← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

لِمَا اشتمل عليه، وغاير بين شيخيه اللَّذين حدَّثاه عن اللَّيث؛ مراعاةً للفائدة الإسناديَّة وهي تكثير الطُّرق حيث يَحتَاج إلى إعادة المتن، فإنَّ عادته ألَّا يعيدَ الحديث في موضعين على صورةٍ واحدةٍ، وقد مرَّ أنَّ المؤلِّف أخرج هذا الحديث في ثلاثة مواضعَ [خ¦١٢] [خ¦٢٨] [خ¦٦٢٣٦]، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ. (٢١) هذا (بابُ) بغير تنوينٍ لإضافته لقوله: (كُفْرَانِ العَشِيرِ) وهو الزَّوج، كما يدلُّ (١) عليه السِّياق، قِيلَ له: عشيرٌ بمعنى مُعاشِرٍ، والمُعَاشَرَةُ المُخَالَطَةُ أو الإلْفُ، واللَّامُ للجنس، والكفران من الكَفْر -بالفتح- وهو السَّتر، ومن ثمَّ سُمِّيَ ضدُّ الإيمان كفرًا؛ لأنَّه ستر على الحقِّ وهو التَّوحيد، وأُطْلِقَ أيضًا على جحد النِّعم، لكنِ الأكثرون على تسمية ما يقابل الإيمان كفرًا، وعلى جحد النِّعم كفرانًا، وكما أنَّ الطَّاعات تُسمَّى إيمانًا كذلك المعاصي تُسمَّى كفرًا، لكن حيث يُطلَق عليها الكفر لا يُرَاد به المخرِجُ عن (٢) الملَّة، ثمَّ إن هذا الكفر يتفاوت في معناه، كما أشار إليه المؤلِّف بقوله: (وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ) كذا للأربعة، أي: أقرب من كفرٍ، فأخذ أموال النَّاس بالباطل دون قتل النَّفس بغير حقٍّ، وفي بعض الأصول: «وكفرٍ بعد كفرٍ» ومعناه كالأوَّل، وهو الذي في فرع «اليونينيَّة» كهي، لكنَّه ضُبِّب عليه، وأثبت على

стр. 527

الهامش الأوَّل راقمًا عليه علامة أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكرَ وأصل السُّميساطيِّ، والجمهور على جرِّ «وكفرٍ» عطفًا على «كفرانِ» المجرور، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «وكفرٌ» بالرَّفع على القطع، وخصَّ المؤلِّف «كفران العشير» من بين أنواع الذُّنوب -كما قال ابن العربيِّ- لدقيقةٍ بديعةٍ؛ وهي قوله ﵊: «لو أَمرتُ أحدًا أن يسجد لأحدٍ لأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها» فقرن حقَّ الزَّوج على الزَّوجة بحقِّ الله تعالى، فإذا كَفَرَتِ المرأةُ حقَّ زوجها وقد بلغ من حقِّه عليها هذه الغاية كان ذلك دليلًا على تهاونها بحقِّ الله تعالى، وقال ابن بطَّالٍ: كفر نعمة الزَّوج هو كفر نعمة الله؛ لأنَّها من الله سبحانه أجراها على يده. وقال المؤلِّف ﵀: (فِيهِ) أي: يدخل في الباب حديثٌ رواه (أَبُو سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) كما أخرجه المؤلِّف في «الحيض» [خ¦٣٠٤] وغيره [خ¦١٤٦٢] من طريق عياض بن عبد الله عنه، ولكريمةَ وغير الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «فيه عن أبي سعيدٍ» ولأبي الوقت زيادة: «الخدريِّ» أي: مرويٌّ عن أبي سعيدٍ، ونبَّه بذلك على أنَّ للحديث طريقًا غير هذه الطَّريق التي ساقها هنا، وزاد الأَصيليُّ بعد قوله: «وسلَّم»: «كثيرًا» (١). ٢٩ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ المدنيُّ (عَنْ مَالِكٍ)

стр. 528

يعني: ابن أنسٍ إمام الأئمَّة (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) مولى عمر ﵁ المُكنَّى بأبي أسامةَ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وثلاثين ومئةٍ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ومُهمَلَةٍ مُخفَّفةٍ، القاصِّ المدنيِّ الهلاليِّ، مولى أُمِّ المؤمنين ميمونة، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ أو أربعٍ ومئةٍ، وقِيلَ: أربعٍ وتسعين (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكرَ في نسخةٍ وأبي ذَرٍّ: «عن النَّبيِّ» (¬ ﷺ : أُرِيتُ النَّارَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول من الرُّؤية؛ بمعنى: أُبْصِرْتُ، وتاء المتكلِّم هو المفعول الأوَّل أُقِيمَ مقام الفاعل، و «النَّارَ» هو المفعول الثَّاني، أي: أراني الله النَّارَ، ولأبي ذَرٍّ: «ورَأَيت»؛ بالواو، ثمَّ راءٍ وهمزةٍ مفتوحتين، وللأَصيليِّ: «فرأيت» بالفاء (فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ) برفع «أكثرُ» و «النِّساء»: مبتدأٌ وخبرٌ، وفي روايةٍ: «رأيت النَّار، فرأيت أكثرَ أهلها النِّساءَ» بنصب «أكثرَ» و «النِّساءَ»: مفعولَي «رأيت» ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكرَ: «رأيت (١) النَّارَ» بالنَّصب «أكثرُ» بالرَّفع، وفي روايةٍ أخرى: «أُرِيتُ النَّارَ أكثرَ أهلها النِّساءَ» بحذف «فرأيتُ» وحينئذٍ فقوله: «أُرِيتُ» بمعنى: أُعْلِمْتُ، و «التَّاء» و «النَّارَ» و «النِّساءَ» مفاعيله الثَّلاثة، و «أكثرَ» بدلٌ من «النَّارَ» (يَكْفُرْنَ) بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مفتوحةٍ أوَّله، وهي جملةٌ مستأنَفَةٌ تدلُّ على السُّؤال والجواب، كأنَّه جواب سؤال سائلٍ: يا رسول الله، لِمَ؟ وللأربعة: «بكفرهنَّ؟» أي: بسبب كفرهنَّ (قِيلَ): يا رسول الله (أَيَكْفُرْنَ بِاللهِ؟ قَالَ) ﷺ : (يَكْفُرْنَ

стр. 529

العَشِيرَ) أي: الزَّوج، فـ «ال» للعهد كما سبق، أو المعاشِر مُطلَقًا، فتكون للجنس (وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ) ليس كفران العشير لذاته، بل كفران إحسانه (١)، فهذه الجملة كالبيان للسَّابقة، وتوعُّده على كفران العشير وكفران الإحسان بالنَّار، قال النَّوويُّ: يدلُّ على أنَّهما من الكبائر (لَوْ) وفي رواية الحَمُّويي والكُشْمِيهَنيِّ: «إن» (أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ) أي: مدَّةَ عمرك، أو الدَّهر مُطلَقًا على سبيل الفَرَض مبالغةً في كفرهنَّ، وهو نصبٌ على الظَّرفيَّة، والخطاب في «أحسنت» غير خاصٍّ، بل هو عامٌّ لكلِّ مَنْ يتأتَّى منه أن يكون مُخاطبًا، فهو على سبيل المجاز؛ لأنَّ الحقيقة أن يكون المُخاطَب خاصًّا، لكنَّه جاء على نحو: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] فإن قلت: «لو» لامتناع الشَّيء لامتناع غيره، فكيف صحَّ جعل «إنْ» في الرِّواية الثَّانية موضعها؟ أُجِيب: بأنَّ «لو» هنا بمعنى: «إنْ» في مجرَّد الشَّرطيَّة فقط، لا بمعناها الأصليِّ، ومِثْلُهُ كثيرٌ، أو هو من قبيل: «نِعْمَ العبدُ صُهَيْبٌ، لو لم يَخَف الله لم يَعْصِهِ» فالحكم ثابتٌ على النَّقيضين، والطَّرف المسكوت عنه أَوْلى من المذكور، ويسمِّيه البيانيُّون: ترك المعيَّن إلى غير المعيَّن لِيعمَّ كلَّ مُخاطَبٍ (ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا) قليلًا لا يوافق مزاجها أو شيئًا حقيرًا لا يعجبها (قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ) بفتح القاف وتشديد الطَّاء مضمومةً على الأشهر؛ ظرفُ زمانٍ لاستغراق ما مضى.

стр. 530

وفي هذا الحديث: وَعْظُ الرَّئيس المرؤوسَ، وتحريضه على الطَّاعة، ومراجعة المتعلِّمِ العالِمِ والتَّابعِ المتبوعَ فيما قاله إذا لم يظهر له معناه، وجواز إطلاق الكفر على كفر النِّعمة وجحد الحقِّ، وأنَّ المعاصيَ تَنْقص الإيمانَ لأنَّه جعله كفرًا، ولا تُخرِجُ (١) إلى الكفر الموجب للخلود في النَّار، وأنَّ إيمانهنَّ يزيد بشكر (٢) نعمة العشير، فثبت أنَّ الأعمال من الإيمان. ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون إلَّا ابن عبَّاسٍ، مع أنَّه أقام بالمدينة، وفيه التَّحديث والعنعنة، وهو طرفٌ من حديثٍ ساقه في «صلاة الكسوف» [خ¦١٠٥٢] تامًّا، وكذا أخرجه في «باب من صلَّى وقُدَّامه نارٌ» [خ¦٤٣١] وفي «بدء الخلق» في «ذكر الشَّمس والقمر» [خ¦٣٢٠٢] وفي «عِشْرة النِّساء» [خ¦٥١٩٧] وفي «العلم» [خ¦٩٨]، وأخرجه مسلمٌ في «العيدين». (٢٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، وهو ساقطٌ عند الأَصيليِّ (المَعَاصِي) كبائرها وصغائرها (مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ) وهي: زمان الفترة قبل الإسلام، وسمِّيَ بذلك لكثرة الجهالات فيه (وَلَا يَكْفُرُ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وسكون الكاف، وفي غير رواية أبي الوقت: «ولا يُكَفَّر» بضمِّها وفتح الكاف وتشديد الفاء المفتوحة (صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا) أي: لا يُنسَب إلى الكفر باكتساب المعاصي والإتيان بها (إِلَّا بِالشِّرْكِ) أي: بارتكابه؛ خلافًا للخوارج القائلين بتكفيره بالكبيرة، والمعتزلة القائلين بأنَّه لا مؤمنٌ ولا كافرٌ، واحتُرِز بالارتكاب عن الاعتقاد، فلو اعتقد حلَّ حرامٍ معلومٍ من الدِّين بالضَّرورة كَفَرَ قطعًا، ثمَّ استدلَّ المؤلِّف لِمَا ذكره، فقال: (لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ) أي:

стр. 531

إنَّك في تعييره بأمِّه على خُلُقٍ من أخلاق الجاهليَّة، ولستَ جاهلًا محضًا (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: « »، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وقال الله»: (﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾) أي: يُكْفَر به ولو بتكذيب نبيِّه؛ لأنَّ من جحد نبوَّة الرَّسول ﵊ مثلًا فهو كافرٌ ولو لم يجعل مع الله إلهًا آخرَ، والمغفرة منتفيةٌ (١) عنه بلا خلافٍ (﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨]) فصيَّر ما دون الشِّرك تحت إمكان المغفرة، فمن مات على التَّوحيد غير مُخلَّد في النَّار وإن ارتكب من الكبائر غير الشِّرك ما عساه أن يرتكب. ٣٠ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) بالمُوحَّدة الأزديُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ وَاصِلٍ) هو ابن حَيَّان -بالمُهمَلَة المفتوحة والمُثنَّاة التَّحتيَّة المُشدَّدة- ولغير أبوي ذَرٍّ والوقت: «عن واصلٍ الأحدب» وللأَصيليِّ: «هو الأحدب» (عَنِ المَعْرُورِ) بعينٍ مُهملَةٍ وراءين مُهمَلَتين بينهما واوٌ، وفي رواية ابن عساكر زيادة: «ابن سويد» (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وقال»: (لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ) بالذَّال المُعجَمَة المفتوحة وتشديد الرَّاء، جُندَُبُ، بضمِّ الجيم والدَّال المُهملَة، وقد تُفتَح، ابن جُنادة -بضمِّ الجيم- الغفاريُّ السَّابق في الإسلام، الزَّاهد

стр. 532

القائل بحرمة ما زاد من المال على الحاجة، المُتوفَّى سنة اثنتين وثلاثين، حال كونه (١) (بالرَّبَذَةِ) بفتح الرَّاء والمُوحَّدة والذَّال المُعجَمَة، منزلٌ للحاجِّ العراقيِّ على ثلاث مراحل من المدينة، وله في «البخاريِّ» أربعةَ عَشَرَ حديثًا (وَعَلَيْهِ) أي: لقيته حال كونه عليه (حُلَّةٌ) بضمِّ المُهمَلَة؛ ولا تكون إلَّا من ثوبين، سُمِّيا بذلك لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يحلُّ على الآخر (وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ) أي: وحال كون غلامه عليه حُلَّةٌ، ففيه ثلاثة أحوالٍ، قال في «فتح الباري»: ولم يُسمَّ غلام أبي ذَرٍّ، ويحتمل أن يكون أبا مراوحٍ (٢) مولى أبي ذَرٍّ (فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ) أي: عن تساويهما في لبس الحُلَّة، وسبب السُّؤال: أنَّ العادةَ جاريةٌ بأنَّ ثياب الغلام دون ثياب سيِّده (فَقَالَ) أبو ذَرٍّ ﵁: (إِنِّي سَابَبْتُ) بمُوحَّدتَين، أي: شاتمتُ (رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ) بالعين المُهملَة، أي: نسبته إلى العار، وعند المؤلِّف في «الأدب المُفرَد (٣)»: وكانت أمُّه أعجميَّةً فَنِلْتُ منها [خ¦٦٠٥٠] (٤)، وفي روايةٍ: «فقلت له: يا بْن السَّوداء» (فَقَالَ لِيَ (٥) النَّبِيُّ ﷺ : يَا أَبَا ذَرٍّ؛ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟!) بالاستفهام على وجه الإنكار التَّوبيخيِّ (إِنَّكَ امْرُؤٌ) بالرَّفع خبر «إنَّ»، وعين كلمته تابعةٌ للامها في أحوالها الثَّلاث (فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ) بالرَّفع مبتدأٌ قُدِّم خبره، ولعلَّ هذا كان من أبي ذَرٍّ قبل أن يعرف تحريم ذلك، فكانت تلك الخصلة من خصال الجاهليَّة باقيةً عنده؛ ولذا قال له ﵊: «إنَّك امرؤٌ فيك جاهليَّةٌ» وإلَّا فأبو ذَرٍّ من الإيمان بمنزلةٍ عاليةٍ، وإنَّما وبَّخه بذلك -

стр. 533

على عظيم منزلته- تحذيرًا له عن معاودة مثل ذلك، وعند الوليد بن مسلمٍ منقطعًا -كما ذكره في «الفتح» - أنَّ الرَّجل المذكور هو بلال المؤذِّن، وروى البرماويُّ: أنَّه لما شكاه بلالٌ إلى رسول الله ﷺ قال له: «شتمتَ بلالًا وعيَّرتَه بسواد أُمِّه؟» قال: نعم (١)، قال: «حسبتُ أنَّه بقي فيك شيءٌ من كِبْر الجاهليَّة»، فألقى أبو ذَرٍّ خدَّه على التُّراب، ثمَّ قال: لا أرفع خدِّي حتَّى يَطَأَ بلالٌ خدّي بقدمه. زاد ابن الملقِّن: فَوَطِئَ خدَّه. انتهى.، ثمَّ قال رسول الله ﷺ : (إِخْوَانُكُمْ) أي: في الإسلام، أو من جهة أولاد آدمَ، فهو على سبيل المجاز (خَوَلُكُمْ) بفتح أوَّله المُعجَم والواوِ، أي: خدمكم أو عبيدكم الذين يتخوَّلون الأمور، أي: يصلحونها، وقدَّم الخبرَ على المبتدأ في قوله: «إخوانُكم خَوَلُكم» للاهتمام بشأن الأخوَّة، ويجوز أن يكونا خبرين حُذِفَ من كلٍّ مبتدؤُه، أي: هم إخوانُكم هم خَوَلُكم، وأعربه الزَّركشيُّ بالنَّصب، أي: احفظوا، قال: وقال أبو البقاء: إنَّه أجود، لكنْ رواه البخاريُّ في «كتاب حسن الخلق» [خ¦٦٠٥٠]: «هم إخوانكم» وهو يرجِّح تقدير الرَّفع، هم (جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ) مجازٌ عن القدرة أو المُلْك، أي: وأنتم مالكون إيَّاهم (فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ) أي: من الذي يأكله ومن الذي يلبسه، والمُثنَّاة التَّحتيَّة في «فليُطعمه» و «ليُلبسه» مضمومةٌ، وفي «يَلبس» مفتوحةٌ، والفاء في «فمن»

стр. 534

عاطفةٌ على مقدَّرٍ، أي: وأنتم مالكون … ؛ إلى آخر ما مرَّ، ويجوز أن تكون سببيَّة؛ كما في: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣] و «مِن»: للتَّبعيض، فإذا أطعم عبده ممَّا يقتاته كان قد أطعمه ممَّا يأكله، ولا يلزمه أن يطعمه من كلِّ مأكوله على العموم؛ من الأدم وطيِّبات العيش، لكنْ يُستَحبُّ له ذلك (وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا) أي: الذي (يَغْلِبُهُمْ) أي: تعجز قدرتهم عنه، والنَّهيُ فيه (١) للَّتحريم (فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ) ما يغلبهم (فَأَعِينُوهُمْ) ويلحق بالعبد: الأجير والخادم والضَّيف والدَّابَّة. وفي الحديث: النَّهيُ عن سبِّ العبيد ومَنْ في معناهم، وتعييرِهم بآبائهم، والحثُّ على الإحسان إليهم والرِّفق بهم، وأنَّ التَّفاضل الحقيقيَّ بين المسلمين إنَّما هو في التَّقوى (٢)، فلا يفيد الشَّريف النَّسيب نسبه إذا لم يكن من أهل التَّقوى، ويفيد الوضيع النَّسب بالتَّقوى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وجواز إطلاق «الأخ» على الرَّقيق، والمُحافَظة على الأمر بالمعروف والنَّهي عن المُنكَر، وفي رجاله بصريٌّ وواسطيٌّ وكوفيَّان، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «العتق» [خ¦٢٥٤٥] و «الأدب» [خ¦٦٠٥٠]، ومسلمٌ في «الأيمان والنُّذور»، وأبو داودَ، والتِّرمذيُّ باختلاف ألفاظٍ بينهم. (٢٢ م) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، وهو ساقطٌ في رواية الأَصيليِّ (﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾) أي: تقاتلوا، والجمع باعتبار المعنى، فإنَّ كلَّ طائفةٍ جمعٌ (﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]) بالنُّصح والدُّعاء إلى حكم الله تعالى، وللأَصيليِّ وأبي الوقت: «﴿اقْتَتَلُوا﴾ … الآية» (فَسَمَّاهُمُ المُؤْمِنِينَ) ولابن عساكرَ «مؤمنين» مع تقاتلهم، كذا في رواية الأَصيليِّ وغيره، فَصْلُ هذه الآية والحديث التَّالي لها ببابٍ كما ترى، وأمَّا رواية أبي ذَرٍّ عن مشايخه فأدخل ذلك في الباب السَّابق بعد قوله : ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨]، لكن سقط حديث أبي بكرة من رواية المُستملي.

стр. 535

٣١ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبَارَكِ) بن عبد الله العَيْشِيُّ؛ بفتح العين المُهمَلَة وسكون المثنَّاة التَّحتيَّة وبالشِّين المُعجَمَة، البصريُّ، المُتوفَّى سنة ثمانٍ أو تسعٍ وعشرين ومئتين قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن درهم، أبو إسماعيل الأزرق الأزديُّ البصريُّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وسبعين ومئةٍ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (وَيُونُسُ) بن عبيد ابن دينارٍ البصريُّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وثلاثين ومئة، كلاهما (عَنِ الحَسَنِ) أبي (١) سعيد بن أبي الحسن الأنصاريِّ البصريِّ، المُتوفَّى سنة ستَّ عَشْرَةَ ومئةٍ (عَنِ الأَحْنَفِ) من الحَنَفِ؛ وهو الاعوجاج في الرِّجل (٢)، بالمُهمَلَة والنُّون، أبي بحرٍ الضَّحَّاك (بْنِ قَيْسٍ) أي: ابن معاوية المُخضرَم، المُتوفَّى بالكوفة سنة سبعٍ وستِّين في إمارة ابن الزُّبير أنَّه (قَالَ: ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ) أي: لأجل أن أنصرَ (هَذَا الرَّجُلَ) هو عليُّ بن أبي طالبٍ، كما في «مسلمٍ» من هذا الوجه، وأشار إليه المؤلِّف في «الفتن» [خ¦٧٠٨٣] بلفظ: أريد نصرة ابن عمِّ رسول الله ﷺ … الحديث (٣)،

стр. 536

وكان ذلك يوم الجمل (فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ) نُفَيعُ -بضمِّ النُّون وفتح الفاء- ابن الحارث بن كَلَدة؛ بالكاف واللَّام المفتوحتين، المُتوفَّى بالبصرة سنة اثنتين وخمسين، وله في «البخاريِّ» أربعة عَشَرَ حديثًا (فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ) وللأَصيليِّ: «فقلت»: أريد مكانًا لأنَّ السُّؤال عن المكان، والجواب بالفعل، فيُؤوَّل بذلك (١) (أَنْصُرُ) أي: لكي أنصرَ (هَذَا الرَّجُلَ، قَالَ: ارْجِعْ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) حال كونه (يَقُولُ: إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا) فضرب كلُّ واحدٍ منهما الآخر (فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ) إذا كان القاتل منهما بغير تأويلٍ سائغٍ، أمَّا إذا كانا صحابيَّيَن فأمرهما عن اجتهادٍ وظنٍّ لإصلاح الدِّين، فالمصيب منهما له أجران والمخطئ أجرٌ، وإنَّما حمل أبو بكرة الحديث على عمومه في كلِّ مُسلِمَين التقيا بسيفيهما حسمًا للمادَّة، وقد رجع الأحنف عن رأي أبي بكرة في ذلك وشهد مع عليٍّ باقي حروبه، ولا يُقال: إنَّ قوله: «فالقاتل والمقتول في النَّار» يشعر (٢) بمذهب المعتزلة القائلين بوجوب العقاب للعاصي (٣)؛ لأنَّ المعنى أنَّهما يستحقَّان، وقد يُعفَى عنهما أو واحدٍ منهما فلا يدخلان النَّار كما قال تعالى: ﴿فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] أي: جزاؤه، وليس بلازمٍ أن يُجازَى، قال أبو بكرة: (فَقُلْتُ) وللأربعة

стр. 537

وكريمة: «قلت»: (يَا رَسُولَ اللهِ؛ هَذَا القَاتِلُ) يستحقُّ النَّار لكونه ظالمًا (فَمَا بَالُ المَقْتُولِ) وهو مظلومٌ؟! (قَالَ) ﷺ : (إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ) مفهومه: أنَّ مَنْ عزم على المعصية بقلبه ووطَّن نفسَه عليها أَثِمَ في اعتقاده وعزمه، ولا تَنَافِيَ بين هذا وبين قوله في الحديث الآخر: «إذا همَّ عبدي بسيِّئةٍ فلم يعملها فلا تكتبوها عليه» [خ¦٦٤٩١] لأنَّ المراد أنَّه لم يوطِّن نفسه عليها، بل مرَّت بفكره من غير استقرارٍ. ورجال إسناد هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، وفيه ثلاثةٌ من التَّابعين يروي بعضهم عن بعضٍ؛ وهم: أيُّوبُ والحسنُ والأحنفُ، واشتمل على التَّحديث والعنعنة والسَّماع، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الفتن» [خ¦٧٠٨٣]، ومسلمٌ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ. (٢٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ) أي: بعضه أخفُّ من بعضٍ، وهذه التَّرجمة لفظ رواية حديثٍ رواه الإمام أحمد في «كتاب الإيمان» من حديث عطاءٍ. ٣٢ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ الباهليُّ

стр. 538

البصريُّ السَّابق (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (ح) مُهملَة (قَالَ: وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (بِشْرٌ) كذا في فرع «اليونينيَّة» كهي، وفي بعض الأصول وهو لكريمة «ح: وحدَّثني بشرٌ» قال في «الفتح»: فإن كانت -يعني: الحاء المُفرَدة- من أصل التَّصنيف؛ فهي مُهمَلةٌ مأخوذةٌ من التَّحويل على المُختَار، وإن كانت مزيدةً من بعض الرُّواة فيحتمل أن تكون مُهملَةً كذلك، أو مُعجمَةً مأخوذةً من «البخاريِّ» لأنَّها رمزه، أي: قال البخاريُّ: وحدَّثني بشرٌ، لكن في بعض الرِّوايات المُصحَّحة: «وحدَّثني» بواو العطف من غير «حاءٍ» قبلها، وبِشْرٌ؛ بكسر المُوحَّدة وسكون المُعجَمَة، وفي رواية ابن عساكر: «ابن خالد أبو محمَّدٍ العسكريُّ» كما في فرع «اليونينيَّة» كهي، المُتوفَّى -أي (١): بشرٌ المذكور- سنة ثلاثٍ وخمسين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) وفي رواية ابن عساكر: «محمَّد بن جعفر» كما في الفرع أيضًا كـ «اليونينيَّة»، الهذليُّ البصريُّ، المعروف بغُنْدَر، المُتوفَّى -فيما قاله أبو داودَ- سنة ثلاثٍ وتسعين ومئةٍ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهران الأعمش، الأسديِّ الكاهليِّ الكوفيِّ، وُلِدَ يوم قُتِل الحُسَين يوم عاشوراء سنة إحدى وستِّين، وعند المؤلِّف: سنة ستِّين، المُتوفَّى سنة ثمان ومئة (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن يزيد بن قيسٍ النَّخعيِّ أبي عمران، الكوفيِّ الفقيه الثِّقة، وكان يرسل كثيرًا، المُتوفَّى -وهو مُختَفٍ من الحجَّاج- سنة ستٍّ وتسعين، وهو من الخامسة (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيس بن عبد الله، المُتوفَّى سنة اثنتين وستِّين، وقِيلَ: وسبعين (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁: (لَمَّا نَزَلَتِ) زاد الأَصيليُّ: «قال: لمَّا نزلت هذه الآية»: (﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْإِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾) ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] وقوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ أي: عظيمٍ، أي: لم يخلطوه بشركٍ؛ إذ لا أعظم من الشِّرك، وقد ورد التَّصريح بذلك عند المؤلِّف من طريق حفص بن غياثٍ عن الأعمش، ولفظه: قلنا: يا رسول الله؛ أيُّنا لم يظلم نفسه؟ قال: «ليس كما تقولون، بل ﴿وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ بشركٍ، ألم تسمعوا إلى قول لقمان … ؟» [خ¦٣٣٦٠] فذكر الآية الآتية (٢)،

стр. 539

لكن منع التَّيميُّ (١) تصوُّر خَلْط الإيمان بالشِّرك، وحَمَلَه على عدم حصول الصِّفتين لهم: كفرٌ متأخِّرٌ عن إيمانٍ متقدِّم، أي: لم يرتدُّوا. أو المُرَاد: أنَّهم لم يجمعوا بينهما ظاهرًا وباطنًا، أي: لم ينافقوا، وهذا أَوْجَهُ (قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ) وللأَصيليِّ: «النَّبيِّ» (¬ ﷺ : أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ (٢)؟) مبتدأٌ وخبرٌ، والجملة مقول القول (فَأَنْزَلَ اللهُ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «فأنزل الله عقب ذلك»: (﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]) إنَّما حملوه على العموم لأنَّ قوله: ﴿لَظُلْمٌ﴾ نكرةٌ في سياق النَّفيِ، لكنَّ عمومها هنا بحسب الظَّاهر، قال المحقِّقون: إن دخل على النَّكرة في سياق النَّفي ما يؤكِّد العموم ويقوِّيه نحو «مِنْ» في قوله: ما جاءني مِنْ رجلٍ، أفاد تنصيص العموم، وإلَّا فالعموم مُستفادٌ بحسب الظَّاهر، كما فهمه الصَّحابة من هذه الآية، وبيَّن لهم النَّبيُّ ﷺ أنَّ ظاهره غير مرادٍ، بل هو من العامِّ الذي أُريد به الخاص، والمُرَاد بـ «الظُّلم» أعلى أنواعه، وهو الشِّرك، وإنَّما فهموا حصر الأمن والاهتداء فيمن لم يلبس إيمانه حتَّى ينتفيا عمَّن لبس (٣)، من تقديم ﴿لَهُمُ﴾ على ﴿الأَمْنُ﴾ في قوله: ﴿لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم﴾ أي: لهم لا لغيرهم، ومن تقديم ﴿وَهُم﴾ على ﴿مُّهْتَدُونَ﴾. وفي هذا (٤) الحديث: أنَّ المعاصيَ لا تُسمَّى شِركًا، وأنَّ من لم يشرك بالله شيئًا فَلَهُ الأمن وهو مهتدٍ، لا يُقَال: إنَّ العاصيَ قد يُعذَّب، فما هذا (٥) الأمن والاهتداء الذي حصل له؟ لأنَّه أُجِيبَ بأنَّه آمنٌ من التَّخليد في النَّار، مهتدٍ إلى طريق الجنَّة. انتهى. وفيه أيضًا: أنَّ درجات الظُّلم تتفاوت، كما ترجم له، وأنَّ العامَّ يُطلَق ويُرَاد به الخاصُّ، فحمل الصَّحابة ذلك على جميع أنواع الظُّلم، فبيَّن الله تعالى أنَّ المرادَ نوعٌ منه، وأنَّ المفسَّر يقضي على المُجمَل، وأنَّ النَّكرة في سياق النَّفيِ تعمُّ، وأنَّ اللَّفظ يُحمَل على خلاف ظاهره لمصلحة دفع التَّعارض. وفي إسناده رواية ثلاثةٍ من التَّابعين بعضهم عن بعضٍ؛ وهم: الأعمش عن شيخه إبراهيم

стр. 540

النَّخعيِّ عن خاله علقمة بن قيسٍ، والثَّلاثة كوفيُّون فقهاء، وهذا أحد ما قِيلَ فيه: إنَّه أصحُّ الأسانيد، وأمن تدليس الأعمش بما وقع عند المؤلِّف -فيما مرَّ- في رواية حفص بن غياثٍ عنه: حدَّثنا إبراهيم [خ¦٣٣٦٠] وفيه التَّحديث بصورة الجمع والإفراد والعنعنة، وأخرج متنه المؤلِّف أيضًا في «باب أحاديث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام» [خ¦٣٤٢٨] وفي «التَّفسير» [خ¦٤٧٧٦]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ. ولمَّا فرغ المؤلِّف من بيان مراتب الكفر والظُّلم، وأنَّها متفاوتةٌ عَقَّبَه بأنَّ النِّفاق كذلك، فقال: (٢٤) هذا (بابُ عَلَامَات المُنَافِقِ) جمع عَلَامةٍ؛ وهي ما يُستَدلُّ به على الشَّيء، وعدل عن التَّعبير بآيات المنافق المناسب للحديث المسوق هنا لـ «علامات» موافقةً لما ورد في «صحيح أبي عوانة»، ولفظ «باب» ساقطٌ عند الأَصيليِّ، والجمعُ في «العلامات» روايةُ الأربعة، والنِّفاق لغةً: مخالفة الظَّاهر للباطن، فإن كان في اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر، وإلَّا فهو نفاق العمل، ويدخل فيه الفعل والتَّرك، وتتفاوت مراتبه، ولفظ «المنافق» من باب المفاعلة، وأصلها أن تكون من (١) اثنين، لكنَّها هنا من باب «خادَعَ» و «طارَقَ». ٣٣ - وبالسَّند إلى المصنِّف قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ) بن داودَ الزَّهرانيُّ العتكيُّ، المُتوفَّى بالبصرة سنة أربعٍ وثلاثين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي (٢) كثيرٍ

стр. 541

الأنصاريُّ، الزُّرقيُّ مولاهم المدنيُّ، قارئ أهل المدينة، الثِّقة الثَّبت، وهو من الثَّامنة المُتوفَّى ببغداد سنة ثمانين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ) الأصبحيُّ التَّيميُّ المدنيُّ، من الرَّابعة، المُتوفَّى بعد الأربعين (عَنْ أَبِيهِ) مالكٍ، جدِّ إمام الأئمَّة مالك، المُتوفَّى سنة ثِنْتَيْ عَشْرَةَ ومئةٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: آيَةُ المُنَافِقِ) أي: علامته، و «اللَّام» للجنس، وكان القياس جمع المبتدأ الذي هو «آيةُ» ليطابق الخبر الذي هو (ثَلَاثٌ) وأُجِيب: بأنَّ «الثَّلاثَ» اسمُ جمعٍ، ولفظه مفردٌ، على أنَّ التَّقدير: آية المنافق معدودةٌ بالثَّلاث، وقال الحافظ ابن حجرٍ: الإفراد على إرادة الجنس، أو أنَّ العلامة إنَّما تحصل باجتماع الثَّلاث، قال: والأوَّل أليق بصنيع المؤلِّف؛ ولهذا ترجم بالجمع. انتهى. وتعقَّبه العلَّامة العينيُّ، فقال: كيف يُرَاد الجنس والتَّاء فيها تمنع ذلك (١)؛ لأنَّ التاء فيها كالتَّاء في تمرة، فالآية والآي كالتَّمرة والتَّمر؟ قال: وقوله: «إنَّما تحصل باجتماع الثَّلاث» يشعر بأنَّه إذا وُجِدَ فيه واحدٌ من الثَّلاث؛ لا يُطلَق عليه منافقٌ، وليس كذلك، بل يُطلَق عليه اسم المنافق، غير أنَّه إذا وُجِدَ فيه الثَّلاث كلُّها؛ يكون منافقًا كاملًا، وأُجِيب: بأنَّه مفردٌ مضافٌ فيعمُّ، كأنَّه قال: آياتُه ثلاثٌ: (إِذَا حَدَّثَ) في كلِّ شيءٍ (كَذَبَ) أي: أَخْبَرَ عنه بخلاف ما هو به قاصدًا للكذب (وَإِذَا وَعَدَ) بالخير في المُستقبَل (أَخْلَفَ) فلم يَفِ، وهو من عطف الخاصِّ على العامِّ؛ لأنَّ الوعد نوعٌ من التَّحديث، وكان داخلًا في قوله: «وإذا حدَّث» ولكنَّه أفرده بالذِّكر معطوفًا؛ تنبيهًا على زيادة قبحه، فإن قلت: الخاصُّ إذا عُطِفَ على العامِّ لا يخرج من تحت العامِّ، وحينئذٍ تكون الآية

стр. 542

ثنتين لا ثلاثًا، أُجِيب: بأنَّ لازم الوعد الذي هو الإخلاف الذي قد يكون فعلًا، ولازم التَّحديث -الذي هو الكذب الذي لا يكون فعلًا- متغايران، فبهذا الاعتبار كان الملزومان متغايرين، وخُلْفُ الوعد لا يقدح إلَّا إذا كان العزم عليه مقارنًا للوعد، أمَّا لو كان عازمًا، ثمَّ عرض له مانعٌ أو بدا له رأيٌ فهذا لم توجد منه صورة النِّفاق، وفي حديث الطَّبرانيِّ ما يشهد له حيث قال: «إذا وعد وهو يحدِّث نفسَه أنَّه يُخْلِفُ» وكذا قال في باقي الخصال، وإسناده لا بأسَ به، وهو عند التِّرمذيِّ وأبي داودَ مُختصَرًا بلفظ: «إذا وعد الرَّجلُ أخاه ومن نيِّته أن يَفِي له فلم يَفِ فلا إثمَ عليه»، وهذا في الوعد بالخير، أمَّا الشَّرُّ فيُستحَبُّ إخلافه، وقد يجب (وَ) الثَّالثة من الخصال (١): (إِذَا اؤْتُمِنَ) على صيغة المجهول من الائتمان أمانةً (خَانَ) بأن تصرَّف فيها على خلاف الشَّرع، ووجه الاقتصار على هذه الثَّلاث: أنَّها منبِّهةٌ على ما عداها؛ إذ أصل عمل الدِّيانة منحصرٌ في ثلاثٍ: القول والفعل والنِّيَّة، فنبَّه على فساد القول بالكذب، وعلى فساد الفعل بالخيانة، وعلى فساد النِّيَّة بالخُلْف، وحينئذٍ فلا يُعارَض هذا الحديث بما وقع في الآتي بلفظ: «أربعٌ مَنْ كنَّ فيه» [خ¦٣٤] وفيه: «وإذا عاهد غدر» إذ هو معنى قوله: «وإذا اؤتُمِن خان» لأنَّ الغدرَ خيانةٌ، فإن قلت: إذا وُجِدت هذه الخصال في مسلمٍ فهل يكون منافقًا؟ أُجِيب: بأنَّها خصالُ نِفَاقٍ لا نِفَاقٌ، فهو على سبيل المجاز، أو المُرَاد: نفاق العمل لا نفاق الكفر، أو مُرَاده: مَنِ اتَّصف بها وكانت له ديدنًا وعادةً، ويدلُّ عليه التَّعبير بـ «إذا» المفيدة لتكرار الفعل، أو هو محمولٌ على من غلبت عليه هذه الخصال، وتهاون بها واستخفَّ بأمرها، فإنَّ من كان كذلك؛ كان فاسد الاعتقاد غالبًا، أو مُرَاده الإنذار والتَّحذير عن ارتكاب هذه الخصال، وأنَّ الظَّاهر

стр. 543

غيرُ مرادٍ، أو الحديث واردٌ في رجلٍ معيَّنٍ وكان منافقًا، ولم يصرِّح ﵊ به على عادته الشَّريفة في كونه لا يواجههم بصريح القول، بل يشير إشارةً كقوله: «ما بالُ أقوامٍ؟» ونحوه، أو المُرَاد: المنافقون الذين كانوا في الزَّمن النَّبويِّ. ورجال إسناد هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون إلَّا أبا (١) الربيع، وفيهم تابعيٌّ عن تابعيٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الوصايا» [خ¦٥٥/ ٨ - ٤٢٩٦] و «الشَّهادات» [خ¦٢٦٨٢] و «الأدب» [خ¦٦٠٩٥]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ. ٣٤ - وبه قال المؤلِّف: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف وكسر الموحَّدة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح المُهمَلة (بْنُ عُقْبَةَ) بضمِّ المُهمَلة، وسكون القاف وفتح المُوحَّدة، ابن محمَّدٍ، أبو عامرٍ السُّوائيُّ الكوفيُّ، المُختلَف في توثيقه من جهة كونه سمع من سفيانَ الثَّوريِّ صغيرًا، فلم يضبط، فهو حجَّةٌ إلَّا فيما رواه عنه، لكنَّ احتجاجَ البخاريِّ به في غير موضعٍ كافٍ، وقول أحمد: «إنَّه ثقةٌ لا بأسَ به، لكنْ كثيرُ الغلط» معارضٌ بقول أبي حاتم: لم أرَ من المحدِّثين من يحفظ ويأتي بالحديث على لفظٍ واحدٍ ولا يغيّره سوى قَبِيصَة وأبي نعيمٍ. انتهى. وتُوفِّي في المحرَّم سنة ثلاثَ عَشْرَةَ، وقال النَّوويُّ: سنة خَمْسَ عَشْرَةَ ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بتثليث سينه، ابن سعيد بن مسروقٍ، أبو عبد الله الثَّوريُّ، أحد أصحاب المذاهب السِّتَّة

стр. 544

المتبوعة، المُتوفَّى سنة ستِّين ومئةٍ بالبصرة متواريًا من سلطانها وكان يدلِّس (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ) بضمِّ الميم وتشديد الرَّاء، الهَمْدانيِّ -بسكون الميم- الكوفيِّ التَّابعيِّ، الخارفيِّ؛ بالخاء المُعجمَة وبالرَّاء والفاء، المُتوفَّى سنة مئةٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) يعني: ابن الأجدع -بالجيم والمُهمَلتين- ابن مالكٍ، الهَمْدانيِّ الكوفيِّ الحضرميِّ، المُتَّفق على جلالته، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ أو اثنتين وستِّين (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) يعني: ابن العاصِ ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَرْبَعٌ) أي: أربعُ خصالٍ، أو خصالٌ أربعٌ، مبتدأٌ خبرُه: (مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا) أي: في هذه الخصال فقط لا في غيرها، أو شديد الشَّبه بالمنافقين، ووصفُه بالخلوص يؤيِّد قول مَنْ قال: إنَّ المُرَاد بالنِّفاق العمليُّ لا الإيمانيُّ، أو النِّفاق العرفيُّ لا الشَّرعيُّ؛ لأنَّ الخلوص بهذين المعنيين لا يستلزم الكفر الملقي في الدَّرك الأسفل من النَّار (وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ) وللأَصيليِّ في نسخةٍ (١): «كان» (فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا) حتَّى يتركها (إِذَا اؤتُمِنَ) شيئًا (خَانَ) فيه (وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ) في كلِّ ما حدَّث به (وَإِذَا عَاهَدَ) عهدًا (غَدَرَ) أي: ترك الوفاء بما عاهد عليه (وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ) في خصومته، أي: مَالَ عن الحقِّ وقَالَ الباطلَ، وقد تحصَّل من الحديثين خمس خصالٍ: الثَّلاثة السَّابقة في الأوَّل، والغدر في المُعاهَدة، والفجور في الخصومة، فهي متغايرةٌ باعتبار تغاير

стр. 545

الأوصاف واللَّوازم، ووجه الحصر فيها أنَّ إظهار خلاف ما في الباطن إمَّا في الماليَّات -وهو ما (١) إذا اؤتُمِنَ- وإمَّا في غيرها؛ وهو إمَّا في حالة الكدورة فهو إذا خاصم، وإمَّا في حالة الصَّفاء فهو إمَّا مُؤكَّدٌ باليمين فهو إذا عاهد، أو لا؛ فهو إمَّا بالنَّظر إلى المُستَقبَل فهو إذا وعد، وإمَّا بالنَّظر إلى الحال فهو إذا حدَّث، لكن هذه الخمسة في الحقيقة ترجع إلى الثَّلاث؛ لأنَّ الغدر في العهد منطوٍ تحت الخيانة في الأمانة، والفجور في الخصومة داخلٌ تحت الكذب في الحديث. ورجال هذا الحديث كلُّهم كوفيُّون إلَّا الصحابيَّ، على أنَّه قد دخل الكوفةَ أيضًا، وفيه ثلاثةٌ من التَّابعين، يروي بعضهم عن بعضٍ، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجزية» [خ¦٣١٧٨]، ومسلمٌ في «الإيمان» وأصحابُ السُّنن. ثمَّ قال المؤلِّف: (تَابَعَهُ) أي: تابع سفيان الثَّوريَّ (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج في رواية هذا الحديث (عَنِ الأَعْمَشِ) وقد وصل المؤلِّف هذه المُتابَعَة في «كتاب المظالم» [خ¦٢٤٥٩] ومراده بالمُتابَعَة هنا: كون الحديث مرويًّا من طريقٍ أخرى عن الأعمش (٢)، والمُتابَعَة هنا ناقصةٌ لكونها ذُكِرَتْ في وسط الإسناد لا في أوَّله. ولمَّا ذكر المؤلِّف «كتاب الإيمان» الجامع لبيان «باب السلام من الإسلام»، وأردفه بخمسة أبوابٍ استطرادًا لِمَا فيها من المُناسَبَة، وضمَّنها علامات النِّفاق؛ رجع إلى ذكر علامات الإيمان فقال:

стр. 546

(٢٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، وهو ساقطٌ في رواية الأَصيليِّ (قِيَامُ لَيْلَةِ القَدْرِ مِنَ الإِيمَانِ) أي: من شُعَبِهِ. ٣٥ - وبالسَّند المذكور أوَّلًا إلى المصنِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع البَهرانيُّ -بفتح المُوحَّدة- الحمصيُّ، الثِّقة الثَّبت، من العاشرة، يُقَال: إنَّ أكثر حديثه عن شعيبٍ مناولةٌ، المُتوفَّى سنة اثنتين وعشرين ومئتين، (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزةَ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) -بالنُّون- عبد الله بن ذكوان القرشيُّ (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرحمن بن هرمزٍ المدنيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ) للطَّاعة (إِيمَانًا) أي: تصديقًا بأنَّه حقٌّ وطاعةٌ (وَاحْتِسَابًا) لوجهه تعالى لا للرِّياء ونحوه، ونُصِبَا على المفعول له، وجوَّز أبو البقاء -فيما حكاه البرماويُّ- أن يكونا على الحال مصدرًا بمعنى الوصف، أي: مُؤمِنًا مُحتسِبًا (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) أي: غير الحقوق الآدميَّة؛ لأنَّ الإجماعَ قائمٌ على أنَّها لا تسقط إلَّا برضاهم، وفيه الدَّلالة على جعل الأعمال إيمانًا؛ لأنَّه جعل القيام إيمانًا، و «ليلةً» نصب مفعولٍ به لا فيه، وجملة: «غُفِرَ له» جواب الشَّرط وقد وقع ماضيًا، وفعل الشَّرط مضارعًا، وفي ذلك نزاعٌ بين

стр. 547

النُّحاة، والأكثرون على المنع، واستدلَّ القائلون بالجواز بقوله تعالى: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ﴾ [الشعراء: ٤] لأنَّ قوله: ﴿فَظَلَّتْ﴾ بلفظ الماضي، وهو تابعٌ للجواب، وتابع الجواب (١) جوابٌ، وإنَّما (٢) عبَّر بالمضارع في الشَّرط في قيام ليلة القدر، وبالماضي في قيام رمضان وصيامه في البابين اللَّاحقين؛ لأنَّ قيام رمضان وصيامه مُحقَّقا الوقوع، فجاءا بلفظٍ يدلُّ عليه، بخلاف قيام ليلة القدر فإنَّه غيرُ مُتيقَّنٍ فلهذا ذكره بلفظ المُستقبَل، قاله الكِرمانيُّ. وقال غيره (٣): استعمل لفظ الماضي في الجزاء مع أنَّ المغفرة في زمن الاستقبال إشارةً إلى تحقُّق وقوعه، على حدِّ قوله سبحانه: ﴿أَتَى أَمْرُ اللّهِ﴾ [النحل: ١] وقد روى النَّسائيُّ الحديثَ عن محمَّد بن عليِّ بن ميمونٍ، عن أبي اليمان شيخ المصنِّف بلفظ: «مَنْ يَقُمْ ليلةَ القدر يُغْفَرْ له» فلم يغاير بين الشَّرط والجزاء، قال في «الفتح»: فظهر أنَّه مِن تصرُّفِ الرُّواة، فلا يُستَدَلُّ به للقول بجواز التَّغاير في الشَّرط والجزاء، وعند أبي نعيمٍ في «مُستخرَجه»: «لا يقوم أحدكم ليلة القدر فيوافقها إيمانًا واحتسابًا

стр. 548

إلَّا غُفِرَ له»، وقوله: «فيوافقها» زيادة بيانٍ، وإلَّا فالجزاء مُرتَّبٌ على قيام ليلة القدر، ولا يَصْدق قيامها إلَّا على من يوافقها، وقوله: «يَقُمْ» بفتح الياء، مِنْ: قام يقوم، وقع هنا متعدِّيًا، ويدلُّ له حديث الشَّيخين مرفوعًا: «من قامه إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه» [خ¦٣٧] ومن لطائف إسناد هذا الحديث ما قِيلَ: إنَّ أصحَّ أسانيد أبي هريرة: أبو الزِّناد عن الأعرج عنه، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصِّيام» [خ¦١٩٠١] مطوَّلًا، وكذا أبو داودَ، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، ومالكٌ في «موطَّئه». ولمَّا كان التماس ليلة القدر يستدعي مُحافَظةً زائدةً ومُجاهَدةً تامَّةً، ومع ذلك فقد يوافقها وقد لا يوافقها، وكان هذا المجاهد يلتمس الشَّهادة، ويقصد إعلاء كلمة الله تعالى؛ نَاسَبَ أن يعقِّب المؤلِّف هذا الباب بفضل الجهاد استطرادًا، فقال: (٢٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (الجِهَادُ مِنَ الإِيمَانِ) أي: شعبةٌ من شُعَبِهِ، أو أنَّه كالأبواب السَّابقة في أنَّ الأعمالَ إيمانٌ؛ لأنَّه لمَّا كان الإيمان هو المُخْرِجَ له في سبيله تعالى كان الخروج إيمانًا، تسميةً للشَّيء باسم سببه، والجهاد: قتال الكفَّار لإعلاء كلمة الله، ولفظ: «باب» ساقطٌ في رواية الأَصيليِّ. ٣٦ - وبالسَّند إلى البخاريِّ قال: (حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ) أي: ابن عمر العَتَكِيُّ؛ بفتح

стр. 549

المُهمَلَة والمُثنَّاة الفوقيَّة؛ نسبةً إلى العتيك بن الأسد القَسْمَليِّ؛ بفتح القاف وسكون المُهمَلَة وفتح الميم؛ نسبةً إلى قَسْمَلَة، وهو معاوية بن عمرٍو، أو إلى القساملة؛ قبيلة من الأزد، البصريُّ، ثقةٌ من كبار العاشرة، وانفرد به المؤلِّف عن «مسلمٍ»، وتوفِّي سنة ثلاثٍ أو ستٍّ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ العبديُّ؛ نسبةً إلى عبد القيس البصريُّ الثَّقفيُّ؛ نسبةً إلى ثقيفٍ، المُتوفَّى سنة سبعٍ وسبعين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ) بضمِّ العين المُهمَلَة، ابن القعقاع بن شبرمة الكوفيُّ الضَّبيُّ؛ نسبةً إلى ضَبَّةَ بن أُدِّ بن طابخةَ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ) هَرمٌ أو عبد الرَّحمن أو عمرٌو أو عبد الله (بْنُ عَمْرٍو) وفي رواية غير أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ بزيادة: «بْنِ جَرِيرٍ (١) البَجَليُّ»؛ بفتح المُوحَّدة والجيم نسبةً إلى بَجِيلة بنت صعبٍ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (٢) (قَالَ (٣): انْتَدَبَ اللهُ) بنونٍ ساكنةٍ ومُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مفتوحةٍ ودالٍ مُهملَةٍ كذلك في آخره مُوحَّدةٌ، وقال الحافظ ابن حجرٍ في رواية الأَصيليِّ هنا: «ائتدب» بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مهموزةٍ بدل النُّون؛ مِنَ المأدبة قال: وهو تصحيفٌ، وقد وجَّهوه بتكلُّفٍ، لكنَّ إطباقَ الرُّواة على خلافه مع اتِّحاد المَخْرَج كافٍ في تخطئته. انتهى.

стр. 550

وعَزَاهَا القاضي عياضٌ لرواية القابسيِّ، وأمَّا رواية: «انتدب» بالنُّون؛ فهو من ندبتُ فلانًا لكذا فانتدب، أي: أجاب إليه، وفي «القاموس»: وندبه إلى الأمر: دعاه وحثَّه، أو معناه: تكفَّل، كما رواه المؤلِّف في أواخر «الجهاد» [خ¦٢٧٩٧] أو سارع بثوابه وحسن جزائه، وللأَصيليِّ وكريمةَ: «انتدب الله » (لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ) حال كونه (لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ) وفي روايةٍ: «إلا الإيمان» (بِي و (١) تَصْدِيقٌ بِرُسُلِي) بالرَّفع فيهما فاعلُ «لا يُخْرِجُه»، والاستثناء مُفرَّغٌ، وإنَّما عدل عن «به» -الذي هو الأصل- إلى «بي» للالتفات من الغَيبة إلى التَّكلُّم، وقول ابن مالكٍ في «التَّوضيح»: كان الأَلْيَقُ «إيمانٌ به» ولكنه على تقدير حالٍ محذوفٍ، أي: قائلًا: لا يخرجه إلَّا إيمانٌ بي، و «لا يخرجه» مقول القول؛ لأنَّ صاحب الحال على هذا التَّقدير هو الله. ردَّه ابن المُرَحِّل، فقال: أساء في قوله: «كان الأَلْيَق» وإنَّما هو من باب الالتفات، ولا حاجة إلى تقدير حالٍ؛ لأنَّ حذف الحال لا يجوز، حكاه الزَّركشيُّ وغيره. وقال في «المصابيح»: ما ذكره من عدم جواز حذف الحال ممنوعٌ، فقد ذكر ابن مالكٍ من شواهده هنا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] أي: قائلين، وقوله تعالى: ﴿وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ. سَلَامٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤] أي: قائلين: سلامٌ عليكم، وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ (٢) لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [غافر: ٧] أي: قائلين، قال ابن المرَحِّل: وإنَّما هو من باب الالتفات، وقال الزَّركشيُّ: الأَلْيَق أن يُقَال: عدل عن ضمير الغَيبة إلى الحضور؛ يعني: أنَّ الالتفات يوهم الجسميَّة، فلا يُطْلَق في كلام الله تعالى، وهذا

стр. 551

خلاف ما أطبق عليه علماء البيان، وذكر الكِرمانيُّ قوله: «أو (١) تصديقٌ برسلي» بلفظ «أو» واستشكله؛ لأنَّه لا بدَّ من الأمرين: الإيمان بالله والتَّصديق برسله، وأجاب بما معناه: أنَّ «أو» بمعنى: الواو، أو أنَّ الإيمان بالله مستلزمٌ لتصديق رسله، وتصديق رسله مُستلزمٌ للإيمان بالله، وتعقَّبه الحافظ ابن حجرٍ: بأنَّه لم يثبت في شيءٍ من الرِّوايات بلفظ «أو». انتهى. نعم وجدته في أصل فرع «اليونينيَّة» كهي، «أو» بالألف قبل الواو، وعلى الألف: «لا س» وفوق الواو جَزْمةٌ سوداء ونَصْبةٌ بالحمرة، وكذا وجدته أيضًا بالألف في متن «البخاريِّ» من النُّسخة التي وقفت عليها من «تنقيح الزَّركشيِّ»، وكذا في نسخة كريمة، وعند الإسماعيليِّ كمسلمٍ: «إلَّا إيمانًا» بالنَّصب مفعولٌ له، أي: لا يخرجه المخرج إلَّا الإيمان والتَّصديق (أَنْ أَرْجِعَهُ) بفتح الهمزة من «رَجَعَ»، و «أن» مصدريَّةٌ، والأصل بأن أرجعه، أي: برجعه إلى بلده (بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ) أي: بالذي أصابه من النَّيل؛ وهو العطاء، من أجرٍ فقط إن لم يغنموا (أَوْ) أجرٍ مع (غَنِيمَةٍ) إن غنموا، أو أنَّ (٢) «أو» بمعنى الواو، كما رواه أبو داودَ «بالواو» بغير ألفٍ، وعبَّر بالماضي موضع المضارع في قوله: «نال» (٣) لتحقُّق وعده تعالى (أَوْ) أن (أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ) عند دخول المقرَّبين بلا حسابٍ ولا مُؤاخَذَةٍ بذنوبٍ؛ إذ تُكفِّرها الشَّهادة، أو عند موته؛ لقوله: ﴿أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]

стр. 552

(وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ) أي: لولا المشقَّة (عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة، أي: ما قعدت بعد (سَرِيَّةٍ) بل كنت أخرج معها بنفسي لِعِظَمِ أجرِها، و «لولا»: امتناعيَّةٌ، و «أنْ» مصدريَّةٌ في موضع رفعٍ بالابتداء، و «ما قعدت» جواب «لولا»، وأصله: «لمَا» فحُذِفَت اللَّام، والمعنى: امتنع عدم القعود؛ وهو القيام لوجود المشقَّة، وسَبَبُ المشقَّة صعوبةُ تخلُّفِهم بعده، ولا قُدرةَ لهم على المسير معه لضيق حالهم، قال ذلك ﷺ شفقةً على أمَّته، جزاه الله سبحانه عنَّا أفضلَ الجزاء (وَلَوَدِدْتُ) عطفًا على «ما قعدت»، واللَّام للتَّأكيد، أو جواب قسمٍ محذوفٌ، أي: والله لَوَدِدْتُ، أي: أحببت (أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ) بضمِّ الهمزة في كلٍّ من «أُحْيَا» و «أُقْتَل»، وهي (١) خمسة ألفاظٍ، وفي رواية الأَصيليِّ: «أن أُقْتَل» بدل «أنِّي»، ولأبي ذَرٍّ: «فأُقتَل ثمَّ أحيا فأُقتَل» كذا في «اليونينيَّة»، وخُتِم بقوله: «ثمَّ أُقْتَل»، والقرار إنَّما هو على حالة الحياة لأنَّ المُرَادَ الشَّهادةُ، فختم الحال عليها، أو الإحياء للجزاء من المعلوم، فلا حاجة إلى وَدَادَتِه لأنَّه ضروريُّ الوقوع، و «ثمَّ»: للتَّراخي في الرُّتبة أحسن من حملها على تراخي الزَّمان لأنَّ المُتمنَّى حصولُ مرتبةٍ بعد مرتبةٍ إلى الانتهاء إلى الفردوس الأعلى، فإن قلت: تمنِّيه ﵊ أن يُقتَل يقتضي تمنِّيَ وقوع زيادة الكفر لغيره، وهو ممنوعٌ للقواعد، أُجِيب: بأنَّ مراده ﵊ حُصولُ ثواب الشَّهادة، لا تمنِّيَ المعصية للقاتل. وفي الحديث: استحبابُ طلب القتل في سبيل الله، وفضل الجهاد، ورجاله ما بين بصريٍّ (٢) وكوفيٍّ، خالٍ عن العنعنة، ليس فيه إلَّا التَّحديث والسَّماع، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجهاد» [خ¦٢٧٩٧]، وكذا مسلمٌ والنَّسائيُّ. (٢٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (تَطَوُّعُ قِيَامِ رَمَضَانَ) بالطَّاعة في لياليه (مِنَ الإِيمَانِ) أي: من شُعَبِهِ،

стр. 553

والتَّطوُّع «تَفَعُّلٌ» ومعناه: التَّكلُّف بالطَّاعة، والمُرَاد به (١) هنا: التَّنفُّل، وهو رفعٌ بالابتداء مضافٌ لتاليه، و «رمضانَ»: ممنوعٌ من الصَّرف؛ للعلميَّة والألف والنُّون، وفي نسخةٍ بفرع «اليونينيَّة»: «بابُ تطوُّعِ قيامِ رمضان» بغير تنوينٍ مضافًا للاحقه، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «قيام شهر رمضان»، ولفظ: «بابٌ» ساقطٌ في رواية الأَصيليِّ. ٣٧ - وبالسَّند إلى البخاريِّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويسٍ الأصبحيُّ المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) يعني: ابن أنسٍ إمام الأئمَّة، وهو خاله (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ أحد العشرة المُبشَّرين بالجنَّة، أبو إبراهيمَ القرشيُّ المدنيُّ الزُّهريُّ، الثِّقة وهو من الثَّانية، وأمُّه أمُّ كلثومٍ بنت عقبةَ أخت عثمان بن عفَّان لأمِّه، المُتوفَّى بالمدينة سنة خمسٍ وتسعين، قال العينيُّ: وقِيلَ: سنة خمسٍ ومئةٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ في «التَّقريب»: بل هو الصَّحيح (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَنْ قَامَ) بالطَّاعة صلاة التراويح أو غيرها من الطَّاعات في ليالي (رَمَضَانَ)

стр. 554

حال كون قيامه (إِيمَانًا) أي: مؤمنًا بالله مصدِّقًا به (وَ) حال كونه (احْتِسَابًا) أي: مُحتَسِبًا؛ والمعنى: مصدِّقًا ومريدًا به وجه الله تعالى بخلوص نيَّته (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) من الصَّغائر، وفي فضل الله وَسَعَةِ كرمه ما يُؤذِن بغفران الكبائر أيضًا، وهو ظاهر السِّياق، لكنَّهم أجمعوا على التَّخصيص بالصَّغائر، كنظائره من إطلاق الغفران في أحاديث؛ لِمَا وقع من التَّقييد في بعضها بما اجتُنِبت الكبائر، وهي لا تَسْقط إلَّا بالتَّوبة أو الحدِّ، وأُجِيب عن استشكال مجيء الغفران في قيام رمضان وفي صومه، وليلة القدر، وكفَّارة صوم يوم عرفة سنتين، وعاشوراء سنةً، وما بين الرَّمضانين إلى غير ذلك ممَّا ورد به الحديث، فإنَّها إذا كُفِّرت بواحدٍ فما الذي يُكفِّره الآخر؟ بأنَّ كلًّا يُكفِّر الصَّغائر، فإذا لم توجد بأنْ كفَّرها واحدٌ ممَّا ذُكِرَ، أو غُفِرت بالتَّوبة، أو لم تُفعل للتَّوفيق المُنعَم به رُفِعَ له بعمله ذلك درجاتٌ، وكُتِبَ له به حسناتٌ، أو خفِّف عنه بعض الكبائر، كما ذهب إليه بعضهم، وفضلُ الله واسعٌ (١)، ورواة هذا الحديث كلُّهم أئمَّةٌ أجلَّاءُ مدنيُّون. وفيه: التَّحديث بصيغة الإفراد والجمع والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الصِّيام» [خ¦١٩٠١] أيضًا، ومسلمٌ، وأبو داودَ، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، وابن ماجه، و «المُوطَّأ»، وغيرهم. (٢٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، وهو ساقطٌ عند الأَصيليِّ (صَوْمُ رَمَضَانَ) حال كونه (احْتِسَابًا) أي:

стр. 555

محتسبًا (مِنَ الإِيمَانِ) ولم يقل: إيمانًا للاختصار، أو لاستلزام الاحتسابِ الإيمانَ. ٣٨ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال ﵀: (حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ) -بالتَّخفيف- على الصَّحيح، وهي رواية ابن عساكر البيكنديُّ، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: «محمَّد بن سلامٍ» (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ وكريمة: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) -بضمِّ الفاء وفتح المُعجَمة- ابن غزوان الضَّبيُّ مولاهم الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وخمسين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ، قاضي المدينة (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ صَامَ رَمَضَانَ) كلَّه عند القدرة عليه، أو بعضَه عند عجزه ونيَّتُه الصَّوم لولا المانع، حال كون صيامه (إِيمَانًا وَ) حال كونه (احْتِسَابًا) أي: مُؤْمِنًا مُحْتَسِبًا بأن يكون مصدِّقًا به، راغبًا في ثوابه، طَيِّب النَّفس به، غَير مستثقلٍ لصيامه، ولا مستطيلٍ لأيَّامه (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) الصَّغائر؛ تخصيصًا للعامِّ بدليلٍ آخرَ -كما سبق- و «رمضانَ» نُصِبَ على الظَّرفيَّة، وأتى بـ «احتسابًا» بعد «إيمانًا» مع أنَّ كلًّا منهما يلزم الآخر للتَّوكيد، ويأتي ما في

стр. 556

البابين من المباحث في «كتاب الصِّيام» [خ¦٢٠١٤] إن شاء الله تعالى. ولمَّا تضمَّن ما ذكره من الأحاديث التَّرغيبَ في القيام والصِّيام والجهاد أراد أن يبيِّن أنَّ الأَوْلى للعامل بذلك ألَّا يجهد نفسه بحيث يعجز، بل يعمل بتلطُّفٍ وتدريجٍ ليدوم عمله ولا ينقطع، فقال: (٢٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، وسقط لفظ «بابٌ» للأَصيليِّ (الدِّينُ) أي: دين الإسلام بالنِّسبة إلى سائر الأديان (يُسْرٌ) أي: ذو يسرٍ (وَقَوْلُِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بجرِّ «قول»، وفي فرع «اليونينيَّة»: «وقولُ» بالرَّفع فقط على القطع (أَحَبُّ) خصال (الدِّينِ) المعهود؛ وهو دين الإسلام (إِلَى اللهِ) الملَّةُ (الحَنِيفِيَّةُ) أي: المائلة عن الباطل إلى الحقِّ (السَّمْحَةُ) أي: السَّهلة الإبراهيميَّة، المخالفة لأديان بني إسرائيل وما يتكلَّفه أحبارهم من الشَّدائد، و «أحبُّ الدِّين» مبتدأٌ، خبره «الحنيفيَّة»، و «أحبُّ» بمعنى محبوبٍ، لا بمعنى مُحِبٍّ (١)، وإنَّما أخبر عنه وهو مُذكَّرٌ بمؤنَّثٍ وهو «الحنيفيَّة» لغلبة الاسميَّة عليها؛ لأنَّها عَلَمٌ على الدِّين، أو لأنَّ «أَفْعَلَ» التَّفضيل المُضَاف لقصد الزِّيادة على ما أُضيف إليه يجوز فيه الإفراد والمُطابَقَة لمن هو له، وهذا التَّعليق أسنده ابن أبي شيبة فيما قاله الزَّركشيُّ، والبخاريُّ في «الأدب المفرد»، وأحمد ابن حنبل فيما قاله الحافظ ابن حجرٍ وغيره، وإنَّما استعمله المؤلِّف في التَّرجمة لأنَّه ليس على شرطه، ومقصودُه أنَّ الدِّين يقع (٢) على الأعمال؛ لأنَّ الذي

стр. 557

يتَّصف بالعسر واليسر إنَّما هو الأعمال دون التَّصديق. ٣٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ) بالطَّاء المُهمَلَة والهاء المُشدَّدة المفتوحتين، ابن حسامٍ الأزديُّ البصريُّ، المُتوفَّى سنة أربعٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ) يعني: ابن عطاءٍ، وعين «عُمر» مضمومةٌ، المقدَّميُّ البصريُّ، وكان يدلِّس تدليسًا شديدًا؛ يقول: حدَّثنا وسمعت، ثمَّ يسكت، ثمَّ يقول: هشامُ بن عروة، الأعمشُ، وتُوفِّي سنة تسعين ومئةٍ (عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ) بفتح الميم وسكون العين المُهمَلة، واسمُ جدِّه معنٌ أيضًا (الغِفَارِيِّ) بكسر الغين المُعجَمة؛ نسبةً إلى «غِفارٍ» الحجازيِّ، فإن قلت: ما حكم رواية عمر بن عليِّ المدلِّس بالعنعنة عن معنٍ؟ أُجِيب: بأنَّها محمولةٌ على ثبوت سماعه من جهةٍ أخرى؛ كجميع ما في «الصَّحيحين» عن المدلِّسين. انتهى (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) واسمه: كيسان (المَقْبُرِيِّ) بفتح الميم وضمِّ المُوحَّدة؛ نسبةً إلى مَقبُرة بالمدينة كان مجاورًا بها، المدنيِّ، أبي سعْدٍ -بسكون العين- المُتوفَّى بعد اختلاطه بأربع سنين، سنة خمسٍ وعشرين ومئةٍ، وكان سماع معنٍ عن سعيدٍ قبل اختلاطه، وإلَّا لمَا أخرجه المؤلِّف (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ) أي: ذو يسرٍ، قال العينيُّ: وذلك لأنَّ الالتئام بين الموضوع والمحمول شرطٌ، وفي مثل هذا لا يكون إلَّا بالتَّأويل، أو هو اليسر نفسُه؛ كقول بعضهم في النبي ﷺ : إنَّه عين الرَّحمة، مستدِلًّا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] كأنَّه لكثرة الرَّحمة المُودَعة فيه صار نفسها، والتَّأكيد بـ «إنَّ» فيه ردٌّ (١) على منكر يسر هذا الدِّين، فإمَّا أن يكون المُخاطَب مُنكِرًا، أو على تقدير تنزيله منزلته، أو على تقدير المُنكِرِين غير المُخاطَبين، أو لكون القصَّة ممَّا يُهتَمُّ بها (وَلَنْ يُشَادَّ هَذَا) كذا في

стр. 558

«اليونينيَّة» بغير رقم (١) (الدِّينَ) وللأَصيليِّ: «ولن يشادَّ الدِّين» (أَحَدٌ) بالشِّين المُعجَمة وإدغامِ سابقِ المثلين في لاحِقِه؛ من المُشادَّة وهي المغالبة، أي: لا يتعمَّقُ أحدٌ في الدِّين ويترك الرِّفق (إِلَّا غَلَبَهُ) الدِّين، وعجز وانقطع عن عمله، كلِّه أو بعضِه، و «يشادَّ» منصوبٌ بـ «لن»، و «الدِّين» نُصِبَ بإضمار الفاعل، أي: «لن يشادَّ الدِّينَ أحدٌ»، ورواه كذلك ابن السَّكن، وكذا هو في بعض روايات الأَصيليِّ كما نبَّهوا عليه، ووجدته في فرع «اليونينيَّة»، وحكى صاحب «المطالع»: أنَّ أكثر الرِّوايات برفع «الدِّينُ»، على أنَّ «يُشَادَّ» مبنيٌّ لِمَا لم يُسمَّ فاعله، وتعقَّبه النَّوويُّ: بأنَّ أكثر الرِّوايات بالنَّصب، وجمع بينهما الحافظ ابن حجرٍ بالنِّسبة إلى روايات المغاربة والمشارقة، ولابن عساكرَ: «ولن يُشادَّ هذا الدِّين (٢) إلَّا غلبه» وله أيضًا: «ولن يُشادَّ هذا الدينَ أحدٌ إلَّا غلبه» (فَسَدِّدُوا) -بالمُهمَلة- من السَّداد؛ وهو التَّوسُّط في العمل، أي: الزموا السَّداد من غير إفراطٍ ولا تفريطٍ (وَقَارِبُوا) في العبادة، وهو بالمُوحَّدة، أي: إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه (وَأَبْشِرُوا) بقطع الهمزة من الإبشار، وفي لغةٍ: بضمِّ الشِّين من البشرى بمعنى الإبشار، أي: أبشروا بالثَّواب على العمل وإن قلَّ (٣)،

стр. 559

وأبهم المبشَّر به للتَّنبيه على تعظيمه وتفخيمه، وسقط لغير أبي ذَرٍّ لفظ «وأبشروا» (وَاسْتَعِينُوا) من الإعانة (بِالغَدْوَةِ) سير أوَّل النَّهار إلى الزَّوال، أو ما بين صلاة الغداة وطلوع الشَّمس، كالغداة والغدية (وَالرَّوْحَةِ): اسمٌ للوقت من زوال الشَّمس إلى اللَّيل، وضبطهما الحافظ ابن حجرٍ -كالزَّركشيِّ والكِرمانيِّ- بفتح أوَّلهما، وكذا البرماويُّ، وهو الذي في فرع «اليونينيَّة»، وضبطه العينيُّ بضمِّ أوَّل الغُدوة وفتح أوَّل الثَّاني، قلت: وكذا ضبطه ابن الأثير، وعبارته: «والغُدوة» بالضَّمِّ: ما بين صلاة الغداة وطلوع الشَّمس (١)، ثمَّ عطف على السَّابق قوله: (وَشَيْءٍ) أي: واستعينوا بشيءٍ (مِنَ الدُّلْجَةِ) بضمِّ الدَّال المُهمَلة وإسكان اللَّام؛ سير آخر اللَّيل أو اللَّيل كلِّه، ومن ثمَّ عبَّر بالتَّبعيض، ولأنَّ عمل اللَّيل أشقُّ (٢) من عمل النَّهار، وفي هذا استعارة «الغدوة» و «الرَّوحة» و «شيءٍ من الدُّلجة» لأوقات النَّشاط وفراغ القلب للطَّاعة، فإنَّ هذه الأوقات أطيبُ أوقات المسافر، فكأنَّه ﷺ خاطب مسافرًا إلى مقصده، فنبَّهه على أوقات نشاطه؛ لأنَّ المسافر إذا سافر اللَّيل والنَّهار جميعًا عجز وانقطع، وإذا تحرَّى السَّير في هذه الأوقات المنشطة؛ أمكنته المُداوَمَة من غير مشقَّةٍ، وحسَّن هذه الاستعارة: أنَّ الدُّنيا في الحقيقة دار نقلةٍ إلى الآخرة، وأنَّ هذه الأوقات بخصوصها أروح ما يكون فيها البدن للعبادة. ورواة هذا الحديث ما بين مدنيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرج المؤلِّف طرفًا منه في «الرِّقاق» [خ¦٦٤٦٣]، وأخرجه النَّسائيُّ. ولمَّا كانت الصَّلوات الخمس أفضل طاعات البدن، وهي تُقَام في هذه الأوقات الثَّلاث، فالصُّبح في الغدوة، والظُّهر والعصر في الرَّوحة، والعشاءان في جزء الدُّلجة عند من يقول: إنَّها سير اللَّيل كلِّه؛ عقَّب المصنِّف هذا الباب بذكر «الصَّلاة من الإيمان» فقال: (٣٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (الصَّلَاةُ مِنَ الإِيمَانِ) أي: شعبةٌ من شُعَبِهِ، مبتدأٌ وخبرٌ، ويجوز إضافة

стр. 560

الباب إلى الجملة، ولفظ: «بابٌ» ساقطٌ عند الأَصيليِّ (وَقَوْلُِ اللهِ تَعَالَى) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: « » و «قولُ»: بالرَّفع عطفًا على لفظ «الصَّلاة»، والجرِّ عطفًا على المُضَاف إليه (﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]) بالخطاب، وكان المقام يقتضي الغَيبة، لكنَّه قصد تعميم الحكم للأمَّة الأحياء والأموات، فذكر الأحياء المُخاطَبين تغليبًا لهم على غيرهم، وفسَّر البخاريُّ «الإيمان» بقوله: (يَعْنِي: صَلَاتَكُمْ) بمكَّة (عِنْدَ البَيْتِ) الحرام إلى بيت المقدس، قال في «الفتح»: قد وقع التَّنصيص على هذا التَّفسير من الوجه الذي أخرج منه المصنِّف حديث الباب (١)، وروى النَّسائيُّ والطَّيالسيُّ: فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]: صلاتكم إلى بيت المقدس، وعلى هذا فقول المصنِّف: «عند البيت» مُشكِلٌ، مع أنَّه ثابتٌ عنه في جميع الرِّوايات، ولا اختصاص بذلك (٢) لكونه عند البيت، وقد قِيلَ: إنَّه تصحيفٌ، والصَّواب: يعني صلاتكم لغير البيت، قال الحافظ ابن حجرٍ: وعندي أنَّه لا تصحيفَ فيه، بل هو صوابٌ، ومقاصد البخاريِّ دقيقةٌ، وبيان ذلك: أن العلماء اختلفوا في الجهة التي كان ﷺ توجَّه إليها للصَّلاة وهو بمكَّة، فقال ابن عبَّاسٍ وغيره: إلى بيت المقدس، لكنَّه لا يستدبر الكعبة، بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس، وأطلق آخرون: أنَّه كان يصلِّي إلى بيت المقدس، وقال آخرون: كان يصلِّي إلى الكعبة، فلمَّا تحوَّل إلى المدينة استقبل بيت المقدس، وهذا ضعيفٌ، ويلزم منه دعوى

стр. 561

النَّسخ مرَّتين (١)، والأوَّل أصحُّ؛ لأنَّه يجمع بين القولين، وقد صحَّحه الحاكم وغيره من حديث ابن عبَّاسٍ، فكأنَّ البخاريَّ رحمه الله تعالى أراد الإشارة إلى الجزم بالأصحِّ؛ من أنَّ الصَّلاة لمَّا كانت عند البيت كانت إلى بيت المقدس، واقتصر على ذلك اكتفاءً بالأولويَّة؛ لأنَّ صلاتهم إلى غير جهة البيت وهم عند البيت إذا كانت لا تضيع فأحرى ألَّا تضيع إذا بَعُدوا عنه، والله أعلم. ٤٠ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) بفتح العين، ابن فروخ الحنظليُّ الحرَّانيُّ (٢)، نزيل مصر، المُتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين ومئتين، وليس هو «عُمرَ» بالضَّمِّ والفتح، وإن وقع في رواية القابسيِّ عن عَُبْدُوسٍ عن أبي زيدٍ المروزيِّ، وفي رواية أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ؛ فقد قالوا: إنَّه تصحيفٌ (قَالَ) أي عمرٌو: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بضمِّ أوَّله وفتح ثانيه، ابن معاويةَ بن حُدَيجٍ؛ بضمِّ الحاء وفتح الدَّال المُهمَلَتين آخره جيمٌ، الجعفيُّ (٣) الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة اثنتين أو ثلاثٍ وسبعين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عليٍّ (٤)

стр. 562

الهَمْدانيُّ السَّبيعيُّ، الكوفيُّ التَّابعيُّ الجليل، المُتوفَّى سنة ستٍّ، أو سبعٍ، أو ثمان، أو تسعٍ وعشرين ومئةٍ، وقول أحمد: إنَّ سماع زهيرٍ منه بعد أن بدا تغيُّره، أُجِيب عنه: بأنَّ إسرائيل بن يونس حفيدُه، وغيره تابعه عليه عند المؤلِّف [خ¦٣٩٩] (عَنِ البَرَاءِ) بتخفيف الرَّاء والمدِّ على الأشهر، أبي عمرٍو أو أبي عامرٍ، أو أبي الطَّفيل، وللأَصيليِّ في روايةٍ: «عن البراء بن عازب» بن الحارث الأنصاريِّ الأوسيِّ، المُتوفَّى بالكوفة سنة اثنتين وسبعين، وله في «البخاريِّ» ثمانيةٌ وثلاثون حديثًا، وما يُخَاف من تدليس أبي إسحاق فهو مأمونٌ؛ حيث ساقه المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٤٨٦] من طريق الثَّوريِّ بلفظ عن أبي إسحاق: سمعت البَرَاء ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ) بكسر الدَّال، ونصب «أوَّلَ» على الظَّرفيَّة، لا خبر «كان» كما وَهِمَ (١) الزَّركشيُّ، فإنَّ خبرَ «كان» قولُهُ: «نزل» أي: في أوَّل قدومه (المَدِينَةَ) طيبة في هجرته من مكَّة (نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ، أَوْ قَالَ) أي: أبو إسحاقَ: (أَخْوَالِهِ مِنَ الأَنْصَارِ) وكلاهما صحيحٌ، وهو على سبيل المجاز لأنَّ أقاربه من الأنصار من جهة الأمومة؛ لأنَّ أُمَّ جدِّه عبد المطَّلب منهم (وَأَنَّهُ) ﵊ (صَلَّى قِبَلَ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة (بَيْتِ المَقْدِسِ) مصدرٌ ميميٌّ كالمَرْجِع، أي: حال كونه مُتوجِّهًا إليه (سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا) على الشَّكِّ في رواية زُهيرٍ هنا، وللمؤلِّف عن إسرائيل [خ¦٣٩٩] وللتِّرمذيِّ أيضًا، ورواه أبو عوانة في صحيحه عن عمار ابن رجاء وغيره عن أبي نعيم فقال: «ستة عشر» من غير شَكّ (٢) وكذا لمسلمٍ من رواية أبي الأحوص الجزمُ بالأوَّل، فيكون أخذ من شهر القدوم وشهر التَّحويل شهرًا، وألغى الأيَّام الزَّائدة، وللبزَّار والطَّبرانيِّ عن عمرو بن عوفٍ الجزم بالثَّاني كغيرهما، فيكون عدَّ الشهرين معًا، ومن شكَّ تردَّد في ذلك؛ وذلك أنَّ القدوم كان في شهر ربيع الأوَّل بلا خلافٍ، وكان

стр. 563

التَّحويل في نصف رجب من السَّنة الثَّانية على الصَّحيح، وبه جزم الجمهور، ورواه الحاكم بسندٍ صحيحٍ عن ابن عبَّاسٍ، وقال ابن حبَّان: سبعة عشر شهرًا وثلاثة أيَّامٍ، وهو مبنيٌّ على أن القدوم كان في ثاني عشر ربيع الأوَّل، وقال ابن حبيبٍ: كان التَّحويل في نصف شعبان، وهو الذي ذكره النَّوويُّ في «الرَّوضة»، وأقرَّه مع كونه رجَّح في «شرح مسلم» رواية ستَّة عشر شهرًا؛ لكونها مجزومًا بها عند «مسلمٍ»، ولا يستقيم أن يكون ذلك في شعبان إلَّا إن أُلغي شهرا القدوم والتَّحويل، وسقط لغير ابن عساكر قوله «شهرًا» الأوَّل (وَكَانَ) ﵊ (يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ) أي: كون قبلته جهة (البَيْتِ) الحرام (وَأَنَّهُ) بفتح الهمزة عطفًا على «أنَّ» الأولى كالثَّانية (صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا) متوجِّهًا إلى الكعبة (صَلَاةَ العَصْرِ) بنصب «أوَّلَ» مفعول «صلَّى»، و «صلاةَ العصر» بدلٌ منه، وأعربه ابن مالكٍ بالرَّفع، وسقط لغير الأربعة لفظة «صلَّى» ولابن سعدٍ: حُوِّلَت القبلة في صلاة الظُّهر أو العصر (وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ) وهو عبَّاد بن بشر بن قيظيٍّ، أو عبَّاد بن نَهِيكٍ (فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ) من بني حارثة، ويعرف الآن بمسجد القبلتين (وَهُمْ رَاكِعُونَ) حقيقةً، أو من باب: إطلاق الجزء وإرادة الكلِّ (فَقَالَ: أَشْهَدُ) أي: أحلف (بِاللهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ) ولابن عساكرَ: «مع النَّبيِّ» (¬ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ) أي: حال كونه متوجِّهًا إليها، و «اللَّام» للتَّأكيد، و «قد» للتَّحقيق، وجملة «أشهد» اعتراضٌ بين القول ومقوله (فَدَارُوا) أي: سمعوا كلامه فداروا

стр. 564

(كَمَا هُمْ) عليه (قِبَلَ البَيْتِ) الحرام، ولم يقطعوا الصَّلاة، بل أتمُّوها إلى جهة الكعبة، فصلَّوا صلاةً واحدةً إلى جهتين بدليلين شرعيِّين. قال في «المصابيح»: والظَّاهر: أنَّ الكاف في «كما هم» بمعنى: على، و «ما»: كافَّةٌ، و «هم»: مبتدأٌ حُذِفَ خبرُه، أي: عليه أو كائنون، وقد يُقَال: إنَّ «ما» موصولةٌ، و «هم»: مبتدأٌ حُذِفَ خبره، أي: عليه، لكن يلزم حذف العائد المجرور مع تخلُّف شرطه، وفيه: جواز النَّسخ بخبر الواحد، وإليه ميلُ المحقِّقين (وَكَانَتِ اليَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ) أي: النَّبيَّ ﷺ ، و «هم» (١): منصوبٌ على المفعوليَّة (إِذْ كَانَ) ﵊ (يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ) أي: حال كونه متوجِّهًا إليه (وَأَهْلُ الكِتَابِ) بالرَّفع عطفًا على «اليهود»، وهو من عطف العامِّ على الخاصِّ، أو المُرَاد به النَّصارى فقط، وإعجابهم ذلك ليس لكونه قبلتهم، بل بطريق التَّبعيَّة لهم (فَلَمَّا وَلَّى) ﷺ (وَجْهَهُ) الشَّريفَ (قِبَلَ البَيْتِ) الحرام (أَنْكَرُوا ذَلِكَ) فنزل (٢): ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاء﴾ [البقرة: ١٤٢] كما صرَّح به المصنِّف في روايةٍ من طريق إسرائيل [خ¦٣٩٩] (قَالَ زُهَيْرٌ) يعني ابن معاويةَ: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) يعني السَّبيعيّ (عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ (فِي حَدِيثِهِ هَذَا) وللأَصيليِّ: «أبو إسحاق في حديثه عن البَرَاء» (أَنَّهُ مَاتَ عَلَى القِبْلَةِ) المنسوخة (قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ) أي: قبل التَّحويل إلى الكعبة (رِجَالٌ) عشرةٌ؛ منهم: عبد الله بن شهابٍ الزُّهريُّ القرشيُّ مات بمكَّة، والبَرَاء بن معرورٍ الأنصاريُّ بالمدينة (وَقُتِلُوا) بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه، وفائدة ذكر القتل: بيان كيفيَّة موتهم

стр. 565

إشعارًا بشرفهم، واستبعادًا لضياع طاعتهم، أو أنَّ «الواو» بمعنى: أو، فيكون شكًّا، لكنَّ القتلَ فيه نظرٌ؛ فإنَّ تحويل القبلة كان قبل نزول القتال، على أنَّ هذه اللَّفظة لا توجد في غير رواية زهير بن معاوية، إنَّما الموجود في باقي الرِّوايات ذكر الموت فقط (فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: « »: (﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]) بالقبلة المنسوخة، أو صلاتكم إليها، وقول الكِرمانيِّ في قول زهيرٍ هذا: «إنَّه يحتمل أن يكون المؤلِّف ذكره معلَّقًا» تعقَّبه الحافظ ابن حجرٍ: بأنَّ المؤلِّف ساقه في «التَّفسير» [خ¦٤٤٨٦] موصولًا مع (١) جملة الحديث، وقد تعقَّبه العينيُّ: بأنَّ صُورتَه صُورةُ تعليقٍ، وأنَّه لا يلزم من سَوْقِه في «التَّفسير» جملةً واحدةً أن يكون هذا موصولًا غير معلَّقٍ. انتهى. واختُلِف في صلاته ﵊ إلى بيت المقدس وهو بمكَّة، فقال قومٌ: لم يَزَلْ يَستقبلُ الكعبة بمكَّة، فلمَّا قدم المدينة استقبل بيت المقدس، ثمَّ نُسِخَ، وقال البيضاويُّ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: الجهة التي كنت عليها؛ وهي الكعبة، فإنَّه ﵊ كان يصلِّي إليها بمكَّة، ثمَّ لمَّا هاجر أُمِرَ بالصَّلاة إلى الصَّخرة تألُّفًا لليهود، وقال قومٌ: كان لبيت المقدس، فروى ابن ماجه حديث: «صلينا مع رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس ثمانيةَ عَشَرَ شهرًا، وصُرِفَتِ القبلةُ إلى الكعبة بعد دخول المدينة بشهرين»، وظاهره: أنَّه كان يصلِّي بمكَّةَ إلى بيت المقدس مَحضًا، وعن ابن عبَّاسٍ: كانت قبلتُه بمكَّةَ بيتَ المقدس، إلَّا أنَّه كان يجعل الكعبة بينه وبينه، قال البيضاويُّ: فالمُخبر به على الأوَّل الجَعْل النَّاسخ، وعلى الثاني المنسوخُ؛ والمعنى: أنَّ أصل أمرك أن تستقبل الكعبة، وما جعلنا قبلتك بيت المقدس. انتهى.
следующие страницы →