← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.

стр. 5041

صاحبها إن جاء (أَوْ لِلذِّئْبِ) يأكلها إن تركتها ولم يجئ صاحبها (قَالَ) الرَّجل: (فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟) مبتدأٌ حُذِف خبره، أي: ما حكمها؟ (قَالَ) ﵊: (مَا لَكَ وَلَهَا) استفهامٌ إنكاريٌّ، أي: ما لك وأخذها والحال أنَّها (مَعَهَا سِقَاؤُهَا) بكسر السِّين والمدِّ، أي: جوفها، فإذا وردت الماء شربت ما يكفيها حتَّى ترد ماءً آخر، أو المراد بالسِّقاء: العنق؛ لأنَّها ترد الماء وتشرب من غير ساق يسقيها، أو أراد أنَّها أجلد البهائم على العطش (وَحِذَاؤُهَا) بكسر الحاء المهملة وبالذَّال المعجمة والمدِّ (١)، أي (٢): خفُّها (تَرِدُ المَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ) فهي تقوى بأخفافها على السَّير وقطع البلاد الشَّاسعة وورود المياه النَّائية، فشبَّهها النَّبيُّ (٣) ﷺ بمن كان معه سِقاءٌ وحِذاءٌ في سفره، وهذا موضع التَّرجمة (حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا) أي: مالكها، والمراد بهذا: النَّهيُ عن التَّعرُّض لها؛ لأنَّ الأخذ إنَّما هو للحفظ على صاحبها؛ إمَّا بحفظ العين، أو بحفظ القيمة، وهذه لا تحتاج إلى حفظٍ بما خلق الله تعالى فيها من القوَّة والمنعة، وما يُسِّر (٤) لها من الأكل والشّرب. وهذه الحديث قد سبق في «باب الغضب في الموعظة» [خ¦٩١] من «كتاب العلم». (١٣) (باب بَيْعِ الحَطَبِ) المحتطب من الأرض المباحة (وَالكَلأ) بفتح الكاف واللَّام، بعدها همزةٌ، مقصورًا، وهو العشب رطبه (٥) ويابسه. ٢٣٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) العمِّيُّ، أبو الهيثم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مُصغَّرًا، ابن خالدٍ البصريُّ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ ﵁،

стр. 5042

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحْبُلًا) (١) بهمزةٍ مفتوحةٍ وحاءٍ مهملةٍ ساكنةٍ ومُوحَّدةٍ مضمومةٍ، جمع حبلٍ، ويُجمَع أيضًا على «حبالٍ» قال أبو طالبٍ: أَمِنْ (٢) أجل حبلٍ لا أباك (٣) ضَرَبْتَه … بِمِنْسَأَةٍ قد جَرَّ حَبْلُك أَحْبُلا واللَّام في قوله: «لأَنْ» ابتدائيَّةٌ، أو جوابٌ لقَسَمٍ (٤) محذوفٍ، أي: «والله لأَنْ»، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «لأن يأخذ أحدكم حبلًا» (فَيَأْخُذَ) بالنَّصب عطفًا على المنصوب السَّابق (حُزْمَةً) بضمِّ الحاء المهملة وسكون الزَّاي والنَّصب على المفعوليَّة (مِنْ حَطَبٍ) ولأبي الوقت: «حزمة حطبٍ» بالإضافة وسقوط (٥) حرف الجرِّ (فَيَبِيعَ، فَيَكُفَّ اللهُ بِهِ) أي: فيمنع الله بثمن ما يبيعه (وَجْهَهُ) أي: من أن يريق ماءه بالسُّؤال من النَّاس، وقوله: «فيبيع، فيكفَّ» بالنَّصب فيهما عطفًا على السَّابق، ولأبي ذرٍّ: «فيكفَّ الله بها عن وجهه» فأنَّث الضَّمير باعتبار الحزمة (خَيْرٌ) خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هو خيرٌ له (مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ) أي: إن لم يجد أحدكم إلَّا الاحتطاب من الحِرَف فهو مع ما فيه من امتهان المرء نفسه ومن المشقَّة، خيرٌ له من سؤال النَّاس (أُعْطِيَ أَمْ مُنِعَ) بضمِّ الهمزة وكسر الطَّاء في الأوَّل، وضمِّ الميم وكسر النُّون في الثَّاني، مبنيَّين للمفعول. وهذا الحديث سبق في «باب الاستعفاف في المسألة» من «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤٧١]، ومطابقته للتَّرجمة هنا في قوله: «فيأخذ حزمةً من حطبٍ فيبيع». ٢٣٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) نسبةً (٦) لجدِّه، واسم أبيه عبدُ الله قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ)

стр. 5043

ابن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ (١) الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ) مُصغَّرًا (مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬): والله (لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً) أي: من حطبٍ بأرضٍ مباحةٍ ثمَّ يحملها (عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا) «أن» مصدريَّةٌ، أي: من سؤال أحدٍ (فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ) بنصب الفعلين عطفًا على ما قبلهما، وسقط قوله «له (٢)» في رواية أبوي الوقت وذرٍّ (٣). ٢٣٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد الفرَّاء الرَّازي المعروف بالصَّغير، قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف (٤)، الصَّنعانيُّ اليمانيُّ (٥) قاضيها (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز المكِّيَّ (أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ) سقط لأبي ذرٍّ «ابن عليٍّ» (عَنْ أَبِيهِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ،

стр. 5044

عَنْ) أبيه (عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵃ أَنَّهُ قَالَ: أَصَبْتُ شَارِفًا) بشينٍ معجمةٍ وبعد الألف راءٌ مكسورةٌ ثمَّ فاءٌ: المُسِنَّة من النُّوق، قاله الجوهريُّ وغيره عن الأصمعيِّ، يُقال للذَّكر: شارفٌ، والأنثى: شارفةٌ (مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي مَغْنَمٍ يَوْمَ بَدْرٍ) في السَّنة الثَّانية من الهجرة، وفي نسخةٍ: «في مغنمِ يومِ بدرٍ» بإضافة «مغنمٍ» لـ «يوم» (قَالَ: وَأَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ شَارِفًا) مُسِنَّةً (أُخْرَى) من النُّوق قبل يوم بدرٍ من الخمس من غنيمة عبد الله بن جحشٍ (فَأَنَخْتُهُمَا يَوْمًا عِنْدَ بَابِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَحْمِلَ عَلَيْهِمَا إِذْخِرًا) بكسر الهمزة وسكون الذَّال وكسر الخاء المعجمتين (١): نبتٌ معروفٌ طيِّب الرَّائحة يستعمله الصَّوَّاغون، واحدته (٢) إذخرةٌ (لأَبِيعَهُ وَمَعِي صَائِغٌ) بصادٍ مهملةٍ وبعد الألف همزةٌ، وقد تُسهَّل، وآخره غينٌ معجمةٌ، من الإصاغة (٣)، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي (٤): «طابِعٌ» بطاءٍ مهملةٍ ومُوحَّدةٍ مكسورةٍ بعد الألف فعينٍ مهملةٍ، وله أيضًا عن الحَمُّويي: «طالعٌ» باللَّام بدل المُوحَّدة، أي: ومعه من يدلُّه على الطَّريق، قال الكِرمانيُّ: وقد يُقال: إنَّه اسم الرَّجل (مِنْ بَنِي قَيْنَُِقَاعَ) بفتح القافين وضمِّ النُّون وفتحها في الفرع، ويجوز الكسر، غير منصرفٍ على إرادة القبيلة، أو منصرفٍ على إرادة الحيِّ، وهم رهطٌ من اليهود (فَأَسْتَعِينَ بِهِ) أي: بثمن الإذخر (عَلَى وَلِيمَةِ فَاطِمَةَ) بنت رسول الله ﷺ ، وقوله: «فأستعين» بالنَّصب عطفًا على قوله: «لأبيعه» (وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ يَشْرَبُ) خمرًا (فِي ذَلِكَ البَيْتِ مَعَهُ قَيْنَةٌ) بفتح القاف وسكون التَّحتيَّة وفتح النُّون ثمَّ هاء تأنيثٍ، أي: مغنيِّةٌ (فَقَالَتْ: أَلَا) للتَّنبيه (يَا حَمْزَ) منادًى مُرخَّمٌ مفتوحُ الزَّاي على لغة من نوى، وفي نسخةٍ: «يا حَمْزُ» بضمِّ الزَّاي على لغة من لم ينوِ (لِلشُّرُفِ) بضمِّ الشِّين المعجمة والرَّاء، جمع شارفٍ، وهي المُسِنَّة من النُّوق (النِّوَاءِ) بكسر النُّون وتخفيف الواو ممدودًا، جمع ناويةٍ، وهي السَّمينة، صفةٌ «للشُّرُف»، وفي جمعهما -وهما شارفان- دليلٌ على إطلاق الجمع على الاثنين، والجارُّ والمجرور متعلِّقٌ (٥) بمحذوفٍ تقديره: «انهض»، تستدعيه

стр. 5045

أن ينحر شارِفَي عليٍّ المذكورين، ليطعم أضيافه من لحمهما، وهذا مطلع قصيدةٍ، وبقيَّته: وهنَّ مُعقَّلاتٌ بالفناءِ وبعده: ضَعِ السِّكينَ في اللَّبَّاتِ منها … وضرِّجْهُنَّ حمزةُ بالدِّماءِ وعجِّل من أَطايبها لشَرْبٍ … قديرًا (١) من طبيخٍ أو شِوَاءٍ وقوله: «بالفِناء» -بكسر الفاء-: المكان المتَّسع أمام الدَّار، و «اللَّبَّات» جمعُ لبَّةٍ، وهي المنحر، و «ضرِّجهنَّ» أمرٌ، من التَّضريج -بالضَّاد المعجمة والجيم-: التَّدمية، و «أطايب الجزور»: السَّنام والكبد، و «الشَّرب» -بفتح الشِّين المعجمة-: الجماعة يشربون الخمر، و «قديرًا» منصوبٌ على أنَّه مفعولٌ لقوله: «وعجِّل»، والقديرُ: المطبوخ في القِدر (فَثَارَ) بالمُثلَّثة، أي: قام بنهضةٍ (إِلَيْهِمَا) أي: إلى الشَّارفين (حَمْزَةُ بِالسَّيْفِ) لمَّا سمع ما قالته (٢) القينة (٣) (فَجَبَّ) بالجيم والموحَّدة المُشدَّدة: قَطَعَ (أَسْنِمَتَهُمَا) جمع سنامٍ، فهو على حدِّ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] إذ المراد: قلباكما، والسَّنام: ما علا ظهر البعير (وَبَقَرَ) بالمُوحَّدة والقاف، أي: شقَّ (خَوَاصِرَهُمَا) أي: خصريهما (ثُمَّ أَخَذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا) لأنَّ السَّنام والكبد أطايب الجزور عند العرب، قال ابن جريجٍ: (قُلْتُ لِابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ: (وَمِنَ السَّنَامِ) بفتح السِّين، أي: أخذ منه؟ (قَالَ: قَدْ جَبَّ) قَطَعَ (٤) (أَسْنِمَتَهُمَا فَذَهَبَ بِهَا) جمع الضَّمير على لفظ الأسنمة، وهذه الجملة مُدرَجةٌ من قول ابن جريجٍ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَ عَلِيٌّ) هو ابن أبي طالبٍ (¬﵁: فَنَظَرْتُ إِلَى مَنْظَرٍ) بفتح الميم والمعجمة (أَفْظَعَنِي) بفتح الهمزة وسكون الفاء وفتح الظَّاء المعجمة والعين المهملة، أي: خوَّفني لتضرُّره بتأخُّر الابتناء بفاطمة ﵂ بسبب فوات ما يستعين به، قال: (فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللهِ ﷺ وَعِنْدَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ) حِبُّه ﵊ (فَأَخْبَرْتُهُ الخَبَرَ، فَخَرَجَ) ﵊ (وَمَعَهُ زَيْدٌ) حِبُّه (فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَدَخَلَ عَلَى

стр. 5046

حَمْزَةَ) البيت الذي هو فيه (فَتَغَيَّظَ) أي: أظهر ﵊ الغيظ (عَلَيْهِ، فَرَفَعَ حَمْزَةُ بَصَرَهُ وَقَالَ: هَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لآبَائِي؟) أراد به التَّفاخر عليهم بأنَّه أقرب إلى عبد المطَّلب ومَنْ فوقه؛ لأنَّ عبد الله أبا النَّبيِّ ﷺ وأبا طالبٍ عمَّه كانا كالعبدين لعبد المطَّلب في الخضوع، لحرمته وجواز تصرُّفه في مالهما، وقد قاله قبل تحريم الخمر فلم (١) يُؤاخَذ به (فَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) حال كونه (يُقَهْقِرُ) أي: إلى ورائه، زاد في آخر «الجهاد» [خ¦٣٠٩١]: القهقرى (٢)، ووجهه لحمزة خشية أن يزداد عيبه في حال سكره، فينتقل من القول إلى الفعل، فأراد أن يكون ما يقع منه بمرأًى منه؛ ليدفعه إن وقع منه شيءٌ، وعند ابن أبي شيبة: أنَّه أَغْرَمَ حمزةَ ثمنهما، ومحلُّ النَّهي عن القهقرى إن لم يكن عذرٌ (٣) (حَتَّى خَرَجَ عَنْهُمْ) أي: عن حمزة ومن معه (وَذَلِكَ) أي: المذكور من هذه القصَّة (قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ) فلذلك عَذَرَهُ ﷺ فيما قال وفعل، ولم يؤاخذه ﵁. وموضع التَّرجمة منه قوله: «وأنا أريد أن أحمل عليهما إذخرًا لأبيعه» فإنَّه دالٌّ على ما ترجم به من جواز الاحتطاب والاحتشاش، والحديث قد سبق بعضه في «باب ما قيل في الصَّوَّاغ» من «كتاب البيوع» [خ¦٢٠٨٩] ويأتي -إن شاء الله تعالى- في «المغازي» [خ¦٤٠٠٣] (٤) و «اللِّباس» [خ¦٥٧٩٣] و «الخُمُس» [خ¦٣٠٩١]، وقد أخرجه مسلمٌ وأبو داود، واستُنبِط منه فوائد كثيرةٌ تأتي إن شاء الله تعالى في محالِّها، والله الموفِّق والمعين. (١٤) (باب القَطَائِعِ) جمع قطيعةٍ، وهي ما يَخُصُّ (٥) به الإمامُ بعضَ الرَّعيَّة من الأرض، فإن أقطعه لا للتَّمليك بل لتكون غلَّته له؛ فهو كالمتحجِّر، فلا يُقطعه ما يعجز عنه ويكون المُقطَع

стр. 5047

أحقَّ بما أقطعه يتصرَّف في غلَّته بالإجارة ونحوها، قال السُّبكيُّ: وهذا (١) الذي يُسمَّى في زماننا هذا إقطاعًا، قال: ولم أرَ أحدًا من أصحابنا ذكره، وتخريجه على طريقٍ فقهيٍّ مشكلٌ، والذي يظهر أنَّه يحصل للمُقْطَع بذلك اختصاصٌ كاختصاص المتحجِّر، ولكنَّه لا يملك الرَّقبة بذلك لتظهر فائدة الإقطاع، قال الزَّركشيُّ: وينبغي أن يُستثنَى هنا ما أَقْطَعُه النَّبيُّ ﷺ ، فلا يملِكُه الغيرُ بإحيائه؛ قياسًا على أنَّه لا يُنقَض ما حَمَاه، أمَّا إذا أقطعه لتمليك رقبته فيملِكُه، ويتصرَّف فيه تصرُّف المُلَّاك، ذكره النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب» في «باب الرِّكاز» (٢)، وفي حديث أسماء بنت أبي بكرٍ عند المؤلِّف في أواخر «الخمس» [خ¦٣١٥١]: أنَّه ﷺ أقطع الزُّبير أرضًا من أموال بني النَّضير، وفي «التِّرمذيِّ» وصحَّحه: أنَّه ﷺ أقطع وائل بن حجرٍ أرضًا بحضرموت. ٢٣٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ الأزديُّ البصريُّ، قاضي مكَّة قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) ولأبي ذرٍّ: «حمَّاد بن زيدٍ»، واسم جدِّه: درهمٌ الجهضميُّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ قَالَ: أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُقْطِعَ) الأنصارَ (مِنَ البَحْرَيْنِ) بلفظ التَّثنية: ناحيةٌ معروفةٌ (فَقَالَتِ الأَنْصَارُ): لا تُقطِع لنا (حَتَّى تُقْطِعَ لإِخْوَانِنَا مِنَ المُهَاجِرِينَ مِثْلَ الَّذِي تُقْطِعُ لَنَا) زاد البيهقيُّ في روايته: فلم يكن ذلك عنده، أي: ليس عنده ما يقطع منه (قَالَ) ﵊: (سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَُثَْرَةً) بفتح الهمزة والمُثلَّثة، وبضمِّ الأولى وسكون الأخرى في الفرع، وبهما قيَّد الجيَّانيُّ فيما حكاه ابن قُرْقُول، قال الزَّركشيُّ: ويُقال: بكسر الهمزة وسكون المُثلَّثة، وهو الاستئثار، أي (٣): يستأثر عليكم بأمور الدُّنيا، ويفضِّل غيركم نفسَه عليكم، ولا يجعل لكم في الأمر (٤) نصيبًا (فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي) زاد في «غزوة الطَّائف» [خ¦٤٣٣١]: «فإنِّي على الحوض»،

стр. 5048

وفي الحديث: أنَّ للإمام أن يقطع من الأراضي التي تحت يده لمن يراه أهلًا لذلك. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الجزية» [خ¦٣١٦٣] و «فضل الأنصار» [خ¦٣٧٩٤]. (١٥) (باب كِتَابَةِ القَطَائِعِ) لمن أقطعه الإمام ليكون (١) توثقةً بيده دفعًا للنِّزاع. ٢٣٧٧ - (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه قال: (دَعَا النَّبِيُّ ﷺ الأَنْصَارَ لِيُقْطِعَ لَهُمْ بِالبَحْرَيْنِ) قال الخطَّابيُّ: يحتمل أنَّه أراد الموات منها ليتملَّكوه بالإحياء، أو أراد أن يخصَّهم بتناول جزيتها، وبه جزم إسماعيل القاضي (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ فَعَلْتَ) أي: الإقطاع (فَاكْتُبْ لإِخْوَانِنَا مِنْ قُرَيْشٍ بِمِثْلِهَا (٢)، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ) المثل (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) يعني: بسبب قلَّة الفتوح يومئذٍ (فَقَالَ) ﵊: (إِنَّكُمْ (٣) سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَُثَْرَةً) بضمِّ الهمزة وسكون المُثلَّثة وفتحهما، وهذا من أعلام نبوَّته، فإنَّ فيه إشارةً إلى ما وقع من استئثار الملوك من قريشٍ عن الأنصار بالأموال وغيرها (فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي) أي: يوم القيامة، قيل: فيه أنَّ الأنصار لا تكون فيهم الخلافة؛ لأنَّه جعلهم تحت الصَّبر إلى يوم القيامة، والصَّبر لا يكون إلَّا من مغلوبٍ محكومٍ عليه، وفيه: فضيلةٌ ظاهرةٌ للأنصار حيث لم يستأثروا بشيءٍ من الدُّنيا دون المهاجرين، ويأتي إن شاء الله تعالى مزيدٌ لذلك في «باب فضل الأنصار» [خ¦٣٧٩٤]. وهذا الحديث أورده المؤلِّف غير موصولٍ، قال أبو نُعيمٍ: وكأنَّه أخذه عن عبد الله بن صالحٍ كاتب اللَّيث عنه، وقال ابن حجرٍ: لم أره موصولًا من طريقه.

стр. 5049

(١٦) (باب حَلَْبِ الإِبِلِ) بفتح اللَّام ويجوز تسكينها، أي: استخراج ما في ضرعها من اللَّبن (عَلَى المَاءِ) أي: عند الماء، كذا قاله (١) ابن حجرٍ، ونازعه العينيُّ: بأنَّ «على» لم تجئ بمعنى «عند»، بل هي هنا بمعنى الاستعلاء، وأجاب في «انتقاض الاعتراض»: بأنَّ كثيرًا من أهل العربيَّة قالوا: إنَّ حروف الجرِّ تتناوب، وحَمْلُ «على» على الاستعلاء يقتضي أن يقع المحلوب في الماء، وليس ذلك مرادًا. انتهى. ٢٣٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي الوقت: «حدَّثني» بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزاميُّ المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة حاءٌ مهملةٌ، الأسلميُّ أو الخزاعيُّ، صدوقٌ يَهِمُ، وله عند المؤلِّف أحاديث تُوبِع عليها (قَالَ: حَدَّثَنِي)

стр. 5050

بالإفراد (أَبِي) فليح بن سليمان، الأسلميُّ، صدوقٌ، لكنَّه كثير الخطأ، وهو من طبقة مالكٍ، واحتجَّ به البخاريُّ وأصحاب السُّنن، لكن لم يعتمد عليه البخاريُّ اعتماده على مالكٍ وابن عيينة وأضرابهما، وإنَّما أخرج له (١) أحاديث أكثرها في المتابعات (٢)، وبعضها في الرَّقائق (عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ) هو ابن أبي ميمونة، القرشيِّ العامريِّ مولاهم المدنيِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ) بفتح العين المهملة وسكون الميم، الأنصاريِّ النَّجَّاريِّ، قيل: وُلِد في عهده ﷺ ، لكن قال ابن أبي حاتمٍ: ليست له صحبةٌ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مِنْ حَقِّ الإِبِلِ) المعهود عند العرب (أَنْ تُحْلَبَ عَلَى المَاءِ) أي: عنده لما فيه من نفع المساكين الذين هناك، وزاد أبو نُعيمٍ في «مُستخرَجه»: «يوم ورودها». (١٧) (باب الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ مَمَرٌّ) أي: حقُّ ممرٍّ (أَوْ) يكون له (شِرْبٌ) بكسر الشِّين: نصيبٌ (فِي حَائِطٍ) بستانٍ (أَوْ) في (نَخْلٍ) من باب اللَّفِّ والنَّشر (٣)، فالحائط يتعلَّق بالممرِّ، والنَّخل يتعلَّق بالشِّرب (٤) (قَالَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «وقال» (النَّبِيُّ ﷺ ¬) فيما سبق موصولًا في «باب من باع نخلًا قد أُبِّرت» [خ¦٢٢٠٤]: (مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ) بتشديد المُوحَّدة (فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ) قال البخاريُّ: (فَلِلْبَائِعِ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وللبائع» (المَمَرُّ وَالسَّقْيُ) للنَّخل لأجل الثَّمرة التي هي ملكه (حَتَّى) أي: إلى أن (يَرْفَعَ) أي: يقطعها، وفي النُّسخة المقروءة على الميدوميِّ: «تُرفَع» بضمِّ الفوقيَّة مبنيًّا للمفعول (وَكَذَلِكَ رَبُّ العَرِيَّةِ) أي: صاحبها لا يُمنَع أن يدخل في

стр. 5051

الحائط ليتعهَّد عريَّته بالإصلاح والسَّقي. ٢٣٧٩ - وبه قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «حدَّثنا (١)» (عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ وحده: «أخبرنا» (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَنِ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ) فله حقُّ الاستطراق لاقتطافها، وليس للمشتري أن يمنعه من الدُّخول إليها؛ لأنَّ له حقًّا لا يصل إليه إلَّا به (إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ) أن تكون الثَّمرة له، ويوافقه البائع فتكون للمشتري (وَمَنِ ابْتَاعَ) اشترى (عَبْدًا وَلَهُ) أي: للعبد (مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ) لأنَّ العبد لا يملك شيئًا أصلًا؛ لأنَّه مملوكٌ، فلا يجوز أن يكون مالكًا، وبه قال أبو حنيفة وهو روايةٌ عن أحمد، وقال مالكٌ وأحمد وهو القول القديم للشَّافعيِّ: لو ملَّكه سيِّدهُ مالًا ملكه لقوله: «وله مالٌ» فأضافه إليه، لكنَّه إذا باعه بعد ذلك كان ماله للبائع، وتأوَّل المانعون قوله: «وله مالٌ» بأنَّ الإضافة للاختصاص والانتفاع لا للملك كما يُقال: جَلُّ الدَّابَّة وسَرْج الفرس، ويدلُّ له قوله: «فماله للبائع»، فأضاف الملك (٢) إليه وإلى البائع في حالةٍ واحدةٍ، ولا يجوز أن يكون الشَّيء الواحد كلُّه ملكًا لاثنين في حالةٍ واحدةٍ، فثبت أنَّ إضافة الملك (٣) إلى العبد مجازٌ، أي: للاختصاص، وإلى المولى حقيقةٌ، أي: للملك (إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ) كون المال جميعه أو جزءٍ معيَّنٍ منه

стр. 5052

له فيصحُّ؛ لأنَّه يكون قد باع شيئين -العبدَ والمالَ الذي في يده- بثمنٍ واحدٍ، وذلك جائزٌ، ولو باع عبدًا وعليه ثيابه لم تدخل في البيع، بل تستمرُّ على ملك البائع (١) إلَّا أن يشترطها المشتري؛ لاندراج الثِّياب تحت قوله ﷺ : «وله مالٌ»، ولأنَّ اسم العبد لا يتناول الثِّياب، وهذا أصحُّ الأوجه عند الشَّافعيَّة، والثَّاني: أنَّها تدخل، والثَّالث: يدخل ساتر العورة فقط، وقال المالكيَّة: تدخل ثياب المهنة التي عليه، وقال الحنابلة: يدخل ما عليه من الثِّياب المعتادة، ولو كان مال العبد دراهم والثَّمن دراهم، أو دنانير والثَّمن دنانير (٢)، واشترط المشتري أنَّ ماله له ووافقه البائع فقال أبو حنيفة والشَّافعيُّ: لا يصحُّ هذا البيع لما فيه من الرِّبا، وهو من قاعدة مُدِّ عجوةٍ (٣)، ودرهم، ولا يُقال: هذا الحديث يدلُّ للصِّحَّة؛ لأنَّا نقول: قد عُلِم البطلان من دليلٍ آخر، وقال مالكٌ: يجوز لإطلاق الحديث، وكأنَّه لم يجعل لهذا المال حصَّةً من الثَّمن، ثمَّ إنَّ ظاهر قوله: «في مال العبد إلَّا أن يشترط المبتاع» أنَّه لا فرق بين أن يكون معلومًا أو مجهولًا، لكنَّ القياس يقتضي أنَّه لا يصحُّ الشَّرط إذا لم يكن معلومًا، وقد قال المالكيَّة: إنَّه يصحُّ اشتراطه ولو كان مجهولًا، وكذا قال الحنابلة: إنْ فرَّعنا على أنَّ العبد يَملِك بتمليك السَّيِّد صحَّ الشَّرط وإن كان المال مجهولًا، وإن فرَّعنا على أنَّه لا يَملِك اعتُبِر علمُه وسائرُ شروط البيع إلَّا إذا كان قصده العبد لا المال فلا يُشتَرط، ومقتضى مذهب الشَّافعيِّ وأبي حنيفة: أنَّه لا بدَّ أن يكون معلومًا. (وَعَنْ مَالِكٍ) الإمام بواو العطف على قوله: «حدَّثنا اللَّيث»، فهو موصولٌ غير مُعلَّقٍ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ) أبيه (عُمَرَ) ﵁ (فِي العَبْدِ) أنَّ ماله لبائعه، كذا رواه مالكٌ في «المُوطَّأ» عن عمر من قوله، ومن طريقه أبو داود في «سننه» قال ابن عبد البرِّ: وهذا أحد المواضع (٤) الأربعة التي اختلف فيها سالمٌ ونافعٌ عن ابن عمر، وقال البيهقيُّ: هكذا رواه سالمٌ، وخالفه (٥) نافعٌ، فروى قصَّة النَّخل

стр. 5053

عن ابن عمر عن النَّبيِّ ﷺ ، وقصَّة العبد عن ابن عمر عن عمر (١)، ثم رواه من طريق مالكٍ كذلك، قال: وكذلك رواه أيُّوب السَّختيانيُّ وغيره عن نافعٍ. انتهى. وقد اختُلِف في الأرجح من روايتي نافعٍ وسالمٍ على أقوالٍ: أحدها: ترجيح رواية نافعٍ، فروى البيهقيُّ في «سننه» عن مسلمٍ والنَّسائيِّ: أنَّهما سُئِلا عن اختلاف سالمٍ ونافعٍ في قصَّة العبد، فقالا: القول ما قال نافعٌ، وإن كان سالمٌ أحفظ منه. الثَّاني: ترجيح رواية سالمٍ، فنقل التِّرمذيُّ في «جامعه» عن البخاريِّ: أنَّها أصحُّ، وفي «التَّمهيد» لابن عبد البرِّ: أنَّها الصَّواب، فإنَّه كذلك رواه عبد الله بن دينارٍ عن ابن عمر برفع القصَّتين معًا، وهذا مُرجِّحٌ لرواية سالمٍ. الثَّالث: تصحيحهما معًا، قال التِّرمذيُّ في «العلل»: إنَّه سألَ البخاريَّ عنه، فقال له: حديث (٢) الزُّهريِّ عن سالمٍ عن أبيه عن النَّبيِّ ﷺ : «من باع عبدًا»، وقال نافعٌ: عن ابن عمر، عن عمر، أيُّهما أصحُّ؟ قال: إنَّ نافعًا خالف سالمًا في أحاديث، وهذا منها، روى سالمٌ عن أبيه عن النَّبيِّ ﷺ ، وقال نافعٌ: عن ابن عمر عن عمر، كأنَّه (٣) رأى الحديثين صحيحين، وليس بين ما نقله عنه في «الجامع»، وما بين نَقْلِهِ عنه في «العلل» اختلافٌ، فحكمه على الحديثين بالصِّحَّة لا ينافي حكمه في «الجامع»: بأنَّ حديث سالمٍ أصحُّ، بل صيغة «أفعل» تقتضي اشتراكهما في الصِّحَّة، قاله الحافظ زين الدِّين العراقيُّ. قال ولده أبو زرعة: المفهوم من كلام المحدِّثين في مثل هذا والمعروف من اصطلاحهم فيه أنَّ المراد ترجيح الرِّواية التي قالوا: إنَّها أصحُّ، والحكم للرَّاجح، فتكون تلك الرِّواية شاذَّةً ضعيفةً، والمُرجَّحة هي الصَّحيحة، وحينئذٍ فبين النَّقلين تنافٍ، لكنَّ المُعتمَد ما في «الجامع» لأنَّه مقولٌ بالجزم واليقين، بخلاف ما في «العلل» فإنَّه على سبيل الظَّنِّ والاحتمال، وما ذكر (٤) عن سالمٍ ونافعٍ هو المشهور عنهما، ورُوِي عن نافعٍ رفع القصَّتين، رواه النَّسائيُّ

стр. 5054

من رواية شعبة عن عبد ربِّه بن (١) سعيدٍ عن نافعٍ عن ابن عمر، فذكر القصَّتين مرفوعتين، ورواه النَّسائيُّ أيضًا من رواية محمَّد بن إسحاق عن نافعٍ عن ابن عمر عن عمر مرفوعًا بالقصَّتين، وقال: هذا خطأٌ، والصَّواب حديث (٢) ليث بن سعدٍ وعبيد الله وأيُّوب، أي (٣): عن نافعٍ عن ابن عمر عن عمر بقصَّة العبد خاصَّةً موقوفةً، ورواه النَّسائيُّ أيضًا من رواية سفيان بن حسينٍ عن الزُّهريِّ عن سالمٍ عن أبيه عن عمر بالقصَّتين مرفوعًا، قال المزِّيُّ: والمحفوظ أنَّه من حديث ابن عمر. ٢٣٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) البيكنديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵃¬) أنَّه (قَالَ: رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُبَاعَ العَرَايَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا) بفتح الخاء المعجمة في الفرع وغيره، قال النَّوويُّ: وهو أشهر من الكسر، فمن فتح قال: هو مصدرٌ، أي: اسمٌ للفعل، ومن كسر قال: هو اسمٌ للشَّيء المخروص، أي: بقدر (٤) ما فيها إذا صار تمرًا بأن يقول الخارص: هذا الرُّطَبُ الذي عليها إذا جفَّ يجيء منه ثلاثة أوسقٍ من التَّمر مثلًا، فيبيعه صاحبه لإنسانٍ بثلاثة أوسقٍ من التَّمر ويتقابضان في المجلس فيسلِّم المشتري التَّمرَ، ويسلِّم بائعُ الرُّطَبِ الرُّطَبَ بالتَّخلية، كذا عند الشَّافعيِّ وأحمد والجمهور، وفي تفسيرها أقوالٌ أُخَر سبق بعضها [خ¦٣٤/ ٨٤ - ٣٤١٨] ومطابقة الحديث للتَّرجمة (٥) من حيث إنَّ المعرِّي ليس له أن يمنع المُعرَّى من دخوله في الحائط لتعهُّد (٦) العريَّة. وهذا الحديث قد مرَّ في «باب تفسير العرايا» من «كتاب البيوع» [خ¦٢١٩٢].

стр. 5055

٢٣٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ، أنَّه (سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄¬) يقول: (نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ المُخَابَرَةِ) بضمِّ الميم وبعد الخاء المعجمة ألفٌ فمُوحَّدةٌ فراءٌ، وهي عقد المزارعة بأن يكون البذر من العامل (وَ) عن (المُحَاقَلَةِ) بالحاء المهملة والقاف: بيع الزَّرع بالبرِّ الصَّافي (وَعَنِ المُزَابَنَةِ) بالزَّاي والمُوحَّدة والنُّون: بيع الكرم بالزَّبيب ونحوه في الرُّطَب والتَّمر (وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ) بالمثلَّثة والميم المفتوحتين (حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا) بأن تذهب العاهة وذلك عند طلوع الثُّريَّا، ولأبي ذرٍّ: «صلاحه» بتذكير الضَّمير (وَأَلَّا تُبَاعَ) الثَّمرة -بالمثلَّثة- بالتَّمْر -بالمُثنَّاة وإسكان الميم- فالأوَّل اسمٌ له، وهو رطبٌ على رؤوس النَّخل، والثَّاني اسمٌ له بعد الجِدَاد (١) واليبس، وأجمعوا على أنَّ ذلك مزابنةٌ، وحقيقتُها الجامعة لأفرادها: بيعُ الرُّطب من الرِّبويِّ باليابس منه (إِلَّا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ) الذَّهب والفضَّة فيجوز (إِلَّا العَرَايَا) فلا تُباع بهما، بل بخرصها تمرًا. ٢٣٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بفتح القاف والزَّاي والعين المهملة، القرشيُّ المكِّيُّ المؤذِّن، ولأبي ذرٍّ: سكون (٢) زاي «قَزْعَة» قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «حدَّثنا» (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ دَاوُدَ بْنِ حُصَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتين، الأمويِّ مولاهم أبي سليمان المدنيِّ، ثقةٌ إلَّا في عكرمة، ورُمِي برأي الخوارج، لكن قال ابن حبَّان (٣): لم يكن

стр. 5056

داعيةً، وقد وثَّقه ابن معينٍ والعجليُّ والنَّسائيُّ، وروى له البخاريُّ هذا الحديث فقط، وله شواهد (عَنْ أَبِي سُفْيَانَ) قيل: اسمه وهبٌ، وقيل: قزمان (مَوْلَى أَبِي أَحْمَدَ) بن جحشٍ، ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «مولى ابن أبي أحمد» (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْعِ العَرَايَا بِخَرْصِهَا (١) مِنَ التَّمْرِ) متعلِّقٌ بـ «بيع العرايا»، والباء في قوله: «بخرصها» للسَّببيَّة (٢)، أي: رخَّص في بيع رُطَبها من التَّمر بسبب خرصها يأكلونها رطبًا (فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ) جمع وَسقٍ بفتح الواو، وهو ستُّون صاعًا، والصَّاعُ: خمسةُ أرطالٍ وثلثٌ بالبغداديِّ (أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، شَكَّ دَاوُدُ) بن حصينٍ (فِي ذَلِكَ) فوجب الأخذ بأقلَّ من خمسة أوسقٍ، وتبقى الخمسة على التَّحريم احتياطًا؛ لأنَّ الأصل تحريم بيع التَّمر بالرُّطب وجاءت العرايا رخصةً، وشكَّ الرَّاوي في خمسة أوسقٍ أو دونها، فوجب الأخذ باليقين وهو دون خمسة أوسقٍ، وبقيت الخمسة على التَّحريم. وهذا الحديث مخصِّصٌ لعموم الأحاديث السَّابقة. ٢٣٨٣ - ٢٣٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى) الطَّائيُّ الكوفيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «حدَّثنا» (أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (الوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ) المخزوميُّ المدنيُّ ثمَّ (٣) الكوفيُّ، صدوقٌ، رُمِي برأي الخوارج، وقال الآجريُّ عن أبي داود: ثقةٌ إلَّا أنَّه إباضيٌّ، والإباضيَّة فرقةٌ من الخوارج، لكنَّ مقالتهم ليست شديدة الفحش، ولم يكن الوليد داعيةً، وقد وثَّقه ابن معينٍ وغيره (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الشِّين المعجمة في

стр. 5057

الأوَّل مصغَّرًا، و «يسارٍ» ضدُّ اليمين، الحارثيُّ (مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ: أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الدَّال المهملة، الأنصاريَّ الأوسيَّ، وأوَّل مشاهده أُحُدٌ ثمَّ الخندق (وَسَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ) بفتح الحاء المهملة وسكون المثلَّثة، ابن ساعدة بن عامرٍ، الأنصاريَّ الخزرجيَّ المدنيَّ، صحابيٌّ صغيرٌ، وُلِد سنة ثلاثٍ من الهجرة (حَدَّثَاهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ بَيْعِ الثَّمَرِ) -بالمثلَّثة وفتح الميم- على الشَّجر (بِالتَّمْرِ) -بالمُثنَّاة الفوقيَّة (١) وسكون الميم- موضوعًا على الأرض؛ لأنَّ المساواة بينهما شرطٌ، وما على الشَّجر لا يُحصَر بكيلٍ ولا وزنٍ، وإنَّما يكون مُقدَّرًا بالخرص، وهو حدسٌ بظنٍّ لا يُؤمَن فيه التَّفاوت، و «بيعِ» مجرور عطفًا على «المزابنة» عطف تفسيرٍ (إِلَّا أَصْحَابَ العَرَايَا فَإِنَّهُ) ﵇ (أَذِنَ لَهُمْ) في بيعها بقدر ما فيها إذا صار تمرًا، وفيه إشعارٌ بأنَّ العرايا مستثناةٌ من المزابنة. (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريّ: (وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ) هو محمَّد بن إسحاق بن يسارٍ، صاحب «المغازي»: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (بُشَيْرٌ) هو ابن يسارٍ السَّابق (مِثْلَهُ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «قال: وقال ابن إسحاق»، فأسقطا «أبو عبد الله» فعلى الرِّواية الأولى يكون مُعلَّقا، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أره موصولًا من طريقه.

стр. 5058

((٤٣)) (كِتَابٌ) بالتَّنوين، ولغير أبي ذرٍّ: «بابٌ» -بالتَّنوين- بدل «كتابٌ» (فِي الِاسْتِقْرَاضِ) وهو طلب القَرض، وهو بفتح القاف أشهر من كسرها، ويُطلَق اسمًا بمعنى الشَّيء المُقرَض، ومصدرًا بمعنى الإقراض، وهو تمليك الشَّيء على أن يردَّ بدله، وسُمِّي بذلك؛ لأنَّ المقرِض يقطع للمقترض قطعةً من ماله، ويُسمِّيه أهل الحجاز سَلَفًا (وَأَدَاءِ الدُّيُونِ وَ) في (الحَجْرِ) بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم، وهو في الشَّرع: منع التَّصرُّف في المال (وَ) في (التَّفْلِيسِ) (١) وهو في اللُّغة: النِّداء على المفلس، وشهرته بصفة (٢) الإفلاس المأخوذ من الفلوس التي هي أخسُّ الأموال، وشرعًا: حَجْر الحاكم على المفلس، والمفلس لغةً: المعسر، ويُقال: من صار ماله فلوسًا، وشرعًا: مَنْ حُجِرَ عليه ليقضي ماله عن دينٍ لآدميٍّ (٣)، وجمع المؤلِّف بين هذه الأمور الثَّلاثة؛ لقلَّة الأحاديث الواردة فيها ولتعلُّق بعضها ببعضٍ، وقال الحافظ ابن حجرٍ: وزاد في غير رواية أبي ذرٍّ: «البسملة» قبل «كتاب»، وللنَّسفيِّ: «باب» بدل «كتاب»، وعطف التَّرجمة التي تليه عليه بغير بابٍ. انتهى. والذي رأيته في الفرع البسملة بعد «كتاب»، «كتابٌ في الاستقراض، بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، بابٌ في الاستقراض» مرقومٌ عليها علامتا (٤) أبي ذرٍّ والتَّقديم، فليُعلَم. (١) (باب مَنِ اشْتَرَى) شيئًا (بِالدَّيْنِ وَ) الحال أنَّه (لَيْسَ عِنْدَهُ ثَمَنُهُ) أي: ثمن الذي اشتراه (أَوْ

стр. 5059

لَيْسَ) ثمنه (بِحَضْرَتِهِ). ٢٣٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) غير منسوبٍ، وجزم أبو علي الجيَّانيُّ: بأنَّه ابن سلامٍ، وحكاه عن رواية ابن السَّكن، وهو كذلك في رواية أبي عليِّ بن شبُّويه عن الفَِرَبْريِّ؛ كما قاله الحافظ ابن حجرٍ، ولأبي ذرٍّ: «محمَّد بن يوسف» وهو البيكنديُّ قال: (أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنِ المُغِيرَةِ) بن مِقسمٍ -بكسر الميم- الضَّبِّيِّ الكوفيِّ الأعمى (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ) وفي نسخةٍ: «مع رسول الله» (¬ ﷺ ¬) غزوة الفتح، فأبطأ جملي وأعيا (١) (قَالَ) ﵊، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فقال»: (كَيْفَ تَرَى بَعِيرَكَ؟) قلت: يا رسول الله قد أعيا، فنزل يحجنه بمحجنه، ثمَّ قال: «اركب»، فركبت فلقد رأيتُه أكفُّه عن رسول الله ﷺ ، ثمَّ قال ﵊: (أَتَبِيعُنِيهِ؟) بنون الوقاية، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أتبيعُه» بإسقاطها (قُلْتُ: نَعَمْ) أبيعه (فَبِعْتُهُ إِيَّاهُ) بأوقيةٍ (فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ غَدَوْتُ إِلَيْهِ بِالبَعِيرِ، فَأَعْطَانِي ثَمَنَهُ). ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث شراؤه ﷺ الجمل في السَّفر، وقضاؤه (٢) ثمنه بالمدينة. ٢٣٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) بضمِّ الميم وفتح العين وتشديد اللَّام المفتوحة، العمِّيُّ

стр. 5060

قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن (١) زيادٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ: تَذَاكَرْنَا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (الرَّهْنَ فِي السَّلَمِ) أي: في السَّلف، ولم يرد به السَّلم الذي هو بيع الدَّين بالعين بأن يعطي أحد النَّقدين في سلعةٍ معلومةٍ إلى أمدٍ (٢) معلومٍ (فَقَالَ) الأعمش: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (الأَسْوَدُ) بن يزيد (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ) اسمه أبو الشَّحم (إِلَى أَجَلٍ) معلومٍ (وَرَهَنَهُ) عليه (دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ) قيدٌ يخرج به القميص؛ لإطلاق الدِّرع عليه، وهذا الدِّرع يُسمَّى: ذات الفضول، وهل البيع (٣) إلى أجلٍ رخصةٌ أو عزيمةٌ؟ قال ابن العربيِّ: جعلوا الشِّراء إلى أجلٍ رخصةً، وهو في الظَّاهر عزيمةٌ؛ لأنَّ الله تعالى يقول في مُحكَم كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فأنزله أصلًا في الدَّين ورتَّب عليه كثيرًا من الأحكام. والحديث الأوَّل سبق في «باب شراء الدَّوابِّ» [خ¦٢٠٩٧] والثَّاني في «باب شراء الطَّعام إلى أجلٍ» من «كتاب البيوع» [خ¦٢٢٠٠]. (٢) (باب مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ) أي: شيئًا منها بطريق القرض، أو بغيره، حال كونه (يُرِيدُ أَدَاءَهَا) أدّى (٤) الله عنه (أَوْ) حال كونه يريد (إِتْلَافَهَا) أتلفه الله. ٢٣٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأُوَيْسِيُّ) بضمِّ الهمزة، قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) القرشيُّ التَّيميُّ (عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ) بالمثلَّثة، أخي عمرٍو، الدِّيليِّ -بكسر الدَّال- وهو غير ثور بن يزيد -بلفظ الفعل- (عَنْ أَبِي الغَيْثِ) بفتح الغين المعجمة وسكون التَّحتيَّة، آخره

стр. 5061

مثلَّثةٌ، سالمٍ المدنيِّ مولى عبد الله بن المطيع (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ أَخَذَ (١) أَمْوَالَ النَّاسِ) بطريق القرض أو غيره بوجه من وجوه المعاملات (يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللهُ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أدَّاها الله» (عَنْهُ) أي: يسَّر له ما يؤدِّيه من فضله؛ لحسن نيَّته، وروى ابن ماجه وابن حبَّان والحاكم من حديث ميمونة مرفوعًا: «ما من مسلمٍ يَدَّانُ دَينًا، يعلمُ اللهُ أنَّه يريد أداءه إلَّا أدَّاه الله عنه في الدُّنيا» (وَمَنْ أَخَذَ) أي: أموال النَّاس (يُرِيدُ إِتْلَافَهَا) على صاحبها (أَتْلَفَهُ اللهُ) في معاشه؛ أي (٢): يذهبه من يده، فلا ينتفع به؛ لسوء نيَّته ويبقى عليه الدَّين، فيعاقبه به يوم القيامة، وعن أبي أمامة مرفوعًا: «من تداين بدين وفي نفسه وفاؤه ثمَّ مات تجاوز الله عنه وأرضى غريمه بما شاء، ومن تداين بدينٍ وليس في نفسه وفاؤه ثمَّ مات اقتصَّ الله تعالى لغريمه يوم القيامة» رواه الحاكم عن بشر (٣) بن نُمَيرٍ، وهو متروكٌ عن القاسم عنه، ورواه الطَّبرانيُّ في «الكبير» أطول منه، ولفظه: قال: «من ادَّان دينًا وهو ينوي أن يؤدِّيه أدَّاه الله عنه يوم القيامة، ومن استدان دينًا وهو لا ينوي أن يؤدِّيه فمات قال الله يوم القيامة: ظننتَ أنِّي لا آخذ لعبدي بحقِّه؟ فيُؤخَذ من حسناته فتُجعَل في حسنات الآخر، فإن لم يكن له حسناتٌ أُخِذ من سيِّئات الآخر، فتُجعَل عليه»، وعن عائشة مرفوعًا: «من حُمِّل من أمَّتي دينًا ثمَّ جهد في قضائه، ثمَّ مات قبل أن يقضيه فأنا وليُّه» رواه أحمد بإسنادٍ جيِّدٍ. وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه في «الأحكام». (٣) (باب) وجوب (أَدَاءِ الدُّيُونِ) ولأبي ذرٍّ: «الدَّين» بالإفراد (وَقَالَ اللهُ) ولأبي ذرٍّ: «وقول الله» (تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾) عامٌّ في جميع ما يتعلَّق بالذِّمَّة وما لا يتعلَّق بها

стр. 5062

(﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن﴾) أي: بأن (﴿تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا﴾)، أي: نِعْمَ شيئًا (﴿يَعِظُكُم بِهِ﴾) أو (١) نِعْم الشَّيء الذي (٢) يعظكم به، والمخصوص بالمدح محذوفٌ، أي: نِعْمَ ما يعظكم به ذاك (٣)، وهو المأمور به من أداء الأمانات والعدل في الحكم (﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]) يدرك المسموعات حال حدوثها، والمُبصَرات حال وجودها، ولأبي ذرٍّ: «﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ … الآية»، وأسقط ما عدا ذلك. ٢٣٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) بن عبد الله التَّميميُّ اليربوعيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ) عبد ربِّه الحنَّاط -بالحاء المهملة والنُّون المُشدَّدة- المعروف بالأصغر (٤) (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) الهمدانيِّ الجهنيِّ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جندب بن جنادة (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا أَبْصَرَ -يَعْنِي: أُحُدًا-) الجبل المشهور (قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنَّهُ) أي: أنَّ أُحُدًا (تحَوَّل لِي ذَهَبًا) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة، كـ «تفعَّل»، ولغير أبي ذرٍّ: «يُحوَّل» بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة مبنيًّا للمفعول، من «باب

стр. 5063

التَّفعيل» (١)، وفيه «حوَّل» بمعنى: صيَّر، قال في «التَّوضيح»: وهو استعمالٌ صحيحٌ، وقد خفي على أكثر النَّحويِّين حتَّى أنكر بعضهم على الحريريِّ قوله في الخمر: وما شيءٌ إذا فَسَدا … تَحَوَّل غيُّه (٢) رشَدا زكيُّ العِرْقِ (٣) والدُه … ولكنْ بئسَ ما ولَدا وحينئذٍ فيستدعي (٤) مفعولين، قال: والرِّواية لِمَا لم يُسَمَّ فاعله، فرفعت أوَّل المفعولين، وهو الضَّمير في «تحوَّل» (٥) الرَّاجع إلى «أُحُدٍ»، ونصبت الثَّاني خبرًا لها، وهو «ذهبًا» (يَمْكُثُ عِنْدِي مِنْهُ) أي: من الذَّهب (دِينَارٌ) رفع فاعل «يمكث»، والجملة في محلِّ نصبٍ صفةٌ لـ «ذهبًا» (فَوْقَ ثَلَاثٍ) من اللَّيالي (إِلَّا دِينَارًا) نُصِب على الاستثناء من سابقه، ولأبي ذرٍّ: «إلَّا دينارٌ» بالرَّفع على البدل من «دينارٌ» السَّابق (أُرْصِدُهُ) بضمِّ الهمزة وكسر الصَّاد المهملة (٦)، من الإرصاد، أي: أعدُّه (لِدَيْنٍ) والجملة في محلِّ نصبٍ صفةٌ لـ «دينارٍ»، وفي نسخةٍ بالفرع، وحكاها السَّفاقسيُّ وابن قُرْقُولٍ: «أَرصده» بفتح الهمزة، من رصدته، أي: رقبته. (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (إِنَّ الأَكْثَرِينَ) مالًا (هُمُ الأَقَلُّونَ) ثوابًا (إِلَّا مَنْ قَالَ بِالمَالِ) أي: إلَّا من صرف المال على النَّاس في وجوه البرِّ والصَّدقة (هَكَذَا وَهَكَذَا، وَأَشَارَ أَبُو شِهَابٍ) عبد ربِّه المذكور (بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ) وفيه التَّعبير عن الفعل بالقول، نحو (٧) قولهم: قال بيده، أي: أخذ أو رفع، وقال برجله، أي: مشى (وَقَلِيلٌ (٨) مَا هُمْ) جملةٌ اسميَّةٌ، فـ «هم» مبتدأٌ مُؤخَّرٌ، و «قليلٌ» خبره، و «ما» زائدةٌ أو صفةٌ (وَقَالَ) ﵊: (مَكَانَكَ) بالنَّصب، أي: الزم مكانك حتَّى آتيك (وَتَقَدَّمَ غَيْرَ بَعِيدٍ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا، فَأَرَدْتُ أَنْ آتِيَهُ) ﵊ (ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَهُ): الزم (مَكَانَكَ حَتَّى آتِيَكَ، فَلَمَّا جَاءَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ) ما هو (الَّذِي سَمِعْتُ؟ أَوْ قَالَ): ما هو

стр. 5064

(الصَّوْتُ الَّذِي سَمِعْتُ؟) شكٌّ من الرَّاوي (قَالَ) ﷺ : (وَهَلْ سَمِعْتَ؟) استفهامٌ على سبيل الاستخبار (١) (قُلْتُ: نَعَمْ) سمعت (٢) (قَالَ) ﵊: (أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ: مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، قُلْتُ: وَإِنْ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «ومن» (فَعَلَ كَذَا وَكَذَا؟) أي: وإن زنى وإن (٣) سرق، كما جاء في «الرِّقاق» [خ¦٦٤٤٤] مُفسَّرًا (قَالَ: نَعَمْ). ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «إلَّا دينارًا أرصده لدينٍ» من حيث إنَّ فيه ما يدلُّ على الاهتمام بأداء الدَّين، وفيه رواية التَّابعيِّ عن التَّابعيِّ عن الصَّحابيِّ، وأخرجه أيضًا في «الاستئذان» [خ¦٦٢٦٨] و «الرِّقاق» [خ¦٦٤٤٤] و «بدء الخلق» [خ¦٣٢٢٢]، ومسلمٌ في «الزَّكاة»، والتِّرمذيُّ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة». ٢٣٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ) بفتح المعجمة وكسر الموحَّدة الأولى، و «سعِيدٍ» -بكسر العين- الحَبْطيُّ -بفتح الحاء والطَّاء المهملتين والموحَّدة (٤) السَّاكنة بينهما- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) سعيدٌ (٥) (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بالتَّصغير (بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ) جبل (أُحُدٍ ذَهَبًا) نُصِب على التَّمييز، قال في «التَّوضيح»: ووقوع التَّمييز بعد «مثل» قليلٌ، وجواب «لو»

стр. 5065

قوله: (مَا يَسُرُّنِي) فعلٌ مضارعٌ (١) منفيٌّ بـ «ما»، وكان الأصل أن يكون ماضيًا، ولعلَّه أوقع المضارع موقع الماضي، أو الأصل: ما كان يسرُّني، فحذف «كان»، وهو الجواب، وفيه ضميرٌ -وهو اسمه- وقوله: «يسرُّني» خبره، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «ما» من قوله: «ما يسرُّني» (أَنْ لَا يَمُرَّ عَلَيَّ) بتشديد الياء (ثَلَاثٌ) من اللَّيالي (وَعِنْدِي مِنْهُ) أي: من الذَّهب (شَيْءٌ) مبتدأٌ خبره «عندي» (٢) مُقدَّمًا، والواو في قوله: «وعندي» للحال، و «لا» في: «أنْ لَا يمرَّ» على رواية إثبات «ما يسرُّني» زائدةٌ (إِلَّا شَيْءٌ) بالرَّفع، بدلٌ من «شيء» الأوَّل (أُ َرْصِدُهُ لِدَيْنٍ) بضمِّ الهمزة وفتحها وكسر الصَّاد -كما سبق- وهما في «اليونينيَّة» (٣) (رَوَاهُ) أي: الحديثَ (صَالِحٌ) هو ابن كيسان (وَعُقَيْلٌ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ، ممَّا هو في «الزُّهريَّات» للذُّهليِّ. وحديث الباب أخرجه أيضًا في «الرِّقاق» [خ¦٦٤٤٥]. (٤) (باب) جواز (اسْتِقْرَاضِ الإِبِلِ) كغيرها من الحيوان، نعم يحرم إقراض جاريةٍ لمن تحلُّ له ولو غَيْرَ مشتهاةٍ؛ لأنَّه عقدٌ جائزٌ يثبت فيه الرَّدُّ والاسترداد، وربَّما يطؤها المقترض ثمَّ يردُّها، فيشبه إعارة الجواري للوطء، وقول النَّوويِّ في «شرح مسلمٍ»: ويجوز إقراض الأمة للخنثى، تعقَّبه السُّبكيُّ بأنَّه قد يصير واضحًا فيطؤها ويردُّها، وقال الأذرعيُّ: الأشبه المنع.

стр. 5066

٢٣٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (أَخْبَرَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ) بفتح لام «سلَمة»، وضمِّ كاف «كُهِيلٍ» مُصغَّرًا (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (بِبَيْتِنَا) أي: منزل سكننا، كذا في الفرع وغيره، ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «بمنًى» أي: لمَّا حجَّ (يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَجُلًا) ولأحمد عن عبد الرَّزَّاق عن سفيان: جاء أعرابيٌّ، وفي «المعجم الأوسط» للطَّبرانيِّ ما يُفهِم أنَّه العرباض بن سارية، لكن روى النَّسائيُّ والحاكم الحديث المذكور، وفيه ما يقتضي أنَّه غيره، ولفظه عن عِرباضٍ: بعتُ من النَّبيِّ ﷺ بكرًا، فأتيته أتقاضاه، فقال: «أجل، لا أقضيكها إلَّا النَّجيبة»، فقضاني فأحسن قضائي، وجاءه أعرابيٌّ يتقاضاه سنًّا … الحديث، وأخرجه ابن ماجه أيضًا عن العِرباض، فذكر قصَّة الأعرابيِّ، وأسقط قصَّة العِرباض (١)، فتبيَّن بهذا أنَّه سقط من رواية (٢) الطَّبرانيِّ قصَّة الأعرابيِّ فلا يُفسَّر المبهم (٣). (تَقَاضَى رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) أي: طلب (٤) منه قضاء دينٍ له عليه، ولأحمد: استقرض النَّبيُّ ﷺ من رجلٍ بعيرًا (فَأَغْلَظَ لَهُ) بالتَّشدُّد (٥) في المطالبة لا سيَّما وقد كان أعرابيًّا -كما مرَّ- فقد جرى على عادته في الجفاء والغلظة في الطَّلب، وقيل: إنَّ الكلام الذي أغلظ فيه هو أنَّه قال: يا بني عبد المطَّلب، إنَّكم مُطْلٌ وكَذَبَ، فإنَّه لم يكن في أجداده ﷺ ولا في أعمامه من هو كذلك، بل هم أهل الكرم والوفاء، ويبعد أن يصدر هذا من مسلمٍ (فَهَمَّ أَصْحَابُهُ) ﷺ ورضي عنهم، ولأبي ذرٍّ: «فهمَّ به أصحابه»، أي: عزموا أن يؤذوه بالقول أو الفعل، لكنَّهم تركوا ذلك أدبًا معه ﷺ (فَقَالَ) ﵊:

стр. 5067

(دَعُوهُ؛ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا) أي: صولة الطَّلب وقوَّة الحجَّة، لكن مع مراعاة الأدب المشروع (وَاشْتَرُوا لَهُ بَعِيرًا) وعند أحمد عن (١) عبد الرَّزَّاق: التمسوا له مثل سنِّ بعيره (فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ، وَقَالُوا) ولأبي ذرٍّ: «قالوا» بإسقاط الواو (لَا نَجِدُ إِلَّا أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ) أي: فوق سنِّ بعيره (قَالَ: اشْتَرُوهُ) أي: الأفضل (فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ) والمخاطب بذلك أبو رافعٍ مولى رسول الله ﷺ -كما في «مسلمٍ» - (٢) (فَإِنَّ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً) أي: من خيركم (٣)، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في «الهبة» [خ¦٢٦٠٦]: «فإنَّ من خيركم» -أو خيركم- على الشَّكِّ، كما في بعض الأصول، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما فيه. وفي هذا الحديث ما ترجم له وهو استقراض الإبل ويلتحق بها جميع الحيوان (٤) -كما مرَّ- وهو قول مالكٍ والشَّافعيِّ والجمهور، ومنع ذلك الحنفيَّة؛ لحديث النَّهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، رواه ابن حبَّان والدَّارقُطنيُّ عن (٥) ابن عبَّاسٍ مرفوعًا بإسنادٍ رجالُه ثقاتٌ إلَّا أنَّ الحفَّاظ رجَّحوا إرساله، وأخرجه التِّرمذيُّ من حديث الحسن عن سَمُرة، وفي سماع الحسن من سمرة اختلافٌ، وقول الطَّحاويِّ: -إنَّه ناسخٌ لحديث الباب- مُتعقَّبٌ بأنَّ النَّسخ لا يثبت بالاحتمال، وقد جمع الشَّافعيُّ ﵀ بين الحديثين بحمل النَّهي على ما إذا كان نسيئةً من الجانبين. وحديث الباب قد مرَّ في «الوكالة» [خ¦٢٣٠٦] وهو من غرائب الصَّحيح، قال البزَّار: لا يُروَى عن أبي هريرة إلَّا بهذا الإسناد، ومداره على سلمة بن كُهَيلٍ، وقد صرَّح في هذا الباب بأنَّه سمعه من أبي سلمة، كما سبق، والله أعلم (٦). (٥) (باب) استح باب (حُسْنِ التَّقَاضِي) أي: المطالبة.

стр. 5068

٢٣٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابن إبراهيم الفراهيديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ) بن عميرٍ القرشيِّ الكوفيِّ (عَنْ رِبْعِيٍّ) بكسر الرَّاء وسكون الموحَّدة وكسر المهملة وتشديد التَّحتيَّة، ابن خِراشٍ (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَاتَ رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (فَقِيلَ لَهُ) وفي «باب من أنظر موسرًا (١)» [خ¦٢٠٧٧] من طريق منصورٍ عن رِبْعيٍّ: «قالوا: أعملتَ (٢) من الخير شيئًا؟» ولأبي ذرٍّ عن المُستملي هنا: «فقيل له: ما كنت تقول؟» (قَالَ: كُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ فَأَتَجَوَّزُ) بتشديد الواو (عَنِ المُوسِرِ، وَأُخَفِّفُ عَنِ المُعْسِرِ، فَغُفِرَ لَهُ) بضمِّ الغين المعجمة مبنيًّا للمفعول. (قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرٍو الأنصاريُّ البدريُّ بالإسناد السَّابق (سَمِعْتُهُ) أي: هذا الحديث (مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ولأبي ذرٍّ عن الكمشيهنيِّ: «عن النَّبيِّ ﷺ » بالعين بدل الميم، ولفظ مسلمٍ: اجتمع حذيفة وأبو مسعودٍ، قال حذيفة: لقي رجلٌ ربَّه، فقال: ما عملت؟ قال: ما عملت من الخير إلَّا أنِّي كنت رجلًا ذا مالٍ، فكنتُ أُطالب به النَّاس، فكنت أَقْبَل (٣) الميسور، وأتجاوز عن المعسور، قال: «تجاوزوا عن عبدي»، قال أبو مسعودٍ: هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقول، وفي روايةٍ له من طريق شقيقٍ عن أبي مسعودٍ: «حُوسِب رجلٌ ممَّن كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير شيءٌ». وهو عامٌّ مخصوصٌ؛ لأنَّ عنده الإيمان، ولذلك يجوز العفو عنه ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] والأليق به أنَّه كان ممَّن قام بالفرائض؛ لأنَّه كان ممَّن وُقِيَ شحَّ نفسه، فالمعنى: أنَّه لم يوجد له من النَّوافل إلَّا هذا، ويحتمل أنَّ له نوافلَ أُخَر، لكن هذا أغلب عليه فلم يذكرها اكتفاءً بهذا، ويحتمل أن يكون المراد بـ «الخير» المال، فيكون المعنى: أنَّه لم يوجد له (٤) فعل بِرٍّ في المال إلَّا إنظار المعسر، والله أعلم.

стр. 5069

(٦) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يُعْطَى) بفتح الطَّاء، أي: هل يعطي المستقرض للمقرض (أَكْبَرَ مِنْ سِنِّهِ) الذي اقترضه. ٢٣٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهد بن مسربل بن مغربلٍ، أبو الحسن، الأسديُّ البصريُّ الثِّقة (عَنْ يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ) الحضرميُّ، أبو يحيى الكوفيُّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا) أعرابيًّا (أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَتَقَاضَاهُ بَعِيرًا) كان ﵊ اقترضه منه (فَقَالَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «قال» (رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَعْطُوهُ) بهمزة قطعٍ مفتوحةٍ، ولـ «مسلمٍ»: فأمر أبا رافعٍ أن يقضي الرَّجل بكرَه (فَقَالُوا: مَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «لا» (نَجِدُ إِلَّا سِنًّا أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ) زاد في «باب استقراض الإبل» [خ¦٢٣٩٠]: «اشتروه فأعطوه إيَّاه» (فَقَالَ الرَّجُلُ) له ﵊: (أَوْفَيْتَنِي) أي: أعطيتني حقِّي وافيًا كاملًا (أَوْفَاكَ اللهُ) بالهمزة قبل الواو السَّاكنة فيهما (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَعْطُوهُ) أي: الأفضل (فَإِنَّ مِنْ (٢) خِيَارِ النَّاسِ أَحْسَنَهُمْ قَضَاءً) وهذا من مكارم أخلاقه، وليس هو من قرضٍ جرَّ منفعةً إلى المقرض المنهيِّ (٣) عنه؛ لأنَّ المنهيَّ عنه ما كان مشروطًا في القرض، كشرط ردِّ صحيحٍ عن مُكسَّرٍ (٤)، أو ردِّه بزيادةٍ في القدر أو الصِّفة، والمعنى فيه: أنَّ موضوعَ القرض الإرفاقُ، فإذا شرط فيه لنفسه حقًّا خرج عن موضوعه فمنع صحَّته، فلو فعل ذلك بلا شرطٍ -كما هنا- استُحِبَّ ولم يُكرَه، ويجوز للمقرض

стр. 5070

أخذها، لكن مذهب المالكيَّة أنَّ الزِّيادة في العدد منهيٌّ عنها (١)، واحتجَّ الشَّافعيَّة بعموم قوله: «فإنَّ من خيار النَّاس أحسنهم قضاءً»، ولو شرط أجلًا لا يجرُّ (٢) منفعةً للمقرض بأن لم يكن له فيه غرضٌ، أو أن يردَّ الأردأ أو المُكسَّر، أو أن يقرضه قرضًا آخر، لغا الشَّرط وحده دون العقد؛ لأنَّ ما جرَّه من المنفعة ليس للمقرض بل للمقترض، والعقد عقد إرفاقٍ، فكأنَّه (٣) زاد في الإرفاق ووعده وعدًا حسنًا، لكن استُشكِل ذلك بأنَّ مثله يُفسد الرَّهن، وأُجيب بقوَّة داعي القرض؛ لأنَّه مُستَحبٌّ (٤) بخلاف الرَّهن، ويُندَب الوفاء باشتراط الأجل، كما في تأجيل الدَّين الحالِّ، قاله ابن الرِّفعة. وهذا الحديث قد سبق قريبًا [خ¦٢٣٩٠]. (٧) (باب) استح باب (٥) (حُسْنِ القَضَاءِ) أي: أداء الدَّين. ٢٣٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (عَنْ سَلَمَةَ) أي: ابن كُهَيلٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ) أعرابيٍّ (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سِنٌّ مِنَ الإِبِلِ) استسلفه (٦) منه، وكان (٧) -كما في «مسلمٍ» - بَكْرًا -بفتح الموحَّدة وسكون الكاف- وهو الفتيُّ من الإبل، كالغلام من الآدميِّين (فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ) أي:

стр. 5071

يطلبه (١) منه (فَقَالَ ﷺ : أَعْطُوهُ) سنّه (فَطَلَبُوا سِنَّهُ) أي: مثله (فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ إِلَّا سِنًّا فَوْقَهَا) أي: أعلى منها ثمنًا، أي (٢): من حيث الحُسْنُ والسِّنُّ، وفي «مسلمٍ»: أنَّه كان رَبَاعيًّا، وهو بفتح الراء وتخفيف الموحَّدة: ما دخل في السَّنة السَّابعة (فَقَالَ) ﵊، ولأبي الوقت: «قال»: (أَعْطُوهُ) أي: الأعلى (فَقَالَ) الرَّجل: (أَوْفَيْتَنِي) حقِّي وافيًا كاملًا (وَفَّى (٣) اللهُ بِكَ) بالهمزة قبل الواو السَّاكنة في الأولى، وبإسقاطها في الثَّانية، ولأبي ذرٍّ: «أوفى الله بك» بإثباتها، ولأبي الوقت: «لك» باللَّام بدل الموحَّدة (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ خِيَارَكُمْ) وفي «الهبة» [خ¦٢٦٠٦]: «فإنَّ من خيركم (٤)» (أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً) فيه استحباب الزِّيادة في الأداء -كما مرَّ- لكن هذا إن اقترض لنفسه، فإن اقترض لمحجوره أو لجهة وقفٍ فليس له ردّ زائد. ٢٣٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَلَّادٌ) غير منسوبٍ، ولأبي ذرٍّ: «خلَّاد بن يحيى»، السَّلميُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بكسر الميم وسكون السِّين وفتح العين المهملتين، ابن كدام قال: (حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ) بدالٍ مهملةٍ مكسورةٍ فمثلَّثةٍ خفيفةٍ، و «مُحارِب»: بضمِّ الميم وكسر الرَّاء، السَّدوسيُّ الكوفيُّ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهْوَ فِي المَسْجِدِ) بالمدينة (قَالَ مِسْعَرٌ) الرَّاوي (أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّ أنَّه (قَالَ: ضُحًى، فَقَالَ) ﵊: (صَلِّ رَكْعَتَيْنِ) تحيَّة المسجد (وَكَانَ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ) وهو (٥) ثمن الجمل الذي اشتراه ﵊ منه لمَّا رجع من غزوة تبوك أو ذات الرِّقاع،

стр. 5072

واستثنى حُمْلانه إلى المدينة وكان أوقيةً (فَقَضَانِي) أي: أدَّاني ذلك (وَزَادَنِي) عليه، أي (١): قيراطًا، ورُوِي: أنَّ جابرًا قال: قلت: هذا القيراط الذي زادني رسول الله ﷺ لا يفارقني أبدًا، فجعلته في كيسٍ فلم يزل عندي حتَّى جاء أهل الشَّام يوم الحرَّة، فأخذوه فيما أخذوا. ويأتي الحديث إن شاء الله تعالى في «الشُّروط» [خ¦٢٧١٨] ومطابقته لما ترجم به هنا واضحةٌ، وقد سبق في غير ما (٢) موضعٍ. (٨) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا قَضَى) المديون (دُونَ حَقِّهِ) أي: حقِّ (٣) صاحب الدَّين برضاه (أَوْ حَلَّلَهُ) صاحب الدَّين من جميعه (فَهْوَ جَائِزٌ) كذا وجَّهه ابن المنيِّر، وبه يُجاب عن قول ابن بطَّالٍ: إنَّه بالألف في النُّسخ كلِّها، والصَّواب: «وحلَّله» بإسقاط الألف، لكن في رواية أبي عليِّ بن شبُّويه عن الفَِرَبْريِّ والنَّسفيِّ عن البخاريِّ و «مستخرج الإسماعيليِّ»: «وحلَّله» بالواو كما صوَّبه ابن بطَّالٍ.

стр. 5073

٢٣٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقب عبد الله بن عثمان بن أبي جبلة، الأزديُّ العتكيُّ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) هو عبد الله كما عند المزِّيِّ، أو هو (١) عبد الرَّحمن كما عند أبي مسعودٍ الدِّمشقيِّ، وخلفٍ في «الأطراف» (أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَاهُ) عبد الله بن عمرٍو (٢) بن حرامٍ -بمهملتين- (قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ) حال كونه (شَهِيدًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ) وفي رواية وهب بن كيسان في الباب اللَّاحق [خ¦٢٣٩٦] عن جابرٍ: أنَّ أباه تُوفِّي وترك عليه ثلاثين وَسقًا لرجلٍ من اليهود (فَاشْتَدَّ الغُرَمَاءُ) يعني: في الطَّلب (فِي حُقُوقِهِمْ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) زاد في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٨٠] من غير هذا الوجه: فقلت: إنَّ أبي ترك عليه دَينًا وليس عندي إلَّا ما يُخرِج نخلُه، ولا يبلُغُ ما يُخرِجُ سنينَ ما عليه، فانطلقْ معي لكيلا يُفْحِشَ عليَّ الغرماءُ (فَسَأَلَهُمْ) ﵊ (أَنْ يَقْبَلُوا تَمْرَ حَائِطِي) بالمُثنَّاة وإسكان الميم (وَيُحَلِّلُوا أَبِي) أي: يجعلوه في حِلٍّ ممَّا يتأخَّر عليه من الدَّين (فَأَبَوْا) أي: امتنعوا أن يأخذوا تمر الحائط (فَلَمْ يُعْطِهِمِ النَّبِيُّ ﷺ ¬) ثمر (حَائِطِي، وَقَالَ) ﵊: (سَنَغْدُو عَلَيْكَ، فَغَدَا عَلَيْنَا حِينَ أَصْبَحَ، فَطَافَ فِي النَّخْلِ، وَدَعَا فِي ثَمَرِهَا) بالمُثلَّثة وفتح الميم (بِالبَرَكَةِ، فَجَدَدْتُهَا) بجيمٍ مفتوحةٍ فدالين مهملتين أولاهما مفتوحةٌ مُخفَّفةٌ (٣)، والأخرى ساكنةٌ، من الجداد، أي: قطعت ثمرها (فَقَضَيْتُهُمْ) حقَّهم كلَّه (وَبَقِيَ لَنَا مِنْ تَمْرِهَا) بالمُثنَّاة الفوقيَّة (٤) وسكون الميم، وفي نسخةٍ: «من ثمَرها» بالمثلَّثة وفتح الميم، وفي رواية مغيرة في «البيوع» [خ¦٢١٢٧]: وبقي تمري كأنَّه لم ينقُصْ منه شيءٌ. والله أعلم (٥).

стр. 5074

(٩) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا قَاصَّ) بتشديد الصَّاد المهملة (أَوْ جَازَفَهُ) بالجيم والزَّاي، من المجازفة، وهي الحدس (فِي الدَّيْنِ) متعلِّق بكلٍّ من المقاصَّة والمجازفة، أي: عند الأداء، زاد في رواية أبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ هنا: «فهو جائزٌ» أي: سواء كانت المقاصَّة والمجازفة (تَمْرًا بِتَمْرٍ أَوْ غَيْرِهِ) كبُرٍّ ببُرٍّ أو شعيرٍ بشعيرٍ، والضَّمير في «قاصَّ» يرجع إلى المديون، وكذا الضَّمير المرفوع في «جازفه»، وأمَّا المنصوب فإلى صاحب الدَّين، وقد اعترض المهلَّب على المؤلِّف: بأنَّه لا يجوز أن يأخذ من له دينُ تمرٍ من غريمه تمرًا مجازفةً بدينه؛ لما فيه من الجهل والغرر، وإنَّما يجوز أن يأخذ مجازفةً إذا عَلِمَ الآخذُ ذلك ورَضِيَ. انتهى. وأجيب بأنَّ مراد البخاريِّ ما أثبته المعترض لا ما نفاه، وغرضه بيان أنَّه يُغتَفَر في القضاء من المعاوضة (١) ما لا يُغْتَفَر ابتداءً؛ لأنَّ بيع الرُّطب بالتَّمر لا يجوز في غير العرايا، ويجوز في المعاوضة عند الوفاء. ٢٣٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) بن عبد الله بن المنذر الحزاميُّ -بالزَّاي- تكلَّم فيه أحمدُ من أجل القرآن، ووثَّقه ابن معينٍ وابن وضَّاحٍ والنَّسائيُّ وأبو حاتمٍ والدَّارقُطنيُّ، واعتمده البخاريُّ، وانتقى من حديثه، وروى له التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وغيرهما، قال: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ) هو ابن عياضٍ أبو ضمرة (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة بن الزُّبير (عَنْ وَهْبِ بْنِ

стр. 5075

كَيْسَانَ) بفتح الكاف، القرشيِّ مولاهم، أبي نعيمٍ المدنيِّ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَاهُ) عبد الله (تُوُفِّي وَتَرَكَ عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ وَسْقًا) من تمرٍ دينًا (لِرَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ) هو أبو الشَّحم، رواه الواقديُّ في «المغازي» في قصَّة دين جابرٍ عن إسماعيل بن عطيَّة بن عبد الله السُّلميِّ عن أبيه عن جابرٍ، وكذا ذكره في «المنتقى من تاريخ دمشق» لابن عساكر، وفي رواية فراسٍ عن الشَّعبيِّ في «الوصايا» [خ¦٢٧٨١]: أنَّ أباه استُشهِد يوم أُحُدٍ وترك ستَّ بناتٍ، وترك عليه دَينًا (فَاسْتَنْظَرَهُ (١) جَابِرٌ) طلب أن يُنْظِره في الدَّين المذكور (فَأَبَى) امتنع (أَنْ يُنْظِرَهُ) من إنظاره (فَكَلَّمَ جَابِرٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِيَشْفَعَ لَهُ إِلَيْهِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَكَلَّمَ) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «فكلَّم» (اليَهُودِيَّ لِيَأْخُذَ ثَمَرَ نَخْلِهِ (٢)) بالمثلَّثة وفتح الميم (بِالَّذِي لَهُ) من الدَّين، ولأبي (٣) ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «بالَّتي» أي: بالأوسق الَّتي له (فَأَبَى) اليهوديُّ (فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّخْلَ، فَمَشَى فِيهَا) وفي الباب السَّابق [خ¦٢٣٩٥]: فطاف في النَّخل ودعا في ثمرتها بالبركة (ثُمَّ قَالَ لِجَابِرٍ: جُدَّ) أي: اقطع (لَهُ، فَأَوْفِ لَهُ الَّذِي لَهُ) بفتح همزة «فأَوفِ» (فَجَدَّهُ) أي: قَطَعَه جابرٌ (بَعْدَمَا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَوْفَاهُ ثَلَاثِينَ وَسْقًا) التي كانت له في ذمَّة أبيه (وَفَضَلَتْ لَهُ سَبْعَةَ عَشَرَ وَسْقًا) بالموحَّدة بعد السِّين المهملة، وضاد «فضَلت» مفتوحةٌ في الفرع، وبالكسر ضبطها البرماويُّ، وفي «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٨٠]: فأوفاهم الذي لهم وبقي مثل ما أعطاهم، وجُمع بينهما بالحمل على تعدُّد الغرماء، فكأنَّ أصل الدَّين كان منه ليهوديٍّ ثلاثون وَسْقًا من صنفٍ واحدٍ فأوفاه، وفَضَل من ذلك البيدر سبعة عشر وَسْقًا، وكان منه لغير ذلك اليهوديِّ أشياء أُخَر من أصنافٍ أخرى فأوفاهم، وفَضَل من المجموع قدر الذي أوفاه (٤)، ويؤيِّده قوله في رواية نبيحٍ العَنَزِيِّ عن جابرٍ عند الإمام أحمد: فكِلت لهم من العجوة فأوفاهم الله، وفضل لنا من التَّمر كذا وكذا، ويأتي إن شاء الله تعالى مزيدٌ لذلك في «باب علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٨٠] بعون الله وقوَّته (فَجَاءَ جَابِرٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ

стр. 5076

لِيُخْبِرَهُ بِالَّذِي كَانَ) من البركة، وفَضَل من التَّمر بعد قضاء الدَّين (فَوَجَدَهُ يُصَلِّي العَصْرَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَخْبَرَهُ بِالفَضْلِ، فَقَالَ) ﵊ له: (أَخْبِرْ ذَلِكَ) الذي ذكرته من الفضل (ابْنَ الخَطَّابِ) عُمَرَ ﵁، ولأبي ذرٍّ: «ذاك» بإسقاط اللَّام (فَذَهَبَ جَابِرٌ إِلَى عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ) بذلك (فَقَالَ لَهُ) أي: لجابرٍ (عُمَرُ: لَقَدْ عَلِمْتُ حِينَ مَشَى فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيُبَارَكَنَّ فِيهَا) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الرَّاء مبنيًّا للمفعول، مؤكَّدًا بالنُّون الثَّقيلة، قيل: وخَصَّ عمر بذلك لكونه (١) كان مهتمًّا بقصَّة جابرٍ. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الصُّلح» [خ¦٢٧٠٩] وأبو داود في «الوصايا»، وكذا النَّسائيُّ، وأخرجه ابن ماجه في «الأحكام». (١٠) (باب مَنِ اسْتَعَاذَ) بالله (مِنَ الدَّيْنِ) أي: من ارتكابه. ٢٣٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ. (ح) مهملةٌ، لتحويل السَّند، قال المؤلِّف: (وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابن أبي أويسٍ، وسقط لغير أبي ذرٍّ قوله «حدّثنا أبو اليمان … » إلى آخر واو «وحدَّثنا إسماعيل» (٢) (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَخِي) عبد الحميد أبو بكرٍ، وهو بكنيته أشهر (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن بلالٍ (عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ) هو محمَّد بن عبد الله بن أبي عتيقٍ محمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق، التَّيميِّ المدنيِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير: (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ وَيَقُولُ:

стр. 5077

اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ) ولأبي ذرٍّ: «اللهمَّ إنِّي أعوذ بك» (مِنَ المَأْثَمِ) الذي يأثم به الإنسان، أو هو الإثم نفسه وضعًا للمصدر موضع الاسم (وَالمَغْرَمِ) هو أيضًا مصدرٌ وُضِعَ موضع الاسم، يريد به: مغرم الذُّنوب والمعاصي، وقيل: كالغرم، وهو (١) الدَّين، ويريد به: ما استُدِين ممَّا (٢) يكرهه الله، أو فيما يجوز ثمَّ عجز، فأمَّا دينٌ احتاج إليه وهو قادرٌ على أدائه فلا يُستعاذ منه، أو المراد: الاستعاذة من الاحتياج إليه، ولا تعارض بين الاستعاذة من الدَّين وجواز الاستدانة؛ لأنَّ الذي استُعيذ منه ليس هو نفس الدَّين، بل غوائل الدَّين المشار إليهما بقوله: (فَقَالَ (٣) قَائِلٌ) هي عائشة ﵂، كما في الرِّواية الأخرى: (مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ) بالله (يَا رَسُولَ اللهِ مِنَ المَغْرَمِ! قَالَ) ﵊: (إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ) قال البيضاويُّ:، أي: أخبر عن ماضي الأحوال لتمهيد معذرته في التَّقصير (فَكَذَبَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «كَذَبَ» (وَوَعَدَ) فيما يستقبل (فَأَخْلَفَ) لا يفي بوعده (٤)، وتعقَّبه في «شرح المشكاة» بأنَّه لم يرد بإدخال «إذا» في «حدَّث» و «وعد» أنَّهما شرطان، و «كذب» و «أخلف» جزاءان، بل أراد بيان ترتُّبهما عليهما بحرف التَّعقيب، فكيف يُتصوَّر ذلك؟ وأنَّ الشَّرط في الحديث «غرم»، و «حدَّث» جزاءٌ، و «وعد» عطفٌ عليه، و «كذب» و «أخلف» مرتَّبان على الجزاء وما عطف عليه؟! (١١) (باب) حكم (الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ تَرَكَ) عليه (دَيْنًا). ٢٣٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريِّ الكوفيِّ التَّابعيِّ المشهور، وثَّقه أحمد والعجليُّ والدارقُطنيُّ إلَّا أنَّه كان يغلو في التَّشيُّع، لكن أخرج له الجماعة، ولم يُخَرَّجْ له في «الصَّحيح»

стр. 5078

شيءٌ ممَّا يقوِّي بدعته (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالزَّاي بعد الحاء المهملة، سلمان الأشجعيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ تَرَكَ) بعد وفاته (مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا) بفتح الكاف وتشديد اللَّام: الثِّقل من كلِّ ما يُتكلَّف، والكَلُّ: العيال، قاله في «النِّهاية»، ولا ريب أنَّ الدَّين من كلِّ ما يُتكلَّف، والمعنى: من مات وترك عيالًا أو دينًا (فَإِلَيْنَا) يرجع أمره، فنوفِّي دَينه، ونقوم بمصالح عياله. ٢٣٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ -بفتح النُّون- قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك بن عمرٍو العَقَديُّ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) هو ابن سليمان الخزاعيُّ أو الأسلميُّ، أبو يحيى المدنيُّ، ويُقال: فليحٌ لقبٌ، واسمه عبد الملك، من طبقة مالكٍ، واحتجَّ به البخاريُّ وأصحاب «السُّنن»، وروى له مسلمٌ حديثًا واحدًا وهو حديث الإفك، وهو ثقةٌ لكنَّه كثير الخطأ، وضعَّفه ابن معين وأبو داود، وقال ابن عديٍّ: له أحاديثُ صالحةٌ مستقيمةٌ وغرائبُ (١)، وهو عندي لا بأس به. انتهى. قال الحافظ ابن حجرٍ: لم يعتمد عليه البخاريُّ اعتماده على مالكٍ وابن عيينة وأضرابهما، وإنَّما أخرج له أحاديث أكثرها في المتابعات (٢)، وبعضها في «الرِّقاق» (عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ) العامريِّ المدنيِّ، وقد يُنسب إلى جدِّه أسامة (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي (٣) عَمْرَةَ) بفتح العين وسكون الميم، آخره هاء تأنيثٍ، الأنصاريِّ النَّجاريِّ، يقال: وُلد في عهد النَّبيِّ ﷺ ، وقال ابن أبي حاتمٍ: ليست له صحبةٌ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَأَنَا) بالواو، ولأبي الوقت (٤): «إلَّا أنا» (٥) (أَوْلَى) أحقُّ النَّاس (بِهِ فِي) كلِّ شيءٍ من أمور

стр. 5079

(الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اقْرَؤوا إِنْ شِئْتُمْ) قوله تعالى: (﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]) قال بعض الكبراء: إنَّما كان ﵊ أولى بهم من أنفسهم؛ لأنَّ أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك، وهو يدعوهم إلى النَّجاة، قال ابن عطيَّة: ويؤيِّده قوله ﵊ [خ¦٦٤٨٣]: «أنا آخذٌ بحُجَزِكم عن النَّار، وأنتم تقتحمون فيها»، ويترتَّب على كونه أولى بهم من أنفسهم أنَّه يجب (١) عليهم إيثار طاعته على شهوات أنفسهم وإن شقَّ ذلك عليهم، وأن يحبُّوه أكثر من محبَّتهم لأنفسهم، ومن ثَمَّ قال ﵊ [خ¦١٤]: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من نفسه ووالده (٢) … » الحديث، واستنبط بعضهم من الآية أنَّ له ﵊ أن يأخذ الطَّعام والشَّراب من مالكهما المحتاج إليهما إذا احتاج ﵊ (٣) إليهما، وعلى صاحبهما البذل، ويفدي بمهجته (٤) مهجة (٥) نبيِّه صلوات الله وسلامه عليه، وأنَّه لو قصده ﵊ ظالمٌ وجب على من حضره أن يبذل نفسه دونه، ولم يذكر ﵊ عند نزول هذه الآية ما له في ذلك من الحظِّ، وإنَّما ذكر ما هو عليه فقال: (فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا) أي: أو حقًّا، وذِكْرُ المالِ خرج مخرج الغالب، فإنَّ الحقوق تُورَث كالمال (فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا) عبَّر بـ «مَن» الموصولة ليعمَّ أنواع العصبة، والذي عليه أكثر الفرضيِّين أنَّهم ثلاثة أقسامٍ، عصبةٌ بنفسه، وهو من له ولاءٌ وكلُّ ذكرٍ نسيبٍ يُدلَى إلى الميِّت بلا واسطةٍ أو بتوسُّط محض الذُّكور، وعصبةٌ بغيره، وهو كلُّ ذات نصفٍ (٦) معها ذكرٌ

стр. 5080

يعصِّبها، وعصبةٌ مع غيره، وهو أختٌ فأكثر لغير أمٍّ معها بنتٌ أو بنت ابنٍ فأكثر (وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا) بفتح الضَّاد المعجمة، مصدرٌ أُطلِقَ على اسم الفاعل للمُبالَغة، كالعَدْل والصَوْم، وجوَّز ابن الأثير الكسر على أنَّه جمع ضائعٍ كـ «جياعٍ» (١) في جمع «جائعٍ»، وأنكره الخطَّابي، أي: من ترك عيالًا محتاجين (فَلْيَأْتِنِي، فَأَنَا مَوْلَاهُ) أي: وليُّه أتولَّى أموره، فإن ترك دينًا وفيته عنه، أو عيالًا فأنا كافلهم، وإليَّ ملجؤهم ومأواهم، وقد كان ﵊ في صدر الإسلام لا يصلِّي على من عليه دَينٌ، فلمَّا فتح الله تعالى عليه الفتوح صار يصلِّي عليه ويوفي دَينه، فصار ذلك ناسخًا لفعله الأوَّل، وهل كان ذلك محرَّمًا عليه أم لا؟ فيه خلافٌ للشَّافعيَّة، حكاه الرُّويانيُّ في «الجرجانيَّات»، وحكى خلافًا أيضًا في أنَّه هل كان يجوز له أن يصلِّي مع وجود الضَّامن؟ قال النَّوويُّ: والصَّواب الجزم بجوازه مع وجود الضَّامن. انتهى. قال في «شرح تقريب الأسانيد»: والظَّاهر أنَّ ذلك لم يكن مُحرَّمًا عليه، وإنَّما كان يفعله ليحرِّض النَّاس على قضاء الدَّين في حياتهم، والتَّوصُّل إلى البراءة منه، لئلَّا تفوتهم صلاة النَّبيِّ ﷺ عليهم، فلمَّا فتح الله تعالى عليه الفتوح صار يصلِّي عليهم، ويقضي دَين من لم يُخلف وفاءً -كما مرَّ- وهل كان ذلك واجبًا عليه أو يفعله تكرُّمًا وتفضُّلًا؟ فيه (٢) خلافٌ عند الشَّافعيَّة أيضًا، والأشهر عندهم وجوبه، وعدُّوه من الخصائص، وعند ابن حبَّان وصحَّحه: «أنا وارث من لا وارث له، أعقل عنه وأرثه»، فهو ﵊ لا يرث لنفسه، بل يصرفه للمسلمين. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٧٨١]. (١٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ).
следующие страницы →