٢٣٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا يُمْنَعُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول (فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ) مبنيٌّ للمفعول أيضًا (بِهِ الكَلأُ) بفتح الكاف والرَّفع: العشب يابسه ورطبه، واللَّام في «ليُمنَع» لام العاقبة كهي في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] ومعنى الحديث: أنَّ من شقَّ ماءً بفلاةٍ وكان حول ذلك الماء كلأٌ ليس حوله ماءٌ غيره، ولا يُوصَل إلى رعيه إلَّا إذا كانت المواشي ترد ذلك، فنُهِي صاحب الماء أن يمنع فضله (١)؛ لأنَّه إذا منعه منع رعي ذلك الكلأ، والكلأ لا يُمنَع لما في منعه من الإضرار بالنَّاس، ويلتحق به الرِّعاء إذا احتاجوا إلى الشُّرب؛ لأنَّهم إذا مُنِعوا من الشُّرب امتنعوا من الرَّعي هناك، والصَّحيح عند الشَّافعيَّة وبه قال الحنفيَّة: الاختصاص بالماشية، وفرَّق الشَّافعيُّ فيما حكاه المزنيُّ عنه بين المواشي والزُّروع: بأنَّ (٢) الماشية ذات أرواحٍ يُخشَى من عطشها موتُها بخلاف الزَّرع، وهذا محمولٌ عند أكثر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم على ماء البئر المحفورة في الملك، أو في الموات بقصد التَّملُّك أو الارتفاق خاصَّةً، فالأولى: وهي التي في ملكه، أو في مواتٍ بقصد التَّملُّك يملك ماؤها على الصَّحيح عند أصحابنا، ونصَّ عليه الشَّافعيُّ في القديم، والثَّانية: -وهي المحفورة في مواتٍ بقصد الارتفاق- لا يملك الحافر ماءها، نعم هو أولى به إلى أن يرتحل، فإذا ارتحل صار كغيره ولو عاد بعد ذلك، وفي كلا الحالتين (٣) يجب عليه بذل ما يفضُل عن حاجته، والمراد بحاجته: نفسُه وعيالُه وماشيتُه وزرعُه، لكن قال إمام الحرمين: وفي الزَّرع (٤) احتمالٌ على بُعْدٍ، أمَّا البئر
стр. 5007
المحفورة للمارَّة فماؤها مشتركٌ بينهم والحافر كأحدهم، ويجوز الاستقاء منها للشُّرب وسقي الزَّرع، فإن ضاق عنهما فالشُّرب أولى، وكذا المحفورة بلا قصدٍ على أصحِّ الوجهين لأصحابنا (١)، وأمَّا المُحرَز في إناءٍ؛ فلا يجب بذل فضله على الصَّحيح لغير المضطرِّ، ويُملَك بالإحراز، هذا كلام الشَّافعيَّة، وكلام الحنفيَّة والحنابلة في ذلك متقاربٌ في الأصل والمُدرَك وإن اختلفت تفاصيلهم، وجعل المالكيَّة هذا الحكم في البئر المحفورة في الموات، وقالوا في المحفورة في الملك: لا يجب عليه بذل فضلها، وقالوا في المحفورة في الموات: لا تُباع، وصاحبها وورثته أحقُّ بكفايتهم، وهذا النَّهي للتَّحريم عند مالكٍ والشَّافعيِّ والأوزاعيِّ واللَّيث، وقال غيرهم: هو من باب المعروف.
ومطابقة هذا الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ فضل الماء يدلُّ على أنَّ صاحب الماء أحقُّ به عند عدم الفضل، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «ترك الحيل» [خ¦٦٩٦٢]، ومسلمٌ في «البيوع»، والنَّسائيُّ (٢) في «إحياء الموات»، وأبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه.
٢٣٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بكيرٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ) سعيدٍ (وَأَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريِّ المدنيِّ، اسمه عبد الله أو إسماعيل، كلاهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ المَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ فَضْلَ الكَلأ) والمنهيُّ عنه منع الفضل لا منع الأصل، وهل يجب عليه بذل الفاضل عن
стр. 5008
حاجته (١) لزرع غيره؟ الصَّحيح عند الشَّافعيَّة، وبه قال الحنفيَّة: لا يجب، وقال المالكيَّة: يجب عليه إذا خشي عليه الهلاك، ولم يضرَّ ذلك بصاحب الماء، قال الأُبّيُّ أبو عبد الله: والحديث حجَّةٌ لنا في القول بسدِّ الذَّرائع؛ لأنَّه إنَّما نهى عن منع فضل الماء؛ لِما يؤدِّي إليه من منع الكلأ. انتهى. وقد ورد التَّصريح في بعض طرق الحديث بالنَّهي عن منع الكلأ، صحَّحه ابن حبَّان من رواية أبي سعيدٍ مولى بني غفارٍ عن أبي هريرة ولفظه: «لا تمنعوا فضل الماء ولا تمنعوا الكلأ، فيهزلَ المال، ويجوعَ العيال» وهو محمولٌ على غير المملوك، وهو الكلأ النَّابت في الموات، فمنعه مجرَّد ظلمٍ؛ إذ النَّاس فيه سواءٌ، أمَّا الكلأ النَّابت في أرضه المملوكة له بالإحياء فمذهب الشَّافعيَّة جواز بيعه، وفيه خلافٌ عند المالكيَّة، صحَّح ابن العربيِّ الجواز.
(٣) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين (٣) (مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ) أو مواتٍ للتَّملُّك (٤) أو الارتفاق (لَمْ يَضْمَنْ) لأنَّه غير عدوان، فلو كان عدوانًا ضمنته العاقلة، ولو حفر بدهليزه بئرًا ودعا رجلًا فدخله فسقط فيها فهلك فالأظهر (٥) الضَّمان لأنَّه غَرَّهُ.
٢٣٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (٦) (مَحْمُودٌ) هو ابن غيلان، أبو أحمد العدويُّ مولاهم المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرني» بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، ابن موسى، وهو شيخ المصنِّف، روى عنه بغير واسطةٍ في أوَّل «الإيمان» [خ¦٨]
стр. 5009
(عَنْ إِسْرَائِيلَ) بن يونس بن أبي إسحاق، السَّبيعيِّ الهمدانيِّ الكوفيِّ، ثقةٌ تُكلِّم فيه بلا حجَّةٍ (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصَّاد المهملتين، عثمان بن عاصم (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : المَعْدِنُ) بكسر الدَّال، كمَجْلِسٍ: منبت الجواهر من ذهبٍ ونحوه إذا حفره الرَّجل في ملكه أو في مواتٍ، فوقع فيه شخصٌ ومات (١)، أو انْهَارَ على حافره، فهو (جُبَارٌ) بضمِّ الجيم وتخفيف المُوحَّدة وبعد الألف راءٌ، أي: هدرٌ لا ضمان عليه (وَالبِئْرُ) إذا حفرها في ملكه أو في مواتٍ، أو انهارت على من استأجره لحفرها (جُبَارٌ) لا ضمان عليه، فلو حفرها في طريق المسلمين، أو في ملك غيره بغير إذنه فتلف بها (٢) إنسانٌ وجب (٣) ضمانه على عاقلة حافرها، والكفَّارة في مال الحافر، وإن تلف بها غير الآدميِّ وجب ضمانه في مال الحافر (وَالعَجْمَاءُ) بفتح العين المهملة وسكون الجيم وبعد الميم همزةٌ ممدودةٌ، أي: البهيمة لأنَّها لا تتكلَّم، إذا انفلتت فصدمت إنسانًا فأتلفته، أو أتلفت مالًا فهي (جُبَارٌ) لا ضمان على مالكها، أمَّا إذا كان معها فعليه الضَّمان (وَفِي الرِّكَازِ) دفن الجاهليَّة سواءٌ كان في دار الإسلام أو دار الحرب (الخُمُسُ) بشرط أن يكون نصابًا من النَّقدين (٤) لا الحول، ومذهب الإمام أحمد: أنَّه لا فرق بين النَّقدين فيه وغيرهما كالنُّحاس، وهو مذهب الحنفيَّة أيضًا، لكنَّهم أوجبوا الخمس وجعلوه فيئًا، والحنابلة أوجبوا ربع العشر وجعلوه زكاةً كما مرَّ في «الزَّكاة» [خ¦١٤٩٩] قال ابن المنيِّر: الحديث مطلقٌ والتَّرجمة مُقيَّدةٌ بالمِلْك، وإذا كان الحديث تحته صورٌ، أحدها: المِلْك، وهو أقعد الصُّور بسقوط الضَّمان كان دخولها في الحديث مُحقَّقًا فاستقام الاستدلال؛ لأنَّه إذا لم يضمن وقد حفر في غير مِلْكه كالذي يحفر في الصَّحراء فألَّا يضمن من حفر في ملكه الخاصِّ أجدرُ.
стр. 5010
(٤) (باب الخُصُومَةِ فِي البِئْرِ وَالقَضَاءِ فِيهَا).
٢٣٥٦ - ٢٣٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله المروزيُّ (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي، محمَّد بن ميمونٍ السُّكَّريِّ المروزيِّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ شَقِيقٍ) هو ابن سلمة، أبو وائلٍ، الأزديِّ الكوفيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) هو ابن مسعودٍ (¬﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ) أي: على محلوف يمينٍ، حال كونه (يَقْتَطِعُ بِهَا) أي: بسبب اليمين (مَالَ امْرِئٍ هُوَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «مال امرئٍ مسلمٍ هو» (عَلَيْهَا) أي: هو في الإقدام عليها (١) (فَاجِرٌ) أي: كاذبٌ، ويحتمل أن تكون جملة «يقتطع» صفةً لـ «يمينٍ»، والتَّقييد بالمسلم جرى على الغالب، وإلَّا فلا فرق بين المسلم والذِّمِّيِّ والمعاهد وغيرهم،
стр. 5011
كما جرى على الغالب في تقييده بمالٍ، ولا فرق بين المال وغيره في ذلك، وفي «مسلمٍ» من حديث إياس بن ثعلبة الحارثيِّ: «من اقتطع حقَّ امرئٍ مسلمٍ بيمينه» (لَقِيَ اللهَ) يوم القيامة (وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) فيعامله معاملة المغضوب عليه من كونه لا ينظر إليه ولا يكلِّمه، ولـ «مسلمٍ» من حديث وائل بن حجرٍ: «وهو عنه معرضٌ»، وعند أبي داود من حديث عمران: «فليتبوَّأ مقعده من النَّار» (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾) يستبدلون (﴿بِعَهْدِ اللّهِ﴾) بما عاهدوا الله (١) عليه من الإيمان بالرَّسول والوفاء بالأمانات (﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾) وبما حلفوا عليه (﴿ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧]) … الآيَةَ. (فَجَاءَ الأَشْعَثُ) هو ابن قيسٍ الكنديُّ، من المكان الذي كان فيه إلى المجلس الذي كان عبد الله يُحدِّثهم فيه (فَقَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ) بلفظ الماضي، ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «ما يحدِّثكم» (أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟) يعني ابن مسعودٍ، زاد في رواية جريرٍ في «الرَّهن» [خ¦٢٥١٥] [خ¦٢٥١٦]: قال: فحدَّثناه، قال: فقال: صدق (فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِي) اسمه: معدان بن الأسود بن معد يكرب الكنديُّ، ولقبه الجَفشيش -بالجيم المفتوحة والشِّينين (٢) المعجمتين بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ على الأشهر- وزعم الإسماعيليُّ أنَّ أبا حمزة تفرَّد بذكر البئر عن الأعمش، وليس كما قال فقد وافقه أبو عوانة كما في «كتاب الأيمان» [خ¦٦٦٧٦] و «الأحكام» [خ¦٧١٨٣] من رواية الثَّوريِّ ومنصورٍ عن الأعمش جميعًا (٣)، وفي رواية جريرٍ عن منصورٍ [خ¦٢٦٦٩]: في شيءٍ (فَقَالَ لِي) رسول الله ﷺ : (شُهُودَكَ) نُصِب بتقدير «أَحْضِرْ» أو «أَقِمْ» شهودك على حقِّك، وفي نسخةٍ: «شهوُدك» بالرَّفع، خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: فالمثبِتُ لحقِّك شهودُك، قال الأشعث: (قُلْتُ: مَا لِي شُهُودٌ، قَالَ) ﵊:
стр. 5012
(فَيَمِينَهُ) أي: فاطلب يمينه، وفي نسخةٍ: «فيمينُه» بالرَّفع، أي: فالحجَّةُ القاطعةُ بينكما يمينهُ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِذَنْ يَحْلِفَ) بنصب «يحلفَ» لا غير كما قاله السُّهيليُّ، وكذا هو (١) في الفرع وأصله (٢)؛ لاستيفائها شروط إعمالها التي هي: التَّصدُّر، والاستقبال، وعدم الفصل، ولا يجوز إلغاؤها حينئذٍ، قال الزَّركشيُّ «في أحكام عمدة الأحكام» (٣)، وذكر ابن خروفٍ في «شرح سيبويه»: أنَّ من العرب من لا ينصب بها مع استيفاء الشُّروط، حكاه سيبويه، قال: ومنه الحديث: «إذًا يحلفُ بالله»، وهو صريحٌ في أنَّ الرِّواية بالرَّفع. انتهى. قال في «المصابيح»: استشهاده بالحديث إنَّما يدلُّ على أنَّ الرَّفع مرويٌّ، لا أنَّه هو المرويُّ كما يظهر من عبارة الزَّركشيِّ (فَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الحَدِيثَ) وهو قوله: «من حلف على يمينٍ … » إلى آخره، (فَأَنْزَلَ اللهُ ذَلِكَ) أي: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ﴾ … الآية [آل عمران: ٧٧] (تَصْدِيقًا لَهُ) ﷺ .
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الإشخاص» [خ¦٢٤١٦] و «الشَّهادات» [خ¦٢٦٦٦] و «الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٦٠] و «التَّفسير» [خ¦٤٥٤٩] و «الشَّركة» [خ¦٢٥١٥]، ومسلمٌ في «الأيمان» وكذا أبو داود، والنَّسائيُّ في «القضاء»، وابن ماجه في «الأحكام» (٤).
(٥) (باب إِثْمِ مَنْ مَنَعَ ابْنَ السَّبِيلِ) وهو المسافر (مِنَ (٥) المَاءِ) أي: الفاضل عن حاجته.
стр. 5013
٢٣٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنقَريُّ بكسر الميم وفتح القاف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) البصريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ثَلَاثَةٌ) من النَّاس (لَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ) فإنَّ من سخط على غيره واستهان به أعرض عنه (وَلَا يُزَكِّيهِمْ) ولا يثني عليهم ولا يطهِّرهم (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) مؤلمٌ على ما فعلوه (رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ) زائدٍ عن حاجته (بِالطَّرِيقِ فَمَنَعَهُ) أي: الفاضل من الماء (مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ) وهو المسافر، وقوله: «رجلٌ» مرفوعٌ، خبر مبتدأٍ محذوفٍ، وقوله: «كان له فضل ماءٍ» جملةٌ في موضع رفعٍ، صفةٌ لـ «رجلٌ» (وَ) الثَّاني من الثَّلاثة (رَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا) أي: عاقد الإمام الأعظم، وللحَمُّويي والمُستملي: «إمامه» (لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا) بغير تنوينٍ (فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا رَضِيَ) الفاء تفسيريَّةٌ (وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا سَخِطَ، وَ) الثَّالث (رَجُلٌ أَقَامَ سِلْعَتَهُ) من قامت السُّوق إذا نفقت (بَعْدَ العَصْرِ) ليس بقيدٍ، بل خرج مخرج الغالب؛ لأنَّ الغالب أنَّ مثله كان يقع في آخر النَّهار حيث يريدون (١) الفراغ عن معاملتهم، نعم يحتمل أن يكون تخصيص العصر لكونه وقت ارتفاع الأعمال (فَقَالَ: وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَقَدْ أَعْطَيْتُ بِهَا) بفتح الهمزة في الفرع وأصله (٢)، أي: دفعت لبائعها بسببها، وفي نسخةٍ: «أُعطِيت» بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، أي: أعطاني من يريد شراءها (كَذَا وَكَذَا) ثمنًا عنها (فَصَدَّقَهُ رَجُلٌ) واشتراها بذلك الثَّمن الذي حلف أنَّه أعطاه، أو أُعطِيه اعتمادًا على حلفه الذي أكَّده بالتَّوحيد واللَّام، وكلمة «قد» التي هي هنا للتَّحقيق (ثُمَّ قَرَأَ) ﵊
стр. 5014
(هَذِهِ الآيَةَ (١) ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾) الآية [آل عمران: ٧٧] والتَّنصيص على العدد في قوله: «ثلاثةٌ» لا ينفي الزَّائد.
(٦) (باب سَكْرِ الأَنْهَارِ) بفتح السِّين المهملة وسكون الكاف، أي: سدِّها، وفي «اليونينيَّة»: بتنوين (٢) «بابٌ» (٣).
٢٣٥٩ - ٢٣٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهري (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزبير (عَنْ) أخيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام، القرشيِّ الأسديِّ، أوَّل مولودٍ وُلِد في الإسلام بالمدينة من المهاجرين، وولي الخلافة تسع سنين إلى أن قُتِل في ذي الحجَّة سنة ثلاثٍ وسبعين (¬﵄: أَنَّهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ) زاد في رواية شعيبٍ عند المصنِّف في «الصُّلح» [خ¦٢٧٠٨]: قد شهد بدرًا، واسمه -قيل- (٤): حُمَيدٌ، فيما أخرجه أبو موسى المدينيُّ في «الذَّيل» من طريق اللَّيث عن الزُّهريِّ قال: ولم أرَ تسميته إلَّا (٥) في هذه الطَّريق. انتهى. وهذا مردودٌ بما في بعض طرقه: أنَّه شهد بدرًا،
стр. 5015
وليس في البدريِّين أحدٌ اسمه حُمَيدٌ، وقيل: هو ثابت بن قيس بن شمَّاسٍ، حكاه ابن بشكوال في «المبهمات» له واستُبعِد، وقيل: هو حاطب بن أبي بلتعة، وقيل: ثعلبة بن حاطب (١) قاله ابن باطيش، قال النَّوويُّ في «تهذيب الأسماء واللُّغات»: وقولُه: «في حاطبٍ» لا يصحُّ؛ فإنَّه ليس أنصاريًّا. انتهى. وأُجيب بحمل الأنصار على المعنى اللُّغويِّ؛ يعني: ممَّن كان ينصر النَّبيَّ ﷺ ، لا بمعنى أنَّه كان من الأنصار المشهورين، وهذا يردُّه ما في رواية عبد الرَّحمن بن إسحاق عن الزُّهريِّ عند الطَّبريِّ في هذا الحديث: أنَّه من بني أميَّة بن زيدٍ، وهم بطنٌ من الأوس، وأُجيب باحتمال أنَّ مسكنه كان في بني أميَّة لا أنَّه منهم، وقد روى ابن أبي حاتمٍ بسنده عن سعيد بن المُسيَّب في قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢)﴾ … الآية [النساء: ٦٥]: أنَّها نزلت في الزُّبير بن العوَّام وحاطب بن أبي بلتعة اختصما في ماءٍ، فقضى النَّبيُّ ﷺ أن يسقيَ الأعلى ثمَّ الأسفلُ، قال ابن كثيرٍ: وهو مُرسَلٌ، ولكن فيه فائدةُ تسمية الأنصاريِّ. (خَاصَمَ الزُّبَيْرَ) بن العوَّام، أحد العشرة المُبشَّرة بالجنَّة ﵃ (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي شِرَاجِ الحَرَّةِ) بكسر الشِّين المعجمة آخره جيمٌ، جمع شَرْجٍ -بفتح أوَّله وسكون الرَّاء- بوزن بَحْرٍ وبحارٍ، ويجمع على شروجٍ، وإنَّما أُضيفت إلى الحرَّة لكونها فيها، والحَرَّة -بفتح الحاء والرَّاء المُشدَّدة المهملتين- موضعٌ معروفٌ بالمدينة، والمراد به هنا: مسايل الماء (الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ) وفي رواية شعيبٍ [خ¦٢٧٠٨]: كانا يسقيان به كلاهما، وذلك لأنَّ الماء كان يمرُّ بأرض الزُّبير قبل أرض الأنصاريِّ فيحبسه؛ لإكمال سقي أرضه، ثمَّ يرسله إلى أرض جاره (فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ) للزُّبير ﵁ ملتمسًا منه تعجيل ذلك: (سَرِّحِ المَاءَ) بفتح السِّين وكسر الرَّاء المُشدَّدة وبالحاء المهملات، أي: أَطْلِقْ الماء، حال كونه (يَمُرُّ فَأَبَى عَلَيْهِ) أي: امتنع الزُّبير على الذي خاصمه من إرسال الماء (فَاخْتَصَمَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ) ولأبي الوقت: «قال» (رَسُولُ اللهِ ﷺ
стр. 5016
لِلزُّبَيْرِ (١): أَسْقِ يَا زُبَيْرُ) بهمزة قطعٍ مفتوحةٍ كذا في الفرع وغيره، وذكره الحافظ ابن حجرٍ عن حكاية ابن التِّين له وقال: إنَّه من الرُّباعيِّ، وتعقَّبه العينيُّ فقال: هذا ليس بمصطلحٍ، فلا يُقال رباعيٌّ إلَّا لكلمةٍ أصول حروفها أربعة أحرفٍ، و «سقى»: ثلاثيٌّ مُجرَّدٌ، فلمَّا زيدت فيه الألف صار ثلاثيًّا مزيدًا فيه، وفي بعض النُّسخ: «اِسق» بهمزة وصلٍ من الثُّلاثيِّ، وهي في الفرع أيضًا، وقدَّمه في «فتح الباري» على حكاية الأوَّل، وقال العينيُّ: اِسق بكسر الهمزة، من سقى يسقي، من باب: ضرَب يضرِب، ولم يذكر الوصل، والمعنى: اسقِ شيئًا يسيرًا دون حقِّك (ثُمَّ أَرْسِلِ المَاء إِلَى جَارِكَ) الأنصاريِّ، وهمزة «أرسل» همزة قطعٍ مفتوحةٍ (فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ) أي: الأنصاريُّ: (آنْ كَانَ) الزُّبير (ابْنَ عَمَّتِكَ) صفيَّة بنت عبد المطَّلب حكمت له بالتَّقديم عليَّ؟! وهمزة «آن كان» مفتوحةٌ ممدودةٌ في الفرع وأصله (٢) مُصحَّحٌ عليها، استفهامٌ إنكاريٌّ، وحكاه في «الفتح» عن القرطبيِّ، وقال: إنَّه لم يقع لنا في الرِّواية. انتهى. وكذا رأيته بالمدِّ في الأصل المقروء على الميدوميِّ وغيره، وفي بعض الأصول وعليه شرح في «الفتح» و «العمدة» و «المصابيح» و «المشكاة»: «أن كان» بفتح الهمزة، وهي للتَّعليل، مُقدَّرةٌ باللَّام، أي: حكمت له بالتَّقديم والتَّرجيح لأجل أنَّه ابن عمتك، قال الكِرمانيُّ: وفي بعضها: «إِن كان» بكسر الهمزة، قال في «الفتح»: على أنَّها شرطيَّةٌ، والجواب محذوفٌ، قال: ولا أعرف هذه الرِّواية، نعم وقع في رواية عبد الرَّحمن بن إسحاق عند الطَّبريِّ (٣) فقال: اعدل يا رسول الله وإِن كان ابنَ عمَّتك، والظَّاهر أنَّ هذه بالكسر، و «ابنَ» بالنَّصب على الخبريَّة، ولهذا القول نسب بعضُهم الرَّجلَ (٤) إلى النِّفاق، وآخرون إلى اليهوديَّة، لكن قال التُّوربشتيُّ في «شرح المصابيح»: وكلا القولين
стр. 5017
زائغٌ عن الحقِّ إذ قد صحَّ أنَّه كان أنصاريًّا ولم تكن الأنصار من جملة اليهود، ولو كان مغموصًا عليه في دينه لم يصفوه بهذا الوصف، فإنَّه وصف مدحٍ، والأنصار وإن وُجِد فيهم من يُرمَى بالنِّفاق فإنَّ القرن الأوَّل والسَّلف بعدهم احترزوا أن يطلقوا على من ذُكِرَ بالنِّفاق واشتُهِر به الأنصاريَّ، والأَولى أن يُقال: أزلَّه الشَّيطان فيه بتمكُّنه منه عند الغضب، وغير مُستنكَرٍ من الصِّفات البشريَّة الابتلاء بمثل ذلك إلَّا من المعصوم. انتهى. قال النَّوويُّ: قالوا: ولو صدر مثل هذا الكلام من إنسانٍ كان كافرًا، تجري على قائله أحكام المرتدِّين من القتل، وإنَّما تركه النَّبيُّ ﷺ ؛ لأنَّه كان في أوَّل الإسلام يتألَّف النَّاس ويدفع بالتي هي أحسن، ويصبر على أذى المنافقين، ويقول: «لا يتحدَّث النَّاس أنَّ محمَّدًا يقتل أصحابه» (فَتَلَوَّنَ) أي: تغيَّر (وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) من الغضب لانتهاك حرمات (١) النُّبوَّة، وقبيح كلام هذا الرَّجل (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (اسْقِ يَا زُبَيْرُ) بهمزة وصلٍ (ثُمَّ احْبِسِ المَاءَ) بهمزة وصلٍ أيضًا، أي: أمسك نفسك عن السَّقي (حَتَّى يَرْجِعَ) أي: يصير (٢) الماء (٣) (إِلَى الجَدْرِ) بفتح الجيم وسكون الدَّال المهملة: ما وُضِع بين شَرَبات النَّخل كالجدار، أو الحواجز التي تحبِسُ الماءَ، وقال القرطبيُّ: هو أن يصل الماء إلى (٤) أصول النَّخل، قال: ويُروَى: بكسر الجيم وهو الجدار، والمراد به: جدران الشَّرَبَات، وهي الحُفَر التي تُحفَر في أصول النَّخل، قال في «شرح السُّنَّة»: قوله ﵊ في الأوَّل: «اسقِ يا زبير، ثمَّ أرسل الماء إلى جارك» كان أمرًا للزُّبير بالمعروف، وأخذًا بالمسامحة وحُسْن الجوار، لترك بعض حقِّه دون أن يكون حكمًا منه، فلمَّا رأى ﵊ الأنصاريَّ يجهل موضع حقِّه، أمر ﷺ الزبير باستيفاء تمام حقِّه (فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللهِ، إِنِّي لأَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾) أي: فوربِّك، و «لا» مزيدةٌ لتأكيد القسم، لا لتظاهر «لا» في قوله: (﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾) لأنَّها تُزاد أيضًا في الإثبات، كقوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١] (﴿حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]) فيما
стр. 5018
اختلف بينهم واختلط (١)، ومنه الشَّجر، لتداخل أغصانه، زاد في رواية شعيبٍ (٢) [خ¦٢٧٠٨]: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ﴾ ضيقًا، أي: لا تضيق صدورهم من حكمك، وقيل: شكًّا من أجله، فإنَّ الشَّاكَّ في ضيقٍ من أمره حتَّى يلوح له اليقين، و ﴿وَيُسَلِّمُواْ﴾ ينقادوا ويذعنوا لما تأتي به من قضائك لا يعارضونه بشيءٍ، و ﴿تَسْلِيمًا﴾ تأكيدٌ للفعل بمنزلة تكريره، كأنه قيل: وينقادوا لحكمه انقيادًا لا شبهة فيه بظاهرهم وباطنهم، وزاد في بعض النُّسخ هنا -وهو (٣) في حاشية الفرع مقابل السَّند، وعليه علامة السُّقوط لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي (٤) -: «قال محمَّد بن العبَّاس» السُّلميُّ الأصبهانيُّ (٥) من أقران البخاريِّ وتأخَّر بعده، تُوفِّي سنة ستٍّ وستِّين ومئتين: «قال أبو عبد الله» البخاريُّ: «ليس أحدٌ يذكرُ عروةَ» بن الزُّبير «عن عبد الله» ابن الزُّبير في إسناده «إلَّا اللَّيثَ» بن سعدٍ «فقط»، والقائلُ: «قال محمَّد بن العبَّاس» هو الفَِرَبْريِّ، فإن أراد مطلقًا وَرَدَ عليه ما أخرجه النَّسائيُّ وابن الجارود والإسماعيليُّ من طريق ابن وهبٍ عن اللَّيث ويونس جميعًا عن ابن شهابٍ: أنَّ عروة حدَّثه عن أخيه عبد الله بن الزُّبير ابن العوَّام، وإن أراد بقيد أنَّه لم يقل فيه: عن أبيه، بل جعله من مسند عبد الله بن الزُّبير؛ فمُسَلَّمٌ؛ فإنَّ رواية ابن وهبٍ فيها عن عبد الله عن أبيه، قال في المقدِّمة: قال الدَّارقُطنيُّ: أخرج البخاريُّ عن التِّنِّيسيِّ عن اللَّيث عن الزُّهريِّ عن عروة عن عبد الله بن (٦) الزُّبير: أنَّ رجلًا خاصم الزُّبير … الحديث، وهو إسنادٌ متَّصلٌ لم يصله هكذا غير اللَّيث عن الزُّهريِّ، ورواه غير اللَّيث فلم يذكروا فيه عبد الله بن الزُّبير، وأخرجه البخاريُّ من طريق مَعْمَرٍ، أي: كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في الباب اللَّاحق [خ¦٢٣٦١] ومن حديث ابن جريجٍ بعد بابٍ [خ¦٢٣٦٢] ومن حديث شعيبٍ [خ¦٢٧٠٨]-أي: في «الصُّلح» - كلُّهم عن الزُّهريِّ عن عروة مرسلًا، ولم يذكروا في حديثهم عبد الله بن الزُّبير كما ذكره اللَّيث. انتهى. قال ابن حجرٍ: وإنَّما أخرجه البخاريُّ
стр. 5019
بالوجهين على الاحتمال؛ لأنَّ عروة صحَّ سماعه من أبيه، فيجوز أن يكون سمعه من أبيه وثبَّته فيه أخوه، فالحديث كيفما دار فهو على ثقةٍ، وقد اشتمل على أمرٍ يتعلَّق بالزُّبير، فدواعي أولاده متوفِّرةٌ على ضبطه، فاعتمد تصحيحه لهذه القرينة القويَّة، وقد وافق البخاريَّ على تصحيح حديث اللَّيث هذا مسلمٌ وابن خزيمة وابن الجارود وابن حبَّان وغيرهم، مع أنَّ في سياق ابن الجارود له التَّصريحُ بأنَّ عبد الله بن الزُّبير رواه عن أبيه، وهي رواية يونس عن الزُّهريِّ. وزعم الحُميديُّ في «جَمْعِه»: أنَّ الشَّيخين أخرجاه من طريق عروة عن أخيه عبد الله عن أبيه، وليس كما قال، فإنَّه بهذا السِّياق في رواية يونس المذكورة، ولم يُخرِجها من أصحاب الكتب السِّتَّة إِلَّا النَّسائيُّ، وأشار إليها التِّرمذيُّ خاصَّةً. انتهى.
(٧) (باب شُرْبِ الأَعْلَى قَبْلَ الأَسْفَلِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قبل السُّفلى».
٢٣٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير، أنَّه (١) (قَالَ: خَاصَمَ الزُّبَيْرَ) بن العوَّام (رَجُلٌ) بالرَّفع على الفاعليَّة، ولأبي ذرٍّ: «خاصم الزُّبير رجلًا» بالنَّصب على المفعوليَّة (مِنَ الأَنْصَارِ) قد سبق في الباب قبله [خ¦٢٣٥٩] ما قيل في اسمه، زاد في الرِّواية السَّابقة: في شِرَاج الحَرَّة التي يَسقُون بها النَّخل (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا زُبَيْرُ اسْقِ) بهمزة وصلٍ، أي: شيئًا يسيرًا دون حقّك (ثُمَّ أَرْسِلْ) زاد الكُشْمِيْهَنِيِّ: «الماء» أي: إلى
стр. 5020
جارك كما في الحديث السَّابق، وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّ إرسال الماء لا يكون إلَّا من الأعلى إلى الأسفل (فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ) له ﵊: (إِنَّهُ) أي: الزُّبيرُ (ابْنُ عَمَّتِكَ) صفيَّة، وهمزة «إِنَّه» بالفتح والكسر (١)، والكسر في فرع «اليونينيَّة»، قال ابن مالكٍ: لأنَّها واقعةٌ بعد كلامٍ تامٍّ مُعلَّلٍ بمضمون ما صُدِّر بها، فإذا كُسِرت قُدِّر ما (٢) قبلها الفاء، وإذا فُتِحت قُدِّر ما قبلها اللَّام، والكسر أجود، قال في «التَّنقيح»: ويمكن ترجيح الفاء بكونه كلامًا مستقلًّا من متكلِّمٍ آخر يبتدئ به كلامه، وجاء (٣) الفتح لكونه علَّةً لما قبله، قال: وقوله -أي: ابن مالكٍ-: «إذا كُسِرت قُدِّر (٤) ما (٥) قبلها الفاء» كلامٌ مُشكِلٌ؛ لأنَّ تقدير الفاء إنَّما يكون للتَّعليل، والتَّعليل يقتضي الفتح لا الكسر، قال في «المصابيح»: هذا كلامُ من لم يُلِمَّ بفهم (٦) كلام القوم؛ وذلك أنَّ الكسر منوطٌ بكون المحلِّ محلَّ الجملة لا المفرد، والفتحُ بكون المحلِّ للمفرد لا للجملة، وأمَّا التَّعليل فلا مدخل له من حيث خصوص التَّعليل لا في فتحٍ ولا في (٧) غيره، ولكنَّه رآهم يقولون في (٨) مثل: «أكرم زيدًا أَنَّه فاضلٌ» -بالفتح-: فُتِحت «أنَّ» لإرادة التَّعليل مثلًا، فظنَّ أنَّه الموجب للفتح، وليس كذلك، وإنَّما أرادوا فتحة «أنَّ» لأجل أنَّ لام الجرِّ مرادةٌ، وهي في الواقع للتَّعليل، فالفتح إنَّما هو لأجل أنَّ حرف الجرِّ مطلقًا لا يدخل إلَّا على مفردٍ، ففُتِحت «إنَّ» من حيث دخول اللَّام باعتبار كونها حرف جرٍّ، لا باعتبار كونها للتَّعليل، ولا بدَّ، ألا ترى أنَّ حرف الجرِّ المقدَّر لو لم يكن للتَّعليل أصلًا لكانت «أنَّ» مفتوحةً، ثمَّ ليس كلُّ حرفٍ دلَّ على التَّعليل تُفتَح «أنَّ» معه، وإنَّما قدَّر ابنُ مالكٍ الفاء مع الكسر ليأتي بحرفٍ دالٍّ على
стр. 5021
السَّببيَّة، ولا يدخل إلَّا على الجمل (١)، فيلزم كسر «أن» بعده، ولا شكَّ أنَّ الفاء الموضوعة للسَّببيَّة كذلك، أي: تختصُّ بالجمل. انتهى. وقوله في «فتح الباري»: -ولم يُقرَأ هنا إلَّا بالكسر، وإن جاء (٢) الفتح في العربيَّة- فيه شيءٌ، فقد وجدت الفتح في الفرع وغيره من الأصول المعتمدة، وليس للحصر (٣) وجهٌ، فليُتأمَّل. (فَقَالَ ﵇ وفي نسخةٍ: «فقال ﷺ »: (اسْقِ يَا زُبَيْرُ) بهمزة وصلٍ (ثُمَّ يَبْلُغُ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «حتَّى يبلغ» (المَاءُ الجَدْرَ) وسقط لأبوي ذرٍّ والوقت (٤) لفظ «الماء» (ثُمَّ أَمْسِكْ) بهمزة قطعٍ، أي: نفسك عن السَّقي (فَقَالَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «قال» (الزُّبَيْرُ: فَأَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]) وتأتي صفة إرسال الماء من الأعلى إلى الأسفل في الباب اللَّاحق إن شاء الله تعالى [خ¦٢٣٦٢].
(٨) (باب شِرْبِ الأَعْلَى إِلَى الكَعْبَيْنِ) بكسر الشِّين المعجمة لأبي ذرٍّ، أي: نصيب الأعلى.
стр. 5022
٢٣٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدٌ) ولأبي الوقت: «هو ابن سلامٍ» قال: (أَخْبَرَنَا مَخْلَدٌ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة (١) وفتح اللَّام، ولأبي ذرٍّ: «مخلد بن يزيد الحرَّانيُّ» (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز المكِّيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ) هو حاطبٌ أو حُمَيدٌ أو ثابت بن قيسٍ، كما مرَّ [خ¦٢٣٥٩] (خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شِرَاجٍ مِنَ (٢) الحَرَّةِ) بكسر الشِّين المعجمة آخره جيمٌ، و «الحَرَّة»: بفتح الحاء المهملة وتشديد الرَّاء، أي: مجاري الماء الذي يسيل منها (يَسْقِي (٣) بِهَا) بفتح أوَّله، أي: يسقي بالشِّراج، ولأبي ذرٍّ: «لِيَسقيَ (٤) به» أي: بالماء (النَّخْلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اِسْقِ يَا زُبَيْرُ) بهمزة وصلٍ (فَأَمَرَهُ بِالمَعْرُوفِ) من العادة الجارية بينهم في مقدار الشُّرب، أو أمره بالقصد، وهو (٥) الأمر الوسط، وأن يترك بعض حقِّه، وهذه الجملة المعترضة (٦) من كلام الرَّاوي، وضبط في جميع الرِّوايات «فأَمَرَه» فعلٌ ماضٍ، وضبطه الكِرمانيُّ: بكسر الميم وتشديد الرَّاء، على أنَّه فعل أمرٍ، من الإمرار، قال في «الفتح»: وهو محتملٌ (ثُمَّ أَرْسِلْ) أي: الماء، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «ثمَّ أرسله» (إِلَى جَارِكَ) والهمزة مقطوعةٌ (فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: آنْ كَانَ) الزُّبير (ابْنَ عَمَّتِكَ) صفيَّة حَكَمْتَ له بالتَّقديم؟! وهمزة «آنْ» ممدودةٌ في الفرع، وقد مرَّ ما فيها في «باب سَكْر الأنهار» [خ¦٢٣٥٩] فليُراجَع (فَتَلَوَّنَ) أي: تغيَّر (وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) من كلامه وجرأته على منصب النُّبوَّة، ولم يعاقبه لصبره على الأذى، ومصلحة تألُّف النَّاس
стр. 5023
صلوات الله وسلامه عليه (ثُمَّ قَالَ) ﵊ للزُّبير: (اسْقِ) نخلك (ثُمَّ احْبِسْ) نفسك عن السَّقي (١) (حَتَّى يَرْجِعَ المَاءُ إِلَى الجَدْرِ وَاسْتَوْعَى) بالعين، وفي نسخةٍ: «واستوفى» ﵊ (لَهُ) أي: للزُّبير (حَقَّهُ) كاملًا، أي: استوفاه واستوعبه حتَّى كأنَّه جمعه كلَّه في وعاءٍ، بحيث (٢) لم يترك منه شيئًا، وكان أوَّلًا أمره أن يسامح ببعض حقِّه، فلمَّا لم يرض الأنصاريُّ استقصى الحكم وحكم به، وأمَّا قول ابن الصَّبَّاغ وغيره: -إنَّه لمَّا لم يقبل الخصم ما حكم به أوَّلًا، ووقع منه ما وقع أَمَرَهُ أن يستوفيَ أكثرَ من حقِّه؛ عقوبةً للأنصاريِّ لمَّا كانت العقوبة بالأموال- ففيه نظرٌ، لأنَّ سياق الحديث يأبى ذلك لا سيَّما قوله: «واستوعى للزُّبير حقَّه في صريح الحكم» كما في رواية شعيبٍ في «الصُّلح» [خ¦٢٧٠٨] ومَعْمَرٍ في «التَّفسير» [خ¦٤٥٨٥] فمجموع الطُّرق قد دلَّ على أنَّه أمر الزُّبير أوَّلًا أن يترك بعض حقِّه، وثانيًا أن يستوفيه، وقول الكِرمانيِّ تبعًا للخطَّابيِّ -ولعلَّ قوله: «واستوعى له حقَّه» من كلام الزُّهريِّ، إذ عادته الإدراج- فيه شيءٌ؛ لأنَّ الأصل في الحديث أن يكون حكمه كلُّه واحدًا حتَّى يرد ما يُبيِّن ذلك، ولا يثبت الإدراج بالاحتمال. (فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللهِ إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُنْزِلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]) وسقط قوله «﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾» لأبي ذرٍّ، وقد جزم هنا بأنَّ الآية نزلت في ذلك، وشكَّ فيما سبق [خ¦٢٣٥٩] حيث قال: «أَحْسِب»، وجُمِع بينهما: بأنَّ الشَّخص قد يشكُّ، ثمَّ يتحقَّق الأمر عنده، وبالعكس، قال ابن جريجٍ: (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (لِي ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ: (فَقَدَّرَتِ الأَنْصَارُ وَالنَّاسُ) من عطف العامِّ على الخاصِّ (قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أي: للزُّبير: (اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ) بهمزة وصلٍ فيهما (حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الجَدْرِ، وَكَانَ ذَلِكَ) أي: قوله: «اسق … » إلى آخره، (إِلَى الكَعْبَيْنِ) يعني: قدَّروا الماء الذي يرجع إلى الجدر، فوجدوه يبلغ الكعبين، وهذا هو الذي عليه الجمهور في سقي الأرض بالماء غير المختصِّ إذا تزاحموا عليه، وضاق عنهم، فيسقي (٣)
стр. 5024
الأوَّل فالأوَّل، فيحبس كلُّ واحدٍ الماء إلى أن يبلغ الكعبين؛ لأنَّه ﷺ قضى بذلك في مسيل مَهْزُورٍ -بفتح الميم وسكون الهاء وضمِّ الزَّاي وبعد الواو السَّاكنة راءٌ- ومُذَيْنِب-بذالٍ معجمةٍ ونونٍ، مُصغَّرًا: واديان بالمدينة- أن يمسك حتَّى الكعبين، ثمَّ يُرسل الأعلى قبل (١) الأسفل، رواه مالكٌ في «المُوطَّأ» (٢) من مرسل عبد الله بن أبي بكرٍ، وله إسنادٌ موصولٌ في «غرائب مالكٍ» للدَّارقطنيِّ من حديث عائشة، وصحَّحه الحاكم (٣)، وأخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه، وإسناده حسنٌ، وعن الماورديِّ: الأَولى التَّقدير بالحاجة في العادة؛ لأنَّ الحاجة تختلف باختلاف الأرض، وباختلاف ما فيها من زرعٍ وشجرٍ، وبوقت الزِّراعة ووقت السَّقي، ثمَّ يرسله الأوَّل إلى الثَّاني، وهكذا، فإن انخفض بعضٌ من أرض الأعلى بحيث يأخذ فوق الحاجة قبل سقي المرتفع منها؛ أُفِرد كلٌّ منهما بسقيٍ بأن يسقي أحدهما، ثمَّ يسدَّه، ثمَّ يسقي الآخر، فإن احتاج الأوَّل إلى السَّقي مرَّةً أخرى قُدِّم، أمَّا إذا اتَّسع الماء فيسقي كلٌّ منهما متى شاء، وهل (٤) الماء الذي يرسله هو ما يفضل عن الماء الذي حبسه، أو الجميع المحبوس وغيره بعد أن يصل في أرضه إلى الكعبين؟ الذي ذكره أصحاب الشَّافعيِّ: الأوَّل، وهو قول مطرِّفٍ وابن الماجِشُون من المالكيِّة، وقال ابن القاسم: يرسله كلّه ولا يحبس منه شيئًا، ورجَّح ابن حبيبٍ الأوَّل بأنَّ مطرِّفًا وابن الماجشون من أهل المدينة، وبها كانت القصَّة، فهما أقعد بذلك، لكنَّ ظاهر الحديث مع ابن القاسم؛ لأنَّه قال: «احبس الماء حتَّى يبلغ الجدر» والذي يبلغ الجدر (٥) هو الماء الذي يدخل الحائط، فمقتضى اللَّفظ أنَّه هو الذي يرسله بعد هذه الغاية، وزاد في رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي بعد قوله: «إلى
стр. 5025
الجدر» (١): «الجَدْرُ هو الأصل»، وقد مرَّ ما فيه قريبًا [خ¦٢٣٥٩] فليُراجَع، والله الموفِّق والمعين.
(٩) (باب فَضْلِ سَقْيِ المَاءِ) للمحتاج إليه.
٢٣٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام الأعظم (٢) (عَنْ سُمَيٍّ) بضمِّ السِّين المهملة (٣) وفتح الميم وتشديد التَّحتيَّة، زاد في «المظالم» [خ¦٢٤٦٦]: مولى أبي بكرٍ، أي: ابن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشامٍ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَا) بغير ميمٍ (رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (يَمْشِي) وللدَّارقطنيِّ في «المُوطَّآت» من طريق رَوْحٍ عن مالكٍ: «يمشي بفلاةٍ»، وله من طريق ابن وهبٍ عن مالكٍ: «يمشي بطريق مكَّة» (فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ) أي: إذا اشتدَّ، فالفاء هنا وقعت (٤) موضع «إذا» كما وقعت «إذا» موضعها في قوله: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] (فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ) (٥) من البئر (فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ) حال كونه (يَلْهَثُ) بفتح الهاء وبالثَّاء المُثلَّثة، أي: يرتفع نَفَسُه بين أضلاعه، أو يُخرج لسانه من العطش، حال كونه (يَأْكُلُ الثَّرَى) بفتح المُثلَّثة، أي: يكدُِم بفيه (٦)
стр. 5026
الأرض النَّديَّة (مِنَ العَطَشِ) وفي رواية الحَمُّويي والمُستملي: «من العُطَاشِ» بضمِّ العين كـ «غُرَابٍ»، قال في «القاموس»: هو داءٌ لا يروى صاحبه، وقال السَّفاقسيُّ: داءٌ يصيب الغنم تشرب فلا (١) تروى، وهذا موضعُ ذكر هذه الرِّواية، وسها الحافظ ابن حجرٍ فذكرها في «فتح الباري» وتبعه العينيُّ عند اشتداد العطش على الرَّجل، وعبارته (٢) قوله: فاشتدَّ عليه العطش، كذا للأكثر، وكذا هو في «المُوطَّأ»، ووقع في رواية المُستملي: «العُطَاش»، قال ابن التِّين: هو داءٌ يصيب الغنم تشرب فلا تروى، وهو غير مناسبٍ هنا، قال: وقيل: يصحُّ على تقدير: أنَّ العطش يحدث عنه (٣) هذا الدَّاء كالزُّكام، قلت: وسياق الحديث يأباه، فظاهره: أنَّ الرَّجل سقى الكلب حتَّى روي، ولذلك جُوزِي بالمغفرة. انتهى (٤). فتأمَّله (٥). (فَقَالَ) الرَّجل: (لَقَدْ بَلَغَ هَذَا) أي (٦): الكلب (مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي) أي: من شدَّة العطش، وزاد ابن حبَّان من وجهٍ آخر عن أبي صالحٍ: «فرحمه»، وقوله: «مثلُ» بالرَّفع في فرع «اليونينيَّة» والنُّسخة المقروءة على الميدوميِّ وغيرهما ممَّا وقفت عليه من الأصول المعتمدة، وحكاه ابن الملقِّن عن ضبط الحافظ الشَّرف الدِّمياطيِّ: على أنَّه فاعلُ «بلغ» (٧)، وقوله: «هذا» مفعولٌ به مُقدَّمٌ، وقال الحافظ ابن حجرٍ وتبعه العينيُّ كالزَّركشيِّ: «مثلَ» بالنَّصب، نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: بلغ مبلغًا مثلَ الذي بلغ بي، قال في «المصابيح»: وهذا لا يتعيَّن لجواز أن يكون المحذوف مفعولًا به، أي: عطشًا، زاد أبو ذرٍّ هنا في روايته: «فنزل بئرًا» (فَمَلأَ خُفَّهُ) ولابن حبَّان: «فنزع إحدى خُفَّيه» (ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ) ليصعد من البئر لعسر المُرتقَى منها (ثُمَّ رَقِيَ) منها، بفتح الرَّاء وكسر القاف كـ «صَعِد» وزنًا ومعنًى، ومقتضى كلام ابن التِّين أنَّ الرِّواية: «رَقَى» بفتح القاف، وذلك أنَّه قال: «ثمَّ رقى» كذا وقع، وصوابه: «رَقِي» على وزن «عَلِم»، ومعناه: صعد، قال تعالى: ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء﴾ [الإسراء: ٩٣] وأمَّا «رقَى» -بفتح القاف- فمن الرُّقية، وليس هذا موضعه،
стр. 5027
وخرَّجه على لغة طيِّئ في مثل: بقَى يبقَى، ورضَى يرضى، يأتون بالفتحة مكان الكسرة، فتنقلب الياء ألفًا، وهذا دأبهم في كلِّ ما هو من هذا الباب. انتهى. قال العلَّامة البدر الدَّمامينيُّ: ولعلَّ المقتضيَ لإيثار الفتح هنا -إن صحَّ- قصدُ المزاوجة بين «رَقَى» و «سَقَى»، وهي (١) من مقاصدهم التي يعتمدون فيها تغييرَ الكلمة عن وضعها الأصليِّ. انتهى. (فَسَقَى الكَلْبَ) زاد عبد الله بن دينارٍ عن أبي صالحٍ فيما سبق في «كتاب الوضوء» (٢) [خ¦١٧٣]: «حتَّى أرواه» أي: جعله ريَّان (فَشَكَرَ اللهُ لَهُ) أثنى عليه، أو قَبِل عمله ذلك (٣)، أو أظهر ما جازاه به عند ملائكته (فَغَفَرَ لَهُ) وفي رواية عبد الله بن دينارٍ: «فأدخله الجنَّة» بدل قوله: «فغفر له» (قَالُوا) أي: الصَّحابة، وسُمِّي منهم سُراقة بن مالك بن جعشمٍ، فيما رواه أحمد وابنا ماجه (٤) وحبَّان (يَا رَسُولَ اللهِ) الأمر كما ذكرت (وَإِنَّ لَنَا فِي) سقي (البَهَائِمِ) أو الإحسان إليها (أَجْرًا؟) أتوا بالاستفهام المُؤكَّد للتَّعجُّب (قَالَ) ﵊: (فِي) إرواء (كُلِّ) ذي (كَِبِْدٍ) بفتح الكَاف وكسر الموحَّدة، ويجوز سكونها، وكسر الكاف وسكون الموحَّدة (رَطْبَةٍ) برطوبة الحياة من جميع الحيوانات، أو هو من باب وصف الشَّيء باعتبار ما يؤول إليه، فيكون معناه: في كلِّ كبدٍ حرَّى (٥) لمن سقاها حتَّى تصير رطبةً (أَجْرٌ) بالرَّفع مبتدأٌ قُدِّم خبره، والتَّقدير: أجرٌ حاصلٌ أو كائنٌ في إرواء كلِّ ذي كبدٍ حيٍّ في جميع الحيوانات، لكن قال النَّوويُّ: إنَّ عمومه مخصوصٌ بالحيوان المحترم وهو ما لم يُؤمَر بقتله، فيحصل الثَّواب بسببه ويلتحق به إطعامه.
وفي هذا الحديث: الحثُّ على الإحسان وأنَّ الماء من أعظم القربات. وعن بعض الصَّالحين (٦): من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء، وأخرجه أيضًا في «المظالم» [خ¦٢٤٦٦] و «الأدب» [خ¦٦٠٠٩]، ومسلمٌ في «الحيوان»، وأبو داود في «الجهاد» (تَابَعَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بفتح السِّين المهملة واللَّام (وَالرَّبِيعُ) بفتح الرَّاء وكسر المُوحَّدة (بْنُ مُسْلِمٍ) بكسر اللَّام المُخفَّفة، البصريُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) وسقطت هذه المتابعة من بعض النُّسخ.
стр. 5028
٢٣٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن محمَّد بن الحكم بن أبي مريم الجمحيُّ قال: (حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ) بن عبد الله بن الجمحيِّ المكِّيُّ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضمِّ الميم وفتح اللَّام، هو عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي مليكة، واسمه: زهير بن عبد الله، الأحول المكِّيِّ (عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (¬﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الكُسُوفِ، فَقَالَ) أي (١): بعد أن انصرف منها: (دَنَتْ) أي: قَرُبَت (مِنِّي النَّارُ حتَّى قُلْتُ: أَيْ رَبِّ) بفتح الهمزة حرف نداءٍ (وَأَنَا مَعَهُمْ؟) بحذف همزة الاستفهام، تقديره: أَوَ أنا معهم؟ وفيه تعجُّبٌ وتعجيبٌ واستبعادٌ من قربه من أهل النَّار، كأنَّه استبعد قربهم منه وبينه وبينهم كبُعْد المشرقين (٢) (فَإِذَا امْرَأَةٌ) لم تُسَمَّ، لكن في «مسلمٍ»: أنَّها امرأةٌ من بني إسرائيل، وفي أخرى له (٣): أنَّها حِمْيَريَّةٌ، وحِمْيرٌ: قبيلةٌ من العرب وليسوا من بني إسرائيل، قال نافع (٤) بن عمر: (حَسِبْتُ أَنَّهُ) أي: ابن أبي مليكة، أو قالت أسماء: حسبت أنَّه، أي: النَّبيُّ ﷺ (قَالَ: تَخْدِشُهَا) بشينٍ معجمةٍ بعد الدَّال المهملة المكسورة، أي: تقشر جلدها (هِرَّةٌ) بالرَّفع على الفاعليَّة (قَالَ) ﵊، وفي «باب ما يقرأ بعد التَّكبير» [خ¦٧٤٥]: قلت: (مَا شَأْنُ هَذِهِ) أي: المرأة؟ (قَالُوا: حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا) وتقدَّم هذا الحديث بأتمَّ من هذا في أوائل «صفة الصَّلاة» [خ¦٧٤٥].
стр. 5029
٢٣٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُوَيسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ) بضمِّ العين وكسر المعجمة، مبنيَّا للمفعول (فِي) شأن (هِرَّةٍ) أو بسبب هرَّةٍ، واحتجَّ به ابن مالكٍ على ورود «في» للسَّببيَّة (حَبَسَتْها حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، فَدَخَلَتْ فِيهَا) أي: بسببها (النَّارَ، قَالَ) أي: النَّبيُّ ﷺ : (فَقَالَ) اللهُ، أو مالكٌ خازنُ النَّار (-وَاللهُ أَعْلَمُ-) جملةٌ معترضةٌ بين قوله: «فقال»، وقوله: (لَا أَنْتِ أَطْعَمْتِيهَا) بإشباع كسرة التَّاء ياءً، كذا في رواية المُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ، وفي رواية الحَمُّويي: «أطعمتِها» بدون إشباعٍ (وَلَا سَقْيتِيهَا حِينَ حَبَسْتِيهَا) بإشباع كسرة التَّاء فيهما ياءً، وفي «اليونينيَّة» حذف الياء من «سقيتيها» (١) (وَلَا أَنْتِ أَرْسَلْتِيهَا) بإشباع كسرة التَّاء ياءً، ولأبي ذرٍّ: «أرسلتِها» بغير إشباعٍ، وسقط في نسخةٍ لفظ «أنت» (فَأَكَلَتْ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فتأكل» (مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ) حشراتها، وحكى الزَّركشيُّ تثليث الخاء المعجمة، وقال في «المصابيح»: ليس فيه تصريحٌ بأنَّ الرِّواية بالتَّثليث، ولم أتحقَّق ذلك، فيُبحَث عنه. انتهى. قلت: كذا هو بالتَّثليث في فرع (٢) «اليونينيَّة»، وقد سبق الزَّركشيُّ إلى حكاية التَّثليث صاحب «المشارق»، لكن قال النَّوويُّ: إنَّ الفتح أشهر.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ هذه المرأة لمَّا حبست الهرَّة إلى أن ماتت الهرَّة (٣) جوعًا وعطشًا فاستحقَّت هذا العذاب، فلو كانت سقتها لم تُعذَّب، ومن هنا يُعلَم فضل سقي الماء، وهل كانت هذه المرأة كافرةً أو مؤمنةً؟ قال القرطبيُّ: كلاهما محتملٌ، وقال النَّوويُّ: الصَّواب: أنَّها كانت مسلمةً، وأنَّها دخلت النَّار بسبب الهرَّة، كما هو ظاهر الحديث، وهذه المعصية ليست صغيرةً، بل صارت بإصرارها كبيرةً، وليس في هذا الحديث أنَّها تُخلَّد في النَّار.
وقد أخرجه مسلمٌ في «الأدب» وفي «الحيوان».
стр. 5030
(١٠) (باب مَنْ رَأَى أَنَّ صَاحِبَ الحَوْضِ وَالقِرْبَةِ أَحَقُّ بِمَائِهِ) من غيره.
٢٣٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ) أبيه (أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينارٍ المدنيِّ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) السَّاعديِّ الأنصاريِّ الخزرجيِّ، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وثمانين أو بعدها، وقد جاوز المئة (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (بِقَدَحٍ) فيه ماءٌ (فَشَرِبَ) زاد في «باب الشُّرب» [خ¦٢٣٥١]: منه (وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ، هُوَ) ولأبي ذرٍّ: «وهو» (أَحْدَثُ القَوْمِ) سنًّا، وكان مولده (١) قبل الهجرة بثلاث سنين ﵁ (وَالأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ) ﷺ ، وكان فيهم خالد بن الوليد (قَالَ) ﵊، ولأبي الوقت: «فقال» أي: لابن عبَّاسٍ: (يَا غُلَامُ، أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ الأَشْيَاخَ؟) القدح ليشربوا (فَقَالَ) ابن عبَّاسٍ: (مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَعْطَاهُ) ﵊ (إِيَّاهُ) قال المُهلَّب: لا مناسبة بين الحديث والتَّرجمة، إذ لا دلالة فيه على أنَّ صاحب الماء أحقُّ به، وإنَّما فيه أنَّ الأيمنَ أحقُّ، وأجاب ابن المنيِّر: بأنَّ استدلال البخاريِّ ألطف من ذلك؛ لأنَّه إذا استحقَّه الأيمنُ بالجلوس واختصَّ به، فكيف لا يختصُّ به صاحب اليد المتسبِّب في تحصيله؟ وتعقَّبه العينيُّ فقال: فيه نظرٌ؛ لأنَّ الفرق ظاهرٌ بين الاستحقاقين، فاستحقاق الأيمن (٢) غير لازمٍ حتَّى إذا مُنِعَ ليس له الطَّلب الشَّرعيُّ بخلاف صاحب اليد، وأجاب في «فتح الباري»: بأنَّ مناسبته من حيث إلحاق الحوض والقربة بالقدح، فكان صاحب القدح أحقَّ بالتَّصرُّف فيه شربًا وسقيًا، وتعقَّبه في «عمدة القاري» فقال: إن كان مراده بالقياس (٣) عليه فغير صحيحٍ لِمَا تقدَّم، وإن كان مراده من الإلحاق أنَّ صاحب القدح مثل صاحب القربة في الحكم فليس كذلك على ما لا يخفى، قال: وقوله: «فكان صاحب القدح أحقَّ بالتَّصرُّف فيه شربًا وسقيًا» لا يخلو أن يقرأ قوله: «فكأنَّ»
стр. 5031
بكاف التَّشبيه دخلت على «أَنَّ» بفتح الهمزة، أو «كان» بلفظ الماضي من الأفعال النَّاقصة، وأيًّا ما كان ففساده ظاهرٌ يُعرَف بالتَّأمُّل، لكن قد يُقال: إنَّ صاحب الحوض مثل صاحب القدح في مُجرَّد الاستحقاق، مع قطع النَّظر عن اللُّزوم وعدمه. انتهى.
وهذا الحديث قد مرَّ في «باب الشُّرب» [خ¦٢٣٥١].
٢٣٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح المُوحَّدة وتشديد الشِّين المعجمة، أبو بكرٍ، بندارٌ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هو محمَّد بن جعفرٍ البصريُّ ربيب شعبة قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) القرشيِّ الجمحيِّ المدنيِّ، أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: وَ) الله (الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) بقدرته (لأَذُودَنَّ) بهمزةٍ مفتوحةٍ فذالٍ معجمةٍ مضمومةٍ ثمَّ واوٍ ساكنةٍ ثمَّ دالٍ مهملةٍ، أي: لأطردنَّ (رِجَالًا عَنْ حَوْضِي) المُستمَدِّ من نهر الكوثر (كَمَا تُذَادُ) تُطرَد النَّاقة (الغَرِيبَةُ مِنَ الإِبِلِ عَنِ الحَوْضِ) إذا أرادت الشُّرب، والحكمة في الذَّود المذكور: أنَّه ﷺ يريد أن يرشد كلَّ أحدٍ إلى حوض نبيِّه على ما سيجيء -إن شاء الله تعالى- في «ذكر الحوض» من «كتاب الرِّقاق» [خ¦٦٥٨٥]: «إنَّ لكلِّ نبيٍّ حوضًا» (١)، أو أنَّ المذادين (٢) هم المنافقون أو المبتدعون أو المرتدُّون الذين بدَّلوا، ومناسبته للتَّرجمة في قوله: «حوضي» فإنَّه يدلُّ على أنَّه أحقُّ بحوضه وبما فيه.
وهذا الحديث ذكره المؤلِّف مُعلَّقًا [خ¦٦٥٨٥]، وأخرجه مسلمٌ موصولًا في «فضائل النَّبيِّ ﷺ ».
стр. 5032
٢٣٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ بفتح النُّون، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين وسكون العين، ابن راشدٍ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (وَكَثِيرِ بْنِ كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة فيهما، ابن المطَّلب بن أبي وداعة، السَّهميِّ الكوفيِّ (يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ) قال صاحب «الكواكب»: كلٌّ منهما مزيدٌ ومزيدٌ عليه باعتبارين (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) أنَّه (قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَرْحَمُ اللهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ) هاجر (لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ) لمَّا ضرب جبريلُ موضعها بعقبه حتَّى ظهر ماؤها، ولم تحوِّضه (أَوْ قَالَ) ﵊: (لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ المَاءِ) إلى القربة، والشَّكُّ من الرَّاوي (لَكَانَتْ عَيْنًا مَعِينًا) بفتح الميم، أي: ظاهرًا جاريًا على وجه الأرض؛ لأنَّ ظهورها نعمةٌ من الله (١) محضةٌ بغير عمل عاملٍ، فلمَّا خالطها تحويض هاجر دَاخَلَها كسبُ البشر، فقَصُرَت على ذلك (وَأَقْبَلَ جُرْهُمُ) بضمِّ الجيم وسكون الرَّاء: حيٌّ من اليمن، وهو ابن قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوحٍ (فَقَالُوا) لأُمِّ إسماعيل: (أَتَأْذَنِينَ) لنا (أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، وَلَا حَقَّ لَكُمْ فِي المَاءِ، قَالُوا: نَعَمْ) بفتح العين، وفي لغة كنانة وهُذَيلٍ كسرها، وهي حرف تصديقٍ ووعدٍ وإعلامٍ، فالأوَّل بعد الخبر؛ كـ «قام زيدٌ» أو «ما قام زيدٌ»، والثَّاني بعد «اِفعل» و «لا تفعل» وما في معناهما، نحو: هلَّا تفعل، وهلَّا لم تفعل (٢)، وبعد الاستفهام في
стр. 5033
نحو: هل تعطيني؟ والثَّالث المتعيِّن بعد الاستفهام في نحو: هل جاءك زيدٌ، ونحو: ﴿فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤]، ولم يذكر سيبويه معنى الإعلام ألبتَّة، بل قال: وأمَّا «نَعَمْ» فَعِدَةٌ وتصديق، وأما «بلى» فيوجب بها بعد النفي، وكأنه رأى أنه إذا قيل: هل قام زيد؟ فقيل: نعم فهي لتصديق ما بعد الاستفهام، والأولى ما ذكرناه من أنَّها للإعلام، إذ لا يصحُّ أن يُقال (١) لقائل ذلك: صدقت؛ لأنَّه إنشاءٌ لا خبرٌ، وليعلم أنَّه إذا قيل: قامَ زيدٌ؛ فتصديقه «نَعَمْ»، وتكذيبه «لا» ويمتنع دخول «بلى» لعدم النَّفي، وإذا قيل (٢): ما قام زيدٌ؛ فتصديقه «نعم»، وتكذيبه «بلى»، ومنه: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى﴾ [التغابن: ٧] ويمتنع دخول «لا»؛ لأنَّها لنفي الإثبات لا لنفي النَّفي، وإذا قيل: أقام زيدٌ؟ فهو مثل: قام زيدٌ؛ أعني: أنَّك إذا (٣) أثبتَّ القيام؛ قلت: «نعم»، وإذا نفيته «لا»، ويمتنع دخول «بلى»، وإذا قيل: ألم يقم زيدٌ؟ فهو مثل (٤): لم يقم زيدٌ، فتقول إن أثبتَّ القيام «بلى»، ويمتنع دخول «لا»، وإن نفيته قلت: «نعم»، قال تعالى (٥): ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] وعن ابن عبَّاسٍ أنَّه لو قيل: «نعم» في جواب: ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ﴾ كان كفرًا، والحاصل: أنَّ «بلى» لا تأتي إلَّا بعد نفيٍ، وأنَّ «لا» (٦) لا تأتي إلَّا بعد إيجابٍ، وأنَّ «نعم» تأتي بعدهما، وإنَّما جاز ﴿بَلَى قَدْ جَاءتْكَ آيَاتِي﴾ [الزمر: ٥٩] مع أنَّه لم تتقدَّم أداة نفي؛ لأنَّ ﴿لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي﴾ [الزمر: ٥٧] يدلُّ على نفي هدايته، ومعنى الجواب حينئذٍ: بلى قد هديتك بمجيء الآيات، أي: قد أرشدتك بذلك.
وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٦٤] والنَّسائيُّ في «المناقب».
стр. 5034
٢٣٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) البخاريُّ المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: ثَلَاثَةٌ) من النَّاس (لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ) عبارةٌ عن غضبه عليهم، وتعريضٌ بحرمانهم، حال مقابلتهم في (١) الكرامة والزُّلفى من الله تعالى، وقيل: لا يكلِّمهم بما يحبُّون، ولكن بنحو قوله: ﴿اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] (وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) نظرَ رحمةٍ، أوَّلهم: (رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ) ولأبي ذرٍّ: «على سلعته» (لَقَدْ أَعْطَى) -بفتح الهمزة والطَّاء- لمن اشتراها منه (بِهَا) أي: بسببها، ولأبي ذرٍّ: «أُعطِي» بضمِّ الهمزة وكسر الطَّاء مبنيًّا للمفعول، أي: أعطاه من يريد شراءها (أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى) بفتح الهمزة والطَّاء، أي: دُفِع له أكثر ممَّا أعطى زيدًا (٢) الذي استامه (وَهْوَ كَاذِبٌ) جملةٌ حاليَّةٌ (وَ) الثَّاني: (رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ) أي: محلوفِ يمينٍ (٣)، فسُمِّي يمينًا مجازًا؛ للملابسة بينهما، والمراد ما شأنه أن يكون محلوفًا عليه، وإلَّا فهو قبل اليمين ليس محلوفًا عليه، فيكون من مجاز الاستعارة (٤) (بَعْدَ العَصْرِ) قال الخطَّابيُّ: خصَّ وقت العصر بتعظيم الإثم فيه وإن كانت اليمين الفاجرة مُحرَّمةً كلَّ وقتٍ؛ لأنَّ الله عظَّم هذا الوقت، وقد رُوِي: أنَّ (٥) الملائكة تجتمع (٦) فيه وهو خِتام الأعمال، والأمور بخواتيمها، فغَلُظَت العقوبةُ فيه لئلَّا يُقْدِم عليها (لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ) أي: ليأخذ قطعةً من ماله (وَ) الثَّالث: (رَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ)
стр. 5035
زائدٍ عمَّا يحتاج إليه، ولأبي ذرٍّ: «فضل مائه» (فَيَقُولُ اللهُ: اليَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي) بضمِّ العين (كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ. قَالَ عَلِيٌّ) هو ابن المدينيِّ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (غَيْرَ مَرَّةٍ، عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ، أنَّه (سَمِعَ أَبَا صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ) أي: يرفع أبو صالحٍ الحديثَ إلى النَّبيِّ (¬ ﷺ ¬) فيه إشارةٌ إلى أنَّ سفيان كان يرسل هذا الحديث كثيرًا، ولكنَّه صحَّح الموصول لكونه سمعه من الحفَّاظ موصولًا، وقد أخرجه أيضًا عمرٌو النَّاقد فيما أخرجه مسلمٌ عنه عن سفيان.
ومناسبة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ المعاقبة وقعت على منع الفضل، فدلَّ على أنَّه أحقُّ بالأصل، وقد مضى هذا الحديث في «باب إثم من منع ابن السَّبيل من الماء» [خ¦٢٣٥٨].
(١١) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (لَا حِمَى إِلَّا للهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ ¬) «الحِمَى» بكسر الحاء وفتح الميم، من غير تنوينٍ، مقصورًا، وهو لغةً: المحظور، واصطلاحًا: ما يحمي الإمام من الموات لمواشٍ بعينها، ويمنع سائر النَّاس الرَّعي فيه.
٢٣٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الكاف، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بضمِّ العين وسكون التَّاء (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ (٢) الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ) بفتح الصَّاد المهملة وسكون العين، و «جَثَّامة» بفتح الجيم وتشديد المُثلَّثة، اللَّيثيَّ (قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا حِمَى) لأحدٍ يخصُّ نفسه به (٣) يرعى فيه ماشيته دون سائر النَّاس (إِلَّا للهِ)
стр. 5036
(وَلِرَسُولِهِ) ومن قام مقامه ﵊ وهو الخليفة خاصَّةً إذا احتيج إلى ذلك لمصلحة المسلمين، كما فعل العُمَران وعثمان ﵃، وإنَّما يحمي الإمام ما ليس بمملوكٍ كبطون الأودية والجبال والموات، وفي «النِّهاية»: قيل: كان الشَّريف في الجاهليَّة إذا نزل أرضًا في حيِّه استعوى كلبًا، فحَمَى مَدَى عُواء الكلب لا يشرَكُه فيه غيره، وهو يشارك القوم في سائر ما يرعَون فيه، فنهى النَّبيُّ ﷺ عن ذلك، وأضاف الحمى إلى الله ورسوله، أي: إلَّا (١) ما يُحمَى للخيل التي تُرصَد للجهاد، والإبل التي يُحمَل عليها في سبيل الله تعالى، وإبل الزَّكاة وغيرها. (وَقَالَ) أي: ابن شهابٍ بالسَّند السَّابق مُرسَلًا: (بَلَغَنَا) ولأبي ذرٍّ: «وقال أبو عبد الله» أي: البخاريّ (٢): «بلغنا» (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ) بفتح النُّون وكسر القاف وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة عينٌ مهملةٌ، وهو موضعٌ على عشرين فرسخًا من المدينة، وقَدْرُه ميلٌ في ثمانية أميالٍ، كما ذكره ابن وهبٍ في «مُوطَّئه»، وهو في الأصل: كلُّ موضعٍ يستنقع فيه الماء، أي: يجتمع، فإذا نضب الماء نبت فيه الكلأ، وهو غير نقيع الخَضِمَات، وقد توهِمُ رواية أبي ذرٍّ حيث قال: «وقال أبو عبد الله: بلغنا» أنَّه من كلام المؤلِّف، وإنَّما الضَّمير المرفوع في «بلغنا» يرجع إلى الزُّهريِّ كما صرَّح به أبو داود (وَأَنَّ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ (حَمَى السَّرَفَ) بفتح السِّين المهملة والرَّاء، كذا في فرعين لـ «اليونينيَّة» كهي، وفي النُّسخة المقروءة على الميدوميِّ وغيرها: «السَّرِف» بكسر الرَّاء، ككَتِفٍ، موضعٌ قرب التَّنعيم، وذكر القاضي عياضٌ أنَّه الذي عند البخاريِّ، وقال الدِّمياطيُّ: إنَّه خطأٌ، وفي نسخةٍ بالفرع وأصله (٣): «الشَّرَف» بفتح الشِّين المعجمة والرَّاء، وهو كذا (٤) في بعض الأصول المعتمدة، وهو الذي في «مُوطَّأ ابن وهبٍ»، ورواه بعض رواة البخاريِّ أو أصلحه، وهو الصَّواب، وأمَّا «سرف» فلا يدخله الألف واللَّام، كما قاله القاضي عياضٌ (وَالرَّبَذَةَ) بفتح الرَّاء والمُوحَّدة والمعجمة: موضعٌ معروفٌ بين الحرمين، وقوله: «وأنَّ
стр. 5037
عمر … » إلى آخره عطفٌ على الأوَّل، وهو من بلاغ الزُّهريِّ أيضًا، وعند ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عن نافعٍ عن ابن عمر: أنَّ عمر حمى الرَّبذة لِنَعَمِ الصَّدقة.
وحديث الباب أخرجه البخاريُّ أيضًا في «الجهاد» [خ¦٣٠١٢]، وأبو داود في «الخراج»، والنَّسائيُّ في «الحمى» و «السِّيَر».
(١٢) (باب شُرْبِ النَّاسِ وسَقْي الدَّوَابِّ مِنَ الأَنْهَارِ).
٢٣٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) الإمام (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويِّ، مولى عمر المدنيِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: الخَيْلُ لِرَجُلٍ أَجْرٌ) أي: ثوابٌ (وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ) أي: ساترٌ لفقره ولحاله (وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ) أي: إثمٌ، ووجه الحصر في هذه أنَّ الذي يقتني الخيل، إمَّا أن يقتنيها للرُّكوب، أو للتِّجارة، وكلٌّ منهما إمَّا أن يقترن به فعل طاعة الله -وهو الأوَّل- أو معصيته -وهو الأخير- أو يتجرَّد عن ذلك -وهو الثَّاني- (فَأَمَّا) الأوَّل (الَّذِي) هي (لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ) أي: أعدَّها للجهاد (فَأَطَالَ (١) بِهَا) ولأبي ذرٍّ: «لها» باللَّام بدل المُوحَّدة (فِي مَرْجٍ) بفتح الميم وبعد الرَّاء السَّاكنة جيمٌ: أرضٍ واسعةٍ فيها كلأٌ كثيرٌ (أَوْ رَوْضَةٍ) شكٌّ من الرَّاوي (فَمَا
стр. 5038
أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ) بكسر الطَّاء المهملة وبعد التَّحتيَّة المفتوحة لامٌ: الحبل الذي يُربَط به ويُطوَّل لها لترعى، ويُقال: طوَل بالواو المفتوحة بدل الياء (مِنَ المَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ) أي: لصاحبها، ولأبي ذرٍّ: «كان لها» (حَسَنَاتٍ) بالنَّصب (وَلَوْ أَنَّهُ انْقَطَعَ طِيَلُهَا فَاسْتَنَّتْ) بفتح الفوقيَّة وتشديد النُّون، أي: عَدَتْ بمرجٍ (١) ونشاطٍ، أي (٢): رفعت يديها وطرحتهما معًا (شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ) بالشِّين المعجمة والرَّاء (٣) المفتوحتين (٤) والفاء فيهما، أي: شوطًا أو شوطين، وسُمِّي به؛ لأنَّ الغازي يشرف على ما يتوجَّه إليه، وقال في «المصابيح» كـ «التَّنقيح»: الشَّرف العالي من الأرض (كَانَتْ آثَارُهَا) في الأرض بحوافرها عند خطواتها (وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ) أي: لصاحبها (وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَْرٍ) بفتح الهاء وسكونها، لغتان فصيحتان (فَشَرِبَتْ مِنْهُ) من غير قصدٍ من صاحبها (وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ) بحذف ضمير المفعول (كَانَ ذَلِكَ) أي: شرابها وعدم (٥) إرادته أن يسقيها (حَسَنَاتٍ لَهُ، فَهِيَ لِذَلِكَ أَجْرٌ) لرابطها، وهذا موضع التَّرجمة (وَ) الثَّاني الذي هي له سترٌ: (رَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا) بفتح الفوقيَّة والغين المعجمة وكسر النُّون المُشدَّدة، أي: استغناءً عن النَّاس يطلب نتاجها (وَتَعَفُّفًا) عن سؤالهم فيتَّجر فيها، أو يتردَّد عليها متاجرةً أو مزارعةً (ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللهِ) المفروض (فِي رِقَابِهَا) فيؤدِّي زكاة تجارتها (وَلَا (٦)) في (ظُهُورِهَا) فيركب عليها في سبيل الله، أو لا يحمِّلها ما لا تطيقه (فَهِيَ لِذَلِكَ) المذكور (سِتْرٌ) لصاحبها، أي: ساترةٌ لفقره ولحاله (وَ) الثَّالث الذي هي له وزرٌ: (رَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا) نُصِب للتَّعليل، أي: لأجل الفخر، أي: تعاظمًا (وَرِيَاءً) أي: إظهارًا للطَّاعة، والباطن بخلاف ذلك (وَنِوَاءً) بكسر النُّون وفتح الواو، ممدودًا، أي: عداوةً (لأَهْلِ الإِسْلَامِ فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ) الرَّجل (وِزْرٌ) إثمٌ. (وَسُئِلَ
стр. 5039
رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الحُمُرِ) أي: عن صدقتها، كما (١) قال الخطَّابيُّ، والسَّائل هو صعصعة بن ناجية جدُّ الفرزدق (فَقَالَ) ﵊: (مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ) منصوصٌ (إِلَّا هَذِهِ الآيَةُ الجَامِعَةُ) أي: العامَّة الشَّاملة (الفَاذَّةُ) بالذَّال المعجمة المُشدَّدة، أي (٢): القليلة المثل المنفردة في معناها، فإنَّها تقتضي أنَّ من أحسن إلى الحُمُر رأى إحسانه في الآخرة، ومن أساء إليها وكلَّفها فوق (٣) طاقتها رأى إساءته لها في الآخرة: (﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]) والذَّرَّة: النَّملة الصَّغيرة، وقيل: الذَّرُّ ما يُرَى في شعاع الشَّمس من الهباء، وقال الزَّركشيُّ: وهو -أي: قوله (٤): «الجامعة» (٥) - حجَّةٌ لمن قال بالعموم في «من» وهو مذهب الجمهور، قال في «المصابيح»: وهو حجَّةٌ أيضًا في عموم النَّكرة الواقعة في سياق الشَّرط، نحو: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦].
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجهاد» [خ¦٢٨٦٠] وفي «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٤٦] و «التَّفسير» [خ¦٤٩٦٢] و «الاعتصام» [خ¦٧٣٥٦]، ومسلمٌ في «الزَّكاة»، والنَّسائيُّ في «الخيل» (٦).
٢٣٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابن أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي الوقت: «حدَّثني» بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام (عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هو المشهور (٧) بربيعة
стр. 5040
الرَّأي (عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ) بضمِّ الميم وسكون النُّون وفتح المُوحَّدة وكسر العين المهملة بعدها مُثلَّثةٌ، المدنيِّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «الجهنيِّ» (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) قال في «المقدِّمة»: هو عميرٌ أبو مالكٍ كما رواه الإسماعيليُّ، وأبو موسى المدينيُّ في «الذَّيل» من طريقه، وفي «الأوسط» للطَّبرانيِّ من طريق ابن لهيعة عن عمارة بن غزيَّة عن ربيعة عن يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالدٍ أنَّه قال: سألت، وفي رواية سفيان الثَّوريِّ عن ربيعة عند المصنِّف [خ¦٢٤٢٧]: جاء أعرابيٌّ، وذكر ابن بشكوال: أنَّه بلالٌ، وتُعقِّب بأنَّه لا يُقال له: أعرابيٌّ، ولكنَّ الحديث في «أبي داود»، وفي روايةٍ صحيحةٍ: جئت أنا ورجلٌ معي، فيُفسَّر الأعرابيُّ بعميرٍ أبي مالكٍ، ويُحمَل على أنَّه وزيد بن خالدٍ جميعًا سألا عن ذلك وكذلك بلالٌ، ثمَّ (١) وجدت في «مُعجَم» البغويِّ وغيره من طريق عقبة بن سويدٍ الجهنيِّ عن أبيه قال: سألت رسول الله ﷺ عن اللُّقطة، فقال: «عرِّفها سنةً … » الحديث، وسنده جيِّدٌ، وهو أولى ما (٢) فُسِّر به (٣) المبهم الذي في الصَّحيح. انتهى. (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَْطَةِ) بضمِّ اللَّام وفتح القاف، لا يعرف المحدِّثون غيره، ويجوز إسكانها، وهي لغةً: الشَّيء الملقوط، وشرعًا: ما وُجِد من حقٍّ ضائعٍ محترمٍ غير محرزٍ ولا ممتنعٍ (٤) بقوَّته (فَقَالَ) ﵊ له: (اعْرِفْ عِفَاصَهَا) بكسر العين المهملة وبالفاء والصَّاد المهملة: الوعاء التي (٥) تكون فيه (وَوِكَاءَهَا) بكسر الواو والمدِّ: الخيط الذي يُشَدُّ به الوعاء، ومعنى الأمر بمعرفة ذلك: حتَّى يعرف بذلك صدق واصفها وكذبه، وألَّا يختلط بماله (ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا) قبل فراغ التَّعريف أو بعده وهي باقيةٌ، وجواب الشَّرط محذوفٌ للعلم به، أي: فردَّها إليه (وَإِلَّا) بأن لم يجئ صاحبها (فَشَأْنَكَ بِهَا) أي: تملكها، و «شأنَ» نُصِب على أنَّه مفعولٌ بفعلٍ محذوفٍ، وفي «كتاب العلم» [خ¦٩١]: «ثمَّ عرِّفها سنةً، ثمَّ استمتع بها، فإن جاء ربُّها فأدِّها إليه» (قَالَ) أي: الرَّجل: (فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ) ﵊: (هِيَ لَكَ) إن أخذتها وعرَّفتها ولم تجد صاحبها (أَوْ لأَخِيكَ)
стр. 5041
صاحبها إن جاء (أَوْ لِلذِّئْبِ) يأكلها إن تركتها ولم يجئ صاحبها (قَالَ) الرَّجل: (فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟) مبتدأٌ حُذِف خبره، أي: ما حكمها؟ (قَالَ) ﵊: (مَا لَكَ وَلَهَا) استفهامٌ إنكاريٌّ، أي: ما لك وأخذها والحال أنَّها (مَعَهَا سِقَاؤُهَا) بكسر السِّين والمدِّ، أي: جوفها، فإذا وردت الماء شربت ما يكفيها حتَّى ترد ماءً آخر، أو المراد بالسِّقاء: العنق؛ لأنَّها ترد الماء وتشرب من غير ساق يسقيها، أو أراد أنَّها أجلد البهائم على العطش (وَحِذَاؤُهَا) بكسر الحاء المهملة وبالذَّال المعجمة والمدِّ (١)، أي (٢): خفُّها (تَرِدُ المَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ) فهي تقوى بأخفافها على السَّير وقطع البلاد الشَّاسعة وورود المياه النَّائية، فشبَّهها النَّبيُّ (٣) ﷺ بمن كان معه سِقاءٌ وحِذاءٌ في سفره، وهذا موضع التَّرجمة (حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا) أي: مالكها، والمراد بهذا: النَّهيُ عن التَّعرُّض لها؛ لأنَّ الأخذ إنَّما هو للحفظ على صاحبها؛ إمَّا بحفظ العين، أو بحفظ القيمة، وهذه لا تحتاج إلى حفظٍ بما خلق الله تعالى فيها من القوَّة والمنعة، وما يُسِّر (٤) لها من الأكل والشّرب.
وهذه الحديث قد سبق في «باب الغضب في الموعظة» [خ¦٩١] من «كتاب العلم».
(١٣) (باب بَيْعِ الحَطَبِ) المحتطب من الأرض المباحة (وَالكَلأ) بفتح الكاف واللَّام، بعدها همزةٌ، مقصورًا، وهو العشب رطبه (٥) ويابسه.
٢٣٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) العمِّيُّ، أبو الهيثم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مُصغَّرًا، ابن خالدٍ البصريُّ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ ﵁،
стр. 5042
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحْبُلًا) (١) بهمزةٍ مفتوحةٍ وحاءٍ مهملةٍ ساكنةٍ ومُوحَّدةٍ مضمومةٍ، جمع حبلٍ، ويُجمَع أيضًا على «حبالٍ» قال أبو طالبٍ:
أَمِنْ (٢) أجل حبلٍ لا أباك (٣) ضَرَبْتَه … بِمِنْسَأَةٍ قد جَرَّ حَبْلُك أَحْبُلا
واللَّام في قوله: «لأَنْ» ابتدائيَّةٌ، أو جوابٌ لقَسَمٍ (٤) محذوفٍ، أي: «والله لأَنْ»، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «لأن يأخذ أحدكم حبلًا» (فَيَأْخُذَ) بالنَّصب عطفًا على المنصوب السَّابق (حُزْمَةً) بضمِّ الحاء المهملة وسكون الزَّاي والنَّصب على المفعوليَّة (مِنْ حَطَبٍ) ولأبي الوقت: «حزمة حطبٍ» بالإضافة وسقوط (٥) حرف الجرِّ (فَيَبِيعَ، فَيَكُفَّ اللهُ بِهِ) أي: فيمنع الله بثمن ما يبيعه (وَجْهَهُ) أي: من أن يريق ماءه بالسُّؤال من النَّاس، وقوله: «فيبيع، فيكفَّ» بالنَّصب فيهما عطفًا على السَّابق، ولأبي ذرٍّ: «فيكفَّ الله بها عن وجهه» فأنَّث الضَّمير باعتبار الحزمة (خَيْرٌ) خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هو خيرٌ له (مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ) أي: إن لم يجد أحدكم إلَّا الاحتطاب من الحِرَف فهو مع ما فيه من امتهان المرء نفسه ومن المشقَّة، خيرٌ له من سؤال النَّاس (أُعْطِيَ أَمْ مُنِعَ) بضمِّ الهمزة وكسر الطَّاء في الأوَّل، وضمِّ الميم وكسر النُّون في الثَّاني، مبنيَّين للمفعول.
وهذا الحديث سبق في «باب الاستعفاف في المسألة» من «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤٧١]، ومطابقته للتَّرجمة هنا في قوله: «فيأخذ حزمةً من حطبٍ فيبيع».
٢٣٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) نسبةً (٦) لجدِّه، واسم أبيه عبدُ الله قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ)
стр. 5043
ابن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ (١) الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ) مُصغَّرًا (مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬): والله (لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً) أي: من حطبٍ بأرضٍ مباحةٍ ثمَّ يحملها (عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا) «أن» مصدريَّةٌ، أي: من سؤال أحدٍ (فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ) بنصب الفعلين عطفًا على ما قبلهما، وسقط قوله «له (٢)» في رواية أبوي الوقت وذرٍّ (٣).
٢٣٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد الفرَّاء الرَّازي المعروف بالصَّغير، قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف (٤)، الصَّنعانيُّ اليمانيُّ (٥) قاضيها (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز المكِّيَّ (أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ) سقط لأبي ذرٍّ «ابن عليٍّ» (عَنْ أَبِيهِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ،
стр. 5044
عَنْ) أبيه (عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵃ أَنَّهُ قَالَ: أَصَبْتُ شَارِفًا) بشينٍ معجمةٍ وبعد الألف راءٌ مكسورةٌ ثمَّ فاءٌ: المُسِنَّة من النُّوق، قاله الجوهريُّ وغيره عن الأصمعيِّ، يُقال للذَّكر: شارفٌ، والأنثى: شارفةٌ (مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي مَغْنَمٍ يَوْمَ بَدْرٍ) في السَّنة الثَّانية من الهجرة، وفي نسخةٍ: «في مغنمِ يومِ بدرٍ» بإضافة «مغنمٍ» لـ «يوم» (قَالَ: وَأَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ شَارِفًا) مُسِنَّةً (أُخْرَى) من النُّوق قبل يوم بدرٍ من الخمس من غنيمة عبد الله بن جحشٍ (فَأَنَخْتُهُمَا يَوْمًا عِنْدَ بَابِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَحْمِلَ عَلَيْهِمَا إِذْخِرًا) بكسر الهمزة وسكون الذَّال وكسر الخاء المعجمتين (١): نبتٌ معروفٌ طيِّب الرَّائحة يستعمله الصَّوَّاغون، واحدته (٢) إذخرةٌ (لأَبِيعَهُ وَمَعِي صَائِغٌ) بصادٍ مهملةٍ وبعد الألف همزةٌ، وقد تُسهَّل، وآخره غينٌ معجمةٌ، من الإصاغة (٣)، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي (٤): «طابِعٌ» بطاءٍ مهملةٍ ومُوحَّدةٍ مكسورةٍ بعد الألف فعينٍ مهملةٍ، وله أيضًا عن الحَمُّويي: «طالعٌ» باللَّام بدل المُوحَّدة، أي: ومعه من يدلُّه على الطَّريق، قال الكِرمانيُّ: وقد يُقال: إنَّه اسم الرَّجل (مِنْ بَنِي قَيْنَُِقَاعَ) بفتح القافين وضمِّ النُّون وفتحها في الفرع، ويجوز الكسر، غير منصرفٍ على إرادة القبيلة، أو منصرفٍ على إرادة الحيِّ، وهم رهطٌ من اليهود (فَأَسْتَعِينَ بِهِ) أي: بثمن الإذخر (عَلَى وَلِيمَةِ فَاطِمَةَ) بنت رسول الله ﷺ ، وقوله: «فأستعين» بالنَّصب عطفًا على قوله: «لأبيعه» (وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ يَشْرَبُ) خمرًا (فِي ذَلِكَ البَيْتِ مَعَهُ قَيْنَةٌ) بفتح القاف وسكون التَّحتيَّة وفتح النُّون ثمَّ هاء تأنيثٍ، أي: مغنيِّةٌ (فَقَالَتْ: أَلَا) للتَّنبيه (يَا حَمْزَ) منادًى مُرخَّمٌ مفتوحُ الزَّاي على لغة من نوى، وفي نسخةٍ: «يا حَمْزُ» بضمِّ الزَّاي على لغة من لم ينوِ (لِلشُّرُفِ) بضمِّ الشِّين المعجمة والرَّاء، جمع شارفٍ، وهي المُسِنَّة من النُّوق (النِّوَاءِ) بكسر النُّون وتخفيف الواو ممدودًا، جمع ناويةٍ، وهي السَّمينة، صفةٌ «للشُّرُف»، وفي جمعهما -وهما شارفان- دليلٌ على إطلاق الجمع على الاثنين، والجارُّ والمجرور متعلِّقٌ (٥) بمحذوفٍ تقديره: «انهض»، تستدعيه
стр. 5045
أن ينحر شارِفَي عليٍّ المذكورين، ليطعم أضيافه من لحمهما، وهذا مطلع قصيدةٍ، وبقيَّته:
وهنَّ مُعقَّلاتٌ بالفناءِ
وبعده:
ضَعِ السِّكينَ في اللَّبَّاتِ منها … وضرِّجْهُنَّ حمزةُ بالدِّماءِ
وعجِّل من أَطايبها لشَرْبٍ … قديرًا (١) من طبيخٍ أو شِوَاءٍ
وقوله: «بالفِناء» -بكسر الفاء-: المكان المتَّسع أمام الدَّار، و «اللَّبَّات» جمعُ لبَّةٍ، وهي المنحر، و «ضرِّجهنَّ» أمرٌ، من التَّضريج -بالضَّاد المعجمة والجيم-: التَّدمية، و «أطايب الجزور»: السَّنام والكبد، و «الشَّرب» -بفتح الشِّين المعجمة-: الجماعة يشربون الخمر، و «قديرًا» منصوبٌ على أنَّه مفعولٌ لقوله: «وعجِّل»، والقديرُ: المطبوخ في القِدر (فَثَارَ) بالمُثلَّثة، أي: قام بنهضةٍ (إِلَيْهِمَا) أي: إلى الشَّارفين (حَمْزَةُ بِالسَّيْفِ) لمَّا سمع ما قالته (٢) القينة (٣) (فَجَبَّ) بالجيم والموحَّدة المُشدَّدة: قَطَعَ (أَسْنِمَتَهُمَا) جمع سنامٍ، فهو على حدِّ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] إذ المراد: قلباكما، والسَّنام: ما علا ظهر البعير (وَبَقَرَ) بالمُوحَّدة والقاف، أي: شقَّ (خَوَاصِرَهُمَا) أي: خصريهما (ثُمَّ أَخَذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا) لأنَّ السَّنام والكبد أطايب الجزور عند العرب، قال ابن جريجٍ: (قُلْتُ لِابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ: (وَمِنَ السَّنَامِ) بفتح السِّين، أي: أخذ منه؟ (قَالَ: قَدْ جَبَّ) قَطَعَ (٤) (أَسْنِمَتَهُمَا فَذَهَبَ بِهَا) جمع الضَّمير على لفظ الأسنمة، وهذه الجملة مُدرَجةٌ من قول ابن جريجٍ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَ عَلِيٌّ) هو ابن أبي طالبٍ (¬﵁: فَنَظَرْتُ إِلَى مَنْظَرٍ) بفتح الميم والمعجمة (أَفْظَعَنِي) بفتح الهمزة وسكون الفاء وفتح الظَّاء المعجمة والعين المهملة، أي: خوَّفني لتضرُّره بتأخُّر الابتناء بفاطمة ﵂ بسبب فوات ما يستعين به، قال: (فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللهِ ﷺ وَعِنْدَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ) حِبُّه ﵊ (فَأَخْبَرْتُهُ الخَبَرَ، فَخَرَجَ) ﵊ (وَمَعَهُ زَيْدٌ) حِبُّه (فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَدَخَلَ عَلَى