← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

مبنيًا للمجهول (١)، و «الهديُ»: رُفِعَ نائبٌ عن الفاعل، أي: حتَّى نحره أبو بكرٍ ﵁، والحديث ظاهرٌ فيما ترجم له من «الوكالة في البدن»، وأمَّا تعاهدها فيحتمل أن يكون من مباشرة النَّبيِّ ﷺ إيَّاها بنفسه حتَّى قلَّدها بيده. (١٥) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- يُذكَر فيه (إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِوَكِيلِهِ) الذي وكَّله: (ضَعْهُ) أي: الشَّيء المُوكَّل فيه (حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ، وَقَالَ الوَكِيلُ: قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ) أي: فوضعه حيث أراد جاز. ٢٣١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكر بن زيادٍ التَّميميُّ الحنظليُّ (قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ) الإمام (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن أبي طلحة (أَنَّهُ سَمِعَ) عمَّه (أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهلٍ الأنصاريُّ (أَكْثَرَ الأَنْصَارِ) ولأبي ذرٍّ: «أكثر أنصاريٍّ»، قال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: وهو من التَّفضيل (٢) على التَّفصيل (٣)، أي: أكثر من كلِّ واحدٍ واحدٍ من الأنصار؛ ولذا لم يقل: «أكثر الأنصار» (بِالمَدِينَةِ مَالًا) نُصِب على التَّمييز، أي: من حيث المال (وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بِيْرُحَاءَ) بكسر المُوحَّدة وسكون التَّحتيَّة وضمِّ الرَّاء وبعد الحاء المهملة

стр. 4937

همزةٌ مفتوحةٌ ممدودًا، ولأبي ذرٍّ: «بيرحا» من غير همزٍ، وفيها وجوهٌ أخرى ذكرتها في «الزَّكاة» [خ¦١٤٦١] (وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدَ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ) بالجرِّ صفةٌ لـ «ماءٍ» (فَلَمَّا نَزَلَتْ) هذه الآية (﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]) من الصَّدقة (١) (قَامَ أَبُو طَلْحَةَ) منتهيًا (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي (٢) إِلَيَّ بِيْرُحَاءَ) بكسر الموحَّدة وضمِّ الرَّاء، مهموزًا (٣) مع الفتح والمدِّ في الفرع لأبي ذرٍّ (وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ للهِ أَرْجُو بِرَّهَا) خيرها (وَذُخْرَهَا) بالذَّال المضمومة والخاء السَّاكنة المعجمتين، أي: أقدِّمها فأدخرها لأجدها (عِنْدَ اللهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ حَيْثُ شِئْتَ، فَقَالَ) ﵊: (بَخٍْ) بفتح المُوحَّدة وسكون الخاء المعجمة وبتنوينها، وبالتَّخفيف والتَّشديد فيهما، فهي أربعةٌ، كلمةٌ تُقال عند مدح الشَّيء والرِّضا به (ذَلِكَ مَالٌ رَائِحٌ) (٤) بالهمز والحاء المهملة في الفرع وأصله (٥) (ذَلِكَ مَالٌ رَائِحٌ) بالتَّكرار مرَّتين، أي: ذاهبٌ، فإذا ذهب في الخير فهو أَولى (قَدْ) بغير واوٍ قبل القاف (سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهَا وَأَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ، قَالَ) أبو طلحة: (أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ) بهمزة قطعٍ، على أنَّه فعلٌ (٦) مستقبلٌ مرفوعٌ (فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ) من باب عطف الخاصِّ على العامِّ. (تَابَعَهُ) أي: تابع يحيى بن يحيى (إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (عَنْ مَالِكٍ) فيما وصله المؤلِّف في «تفسير سورة آل عمران» [خ¦٤٥٥٤] (وَقَالَ رَوْحٌ) بفتح الرَّاء وسكون الواو وبالحاء المهملة، ابن عبادة في روايته (عَنْ مَالِكٍ) أيضًا: (رَابِحٌ) بالموحَّدة فيما وصله الإمام أحمد عنه، وفي غير الفرع وأصله (٧) من الأصول في رواية يحيى: «رابحٌ» بالمُوحَّدة، أي: يربح (٨) فيه صاحبه، وقال العينيُّ:

стр. 4938

رائجٌ، بالجيم، من الرَّواج، فليُتأمَّل، وموضع التَّرجمة من الحديث قول أبي طلحة للنَّبيِّ ﷺ : إنَّها صدقةٌ … إلى آخره، فإنَّه ﷺ لم ينكر عليه ذلك وإن كان ما (١) وضعها بنفسه، بل أمره أن يضعها في الأقربين، لكنَّ الحجَّة فيه تقريره ﵊ على ذلك. وهذا الحديث قد سبق في «باب الزَّكاة على الأقارب» من «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤٦١]. (١٦) (باب وَكَالَةِ الأَمِينِ فِي الخِزَانَةِ) بكسر الخاء المعجمة: اسمٌ للموضع الذي يُخزَّن فيه (وَنَحْوِهَا). ٢٣١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) أبو كريبٍ الهَمْدانيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة اللَّيثيُّ (عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الرَّاء مُصغَّرًا (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة وسكون الرَّاء، اسمه عامرٌ أو الحارث (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: الخَازِنُ الأَمِينُ الَّذِي يُنْفِقُ -وَرُبَّمَا قَالَ: الَّذِي يُعْطِي- مَا أُمِرَ بِهِ) بضمِّ الهمزة وكسر الميم مبنيًّا للمفعول، أي: ما أمره به سيِّده من الصَّدقة، حال كونه (كَامِلًا مُوَفَّرًا) بفتح الفاء المُشدَّدة (طَيِّبٌ نَفْسُهُ) مبتدأٌ وخبره مُقدَّمٌ، وفي «الزَّكاة» [خ¦١٤٣٨]: «طيِّبٌ به نفسُه»، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «طيِّبًا» بالنَّصب على الحال (إِلَى الَّذِي أُمِرَ بِهِ) لا لغيره (أَحَدُ المُتَصَدِّقَيْنِ) خبر قوله: «الخازنُ»، و «المتصدِّقَين»: بفتح القاف بلفظ التَّثنية، ومطابقته للتَّرجمة من جهة أنَّ الخازن الأمينَ مُفوَّضٌ (٢) إليه الإنفاق والإعطاء بحسب أمر الآمر به. وهذا الحديث سبق في «باب أجر الخادم» من «كتاب الزَّكاة» (٣) [خ¦١٤٣٨].

стр. 4939

((٤١)) (بسم الله الرحمن الرحيم (١) مَا جَاءَ فِي الحَرْثِ) أي: الزرع (وَالمُزَارَعَةِ) وهي المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها ويكون البذر من مالكها، فإن كان من العامل فهي مخابرةٌ، وهما إن أُفرِدتا عن المساقاة باطلتان للنَّهي عن المُزارعة في «مسلمٍ»، وعن المخابرة في «الصَّحيحين» [خ¦٢٣٨١] ولأنَّ تحصيل منفعة الأرض ممكنةٌ بالإجارة، فلم يجز العمل عليها ببعض ما يخرج منها كالمواشي بخلاف الشَّجر، فإنَّه لا يمكن عقد الإجارة عليه، فجُوِّزت المساقاة، واختار في «الرَّوضة» -تبعًا لابن المنذر وابن خزيمة والخطَّابيِّ- صحَّتهما، وحمل أخبار النَّهي على ما إذا شرط لأحدهما زرع قطعةٍ مُعيَّنةٍ وللآخر أخرى، وعلى الأوَّل فيُشتَرط تقديم المساقاة على المزارعة بأن يقول: ساقيتك وزارعتك، فلو قال: زارعتك وساقيتك أو فصل بينهما لم يصحَّ لانتفاء التَّبعيَّة، فإن خابره تبعًا لم يصحَّ كما لو أفردها، وفارقت المزارعةَ بأنَّ المزارعة أشبه بالمساقاة، وورد الخبر بصحَّتها بخلاف المخابرة. (١) (بَابُ فَضْلِ الزَّرْعِ وَالغَرْسِ) قال في «القاموس»: زَرَعَ كـ «مَنَعَ»: طرح البذر، كازدرع، وأصله: ازترع، أبدلوها دالًا لتوافق الزَّاي، والله أنبت وغرس الشَّجر: أثبته في الأرض، كأغرسه، والغرس: المغروس (إِذَا أُكِلَ مِنْهُ) قيدٌ في فضيلة كلٍّ منهما، ولأبي ذرٍّ: «كتاب الحَرْث» بفتح الحاء وسكون الراء المهملتين آخره مُثلَّثةٌ، وله عن الحَمُّويي (٢): «في الحرث»، وإسقاط: «كتاب»، وله أيضًا عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (٣): «كتاب المزارعة» مع تأخير البسملة فيها، وسقط له قوله «ما جاء في

стр. 4940

الحرث والمزارعة»، وقوله: «باب» وما بعده ثابتٌ عنده، وحينئذٍ فيكون قوله: «فضلُ الزَّرع» (١) مرفوعًا على ما لا يخفى، وهذا ما في الفرع وأصله (٢)، وفي «فتح الباري»: عن النَّسفيِّ كالكُشْمِيْهَنِيِّ: «باب فضل الزَّرع والغرس إذا أُكِل منه، بسم الله الرَّحمن الرَّحيم»، وزاد النَّسفيُّ (٣) فقال (٤): «باب ما جاء في الحرث والمزارعة (٥) وفضل الزرع»، ومثله للأَصيليِّ وكريمة إلَّا أنَّهما حذفا لفظ «كتاب المزارعة»، وللمُستملي: «كتاب الحرث»، وقدَّم الحَمُّويي البسملة، وقال: «في الحرث» بدل «كتاب الحرث» (وَقَولِهِ تَعَالى) بالجرِّ عطفًا على السَّابق، ولأبي ذرٍّ: «وقولُ الله تعالى» بالرَّفع على الاستئناف: (﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾) تبذرون حَبَّه (﴿أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾) تُنبِتونه (﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾) المُنبِتون (﴿لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٥]) هشيمًا، وإنَّما نسب الحرث إلينا والزَّرع إليه ﷻ وإن كانت الأفعال كلُّها له سبحانه حرثًا وبذرًا وغير ذلك؛ لأنَّ المراد بالزَّرع هنا: الإنبات لا البذر، وذلك من خصائص القدرة القديمة، ووجه الاستدلال بهذه الآية على إباحة الحرث: أنَّ الله تعالى امتنَّ علينا بإنبات ما نحرثه، فدلَّ على أنَّ الحرث جائزٌ إذ لا يمتنُّ بممنوعٍ. ٢٣٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ. (ح) مهملةٌ، ويُنطَق بها كذلك علامةً لتحويل السَّند. قال المؤلِّف بالسَّند: (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبَارَكِ) بن عبد الله العَيشيُّ -بعينٍ مهملةٍ مفتوحةٍ فتحتيَّةٍ ساكنةٍ فشينٍ معجمةٍ- منسوبٌ إلى بني عائشٍ، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ)

стр. 4941

ولأبي ذرٍّ: «أنس بن مالكٍ» (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ ﷺ »: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا) بمعنى: المغروس، أي: شجرًا (أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا) مزروعًا، و «أو» للتَّنويع؛ لأنَّ الزَّرع غير الغرس (فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ) بالرَّفع اسم «كان»، والتَّعبير بالمسلم يُخرِج الكافر، فيختصُّ الثَّواب في الآخرة بالمسلم دون الكافر؛ لأنَّ القُرَب إنَّما تصحُّ من المسلم، فإن تصدَّق الكافر أو فعل شيئًا من وجوه البرِّ لم يكن له أجرٌ في الآخرة، نعم ما أُكِل من زرع الكافر يُثاب عليه في الدُّنيا كما ثبت دليله (١)، وأمَّا من قال: يُخفَّف عنه بذلك من عذاب الآخرة فيحتاج إلى دليلٍ، وفي حديث عائشة عند مسلمٍ قلت: يا رسول الله، ابنُ جُدْعان كان في الجاهليَّة يصل الرَّحم ويُطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: «لا ينفعه إنَّه (٢) لم يقل يومًا: ربِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدِّين» يعني: لم يكن مصدِّقًا بالبعث، ومن لم يصدِّق به كافرٌ ولا ينفعه عملٌ، ونقل عياضٌ الإجماعَ على أنَّ الكفَّار لا تنفعهم أعمالهم (٣)، ولا يُثابون عليها بنعيمٍ ولا تخفيف عذابٍ، لكنَّ بعضهم أشدُّ عذابًا من بعضهم بحسب جرائمهم، وأمَّا حديث أبي أيُّوب الأنصاريِّ عند أحمد مرفوعًا: «ما من رجلٍ يغرس غرسًا (٤)»، وحديث: «ما من عبدٍ» فظاهرهما يتناول المسلم والكافر، لكن يُحمَل المُطلَق على المُقيَّد، والمراد بالمسلم: الجنس، فتدخل المرأة المسلمة. (وَقَالَ لَنَا مُسْلِمٌ) هو ابن إبراهيم الفراهيديُّ البصريُّ، قال العينيُّ كابن حجرٍ: كذا بإثبات: «لنا» للأَصيليِّ وكريمة وأبي ذرٍّ، وفي رواية النَّسفيِّ وآخرين: «وقال مسلمٌ» بدون لفظة: «لنا»: (حَدَّثَنَا أَبَانُ) بن يزيد العطَّار قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة قال: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) لم يسق متن هذا السَّند؛ لأنَّ غرضه منه التَّصريح بالتَّحديث من (٥) قتادة عن أنسٍ، وقد أخرجه مسلمٌ عن عَبْدِ (٦) بن حُمَيدٍ عن مسلم بن إبراهيم المذكور بلفظ: أنَّ نبيَّ الله (٧) ﷺ

стр. 4942

رأى نخلًا لأمِّ مُبَشِّرٍ (١) -امرأة من الأنصار- فقال: «من غرس هذا النَّخل أمسلمٌ أم كافرٌ؟» قالوا: مسلمٌ. بنحو حديثهم كذا عند مسلمٍ، فأحال به على ما قبله، وقد بيَّنه أبو نُعيمٍ في «المستخرج» من وجهٍ آخر عن مسلم بن إبراهيم، وباقيه: «لا يغرس مسلمٌ غرسًا، فيأكل (٢) منه إنسانٌ أو طيرٌ أو دابَّةٌ إلَّا كان له صدقةً»، وقد أخرج مسلمٌ هذا الحديث من طرقٍ عن جابرٍ. قال في بعضها: «فيأكل (٣) منه سَبُعٌ أو طائرٌ أو شيءٌ إلَّا كان له فيه أجرٌ» (٤)، وفي أخرى: «فيأكل منه إنسانٌ ولا دابَّةٌ ولا طيرٌ (٥)، إلَّا كان له صدقةً إلى يوم القيامة»، ومقتضاه: أنَّ ثواب ذلك مستمرٌّ ما دام الغرس أو الزَّرع مأكولًا منه، ولو مات غارسه أو زارعه، ولو انتقل ملكه إلى غيره، قال ابن العربيِّ: في سعة كرم الله أن يثيب على ما بعد الحياة كما كان يثيب ذلك في الحياة، وذلك في ستَّةٍ: صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له، أو غرسٍ، أو زرعٍ، أو رباطٍ (٦)، فللمرابط ثواب عمله إلى يوم القيامة. انتهى. ونقل الطِّيبيُّ عن محيي السُّنّة: أنَّه روى: أنَّ رجلًا مرَّ بأبي الدَّرداء وهو يغرس جوزةً، فقال: أتغرس هذه وأنت شيخٌ كبيرٌ؟ وهذه لا تطعم إلَّا في كذا وكذا عامًا. قال: ما عليَّ أن يكون لي أجرها ويأكل منها غيري. قال: وذكر أبو الوفاء البغداديُّ أنَّه مرَّ أنوشروان على رجلٍ يغرس شجر الزَّيتون، فقال له: ليس هذا أوان غرسك الزَّيتون، وهو شجرٌ

стр. 4943

بطيء الإثمار، فأجابه: غَرَسَ مَنْ قبلنا فأكلنا، ونغرس ليأكل من بعدنا، فقال أنوشروان: زِهْ، أي: أحسنت، وكان إذا قال: زِهْ؛ يعطي من قيلت له أربعة آلاف درهمٍ، فقال: أيُّها الملك كيف تعجب من شجري وإبطاء ثمره؟ فما أسرع ما أثمر؟ فقال: زِهْ، فزِيد أربعة آلاف درهمٍ أخرى، فقال: كلُّ شجرٍ يثمر في العام مرَّةً، وقد أثمرت شجرتي في ساعةٍ مرَّتين، فقال: زِهْ، فزِيدَ مثلها، فمضى أنوشروان فقال: إن وقفنا عليه؛ لم يكفه ما في خزائننا، ثمَّ إنَّ حصول هذه الصَّدقة المذكورة يتناول حتَّى مَنْ غرسه لعياله أو لنفقته؛ لأنَّ الإنسان يُثاب على ما سُرِق له وإن لم ينوِ ثوابه، ولا يختصُّ حصول ذلك بمن يباشر الغراس أو الزِّراعة، بل يتناول من استأجر لعمل ذلك، والصَّدقة حاصلةٌ حتَّى فيما عجز عن جمعه؛ كالسُّنبل المعجوز عنه بالحصيدة، فيأكل منه حيوانٌ، فإنَّه مندرجٌ تحت مدلول الحديث، واستُدلَّ به: على أنَّ الزِّراعة أفضل المكاسب، وقال به كثيرون، وقيل: الكسب باليد، وقيل: التِّجارة، وقد يُقال: كسب اليد أفضل من حيث الحلُّ، والزَّرع من حيث عموم الانتفاع، وحينئذٍ فينبغي أن يختلف ذلك باختلاف الحال، فحيث احتيج إلى الأقوات أكثر تكون الزِّراعة أفضل للتَّوسعة على النَّاس، وحيث احتيج إلى المتجر لانقطاع الطُّرق تكون التِّجارة أفضل، وحيث احتيج إلى الصَّنائع تكون أفضلَ، والله أعلم. وهذا الحديث أخرجه المصنِّف أيضًا في «الأدب» [خ¦٦٠١٢]، والتِّرمذيُّ في «الأحكام». (٢) (باب) بيان (مَا يُحْذَرُ مِنْ عَوَاقِبِ الِاشْتِغَالِ بِآلَةِ الزَّرْعِ) «يُحْذَر» بضمِّ أوَّله وسكون ثانيه وفتح ثالثه مُخفَّفًا، ولأبي ذرٍّ: «يُحذَّر» بالتَّشديد (أَوْ مُجَاوَزَةِ الحَدِّ) قال الحافظ ابن حجرٍ: كذا للأَصيليِّ وكريمة ولابن شبُّويه: «أو يجاوز» بالمُثنَّاة التَّحتيَّة بدل الميم، ولأبي ذرٍّ والنَّسفيِّ: «جاوز الحدَّ» وفي روايةٍ بالفرع: «أو جاز الحدَّ» (١) (الَّذِي أُمِرَ بِهِ) سواءٌ كان واجبًا أو مندوبًا.

стр. 4944

٢٣٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَالِمٍ الحِمْصِيُّ) أبو يوسف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الأَلْهَانِيُّ) بفتح الهمزة وسكون اللَّام بعدها هاءٌ فألفٌ فنونٌ فياء نسبٍ (١)، أبو سفيان الحمصيُّ (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ) أنَّه (قَالَ: وَ) الحال أنَّه (رَأَى سِكَّةً) بكسر السِّين المهملة وتشديد الكاف المفتوحة: الحديدة التي تُحرَث (٢) بها الأرض (وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ الحَرْثِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «سمعت رسول الله» (¬ ﷺ يَقُولُ: لَا يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ) يعملون بها بأنفسهم (إِلَّا أُدْخِلَهُ الذُّلُّ) بضمِّ الهمزة وكسر الخاء المعجمة مبنيًّا للمفعول، و «الذُّلُّ»: رُفِع نائبٌ عن الفاعل، فلو كان لهم مَن يعمل لهم وأُدخِلت الآلة المذكورة (٣) دارهم (٤) للحفظ فليس مرادًا (٥)، أو هو على عمومه، فإنَّ الذُّلَّ (٦) داخلٌ (٧) شاملٌ لكلِّ من أدخل على نفسه ما يستلزم مطالبة آخر له، ولا سيَّما إذا كان المُطالِب من ظَلَمة الولاة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «إلَّا أَدخَله الله» بفتح الهمزة والخاء مبنيًّا للفاعل، «الذُّلَّ»: مفعولٌ للاسم الكريم، وله عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «إلَّا دَخَلَهُ الذُّلُّ» بإسقاط الهمزة وحذف الجلالة، و «الذُّلُّ» رُفِعَ، وفي «مستخرج أبي نُعيمٍ»: «إلَّا أدخلوا على أنفسهم ذلًّا لا يخرج عنهم إلى يوم القيامة» أي: لِما يلزمهم من حقوق الأرض التي يزرعونها ويطالبهم بها الولاة، بل ويأخذون منهم الآن فوق ما عليهم بالضَّرب والحبس، بل ويجعلونهم كالعبيد أو أسوأ من العبيد، فإن مات أحدٌ منهم أخذوا ولده عوضه بالغصب

стр. 4945

والظُّلم، وربَّما أخذوا الكثير من ميراثه ويحرمون ورثته، بل ربَّما أخذوا من ببلد الزُّرَّاع (١) فجعلوه زرَّاعًا، وربَّما أخذوا ماله كما شاهدنا (٢) فلا حول ولا قوَّة إلَّا بالله، وكان العمل في الأراضي أوَّل ما افتُتِحت (٣) على أهل الذِّمَّة، فكان الصَّحابة يكرهون تعاطي ذلك، قال في «فتح الباري»: وقد أشار البخاريُّ بالتَّرجمة إلى الجمع بين حديث أبي أمامة، والحديث السَّابق في فضل الزَّرع والغرس [خ¦٢٣٢٠] وذلك بأحد أمرين: إمَّا أن يحمل ما ورد من الذَّمِّ على عاقبة ذلك، ومحلُّه إذا اشتغل به فضيَّع بسببه ما أُمِر بحفظه، وإمَّا أن يُحمَل على ما إذا لم يضيِّع إلَّا أنَّه جاوز الحدَّ فيه. (قَالَ مُحَمَّدٌ) هو ابن زيادٍ الرَّاوي: (وَاسْمُ أَبِي أُمَامَةَ) الباهليِّ المذكور (صُدَيُّ بْنُ عَجْلَانَ) بفتح العين المهملة وسكون الجيم وبعد اللَّام ألفٌ ونونٌ، و «صُدَيٌّ» بضمِّ الصَّاد وفتح الدَّال المهملتين آخره تحتيَّةٌ مُشدَّدةٌ، آخر من مات بالشَّام من الصَّحابة، وليس له في «البخاريِّ» سوى هذا الحديث، وآخرين في «الأطعمة» [خ¦٥٤٥٨] و «الجهاد» [خ¦٢٩٠٩] وهو ثابتٌ هنا في بعض النُّسخ وعليه شرح العينيِّ، وهو في هامش (٤) «اليونينيَّة» بإزاء قوله في السَّند: «عن أبي أمامة» من غير إشارةٍ لمحلِّه (٥) مرقومٌ عليه علامة أبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ. وفي بعض (٦) النُّسخ -وعزاه في «الفتح» وتبعه العينيُّ للمُستملي-: «قال أبو عبد الله»، أي: البخاريُّ بدل قوله: «قال محمَّدٌ»، وهذا الحديث من أفراد البخاريِّ. (٣) (باب اقْتِنَاءِ الكَلْبِ) بالقاف، أي: اتِّخاذه (لِلْحَرْثِ).

стр. 4946

٢٣٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء، أبو زيدٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا فَإِنَّهُ يَنْقُصُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ) أجر (عَمَلِهِ قِيرَاطٌ) وعند مسلمٍ: «فإنَّه يَنْقُصُ من أجره كلَّ يومٍ قيراطان»، والحكم للزَّائد؛ لأنَّه حفظ ما لم يحفظه (١) الآخر، أو أنَّه ﷺ أخبر أوَّلًا بنقص قيراطٍ واحدٍ، فسمعه الرَّاوي الأوَّل، ثمَّ أخبر ثانيًا بنقص قيراطين زيادة في التَّأكيد للتَّنفير (٢) من (٣) ذلك فسمعه الثَّاني، أو يُنزَّل على حالين، فنقص القيراطين باعتبار كثرة الأضرار باتِّخاذها، ونقص الواحد باعتبار قلَّته، وقد حكى الرُّويانيُّ في «البحر» اختلافًا في الأجر: هل ينقص من العمل الماضي أو المستقبل، وفي محلِّ نقصان القيراطين، فقيل: من عمل النَّهار قيراطٌ، ومن عمل اللَّيل آخر، وقيل: من الفرض قيراطٌ، ومن النَّفل آخر، والقيراط هنا: مقدارٌ معلومٌ عند الله تعالى، والمراد: نقص جزءٍ أو جزأين من أجزاء عمله، وهل إذا تعدَّدت الكلاب تتعدَّد القراريط؟ وسبب النَّقص امتناع الملائكة من دخول بيته، أو لما يلحق المارِّين (٤) من الأذى، أو ذلك عقوبةً لهم لاتِّخاذهم ما نُهيَ

стр. 4947

عن اتِّخاذه، أو لأنَّ بعضها شياطين، أو لولوغها في الأواني عند غفلة صاحبها (إِلَّا كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ) فيجوز، و «أو» للتَّنويع لا للتَّرديد، والأصحُّ عند الشَّافعيَّة إباحة اتِّخاذ الكلاب لحفظ الدُّور والدُّروب (١) قياسًا على المنصوص بما في معناه، واستدلَّ المالكيَّة بجواز اتِّخاذها على طهارتها؛ فإنَّ ملابستها (٢) مع الاحتراز عن مسِّ شيءٍ منها أمرٌ (٣) شاقٌّ، والإذن في الشَّيء إذنٌ في مكمِّلات مقصوده؛ كما أنَّ في (٤) المنع من لوازمه مناسبةً (٥) للمنع منه، وأُجيب بعموم الخبر الوارد في الأمر من غسل ما ولغ فيه الكلب من غير تفصيلٍ، وتخصيص العموم غير مستنكرٍ إذا سوَّغه الدَّليل. (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (ابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ ممَّا تتَّبعه الحافظ ابن حجرٍ، فلم يجده موصولًا (وَأَبُو صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات، ممَّا وصله أبو الشَّيخ الأصبهانيُّ في كتابه «التَّرغيب» (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : إِلَّا كَلْبَ غَنَمٍ أَوْ) كلب (حَرْثٍ أَوْ) كلب (صَيْدٍ) فزاد: «أو صيدٍ» (وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، سلْمان -بسكون اللَّام- الأشجعيُّ ممَّا وصله أبو الشَّيخ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (٦): كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ) كلب (٧) (مَاشِيَةٍ) فأسقط «كلب الحرث» ولأبي ذرٍّ بالتَّقديم والتَّأخير (٨).

стр. 4948

٢٣٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ يَزِيدَ ابْنِ خُصَيْفَةَ) بضمِّ الخاء المعجمة وفتح (١) الصَّاد المهملة، مُصغَّرًا، نسبه لجدِّه، واسم أبيه عبد الله (أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ) من الزِّيادة -كالسَّابق- الكنديَّ، صحابيٌّ صغيرٌ حُجَّ به في حجَّة الوداع وهو ابن سبع سنين، وولَّاه عمر سوق المدينة، وهو آخر من مات بها من الصَّحابة (حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيْرٍ) بضمِّ الزَّاي مُصغَّرًا (رَجُلًا) بالنَّصب، قال العينيُّ: بتقدير: «أعني» أو «أخصُّ»، ولأبي ذرٍّ: «رجلٌ» بالرَّفع (٢)، خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هو رجلٌ (مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ) بفتح الهمزة وسكون الزَّاي، و «شَنُوءَة»: بفتح الشِّين المعجمة وبعد النُّون المضمومة همزةٌ مفتوحةٌ (وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (٣) ﷺ يَقُولُ: مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا) وهذا مطابقٌ للتَّرجمة، مفسِّرٌ لقوله في الحديث السَّابق: «من أمسك كلبًا» [خ¦٢٣٢٢] (لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا وَلَا ضَرْعًا) كنايةً عن الماشية (نَقَصَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ) ثواب (عَمَلِهِ قِيرَاطٌ) قال السَّائب بن يزيد: (قُلْتُ) لسفيان بن أبي زهيرٍ للتَّثبُّت في الحديث: (أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا) الذي قلته (مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: إِي) سمعته منه ﷺ (وَرَبِّ هَذَا المَسْجِدِ) أَقْسَمَ للتَّاكيد. وفي هذا الحديث صحابيٌّ عن صحابيٍّ (٤)، وأخرجه مسلمٌ في «البيوع»، والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الصَّيد». (٤) (باب اسْتِعْمَالِ البَقَرِ لِلْحِرَاثَةِ).

стр. 4949

٢٣٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالمُوحَّدة والشِّين المعجمة المُشدَّدة المفتوحتين، العبديُّ البصريُّ أبو بكرٍ بندارٌ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هو محمَّد بن جعفرٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَعْدٍ) بسكون العين، ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريِّ» قاضي المدينة، أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن الزُّهريَّ المدنيَّ، أحد الأعلام، يُقال: اسمه: عبد الله، ويُقال: إسماعيل، وهو عمُّ سعد بن إبراهيم السَّابق (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (رَاكِبٌ عَلَى بَقَرَةٍ) وجواب «بينما» قوله: (التَفَتَتْ إِلَيْهِ) أي: البقرة، وزاد في «المناقب» في «فضل أبي بكرٍ» من طريق أبي اليمان [خ¦٣٦٦٣]: فتكلَّمت (فَقَالَتْ: لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا) أي: للرُّكوب بقرينة قوله: «راكبٌ» (خُلِقْتُ لِلْحِرَاثَةِ) وفي «ذكر بني إسرائيل» من طريق عليٍّ عن (١) سفيان [خ¦٣٤٧١]: «بينا رجلٌ يسوق بقرةً إذ ركبها فضربها فقالت: إنَّا لم نُخلَق لهذا، إنَّما خُلِقنا للحرث»، فقال النَّاس: سبحان الله! بقرةٌ تتكلَّم؟! (قَالَ) النَّبيُّ ﷺ : (آمَنْتُ بِهِ) أي: بنطق البقرة، وفي «ذكر بني إسرائيل» [خ¦٣٤٧١]: «فإنِّي أومن بهذا» والفاء فيه جزاء (٢) شرطٍ محذوفٍ، أي: فإذا كان النَّاس يستغربونه ويعجبون منه؛ فإنِّي لا أستغربه وأؤمن به (أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) فإن قلت: ما فائدة ذكر «أنا» وعطف ما بعده عليه، وهلَّا عطف على المستتر في «أؤمن» مستغنيًا عنه بالجارِّ والمجرور؟ أجيب بأنَّه لو لم يذكر «أنا» لاحتمل أن يكون «وأبو بكرٍ» عطفًا على محلِّ «إنَّ» واسمها والخبر محذوفٌ، فلا يدخل في معنى التَّأكيد، وتكون هذه الجملة واردةً على التَّبعيَّة ولا كذلك في هذه الصُّورة، قاله (٣) في «شرح

стр. 4950

المشكاة». واستدلَّ بقوله (١): «إنَّما خُلِقت للحراثة (٢)» على أنَّ الدَّوابَّ لا تُستعمَل إلَّا فيما جرت به العادة باستعمالها فيه، ويحتمل أن يكون قولها: «إنَّما خُلِقت للحرث (٣)» إشارةً (٤) إلى تعظيم ما خُلِقت له، ولم ترِد الحصر في ذلك لأنَّه غير مرادٍ اتِّفاقًا؛ لأنَّ من جملة ما خُلِقت له أنَّها (٥) تُذبَح وتُؤكَل بالاتِّفاق، قال ابن بطَّالٍ: في هذا الحديث حجَّةٌ على من منع أكل الخيل مستدلًّا بقوله تعالى: ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾ [النحل: ٨] فإنَّه لو كان ذلك دالًّا على منع أكلها لَدَلَّ هذا الخبر على منع أكل البقر؛ لقوله في الحديث: «إنَّما خُلِقت للحرث»، وقد اتَّفقوا على جواز أكلها، فدلَّ على أنَّ المراد بالعموم المستفاد من صيغة «إنَّما» في قولها (٦): «إنَّما خُلِقت للحرث»: عمومٌ مخصوصٌ. (وَأَخَذَ الذِّئْبُ شَاةً) هو معطوفٌ على الخبر الذي قبله (٧) بالإسناد المذكور (فَتَبِعَهَا) أي: الشَّاة (الرَّاعِي) لم يُسَمَّ، وإيراد المصنِّف للحديث في «ذكر بني إسرائيل» [خ¦٣٤٧١] فيه إشعارٌ بأنَّه عنده ممَّن كان قبل الإسلام، نعم وقع كلام الذِّئب لأهبان بن أوسٍ كما عند أبي نُعيمٍ في «الدَّلائل» (فَقَالَ الذِّئْبُ) ولأبي ذرٍّ: «فقال له الذئب»، وفي «ذكر بني إسرائيل» [خ¦٣٤٧١]: وبينما رجلٌ في غنمه إذ عدا الذِّئب فذهب منها بشاةٍ، فَطَلَب (٨) حتَّى كأنَّه استنقذها منه، فقال له الذِّئب: هذا استنقذتها منِّي، واستُشكِل هذا التَّركيب، وخرَّجه ابن مالكٍ في «التَّوضيح» على ثلاثة أوجهٍ، أحدها: أن يكون منادًى محذوفًا منه حرف النِّداء، واعترضه البدر الدَّمامينيُّ: بأنَّه ممنوعٌ أو قليلٌ. الثَّاني: أن يكون في موضع نصبٍ على الظَّرفيَّة مشارًا به إلى اليوم، أي: هذا

стр. 4951

اليوم استنقذتها منِّي. الثَّالث: في موضع نصبٍ على المصدريَّة، أي: هذا الاستنقاذ استنقذتها منِّي، وقد وهم الزَّركشيُّ في «التَّنقيح»، وتبعه البدر الدَّمامينيُّ في «المصابيح»، والبرماويُّ في «اللَّامع الصَّبيح (١)»، فذكروا هذه الكلمة المستشكلة (٢) في رواية هذا الباب ناقلين ما ذكرته عن ابن مالكٍ في توجيهها، وليس لها ذكرٌ في هذا الباب أصلًا، والله أعلم. ولفظ رواية الحديث المذكور في «المناقب» [خ¦٣٦٦٣]: «بينما راعٍ في غنمه عدا عليه الذِّئب، فأخذ منها شاةً، فطلبه الرَّاعي، فالتفت إليه الذِّئب فقال»: (مَنْ لَهَا) أي: للشَّاة (يَوْمَ السَّبَُْعِ) بضمِّ الموحَّدة ويجوز فتحها وسكونها: المفترس من الحيوان، وجمعه: أسبعٍ وسباعٍ، كما في «القاموس» (يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي؟) أي: إذا أخذها السَّبُع لم تقدر على خلاصها منه، فلا يرعاها حينئذٍ غيري، أي: إنَّك تهرب منه وأكون أنا قريبًا منه أراعي ما يفضل لي منها، أو أراد: من لها عند الفتن حين تُترَك بلا راعٍ نهبةً للسِّباع، فجعل السَّبُع لها راعيًا إذ هو منفردٌ بها، أو أراد (٣): يوم أكلي لها يُقال: سَبَعَ الذِّئبُ الغنمَ، أي: أكلها، وقال ابن العربيِّ: هو بالإسكان، والضَّمِّ تصحيفٌ، وقال ابن الجوزيِّ: هو بالسُّكون، والمحدِّثون يروونه بالضَّمِّ، وقال في «القاموس»: والسَّبْع -أي: بسكون المُوحَّدة-: الموضع الذي يكون فيه الحشر، أي: من لها يوم القيامة، ويعكِّر (٤) على هذا قول الذِّئب: لا راعي لها غيري، والذِّئب لا يكون راعيًا يوم القيامة، أو يوم السَّبْع عيدٌ لهم في الجاهليَّة، كانوا يشتغلون فيه بلهوهم عن كلِّ شيءٍ، قال: ورُوِي: بضمِّ الباء. انتهى. أي: يغفل الرَّاعي عن غنمه (٥) فيتمكَّن الذِّئب منها، وإنَّما قال: «ليس لها راعٍ غيري» مبالغةً في تمكُّنه منها.

стр. 4952

(قَالَ) ﷺ لمَّا تعجَّب النَّاس حيث قالوا: سبحان الله، ذئبٌ يتكلَّم كما في «ذكر (١) بني إسرائيل» [خ¦٣٤٧١]: (آمَنْتُ بِهِ) أي: بتكلُّم الذِّئب (أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ) أي: ابن عبد الرَّحمن الرَّاوي بالسَّند المذكور: (ومَا هُمَا) أي: العمران (يَوْمَئِذٍ فِي القَوْمِ) أي: لم يكونا حاضرين، فيحتمل أن يكون أُهبان-على تقدير أن يكون هو صاحب القصَّة- لمَّا أَخْبَرَ النَّبيَّ ﷺ بذلك كان العمران حاضرين فصدَّقاه، ثمَّ أَخْبَرَ النَّبيُّ ﷺ النَّاس بذلك وهما غائبان (٢)، فلذا قال ﵊: «فإنِّي أؤمن بذلك وأبو بكرٍ وعمر»، أو أَطْلَقَ ذلك لِما اطَّلع عليه من أنَّهما يصدِّقان بذلك إذا سمعاه، ولا يتردَّدان فيه كغيره من قواعد العقائد، وقال التُّوربشتيُّ: إنَّما أراد ﵊ تخصيصهما بالتَّصديق الذي بلغ عين اليقين، وكُوشِف صاحبه بالحقيقة التي ليس وراءها للتَّعجُّب مجالٌ. انتهى. ونطق البقر والذِّئب جائزٌ عقلًا، أعني: النُّطق اللَّفظيَّ والنَّفسيَّ معًا، غير أنَّ النَّفسيَّ يُشترَط (٣) فيه العقل، وخلقه في البقرة (٤) والذِّئب جائزٌ، وكلُّ جائزٍ أخبر به صاحب المعجزة أنَّه واقعٌ عَلِمْنا عقلًا أنَّه واقعٌ، ولا يُحمَل توقُّف المتوقِّفين على أنَّهم شكُّوا في الصِّدق، ولكن استبعدوه استبعادًا عاديًّا، ولم يعلموا علمًا مكينًا (٥) أنَّ خرق العادة في زمن النُّبوَّات يكاد (٦) يكون عادةً، فلا عجب إذًا. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المناقب» [خ¦٣٦٦٣] وفي «بني إسرائيل» [خ¦٣٤٧١] ومسلمٌ (٧) في «الفضائل»، والتِّرمذيُّ في «المناقب» مُقطَّعًا (٨). (٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا قَالَ) صاحب النَّخل لغيره: (اكْفِنِي مَؤونَةَ النَّخْلِ) أي: العمل فيه

стр. 4953

من السقي والقيام عليه بما يتعلَّق به (أَوْ) مؤونة (غَيْرِهِ) كالعنب، ولأبي ذرٍّ وغيره بإسقاط الألف (وَتُشْرِكُنِي) بضمِّ أوَّله وكسر ثالثه، مضارع «أشرك»، ويجوز فتحهما مضارع «شرك»، وكلاهما في الفرع وأصله (١)، ويجوز الرَّفع خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: وأنت تشركني، والواو للحال، والنَّصب بتقدير «أن» بعد الواو (فِي الثَّمَرِ) الذي يحصل من النَّخل أو الكرم جاز هذا القول. ٢٣٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ) هو أبو اليمان الحمصيُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو (٢) ابن أبي حمزة الحمصيُّ، اسم أبيه دينارٌ، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَتِ الأَنْصَارُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ¬) حين قدم المدينة: يا رسول الله (اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا) المهاجرين (النَّخِيلَ) بكسر الخاء ثمَّ تحتيَّةٍ ساكنةٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ (٣): «النَّخْل» بسكون الخاء، والنَّخيل جمع نخلٍ، كالعبيد جمع عبدٍ، وهو جمعٌ نادرٌ (قَالَ) ﷺ : (لَا) أَقْسِم، وإنَّما أبى ذلك؛ لأنَّه علم أنَّ الفتوح ستُفتَح عليهم، فكره أن يخرج عنهم شيئًا من رقبة نخيلهم التي بها قوام أمرهم شفقةً عليهم، فلمَّا فهم الأنصار ذلك جمعوا بين المصلحتين امتثال ما أمرهم به ﵊، وتعجيل مواساة إخوانهم المهاجرين (فَقَالُوا) أي: الأنصار للمهاجرين: أيُّها المهاجرون (تَكْفُونَا المَؤُونَةَ) في النَّخل بتعهُّده بالسَّقي والتَّربية (وَنَشْرَكَكُمْ)

стр. 4954

بفتح أوَّله وثالثه، قال ابن حجرٍ: «حَسِبَ» (١)، والذي في الفرع وأصله (٢) بالوجهين كالسَّابق (فِي الثَّمَرَةِ) أي: ويكون المتحصِّل من الثَّمرة مشتركًا بيننا وبينكم، وهذه عين المساقاة، لكن لم يبيِّنوا مقدار الأنصباء التي وقعت، والمُقرَّر أنَّ الشَّركة إذا أُبهِمت ولم يكن فيها جزءٌ معلومٌ كانت نصفين، أو كان نصيب العامل في المساقاة معلومًا بالعُرف المنضبط، فتركوا النَّصَّ عليه اعتمادًا على ذلك العُرف، وقد أخرج المؤلِّف هذا الحديث بهذا السَّند بلفظ [خ¦٢٧١٩]: اقسم بيننا وبين إخواننا النَّخيل، قال: «لا»، فقال (٣): «تَكْفُوننا المَؤُونة ونُشْرِكُكُم في الثَّمرة»، قال البيضاويُّ: وهو خبرٌ في معنى الأمر، أي: اكفونا تعب القيام بتأبير النَّخل وسقيها، وما يتوقَّف عليه إصلاحها (٤) (قَالُوا) أي: الأنصار والمهاجرون كلُّهم: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) أي: امتثلنا أمر النَّبيِّ ﷺ فيما أشار إليه، قاله العينيُّ. وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في «الشُّروط» [خ¦٢٧١٩]، وكذا النَّسائيُّ. (٦) (باب) حكم (قَطْعِ الشَّجَرِ وَالنَّخْلِ) بسكون الخاء، للحاجة والمصلحة؛ كإنكاء العدوِّ (٥)

стр. 4955

(وَقَالَ أَنَسٌ) ممَّا وصله في «باب نبش قبور الجاهليَّة في المساجد» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٤٢٨٠]: (أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ) وفيه: الجواز للحاجة. ٢٣٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) بن أسماء (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن عمر (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ) بفتح النُّون وكسر الضَّاد المعجمة، قومٌ من اليهود (وَقَطَعَ) شجرها (١) (وَهْيَ البُوَيْرَةُ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الواو وسكون التَّحتيَّة وبالرَّاء: موضعٌ معروفٌ من بلد بني النَّضير (وَلَهَا) للبُوَيرة (يَقُولُ حَسَّانُ) بدون الصَّرف، على أنَّه من الحسِّ بغير نونٍ، وبالصَّرف على أنَّه من الحسن بالنُّون، وهو ابن ثابتٍ الخزرجيُّ الأنصاريُّ: (وَهَانَ) بالواو، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لَهان» باللَّام، وللقابسيِّ فيما ذكره العينيُّ: «هان» فيكون فيه العضب (٢) بالمعجمة، وهو خرم «مفاعلتن» (٣) (عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ) بضمِّ اللَّام وبعدها همزةٌ مفتوحةٌ فتحتيَّةٌ مُشدَّدةٌ: أكابر قريشٍ، و «سَراة»: بفتح السِّين المهملة، قال الجوهريُّ: جمع السَّرِيِّ، وهو جمعٌ عزيزٌ أن يُجمَع «فَعِيلٌ» على «فَعَلَةٍ»، ولا يُعرَف غيره، وجمع السَّراة: سَرَواتٌ، وقد شدَّد السُّهيليُّ في «الرَّوض الأنف» النَّكير في هذه المسألة على النُّحاة، وقال: لا ينبغي أن يُقال في سَرَاة القوم: إنَّه جمعُ سَرِيٍّ، لا على القياس، ولا على غير القياس (٤)، وإنَّما هو مثل: كاهل القوم وسنامهم،

стр. 4956

والعجب كيف خفي هذا على النَّحويِّين حتَّى قلَّد الخالفُ منهم السَّالفَ، وساق فيه كلامًا طويلًا حاصله: أنَّ السَّرَاة مفردٌ لا جمعٌ، واستدلَّ عليه بما تقف عليه من كلامه (حَرِيقٌ بِالبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرٌ) أي: منتشرٌ، ولمَّا أنشد حسَّان هذا أجابه أبو (١) سفيان بن الحارث بقوله (٢): أدام اللهُ ذلكَ من صنيعٍ … وحرَّق في نواحيها السَّعيرُ وفي ذلك نزلت ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً (٣)﴾ … الآية (٤) [الحشر: ٥] وإنَّما قال حسَّان ذلك؛ لأنَّ قريشًا هم الذين حملوا كعب بن أسدٍ صاحب عقد بني قريظة على نقض العهد بينه وبين رسول الله ﷺ حتَّى خرج معهم إلى الخندق، وقيل: إنَّما قطع النَّخل لأنَّها كانت تقابل القوم فقطعت، ليبرز مكانها فتكون مجالًا للحرب. (٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين بغير ترجمةٍ. ٢٣٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «ابن مقاتلٍ» قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ (عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ الأَنْصَارِيِّ) الزُّرقيِّ، أنَّه (سَمِعَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ) بفتح الخاء المعجمة آخره جيمٌ، الأنصاريَّ (٥) (قَالَ: كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ

стр. 4957

المَدِينَةِ مُزْدَرَعًا) (١) هو مكان الزَّرع، أو مصدرٌ، أي: كنَّا أكثر أهل المدينة زرعًا، ونصبه على التَّمييز، وأصله: مُزترَعًا، فأُبدِلت التَّاء دالًا؛ لأنَّ مخرج التَّاء لا يوافق الزَّاي لشدَّتها (كُنَّا نُكْرِي الأَرْضَ) بضمِّ النُّون من الإكراء (بِالنَّاحِيَةِ مِنْهَا مُسَمًّى) القياس مُسمَّاةً لأنَّه حالٌ من «النَّاحية»، ولكنَّه ذكَّره باعتبار أنَّ ناحية الشَّيء بعضه، أو باعتبار الزَّرع (لِسَيِّدِ الأَرْضِ) أي: مالكها تنزيلًا لها منزلة العبد، وأطلق السَّيِّد عليه (قَالَ) رافع بن خديجٍ: (فَمِمَّا) أي: كثيرًا مّا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فمهما» (يُصَابُ ذَلِكَ) البعض، أي: تقع له (٢) مصيبةٌ ويتلف ذلك (وَتَسْلَمُ الأَرْضُ) أي: باقيها (وَمِمَّا يُصَابُ الأَرْضُ وَيَسْلَمُ ذَلِكَ) البعض، قال في «المصابيح»: الظَّاهر تخريج «فممَّا» على أنَّها بمعنى: «ربَّما» على ما ذهب إليه السِّيرافيُّ وابنا طاهرٍ وخروفٍ والأعلم، وخرَّجوا عليه قول سيبويه: واعلم أنَّهم ممَّا يحذفون كذا. انتهى. ولأبي ذرٍّ: «ومهما» كالأوَّل (٣)، والأولى أولى؛ لأنَّ «مهما» تُستعمَل لأحد معانٍ ثلاثةٍ، أحدها: تضمُّن معنى الشَّرط فيما لا يعقل غير الزَّمان، والثَّاني: الزَّمان والشَّرط، وأنكر الزَّمخشريُّ ذلك، والثَّالث: الاستفهام ولا يناسب «مهما» إلَّا بالتَّعسُّف. (فَنُهِينَا) عن هذا الإكراء على هذا الوجه؛ لأنَّه موجبٌ لحرمان أحد الطَّرفين فيؤدِّي إلى الأكل بالباطل (وَأَمَّا الذَّهَبُ وَالوَرِقُ) بكسر الرَّاء، وللأَصيليِّ: «والفضَّة» (فَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ) يُكرى بهما، ولم يرد نفي وجودهما، وهذا الباب بمنزلة الفصل من السَّابق، لكن استشكل إدخال الحديث فيه حتَّى قيل: إنَّه وُضِع في غير موضعه من النَّاسخ، وأُجيب بأنَّ وجه دخوله من حيث إنَّ من اكترى أرضًا لمدَّةٍ فله أن يزرع ويغرس فيها ما شاء (٤)، فإذا تمَّت المدَّة فلصاحب الأرض طلبه بقلعهما، فهو من إباحة قطع الشَّجر، وهذا كافٍ في المطابقة، وفيه أنَّ

стр. 4958

كراء الأرض بجزءٍ ممَّا يخرج منها منهيٌّ عنه، وهو مذهب أبي حنيفة ومالكٍ والشَّافعيِّ. وفي هذا الحديث رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن الصَّحابيِّ (١)، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «المزارعة» [خ¦٢٣٤٦] [خ¦٢٣٤٧] و «الشُّروط» [خ¦٢٧٢٢]، ومسلمٌ في «البيوع» وكذا أبو داود، وأخرجه النَّسائيُّ في «المزارعة»، وابن ماجه في «الأحكام». (٨) (باب المُزَارَعَةِ بِالشَّطْرِ) وهو (٢) النِّصف (وَنَحْوِهِ، وَقَالَ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ) هو ابن الجدليِّ الكوفيُّ، ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق: (عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ) محمَّد بن عليِّ بن الحسين، الباقر، أنَّه (قَالَ: مَا بِالمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ) أي: مهاجريٍّ (إِلَّا يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ) الواو بمعنى: «أو»، وقوله في «الفتح»: -عاطفةٌ على الفعل لا على المجرور، أي: يزرعون على الثُّلث ويزرعون على الرُّبع- تعقَّبه في «عمدة القاري» بأنَّه لا يُقال: الحرف يُعطَف على الفعل،

стр. 4959

وإنَّما الواو بمعنى: «أو»، فإذا أبقيناها على أصلها يكون فيه حذفٌ تقديره: وإلَّا يزرعون على الرُّبع، ولا يضرُّ تفرُّد قيسٍ الكوفيِّ بروايته هذا عن أبي جعفر المدنيِّ (١) عن المدنيِّين الرَّاوين عنه، فإنَّ انفراد الثِّقة الحافظ غير مؤثِّرٍ على أنَّه لم ينفرد به، فقد وافقه غيره في بعض معناه كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- قريبًا (وَزَارَعَ عَلِيٌّ) هو ابن أبي طالبٍ، فيما وصله ابن أبي شيبة من طريق عمرو بن صُلَيعٍ عنه (وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ) وهو سعد بن أبي وقَّاصٍ (وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ) فيما وصله عنهما ابن أبي شيبة أيضًا من طريق موسى بن طلحة (وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) فيما وصله أيضًا ابن أبي شيبة من طريق خالدٍ الحذَّاء (وَالقَاسِمُ) بن محمَّدٍ فيما وصله عبد الرَّزَّاق (وَعُرْوَةُ بن الزُّبَيْر) فيما وصله ابن أبي شيبة أيضًا (وَآلُ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (وَآلُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (وَآلُ عَلِيٍّ) ابن أبي طالبٍ فيما وصله ابن أبي شيبة أيضًا، وآلُ الرَّجل: أهلُ بيته (وَابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ، فيما وصله سعيد بن منصورٍ. (وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ) بن يزيد النَّخعيُّ، أبو بكرٍ الكوفيُّ، فيما وصله ابن أبي شيبة: (كُنْتُ أُشَارِكُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ) بن قيسٍ، النَّخعيَّ الكوفيَّ، وهو أخو الأسود بن يزيد وابن أخي علقمة بن قيسٍ (فِي الزَّرْعِ) زاد ابن أبي شيبة فيه: وأحمله إلى علقمة والأسود (٢)، فلو رَأَيَا به بأسًا لَنَهَيَانِي عنه (وَعَامَلَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (النَّاسَ عَلَى إِنْ جَاءَ) بكسر الهمزة (عُمَرُ بِالبَذْرِ) بالذَّال المعجمة (مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشَّطْرُ، وَإِنْ جَاؤُوْا بِالبَذْرِ) من عندهم (فَلَهُمْ كَذَا) وهذا وصله ابن أبي شيبة، عن أبي خالدٍ الأحمر، عن يحيى بن سعيدٍ: أنَّ عمر … فذكر نحوه، وهذا مُرسَلٌ، وأخرجه البيهقيُّ من طريق إسماعيل بن أبي حكيم عن

стр. 4960

عمر بن عبد العزيز قال: لمَّا استُخلِف عمر أجلى أهل نجرانَ وأهل فَدَكٍ وتيماءَ وأهلَ خيبرَ، واشترى عُقُرَهم (١) وأموالهم، واستَعملَ يعلى بن أميَّة (٢) فأعطى البياض -يعني: بياض الأرض- على إن كان البذر والبقر والحديد من عمر، فلهم الثُّلث، ولعمر (٣) الثُّلثان، وإن كان منهم فلهم الشَّطر، وله الشَّطر (٤)، وأعطى النَّخل والعنب على أنَّ لعمر (٥) الثُّلثين، ولهم الثُّلث، وهذا مُرسَلٌ أيضًا فيتقوَّى أحدهما بالآخر، وكأنَّ المصنِّف أبهم المقدار بقوله: «فلهم كذا» لِما وقع فيه من الاختلاف؛ لأنَّ غرضه منه (٦) أنَّ عمر أجاز المعاملة بالجزء، وفي إيراد البخاريِّ هذا الأثر وغيره في هذه التَّرجمة ما يقتضي أنَّه يرى أنَّ المزارعة والمخابرة بمعنًى واحدٍ، وهو (٧) وجهٌ عند الشَّافعيَّة، والآخر أنَّهما مختلفا المعنى، فالمزارعة: العمل في الأرض ببعض ما يخرج منها، والبذر من المالك، والمخابرة مثلها، لكنَّ البذر من العامل. (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ: (لَا بَأْسَ أَنْ تَكُونَ الأَرْضُ لأَحَدِهِمَا فَيُنْفِقَانِ جَمِيعًا) عليها (فَمَا خَرَجَ) منها (فَهْوَ بَيْنَهُمَا) وهذا وصله سعيد بن منصورٍ فيما قاله الحافظ ابن حجرٍ، قال العينيُّ: لم أجده بعد الكشف (وَرَأَى ذَلِكَ) الذي قاله الحسن (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ، قال ابن حجرٍ: وصله عبد الرَّزَّاق وابن أبي شيبة نحوه، قال العينيُّ: لم أجده عندهما (وَقَالَ

стр. 4961

الحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُجْتَنَى القُطْنُ عَلَى النِّصْفِ) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون الجيم وفتح الفوقيَّة مبنيًّا للمفعول، و «القطنُ»: رفع نائبٍ عن الفاعل، وهذا موصولٌ فيما قاله الحافظ (١) ابن حجرٍ عند عبد الرَّزَّاق، ومثل القطن العصفر ولُقاط الزَّيتون والحصاد وغير ذلك ممَّا هو مجهولٌ، فأجازه جماعةٌ من التَّابعين، وهو قول أحمد قياسًا على القِراض؛ لأنَّه يعمل بالمال على جزءٍ منه معلوم لا يدري مبلغه (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ ممَّا وصله الأثرم (وَابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ ممَّا وصله ابن أبي شيبة (وَعَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ (وَالحَكَمُ) بن عتيبة فيما وصله عنهما ابن أبي شيبة -كما قاله في «الفتح» - وقال في «عمدة القاري»: لم أجد ذلك عنده (وَالزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (وَقَتَادَةُ) فيما وصله عنه ابن أبي شيبة: (لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَ الثَّوْبَ) أي: الغزل للنَّسَّاج ينسجه، وإطلاق الثَّوب عليه من باب المجاز، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي: «الثَّورَ» (بِالثُّلُثِ أَوِ الرُّبُعِ وَنَحْوِهِ) أي: يكون الثُّلث أو الرُّبع ونحوه للنَّسَّاج، والباقي لمالك (٢) الغزل (وَقَالَ مَعْمَرٌ) بفتح الميمين وسكون العين المهملة بينهما، ابن راشدٍ، ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عنه، وفي نسخةٍ بـ «اليونينيَّة» وفرعها: «معتمرٌ» بالفوقيَّة، فليُنظَر (٣): (لَا بَأْسَ أَنْ تَكُونَ المَاشِيَةُ) ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «تُكرَى الماشية» (عَلَى الثُّلُثِ أو الرُّبُعِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) أي: ثلث الكراء الحاصل منها، أي: بأن يكريها لحمل طعامٍ (٤) مثلًا إلى مدَّةٍ معلومةٍ على أن يكون ذلك بينهما أثلاثًا أو أرباعًا، ورأيت بهامش «اليونينيَّة» ما لفظه (٥): وعند الحافظ أبي ذرٍّ على قوله: «إلى أجلٍ مسمًّى» علامة المُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ، وهو يدلُّ على أنَّه عندهما دون الحَمُّويي، وهو ثابتٌ على ما تراه (٦) في روايته

стр. 4962

في هذا الأصل، وكذلك (١) كلُّ ما أشار إليه في المواضع المعلم عليها، فاعلم ذلك وأمعن النَّظر فيه. ٢٣٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزاميُّ قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ) اللَّيثيُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير، ابن عمر العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄: أَخْبَرَهُ عَنِ النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «أنَّ النَّبيَّ» (¬ ﷺ : عَامَلَ) أهل (خَيْبَرَ بِشَطْرِ) بنصف (مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ) بالمُثلثَّة إشارةً إلى المساقاة (أَوْ زَرْعٍ) إشارةً إلى المزارعة (فَكَانَ يُعْطِي أَزْوَاجَهُ) ﵅ (مِئَةَ وَِسْقٍ) بفتح الواو وكسرها -كما في التَّاليين في الفرع وأصله (٢) - والوسق: ستُّون صاعًا بصاع النَّبيِّ ﷺ ، منها: (ثَمَانُونَ وَِسْقَ تَمْرٍ وَ) منها: (عِشْرُونَ وَِسْقَ شَعِيرٍ) «وسقَ»: نُصِب على التَّمييز في الموضعين، مضافٌ فيهما للاحقه، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ثمانين» و «عشرين» بالنَّصب فيهما (فَقَسَمَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وقسم» (عُمَرُ خَيْبَرَ) كذا بإثبات «خيبر» في الفرع وغيره ممَّا وقفت عليه من الأصول، وقول الحافظ ابن حجرٍ: قوله: «وقسم عمر» أي: خيبر، وصرَّح بذلك أحمد في روايته عن ابن نُمَيرٍ عن عبيد الله (٣) بن عمر. مقتضاه: أنَّ رواية البخاريِّ بحذفه ليس إلَّا. فليُنظَر (فَخَيَّرَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُقْطِعَ لَهُنَّ) بضمِّ الياء وسكون القاف، من الإقطاع (مِنَ المَاءِ وَالأَرْضِ أَوْ يُمْضِيَ لَهُنَّ) أي: يجري لهنَّ قسمتهنَّ على ما كان في حياة رسول الله ﷺ ، كما كان من التَّمر والشَّعير (فَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الأَرْضَ، وَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الوَسْقَ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (اخْتَارَتِ الأَرْضَ).

стр. 4963

وفي هذا الحديث جوازُ المزارعة والمخابرة؛ لتقرير النَّبيِّ ﷺ لذلك، واستمراره في عهد أبي بكرٍ إلى أن أجلاهم عمر ﵄، وبه قال ابن خزيمة وابن المنذر والخطَّابيُّ، وصنَّف فيهما ابن خزيمة جزءًا بيَّن فيه علل الأحاديث الواردة بالنَّهي عنهما، وجمع بين أحاديث الباب، ثمَّ تابعه الخطَّابيُّ وقال: ضعَّف أحمد ابن حنبل حديث النَّهي، وقال: هو مضطربٌ، وقال الخطَّابيُّ (١): وأبطلها مالكٌ وأبو حنيفة والشَّافعيُّ لأنَّهم لم يقفوا على علَّته (٢)، قال: فالمزارعة جائزةٌ وهي عمل المسلمين في جميع الأمصار، لا يبطل العمل بها أحدٌ، هذا كلام الخطَّابيِّ، والمختار جواز المزارعة والمخابرة، وتأويل الأحاديث على ما إذا شرط لواحدٍ زرع قطعةٍ مُعيَّنةٍ ولآخر أخرى، والمعروف في المذهب إبطالهما، فمتى أُفرِدت الأرض بمخابرةٍ أو مزارعةٍ بطل العقد، وإذا بطلتا فتكون الغلَّة لصاحب البذر؛ لأنَّها نماء ماله، فإن كان البذر للعامل فلصاحب الأرض عليه أجرتها، أو المالكِ فللعامل عليه أجرةُ مثلِ عملهِ وعمل ما يتعلَّق به من آلاته (٣) كالبقر إن حصل من الزَّرع شيءٌ، أو لهما فعلى كلٍّ منهما أجرةُ مثلِ عملِ الآخر بنفسه وآلاته في حصَّته؛ لذلك فإن أراد أن يكون الزَّرع بينهما على وجهٍ مشروعٍ بحيث لا يرجع أحدهما على الآخر بشيءٍ فليستأجر العامل من المالك نصفَ الأرض بنصفِ منافعه ومنافع آلاته (٤) ونصفِ البذر إن كان منه، وإن كان البذر من المالك استأجر المالكُ العاملَ بنصف البذر؛ ليزرعَ له نصفَ الأرض، ويُعيره (٥) نصفَ الأرض الآخر، وإن شاء استأجره بنصفِ البذر ونصفِ منفعةِ تلك الأرض؛ ليزرع له باقِيَه في باقيها، وإن كان البذر لهما أَجَرَه نصفَ الأرض بنصفِ منفعته ومنفعة آلاته (٦)، أو أعاره نصفَ الأرض وتبرَّع العامل بمنفعة بدنه وآلته فيما يخصُّ المالك، أو أَكْرَاهُ نصفها بدينارٍ مثلًا، واكترى العاملَ ليعمل على نصيبه بنفسِه وآلتِه

стр. 4964

بدينارٍ وتقاصَّا، وفي الحديث أيضًا: جواز المساقاة في النَّخل والكرم وجميع الشَّجر الذي من شأنه أن يثمر -كالخوخ والمِشْمِش- بجزءٍ معلومٍ يُجعَل للعامل من الثَّمرة، وبه قال الجمهور وخصَّه الشَّافعيُّ في الجديد بالنَّخل، وكذا شجر العنب؛ لأنَّه في معنى النَّخل، بجامع وجوب الزَّكاة، وتَأَتِّي الخرصِ في ثمرتيهما، فجُوِّزت المساقاة فيهما سعيًا في تثميرها رفقًا بالمالك والعامل والمساكين، واختار النَّوويُّ في تصحيحه صحَّتها على سائر الأشجار المثمرة، وهو القول القديم، واختاره السُّبكيُّ فيها (١) إن احتاجت إلى عمل، ومحلُّ المنع إن تفرَّد بالمساقاة، فإن ساقى (٢) عليها تبعًا لنخلٍ أو عنبٍ صحَّت كالمزارعة، وأُلحِق المُقْلُ بالنَّخل، وقال أبو حنيفة وزفر: لا تجوز المساقاة بحالٍ؛ لأنَّها إجارةٌ بثمرةٍ معدومةٍ أو مجهولةٍ، وجوَّزها أبو يوسف ومحمَّدٌ وبه يُفتى؛ لأنَّها عقدٌ على عملٍ في المال ببعض نمائه، فهو كالمضاربة؛ لأنَّ المضارب يعمل في المال بجزءٍ من نمائه وهو معدومٌ ومجهولٌ، وقد صحَّ عقد الإجارة مع أنَّ المنافع معدومةٌ، وكذلك هنا، وأيضًا فالقياس في إبطال نصٍّ أو إجماعٍ مردودٌ. (٩) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا لَمْ يَشْتَرِطِ) المالك للأرض (السِّنِينَ) المعلومة (فِي) عقد (المُزَارَعَةِ). ٢٣٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) ابن عمر العمريِّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: عَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أهل (خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ) بالمُثلَّثة (أَوْ زَرْعٍ) للتَّنويع، ولم

стр. 4965

يقع في شيءٍ من طرق هذا (١) الحديث التَّقييد بسنين معلومةٍ، وفيه جواز ذلك، فللمالك أن يخرج العامل متى أراد، وقد أجاز ذلك من أجاز المخابرة والمزارعة. (١٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين من غير ترجمةٍ، فهو بمنزلة الفصل من السَّابق. ٢٣٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ عَمْرٌو) هو ابن دينارٍ: (قُلْتُ لِطَاوُسٍ: لَوْ تَرَكْتَ المُخَابَرَةَ) وهي -كما مرَّ- العمل في الأرض ببعض ما يخرج منها والبذر من العامل، وجواب «لو» محذوفٌ تقديره: لكان خيرًا، أو «لو» للتَّمنِّي فلا تحتاج إلى جواب (٢) (فَإِنَّهُمْ) أي: رافع بن خديج وعمومته، والثَّابت بن الضَّحَّاك، وجابر بن عبد الله ومن روى منهم، والفاء للتَّعليل (يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ) أي: يقولون: إنَّه (¬ ﷺ نَهَى عَنْهُ) أي: عن الزَّرع على طريق المخابرة (قَالَ) طاوسٌ: (أَيْ عَمْرُو (٣)) يعني: يا عمرو (إِنِّي) ولأبي ذرٍّ: «فإنِّي» (أُعْطِيهِمْ) بضمِّ الهمزة من الإعطاء (وَأُغْنِيهِمْ) بضمِّ الهمزة وسكون الغين المعجمة، من الإغناء، وفي روايةٍ (٤): «وأُعِينهم» بضمِّ (٥) الهمزة وكسر العين المهملة وبعدها تحتيَّةٌ ساكنةٌ، من الإعانة، كذا للمُستملي والحَمُّويي كما في «فتح الباري» (٦)، وتبعه في «عمدة

стр. 4966

القاري» (١)، وكذا هي (٢) في الأصل المقروء على الميدوميِّ، وصوَّب الحافظ ابن حجرٍ الثَّانية، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ -كما في الفرع وأصله-: «وأُعْنِيهم» بضمِّ الهمزة (٣) وسكون العين المهملة وكسر النُّون (٤) بعدها تحتيَّةٌ ساكنة، فليُنظَر (٥). (وَإِنَّ أَعْلَمَهُمْ) أي: الذين يزعمون أنَّه ﷺ نهى عن ذلك (أَخْبَرَنِي -يَعْنِي: ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنْهَ عَنْه) أي: عن الزَّرع على طريق المخابرة، ولا يُقال: هذا يعارض النَّهي عنه؛ لأنَّ النَّهي كان فيما يشترطون فيها شرطًا فاسدًا، وعدمَه فيما لم يكن كذلك، أو المراد بالإثبات: نهي التَّنزيه، وبالنَّفي: نهي التَّحريم (وَلَكِنْ قَالَ) ﵊: (أَنْ) بفتح الهمزة وسكون النُّون (يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ) بفتح أوَّل «يَمنحَ» وآخره، ولأبي ذرٍّ: «إنْ» بكسر الهمزة وسكون النُّون «يَمْنَحْ» بفتح أوَّله وسكون آخره، وقول الحافظ ابن حجرٍ: -إنَّ (٦) الأولى تعليليَّةٌ، والأخرى شرطيةٌ- تعقَّبه العينيُّ، فقال: ليس كذلك، بل «أن» بفتح الهمزة مصدريَّةٌ، ولام الابتداء مُقدَّرةٌ قبلها، والمصدر المضاف إلى «أحدكم» مبتدأٌ، خبرُه قوله: «خيرٌ له»، وقد جاء «أن» بالفتح بمعنى: «إن» بالكسر الشَّرطيَّة، فحينئذٍ «يمنحْ» مجزومٌ (٧) به، وجواب الشَّرط: «خيرٌ»، لكن فيه حذفٌ تقديره: فهو خيرٌ له، وقول الزَّركشيِّ: -وفي «يُمنَِح» بفتح النُّون وكسرها مع ضمِّ أوَّله، فإنَّه يُقال: منحته وأمنحته، إذا أعطيته- لم أقف عليه في شيءٍ من نسخ البخاريِّ كذلك، والله أعلم، وقد وقع في رواية الطَّحاويِّ: «لَأَنْ يمنحَ أحدُكم أخاه أرضَه خيرٌ له» (٨) (مِنْ أَنْ

стр. 4967

يَأْخُذَ) أي: من أخذه (عَلَيْهِ خَرْجًا مَعْلُومًا) أي: أجرة معلومة. ومناسبة هذا الحديث للباب السَّابق من جهة أنَّ فيه للعامل جزءًا معلومًا، وهنا لو ترك مالك الأرض هذا الجزء للعامل كان خيرًا له من أن يأخذه منه، وفيه: جواز أخذ الأجرة؛ لأنَّ الأولويَّة لا تنافي الجواز. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المزارعة» [خ¦٢٣٤٢] و «الهبة» [خ¦٢٦٣٤]، ومسلمٌ وأبو داود في «البيوع»، والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الأحكام»، والنَّسائيُّ في «المزارعة». (١١) (باب) حكم (المُزَارَعَةِ مَعَ اليَهُودِ) أي: وغيرهم من أهل الذِّمَّة. ٢٣٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ، ولأبي ذرٍّ: «محمَّد بن مقاتلٍ» المَرْوَزيُّ، المجاور بمكَّة قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بالتَّصغير، ابن عمر العمريُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَى خَيْبَرَ اليَهُودَ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا) أي: يتعاهدوا (١) أشجارها بالسَّقي، وإصلاح مجاري الماء، وتقليب الأرض بالمساحي، وقلبها للحرث، وتلقيح الشَّجر وقطع المُضِرِّ بالشَّجر من الحشيش ونحوه وغير ذلك (وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ) أي: نصف (مَا يَخْرُجُ (٢) مِنْهَا) زاد في الرِّواية السَّابقة في «باب إذا لم يشترط السِّنين في المزارعة» [خ¦٢٣٢٩]: من (٣) ثمرٍ أو زرعٍ، واعلم أنَّ اليهود استمرُّوا على هذه المعاملة إلى صدرٍ من خلافة عمر ﵁، فبلغه قول النَّبيِّ ﷺ في وجعه: «لا يجتمع في جزيرة العرب دِينان»، فأجلاهم عنها، والذي ذهب إليه الأكثرون: المنع من كراء الأرض بجزءٍ ممَّا يخرج منها، وحمل بعضهم هذا الحديث على أنَّ المعاملة كانت مساقاةً على النَّخل، والبياضَ

стр. 4968

المتخلَّل بين النَّخيل كان يسيرًا، فتقع المزارعة تبعًا للمساقاة، وذهب غيره إلى أنَّ صورة هذه صورةُ المعاملة، وليست لها حقيقتها، فإنَّ الأرض كانت قد مُلِكت بالاغتنام، والقوم صاروا عبيدًا، فالأموال كلُّها للنَّبيِّ ﷺ ، والذي جُعِل لهم منها بعضُ ماله؛ لينتفعوا به لا على أنَّه حقيقةُ المعاملة، وهذا متوقِّفٌ (١) على إثبات أنَّ أهل خيبر استُرِقُّوا، فإنَّه ليس بمُجرَّد الاستيلاء يحصل الاسترقاق للبالغين، قاله ابن دقيق العيد. وقد سبق ما في الحديث قريبًا، ومراد البخاريِّ بهذه التَّرجمة: الإعلام بأنَّه لا فرق في جواز هذه المعاملة بين المسلمين وأهل الذِّمَّة. (١٢) (باب) بيان (مَا يُكْرَهُ مِنَ الشُّرُوطِ فِي المُزَارَعَةِ). ٢٣٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ) أبو الفضل المروزيُّ (أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ (عَنْ يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريِّ، أنَّه (سَمِعَ حَنْظَلَةَ) بفتح الحاء المهملة والظَّاء المعجمة بينهما نونٌ ساكنةٌ، ابن قيسٍ (الزُّرَقِيَّ، عَنْ رَافِعٍ) هو ابن خَدِيجٍ بفتح الخاء المعجمة وكسر الدَّال وبعد التَّحتيَّة جيمٌ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ المَدِينَةِ حَقْلًا) بفتح الحاء المهملة وسكون القاف، والنَّصب على التمييز، أي: زرعًا، والمحاقلةُ: بيعُ الطَّعام في سنبله بالبُرِّ، وقيل: اشتراء الزَّرع بالحنطة، وقيل: المزارعة بالثُّلث والرُّبع (٢) وغيرهما، وقيل: كراء الأرض بالحنطة (وَكَانَ أَحَدُنَا يُكْرِي أَرْضَهُ، فَيَقُولُ) بالفاء، ولأبي الوقت: «ويقول»: (هَذِهِ القِطْعَةُ) من الأرض (لِي وَهَذِهِ) القطعة منها (لَكَ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ ذِهِْ) بكسر الذَّال المعجمة وسكون الهاء

стр. 4969

وبكسرها كما في «اليونينيَّة» (١)، ويكون بالاختلاس والإشباع، والأصل «ذي» فجيء بالهاء للوقف أو لبيان اللَّفظ إشارةً إلى القطعة من الأرض، وهي من الأسماء المبهمة التي يُشار بها إلى المُؤنَّث (وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهِْ) يعني: ربَّما تُخْرِج هذه القطعةُ المستثناة، ولم تُخْرِج سواها أو بالعكس، فيفوز صاحب هذه بكلِّ ما حصل، ويضيع حقُّ الآخر بالكلِّيَّة (فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ¬) عن ذلك لما فيه من حصول المخاطرة المنهيِّ عنها، وموضع التَّرجمة قوله: هذه القطعة … إلى آخره، ولا ريب أنَّ هذا يؤدِّي إلى النِّزاع (٢) على ما لا يخفى، وقد سبق هذا الحديث قريبًا [خ¦٢٣٢٧]. (١٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا زَرَعَ) أحدٌ (بِمَالِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ) الزَّرع (صَلَاحٌ لَهُمْ) لمن يكون الزَّرع.

стр. 4970

٢٣٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي الوقت: «حدَّثني» (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزاميُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ) بفتح الضَّاد المعجمة وسكون الميم، أنس بن عياضٍ قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بضمِّ العين المهملة وسكون القاف (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (ثَلَاثَةُ نَفَرٍ) لم يُعرَف اسمهم، زاد الطَّبرانيُّ من حديث عقبة بن عامرٍ: «من بني إسرائيل» حال كونهم (يَمْشُونَ) وعند ابن حبَّان والبزَّار من حديث أبي هريرة والطَّبرانيِّ من حديث عقبة بن عامرٍ (١): أنَّهم خرجوا يرتادون لأهليهم (٢) (أَخَذَهُمُ، المَطَرُ فَأَوَوْا) بقصر الهمزة (إِلَى غَارٍ) كائنٍ (فِي جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ (٣) صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ) وعند الطَّبرانيِّ من حديث النُّعمان بن بشيرٍ: «إذ وقع حجرٌ من الجبل ممَّا يهبط من خشية الله حتَّى سدَّ فم الغار» (فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً للهِ) بالنَّصب، صفةٌ لـ «أعمالًا»، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «خالصةً لله» (فَادْعُوا اللهَ بِهَا لَعَلَّهُ يُفَرِّجُهَا عَنْكُمْ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الفاء وتشديد الرَّاء مكسورةً، ولأبي ذرٍّ: «يَفْرُجها» بفتح التَّحتيَّة وسكون الفاء وضمِّ الرَّاء، ولأبي الوقت: «يَفْرِجها» كذلك، لكن بكسر الرَّاء (قَالَ أَحَدُهُمُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ (٤) شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَلِي صِبْيَةٌ) بكسر الصَّاد، جمع صبيٍّ (صِغَارٌ كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ حَلَبْتُ) غنمي (فَبَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ أَسْقِيهِمَا) بفتح

стр. 4971

الهمزة (قَبْلَ بَنِيَّ) الصِّبية (وَإِنِّي اسْتَأْخَرْتُ) بالخاء (١) المعجمة، وعند مسلمٍ من طريق أبي ضَمْرَة: «وإنِّي نأى بي ذات يومٍ الشَّجر»، أي: أنَّه استطرد مع غنمه في الرَّعي إلى أن بَعُد عن مكانه زيادةً على (٢) العادة فلذلك استأخر (ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمْ) بالفاء، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «ولم» (آتِ) بهمزةٍ مفتوحةٍ ممدودةٍ، أي: لم أجئ (حَتَّى أَمْسَيْتُ) دخلت في المساء (فَوَجَدْتُهُمَا نَامَا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «نائمين» (فَحَلَبْتُ) الغنم (كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤُوْسِهِمَا، أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا) من نومهما، فيشقُّ ذلك عليهما (وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ) قبلهما (وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ) بالضَّاد والغين المعجمتين: يتصايحون بالبكاء بسبب الجوع (عِنْدَ قَدَمَيَّ) بفتح الميم وتشديد التَّحتيَّة، بلفظ التَّثنية (حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ) زاد من طريق سالمٍ عن أبيه: «فاستيقظا فشربا غَبُوقَهُما» [خ¦٢٢٧٢] (فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ) استُشكِل هذا من حيث إنَّ المؤمن يعلم قطعًا أنَّ الله تعالى يعلم ذلك، وأُجيب بأنَّه تردَّد في عمله ذلك هل له اعتبارٌ عند الله أم لا؟ فكأنَّه قال: إن كان عملي ذلك مقبولًا عندك (فَافْرُجْ) بهمزةٍ وصلٍ (٣) مع ضمِّ (٤) الرَّاء (٥)، ولأبي الوقت (٦): «فأفرِج» بقطع الهمزة وكسر الرَّاء (لَنَا فَرْجَةً) بفتح الفاء في الفرع وأصله، وقال في «القاموس»: والفَُِرجة مُثلَّثةٌ (نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللهُ) بتخفيف الرَّاء وتُشدَّد، أي: كشف الله (فَرَأَوُا السَّمَاءَ، وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّهَا) أي: القصَّة (كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ أَحْبَبْتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ) الكاف زائدةٌ (٧)، أو أراد تشبيه محبَّته بأشدِّ المحابِّ (فَطَلَبْتُ

стр. 4972

مِنْهَا) ما يطلب الرَّجل من المرأة، وهو الوطء (فَأَبَتْ حَتَّى) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فأبت عليَّ حتَّى» (أَتَيْتُهَا) بهمزةٍ مقصورةٍ ففوقيَّةٍ مفتوحةٍ وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة فوقيَّةُ أُخرى، ولأبي ذرٍّ: «آتِيها» بمدِّ الهمزة وكسر الفوقيَّة وأسقط الأخرى (بِمِئَةِ دِينَارٍ، فَبَغَيْتُ) بالموحَّدة وفتح الغين المعجمة وسكون التَّحتيَّة، أي: نظرت وطلبت، ولأبي الوقت: «فتعِبْت» بفوقيَّةٍ وعينٍ مهملةٍ مكسورةٍ فمُوحَّدةٍ ساكنةٍ، من التَّعب (حَتَّى جَمَعْتُهَا) وأعطيتها إيَّاها، وخلَّت بيني وبين نفسها (فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا) لأطأها (قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللهِ اتَّقِ اللهَ، وَلَا تَفْتَحِ الخَاتَمَ) أي: الفرج (إِلَّا بِحَقِّهِ) أي: لا يحلُّ لك أن تطأني إلَّا بتزويجٍ صحيحٍ، وبيَّن في رواية سالمٍ [خ¦٢٢٧٢] سبب إجابتها بعد امتناعها، فقال: «فامتنعت منِّي حتَّى ألمَّت بها سَنَةٌ -أي: سنةُ (١) قحطٍ- فجاءتني»، وفي حديث النُّعمان بن بشيرٍ عند الطَّبرانيِّ: أنَّها تردَّدت إليه ثلاث مرَّاتٍ تطلب إليه شيئًا من معروفه ويأبى عليها إلَّا أن تمكِّنه من نفسها، فأجابت في الثَّالثة بعد أن استأذنت زوجها فأذن لها، وقال لها: أغني عيالك، قال: فرجعت فناشدتني بالله فأبيت عليها، فأسلمت إليَّ نفسها، فلمَّا كشفتها ارتعدت من تحتي، فقلت: ما لك؟ فقالت: أخاف الله ربَّ العالمين، فقلت: خفتيه في الشِّدَّة، ولم أخفه في الرَّخاء (فَقُمْتُ) أي: وتركتها والذَّهبَ الذي أعطيتها (فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ) وفي «ذكر بني إسرائيل» [خ¦٣٤٦٥]: «فإن كنت تعلم أنِّي فعلت ذلك من خشيتك»، وفي الطَّبرانيِّ عن عليٍّ: «من مخافتك وابتغاء مرضاتك» (فَافْرُجْ) بهمزة وصلٍ وضمِّ الرَّاء (عَنَّا فَُِرْجَةً) بفتح الفاء وتُضَمُّ وتُكسَر، لم يقل في هذه: نرى منها السَّماء (فَفَرَجَ) حُذِف الفاعل للعلم به، أي: ففرج الله. (وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا) واحدًا، وفي رواية سالمٍ [خ¦٢٢٧٢]: «أجراء» (بِفَرَْقِ أَرُزٍّ) بفتح الفاء (٢)

стр. 4973

والرَّاء بعدها قافٌ، وقد تُسكَّن الرَّاء، قال في «القاموس»: مكيالٌ بالمدينة يسع ثلاثة آصُعٍ، أو يسع ستَّة عشر رطلًا، و «الأرزُّ» فيه ستُّ لغاتٍ: فتح (١) الألف وضمُّها مع ضمِّ الرَّاء وتُضَمُّ الألف مع سكون الرَّاء وتخفيف الزَّاي وتشديدها، والرِّواية هنا: بفتح الهمزة وضمِّ الرَّاء وتشديد الزَّاي (فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ) الذي استأجرته عليه (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (أَعْطِنِي) بهمزة قطعٍ مفتوحةٍ (حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ) أي: حقَّه (فَرَغِبَ عَنْهُ) ولم يأخذه (فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ) بالجزم (حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيهَا) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ورعاتها» (فَجَاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ، فَقُلْتُ) ولأبي الوقت (٢): «قلت»: (اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ) بالتَّذكير باعتبار اللَّفظ، وللمُستملي: «إلى تلك» (البَقَرِ وَرُعَاتِهَا) بالجمع (فَخُذْ) بإسقاط ضمير المفعول (فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَسْتَهْزِئْ بِي) بالجزم على الأمر (٣) (فَقُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» وهو من باب الالتفات: (إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ فَخُذْ) بإسقاط الضَّمير أيضًا (فَأَخَذَهُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ) عنَّا (مَا بَقِيَ) من الصَّخرة (فَفَرَجَ اللهُ) أي: عنهم وخرجوا يمشون. (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (وَقَالَ ابْنُ عُقْبَةَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال إسماعيل بن عقبة»، وفي نسخةٍ: «وقال إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة»، أي: في روايته، وفي الفرع وأصله كنسخة الصَّغانيِّ: «وقال إسماعيل»، أي: ابن أبي أويسٍ، «وقال ابن عقبة» (٤) (عَنْ نَافِعٍ: فَسَعَيْتُ) بالسِّين والعين المهملتين بدل قوله في رواية عمِّه موسى بن عقبة: «فبغيت»، وهذا التَّعليق عن إسماعيل بن عقبة وصله المؤلِّف في «باب إجابة (٥) دعاء من برَّ والديه» من «كتاب الأدب» [خ¦٥٩٧٤]

стр. 4974

وهذه الرواية: عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة هي الصَّواب، وأمَّا ما وقع في نسخة أبي ذرٍّ: «وقال إسماعيل: عن ابن عقبة، عن نافعٍ» فهو وهمٌ؛ لأنَّ إسماعيل هو ابن إبراهيم بن عقبة ابن أخي موسى بن عقبة، نبَّه عليه الجيَّانيُّ. وأمَّا موضع التَّرجمة من الحديث ففي قوله: «فعرضت عليه حقَّه فرغب عنه … » إلى آخره، قال ابن المُنيِّر: لأنَّه قد عيَّن له حقه ومكَّنه منه، فبرئت ذمَّته بذلك، فلمَّا تركه وضع المستأجر يده عليه وضعًا مستأنفًا، ثمَّ تصرَّف فيه (١) بطريق الإصلاح لا بطريق التَّضييع، فاغتُفِر ذلك، ولم يُعَدَّ تعدِّيًا (٢) يوجب المعصية، ولذلك توسَّل به إلى الله ، وجعله من أفضل أعماله، وأُقرَّ على ذلك، ووقعت الإجابة له به، ومع ذلك فلو هلك الفَرَْقُ لكان ضامنًا له إذ لم يُؤذَن له في التَّصرُّف فيه، فمقصود التَّرجمة إنَّما هو خلاص الزُّرَّاع من المعصية بهذا القصد، ولا يلزم من ذلك رفع الضَّمان؛ كذا (٣) نقله عنه في «فتح الباري»، وتبعه في «عمدة القاري»، وهو متعقَّبٌ لما قاله ابن المُنيِّر أيضًا في «باب إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه فرضي» من «كتاب البيوع» [خ¦٢٢١٥] حيث قال هناك: فانظر في الفَرَْقِ من الذرة هل ملكه الأجير أو لا؟ والظَّاهر أنَّه لم يملكه؛ لأنَّه لم يستأجره بفرقٍ مُعيَّنٍ، وإنَّما استأجره بفرقٍ على (٤) الذِّمَّة، فلمَّا عرض عليه أن يقبضه امتنع، فلم يدخل في ملكه ولم يتعيَّن له، وإنَّما حقُّه في ذمَّة المستأجر، وجميع ما نتج (٥) إنَّما نتج على ملك المستأجر، وغاية ذلك أنَّه أحسن القضاء فأعطاه حقَّه وزياداتٍ كثيرةً. هذا كلامه. وهو مخالفٌ لما قرَّره هنا قطعًا، ويحتمل أن يُقال: إنَّ توسُّله بذلك إنَّما كان لكونه أعطى الحقَّ الذي عليه مضاعفًا لا بتصرُّفه؛ كما أنَّ الجلوس بين رجلي المرأة كان معصيةً، لكنَّ التَّوسُّل لم يكن إلَّا بترك الزِّنا والمسامحة بالمال ونحوه. وهذا الحديث يأتي -إن شاء الله تعالى- في «ذكر بني إسرائيل» [خ¦٣٤٦٥]، وقد أخرجه البزَّار والطَّبرانيُّ بإسنادٍ حسنٍ عن النُّعمان بن بشيرٍ: أنَّه سمع النَّبيَّ ﷺ يذكر الرَّقيم قال:

стр. 4975

«انطلق ثلاثةٌ فكانوا في كهفٍ، فوقع الجبل على باب الكهف فأُوصِد (١) عليهم … » الحديث، ففيه أنَّ الرَّقيم المذكور في قوله تعالى. ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ [الكهف: ٩] هو الغار الذي أصاب فيه الثَّلاثة ما أصابهم، والله أعلم. (١٤) (باب) بيان حكم (أَوْقَافِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَ) بيان (أَرْضِ الخَرَاجِ وَ) بيان (مُزَارَعَتِهِمْ وَمُعَامَلَتِهِمْ) ﵃ (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) في حديثٍ وصله المؤلِّف في «الوصايا» [خ¦٢٧٦٤] (لِعُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ لمَّا تصدَّق بمالٍ له على عهد النَّبيِّ ﷺ ، وكان نخلًا، فقال عمر: يا رسول الله إنِّي استفدتُ مالًا وهو عندي نفيسٌ، فأردتُ أن أتصدَّق به، فقال النَّبيُّ ﷺ : (تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ لَا يُبَاعُ) بسكون القاف، أمره أن يتصدَّق به صدقةً مُؤبَّدةً (وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ) بضمِّ المُثنَّاة (٢) التَّحتيَّة وفتح الفاء مبنيًّا للمفعول، و «ثمرُه»: رفعُ نائبٍ عن الفاعل (فَتَصَدَّقَ بِهِ) عمر ﵁، والضَّمير يرجع إلى «المال»، وحكى الماورديُّ أنَّها أوَّل صدقةٍ تُصدِّق بها في الإسلام. ٢٣٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ) بن الفضل المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديٍّ البصريُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويِّ، مولى عمر، المدنيِّ الثِّقة العالم، وكان يرسل (عَنْ أَبِيهِ) أسلم العدويِّ (٣) مولى عمر، مخضرمٌ، أنَّه (قَالَ: قَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب (¬﵁: لَوْلَا آخِرُ المُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً) بفتح الفاء وسكون الحاء مبنيًّا للفاعل، و «قريةً»: نُصِب على المفعوليَّة -كذا في الفرع وأصله- وفي بعض الأصول: «فُتِحت» بضمِّ الفاء مبنيًّا للمفعول، «قريةٌ»:
следующие страницы →