالٌ) أي: نفقة عيالٍ، أو «عليَّ» بمعنى: لي، وفي رواية أبي المتوكِّل: فقال: إنَّما أخذته لأهل بيتٍ فقراء من الجنِّ (وَلِي) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «وبي» بالمُوحَّدة بدل اللَّام (حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ) أبو هريرة: (فَخَلَّيْتُ عَنْهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لمَّا أتيته: (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ؟) سُمِّي أسيرًا؛ لأنَّه كان ربطه بسيرٍ؛ لأنَّ عادة العرب يربطون الأسير بالقدِّ، قال (٣) الدَّاوديُّ: وفيه: اطِّلاعه ﷺ على المُغيَّبات، وفي حديث معاذ بن جبلٍ عند الطَّبرانيِّ أنَّ جبريل جاء إلى النَّبيِّ ﷺ فأعلمه بذلك (قَالَ) أبو هريرة: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ) ﷺ : (أَمَا) بالتَّخفيف: حرف استفتاحٍ (أَإِنَّهُ) بكسر الهمزة وفتحها في «اليونينيَّة» (٤)، والفتح على جعل «أَمَا» بمعنى: حقًّا (قَدْ كَذَبَكَ) -بتخفيف الذَّال- في قوله: إنَّه محتاجٌ (وَسَيَعُودُ) إلى الأخذ (فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ
стр. 4925
رَسُولِ اللهِ ﷺ : إِنَّهُ سَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ) أي: ترقَّبته (فَجَاءَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «فجعل» بدل «فجاء» (يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ) للأخذ (وَعَلَيَّ عِيَالٌ لَا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بإثبات «لي» هنا، وإسقاطها في السَّابق، والتَّعبير بـ «النَّبيِّ» بدل «الرَّسول»: (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟) سقط هنا قوله في السَّابق «البارحة» (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ) ﵊: (أَمَا أَإِنَّهُ) بالتَّخفيف وكسر الهمزة وفتحها (قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ) لم يقل هنا: «فعرفت أنه سيعود … » إلى آخره، (فَرَصَدْتُهُ) المرَّة (الثَّالِثَةَ فَجَاءَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «فجعل» (يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ) بفتح الهمزة (تَزْعُمُ لَا تَعُودُ) صفةٌ لـ «ثلاث مرَّاتٍ» على أنَّ كلَّ مرَّةٍ موصوفةٌ بهذا القول الباطل، ولأبي ذرٍّ: «إنَّك» بكسر الهمزة، وفي نسخةٍ مقروءةٍ على الميدوميِّ: «إنَّك تزعم أنَّك لا تعود» (ثُمَّ تَعُودُ، قَالَ: دَعْنِي) وفي رواية أبي المتوكِّل: خلِّ عنِّي (أُعَلِّمْكَ) بالجزم (كَلِمَاتٍ) نُصِب بالكسرة (يَنْفَعْكَ اللهُ بِهَا) بجزم «ينفعك»، قال الطِّيبيُّ: وهو مُطلَقٌ لم يُعلَم منه أيُّ النَّفعِ، فيُحمَل على المُقيَّد في حديث عليٍّ عن رسول الله ﷺ : «من قرأها -يعني: آية الكرسيِّ- حين يأخذ مضجعه؛ آمنه الله تعالى على داره ودار جاره وأهل دويراتٍ حوله» رواه البيهقيُّ في «شعب الإيمان». انتهى. وفي رواية أبي المتوكِّل: إذا قلتهنَّ لم يَقْرَبْكَ ذَكَرٌ ولا أنثى من (١) الجنِّ (قُلْتُ: مَا هُوَ؟) أي: الكلام، وللحَمُّويي والمُستملي: «ما هنَّ» أي: الكلمات (قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ) أتيت (إِلَى فِرَاشِكَ) للنَّوم، وأخذت مضجعك (فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ [البقرة: ٢٥٥]) زاد معاذ بن جبلٍ في روايته عند الطَّبرانيِّ: وخاتمة سورة البقرة: «﴿آمَنَ الرَّسُولُ .. ﴾» إلى آخرها [البقرة: ٢٨٥ - ٢٨٦] (فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ) أي: من عند الله، أو من جهة أمر الله، أو من قدرته، أو من بأس الله ونقمته (حَافِظٌ)
стр. 4926
يحفظك (وَلَا يَقْرَبَنَّكَ) بفتح الرَّاء والموحَّدة ونون التَّوكيد الثَّقيلة، كذا في (١) «اليونينيَّة»، وفي غيرها: «ولا يقرَبَك» بإسقاط النُّون ونصب المُوحَّدة، عطفًا على السَّابق المنصوب بـ «لن» (شَيْطَانٌ) وفي نسخةٍ: «الشَّيطان» (حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ؟ قُلْتُ) ولأبي الوقت: «فقلت»: (يَا رَسُولَ اللهِ زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللهُ بِهَا، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ قَالَ) ﵊: (مَا هِيَ) الكلمات؟ (قُلْتُ) ولأبي الوقت: «قال» بدل «قلت»: (قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ) زاد أبو ذرٍّ: «الآية» (﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لم يَزْلْ» (عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ) وسقط قوله «لي» من رواية أبي ذرٍّ (وَلَا يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ) بفتح الرَّاء والموحَّدة، ولأبي ذرٍّ: «ولا يقربُك» بضمِّ الموحَّدة من غير نونٍ فيهما، كذا في الفرع وأصله (٢)، قال البرماويُّ كالكِرمانيِّ بعد أن ذكرا (٣) فتح الرَّاء والمُوحَّدة: وأصله: «يقربنَّك» بالنُّون المُؤكَّدة، قال في «المصابيح»: لا أدري ما دعاه إلى ارتكاب مثل هذا الأمر الضَّعيف مع ظهور الصَّواب في خلافه، وذلك أنَّه قال: «فإنَّك لن يزال عليك من الله حافظٌ، ولا يقربك شيطانٌ حتَّى تصبح»، فعندنا فعلٌ منصوبٌ بـ «لن»، وهو قوله: «يزال»، والآخر من قول (٤): «يقربك» منصوبٌ بالعطف (٥) على المنصوب المتقدِّم، و «لا» زائدةٌ لتأكيد النَّفي مثلها في قولك: لن يقوم زيدٌ ولا يضحك، وأجريناها على طريقتهم في إطلاق الزِّيادة على «لا» هذه وإن كان (٦) التَّحقيق أنَّها ليست بزائدةٍ دائمًا، ألا ترى أنَّه إذا قيل: ما جاءني زيدٌ وعمرٌو، احتمل نفي مجيء كلٍّ منهما على كلِّ حالٍ، ونفي اجتماعهما في المجيء، فإذا جيء بـ «لا» كان الكلام نصًّا في المعنى
стр. 4927
الأوَّل، نعم هي زائدةٌ في مثل قولك: لا يستوي زيدٌ ولا عمرٌو. انتهى. ولأبي ذرٍّ: «ولا يقربك الشَّيطان (١)» (حَتَّى تُصْبِحَ، وَكَانُوا) أي: الصحابة (أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى) تعلُّم (الخَيْرِ) وفعله، وكان الأصل أن يقول: «وكنَّا» لكنَّه على طريق الالتفات، وقيل: هو مُدرَجٌ من كلام بعض رواته، وبالجملة فهو مسوقٌ للاعتذار عن تخلية سبيله بعد المرَّة الثَّالثة حرصًا على تعلُّم (٢) ما ينفع (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَمَا أَإِنَّهُ) بالتَّخفيف وفتح الهمزة وكسرها كما مرَّ (قَدْ صَدَقَكَ) -بتخفيف الدَّال- في نفع آية الكرسيِّ، ولمَّا أثبت له الصِّدق أوهم المدح، فاستدركه بصيغةٍ تفيد المبالغة في الذَّمِّ بقوله: (وَهُوَ كَذُوبٌ) وفي حديث معاذ بن جبلٍ: صدق الخبيث وهو كذوبٌ (تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ) بالنُّون، وللحَمُّويي والمُستملي: «مذ» (ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: لَا) أعلم (قَالَ) ﵊: (ذَاكَ شَيْطَانٌ) من الشَّياطين، قال في «شرح المشكاة»: ونكَّر لفظ الشَّيطان بعد سبق ذكره مُنكَّرًا في قوله: «لا يقربك شيطانٌ» ليُؤذِن بأنَّ الثَّاني غير الأوَّل، وأنَّ الأوَّل مطلقٌ شائعٌ في جنسه، والثَّاني فردٌ من أفراد ذلك الجنس، فلو عُرِّف لأوهم خلاف المقصود؛ لأنَّه إمَّا أن يُشار إلى السَّابق، أو إلى المعروف والمشهور بين النَّاس، وكلاهما غير مرادٍ، وكان من الظَّاهر أن يُقال: «شيطانًا» بالنصب؛ لأنَّ السُّؤال في قوله: «من تخاطب»؟ عن المفعول، فعدل إلى الجملة الاسميَّة، وشخَّصه باسم الإشارة لمزيد التَّعيين ودوام الاحتراز عن كيده ومكره. فإن قلت: قد سبق في «الصَّلاة» [خ¦٤٦١] أنَّه ﷺ قال: «إنَّ شيطانًا تفلَّت عليَّ البارحة … (٣)» الحديث، وفيه: «ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطًا بساريةٍ»، وفي حديث الباب: أنَّ أبا هريرة أمسك الشَّيطان الذي رآه، أجيب باحتمال أنَّ الذي همَّ به (٤) النَّبيُّ ﷺ أن يوثقه رأسُ الشَّياطين الذي يلزم من التَّمكُّن منه التَّمكُّن من الشَّياطين، فيضاهي حينئذٍ سليمان في (٥)
стр. 4928
تسخيرهم (١)، والمراد بالشَّيطان في حديث أبي هريرة هذا: شيطانه (٢) بخصوصه، أو غيره في الجملة، فلا يلزم من تمكُّنه منه استتباع غيره من الشَّياطين في ذلك التَّمكُّن، أو الشَّيطان الذي همَّ به النَّبيُّ (٣) ﷺ تبدَّى له في صفته التي خُلِق عليها، وكذلك كانوا في خدمة سليمان ﵇ على هيئتهم، والذي تبدَّى (٤) لأبي هريرة في حديث الباب كان على هيئة (٥) الآدميِّين، فلم يكن في إمساكه مضاهاةٌ لملك (٦) سليمان (٧)، وقد وقع لأُبيِّ بن كعبٍ عند النَّسائيِّ، وأبي أيُّوب الأنصاريِّ عند التِّرمذيِّ، وأبي أُسَيدٍ الأنصاريِّ عند الطَّبرانيِّ، وزيد ابن ثابتٍ عند ابن أبي الدُّنيا قصصٌ في ذلك، إلَّا أنه ليس فيها ما يشبه قصَّة (٨) أبي هريرة، إلَّا قصَّة معاذٍ، وهو محمولٌ على التَّعدُّد.
وموضع الترجمة قوله: «فخلَّيت سبيله» لأنَّ أبا هريرة ترك الرَّجل الذي حثا الطَّعام لمَّا شكا الحاجة، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فأجازه، قال الزَّركشيُّ كغيره: وفيه نظرٌ؛ لأنَّ أبا هريرة لم يكن وكيلًا بالعطاء، بل بالحفظ خاصَّةً، قال في «المصابيح»: النَّظر ساقطٌ؛ لأنَّ المقصود انطباق التَّرجمة على الحديث، وهي كذلك؛ لأنَّ أبا هريرة وإن لم يكن وكيلًا في الإعطاء (٩) فهو وكيلٌ في الجملة؛ ضرورة أنَّه وكيلٌ بحفظ الزَّكاة، وقد ترك ممَّا وُكِّل بحفظه شيئًا، وأجاز ﵊ فعله، فقد طابقته التَّرجمة قطعًا، نعم في أخذ إقراض الوكيل إلى أجلٍ مُسمًّى من هذا الحديث نظرٌ، وقد قرَّر بعضهم وجه الأخذ: بأنَّ أبا هريرة لمَّا ترك السَّارق الذي حثا من الطَّعام كان ذلك الأجل (١٠)، ولا يخفى ما في ذلك من التَّكلُّف والضَّعف.
стр. 4929
(١١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا بَاعَ الوَكِيلُ شَيْئًا) ممَّا وُكِّل فيه بيعًا (فَاسِدًا فَبَيْعُهُ مَرْدُودٌ) يعني: يُرَدُّ.
٢٣١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن رَاهُوْيَه كما جزم به أبو نُعيمٍ، أو ابن منصورٍ كما جزم به أبو عليٍّ الجيَّانيُّ؛ لأنَّ مسلمًا أخرج هذا الحديث بعينه عن إسحاق بن منصورٍ، لكن قال في «الفتح»: وليس ذلك بلازمٍ، قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ) الوُحَاظيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ) بتشديد اللَّام (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الغَافِرِ) العَوْذِيَّ بفتح العين المهملة وسكون الواو وبالذَّال المعجمة: (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ: جَاءَ بِلَالٌ) المؤذِّن (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ) بفتح المُوحَّدة وسكون الرَّاء وكسر النُّون وتشديد التَّحتيَّة، قال في «الصَّحاح»: ضربٌ من التَّمر. قال الرَّاجز:
المُطْعِمان اللَّحم بالعَشِجِّ
وبالغداة فِلَق البرنِجِّ
فأبدل من الياء جيمًا، وزاد في «المُحكَم»: أنَّه أصفرُ مدوَّرٌ وهو أجود التَّمر، وفي «مُسنَد أحمد» مرفوعًا: «خير تمركم البرنيُّ يُذهِب الدَّاء» (فَقَالَ لَهُ (١) النَّبِيُّ ﷺ : مِنْ أَيْنَ هَذَا) التَّمر البرنيُّ؟ (قَالَ بِلَالٌ: كَانَ عِنْدَنَا) وللحَمُّويي والمُستملي: «عندي» (تَمْرٌ رَدِيٌّ) بتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة في
стр. 4930
الفرع وأصله (١)، وفي غيره: «رديءٌ» بالهمزة على وزن «فعيلٍ» على الأصل، من رَدُؤَ الشَّيء يردؤ رداءةً، فهو رديءٌ، أي: فاسدٌ، وأردأته: أفسدته، قاله الجوهريُّ، فخُفِّف بقلب الهمزة ياءً لانكسار ما قبلها، وأُدغِمت الياء في الياء، فصار رديٌّ بتشديد الياء -كما مرَّ- (فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ لِيُطْعِمَ) بلالٌ (٢) (النَّبِيَّ ﷺ ¬) كذا في الفرع وأصله (٣): «ليُطعِم» بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر العين، وفي بعض الأصول: «لنُطعِم» بالنُّون بدل التَّحتيَّة، و «النَّبيَّ» نُصِب على الرِّوايتين على المفعوليَّة، قال العينيُّ كابن حجرٍ: وهذه رواية أبي ذرٍّ، ولغيره: «ليَطعَم» بفتح التَّحتيَّة والعين، من طعم يطعم، و «النَّبيُّ»: رُفِع به، وقول البرماويِّ كالكِرمانيِّ: وفي بعضها: «لمَطعَمِ» بالميم، أي: مفتوحةً كالعين، و «النَّبيِّ»: خُفِض بالإضافة، لم أقف عليه في شيءٍ من نسخ البخاريَّ، نعم هو في «صحيح مسلمٍ» كذلك (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ) القول الصَّادر من بلالٍ: (أَوَّهْ أَوَّهْ) هذا (عَيْنُ الرِّبَا) هذا (عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ) بتكرير كلٍّ من «عين الرِّبا» و «أوَّه» مرَّتين، و «أَوَّهْ»: بفتح الهمزة وتشديد الواو وسكون الهاء، بمعنى: التَّحزُّن، قال السَّفاقسيُّ: وإنَّما تأوَّه ليكون أبلغ في الزَّجر، وقاله إمَّا للتَّألُّم من هذا الفعل، وإمَّا من سوء الفهم، زاد مسلمٌ من طريق أبي نضرة عن أبي سعيدٍ في نحو هذه القصَّة: «فردُّوه»، ومعلومٌ أنَّ بيع الرِّبا ممَّا يجب ردُّه (وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ) التَّمر الجيِّد (فَبِعِ التَّمْرَ) الرَّديء (بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِ) الجيِّد (بِهِ) أي: بثمن الرَّديء حتَّى لا تقع في الرِّبا، ولغير أبي ذرٍّ: «ثمَّ اشتره» أي: التَّمر الجيِّد.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «البيوع» وكذا النَّسائيُّ.
(١٢) (باب الوَكَالَةِ (٤) فِي الوَقْفِ وَنَفَقَتِهِ) أي: الوكيل (وَأَنْ يُطْعِمَ صَدِيقًا لَهُ وَيَأْكُلَ بِالمَعْرُوفِ) أي: وإطعام الوكيل صديقه وأكله بما يتعارفه الوكلاء فيه (٥)؛ لأنَّه حبس نفسه لتصرُّف مُوكِّله
стр. 4931
والقيام (١) بأمره قياسًا على وليِّ اليتيم.
٢٣١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين، قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ، أنَّه (قَالَ فِي صَدَقَةِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵁¬) لم يدرك ابن دينارٍ عمر، فهو مرسلٌ غير موصولٍ، وقال الحافظ ابن حجرٍ: قوله: «في صدقة (٢) عمر» أي: في روايته لها عن ابن عمر كما جزم بذلك المزِّيُّ في «الأطراف»، ويوضِّحه رواية الإسماعيليِّ من طريق ابن أبي عمر عن سفيان عن عمرو بن دينارٍ عن ابن عمر، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ المزِّيَّ لم يذكر هذا في «الأطراف» أصلًا، وإنَّما قال بعد العلامة بحرف الخاء المعجمة: حديث عمرو بن دينارٍ إلى آخر ما ذكره البخاريُّ، ثمَّ قال: موقوفٌ، ثمَّ قال العينيُّ: والتَّقدير الذي قدَّره هذا القائل -يعني: ابن حجرٍ- خلاف الأصل، ولا ثمَّة داعٍ يدعوه إلى ذلك، قال: وأمَّا قوله: ويوضِّحه رواية الإسماعيليِّ … إلى آخره؛ فلا يستلزم ما ذكره من التَّقدير المذكور بالتَّعسُّف. انتهى. قال في «الانتقاض»: وما نفاه عن المزِّيِّ هو المُدَّعى، وهو أنَّه جزم أنَّ المرويَّ في هذا الأثر بهذا السَّند كلام ابن عمر، فهو الذي عبَّر المزِّيُّ عنه بقوله: موقوفٌ، ومن لا يدري بأنَّ معنى قول المحدِّث: موقوفٌ أنَّ الصَّحابيَّ لا يصرِّح بنسبته إلى النَّبيِّ ﷺ مثل ما في هذا الطَّريق، فما باله والاعتراض على أهل الفنِّ بكلام غير أهل الفنِّ؟! و «صدقة» مضافٌ (٣) لـ «عمر» في الفرع وغيره ممَّا وقفت عليه من الأصول، لكن قال الكِرمانيُّ: «في صدقةٍ» -بالتَّنوين- «عمر» -بالرَّفع- فاعلٌ، وفي بعضها: بالإضافة، وفي بعضها: «عمرو» بالواو، فالقائل به (٤): هو ابن دينارٍ، أي: قال ابن دينارٍ في الوقف العمريِّ
стр. 4932
ذلك (١): (لَيْسَ عَلَى الوَلِيِّ) الذي يتولَّى أمر الوقف (جُنَاحٌ) إثمٌ (أَنْ يَأْكُلَ) منه (وَيُؤْكِلَ) منه (صَدِيقًا) زاد أبو ذرٍّ: «له»، أي: للوليِّ، وهو في محلِّ نصبٍ، صفةٌ لـ «صديقًا» حال كونه (غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ) بميمٍ مضمومةٍ فمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مفتوحةٍ وبعد الهمزةُ مثلَّثةٌ مُشدَّدةٌ مكسورةٌ، أي: غير جامعٍ (مَالًا فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄، قال ابن حجرٍ: هو موصولٌ بالإسناد المذكور كما هو (٢) في رواية الإسماعيليِّ، قال العينيُّ: قد (٣) صرَّح الكِرمانيُّ بأنَّه مُرسَلٌ، فكيف يكون المعطوف على المُرسَل موصولًا؟ انتهى. قال في «الانتقاض» مجيبًا عن هذا الاعتراض: ليس بينهما (٤) مانعيَّة جمعٍ (٥) (هُوَ يَلِي صَدَقَةَ عُمَرَ يُهْدِي لِلنَّاسِ) بضمِّ أوَّله من الرُّباعيِّ، من صدقة عمر، ولأبي ذرٍّ: «لناسٍ» (مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ) هم آل عبد الله بن خالد بن أُسيد بن أبي العاص (كَانَ) ابن عمر (يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ) أي: على النَّاس، وإنَّما كان ابن عمر يهدي منه أخذًا بالشَّرط المذكور وهو أن يُؤكِل صديقًا له أو من نصيبه الذي جُعِل له أن يأكل منه بالمعروف، فكان يوفِّره ليهدي لأصحابه منه.
(١٣) (باب) جواز (الوَكَالَةِ فِي الحُدُودِ) كسائر الحقوق، بل يتعيَّن التَّوكيل في قصاص الطَّرف وحدِّ القذف كما سيأتي في موضعهما إن شاء الله تعالى.
٢٣١٤ - ٢٣١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي الوقت: «حدَّثنا» (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير، ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن عبد الله» أي: ابن عتبة (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) الجهنيِّ الصَّحابيِّ (وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ) -بصيغة التَّصغير- ابن الضَّحَّاك
стр. 4933
الأسلميَّ، و «اغدُ» أمرٌ من «غدا» بالغين المعجمة، أي: اذهب، وهو عطفٌ على شيءٍ سبق، وساقه هنا مقتصرًا (١) على القدر المحتاج إليه، ولفظه كما أخرجه في «باب الاعتراف بالزِّنا» في «كتاب المحاربين» [خ¦٦٨٢٧] [خ¦٦٨٢٨]: كنَّا عند النَّبيِّ ﷺ ، فقام رجلٌ فقال: أَنْشُدُك َالله إلَّا (٢) قضيت بيننا بكتاب الله، فقام خصمه -وكان أفقه منه- فقال: اقضِ بيننا بكتاب الله وائذن لي، قال: «قل»، قال: إنَّ ابني كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته، فافتديتُ منه بمئة شاةٍ وخادمٍ، ثمَّ سألت رجالًا (٣) من أهل العلم، فأخبروني أنَّ على ابني جلد مئةٍ وتغريب عامٍ، وعلى امرأته الرَّجم، فقال النَّبيُّ ﷺ : «والذي نفسي بيده لأقضينَّ بينكما بكتاب الله: المئة شاةٍ والخادم ردٌّ عليك، وعلى ابنك جلد مئةٍ وتغريب عامٍ، واغدُ يا أُنيس» (عَلَى) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «إلى» (امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ) بالزِّنا (فَارْجُمْهَا) وإنَّما خصَّه من بين الصَّحابة قصدًا إلى أنَّه لا يُؤمَّر في القبيلة إلَّا رجلٌ منهم لنفورهم عن حكم غيرهم، وكانت المرأة أسلميَّةً.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «النُّذور» [خ¦٦٦٣٣] [خ¦٦٦٣٤] و «المحاربين» [خ¦٦٨٢٧] [خ¦٦٨٢٨] و «الصُّلح» [خ¦٢٦٩٥] [خ¦٢٦٩٦] و «الأحكام» [خ¦٧١٩٣] [خ¦٧١٩٤] و «الشُّروط» [خ¦٢٧٢٤] [خ¦٢٧٢٥] و «الاعتصام» [خ¦٧٢٧٨] [خ¦٧٢٧٩] و «خبر الواحد» [خ¦٧٢٥٨] [خ¦٧٢٥٩] و «الشَّهادات» [خ¦٢٦٤٩] وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الحدود»، والنَّسائيُّ في «القضاء» و «الرَّجم» و «الشُّروط».
٢٣١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ) بالتَّخفيف، ولأبي ذرٍّ: «سلَّامٍ» -بالتَّشديد- البيكنديُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله بن عبيد الله (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ) بن عامرٍ القرشيِّ النَّوفليِّ المكِّيِّ، له صحبةٌ، أسلم يوم الفتح، وله في
стр. 4934
«البخاريِّ» ثلاثة أحاديث [خ¦٨٨] [خ¦١٢٢١] أنَّه (قَالَ: جِيءَ بِالنُّعَيْمَانِ) بضمِّ النُّون مُصغَّرًا، ولغير أبي ذرٍّ (١): «النُّعمان» بالتَّكبير (٢) (أَوِ ابْنِ (٣) النُّعَيْمَانِ) بالتَّصغير أيضًا، والشَّكُّ من الرَّاوي (٤)، ووقع عند الإسماعيليِّ الشَّكُّ في تصغيره وتكبيره، وللإسماعيليِّ أيضًا في روايةٍ: «جئت بالنُّعيمان» بغير شكٍّ، فيُستفاد منه تسمية الذي حضر به، وهو عقبة (٥)، والنُّعيمان بن عمرو بن رفاعة بن الحارث بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النَّجَّار الأنصاريُّ، ممَّن (٦) شهد بدرًا، وكان مزَّاحًا. حال كونه (شَارِبًا) مسكرًا، أي: متَّصفًا (٧) بالشُّرب؛ لأنَّه حين جيء به لم يكن شاربًا حقيقة، بل كان سكران (٨)، ويدلُّ له ما في «الحدود» [خ¦٦٧٧٥] بلفظ: وهو سكران (فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ كَانَ فِي البَيْتِ أَنْ يَضْرِبُوا) بحذف الضَّمير المنصوب، وفي نسخةٍ: «أن (٩) يضربوه» بإثباته (قَالَ) عقبة بن الحارث: (فَكُنْتُ أَنَا فِيمَنْ ضَرَبَهُ، فَضَرَبْنَاهُ بِالنِّعَالِ وَالجَرِيدِ) وموضع التَّرجمة منه قوله فيه: «فأمر من كان في البيت أن يضربوه»، فإنَّ الإمام لمَّا لم يتولَّ إقامة الحدِّ بنفسه ووَّلاه غيره كان ذلك بمنزلة توكيله لهم في إقامته، ولا يصحُّ عند الشَّافعيَّة التَّوكيل في إثبات الحدود لبنائها على الدَّرء، نعم قد يقع إثباتها بالوكالة تبعًا بأن يقذف شخصٌ آخر فيطالبه بحقِّ (١٠) القذف، فله أن يدرأه عن نفسه بإثبات زناه بالوكالة، فإذا ثبت أُقيم عليه الحدُّ، ويُستفاد من الحديث -كما قال الخطَّابيُّ-: أنَّ حدَّ
стр. 4935
الخمر لا يُستأنَى (١) به الإفاقة كحدِّ الحامل لتضع حملها.
(١٤) (باب) حكم (الوَكَالَةِ فِي) أمر (البُدْنِ) التي تُهدَى (وَ) حكم (تَعَاهُدِهَا).
٢٣١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ المدنيُّ، ابن أخت الإمام (٢) مالكٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ إمام دار الهجرة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ) بفتح الحاء المهملة وسكون الزَّاي (عَنْ) خالته (عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الأنصاريَّة (٣) (أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ: قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِيَدَيَّ) بتشديد الياء على التَّثنية، وهذا الحديث ساقه هنا مختصرًا، وفي «باب من قلَّد القلائد بيده» من «كتاب الحجِّ» [خ¦١٧٠٠] أطول من هذا، ولفظه: عن عمرة بنت عبد الرَّحمن: أنَّها أخبرته: أنَّ زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة ﵂: إنَّ عبد الله بن عبَّاسٍ ﵄ قال: من أهدى هديًا حَرُمَ عليه ما يَحْرُمُ على الحاجِّ حتَّى ينحر هديه، قالت عمرة: فقالت عائشة ﵂: ليس كما قال ابن عبَّاسٍ، أنا فتلت قلائد هدي رسول الله ﷺ بيدَيَّ (ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدَيْهِ) بالتَّثنية (ثُمَّ بَعَثَ) ﷺ (بِهَا) أي: بالهدي، وأنَّث الضَّمير باعتبار البدنة؛ لأنَّ هديه ﷺ الذي بعث به كان بدنةً (مَعَ أَبِي) أبي (٤) بكرٍ الصِّدِّيق ﵁ سنة تسعٍ عام حجَّ أبو بكرٍ ﵁ بالنَّاس (فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللهُ لَهُ حَتَّى نُحِرَ الهَدْيُ) بضمِّ النُّون
стр. 4936
مبنيًا للمجهول (١)، و «الهديُ»: رُفِعَ نائبٌ عن الفاعل، أي: حتَّى نحره أبو بكرٍ ﵁، والحديث ظاهرٌ فيما ترجم له من «الوكالة في البدن»، وأمَّا تعاهدها فيحتمل أن يكون من مباشرة النَّبيِّ ﷺ إيَّاها بنفسه حتَّى قلَّدها بيده.
(١٥) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- يُذكَر فيه (إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِوَكِيلِهِ) الذي وكَّله: (ضَعْهُ) أي: الشَّيء المُوكَّل فيه (حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ، وَقَالَ الوَكِيلُ: قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ) أي: فوضعه حيث أراد جاز.
٢٣١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكر بن زيادٍ التَّميميُّ الحنظليُّ (قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ) الإمام (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن أبي طلحة (أَنَّهُ سَمِعَ) عمَّه (أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهلٍ الأنصاريُّ (أَكْثَرَ الأَنْصَارِ) ولأبي ذرٍّ: «أكثر أنصاريٍّ»، قال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: وهو من التَّفضيل (٢) على التَّفصيل (٣)، أي: أكثر من كلِّ واحدٍ واحدٍ من الأنصار؛ ولذا لم يقل: «أكثر الأنصار» (بِالمَدِينَةِ مَالًا) نُصِب على التَّمييز، أي: من حيث المال (وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بِيْرُحَاءَ) بكسر المُوحَّدة وسكون التَّحتيَّة وضمِّ الرَّاء وبعد الحاء المهملة
стр. 4937
همزةٌ مفتوحةٌ ممدودًا، ولأبي ذرٍّ: «بيرحا» من غير همزٍ، وفيها وجوهٌ أخرى ذكرتها في «الزَّكاة» [خ¦١٤٦١] (وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدَ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ) بالجرِّ صفةٌ لـ «ماءٍ» (فَلَمَّا نَزَلَتْ) هذه الآية (﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]) من الصَّدقة (١) (قَامَ أَبُو طَلْحَةَ) منتهيًا (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي (٢) إِلَيَّ بِيْرُحَاءَ) بكسر الموحَّدة وضمِّ الرَّاء، مهموزًا (٣) مع الفتح والمدِّ في الفرع لأبي ذرٍّ (وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ للهِ أَرْجُو بِرَّهَا) خيرها (وَذُخْرَهَا) بالذَّال المضمومة والخاء السَّاكنة المعجمتين، أي: أقدِّمها فأدخرها لأجدها (عِنْدَ اللهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ حَيْثُ شِئْتَ، فَقَالَ) ﵊: (بَخٍْ) بفتح المُوحَّدة وسكون الخاء المعجمة وبتنوينها، وبالتَّخفيف والتَّشديد فيهما، فهي أربعةٌ، كلمةٌ تُقال عند مدح الشَّيء والرِّضا به (ذَلِكَ مَالٌ رَائِحٌ) (٤) بالهمز والحاء المهملة في الفرع وأصله (٥) (ذَلِكَ مَالٌ رَائِحٌ) بالتَّكرار مرَّتين، أي: ذاهبٌ، فإذا ذهب في الخير فهو أَولى (قَدْ) بغير واوٍ قبل القاف (سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهَا وَأَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ، قَالَ) أبو طلحة: (أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ) بهمزة قطعٍ، على أنَّه فعلٌ (٦) مستقبلٌ مرفوعٌ (فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ) من باب عطف الخاصِّ على العامِّ.
(تَابَعَهُ) أي: تابع يحيى بن يحيى (إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (عَنْ مَالِكٍ) فيما وصله المؤلِّف في «تفسير سورة آل عمران» [خ¦٤٥٥٤] (وَقَالَ رَوْحٌ) بفتح الرَّاء وسكون الواو وبالحاء المهملة، ابن عبادة في روايته (عَنْ مَالِكٍ) أيضًا: (رَابِحٌ) بالموحَّدة فيما وصله الإمام أحمد عنه، وفي غير الفرع وأصله (٧) من الأصول في رواية يحيى: «رابحٌ» بالمُوحَّدة، أي: يربح (٨) فيه صاحبه، وقال العينيُّ:
стр. 4938
رائجٌ، بالجيم، من الرَّواج، فليُتأمَّل، وموضع التَّرجمة من الحديث قول أبي طلحة للنَّبيِّ ﷺ : إنَّها صدقةٌ … إلى آخره، فإنَّه ﷺ لم ينكر عليه ذلك وإن كان ما (١) وضعها بنفسه، بل أمره أن يضعها في الأقربين، لكنَّ الحجَّة فيه تقريره ﵊ على ذلك.
وهذا الحديث قد سبق في «باب الزَّكاة على الأقارب» من «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤٦١].
(١٦) (باب وَكَالَةِ الأَمِينِ فِي الخِزَانَةِ) بكسر الخاء المعجمة: اسمٌ للموضع الذي يُخزَّن فيه (وَنَحْوِهَا).
٢٣١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) أبو كريبٍ الهَمْدانيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة اللَّيثيُّ (عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الرَّاء مُصغَّرًا (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة وسكون الرَّاء، اسمه عامرٌ أو الحارث (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: الخَازِنُ الأَمِينُ الَّذِي يُنْفِقُ -وَرُبَّمَا قَالَ: الَّذِي يُعْطِي- مَا أُمِرَ بِهِ) بضمِّ الهمزة وكسر الميم مبنيًّا للمفعول، أي: ما أمره به سيِّده من الصَّدقة، حال كونه (كَامِلًا مُوَفَّرًا) بفتح الفاء المُشدَّدة (طَيِّبٌ نَفْسُهُ) مبتدأٌ وخبره مُقدَّمٌ، وفي «الزَّكاة» [خ¦١٤٣٨]: «طيِّبٌ به نفسُه»، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «طيِّبًا» بالنَّصب على الحال (إِلَى الَّذِي أُمِرَ بِهِ) لا لغيره (أَحَدُ المُتَصَدِّقَيْنِ) خبر قوله: «الخازنُ»، و «المتصدِّقَين»: بفتح القاف بلفظ التَّثنية، ومطابقته للتَّرجمة من جهة أنَّ الخازن الأمينَ مُفوَّضٌ (٢) إليه الإنفاق والإعطاء بحسب أمر الآمر به.
وهذا الحديث سبق في «باب أجر الخادم» من «كتاب الزَّكاة» (٣) [خ¦١٤٣٨].
стр. 4939
((٤١)) (بسم الله الرحمن الرحيم (١) مَا جَاءَ فِي الحَرْثِ) أي: الزرع (وَالمُزَارَعَةِ) وهي المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها ويكون البذر من مالكها، فإن كان من العامل فهي مخابرةٌ، وهما إن أُفرِدتا عن المساقاة باطلتان للنَّهي عن المُزارعة في «مسلمٍ»، وعن المخابرة في «الصَّحيحين» [خ¦٢٣٨١] ولأنَّ تحصيل منفعة الأرض ممكنةٌ بالإجارة، فلم يجز العمل عليها ببعض ما يخرج منها كالمواشي بخلاف الشَّجر، فإنَّه لا يمكن عقد الإجارة عليه، فجُوِّزت المساقاة، واختار في «الرَّوضة» -تبعًا لابن المنذر وابن خزيمة والخطَّابيِّ- صحَّتهما، وحمل أخبار النَّهي على ما إذا شرط لأحدهما زرع قطعةٍ مُعيَّنةٍ وللآخر أخرى، وعلى الأوَّل فيُشتَرط تقديم المساقاة على المزارعة بأن يقول: ساقيتك وزارعتك، فلو قال: زارعتك وساقيتك أو فصل بينهما لم يصحَّ لانتفاء التَّبعيَّة، فإن خابره تبعًا لم يصحَّ كما لو أفردها، وفارقت المزارعةَ بأنَّ المزارعة أشبه بالمساقاة، وورد الخبر بصحَّتها بخلاف المخابرة.
(١) (بَابُ فَضْلِ الزَّرْعِ وَالغَرْسِ) قال في «القاموس»: زَرَعَ كـ «مَنَعَ»: طرح البذر، كازدرع، وأصله: ازترع، أبدلوها دالًا لتوافق الزَّاي، والله أنبت وغرس الشَّجر: أثبته في الأرض، كأغرسه، والغرس: المغروس (إِذَا أُكِلَ مِنْهُ) قيدٌ في فضيلة كلٍّ منهما، ولأبي ذرٍّ: «كتاب الحَرْث» بفتح الحاء وسكون الراء المهملتين آخره مُثلَّثةٌ، وله عن الحَمُّويي (٢): «في الحرث»، وإسقاط: «كتاب»، وله أيضًا عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (٣): «كتاب المزارعة» مع تأخير البسملة فيها، وسقط له قوله «ما جاء في
стр. 4940
الحرث والمزارعة»، وقوله: «باب» وما بعده ثابتٌ عنده، وحينئذٍ فيكون قوله: «فضلُ الزَّرع» (١) مرفوعًا على ما لا يخفى، وهذا ما في الفرع وأصله (٢)، وفي «فتح الباري»: عن النَّسفيِّ كالكُشْمِيْهَنِيِّ: «باب فضل الزَّرع والغرس إذا أُكِل منه، بسم الله الرَّحمن الرَّحيم»، وزاد النَّسفيُّ (٣) فقال (٤): «باب ما جاء في الحرث والمزارعة (٥) وفضل الزرع»، ومثله للأَصيليِّ وكريمة إلَّا أنَّهما حذفا لفظ «كتاب المزارعة»، وللمُستملي: «كتاب الحرث»، وقدَّم الحَمُّويي البسملة، وقال: «في الحرث» بدل «كتاب الحرث» (وَقَولِهِ تَعَالى) بالجرِّ عطفًا على السَّابق، ولأبي ذرٍّ: «وقولُ الله تعالى» بالرَّفع على الاستئناف: (﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾) تبذرون حَبَّه (﴿أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾) تُنبِتونه (﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾) المُنبِتون (﴿لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٥]) هشيمًا، وإنَّما نسب الحرث إلينا والزَّرع إليه ﷻ وإن كانت الأفعال كلُّها له سبحانه حرثًا وبذرًا وغير ذلك؛ لأنَّ المراد بالزَّرع هنا: الإنبات لا البذر، وذلك من خصائص القدرة القديمة، ووجه الاستدلال بهذه الآية على إباحة الحرث: أنَّ الله تعالى امتنَّ علينا بإنبات ما نحرثه، فدلَّ على أنَّ الحرث جائزٌ إذ لا يمتنُّ بممنوعٍ.
٢٣٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ. (ح) مهملةٌ، ويُنطَق بها كذلك علامةً لتحويل السَّند. قال المؤلِّف بالسَّند: (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبَارَكِ) بن عبد الله العَيشيُّ -بعينٍ مهملةٍ مفتوحةٍ فتحتيَّةٍ ساكنةٍ فشينٍ معجمةٍ- منسوبٌ إلى بني عائشٍ، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ)