الهمزة (قَبْلَ بَنِيَّ) الصِّبية (وَإِنِّي اسْتَأْخَرْتُ) بالخاء (١) المعجمة، وعند مسلمٍ من طريق أبي ضَمْرَة: «وإنِّي نأى بي ذات يومٍ الشَّجر»، أي: أنَّه استطرد مع غنمه في الرَّعي إلى أن بَعُد عن مكانه زيادةً على (٢) العادة فلذلك استأخر (ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمْ) بالفاء، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «ولم» (آتِ) بهمزةٍ مفتوحةٍ ممدودةٍ، أي: لم أجئ (حَتَّى أَمْسَيْتُ) دخلت في المساء (فَوَجَدْتُهُمَا نَامَا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «نائمين» (فَحَلَبْتُ) الغنم (كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤُوْسِهِمَا، أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا) من نومهما، فيشقُّ ذلك عليهما (وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ) قبلهما (وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ) بالضَّاد والغين المعجمتين: يتصايحون بالبكاء بسبب الجوع (عِنْدَ قَدَمَيَّ) بفتح الميم وتشديد التَّحتيَّة، بلفظ التَّثنية (حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ) زاد من طريق سالمٍ عن أبيه: «فاستيقظا فشربا غَبُوقَهُما» [خ¦٢٢٧٢] (فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ) استُشكِل هذا من حيث إنَّ المؤمن يعلم قطعًا أنَّ الله تعالى يعلم ذلك، وأُجيب بأنَّه تردَّد في عمله ذلك هل له اعتبارٌ عند الله أم لا؟ فكأنَّه قال: إن كان عملي ذلك مقبولًا عندك (فَافْرُجْ) بهمزةٍ وصلٍ (٣) مع ضمِّ (٤) الرَّاء (٥)، ولأبي الوقت (٦): «فأفرِج» بقطع الهمزة وكسر الرَّاء (لَنَا فَرْجَةً) بفتح الفاء في الفرع وأصله، وقال في «القاموس»: والفَُِرجة مُثلَّثةٌ (نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللهُ) بتخفيف الرَّاء وتُشدَّد، أي: كشف الله (فَرَأَوُا السَّمَاءَ، وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّهَا) أي: القصَّة (كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ أَحْبَبْتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ) الكاف زائدةٌ (٧)، أو أراد تشبيه محبَّته بأشدِّ المحابِّ (فَطَلَبْتُ
стр. 4972
مِنْهَا) ما يطلب الرَّجل من المرأة، وهو الوطء (فَأَبَتْ حَتَّى) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فأبت عليَّ حتَّى» (أَتَيْتُهَا) بهمزةٍ مقصورةٍ ففوقيَّةٍ مفتوحةٍ وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة فوقيَّةُ أُخرى، ولأبي ذرٍّ: «آتِيها» بمدِّ الهمزة وكسر الفوقيَّة وأسقط الأخرى (بِمِئَةِ دِينَارٍ، فَبَغَيْتُ) بالموحَّدة وفتح الغين المعجمة وسكون التَّحتيَّة، أي: نظرت وطلبت، ولأبي الوقت: «فتعِبْت» بفوقيَّةٍ وعينٍ مهملةٍ مكسورةٍ فمُوحَّدةٍ ساكنةٍ، من التَّعب (حَتَّى جَمَعْتُهَا) وأعطيتها إيَّاها، وخلَّت بيني وبين نفسها (فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا) لأطأها (قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللهِ اتَّقِ اللهَ، وَلَا تَفْتَحِ الخَاتَمَ) أي: الفرج (إِلَّا بِحَقِّهِ) أي: لا يحلُّ لك أن تطأني إلَّا بتزويجٍ صحيحٍ، وبيَّن في رواية سالمٍ [خ¦٢٢٧٢] سبب إجابتها بعد امتناعها، فقال: «فامتنعت منِّي حتَّى ألمَّت بها سَنَةٌ -أي: سنةُ (١) قحطٍ- فجاءتني»، وفي حديث النُّعمان بن بشيرٍ عند الطَّبرانيِّ: أنَّها تردَّدت إليه ثلاث مرَّاتٍ تطلب إليه شيئًا من معروفه ويأبى عليها إلَّا أن تمكِّنه من نفسها، فأجابت في الثَّالثة بعد أن استأذنت زوجها فأذن لها، وقال لها: أغني عيالك، قال: فرجعت فناشدتني بالله فأبيت عليها، فأسلمت إليَّ نفسها، فلمَّا كشفتها ارتعدت من تحتي، فقلت: ما لك؟ فقالت: أخاف الله ربَّ العالمين، فقلت: خفتيه في الشِّدَّة، ولم أخفه في الرَّخاء (فَقُمْتُ) أي: وتركتها والذَّهبَ الذي أعطيتها (فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ) وفي «ذكر بني إسرائيل» [خ¦٣٤٦٥]: «فإن كنت تعلم أنِّي فعلت ذلك من خشيتك»، وفي الطَّبرانيِّ عن عليٍّ: «من مخافتك وابتغاء مرضاتك» (فَافْرُجْ) بهمزة وصلٍ وضمِّ الرَّاء (عَنَّا فَُِرْجَةً) بفتح الفاء وتُضَمُّ وتُكسَر، لم يقل في هذه: نرى منها السَّماء (فَفَرَجَ) حُذِف الفاعل للعلم به، أي: ففرج الله. (وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا) واحدًا، وفي رواية سالمٍ [خ¦٢٢٧٢]: «أجراء» (بِفَرَْقِ أَرُزٍّ) بفتح الفاء (٢)
стр. 4973
والرَّاء بعدها قافٌ، وقد تُسكَّن الرَّاء، قال في «القاموس»: مكيالٌ بالمدينة يسع ثلاثة آصُعٍ، أو يسع ستَّة عشر رطلًا، و «الأرزُّ» فيه ستُّ لغاتٍ: فتح (١) الألف وضمُّها مع ضمِّ الرَّاء وتُضَمُّ الألف مع سكون الرَّاء وتخفيف الزَّاي وتشديدها، والرِّواية هنا: بفتح الهمزة وضمِّ الرَّاء وتشديد الزَّاي (فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ) الذي استأجرته عليه (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (أَعْطِنِي) بهمزة قطعٍ مفتوحةٍ (حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ) أي: حقَّه (فَرَغِبَ عَنْهُ) ولم يأخذه (فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ) بالجزم (حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيهَا) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ورعاتها» (فَجَاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ، فَقُلْتُ) ولأبي الوقت (٢): «قلت»: (اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ) بالتَّذكير باعتبار اللَّفظ، وللمُستملي: «إلى تلك» (البَقَرِ وَرُعَاتِهَا) بالجمع (فَخُذْ) بإسقاط ضمير المفعول (فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَسْتَهْزِئْ بِي) بالجزم على الأمر (٣) (فَقُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» وهو من باب الالتفات: (إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ فَخُذْ) بإسقاط الضَّمير أيضًا (فَأَخَذَهُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ) عنَّا (مَا بَقِيَ) من الصَّخرة (فَفَرَجَ اللهُ) أي: عنهم وخرجوا يمشون.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (وَقَالَ ابْنُ عُقْبَةَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال إسماعيل بن عقبة»، وفي نسخةٍ: «وقال إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة»، أي: في روايته، وفي الفرع وأصله كنسخة الصَّغانيِّ: «وقال إسماعيل»، أي: ابن أبي أويسٍ، «وقال ابن عقبة» (٤) (عَنْ نَافِعٍ: فَسَعَيْتُ) بالسِّين والعين المهملتين بدل قوله في رواية عمِّه موسى بن عقبة: «فبغيت»، وهذا التَّعليق عن إسماعيل بن عقبة وصله المؤلِّف في «باب إجابة (٥) دعاء من برَّ والديه» من «كتاب الأدب» [خ¦٥٩٧٤]
стр. 4974
وهذه الرواية: عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة هي الصَّواب، وأمَّا ما وقع في نسخة أبي ذرٍّ: «وقال إسماعيل: عن ابن عقبة، عن نافعٍ» فهو وهمٌ؛ لأنَّ إسماعيل هو ابن إبراهيم بن عقبة ابن أخي موسى بن عقبة، نبَّه عليه الجيَّانيُّ. وأمَّا موضع التَّرجمة من الحديث ففي قوله: «فعرضت عليه حقَّه فرغب عنه … » إلى آخره، قال ابن المُنيِّر: لأنَّه قد عيَّن له حقه ومكَّنه منه، فبرئت ذمَّته بذلك، فلمَّا تركه وضع المستأجر يده عليه وضعًا مستأنفًا، ثمَّ تصرَّف فيه (١) بطريق الإصلاح لا بطريق التَّضييع، فاغتُفِر ذلك، ولم يُعَدَّ تعدِّيًا (٢) يوجب المعصية، ولذلك توسَّل به إلى الله ، وجعله من أفضل أعماله، وأُقرَّ على ذلك، ووقعت الإجابة له به، ومع ذلك فلو هلك الفَرَْقُ لكان ضامنًا له إذ لم يُؤذَن له في التَّصرُّف فيه، فمقصود التَّرجمة إنَّما هو خلاص الزُّرَّاع من المعصية بهذا القصد، ولا يلزم من ذلك رفع الضَّمان؛ كذا (٣) نقله عنه في «فتح الباري»، وتبعه في «عمدة القاري»، وهو متعقَّبٌ لما قاله ابن المُنيِّر أيضًا في «باب إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه فرضي» من «كتاب البيوع» [خ¦٢٢١٥] حيث قال هناك: فانظر في الفَرَْقِ من الذرة هل ملكه الأجير أو لا؟ والظَّاهر أنَّه لم يملكه؛ لأنَّه لم يستأجره بفرقٍ مُعيَّنٍ، وإنَّما استأجره بفرقٍ على (٤) الذِّمَّة، فلمَّا عرض عليه أن يقبضه امتنع، فلم يدخل في ملكه ولم يتعيَّن له، وإنَّما حقُّه في ذمَّة المستأجر، وجميع ما نتج (٥) إنَّما نتج على ملك المستأجر، وغاية ذلك أنَّه أحسن القضاء فأعطاه حقَّه وزياداتٍ كثيرةً. هذا كلامه. وهو مخالفٌ لما قرَّره هنا قطعًا، ويحتمل أن يُقال: إنَّ توسُّله بذلك إنَّما كان لكونه أعطى الحقَّ الذي عليه مضاعفًا لا بتصرُّفه؛ كما أنَّ الجلوس بين رجلي المرأة كان معصيةً، لكنَّ التَّوسُّل لم يكن إلَّا بترك الزِّنا والمسامحة بالمال ونحوه.
وهذا الحديث يأتي -إن شاء الله تعالى- في «ذكر بني إسرائيل» [خ¦٣٤٦٥]، وقد أخرجه البزَّار والطَّبرانيُّ بإسنادٍ حسنٍ عن النُّعمان بن بشيرٍ: أنَّه سمع النَّبيَّ ﷺ يذكر الرَّقيم قال:
стр. 4975
«انطلق ثلاثةٌ فكانوا في كهفٍ، فوقع الجبل على باب الكهف فأُوصِد (١) عليهم … » الحديث، ففيه أنَّ الرَّقيم المذكور في قوله تعالى. ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ [الكهف: ٩] هو الغار الذي أصاب فيه الثَّلاثة ما أصابهم، والله أعلم.
(١٤) (باب) بيان حكم (أَوْقَافِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَ) بيان (أَرْضِ الخَرَاجِ وَ) بيان (مُزَارَعَتِهِمْ وَمُعَامَلَتِهِمْ) ﵃ (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) في حديثٍ وصله المؤلِّف في «الوصايا» [خ¦٢٧٦٤] (لِعُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ لمَّا تصدَّق بمالٍ له على عهد النَّبيِّ ﷺ ، وكان نخلًا، فقال عمر: يا رسول الله إنِّي استفدتُ مالًا وهو عندي نفيسٌ، فأردتُ أن أتصدَّق به، فقال النَّبيُّ ﷺ : (تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ لَا يُبَاعُ) بسكون القاف، أمره أن يتصدَّق به صدقةً مُؤبَّدةً (وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ) بضمِّ المُثنَّاة (٢) التَّحتيَّة وفتح الفاء مبنيًّا للمفعول، و «ثمرُه»: رفعُ نائبٍ عن الفاعل (فَتَصَدَّقَ بِهِ) عمر ﵁، والضَّمير يرجع إلى «المال»، وحكى الماورديُّ أنَّها أوَّل صدقةٍ تُصدِّق بها في الإسلام.
٢٣٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ) بن الفضل المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديٍّ البصريُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويِّ، مولى عمر، المدنيِّ الثِّقة العالم، وكان يرسل (عَنْ أَبِيهِ) أسلم العدويِّ (٣) مولى عمر، مخضرمٌ، أنَّه (قَالَ: قَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب (¬﵁: لَوْلَا آخِرُ المُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً) بفتح الفاء وسكون الحاء مبنيًّا للفاعل، و «قريةً»: نُصِب على المفعوليَّة -كذا في الفرع وأصله- وفي بعض الأصول: «فُتِحت» بضمِّ الفاء مبنيًّا للمفعول، «قريةٌ»:
стр. 4976
رفع نائبٍ عن الفاعل (إِلَّا قَسَمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا) الغانمين (كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ) لكنَّ النَّظر لآخر المسلمين يقتضي ألَّا أقسمها، بل أجعلها وقفًا على المسلمين، ومذهب الشَّافعيَّة في الأرض المفتوحة عنوةً: أنَّه يلزم قسمتها إلَّا أن يرضى بوقفيَّتها مَنْ غَنِمها، وعن مالكٍ: تصير وقفًا بنفس الفتح، وعن أبي حنيفة: يتخيَّر الإمام بين قسمتها ووقفيَّتها.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٢٣٦] و «الجهاد» [خ¦٣١٢٥]، وأبو داود في «الخراج».
(١٥) (بابُ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا) غير معمورةٍ في الإسلام، أو عُمِرت جاهليَّةً، ولا هي حريمٌ لمعمورٍ بالزَّرع أو الغرس أو السَّقي أو البناء (١)، فهي له، وسُمِّيت مواتًا تشبيهًا لها بالميتة لغير المنتفع بها، ولا يُشترَط في نفي العمارة التَّحقُّق بل يكفي عدم تحقُّقها، بألَّا يُرى أثرها ولا دليل عليها من أصول شجرٍ ونهرٍ وجُدُرٍ وأوتادٍ ونحوها (وَرَأَى ذَلِكَ) أي: إحياء الموات (عَلِيٌّ) هو ابن أبي طالبٍ ﵁ (فِي أَرْضِ الخَرَابِ بِالكُوفَةِ) قال في «الفتح»: كذا وقع للأكثر، وفي رواية النَّسفيِّ: «في أرضٍ بالكوفة مواتًا»، والذي في «اليونينيَّة» (٢): «في أرض الخراب بالكوفة مواتٌ» لكنَّه رقم على قوله: «في أرضٍ» علامة السُّقوط من غير عزوٍ لأحدٍ، وعلى «موات» علامة السُّقوط أيضًا لأبي ذرٍّ، وفي نسخةٍ مقروءةٍ على الميدوميِّ: «بالخراب (٣) مواتٌ بالكوفة»، لكنَّه رقم على «موات» علامة السُّقوط من غير عزوٍ (٤) لأحدٍ (٥). (وَقَالَ عُمَرُ) بن
стр. 4977
الخطَّاب ﵁ فيما (١) وصله مالكٌ في «المُوطَّأ»: (مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً) بتشديد الياء (فَهْيَ لَهُ) بمُجرَّد الإحياء، سواءٌ أذن له الإمام أم لا اكتفاءً بإذن الشَّارع ﵊، وهذا مذهب الشَّافعيِّ وأبي يوسف ومحمَّدٍ، نعم يُستحَبُّ استئذانه خروجًا من خلاف أبي حنيفة، حيث قال: ليس له أن يحيي مواتًا مطلقًا إلَّا بإذنه (وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ) بضمِّ العين، أي: ابن الخطَّاب (وابْنِ عَوْفٍ) عمرو بن يزيد (٢) المزنيِّ الصَّحابيِّ، وهو غير عمرو بن عوفٍ الأنصاريِّ البدريِّ، والواو في قوله: «وابن عوفٍ» (٣) عاطفةٌ، وفي بعض النُّسخ المعتمدة، وهي التي في «الفرع» و «أصله» (٤): «عن عَمْرو بن عوفٍ» بفتح العين وسكون الميم وبالواو وإسقاط ألف «ابن»، وصحَّح هذه الكِرمانيُّ، وقال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّ الأولى (٥) تصحيفٌ، ويؤيِّده قول التِّرمذيِّ في «باب ذكر من أحيا أرض الموات»، وفي الباب عن جابرٍ، وعمرو بن عوفٍ المزنيِّ جدِّ كثيرٍ، وسَمُرَة. وقول الكِرمانيِّ: -وابن عوفٍ، أي: عبد الرَّحمن- ليس بصحيحٍ، كما قاله العينيُّ كغيره (٦) (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أي: مثل حديث عمر هذا، وهذا وصله ابن أبي شيبة في «مسنده» (وَقَالَ) أي: عمرو بن عوفٍ، أي (٧): زاد على قوله: «من أحيا أرضًا ميتةً» قولَه (٨): (فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ) فإن كان (٩) فيه حرم التَّعرُّض لها بالإحياء وغيره إلَّا بإذنٍ شرعيٍّ؛ لحديث الصَّحيحين [خ¦٣١٩٨]: «من أخذ شبرًا من الأرض (١٠) ظلمًا فإنَّه يُطوَّقه من سبع أرضين»، ولو كان بالأرض أثر عمارةٍ جاهليَّةٍ لم يُعرَف مالكها، فللمسلم تملُّكها بالإحياء وإن لم تكن مواتًا كالرِّكاز، ولحديث: «عاديُّ الأرض لله ولرسوله،
стр. 4978
ثمَّ هي لكم منِّي»، أي (١): أيُّها المسلمون، رواه الشَّافعيُّ (٢)، ولو كان بها أثر عمارةٍ إسلاميَّةٍ فأمرها إلى (٣) الإمام في حفظها أو بيعها وحفظ ثمنها إلى ظهور مالكها من مسلمٍ أو ذمِّيٍّ كسائر الأموال الضَّائعة، وإن أحيا ذمِّيٌّ أرضًا ميتةً بدارنا ولو بإذن الإمام نُزِعت منه، فلا يملكها لما فيه من الاستعلاء، ولحديث الشَّافعيِّ السَّابق، ولا أجرة عليه؛ لأنَّ الأرض ليست ملك أحدٍ، وقال الحنفيَّة والحنابلة: إذا أحيا مسلمٌ أو ذمِّيٌّ أرضًا لا ينتفع بها، وهي بعيدةٌ إذا صاح من أقصى العامر لا يسمع بها صوته مَلَكَها (وَلَيْسَ لِعِرْقٍ) بكسر العين وسكون الرَّاء والتَّنوين (ظَالِمٍ) نعتٌ له، أي: من غرس غرسًا في أرض غيره بغير إذنه فليس له (فِيهِ حَقٌّ) أي: في الإبقاء فيها، قال النَّوويُّ في «تهذيب الأسماء واللُّغات»: واختار الإمامان الشَّافعيُّ ومالكٌ تنوين «عرقٍ»، وعبارة الشَّافعيِّ: العرق الظَّالم كلُّ ما احتُفِر أو بُنِي أو غُرِس ظلمًا في حقِّ امرئٍ تعيَّن خروجه منه، وقال مالكٌ: كلُّ ما احتُفِر أو غُرِس أو أُخِذ بغير حقٍّ، وقال الأزهريُّ: قال أبو عبيدٍ: العرق الظَّالم أن يجيء الرَّجل إلى أرضٍ قد أحياها رجلٌ قبله، فيغرس فيها غرسًا، وقال القاضي عياضٌ: أصله: في الغرس يغرسه في الأرض غير ربِّها ليستوجبها به، وكذلك ما أشبهه من بناءٍ أو استنباطٍ، أو استخراج معدنٍ، سُمِّيت عروقًا، لشبهها في الإحياء بعرق الغرس. انتهى. وقال في «النِّهاية»: وهو على حذف مضافٍ، أي: ليس لذي عرقٍ ظالمٍ، فَجَعَلَ العِرْقَ نفسَه ظالمًا والحقَّ لصاحبه، أو يكون الظَّالم من صفة صاحب العِرْق، وقال ابن شعبان في «الزَّاهي»: العروق أربعةٌ: عرقان ظاهران، وعرقان باطنان، فالظَّاهران: البناء والغراس، والباطنان: الآبار والعيون، وفي بعض الأصول: «وليس لعرقِ ظالمٍ» بترك التَّنوين فقط على الإضافة، وحينئذٍ فيكون الظَّالم صاحب العرق، وهو الغارس، وسُمِّي ظالمًا؛ لأنَّه تصرَّف في
стр. 4979
ملك الغير بلا استحقاقٍ، وهذا التَّعليق وصله إسحاق ابن رَاهُوْيَه فقال: حدّثنا أبو عامرٍ العقديُّ عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوفٍ: حدَّثني أبي: أنَّ أباه حدَّثه: أنَّه سمع النَّبيَّ ﷺ يقول: «من أحيا أرضًا مواتًا من غير أن تكون حقَّ مسلمٍ فهي له، وليس لعرقٍ ظالمٍ حقٌّ»، وكثيرٌ هذا ضعيفٌ، وليس لجدِّه عمرو بن عوفٍ في «البخاريِّ» سوى هذا الحديث، وله شاهدٌ قويٌّ، أخرجه أبو داود من حديث سعيد بن زيدٍ (وَيُرْوَى فِيهِ) أي: في هذا الباب (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريّ ﵁، ممَّا أخرجه التِّرمذيُّ من وجهٍ آخر عن هشامٍ وصحَّحه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ولفظه «من أحيا أرضًا ميتةً فهي له»، وإنَّما عبَّر بلفظ «يُروَى» المفيد للتَّمريض لأنَّه اختُلِف فيه على هشامٍ.
٢٣٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة مُصغَّرًا، وهو يحيى بن عبد الله بن بُكَيرٍ، المخزوميُّ المصريُّ، ونسبه إلى جدِّه لشهرته به، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا (ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ) يسارٍ الأمويِّ القرشيِّ المصريِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أبي (١) الأسود، يتيم عروة بن الزُّبير (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا) بفتح الهمزة والميم من الثُّلاثيِّ المزيد، قال عياضٌ: كذا رواه أصحاب البخاريِّ، والصَّواب: «من عَمَر» من الثُّلاثيِّ، قال الله تعالى: ﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ [الروم: ٩] إلَّا أن يريد أنَّه جَعَلَ فيها عَمَارًا، وقال ابن بطَّالٍ: ويمكن أن يكون أصله من: اعتمر أرضًا: اتَّخذها، وسقطت التَّاء من الأصل، قال في «المصابيح»: وهذا ردٌّ لاتِّفاق الرُّواة بمُجرَّد احتمالٍ يجوز أن يكون وألَّا يكون، وأكثر ما يعتمد هو وغيره على مثل هذا، وأنا لا أرضى لأحدٍ أن يقع فيه. انتهى. وأُجيب بأنَّ صاحب «العين» ذكر أنَّه يُقال:
стр. 4980
أُعْمِرَتِ الأرض، أي: وجدتُها عامرةً، ويُقال: أعمرَ اللهُ بك منزلكَ، وعَمَرَ اللهُ بك منزلك (١)، وعُورِض: بأنَّ الجوهريَّ بعد أن ذكر «عمر الله بك منزلك» و «أعمر الله بك» ذكر أنَّه لا يُقال: أعمر الرَّجل منزله؛ بالألف، وقال الزَّركشيُّ: ضمُّ الهمزة أجود من الفتح، قال في «المصابيح»: يفتقر ذلك إلى ثبوت روايةٍ فيه، وظاهر كلام القاضي أنَّ جميع رواة البخاريِّ على الفتح. انتهى. وقد ثبت في الفرع وأصله (٢) عن أبي ذرٍّ: «أُعْمِر» بضمِّ الهمزة وسكون العين وكسر الميم، أي: أعمره غيره، وكأنَّ المراد بالغير الإمام، والمعنى: من أعمر أرضًا (لَيْسَتْ لأَحَدٍ) بالإحياء (فَهْوَ أَحَقُّ) وحُذِف مُتعلَّق «أحقُّ» للعلم به، وعند الإسماعيليِّ: «فهو أحقُّ بها» أي: من غيره. (قَالَ عُرْوَةُ) بن الزُّبير بن العوَّام بالإسناد المذكور إليه: (قَضَى بِهِ) أي: بالحكم المذكور (عُمَرُ) بن الخطَّاب (¬﵁ فِي خِلَافَتِهِ) وهذا مُرسَلٌ؛ لأنَّ عروة وُلِد في آخر (٣) خلافة عمر، قاله خليفة، وما سبق أوَّل الباب عن عمر هو من قوله، وهذا من فعله، قال البيضاويُّ: مفهوم هذا الحديث: أنَّ مُجرَّد التَّحجُّر والإعلام لا يملك به، بل لا بدَّ من العمارة، وهي تختلف باختلاف المقاصد. انتهى. فمن شرع في الإحياء لمواتٍ من حفر أساسٍ وجمع ترابٍ ونحوهما ولم يتمَّه، أو نصب عليه علامةً للإحياء كغرز خشبةٍ فهو متحجِّرٌ لا مالكٌ؛ لأنَّ سبب الملك الإحياء، ولم يوجد، ولو تحجَّر فوق كفايته، أو ما يَعْجِز عن إحيائه فلغيره إحياء الزَّائد، فإن تحجَّر ولم يَعْمُر بلا عذرٍ أمره الإمام بالإحياء أو برفع (٤) يده عنه؛ لأنَّه ضيَّق على النَّاس في حقٍّ مشتركٍ فيُمنَع من ذلك، وأمهله مدَّةً قريبةً يستعدُّ فيها للعِمَارة بحسب ما يراه، فإن مضت مدَّة المهلة ولم يَعْمُر بطل حقُّه، ولو بادر أجنبيٌّ فأحيا مُتحجَّرًا الآخر مَلَكَه وإن لم يأذن له الإمام، وقال الحنفيَّة: ومن حَجَّر أرضًا ولم يَعْمُرها ثلاث سنين دُفِعت إلى غيره لقول عمر ﵁: ليس لمتحجِّرٍ بعد ثلاث سنين حقٌّ، ولو أحياها غيره قبل انقضاء هذا المدَّة ملكها؛ لأنَّ الأوَّل كان مستحقًّا لها من جهة التَّعلُّق لا من جهة التَّملُّك، كما في السَّوم على سوم غيره.
стр. 4981
وهذا الحديث من أفراد المصنِّف (١)، ونصف إسناده الأوَّل مصريُّون -بالميم- والثَّاني مدنيُّون.
(١٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين من غير (٢) ترجمةٍ، فهو كالفصل من سابقه.
٢٣٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ المؤدِّب المدينيُّ (٣) (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) الأسديِّ المدينيِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُرِيَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، أي: في المنام (وَهوَ فِي مُعَرَّسِهِ) بضمِّ الميم وفتح العين المهملة وتشديد الرَّاء المفتوحة (٤) وبالسِّين المهملة: موضع التَّعريس، وهو نزول المسافر آخر اللَّيل للاستراحة، وكان نزوله ﵊ (بذِي الحُلَيْفَةِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «من ذي الحليفة» (فِي بَطْنِ الوَادِي) أي: وادي العقيق (فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ، فَقَالَ مُوسَى) بن عقبة: (وَقَدْ أَنَاخَ بِنَا سَالِمٌ) هو ابن عبد الله بن عمر (بِالمُنَاخِ) بضمِّ الميم آخره خاءٌ معجمةٌ، أي: المبرك (الَّذِي كَانَ عَبْدُ اللهِ) أبوه (يُنِيخُ) أي (٥): يبرك (بِهِ) راحلته، حال كونه (يَتَحَرَّى) بالحاء المهملة وتشديد الرَّاء: يقصد (مُعَرَّسَ) بفتح الرَّاء المُشدَّدة: مكان تعريس (رَسُولِ اللهِ ﷺ ،
стр. 4982
وَهوَ) أي: المكان (أَسْفَلُ) بالرَّفع (مِنَ المَسْجِدِ الَّذِي) كان إذ ذاك (بِبَطْنِ الوَادِي بَيْنَهُ) أي: بين المُعرَّس (وَبَيْنَ الطَّرِيقِ وَسَطٌ مِنْ ذَلِكَ) بفتح السِّين، أي: متوسِّطٌ بين بطن الوادي وبين الطَّريق، وقد استُشكِل دخول هذا الحديث هنا، وأُجيب بأنَّه أشار به إلى أنَّ ذا الحليفة لا يُملَك بالإحياء؛ لِما في ذلك من منع النَّاس النُّزول به، وأنَّ الموات يجوز الانتفاع به، وأنَّه غير مملوكٍ لأحدٍ، وهذا كافٍ في وجه دخوله.
٢٣٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ) الدِّمشقيُّ (عَنِ الأَوْزَاعِيِّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنْ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: اللَّيْلَةَ) بالنَّصب (أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي) هو جبريل ﵇ (وَهوَ بِالعَقِيقِ أَنْ صَلِّ) بفتح الهمزة (فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ) أي: وادي العقيق (وَقُلْ): هذه (عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ) وللحَمُّويي والمُستملي: «وقال» بلفظ الماضي «عمرةً» بالنَّصب.
وهذان الحديثان قد سبقا في «الحجِّ» [خ¦١٥٣٤] [خ¦١٥٣٥].
стр. 4983
(١٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا قَالَ رَبُّ الأَرْضِ) مالكها للمزارع (١): (أُقِرُّكَ) بضمِّ الهمزة (مَا أَقَرَّكَ اللهُ) أي: مدَّة إقرار الله إيَّاك (وَ) الحال أنَّ ربَّ الأرض (لَمْ يَذْكُرْ أَجَلًا مَعْلُومًا) أي: مدَّةً معلومةً (فَهُمَا) (٢)، أي: ربُّ الأرض والمزارع (عَلَى تَرَاضِيهِمَا) أي: الذي تراضيا عليه.
٢٣٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ المِقْدَامِ) بكسر الميم، ابن سليمان، أبو الأشعث العِجْليُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بضمِّ أوَّلهما، النُّميريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن عقبة قال: (أَخْبَرَنَا نَافِعٌ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ الحميريُّ، فيما وصله الإمام أحمد ومسلمٌ: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵄ أَجْلَى) بالجيم، أي: أَخْرَجَ (اليَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْضِ الحِجَازِ) لأنَّه لم يكن لهم عهدٌ من النَّبيِّ ﷺ على بقائهم في الحجاز دائمًا، بل كان موقوفًا على مشيئته، والحجاز -فيما (٣) قاله الواقديُّ-: من المدينة إلى تبوك، ومن المدينة إلى طريق الكوفة، وقال غيره: مكة والمدينة واليمامة (٤) وَمَخَاليفُها، وقال ابن عمر ممَّا هو موصولٌ
стр. 4984
له: (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَمَّا ظَهَرَ) أي: غلب (عَلَى خَيْبَرَ أَرَادَ إِخْرَاجَ اليَهُودِ مِنْهَا، وَكَانَتِ الأَرْضُ حِينَ ظَهَرَ) أي: غلب ﵊ (عَلَيْهَا للهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ وَلِلْمُسْلِمِينَ) كانت خيبر فُتِح بعضها صلحًا، وبعضها عنوةً، فالذي فُتِح عنوةً كان جميعه لله ولرسوله وللمسلمين، والذي فُتِح صلحًا كان لليهود، ثمَّ صار للمسلمين بعد (١) الصُّلح (وَأَرَادَ) ﵊ (٢) (إِخْرَاجَ اليَهُودِ مِنْهَا) أي: من خيبر (فَسَأَلَتِ اليَهُودُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِيُقِرَّهُمْ بِهَا) بضمِّ الياء وكسر القاف ونصب (٣) الرَّاء، ليسكنهم بخيبر (أَنْ) أي: بأن (يَكْفُوا عَمَلَهَا)، أي: بكفاية (٤) عمل نخلها ومراعيها، والقيام بتعهُّدها وعمارتها، فـ «أن» مصدريَّةٌ (وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ) الحاصل من الأشجار (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : نُقِرُّكُمْ بِهَا (٥) عَلَى ذَلِكَ) الذي ذكرتموه من كفاية العمل، ونصف الثَّمرة لكم (مَا شِئْنَا) استدلَّ به الظَّاهريَّة: على جواز المساقاة مدَّةً مجهولةً، وأجاب عنه الجمهور: بأنَّ المراد أنَّ المساقاة ليست عقدًا مستمرًّا كالبيع، بل بعد انقضاء مدَّتها إن شئنا عقدنا عقدًا آخر، وإن شئنا أخرجناكم (فَقَرُّوا بِهَا) بفتح القاف وتشديد الرَّاء، أي: سكنوا بخيبر (حَتَّى أَجْلَاهُمْ) أخرَجَهم (عُمَرُ) ﵁ منها (إِلَى تَيْمَاءَ) بفتح الفوقية وسكون الياء التَّحتيَّة، ممدودًا: قريةٌ من أمَّهات القرى على البحر من بلاد طيئ (وَأَرِيحَاءَ) بفتح الهمزة وكسر الرَّاء وسكون الياء التَّحتيَّة وبالحاء المهملة، ممدودًا: قريةٌ من الشَّام، سُمِّيت بأريحاء ابن لمك بن أرفخشذ بن سام بن نوحٍ، وإنَّما أجلاهم عمر؛ لأنَّه ﵊ عهد عند موته أن يخرجوا من جزيرة العرب، ومطابقة هذا (٦) الحديث للتَّرجمة في قوله: «نُقِرُّكم بها على ذلك ما شئنا».
وهذا الحديث أخرجه موصولًا من طريق فُضَيلٍ [خ¦٣١٥٢] ومُعلَّقًا من طريق ابن جريجٍ وساقه على لفظ الرِّواية المُعلَّقة، وسيأتي إن شاء الله تعالى لفظ رواية فضيلٍ في «كتاب الخمس» (٧) [خ¦٣١٥٢].
стр. 4985
(١٨) (باب مَا كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «من أَصْحابِ النَّبيِّ» (¬ ﷺ يُوَاسِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الزِّرَاعَةِ وَالثَّمَرَةِ) ولأبي ذرٍّ: «الثَّمر».
٢٣٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) أبو الحسن المروزيُّ، المجاور بمكَّة قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو (عَنْ أَبِي النَّجَاشِيِّ) بفتح النُّون وتخفيف الجيم وكسر الشِّين المعجمة، عطاء بن صُهَيبٍ التَّابعيِّ (مَوْلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) أنَّه قال: (سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجِ بْنِ رَافِعٍ (١)) الأنصاريَّ (عَنْ عَمِّهِ ظُهَيْرِ بْنِ رَافِعٍ) بضمِّ الظَّاء المعجمة مُصغَّرًا (قَالَ ظُهَيْرٌ: لَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَمْرٍ كَانَ بِنَا رَافِقًا) أي: ذا رفقٍ، وانتصابه على أنَّه خبر «كان»، واسمها الضَّمير الذي في «كان»، قال رافعٌ: (قُلْتُ) لظُهَيرٍ: (مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَهْوَ حَقٌّ) لأنَّه ما ينطق عن الهوى (قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أي: فلمَّا أتيته (قَالَ: مَا تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ؟) بفتح الميم والحاء المهملة: بمزارعكم، قال ظُهَيرٌ: (قُلْتُ: نُؤَاجِرُهَا عَلَى الرُّبُْعِ) بضمِّ الرَّاء والموحَّدة وتُسكَّن، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي (٢) والمُستملي: «على الرُّبَيْع» بضمِّ الرَّاء وفتح المُوحَّدة وسكون التَّحتيَّة، تصغير الرُّبع، وفي روايةٍ: «على الرَّبِيع» (٣) بفتح الرَّاء وكسر الموحَّدة، وهو النَّهر الصَّغير، أي: على الزَّرع الذي هو عليه، والمعنى: أنَّهم كانوا يكرون الأرض ويشترطون لأنفسهم (٤) ما ينبت على النَّهر
стр. 4986
(وَعَلَى الأَوْسُقِ مِنَ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ) والواو بمعنى «أو» (قَالَ) ﵊: (لا تَفْعَلُوا) وهذا (١) صيغة النَّهي المذكور أوَّل الحديث حيث قال: «لقد نهانا» (اِزْرَعُوهَا) أنتم، بهمزة وصلٍ تُكسَر، وبفتح (٢) الرَّاء (أَوْ أَزْرِعُوهَا) بهمزة قطعٍ مفتوحةٍ وكسر الرَّاء، أي: أعطوها لغيركم يزرعها بغير أجرةٍ (أَوْ أَمْسِكُوهَا) بهمزة قطعٍ مفتوحةٍ وكسر السِّين، أي: اتركوها مُعطَّلةً و «أو» للتَّخيير، لا للشَّكِّ (قَالَ رَافِعٌ: قُلْتُ: سَمْعًٌا وَطَاعَةًٌ) نُصِب بتقدير: أسمع كلامَك سمعًا وأطيعك طاعةً، ويجوز الرَّفع خبر مبتدأٍ محذوفٍ تقديره، أي: كلامُك وأمرُك سمعٌ، أي: مسموعٌ، وفيه مبالغةٌ، وكذلك طاعةٌ، يعني: مُطاعٌ، أو أنت مطاعٌ (٣) فيما تأمر به.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «البيوع»، والنَّسائيُّ في «المزارعة»، وابن ماجه في «الأحكام».
٢٣٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بالتَّصغير (بْنُ مُوسَى) أبو محمَّدٍ العبسيُّ الكوفيُّ قال: (أَخْبَرَنَا (٤) الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريِّ (¬﵁¬) والظَّاهر: أنَّ الأوزاعيَّ كان يرويه عن أبي النَّجاشيِّ عطاءٍ، وعن عطاء بن أبي رباحٍ، كلُّ واحدٍ منهما بسنده، أنَّه (قَالَ: كَانُوا) أي: الصَّحابة في عصر النَّبيِّ ﷺ (يَزْرَعُونَهَا) أي: الأرض، وسقط لغير أبي ذرٍّ النُّون قبل الهاء من «يزرعونها» (بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَالنِّصْفِ) بما يخرج منها، والواو في الموضعين بمعنى «أو» (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا) بفتح النُّون، أي: يجعلها منيحةً، أي: عطيَّةً، وهذه مفسِّرةٌ لقوله في الحديث السَّابق [خ¦٢٣٣٩]: «أو أَزْرِعُوها»، ولـ «مسلمٍ»: «من كانت له أرضٌ فليزرعها، فإن عجز عنها فليمنحها أخاه المسلم ولا يُؤاجرها» (٥) (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ).
стр. 4987
٢٣٤١ - (وقَالَ الرَّبِيعُ) بفتح الرَّاء وكسر المُوحَّدة (بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ) بفتح الفوقيَّة والموحَّدة، بينهما واوٌ ساكنةٌ، الحافظ الثِّقة، وكان يُعَدُّ من الأبدال، وليس له في «البخاريِّ» سوى هذا الحديث، وآخر في «الطَّلاق» [خ¦٥٢٦٦] وتُوفِّي سنة إحدى وأربعين ومئتين فيما وصله مسلمٌ: (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ) بن سلَّامٍ بتشديد اللَّام (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثير (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (١) (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ) المسلم (فَإِنْ أَبَى) قبولها (فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ) وزاد في هذه: «أخاه» كرواية جابرٍ في «باب فضل المنيحة» [خ¦٢٦٣٢].
٢٣٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف وكسر المُوحَّدة وفتح الصَّاد المهملة، ابن عقبة الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ، أنَّه (قَالَ: ذَكَرْتُهُ) أي: حديثَ رافع بن خديجٍ المذكور آنفًا (لِطَاوُسٍ، فَقَالَ) طاوسٌ: (يُزْرِعُ) بضمِّ أوَّله وكسر ثالثه، من الإزراع، أي: يزرع غيره بالكراء (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄¬) تعليلٌ من جهة طاوسٍ لقوله: «يُزرِع»: (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ) أي: لم يحرِّمه، وصرَّح بذلك التِّرمذيُّ، ولفظه: عن ابن عبَّاسٍ أنَّ رسول الله (٢) ﷺ لم يحرِّم المزارعة (وَلَكِنْ قَالَ: أَنْ يَمْنَحَ) بفتح الهمزة ونصب «يمنحَ»، ولأبي ذرٍّ: «إِنْ يمنحْ» بكسر الهمزة على أنَّ «إن» شرطيَّةٌ، و «يمنحْ» مجزومٌ بها، أي: يعطي (أَحَدُكُمْ أَخَاهُ) المسلم أرضه ليزرعها (خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ) أي: من أخذه (شَيْئًا مَعْلُومًا) لأنَّهم كانوا يتنازعون
стр. 4988
في كراء الأرض، حتَّى أفضى بهم إلى التَّقاتل بسبب كون الخراج واجبًا لأحدهما على صاحبه، فرأى أنَّ المنحة خيرٌ لهم من المزارعة التي توقع بينهم مثل ذلك، وفي «الطَّحاويِّ»: التَّصريح بعلَّة النَّهي، ولفظه: عن زيد بن ثابتٍ أنَّه قال: يغفر الله لرافع بن خديجٍ، أنا -والله- كنت أعلم منه بالحديث: إنَّما جاء رجلان من الأنصار إلى رسول الله ﷺ قد اقتتلا، فقال: «إن كان هذا شأنكم فلا تُكروا المزارع»، فسمع قوله: «لا تكروا المزارع»، قال الطَّحاويُّ: فهذا زيد بن ثابتٍ يخبر أنَّ قول النَّبيِّ ﷺ : «لا تكروا المزارع» النَّهيُ الذي قد (١) سمعه رافعٌ لم يكن من النَّبيِّ ﷺ على وجه التَّحريم، وإنَّما كان لكراهية وقوع الشَّرِّ بينهم.
وهذا الحديث قد سبق في «باب إذا لم يشترط السِّنين في المزارعة» [خ¦٢٣٣٠].
٢٣٤٣ - ٢٣٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ، بمُعجَمةٍ فمُهملةٍ، قال: (حَدَّثَنَا (٢) حَمَّادٌ) هو ابن زيدٍ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يُكْرِي) بضمِّ أوَّله، من: أكرى أرضه يكريها (مَزَارِعَهُ) بفتح الميم (عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ) أيَّام خلافتهم (وَصَدْرًا مِنْ إِمَارَةِ مُعَاوِيَةَ) بكسر الهمزة، ولم يقل: «خلافته» لأنَّه -أي: ابن عمر- (٣) كان لا يبايع لمن لم يجتمع عليه النَّاس، ومعاوية ﵁ لم يجتمع عليه النَّاس؛ ولذا لم يبايع لابن الزُّبير ولا لعبد الملك في حال اختلافهما (٤)، ولم يذكر عليَّ بن أبي طالبٍ،
стр. 4989
فيحتمل أن يكون لأنَّه لم يزرع في أيَّامه (ثُمَّ حُدِّثَ) بضمِّ الحاء المهملة وتشديد الدَّال المكسورة، ابن عمر (عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ثمَّ حَدَّث رافعُ بن خديجٍ» بفتح أوَّل «حَدَّث»، وحذف «عن»: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ كِرَاءِ المَزَارِعِ، فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ (إِلَى رَافِعٍ) قال نافعٌ: (فَذَهَبْتُ مَعَهُ) أي: مع ابن عمر (فَسَأَلَهُ) أي (١): فسأل ابن عمر رافعًا (فَقَالَ) رافعٌ: (نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كِرَاءِ المَزَارِعِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَدْ عَلِمْتَ) يا رافع (أَنَّا كُنَّا نُكْرِي مَزَارِعَنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمَا) ينبت (عَلَى الأَرْبِعَاءِ) بفتح الهمزة وسكون الرَّاء وكسر المُوحَّدة، ممدودًا، جمع ربيعٍ، وهو النَّهر الصَّغير (وَبِشَيْءٍ مِنَ التِّبْنِ) بالموحَّدة السَّاكنة، وحاصل حديث ابن عمر هذا: أنَّه ينكر على رافعٍ إطلاقه في النَّهي عن كراء الأراضي (٢)، ويقول: الذي نهى عنه النَّبيُّ (٣) ﷺ هو الذي كانوا يدخلون فيه الشَّرط الفاسد، وهو أنَّهم يشترطون ما على الأربعاء وطائفةً من التِّبن، وهو مجهولٌ، وقد يسلم هذا ويصيب غيره آفةٌ، أو بالعكس، فتقع المزارعة ويبقى المزارع أو ربُّ الأرض بلا شيءٍ.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ رافع بن خديجٍ لمَّا روى النَّهي عن كراء المزارع يلزم منه عادةً أنَّ أصحاب الأرض إنَّما يزرعون بأنفسهم، أو يمنحون بها لمن يزرع من غير بدلٍ، فتحصل فيه المُواسَاة.
٢٣٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة، ونسبه (٤) لجدِّه لشهرته به، واسم أبيه: عبد الله المخزوميُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ، أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كُنْتُ أَعْلَمُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّ الأَرْضَ تُكْرَى) بضمِّ أوَّله
стр. 4990
وفتح الرَّاء (ثُمَّ خَشِيَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر (أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَحْدَثَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ) ولأبي ذرٍّ: «علمه» أي: حكم بما هو ناسخٌ لما كان يعلمه من جواز الكراء (فَتَرَكَ كِرَاءَ الأَرْضِ) وهذا الحديث ساقه هنا مختصرًا، وقد أخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ من طريق شعيب بن اللَّيث عن أبيه مُطوَّلًا، وأوَّله: أنَّ عبد الله كان يكري أرضه حتَّى بلغه أنَّ رافع بن خديجٍ ينهى عن كراء الأرض، فلقيه فقال: يا ابن خديجٍ ما هذا؟ قال: سمعت عَمَّيَّ -وكانا قد شهدا بدرًا- يحدِّثان: أنَّ رسول الله ﷺ نهى (١) عن كراء الأرض، فقال عبد الله: قد (٢) كنت أعلم فذكره، وقد احتجَّ بهذا من كره إجارة الأرض بجزءٍ ممَّا يخرج منها، وقد مرَّ قريبًا.
(١٩) (باب) جواز (كِرَاءِ الأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما وصله الثَّوريُّ في «جامعه» بإسنادٍ صحيحٍ: (إِنَّ أَمْثَلَ) أفضلَ (مَا أَنْتُمْ صَانِعُونَ أَنْ تَسْتَأْجِرُوا الأَرْضَ البَيْضَاءَ) زاد الثَّوريُّ: ليس فيها شجرٌ (مِنَ السَّنَةِ إِلَى السَّنَةِ).
٢٣٤٦ - ٢٣٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) بفتح العين، ابن فرَّوخٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) واسمه: فرَّوخٌ مولى المنكدر بن عبد الله (عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ) بالحاء المهملة والظَّاء المعجمة، الزُّرقيِّ الأنصاريِّ (عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمَّايَ) أحدهما ظُهَير بن رافعٍ المذكور قريبًا [خ¦٢٣٣٩] وسمَّى الآخرَ بعضُ من صنَّف في «المبهمات»: مُظَهِّرًا، بميمٍ مضمومةٍ وظاءٍ معجمةٍ مفتوحةٍ وهاءٍ مُشدَّدةٍ مكسورةٍ
стр. 4991
وراءٍ، كما ضبطه عبد الغنيِّ وابن ماكولا، وقال الكلاباذيُّ: لم أقف على اسمه، وقيل: اسمه مُهَيرٌ، بوزن أخيه ظُهَيرٍ، مُصغَّرًا، فعند أبي (١) عليِّ بن (٢) السَّكن من طريق سعيد بن أبي عَروبة (٣)، عن يعلى بن حكيمٍ، عن سليمان بن يسارٍ، عن رافع بن خديجٍ: أنَّ بعض عمومته، قال سعيدٌ: زعم قتادة أنَّ اسمه مُهَيرٌ … فذكر الحديث، قال (٤) في «الفتح»: فهذا أَوْلى أن يُعتَمد (أَنَّهُمْ) أي: الصَّحابة (كَانُوا يُكْرُونَ الأَرْضَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَا يَنْبُتُ) فيها (عَلَى الأَرْبِعَاءِ) جمع ربيعٍ، وهو (٥) النَّهر الصَّغير (أَوْ شَيْءٍ) ولأبي ذرٍّ: «أو بشيءٍ» بمُوحَّدةٍ، كالثُّلث أو الرُّبع (يَسْتَثْنِيهِ صَاحِبُ الأَرْضِ) من المزروع لأجله (فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ) لما فيه من الجهل، قال حنظلة بن قيسٍ: (فَقُلْتُ لِرَافِعٍ: فَكَيْفَ هِيَ) أي: كيف حكمها (بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ؟ فَقَالَ رَافِعٌ) بطريق الاجتهاد: (لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ) أو علم ذلك بطريق التَّنصيص على جوازه، أو علم أنَّ جواز الكراء بالدِّينار والدِّرهم غير داخلٍ في النَّهي عن كراء الأرض بجزءٍ ممَّا يخرج (٦) منها، وقد أخرج أبو داود والنَّسائيُّ بإسنادٍ صحيحٍ من طريق سعيد ابن المُسيَّب عن رافع بن خديجٍ قال: نهى رسول الله ﷺ عن المُحاقَلة والمُزابَنة وقال: إنَّما يزرع ثلاثةٌ: رجلٌ له أرضٌ، ورجلٌ مُنِحَ أرضًا (٧)، ورجلٌ اكترى (٨) أرضًا بذهبٍ أو فضَّةٍ. وهو يرجِّح أنَّ ما قاله رافعٌ مرفوعٌ، لكن بيَّن النَّسائيُّ من وجهٍ آخر: أنَّ المرفوع منه النَّهيُ عن المحاقلة والمزابنة، وأنَّ بقيَّته مُدرَجةٌ من كلام سعيد بن المُسيَّب.
(وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام، ممَّا هو موصولٌ بالسَّند المذكور، ولأبي ذرٍّ: «قال أبو
стр. 4992
عبد الله»، أي: البخاريُّ من ههنا (١): «قال اللَّيث: أُراه» بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّ شيخي ربيعة المذكور (وَكَانَ الَّذِي نُهِيَ) بضمِّ النُّون وكسر الهاء (عَنْ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «من» (ذَلِكَ مَا لَوْ نَظَرَ فِيهِ ذَوُو الفَهْمِ بِالحَلَالِ وَالحَرَامِ لَمْ يُجِيزُوهُ) وفي رواية النَّسفيِّ وابن شبُّويه: «ذو الفهم بالحلال والحرام لم يُجزِه» بالإفراد فيهما (لِمَا فِيهِ مِنَ المُخَاطَرَةِ) وهي الإشراف على الهلاك، وهذا موافقٌ لما عليه الجمهور من حمل النَّهي عن كراء الأرض على الوجه المفضي إلى الغرر والجهالة، لا عن كرائها مطلقًا بالذَّهب والفضَّة، وقد سقطت هذه المقالة المذكورة عن اللَّيث جميعها عند النَّسفيِّ وابن شبُّويه فيما قاله الحافظ ابن حجرٍ، فتكون مُدرَجةً عندهما في نفس الحديث، ولم يذكر النَّسائيُّ (٢) ولا الإسماعيليُّ في روايتهما لهذا الحديث من طريق اللَّيث هذه الزِّيادة، قال التُّوربشتيُّ: لم يظهر لي (٣) هذه الزِّيادة من الرُّواة أم من قول البخاريِّ، وقال البيضاويُّ: الظَّاهر من السِّياق أنَّها من كلام رافعٍ. انتهى. قال الحافظ ابن حجرٍ: وقد تبيَّن برواية أكثر الطُّرق في «البخاريِّ» أنَّها من كلام اللَّيث.
وفي هذا الحديث رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وهما ربيعة وحنظلة، ورواية صحابيٍّ عن صحابيَّين (٤).
(٢٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين بغير ترجمةٍ.
٢٣٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السِّين المهملة وتخفيف النُّون وبعد الألف نونٌ
стр. 4993
أخرى (١)، قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة حاءٌ مُهمَلةٌ، ابن سليمان قال: (حَدَّثَنَا هِلَالٌ) هو ابن عليٍّ المعروف بابن أسامة. قال المؤلِّف بالسَّند «ح» (٢): (وحَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (عَبْدُ (٣) اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك (٤) بن عمرو بن قيسٍ العقديُّ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) هو ابن سليمان (عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالتَّحتيَّة والمهملة المُخفَّفة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ) أصحابه (وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ) لم يُسَمَّ، والواو للحال: (أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ) بفتح همزة «أنَّ» لأنَّه في موضع المفعول (اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ) ، أي: يستأذن ربَّه، فأخبر عن الأمر المُحقَّق الآتي بلفظ الماضي (فِي) أن يباشر (الزَّرْعِ) يعني: سأله تعالى أن يزرع (فَقَالَ) ربُّه تعالى (لَهُ: أَلَسْتَ) وفي رواية محمَّد بن سنانٍ [خ¦٧٥١٩]: «أولست» بزيادة واو استفهامٍ تقريريٍّ، يعني: أولست كائنًا (فِيمَا شِئْتَ) من المشتهيات؟ (قَالَ: بَلَى) الأمر كذلك (وَلَكِنِّي) بالياء بعد النُّون، ولأبي ذرٍّ: «ولكن» (أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ) فأذن له (قَالَ (٥): فَبَذَرَ) بالذَّال المعجمة، أي: ألقى البذر على (٦) أرض الجنَّة (فَبَادَرَ) بالدَّال المهملة، وفي رواية محمَّد بن سنانٍ: «فأسرع وبذر فبادر» (الطَّرْفَ) بفتح الطَّاء وسكون الرَّاء، نُصِب على المفعوليَّة لقوله: (نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ) من الحصد، وهو قلع الزَّرع (فَكَانَ أَمْثَالَ الجِبَالِ) يعني: أنَّه لمَّا بذر لم يكن بين ذلك وبين
стр. 4994
استواء الزَّرع ونَجَازِ أمرِه كلِّه من الحصد والتَّذرية والجمع إلَّا كلمح (١) البصر، وكأنَّ كلَّ حبَّةٍ منه مثلُ الجبل، وفيه: أنَّ الله تعالى أغنى أهل الجنَّة فيها عن تعب الدُّنيا ونصبها (فَيَقُولُ اللهُ تَعالَى: دُونَكَ) بالنَّصب على الإغراء، أي: خذه (يَا ابْنَ آدَمَ، فَإِنَّهُ) أي: فإنَّ الشَّأن (لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ، فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ) أي: ذلك الرَّجل الذي من أهل البادية: (وَاللهِ لَا تَجِدُهُ إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا، فَإِنَّهُمْ) أي: قريشًا والأنصار (أَصْحَابُ زَرْعٍ، وَأَمَّا نَحْنُ) أي: أهل (٢) البادية (فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) فإن قلت: ما وجه إدخال هذا الحديث هنا؟ أجاب ابن المنيِّر (٣): للتَّنبيه (٤) على أنَّ أحاديث المنع من الكراء إنَّما جاءت على النَّدب لا على الإيجاب؛ لأنَّ العادة فيما يحرص عليه ابن آدم أشدَّ الحرص ألَّا يُمنَع من الاستمتاع به، وبقاء حرص هذا الحريص من أهل الجنَّة على الزَّرع، وطلب الانتفاع به حتَّى في الجنَّة دليلٌ على أنَّه مات على ذلك؛ لأنَّ المرء يموت على ما عاش عليه، ويُبعَث على ما مات عليه (٥)، فدلَّ ذلك على أنَّ آخر عهدهم من الدُّنيا جواز الانتفاع بالأرض واستثمارها (٦)، ولو كان كراؤها مُحرَّمًا عليه لفطم نفسه عن الحرص عليها حتَّى لا يثبت هذا القدر في ذهنه هذا الثُّبوت. انتهى.
وهذا الحديث هو لفظ الإسناد الثَّاني، ومتن السَّند الأوَّل يأتي في «التَّوحيد» [خ¦٧٥١٩] إن شاء الله تعالى.
(٢١) (باب مَا جَاءَ فِي الغَرْسِ).
стр. 4995
٢٣٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ) القاريُّ بغير همزٍ (١) نسبةً إلى قارة، حيٍّ من العرب، ولأبي ذرٍّ: «يعقوب بن عبد الرَّحمن»، وأصله مدنيٌّ، سكن الإسكندريَّة (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينارٍ الأعرج المدنيِّ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) الأنصاريِّ السَّاعديِّ (¬﵁ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّا كُنَّا نَفْرَحُ) ولأبوي ذرٍّ والوقت عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (٢): «إنْ» -بسكون النُّون- «كنَّا لنفرح» (بِيَوْمِ الجُمُعَةِ، كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ) لم تُسَمَّ (تَأْخُذُ مِنْ أُصُولِ سِلْقٍ لَنَا) بكسر السِّين المهملة (كُنَّا نَغْرِسُهُ فِي أَرْبِعَائِنَا) نهرنا الصَّغير، أو ساقيتنا الصَّغيرة (فَتَجْعَلُهُ فِي قِدْرٍ لَهَا، فَتَجْعَلُ فِيهِ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ) قال يعقوب: (لَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِيهِ شَحْمٌ وَلَا وَدَكٌ) بفتح الواو والدَّال المهملة: دسمُ اللَّحم (٣) (فَإِذَا صَلَّيْنَا الجُمُعَةَ زُرْنَاهَا) أي: العجوز (فَقَرَّبَتْهُ إِلَيْنَا) زاد في «الجمعة» [خ¦٩٣٨]: فنلعقه (فَكُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الجُمُعَةِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ) الذي تصنعه العجوز (وَمَا كُنَّا نَتَغَدَّى وَلَا نَقِيلُ) من القيلولة (إِلَّا بَعْدَ) صلاة (الجُمُعَةَ) وموضع التَّرجمة من الحديث قوله: «كنَّا نغرسه في أربعائنا»، وقد سبق في «باب قول الله : ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]» في آخر «كتاب الجمعة» [خ¦٩٣٨].
стр. 4996
٢٣٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريُّ القرشيُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد ابن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: يَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحَدِيثَ) أي: روايته، وفي «كتاب العلم» [خ¦١١٨]: قال: «إنَّ النَّاس يقولون: أكثرَ أبو هريرة»، وسقط قوله هنا «الحديث» عند أبي ذرٍّ (وَاللهُ المَوْعِدُ) بفتح الميم وكسر (١) العين المهملة بينهما واوٌ ساكنةٌ، وهو مصدرٌ ميميٌّ، أو (٢) ظرف زمانٍ أو مكانٍ، وعلى كلِّ تقديرٍ لا يصحُّ أن يُخبر به عن الله تعالى، فلا بدَّ من إضمارٍ، وتقديره في كونه مصدرًا: «والله الواعد» (٣)، وإطلاق المصدر على الفاعل للمبالغة، يعني: الواعد في فعله للخير والشَّرِّ، والوعد يُستعمَل في الخير والشَّرِّ، يُقال: وعدته خيرًا ووعدته شرًّا، فإذا أسقط الخير والشَّرَّ، يُقال في الخير: الوعد والعدة، وفي الشَّرِّ: الإيعاد والوعيد، وتقديره في كونه
стр. 4997
ظرف زمانٍ، «وعند الله الموعد يوم القيامة»، وتقديره في كونه ظرف مكانٍ: «وعند الله الموعد في الحشر»، والمعنى: على (١) كلِّ تقديرٍ: فالله تعالى يحاسبني إن تعمَّدت كذبًا، ويحاسب من ظنَّ بي السُّوء (وَيَقُولُونَ) أي: النَّاس: (مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لَا يُحَدِّثُونَ مِثْلَ أَحَادِيثِهِ؟) أي: أبي هريرة (وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ المُهَاجِرِينَ) كلمة «من» بيانيَّةٌ (كَانَ يَشْغَلُهُمُ) بفتح الغين المعجمة (الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ) كنايةً عن التَّبايع (وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ) في الزِّراعة والغراسة، وهذا موضع التَّرجمة (وَكُنْتُ اِمْرَأً مِسْكِينًا) أي: من مساكين الصُّفَّة (أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي) بكسر الميم (فَأَحْضُرُ) مجلس النَّبيِّ ﷺ (حِينَ يَغِيبُونَ) أي: الأنصار والمهاجرون (وَأَعِي) أي: أحفظ (حِينَ يَنْسَوْنَ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا) من الأيَّام: (لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ، ثُمَّ يَجْمَعَهُ) بالنَّصب عطفًا على قوله: «لن (٢) يبسط» أي: يجمع الثَّوب (إِلَى صَدْرِهِ (٣)، فَيَنْسَى مِنْ مَقَالَتِي شَيْئًا أَبَدًا) والمعنى: أنَّ البسط المذكور والنِّسيان لا يجتمعان؛ لأنَّ البسط الذي بعده الجمع المتعقِّب للنِّسيان منفيٌّ، فعند وجود البسط ينعدم النِّسيان، وبالعكس (فَبَسَطْتُ نَمِرَةً) بفتح النُّون وكسر الميم: بردةً من صوفٍ يلبسها الأعراب، والمراد: بسط بعضها لئلَّا يلزم كشف عورته (لَيْسَ عَلَيَّ ثَوْبٌ غَيْرَهَا) أي: غير النَّمرة (٤) (حَتَّى قَضَى النَّبِيُّ ﷺ مَقَالَتَهُ، ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي فَوَ) الله (الَّذِي بَعَثَهُ) ﷺ إلى الثَّقلين (بِالحَقِّ، مَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَتِهِ تِلْكَ إِلَى يَوْمِي هَذَا) ولـ «مسلمٍ» من رواية يونس (٥): فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئًا حدَّثني به، وهو يدلُّ على العموم؛ لأنَّ تنكير «شيئًا» بعد النَّفي يدلُّ على العموم؛ لأنَّ النَّكرة في سياق النَّفي تدلُّ عليه، فدلَّ على العموم في عدم النِّسيان لكلِّ شيءٍ من الحديث وغيره، لا أنَّه خاصٌّ بتلك المقالة؛ كما يعطيه ظاهر قوله: «من مقالته تلك»، ويعضد العموم ما (٦) في حديث أبي هريرة: أنَّه شكا إلى النَّبيِّ ﷺ أنَّه ينسى، ففعل ما فعل ليزول عنه النِّسيان، ويحتمل أن يكون وقعت
стр. 4998
له قضيَّتان، فالقضيَّة (١) التي رواها الزُّهريُّ مختصَّةٌ بتلك المقالة، والأخرى عامَّةٌ. (وَاللهِ لَوْلَا آيَتَانِ) موجودتان (فِي) وفي نسخةٍ «من» (كِتَابِ اللهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ) فيه حذف اللَّام من جواب «لولا»، وهو جائزٌ، والأصل: «لمَا حدَّثتكم» (شَيْئًا أَبَدًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ١٥٩] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٠]) ولأبي ذرٍّ: «﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ إلى قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾»، وفي هذا وعيدٌ شديدٌ لمن كتم (٢) ما جاءت به الرُّسل من الدَّلالات البيِّنة الصَّحيحة، والهدى النَّافع للقلوب من بعد ما بيَّنه الله تعالى لعباده (٣) في كتبه التي أنزلها على رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وقد مضى هذا الحديث في «باب (٤) حفظ العلم» في «كتاب العلم» (٥) [خ¦١١٨] أخصر من هذا، والله (٦) الموفِّق والمعين.
стр. 4999
((٤٢)) (بسم الله الرحمن الرحيم كِتَابُ المُسَاقَاةِ) هي مأخوذةٌ من السَّقي المحتاج إليه فيها غالبًا؛ لأنَّه أنفع أعمالها وأكثرها مؤنةً، وحقيقتها: أن يُعامل غيره على نخلٍ أو شجر عنبٍ ليتعهَّده بالسَّقي والتَّربية على أنَّ الثَّمرة لهما، والمعنى فيها: أنَّ مالكَ الأشجارِ قد لا يُحسن تعهُّدها أو لا يتفرَّغ له، ومن يحسن ويتفرَّغ قد لا يملك الأشجار، فيحتاج ذاك (١) إلى الاستعمال وهذا إلى العمل، ولو اكترى المالك لزمته الأجرة في الحال، وقد لا يحصل له شيءٌ من الثِّمار ويتهاون العامل فيها (٢)، فدعت الحاجة إلى تجويزها.
هذا (بابٌ) بالتَّنوين (فِي الشِّرْبِ) بكسر الشِّين المعجمة، أي: باب الحكم في قسمة الماء، و «الشِّرب» في «الأصل» بالكسر (٣): النَّصيب والحظُّ من الماء، وفي الفرع: بضمِّها، وعزاه عياضٌ للأَصيليِّ، قال: والكسر أولى، وقال السَّفاقسيُّ: من ضبطه بالضَّمِّ أراد المصدر، وقال غيره: المصدر مُثلَّثٌ (٤)، وسقط لأبي ذرٍّ «كتاب المساقاة» ولفظ: «باب»، قال ابن حجرٍ: ولا وجه لقوله: «كتاب المساقاة» فإنَّ التَّرجمة التي فيه غالبها تتعلَّق بإحياء الموات. (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه: (﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾) بالجرِّ، صفةٌ لـ «شيءٍ» أي: كلَّ
стр. 5000
حيوانٍ؛ كقوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء﴾ [النور: ٤٥] أو كأنَّما خلقناه من ماءٍ لفرط احتياجه إليه وحبِّه له، وقلَّة صبره عنه؛ كقوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] أو المعنى: صيَّرنا كلَّ شيءٍ حيٍّ بسببٍ من الماء لا يحيا دونه، وفي حديث أبي هريرة عند الإمام أحمد قال: قلت: يا رسول الله، إنِّي إذا رأيتك طابت نفسي وقرَّت عيني، فأنبئني عن كلِّ شيءٍ، قال: «كلُّ شيءٍ خُلِق من الماء … » الحديث، وإسناده على شرط الشَّيخين إلَّا أبا ميمونة فمن رجال السُّنن، واسمه: سليمٌ، والتِّرمذيُّ يصحِّح له، وروى ابن أبي حاتمٍ عن أبي العالية: أنَّ المراد بـ «الماء» (١): النُّطفة (﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]) مع ظهور الآيات الواضحة (٢). (وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾) أي: العذب الصَّالح للشُّرب (﴿أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ﴾) بقدرتنا (﴿لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٧٠]) قال البخاريُّ تبعًا لأبي عبيدٍ: (الأُجَاجُ: المُرُّ) وقيل: هو الشَّديد الملوحة أو المرارة، أو الحارُّ (٣)، حكاه ابن فارسٍ، وقال المؤلِّف تبعًا لقتادة ومجاهدٍ فيما أخرجه الطَّبريُّ عنهما: (المُزْنُ: السَّحَابُ) وقيل: هو الأبيض وماؤه أعذب (٤)، وفي رواية المُستملي: «أجاجًا منصبًّا»، وهو موافقٌ لتفسير ابن عبَّاسٍ وقتادة ومجاهدٍ فيما أخرجه الطَّبريُّ: «المزن: السَّحاب، الأجاج: المرُّ، فراتًا: عذبًا» وعن السُّدِّيِّ فيما رواه ابن أبي حاتمٍ: العذب (٥): الفرات الحلو، وقوله: «ثجَّاجًا» و «فراتًا» ذكرهما هنا استطرادًا على عادته في زيادته (٦) فرائد الفوائد، ولفظ رواية أبي ذرٍّ: «﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾»، وقد أورد الزَّمخشريُّ هنا سؤالًا فقال: فإن قلت: لِمَ أُدخِلت اللَّام على
стр. 5001
جواب «لو» في قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاء (١) لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٥] ونُزِعت منه (٢) ههنا؟ وأجاب: بأنَّ «لو» لمَّا كانت داخلةً على جملتين، مُعلَّقةٍ ثانيتهما بالأولى تعلُّق (٣) الجزاء بالشَّرط، ولم تكن مخلِّصةً للشَّرط كـ «إنْ»، و «لا» عاملةً مثلها، وإنَّما سرى فيها معنى الشَّرط اتِّفاقًا من حيث إفادتها في مضمون جملَتَيها أنَّ الثَّاني امتنع لامتناع الأوَّل، افتقرت في جوابها إلى ما يُنصبُّ علمًا على هذا التعلُّق (٤)، فزيدت هذه اللَّام لتكون عَلَمًا على ذلك، فإذا حُذِفت بعد ما صارت علمًا مشهورًا مكانه؛ فلأنَّ الشَّيء إذا عُلِم وشُهِر موقعُه وصار مألوفًا ومأنوسًا به لم يُبالَ بإسقاطه عن اللَّفظ استغناءً بمعرفة السَّامع، أو أنَّ هذه اللَّام مفيدةٌ معنى التَّوكيد لا محالةَ، فأُدخِلت في آية المطعوم دون آية المشروب للدَّلالة على أنَّ أمر المطعوم مُقدَّمٌ على أمر المشروب، وأنَّ الوعيد بفقده أشدُّ وأصعبُ من قِبَلِ أنَّ المشروب إنَّما يُحتاج إليه تبعًا للمطعوم، ولهذا قُدِّمت آية المطعوم على آية المشروب. انتهى.
(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (فِي الشُّرْبِ) بضمِّ المعجمة (وَمَنْ رَأَى) ولأبي ذرٍّ: «باب من رأى» (صَدَقَةَ المَاءِ وَهِبَتَهُ وَوَصِيَّتَهُ جَائِزَةً، مَقْسُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَقْسُومٍ، وَقَالَ عُثْمَانُ) بن عفَّان ﵁ فيما وصله التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن خزيمة: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ) بإضافة «بئر» إلى «رُومة» بضمِّ الرَّاء وسكون الواو فميمٌ فهاءٌ، بئرٌ معروفةٌ بالمدينة (فَيَكُونُ دَلْوُهُ فِيهَا) أي: في البئر المذكورة (كَدِلَاءِ المُسْلِمِينَ) يعني: يوقفها ويكون حظُّه منها كحظِّ غيره منها (٥) من غير مزيَّةٍ (فَاشْتَرَاهَا عُثْمَانُ ﵁¬) ووقفها على الفقير والغنيِّ وابن السَّبيل، وقد تمسَّك به من جوَّز الوقف على النَّفس، وأُجيب بأنَّه كما لو كان وقف على الفقراء ثمَّ صار
стр. 5002
فقيرًا، فإنَّه يجوز له الأخذ منه، و «رُومة» قيل: إنَّه عَلَمٌ على صاحب البئر، وهو رومة الغفاريُّ كما ذكره ابن منده، فقال: يُقال: إنَّه أسلم، روى حديثه عبد الله بن عمر بن أبان، عن المحاربيِّ، عن أبي مسعودٍ (١)، عن أبي سلمة بِشْر (٢) بن بشيرٍ (٣) الأسلميِّ، عن أبيه قال: لمَّا قدم المهاجرون المدينة استنكروا (٤) الماء، وكانت لرجلٍ من بني غفارٍ عينٌ يُقال لها: رومة، كان يبيع منها القربة بالمُدِّ، فقال له رسول الله ﷺ : «بِعْنِيها بعينٍ في الجنَّة»، فقال: يا رسول الله، ليس لي ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان، فاشتراها بخمسةٍ وثلاثين ألف درهمٍ، ثمَّ أتى النَّبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله، أتجعل لي مثل الذي جعلت لرومة عينًا في الجنَّة؟ قال: «نعم»، قال: قد اشتريتها وجعلتها للمسلمين، قال في «الإصابة»: تعلَّق ابن منده على قوله: «أتجعل لي مثل الذي جعلت لرومة»؟ ظنًّا منه أنَّ المراد به صاحبُ البئر، وليس كذلك؛ لأنَّ في صدر الحديث أنَّ رومة اسم البئر (٥)، وإنَّما المراد بقوله: «جعلت لرومة» أي: لصاحب رومة أو نحو ذلك، وقد أخرجه البغويُّ عن عبد الله بن عمر بن أبان فقال فيه: مثل الذي جعلت له، فأعاد الضَّمير على الغفاريِّ، وكذا أخرجه ابن شاهين والطَّبرانيُّ من طريق ابن أبان، وقال البلاذريُّ (٦) في «تاريخه»: هي بئرٌ قديمةٌ كانت ارتطمت، فأتى قومٌ من مُزَينة حلفاء للأنصار فقاموا عليها وأصلحوها، وكانت رومة امرأةً منهم أو أمةً لهم تسقي منها النَّاس فنُسِبت إليها. انتهى. ويأتي في «الوقف» [خ¦٢٧٧٨]-إن شاء الله تعالى- أنَّ عثمان ﵁ قال: ألستم تعلمون أنَّ رسول الله ﷺ قال: «من حفر رُومة فله الجنة»، فحفرتها، وهذا يقتضي أنَّ رومة اسم العين
стр. 5003
لا اسم صاحبها، ويحتمل أن يكون على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه جمعًا بين الحديثين -كما مرَّ-، والله أعلم.
٢٣٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن محمَّد بن الحكم بن أبي مريم الجمحيُّ مولاهم المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة وتشديد السِّين المهملة وبعد الألف نونٌ، محمَّد بن مُطَرِّفٍ اللَّيثيُّ المدنيُّ، نزل (١) عسقلان (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، سلمة بن دينارٍ الأعرج المدنيُّ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) السَّاعديِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بضمِّ الهمزة وكسر المُثنَّاة (٢) الفوقيَّة، و «النَّبيُّ»: رفعُ نائبٍ عن الفاعل (بِقَدَحٍ) فيه ماءٌ أو لبنٌ شِيب به (فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ أَصْغَرُ القَوْمِ) هو ابن عبَّاسٍ ﵄ (٣) كما في «مُسنَد ابن أبي شيبة» (وَالأَشْيَاخُ) وفيهم خالد بن الوليد (عَنْ يَسَارِهِ، فَقَالَ) ﵊: (يَا غُلَامُ (٤) أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ الأَشْيَاخَ؟ قَالَ) الغلام: (مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِفَضْلِي) قال الكِرمانيُّ وتبعه العينيُّ والبرماويُّ وغيرهما: وفي بعضها: «بفضلٍ» (مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ) ووجه دخول هذا الحديث هنا من جهة مشروعيَّة قسمة الماء، وأنَّه يُملَك إذ لو لم يُملَك لَما جازت (٥) فيه القسمة.
стр. 5004
٢٣٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ الحمصيُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الحمصيُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) هو محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: أَنَّهَا) أي: القصَّة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «أنَّه»، أي: الشَّأن (١) (حُلِبَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ شَاةٌ دَاجِنٌ) هي التي تألف البيوت وتقيم بها، ولم يقل: «داجنةٌ» اعتبارًا بتأنيث الموصوف؛ لأنَّ الشَّاة تُذكَّر وتُؤنَّث، وفي «النِّهاية»: هي التي تُعلَف في المنزل (وَهْيَ) أي: الدَّاجن، والواو للحال، ولأبي ذرٍّ: «وهو» أي: النَّبيُّ ﷺ (فِي دَارِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (وَشِيبَ لَبَنُهَا) بكسر الشِّين المعجمة، مبنيًّا للمفعول، و «لبنُها» رفع نائبٍ عن الفاعل، أي: خُلِط (بِمَاءٍ مِنَ البِئْرِ الَّتِي فِي دَارِ أَنَسٍ (٢)، فَأَعْطَى رَسُولَ اللهِ ﷺ القَدَحَ فَشَرِبَ مِنْهُ) ﵊ (حَتَّى إِذَا نَزَعَ القَدَحَ) أي: قلعه (عنْ فِيهِ) وللمُستملي والحَمُّويي: «من فيه» (وَعَلَى يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ) قيل: إنَّه خالد بن الوليد، ورُدَّ: بأنَّه لا يُقال له: أعرابيٌّ، وعبَّر بقوله: «وعلى» في الأولى، وبـ «عن» في الثَّانية، فقال الكِرمانيُّ: لعلَّ يساره كان موضعًا مرتفعًا، فاعتُبِر استعلاؤه، أو كان الأعرابيُّ بعيدًا عن الرَّسول ﷺ (فَقَالَ عُمَرُ) ابن الخطَّاب ﵁ (وَخَافَ) أي: والحال أنَّ عمر خاف (أَنْ يُعْطِيَهُ) أي: يعطي النَّبيُّ ﷺ القدح (الأَعْرَابِيَّ: أَعْطِ) -بهمزةٍ مفتوحةٍ- القدحَ (أَبَا بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللهِ عِنْدَكَ) قاله تذكيرًا للرَّسول ﵊، وإعلامًا للأعرابيِّ بجلالة الصِّدِّيق (فَأَعْطَاهُ) ﵊ (الأَعْرَابِيَّ الَّذِي عَلَى (٣) يَمِينِهِ) ولأبي ذرٍّ في نسخةٍ وصُحِّح عليها في الفرع وأصله (٤): «عن» بالنُّون بدل «على» باللَّام (ثُمَّ قَالَ)
стр. 5005
﵊: قدِّموا (الأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ) قال الكِرمانيُّ وتبعه البرماويُّ وغيره: «الأيمنَ» ضُبِط بالنَّصب على تقدير: أعطِ الأيمنَ، وبالرَّفع على تقدير: الأيمنُ أحقُّ، واستدلَّ العينيُّ لترجيح الرَّفع بقوله: في بعض طرق الحديث [خ¦٢٥٧١]: «الأيمنون الأيمنون الأيمنون»، قال أنسٌ: فهي سنَّةٌ، فهي سنَّةٌ، فهي سنَّةٌ (١)، أي: تقدمة الأيمن، وإن كان مفضولًا لا خلاف في ذلك، نعم خالف ابن حزمٍ فقال: لا يجوز مناولة غير الأيمن إلَّا بإذن الأيمن، وأمَّا حديث ابن عبَّاسٍ عند أبي يعلى الموصليِّ بإسنادٍ صحيحٍ قال: كان رسول الله ﷺ إذا سُقِي قال «ابدؤوا بالكبراء»، أو قال: «بالأكابر»، فمحمولٌ على ما إذا لم يكن على جهة يمينه أحدٌ (٢)، بل كان الحاضرون تلقاء وجهه مثلًا، وإنَّما استأذن ﵊ الغلام في الحديث السَّابق [خ¦٢٣٥١] ولم يستأذن الأعرابيَّ هنا ائتلافًا (٣) لقلب الأعرابيِّ وتطييبًا لنفسه وشفقةً أن يسبق إلى قلبه شيءٌ يهلك به لقرب عهده بالجاهليَّة، ولم يجعل للغلام ذلك لأنَّه قرابتُه، وسنُّه دون المشيخة فاستأذنه عليهم تأدُّبًا، ولئلَّا يوحشهم بتقديمه عليهم، وتعليمًا بأنَّه لا يدفع إلى غير الأيمن إلَّا بإذنه.
وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في «الأشربة» [خ¦٥٦١٢]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه.
(٢) (باب مَنْ قَالَ: إِنَّ صَاحِبَ المَاءِ أَحَقُّ بِالمَاءِ حَتَّى يَرْوَى) بفتح أوَّله وثالثه، من الرِّيِّ (لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) الآتي -إن شاء الله تعالى- موصولًا [خ¦٢٣٥٣]: (لا يُمْنَعُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، مرفوعًا، نفيٌ بمعنى النَّهي، ولأبي ذرٍّ: «لا يُمْنَعْ» بالجزم على النَّهي (فَضْلُ المَاءِ) بالرَّفع نائبٌ عن الفاعل؛ لأنَّ مفهومه: أنَّه أحقُّ بمائه عند عدم الفضل.
стр. 5006
٢٣٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا يُمْنَعُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول (فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ) مبنيٌّ للمفعول أيضًا (بِهِ الكَلأُ) بفتح الكاف والرَّفع: العشب يابسه ورطبه، واللَّام في «ليُمنَع» لام العاقبة كهي في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] ومعنى الحديث: أنَّ من شقَّ ماءً بفلاةٍ وكان حول ذلك الماء كلأٌ ليس حوله ماءٌ غيره، ولا يُوصَل إلى رعيه إلَّا إذا كانت المواشي ترد ذلك، فنُهِي صاحب الماء أن يمنع فضله (١)؛ لأنَّه إذا منعه منع رعي ذلك الكلأ، والكلأ لا يُمنَع لما في منعه من الإضرار بالنَّاس، ويلتحق به الرِّعاء إذا احتاجوا إلى الشُّرب؛ لأنَّهم إذا مُنِعوا من الشُّرب امتنعوا من الرَّعي هناك، والصَّحيح عند الشَّافعيَّة وبه قال الحنفيَّة: الاختصاص بالماشية، وفرَّق الشَّافعيُّ فيما حكاه المزنيُّ عنه بين المواشي والزُّروع: بأنَّ (٢) الماشية ذات أرواحٍ يُخشَى من عطشها موتُها بخلاف الزَّرع، وهذا محمولٌ عند أكثر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم على ماء البئر المحفورة في الملك، أو في الموات بقصد التَّملُّك أو الارتفاق خاصَّةً، فالأولى: وهي التي في ملكه، أو في مواتٍ بقصد التَّملُّك يملك ماؤها على الصَّحيح عند أصحابنا، ونصَّ عليه الشَّافعيُّ في القديم، والثَّانية: -وهي المحفورة في مواتٍ بقصد الارتفاق- لا يملك الحافر ماءها، نعم هو أولى به إلى أن يرتحل، فإذا ارتحل صار كغيره ولو عاد بعد ذلك، وفي كلا الحالتين (٣) يجب عليه بذل ما يفضُل عن حاجته، والمراد بحاجته: نفسُه وعيالُه وماشيتُه وزرعُه، لكن قال إمام الحرمين: وفي الزَّرع (٤) احتمالٌ على بُعْدٍ، أمَّا البئر
стр. 5007
المحفورة للمارَّة فماؤها مشتركٌ بينهم والحافر كأحدهم، ويجوز الاستقاء منها للشُّرب وسقي الزَّرع، فإن ضاق عنهما فالشُّرب أولى، وكذا المحفورة بلا قصدٍ على أصحِّ الوجهين لأصحابنا (١)، وأمَّا المُحرَز في إناءٍ؛ فلا يجب بذل فضله على الصَّحيح لغير المضطرِّ، ويُملَك بالإحراز، هذا كلام الشَّافعيَّة، وكلام الحنفيَّة والحنابلة في ذلك متقاربٌ في الأصل والمُدرَك وإن اختلفت تفاصيلهم، وجعل المالكيَّة هذا الحكم في البئر المحفورة في الموات، وقالوا في المحفورة في الملك: لا يجب عليه بذل فضلها، وقالوا في المحفورة في الموات: لا تُباع، وصاحبها وورثته أحقُّ بكفايتهم، وهذا النَّهي للتَّحريم عند مالكٍ والشَّافعيِّ والأوزاعيِّ واللَّيث، وقال غيرهم: هو من باب المعروف.
ومطابقة هذا الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ فضل الماء يدلُّ على أنَّ صاحب الماء أحقُّ به عند عدم الفضل، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «ترك الحيل» [خ¦٦٩٦٢]، ومسلمٌ في «البيوع»، والنَّسائيُّ (٢) في «إحياء الموات»، وأبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه.
٢٣٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بكيرٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ) سعيدٍ (وَأَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريِّ المدنيِّ، اسمه عبد الله أو إسماعيل، كلاهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ المَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ فَضْلَ الكَلأ) والمنهيُّ عنه منع الفضل لا منع الأصل، وهل يجب عليه بذل الفاضل عن
стр. 5008
حاجته (١) لزرع غيره؟ الصَّحيح عند الشَّافعيَّة، وبه قال الحنفيَّة: لا يجب، وقال المالكيَّة: يجب عليه إذا خشي عليه الهلاك، ولم يضرَّ ذلك بصاحب الماء، قال الأُبّيُّ أبو عبد الله: والحديث حجَّةٌ لنا في القول بسدِّ الذَّرائع؛ لأنَّه إنَّما نهى عن منع فضل الماء؛ لِما يؤدِّي إليه من منع الكلأ. انتهى. وقد ورد التَّصريح في بعض طرق الحديث بالنَّهي عن منع الكلأ، صحَّحه ابن حبَّان من رواية أبي سعيدٍ مولى بني غفارٍ عن أبي هريرة ولفظه: «لا تمنعوا فضل الماء ولا تمنعوا الكلأ، فيهزلَ المال، ويجوعَ العيال» وهو محمولٌ على غير المملوك، وهو الكلأ النَّابت في الموات، فمنعه مجرَّد ظلمٍ؛ إذ النَّاس فيه سواءٌ، أمَّا الكلأ النَّابت في أرضه المملوكة له بالإحياء فمذهب الشَّافعيَّة جواز بيعه، وفيه خلافٌ عند المالكيَّة، صحَّح ابن العربيِّ الجواز.
(٣) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين (٣) (مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ) أو مواتٍ للتَّملُّك (٤) أو الارتفاق (لَمْ يَضْمَنْ) لأنَّه غير عدوان، فلو كان عدوانًا ضمنته العاقلة، ولو حفر بدهليزه بئرًا ودعا رجلًا فدخله فسقط فيها فهلك فالأظهر (٥) الضَّمان لأنَّه غَرَّهُ.
٢٣٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (٦) (مَحْمُودٌ) هو ابن غيلان، أبو أحمد العدويُّ مولاهم المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرني» بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، ابن موسى، وهو شيخ المصنِّف، روى عنه بغير واسطةٍ في أوَّل «الإيمان» [خ¦٨]
стр. 5009
(عَنْ إِسْرَائِيلَ) بن يونس بن أبي إسحاق، السَّبيعيِّ الهمدانيِّ الكوفيِّ، ثقةٌ تُكلِّم فيه بلا حجَّةٍ (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصَّاد المهملتين، عثمان بن عاصم (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : المَعْدِنُ) بكسر الدَّال، كمَجْلِسٍ: منبت الجواهر من ذهبٍ ونحوه إذا حفره الرَّجل في ملكه أو في مواتٍ، فوقع فيه شخصٌ ومات (١)، أو انْهَارَ على حافره، فهو (جُبَارٌ) بضمِّ الجيم وتخفيف المُوحَّدة وبعد الألف راءٌ، أي: هدرٌ لا ضمان عليه (وَالبِئْرُ) إذا حفرها في ملكه أو في مواتٍ، أو انهارت على من استأجره لحفرها (جُبَارٌ) لا ضمان عليه، فلو حفرها في طريق المسلمين، أو في ملك غيره بغير إذنه فتلف بها (٢) إنسانٌ وجب (٣) ضمانه على عاقلة حافرها، والكفَّارة في مال الحافر، وإن تلف بها غير الآدميِّ وجب ضمانه في مال الحافر (وَالعَجْمَاءُ) بفتح العين المهملة وسكون الجيم وبعد الميم همزةٌ ممدودةٌ، أي: البهيمة لأنَّها لا تتكلَّم، إذا انفلتت فصدمت إنسانًا فأتلفته، أو أتلفت مالًا فهي (جُبَارٌ) لا ضمان على مالكها، أمَّا إذا كان معها فعليه الضَّمان (وَفِي الرِّكَازِ) دفن الجاهليَّة سواءٌ كان في دار الإسلام أو دار الحرب (الخُمُسُ) بشرط أن يكون نصابًا من النَّقدين (٤) لا الحول، ومذهب الإمام أحمد: أنَّه لا فرق بين النَّقدين فيه وغيرهما كالنُّحاس، وهو مذهب الحنفيَّة أيضًا، لكنَّهم أوجبوا الخمس وجعلوه فيئًا، والحنابلة أوجبوا ربع العشر وجعلوه زكاةً كما مرَّ في «الزَّكاة» [خ¦١٤٩٩] قال ابن المنيِّر: الحديث مطلقٌ والتَّرجمة مُقيَّدةٌ بالمِلْك، وإذا كان الحديث تحته صورٌ، أحدها: المِلْك، وهو أقعد الصُّور بسقوط الضَّمان كان دخولها في الحديث مُحقَّقًا فاستقام الاستدلال؛ لأنَّه إذا لم يضمن وقد حفر في غير مِلْكه كالذي يحفر في الصَّحراء فألَّا يضمن من حفر في ملكه الخاصِّ أجدرُ.
стр. 5010
(٤) (باب الخُصُومَةِ فِي البِئْرِ وَالقَضَاءِ فِيهَا).
٢٣٥٦ - ٢٣٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله المروزيُّ (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي، محمَّد بن ميمونٍ السُّكَّريِّ المروزيِّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ شَقِيقٍ) هو ابن سلمة، أبو وائلٍ، الأزديِّ الكوفيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) هو ابن مسعودٍ (¬﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ) أي: على محلوف يمينٍ، حال كونه (يَقْتَطِعُ بِهَا) أي: بسبب اليمين (مَالَ امْرِئٍ هُوَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «مال امرئٍ مسلمٍ هو» (عَلَيْهَا) أي: هو في الإقدام عليها (١) (فَاجِرٌ) أي: كاذبٌ، ويحتمل أن تكون جملة «يقتطع» صفةً لـ «يمينٍ»، والتَّقييد بالمسلم جرى على الغالب، وإلَّا فلا فرق بين المسلم والذِّمِّيِّ والمعاهد وغيرهم،